التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سورة البقرة، الآية: ١٥٨

(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ). سورة البقرة، الآية: ١٥٨

التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ

التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)

﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾

هَذا كَلامٌ وقَعَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ مُحاجَّةِ أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في أمْرِ القِبْلَةِ، نَزَلَ هَذا بِسَبَبِ تَرَدُّدٍ واضْطِرابٍ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في أمْرِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ وذَلِكَ عامَ حِجَّةِ الوَداعِ، كَما جاءَ في حَدِيثِ عائِشَةَ الآتِي، فَهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ الآياتِ الَّتِي قَبْلَها وبَعْدَ الآياتِ الَّتِي نَقْرَؤُها بَعْدَها، لِأنَّ الحَجَّ لَمْ يَكُنْ قَدْ فُرِضَ، وهي مِنَ الآياتِ الَّتِي أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإلْحاقِها بِبَعْضِ السُّوَرِ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَ نُزُولِها بِمُدَّةِ، والمُناسَبَةُ بَيْنَها وبَيْنَ ما قَبْلَها هو أنَّ العُدُولَ عَنِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ يُشْبِهُ فِعْلَ مَن عَبَّرَ عَنْهم بِالسُّفَهاءِ مِنَ القِبْلَةِ وإنْكارِ العُدُولِ عَنِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَمَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ إلْحاقِها بِهَذا المَكانِ مَوْقِعُ الِاعْتِراضِ في أثْناءِ الِاعْتِراضِ، فَقَدْ كانَ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ مِن أعْمالِ الحَجِّ مِن زَمَنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَذْكِيرًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلى هاجَرَ وابْنِها إسْماعِيلَ إذْ أنْقَذَهُ اللَّهُ مِنَ العَطَشِ كَما في حَدِيثِ البُخارِيِّ في كِتابِ بَدْءِ الخَلْقِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ «أنْ هاجَرَ أُمَّ إسْماعِيلَ لَمّا تَرَكَها إبْراهِيمُ بِمَوْضِعِ مَكَّةَ ومَعَها ابْنُها وهو رَضِيعٌ وتَرَكَ لَها جِرابًا مِن تَمْرٍ وسِقاءً فِيهِ ماءٌ، فَلَمّا نَفِدَ ما في السِّقاءِ عَطِشَتْ وعَطِشَ ابْنُها وجَعَلَتْ تَنْظُرُ إلَيْهِ يَتَلَوّى فانْطَلَقَتْ كَراهِيَةَ أنْ تَنْظُرَ إلَيْهِ فَوَجَدَتِ الصَّفا أقْرَبَ جَبَلٍ يَلِيها فَقامَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الوادِي تَنْظُرُ هَلْ تَرى أحَدًا فَلَمْ تَرَ أحَدًا فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفا وأتَتِ المَرْوَةَ فَقامَتْ عَلَيْها فَنَظَرَتْ هَلْ تَرى أحَدًا فَلَمْ تَرَ أحَدًا فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرّاتٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ: فَلِذَلِكَ سَعى النّاسُ بَيْنَهُما، فَسَمِعَتْ صَوْتًا فَقالَتْ في نَفْسِها صَهٍ ثُمَّ تَسَمَّعَتْ أيْضًا فَقالَتْ قَدْ أسْمَعْتَ إنْ كانَ عِنْدَكَ غُواثٌ، فَإذا هي بِالمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ حَتّى ظَهَرَ الماءُ فَشَرِبَتْ وأرْضَعَتْ ولَدَها»، فَيُحْتَمَلُ أنَّ إبْراهِيمَ سَعى بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ تَذَكُّرًا لِشُكْرِ النِّعْمَةِ وأمَرَ بِهِ إسْماعِيلَ، ويُحْتَمَلُ أنَّ إسْماعِيلَ ألْحَقَهُ بِأفْعالِ الحَجِّ، أوْ أنَّ مَن جاءَ مِن أبْنائِهِ فَعَلَ ذَلِكَ فَتَقَرَّرَ في الشَّعائِرِ عِنْدَ قُرَيْشٍ لا مَحالَةَ.

وقَدْ كانَ حَوالِيَ الكَعْبَةِ في الجاهِلِيَّةِ حَجَرانِ كانا مِن جُمْلَةِ الأصْنامِ الَّتِي جاءَ بِها عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ إلى مَكَّةَ فَعَبَدَها العَرَبُ أحَدُهُما يُسَمّى إسافًا والآخَرُ يُسَمّى نائِلَةَ، كانَ أحَدُهُما مَوْضُوعًا قُرْبَ جِدارِ الكَعْبَةِ والآخَرُ مَوْضُوعًا قُرْبَ زَمْزَمَ، ثُمَّ نَقَلُوا الَّذِي قُرْبَ الكَعْبَةِ إلى جِهَةِ زَمْزَمَ، وكانَ العَرَبُ يَذْبَحُونَ لَهُما، فَلَمّا جَدَّدَ عَبْدُ المُطَّلِبِ احْتِفارَ زَمْزَمَ بَعْدَ أنْ دَثَرَتْها جُرْهُمُ حِينَ خُرُوجِهِمْ مِن مَكَّةَ وبَنى سِقايَةَ زَمْزَمَ نَقَلَ ذَيْنَكَ الصَّنَمَيْنِ فَوَضَعَ إسافًا عَلى الصَّفا ونائِلَةَ عَلى المَرْوَةِ، وجَعَلَ المُشْرِكُونَ بَعْدَ ذَلِكَ أصْنامًا صَغِيرَةً وتَماثِيلَ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ في طَرِيقِ المَسْعى، فَتَوَهَّمَ العَرَبُ الَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ أنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ طَوافٌ بِالصَّنَمَيْنِ، وكانَتِ الأوْسُ والخَزْرَجُ وغَسّانُ يَعْبُدُونَ مَناةَ وهو صَنَمٌ بِالمُشَلَّلِ قُرْبَ قُدَيْدٍ فَكانُوا لا يَسْعَوْنَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ تَحَرُّجًا مِن أنْ يَطُوفُوا بِغَيْرِ صَنَمِهِمْ، في البُخارِيِّ فِيما عَلَّقَهُ عَنْ مَعْمَرٍ إلى عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رِجالٌ مِنَ الأنْصارِ مِمَّنْ كانَ يُهِلُّ لِمَناةَ قالُوا يا نَبِيءَ اللَّهِ كُنّا لا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ تَعْظِيمًا لِمَناةَ.

فَلَمّا فُتِحَتْ مَكَّةُ وأُزِيلَتِ الأصْنامُ وأُبِيحُ الطَّوافُ بِالبَيْتِ وحَجَّ المُسْلِمُونَ مَعَ أبِي بَكْرٍ وسَعَتْ قُرَيْشٌ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ تَحَرَّجَ الأنْصارُ مِنَ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ وسَألَ جَمْعٌ مِنهُمُ النَّبِيءَ ﷺ هَلْ عَلَيْنا مِن حَرَجٍ أنْ نَطُوفَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» .

وقَدْ رَوى مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ في المُوَطَّأِ عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: قُلْتُ لِعائِشَةَ - وأنا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ - «أرَأيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾، فَما عَلى الرَّجُلِ شَيْءٌ أنْ لا يَطَّوَّفَ بِهِما، فَقالَتْ عائِشَةُ: كَلّا لَوْ كانَ كَما تَقُولُ لَكانَتْ: فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ لا يَطَّوَّفَ بِهِما، إنَّما أُنْزِلَتْ هاتِهِ الآيَةُ في الأنْصارِ كانُوا يُهِلُّونَ لِمَناةَ وكانَتْ مَناةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ وكانُوا يَتَحَرَّجُونَ أنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ﴾ الآيَةَ» .

وفِي البُخارِيِّ عَنْ أنَسٍ «كُنّا نَرى أنَّهُما مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ أمْسَكْنا عَنْهُما فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ»﴾، وفِيهِ كَلامُ مَعْمَرٍ المُتَقَدِّمُ أنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ لا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ تَعْظِيمًا لِمَناةَ.

فَتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِـ إنَّ لِأنَّ المُخاطَبِينَ مُتَرَدِّدُونَ في كَوْنِهِما مِن شَعائِرِ اللَّهِ وهم أمْيَلُ إلى اعْتِقادِ أنَّ السَّعْيَ بَيْنَهُما مِن أحْوالِ الجاهِلِيَّةِ، وفي أسْبابِ النُّزُولِ لِلْواحِدِيِّ: أنَّ سُؤالَهم كانَ عامَ حِجَّةَ الوَداعِ، وبِذَلِكَ كُلِّهِ يَظْهَرُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ بِسِنِينَ فَوَضْعُها في هَذا المَوْضِعِ لِمُراعاةِ المُناسَبَةِ مَعَ الآياتِ الوارِدَةِ في اضْطِرابِ الفَرْقِ في أمْرِ القِبْلَةِ والمَناسِكِ.

والصَّفا والمَرْوَةُ: اسْمانِ لِجَبَلَيْنِ مُتَقابِلَيْنِ فَأمّا الصَّفا فَهو رَأْسُ نِهايَةِ جَبَلِ أبِي قُبَيْسٍ، وأمّا المَرْوَةُ فَرَأْسٌ هو مُنْتَهى جَبَلِ قُعَيْقِعانَ. وسُمِّيَ الصَّفا لِأنَّ حِجارَتَهُ مِنَ الصَّفا وهو الحَجَرُ الأمْلَسُ الصُّلْبُ، وسُمِّيَتِ المَرْوَةُ مَرْوَةَ لِأنَّ حِجارَتَها مِنَ المَرْوِ وهي الحِجارَةُ البَيْضاءُ اللَّيِّنَةُ الَّتِي تُورِي النّارَ ويُذْبَحُ بِها لِأنَّ شَذْرَها يُخْرِجُ قِطَعًا مُحَدَّدَةَ الأطْرافِ وهي تُضْرَبُ بِحِجارَةٍ مِنَ الصَّفا فَتَتَشَقَّقُ قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ:

حَتّى كَأنِّي لِلْحَوادِثِ مَرْوَةٌ بِصَفا المُشَقَّرِ كُلَّ يَوْمٍ تَفَرَّعُ

وكَأنَّ اللَّهَ تَعالى لَطَفَ بِأهْلِ مَكَّةَ فَجَعَلَ لَهم جَبَلًا مِنَ المَرْوَةِ لِلِانْتِفاعِ بِهِ في اقْتِداحِهِمْ وفي ذَبائِحِهِمْ، وجَعَلَ قُبالَتَهُ الصَّفا لِلِانْتِفاعِ بِهِ في بِنائِهِمْ.

والصَّفا والمَرْوَةُ بِقُرْبِ المَسْجِدِ الحَرامِ وبَيْنَهُما مَسافَةُ سَبْعِمِائَةٍ وسَبْعِينَ ذِراعًا، وطَرِيقُ السَّعْيِ بَيْنَهُما يَمُرُّ حَذْوَ جِدارِ المَسْجِدِ الحَرامِ، والصَّفا قَرِيبٌ مِن بابٍ يُسَمّى بابَ الصَّفا مِن أبْوابِ المَسْجِدِ الحَرامِ ويَصْعَدُ السّاعِي إلى الصَّفا والمَرْوَةِ بِمِثْلِ المُدَرَّجَةِ، والشَّعائِرُ جَمْعُ شَعِيرَةٍ بِفَتْحِ الشِّينِ وشِعارَةٍ بِكَسْرِ الشِّينِ بِمَعْنى العَلامَةِ مُشْتَقٌّ مَن شَعَرَ إذا عَلِمَ وفَطِنَ، وهي فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مُفَعْوِلَةٍ أيْ مُعْلَمٌ بِها ومِنهُ قَوْلُهم: أُشْعِرَ البَعِيرُ إذا جُعِلَ لَهُ سِمَةٌ في سَنامِهِ بِأنَّهُ مُعَدٌّ لِلْهَدْيِ.

فالشَّعائِرُ ما جُعِلَ عَلامَةً عَلى أداءِ عَمَلٍ مِن عَمَلِ الحَجِّ والعُمْرَةِ وهي المَواضِعُ المُعَظَّمَةُ مِثْلُ المَواقِيتِ الَّتِي يَقَعُ عِنْدَها الإحْرامُ، ومِنها الكَعْبَةُ والمَسْجِدُ الحَرامِ والمَقامُ والصَّفا والمَرْوَةُ وعَرَفَةُ والمَشْعَرُ الحَرامُ بِمُزْدَلِفَةَ ومِنًى والجِمارُ.

ومَعْنى وصْفِ الصَّفا والمَرْوَةِ بِأنَّهُما مِن شَعائِرِ اللَّهِ أنَّ اللَّهَ جَعَلَهُما عَلامَتَيْنِ عَلى مَكانِ عِبادَةٍ كَتَسْمِيَةِ مَواقِيتِ الحَجِّ مَواقِيتَ فَوَصْفُهُما بِذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ السَّعْيَ بَيْنَهُما عِبادَةٌ إذْ لا تَتَعَلَّقُ بِهِما عِبادَةٌ جُعِلا عَلامَةً عَلَيْها غَيْرُ السَّعْيِ بَيْنَهُما، وإضافَتُهُما إلى اللَّهِ لِأنَّهُما عَلامَتانِ عَلى عِبادَتِهِ أوْ لِأنَّهُ جَعَلَهُما كَذَلِكَ.

وقَوْلُهُ ﴿فَمَن حَجَّ البَيْتَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى كَوْنِهِما مِن شَعائِرِ اللَّهِ، وأنَّ السَّعْيَ بَيْنَهُما في الحَجِّ والعُمْرَةِ مِنَ المَناسِكِ فَلا يُرِيبُهُ ما حَصَلَ فِيهِما مِن صُنْعِ الجاهِلِيَّةِ لِأنَّ الشَّيْءَ المُقَدَّسَ لا يُزِيلُ تَقْدِيسَهُ ما يَحُفُّ بِهِ مِن سَيِّئِ العَوارِضِ، ولِذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ فَلا جُناحَ عَلى نَفْيِ ما اخْتَلَجَ في نُفُوسِهِمْ بَعْدَ الإسْلامِ كَما في حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.

والجُناحُ: بِضَمِّ الجِيمِ الإثْمُ مُشْتَقٌّ مِن جَنَحَ إذا مالَ لِأنَّ الإثْمَ يَمِيلُ بِهِ المَرْءُ عَنْ طَرِيقِ الخَيْرِ، فاعْتَبَرُوا فِيهِ المَيْلَ عَنِ الخَيْرِ عَكْسَ اعْتِبارِهِمْ في حَنَفٍ أنَّهُ مَيْلٌ عَنِ الشَّرِّ إلى الخَيْرِ.

والحَجُّ: اسْمٌ في اللُّغَةِ لِلْقَصْدِ، وفي العُرْفِ، عَلى قَصْدِ البَيْتِ الحَرامِ الَّذِي بِمَكَّةَ لِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى فِيهِ بِالطَّوافِ والوُقُوفِ بِعَرَفَةَ والإحْرامِ ولِذَلِكَ صارَ بِالإطْلاقِ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً في هَذا المَعْنى جِنْسًا بِالغَلَبَةِ كالعَلَمِ بِالغَلَبَةِ ولِذَلِكَ قالَ في الكَشّافِ: وهُما أيِ الحَجُّ والعُمْرَةُ، في المَعانِي كالنَّجْمِ والبَيْتِ في الذَّواتِ، فَلا يُحْتاجُ إلى ذِكْرِ مُضافٍ إلَيْهِ إلّا في مَقامِ الِاعْتِناءِ بِالتَّنْصِيصِ، ولِذَلِكَ ورَدَ في القُرْآنِ مَقْطُوعًا عَنِ الإضافَةِ نَحْوَ ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] إلى قَوْلِهِ ﴿ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] ووَرَدَ مُضافًا في قَوْلِهِ ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] لِأنَّهُ مَقامُ ابْتِداءِ تَشْرِيعٍ فَهو مَقامُ بَيانٍ وإطْنابٍ. وفِعْلُ حَجَّ بِمَعْنى قَصَدَ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنِ الإطْلاقِ عَلى القَصْدِ في كَلامِ العَرَبِ فَلِذَلِكَ كانَ ذِكْرُ المَفْعُولِ لِزِيادَةِ البَيانِ.

وأمّا صِحَّةُ قَوْلِكَ: حَجَّ فُلانٌ، وقَوْلِهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا» بِدُونِ ذِكْرِ المَفْعُولِ فَذَلِكَ حَذْفٌ لِلتَّعْوِيلِ عَلى القَرِينَةِ، فَغَلَبَةُ إطْلاقِ الفِعْلِ عَلى قَصْدِ البَيْتِ أقَلُّ مِن غَلَبَةِ إطْلاقِ اسْمِ الحَجِّ عَلى ذَلِكَ القَصْدِ.

والعُمْرَةُ: اسْمٌ لِزِيارَةِ البَيْتِ الحَرامِ في غَيْرِ وقْتِ الحَجِّ أوْ في وقْتِهِ بِدُونِ حُضُورِ عَرَفَةَ فالعُمْرَةُ بِالنِّسْبَةِ إلى الحَجِّ مِثْلُ صَلاةِ الفَذِّ بِالنِّسْبَةِ لِصَلاةِ الجَماعَةِ، وهي بِصِيغَةِ الِاسْمِ عَلَمُ الغَلَبَةِ عَلى زِيارَةِ الكَعْبَةِ، وفِعْلُها غَلَبَ عَلى تِلْكَ الزِّيارَةِ تَبَعًا لِغَلَبَةِ الِاسْمِ فَساواهُ فِيها ولِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرِ المَفْعُولُ هُنا ولَمْ يُسْمَعْ.

والغَلَبَةُ عَلى كُلِّ حالٍ لا تَمْنَعُ مِنَ الإطْلاقِ الآخَرِ نادِرًا.

ونَفْيُ الجُناحِ عَنِ الَّذِي يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ لا يَدُلُّ عَلى أكْثَرَ مِن كَوْنِهِ غَيْرَ مَنهِيٍّ عَنْهُ فَيُصَدِّقُ بِالمُباحِ والمَندُوبِ، والواجِبِ والرُّكْنِ، لِأنَّ المَأْذُونَ فِيهِ يُصَدِّقُ بِجَمِيعِ المَذْكُوراتِ فَيَحْتاجُ في إثْباتِ حُكْمِهِ إلى دَلِيلٍ آخَرَ ولِذَلِكَ قالَتْ عائِشَةُ لِعُرْوَةَ: لَوْ كانَ كَما تَقُولُ لَقالَ: فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ لا يَطَّوَّفَ بِهِما، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في أحْكامِ القُرْآنِ: إنَّ قَوْلَ القائِلِ: لا جُناحَ عَلَيْكَ أنْ تَفْعَلَ إباحَةٌ لِلْفِعْلِ وقَوْلُهُ: لا جُناحَ عَلَيْكَ أنْ لا تَفْعَلَ إباحَةٌ لِتَرْكِ الفِعْلِ فَلَمْ يَأْتِ هَذا اللَّفْظُ لِإباحَةِ تَرْكِ الطَّوافِ ولا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ وإنَّما جاءَ لِإفادَةِ إباحَةِ الطَّوافِ لِمَن كانَ تَحَرَّجَ مِنهُ في الجاهِلِيَّةِ أوْ بِمَن كانَ يَطُوفُ بِهِ في الجاهِلِيَّةِ قَصْدًا لِلْأصْنامِ الَّتِي كانَتْ فِيهِ اهـ.

ومُرادُهُ أنَّ لا جُناحَ عَلَيْكَ أنْ تَفْعَلَ نَصٌّ في نَفْيِ الإثْمِ عَنِ الفاعِلِ وهو صادِقٌ بِالإباحَةِ والنَّدْبِ والوُجُوبِ فَهو في واحِدٍ مِنها مُجْمَلٌ، بِخِلافِ لا جُناحَ عَلَيْكَ أنْ لا تَفْعَلَ فَهو نَصٌّ في نَفْيِ الإثْمِ التّالِي وهو صادِقٌ بِحُرْمَةِ الفِعْلِ وكَراهِيَتِهِ فَهو في أحَدِهِما مُجْمَلٌ، نَعَمْ إنَّ التَّصَدِّيَ لِلْإخْبارِ بِنَفْيِ الإثْمِ عَنْ فاعِلِ شَيْءٍ يَبْدُو مِنهُ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ مَظِنَّةٌ لِأنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا هَذا عُرْفُ اسْتِعْمالِ الكَلامِ، فَقَوْلُكَ: لا جُناحَ عَلَيْكَ في فِعْلِ كَذا ظاهِرٌ في الإباحَةِ بِمَعْنى اسْتِواءِ الوَجْهَيْنِ دُونَ النَّدْبِ والوُجُوبِ إذْ لا يَعْمِدُ أحَدٌ إلى واجِبٍ أوْ فَرْضٍ أوْ مَندُوبٍ فَيَقُولُ فِيهِ إنَّهُ لا جُناحَ عَلَيْكم في فِعْلِهِ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ فَهِمَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ مِنَ الآيَةِ عَدَمَ فَرْضِيَّةِ السَّعْيِ، ولَقَدْ أصابَ فَهْمًا مِن حَيْثُ اسْتِعْمالُ اللُّغَةِ لِأنَّهُ مِن أهْلِ اللِّسانِ، غَيْرَ أنَّ هُنا سَبَبًا دَعا لِلتَّعْبِيرِ بِنَفْيِ الإثْمِ عَنِ السّاعِي وهو ظَنُّ كَثِيرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أنَّ في ذَلِكَ إثْمًا، فَصارَ الدّاعِي لِنَفْيِ الإثْمِ عَنِ السّاعِي هو مُقابَلَةَ الظَّنِّ بِما يَدُلُّ عَلى نَقِيضِهِ مَعَ العِلْمِ بِانْتِفاءِ احْتِمالِ قَصْدِ الإباحَةِ بِمَعْنى اسْتِواءِ الطَّرَفَيْنِ بِما هو مَعْلُومٌ مِن أوامِرِ الشَّرِيعَةِ اللّاحِقَةِ بِنُزُولِ الآيَةِ أوِ السّابِقَةِ لَها، ولِهَذا قالَ عُرْوَةُ فِيما رَواهُ: وأنا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ، يُرِيدُ أنَّهُ لا عِلْمَ لَهُ بِالسُّنَنِ وأسْبابِ النُّزُولِ، ولَيْسَ مُرادُهُ مِن حَداثَةِ سِنِّهِ جَهْلَهُ بِاللُّغَةِ لِأنَّ اللُّغَةَ يَسْتَوِي في إدْراكِ مَفاداتِها الحَدِيثُ والكَبِيرُ، ولِهَذا أيْضًا قالَتْ لَهُ عائِشَةُ: بِئْسَما قُلْتَ يا ابْنَ أُخْتِي تُرِيدُ ذَمَّ كَلامِهِ مِن جِهَةِ ما أدّاهُ إلَيْهِ مِن سُوءِ فَهْمِ مَقْصِدِ القُرْآنِ لَوْ دامَ عَلى فَهْمِهِ ذَلِكَ، عَلى عادَتِهِمْ في الصَّراحَةِ في قَوْلِ الحَقِّ، فَصارَ ظاهِرُ الآيَةِ بِحَسَبَ المُتَعارَفِ مُؤَوَّلًا بِمَعْرِفَةِ سَبَبِ التَّصَدِّي لِنَفْيِ الإثْمِ عَنِ الطّائِفِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ.

فالجُناحُ المَنفِيُّ في الآيَةِ جُناحٌ عَرَضَ لِلسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةَ في نَصْبِ إسافٍ ونائِلَةَ عَلَيْهِما ولَيْسَ لِذاتِ السَّعْيِ، فَلَمّا زالَ سَبَبُهُ زالَ الجُناحُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] فَنَفى الجُناحَ عَنِ التَّصالُحِ وأثْبَتَ لَهُ أنَّهُ خَيْرٌ فالجُناحُ المَنفِيُّ عَنِ الصُّلْحِ ما عَرَضَ قَبْلَهُ مِن أسْبابِ النُّشُوزِ والإعْراضِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهم فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٨٢] مَعَ أنَّ الإصْلاحَ بَيْنَهم مُرَغَّبٌ فِيهِ وإنَّما المُرادُ لا إثْمَ عَلَيْهِ فِيما نَقَصَ مِن حَقِّ أحَدِ الجانِبَيْنِ وهو إثْمٌ عارِضٌ.

والآيَةُ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ بِالإخْبارِ عَنْهُما بِأنَّهُما مِن شَعائِرِ اللَّهِ فَلِأجْلِ هَذا اخْتَلَفْتِ المَذاهِبُ في حُكْمِ السَّعْيِ؛ فَذَهَبَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ في أشْهَرِ الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ إلى أنَّهُ فَرْضٌ مِن أرْكانِ الحَجِّ وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ والجُمْهُورِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ مِن أفْعالِ الحَجِّ وقَدِ اهْتَمَّ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ وبادَرَ إلَيْهِ كَما في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ والمُوَطَّأِ فَلَمّا تَرَدَّدَ فِعْلُهُ بَيْنَ السُّنِّيَّةِ والفَرْضِيَّةِ، قالَ مالِكٌ بِأنَّهُ فَرْضُ قَضاءٍ لَحِقَ الِاحْتِياطَ ولِأنَّهُ فِعْلٌ بِسائِرِ البَدَنِ مِن خَصائِصِ الحَجِّ لَيْسَ لَهُ مَثِيلٌ مَفْرُوضٌ فَيُقاسُ عَلى الوُقُوفِ وطَوافِ الإفاضَةِ والإحْرامِ، بِخِلافِ رَكْعَتَيِ الطَّوافِ فَإنَّهُما فِعْلٌ لَيْسَ مِن خَصائِصِ الحَجِّ لِأنَّهُ صَلاةٌ، وبِخِلافِ تَرْكِ لُبْسِ المَخِيطِ فَإنَّهُ تَرْكٌ، وبِخِلافِ رَمْيِ الجِمارِ فَإنَّهُ فِعْلٌ بَعُضْوٍ وهو اليَدُ. وقَوْلِي لَيْسَ لَهُ مَثِيلٌ مَفْرُوضٌ لِإخْراجِ طَوافِ القُدُومِ فَإنَّهُ وإنْ كانَ فِعْلًا بِجَمِيعِ البَدَنِ إلّا أنَّهُ لَهُ مَثِيلٌ مَفْرُوضٌ وهو الإفاضَةُ فَأغْنى عَنْ جَعْلِهِ فَرْضًا، ولِقَوْلِهِ في الحَدِيثِ: «اسْعَوْا فَإنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ»، والأمْرُ ظاهِرٌ في الوُجُوبِ، والأصْلُ أنَّ الفَرْضَ والواجِبَ مُتَرادِفانِ عِنْدَنا لا في الحَجِّ، فالواجِبُ دُونَ الفَرْضِ لَكِنَّ الوُجُوبَ الَّذِي هو مَدْلُولُ الأمْرِ مُساوٍ لِلْفَرْضِ.

وذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ إلى أنَّهُ واجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالنُّسُكِ واحْتَجَّ الحَنَفِيَّةُ لِذَلِكَ بِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ في الدَّلالَةِ فَلا يَكُونُ فَرْضًا بَلْ واجِبًا لِأنَّ الآيَةَ قَطْعِيَّةُ المَتْنِ فَقَطْ والحَدِيثُ ظَنِّيٌّ فِيهِما، والجَوابُ أنَّ مَجْمُوعَ الظّاهِرِ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ يَدُلُّ عَلى الفَرْضِيَّةِ وإلّا فالوُقُوفُ بِعَرَفَةَ لا دَلِيلَ عَلى فَرْضِيَّتِهِ وكَذَلِكَ الإحْرامُ فَمَتى يَثْبُتُ هَذا النَّوْعُ المُسَمّى عِنْدَهم بِالفَرْضِ، وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ إلى أنَّهُ سُنَّةٌ.

وقَوْلُهُ ﴿ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ لِما أفادَتْهُ الآيَةُ مِنَ الحَثِّ عَلى السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ بِمَفادِ قَوْلِهِ ﴿مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾، والمَقْصِدُ مِن هَذا التَّذْيِيلِ الإتْيانُ بِحُكْمٍ كُلِّيٍّ في أفْعالِ الخَيْراتِ كُلِّها مِن فَرائِضَ ونَوافِلَ أوْ نَوافِلَ فَقَطْ فَلَيْسَ المَقْصُودُ مِن خَيْرًا خُصُوصَ السَّعْيِ لِأنَّ خَيْرًا نَكِرَةٌ في سِياقِ الشَّرْطِ فَهي عامَّةٌ ولِهَذا عُطِفَتِ الجُمْلَةُ بِالواوِ دُونَ الفاءِ لِئَلّا يَكُونَ الخَيْرُ قاصِرًا عَلى الطَّوافِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى في آيَةِ الصِّيامِ في قَوْلِهِ ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةُ طَعامِ مَساكِينَ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهو خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] لِأنَّهُ أُرِيدَ هُنالِكَ بَيانُ أنَّ الصَّوْمَ مَعَ وُجُودِ الرُّخْصَةِ في الفِطْرِ أفْضَلُ مِن تَرْكِهِ أوْ أنَّ الزِّيادَةَ عَلى إطْعامِ مِسْكِينٍ أفْضَلُ مِنَ الِاقْتِصارِ عَلَيْهِ كَما سَيَأْتِي.

وتَطَوَّعَ يُطْلَقُ بِمَعْنى فَعَلَ طاعَةً وتَكَلَّفَها، ويُطْلَقُ مُطاوِعُ طَوَّعَهُ أيْ جَعَلَهُ مُطِيعًا فَيَدُلُّ عَلى مَعْنى التَّبَرُّعِ غالِبًا لِأنَّ التَّبَرُّعَ زائِدٌ في الطّاعَةِ. وعَلى الوَجْهَيْنِ فانْتِصابُ خَيْرًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ أيْ تَطَوَّعَ بِخَيْرٍ أوْ بِتَضْمِينِ ”تَطَوَّعَ“ مَعْنى ”فَعَلَ“ أوْ ”أتى“ .

ولَمّا كانَتِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا فَلَيْسَ فِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ السَّعْيَ مِنَ التَّطَوُّعِ أيْ مِنَ المَندُوباتِ لِأنَّها لِإفادَةِ حُكْمٍ كُلِّيٍّ بَعْدَ ذِكْرِ تَشْرِيعٍ عَظِيمٍ، عَلى أنَّ تَطَوَّعَ لا يَتَعَيَّنُ لِكَوْنِهِ بِمَعْنى تَبَرَّعَ بَلْ يَحْتَمِلُ مَعْنى أتى بِطاعَةٍ أوْ تَكَلَّفَ طاعَةً.

وقَرَأ الجُمْهُورُ مَن تَطَوَّعَ بِصِيغَةِ الماضِي، وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ ”يَطَّوَّعْ“ بِصِيغَةِ المُضارِعِ وياءِ الغَيْبَةِ وجَزْمِ العَيْنِ.

ومَن هُنا شَرْطِيَّةٌ بِدَلِيلِ الفاءِ في جَوابِها. وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ دَلِيلُ الجَوابِ إذِ التَّقْدِيرُ: ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا جُوزِيَ بِهِ لِأنَّ اللَّهَ شاكِرٌ أيْ لا يُضِيعُ أجْرَ مُحْسِنٍ، عَلِيمٌ لا يَخْفى عَنْهُ إحْسانُهُ، وذَكَرَ الوَصْفَيْنِ لِأنَّ تَرْكَ الثَّوابِ عَنِ الإحْسانِ لا يَكُونُ إلّا عَنْ جُحُودٍ لِلْفَضِيلَةِ أوْ جَهْلٍ بِها فَلِذَلِكَ نُفِيا بِقَوْلِهِ شاكِرٌ عَلِيمٌ والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ شاكِرٌ هُنا اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ شَبَّهَ شَأْنَ اللَّهِ في جَزاءِ العَبْدِ عَلى الطّاعَةِ بِحالِ الشّاكِرِ لِمَن أسْدى إلَيْهِ نِعْمَةً، وفائِدَةُ هَذا التَّشْبِيهِ تَمْثِيلُ تَعْجِيلِ الثَّوابِ وتَحْقِيقِهِ لِأنَّ حالَ المُحْسَنِ إلَيْهِ أنْ يُبادِرَ بِشُكْرِ المُحْسِنِ.

الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ

الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)

قوله تعالى: {إِنَّ الصفا} : «الصَّفا» اسمُها، و {مِن شَعَآئِرِ الله} خبرُها. قال أبو البقاء: «وفي الكلامِ حَذْفُ مضافٍ، تقديرُه:» طوافُ الصفا، أو سَعْيُ الصفا «. وألفُ الصَّفا عن واوٍ بدليلِ قَلْبِها في التثنية واواً، قالوا: صَفَوان، والاشتقاقُ يَدُلُّ عليه أيضاً لأنَّه من الصَّفْوِ، وهو الخُلُوصُ، والصَّفا الحَجَرُ الأمْلَسُ وقيل: الذي لا يُخالِطُه غيرُه من طينٍ أو ترابٍ، ويُفَرَّقُ بين واحدِه وجَمْعِه تاءُ التأنيثِ نحو: صفاً كثيرٌ وصفاة واحدة، وقد يجمع الصَّفا على فُعول وأَفْعال قالوا: صُفِيٌّ بكسر الصاد وضمِّها كعِصِيّ، وأصْفاء، والأصل: صُفُوو وأَصْفاو، فَقُلِبَتِ الواوان في» صُفُوو «ياءَين، والواوُ في أصفاء همزةً ككساء وبابه. والمَرْوَةُ: الحِجارة الصِّغارُ، فقيل اللَّيِّنَة وقيل: الصُلبة، وقيل المُرْهَفَةُ الأطْراف، وقيل البيض وقيل: السُّود، وهما في الآية عَلَمان لجبلين معروفين. والألفُ واللامُ فيهما للغَلَبةِ كهما في البيت والنجم، وجمعها: مَرْوٌ، كقوله:

780 - وترى المَرْوَ إذا ما هَجَّرَتْ ... عن يَدَيْها كالفَراشِ المُشْفَتِرّْ

والشعائر: جمع شَعيرَة وهي العلامةُ، وقيل: جمع شِعارة، والرادُ بها في الآية مناسِكُ الحُجِّ، والأجود» شعائِر «بالهمزِ لزيادةِ حرفِ المَدّ وهو عكسُ معائِش ومصائب. /

قوله: {فَمَنْ حَجَّ البيت} » مَنْ «شرطيَّةٌ في محلِّ رفع بالابتداءِ، و» حَجَّ «في محلِّ جَزْمٍ، و» البيتَ «نَصْبٌ على المفعولِ به لا على الظرفِ، والجوابُ قولُه:» فلا جُناحَ «. والحَجُّ لغةً: القَصْدُ مرةً بعدَ أخرى، قال: 781 - لِراهِبٍ يَحُجُّ بيتَ المَقْدِسِ ... في مِنْقَلٍ وبُرْجُدٍ وبُرْنُسِ

والاعتمارُ: الزيارةُ، وقيل: مطلقُ القصدِ، ثم صارا عَلَمين بالغَلَبة في المعاني كالبيت والنجم في الأعيان.

وقوله: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ} الظاهرُ أنَّ» عليه «خبرُ» لا «، و» أَنْ يَطَّوَّفَ «أصلُه: في أَنْ يَطَّوَّفَ، فَحُذِف حرفُ الجر، فيجيء في محلِّها القولان، النصبُ أو الجرُّ. والوقفُ في هذا الوجهِ على قولِه» بهما «. وأجازوا بعد ذلك أوجهاً ضعيفةً منها: أن يكونَ الكلامُ قد تَمَّ عند قولِه» فلا جُناحَ «على أن يكونَ خبرُ» لا «محذوفاً، وقدَّره أبو البقاء:» فَلاَ جُنَاحَ في الحج «ويُبْتدَأ بقولِه: {عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ} فيكونُ» عليه «خبراً مقدماً و» أَنْ يطَّوَّفَ «في تأويلِ مصدرٍ مرفوعٍ بالابتداءِ، فإنَّ الطوافَ واجبٌ، قال أبو البقاء هنا:» والجيدُ أن يكونَ «عليه» في هذا الوجهِ خبراً، و «أَنْ يَطَّوَّفَ» مبتدأً «.

ومنها: أن يكونَ {عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ} من بابِ الإِغراءِ، فيكونَ» أَنْ يَطَّوَّفَ «في محلِّ نصبٍ كقولك، عليك زيداً، أي: الزَمْه، إلا أنَّ إغراءَ الغائبِ ضعيفٌ، حكى سيبويه:» عليه رجلاً لَيْسَني «، قال: وهو شاذ.

ومنها: أَنَّ «أَنْ يطَّوَّفَ» في محلِّ رفعٍ خبراً ثانياً ل «لا» والتقديرُ: فلا جُناحَ الطوافُ بهما. ومنها: «أَنْ يطَّوَّفَ» في محلِّ نصبٍ على الحالِ من الهاءِ في «عليه» ، والعاملُ في الحالِ العاملُ في الخبرِ، والتقديرُ: فلا جُناحَ عليه في حالِ تَطْوافِه بهما. وهذان القولان ساقِطان ذَكَرْتُهما تنبيهاً على غَلَطِهما، ولا فائدةٌ في ذِكْرِ وجهِ الغَلَطِ إذا هو واضحٌ بأدنى نَظَرٍ.

وقراءةُ الجمهور «أَنْ يَطَّوَّفَ» بغير لا. وقرأ أنس وابن عباس وابن سيرين وشهر بن حوشب: «أَنْ لا يَطَّوَّفَ» قالوا: وكذلك في مُصْحَفي أُبَيّ وعبدِ الله. وفي هذه القراءةِ احتمالان، أحدُهما: أنَّها زائدة كهي في قولِه: {أَلاَّ تَسْجُدَ} [الأعراف: 12] وقوله:

782 - وما أَلومُ البيضَ ألاَّ تَسْخَرا ... لَمَّا رَأَيْنَ الشَّمَطَ القَفَنْدَرا

وحينئذٍ يتَّحِدُ معنى القراءتين. والثاني: أنها غيرُ زائدةٍ بمعنى أَنَّ رَفْعَ الجُناحِ في فِعْلِ الشيء هو رفعٌ في تَرْكِه، إذ هو تخييرٌ بين الفعلِ والتركِ نحو: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ} [البقرة: 230] ، فتكونُ قراءةُ الجمهورِ فيها رفعُ الجناحِ في فعلِ الطوافِ نَصَّاً وفي هذه رفعُ الجناحِ في الترك نَصَّاً.

وقرأ الجمهورُ: «يَطَّوَّفَ» بتشديد الطاءِ والواوِ، والأصلُ: يَتَطَوَّف، وماضيه كان أصله: «تَطَوَّفَ» ، فلمّا أُريد الإِدغامُ تخفيفاً قُلِبَتِ التاءُ طاءٌ وأُدْغِمت في الطاءِ فاحتيج إلى همزة وَصْلٍ لسكونِ أولِه لأجل الإِدغام فأُتي بها فجاء مضارعُه عليه: يَطَّوَّف فانحَذَفَت همزتُ الوصلِ لتحصُّنِ الحرفِ المدغمِ بحرفِ المضارعة، ومصدرُه على التطَّوفِ رجوعاً إلى أصلِ تَطَوَّفَ.

وقرأ أبو السَّمَّال: «يَطُوف» مخففاً، من طاف يَطُوف وهي سهلة. وقرأ ابن عباس: «يَطَّاف» بتشديد الطاء مع الألف وأصله: يَطْتَوِف على وزن يَفْتَعِل وماضيه: أطْتَوَف افْتَعَل تحرَّكت الواوُ وانفتحَ ما قبلها فقُلِبَتْ ألفاً، ووَقَعَتْ تاءُ الافتعالِ بعدَ الطاءِ فَوَجَبَ قَلْبُها طاءً وإدغامُ الطاءِ فيها كما قالوا: أطَّلَب يَطَّلِبُ، والأصل: اطْتَلَب يَطْتَلِبُ، فصار: اطَّاف وجاء مضارعُه عليه: يَطَّاف. هذا هو تصريفُ هذه اللفظةِ من كونِ تاءِ الافتعال تُقْلَبُ طاءً وتُدَغَمُ فيها الطاءُ الأولى. وقال ابن عطية: «فجاء يَطْتَاف أُدْغِمَت التاءُ - بعد الإِسكانِ - في الطاءِ على مَذْهَبِ مَنْ أَجازَ إدغامَ الثاني في الأولِ كما جاءَ في» مُدَّكِر «، ومَنْ لم يُجِزْ ذلك قال: قُلَبَتِ التاءُ طاءٍ ثم أُدْغِمت الطاءُ في الطاء، وفي هذا نظرٌ لأنَّ الأصليَّ أُدْغِم في الزائد وذلك ضعيفٌ» .

وهذا الذي قاله ابنُ عطية فيه خطأٌ من وَجْهين، أحدُهما: كَوْنُه يَدَّعي إدغامَ الثاني في الأولِ وذلك لا نظيرَ له، إنما يُدْغَمُ الأولُ في الثاني. والثاني: أنه قال كما جاء في «مُدَّكِر» لأنه كان ينبغي على قوله أن يقال: مُذَّكِر بالذال المعجمة وهذه لغةٌ رديئةٌ، إنما اللغةُ الجيدةُ بالمهملة لأنَّا قلبْنا تاءَ الافتعالِ بعد الذالِ المعجمةِ دالاً مهملة فاجتمع متقاربان فَقَلَبْنا أوَّلَهما لجنسِ الثاني وأَدْغَمْنا، وسيأتي تحقيقُ ذلك.

ومصدر اطَّاف على الاطِّياف بوزن الافْتعال، والأصلُ: اطَّواف فكُسِر ما قبل الواو فقُلِبَتْ ياءً، وإنما عَادَتِ الواوُ إلى أصلِها لزوالِ موجب قَلْبها ألفاً ويُوضِّح ذلك قولُهم: اعتاد اعتياداً، والأصل: اعتِواد فَفُعِل به ما ذَكرْتُ لك.

قوله: {وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً} قرأ حمزةُ والكسائي «تَطَوعَّ» هنا وفي الآية الآتية بعدها: يَطَّوَّعْ بالياء فعلاً مضارعاً، وقرأه الباقون: «تَطَوَّع» فعلاً ماضياً. فأمَّا على قراءتهما فتكونُ «مَنْ» شرطيةً ليس إلاَّ، لعملِها الجزمَ. وأصل يَطَّوَّع. يَتَطَوَّع فأُدْغِم على نحو ما تقدّم في «يطّوّف» وهي في محلِّ رفعٍ بالابتداء، والخبرُ فعلُ الشرطِ على ما هو الصحيحُ كما تقدَّم تحقيقُه. وقولُه: «فإنَّ الله» جملةٌ في محلِّ جزمٍ لأنَّها جوابُ الشرطِ، ولا بُدَّ مِنْ عائدٍ مقدَّرٍ أي: فإنَّ الله شاكرٌ له. وقال أبو البقاء: «وإذا جَعَلْتَ» مَنْ «شرطاً لم يكنْ في الكلامِ حَذْفُ ضميرٍ لأنَّ ضميرَ» مَنْ «في تطوَّع» وهذا يخالِفُ ما قَدَّمْتُ لك نَقْلَه عن النحويين من أنه إذا كان أداةُ الشرطِ اسماً لَزِمَ أن يكونَ في الجوابِ ضميرٌ يعودُ عليهِ وتقدَّم تحقيقُ ذلك.

وأمَّا على قراءة الجمهورِ فتحتمل وَجْهَيْنِ، أحدُهما: أن تكونَ شرطيةً، والكلامُ فيها كما تقدَّم. والثاني: أن تكونَ موصولةً و «تَطَوَّعَ» صلتَها فلا محلَّ له مِنْ الإِعراب حينئذٍ، وتكونُ في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ أيضاً و «فإنَّ الله» خبرُه، ودَخَلَت الفاءُ لِما تضمَّن مِنْ معنى الشرط، والعائدُ محذوفُ كما تقدَّم أي: شاكرٌ له، وانتصابُ «خيراً» على أحدِ أوجهِ: إمَّا على إسقاطِ حرفِ الجرِّ أي: تَطَوَّع بخيرٍ، فلمَّا حُذِفَ الحرفُ انتصَبَ نحو قولِه:

783 - تَمُرُّونَ الدِّيار ولم تَعُوجُوا ... . . . . . . 

وهو غيرُ مقيسٍ. الثاني: أن يكونَ نعتَ مصدرٍ محذوفٍ أي: تطُّوعاً خيراً. والثالثُ: أن يكونَ حالاً من ذلك المصدر المقدَّر معرفةً، وهذا مذهبُ سيبويه وقد تقدَّم غيرَ مرةٍ، أو على تضمينِ «تَطَوَّعَ» ، فعلاً يتعدَّى، أي: مَنْ فَعَلَ [خيراً متطوِّعاً به] . وقد تلخَّص مِمَّا تقدَّم أنَّ في قولِه: {فَإِنَّ الله شَاكِرٌ عَلِيمٌ} وجهين، أحدُهما: الجزمُ على القولِ بكونِ «مَنْ» شرطيةً والثاني: الرفعُ على القولِ بكونِها موصولةً.

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
شعر

مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)

شعر

الشَّعْرُ معروف، وجمعه أَشْعَارٌ قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها﴾ [النحل : 80] ، وشَعَرْتُ: أصبت الشَّعْرَ، ومنه استعير: شَعَرْتُ كذا، أي علمت علما في الدّقّة كإصابة الشَّعر، وسمّي الشَّاعِرُ شاعرا لفطنته ودقّة معرفته، فَالشِّعْرُ في الأصل اسم للعلم الدّقيق في قولهم: ليت شعري، وصار في التّعارف اسما للموزون المقفّى من الكلام، والشَّاعِرُ للمختصّ بصناعته، وقوله تعالى حكاية عن الكفّار: ﴿بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ﴾ [الأنبياء : 5] ، وقوله: ﴿لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات : 36] ، ﴿شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ﴾ [الطور : 30] ، وكثير من المفسّرين حملوه على أنهم رموه بكونه آتيا بشعر منظوم مقفّى، حتى تأوّلوا ما جاء في القرآن من كلّ لفظ يشبه الموزون من نحو: ﴿وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ [سبأ : 13] ، وقوله: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد : 1] . وقال بعض المحصّلين: لم يقصدوا هذا المقصد فيما رموه به، وذلك أنه ظاهر من الكلام أنّه ليس على أساليب الشّعر، ولا يخفى ذلك على الأغتام(١) من العجم فضلا عن بلغاء العرب، وإنما رموه بالكذب، فإنّ الشعر يعبّر به عن الكذب، والشَّاعِرُ: الكاذب حتى سمّى قوم الأدلة الكاذبة الشّعريّة، ولهذا قال تعالى في وصف عامّة الشّعراء: ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ﴾ [الشعراء : 224] ، إلى آخر السّورة، ولكون الشِّعْرِ مقرّ الكذب قيل: أحسن الشّعر أكذبه. وقال بعض الحكماء: لم ير متديّن صادق اللهجة مفلقا في شعره. والْمَشَاعِرُ: الحواسّ، وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات : 2] ، ونحو ذلك، معناه: لا تدركونه بالحواسّ، ولو في كثير ممّا جاء فيه لا يَشْعُرُونَ

: لا يعقلون، لم يكن يجوز، إذ كان كثير ممّا لا يكون محسوسا قد يكون معقولا.

ومَشَاعِرُ الحَجِّ: معالمه الظاهرة للحواسّ، والواحد مشعر، ويقال: شَعَائِرُ الحجّ، الواحد: شَعِيرَةٌ، قال تعالى: ﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج : 32] ، وقال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ﴾ [البقرة : 198] ، ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة : 2] ، أي: ما يهدى إلى بيت الله، وسمّي بذلك لأنها تُشْعَرُ، أي: تُعَلَّمُ بأن تُدمى بِشَعِيرَةٍ، أي: حديدة يُشعر بها.

والشِّعَارُ: الثّوب الذي يلي الجسد لمماسّته الشَّعَرَ، والشِّعَارُ أيضا ما يشعر به الإنسان نفسه في الحرب، أي: يعلّم. وأَشْعَرَهُ الحبّ، نحو: ألبسه، والْأَشْعَرُ: الطّويل الشعر، وما استدار بالحافر من الشّعر، وداهية شَعْرَاءُ(٢) ، كقولهم: داهية وبراء، والشَّعْرَاءُ: ذباب الكلب لملازمته شعره، والشَّعِيرُ: الحبّ المعروف، والشِّعْرَى: نجم، وتخصيصه في قوله: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى﴾ [النجم : 49] ، لكونها معبودة لقوم منهم.

(١) الغتمة: العجمة في المنطق، من الغتم، وهو الأخذ بالنفس. وتقول: بقيت بين ثلّة أغتام، كأنهم ثلة أغنام. انظر: أساس البلاغة ص 320، وذكر هذا الكلام الراغب في مقدمة تفسيره ص 108.

(٢) انظر: المجمل 2/ 505، والجمهرة 2/ 342، وأساس البلاغة ص 236، والغريب المصنف. 

جنح

مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)

جنح

الجَنَاح: جناح الطائر، يقال: جُنِحَ(١) الطائر، أي: كسر جناحه، قال تعالى: ﴿وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام : 38] ، وسمّي جانبا الشيء جَناحيه، فقيل: جناحا السفينة، وجناحا العسكر، وجناحا الوادي، وجناحا الإنسان لجانبيه، قال عزّ وجل: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ﴾ [طه : 22] ، أي: جانبك وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ [القصص : 32] ، عبارة عن اليد، لكون الجناح كاليد، ولذلك قيل لجناحي الطائر يداه، وقوله عزّ وجل: ﴿وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء : 24] ، فاستعارة، وذلك أنه لما كان الذلّ ضربين: ضرب يضع الإنسان، وضرب يرفعه- وقصد في هذا المكان إلى ما يرفعه لا إلى ما يضعه- فاستعار لفظ الجناح له، فكأنه قيل: استعمل الذل الذي يرفعك عند الله من أجل اكتسابك الرحمة، أو من أجل رحمتك لهما، ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ [القصص : 32] ، وجَنَحَتِ العير في سيرها: أسرعت، كأنها استعانت بجناح، وجَنَحَ الليل: أظلّ بظلامه، والجِنْحُ: قطعة من الليل مظلمة. قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها﴾ [الأنفال : 61] ، أي: مالوا، من قولهم: جنحت السفينة، أي: مالت إلى أحد جانبيها، وسمي الإثم المائل بالإنسان عن الحق جناحا ثم سمّي كلّ إثم جُنَاحاً، نحو قوله تعالى: لا جُناحَ عَلَيْكُمْ(٢) في غير موضع، وجوانح الصدر: الأضلاع المتصلة رؤوسها في وسط الزور، الواحدة: جَانِحَة، وذلك لما فيها من الميل.


(١) انظر الأفعال 2/ 288.

(٢) سورة البقرة: آية 236، وهو في سورة البقرة متعدّد المواضع. 

طوع

مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)

طوع

الطَّوْعُ: الانقيادُ، ويضادّه الكره قال عزّ وجلّ: ﴿ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً﴾ [فصلت : 11] ، ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ [آل عمران : 83] ، والطَّاعَةُ مثله لكن أكثر ما تقال في الائتمار لما أمر، والارتسام فيما رسم.

قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طاعَةٌ﴾ [النساء : 81] ، ﴿طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد : 21] ، أي: أَطِيعُوا، وقد طَاعَ له يَطُوعُ، وأَطَاعَهُ يُطِيعُهُ(١) .

قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [التغابن : 12] ، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء : 80] ، ﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ﴾ [الأحزاب : 48] ، وقوله في صفة جبريل عليه السلام: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير : 21] ، والتَّطَوُّعُ في الأصل: تكلُّفُ الطَّاعَةِ، وهو في التّعارف التّبرّع بما لا يلزم كالتّنفّل، قال: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة : 184] ، وقرئ: (ومن يَطَّوَّعْ خيراً)(٢).

وَالاسْتِطَاعَةُ: استفالة من الطَّوْعِ، وذلك وجود ما يصير به الفعل متأتّيا، وهي عند المحقّقين اسم للمعاني التي بها يتمكّن الإنسان ممّا يريده من إحداث الفعل، وهي أربعة أشياء: بنية مخصوصة للفاعل. وتصوّر للفعل، ومادّة قابلة لتأثيره، وآلة إن كان الفعل آليّا كالكتابة، فإنّ الكاتب يحتاج إلى هذه الأربعة في إيجاده للكتابة، وكذلك يقال: فلان غير مستطيع للكتابة: إذا فقد واحدا من هذه الأربعة فصاعدا، ويضادّه العجز، وهو أن لا يجد أحد هذه الأربعة فصاعدا، ومتى وجد هذه الأربعة كلّها فَمُسْتَطِيعٌ مطلقا، ومتى فقدها فعاجز مطلقا، ومتى وجد بعضها دون بعض فَمُسْتَطِيعٌ من وجه عاجز من وجه، ولأن يوصف بالعجز أولى.

والاسْتِطَاعَةُ أخصّ من القدرة. قال تعالى: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنبياء : 43] ، ﴿فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ﴾ [الذاريات : 45] ، ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران : 97] ، فإنه يحتاج إلى هذه الأربعة، وقوله عليه السلام: «الاسْتِطَاعَةُ الزّادُ والرّاحلة»(٣) فإنّه بيان ما يحتاج إليه من الآلة، وخصّه بالذّكر دون الآخر إذ كان معلوما من حيث العقل ومقتضى الشّرع أنّ التّكليف من دون تلك الأخر لا يصحّ، وقوله: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ﴾ [التوبة : 42] ، فإشارة بالاسْتِطَاعَةِ هاهنا إلى عدم الآلة من المال، والظّهر، والنّحو، وكذلك قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ [النساء : 25] ، وقوله: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ [النساء : 98] ، وقد يقال: فلانٌ لا يَسْتَطِيعُ كذا: لما يصعب عليه فعله لعدم الرّياضة، وذلك يرجع إلى افتقاد الآلة، أو عدم التّصوّر، وقد يصحّ معه التّكليف ولا يصير الإنسان به معذورا، وعلى هذا الوجه قال تعالى: ﴿لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ [الكهف : 67] ، ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود : 20] ، وقال: ﴿وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ [الكهف : 101] ، وقد حمل على ذلك قوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء : 129] ، وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا﴾ [المائدة : 112] ، فقيل: إنهم قالوا ذلك قبل أن قويت معرفتهم بالله. وقيل: إنهم لم يقصدوا قصد القدرة(٤) ، وإنما قصدوا أنه هل تقتضي الحكمة أن يفعل ذلك؟ وقيل: يَسْتَطِيعُ ويُطيعُ بمعنى واحدٍ(٥) ، ومعناه: هل يجيب؟ كقوله: ﴿ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ [غافر : 18] ، أي: يجاب، وقرئ: هل تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ(٦) أي: سؤالَ رَبِّكَ، كقولك: هل يَسْتَطِيعُ الأَمِيرُ أن يفعل كذا، وقوله: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾ [المائدة : 30] ، نحو: أسمحت له قرينته، وانقادت له، وسوّلت، وطَوَّعَتْ أبلغُ من أَطَاعَتْ، وطَوَّعَتْ له نفسُهُ بإزاء قولهم: تأبَّتْ عن كذا نفسُهُ، وتَطوَّعَ كذا: تحمّله طَوْعاً. قال تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة : 158] ، ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة : 79] ، وقيل: طَاعَتْ وتَطَوَّعَتْ بمعنًى، ويقال: اسْتَطَاعَ واسْطَاعَ بمعنى، قال تعالى: فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ، ﴿وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً﴾ [الكهف : 97] .


(١) راجع: الأفعال 3/ 249، 3/ 283.

(٢) وهي قراءة شاذة.

(٣) أخرج الدارقطني والحاكم وصححه عن أنس أنّ رسول الله ﷺ سئل عن قول الله: مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا فقيل: ما السبيل؟ قال: «الزاد والراحلة» . انظر: الدر المنثور 2/ 273، وسنن الدارقطني 2/ 216، قال إسحاق: وطرقه كلها ضعيفة. انظر المستدرك 1/ 442.

وأخرجه الترمذي عن ابن عمر ثم قال: هذا حديث حسن، والعمل عليه عند أهل العلم وضعّفه ابن العربي.

انظر: عارضة الأحوذي 4/ 28.

(٤) قال عائشة: كان الحواريون أعلم بالله من أن يقولوا: هل يستطيع ربك، إنما قالوا: هل تستطيع أنت؟ ربك هل تستطيع أن تدعوه؟ انظر: الدر المنثور 3/ 231.

(٥) وهذا قول الشعبي. انظر: الدر المنثور 3/ 231.

(٦) وبها قرأ الكسائي. انظر: الإتحاف ص 204.