التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سورة البقرة، الآية: ٣٥

(وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ). سورة البقرة، الآية: ٣٥

التحرير والتنوير - ابن عاشور
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿وقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا﴾ [البقرة: ٣٤] أيْ بَعْدَ أنِ انْقَضى ذَلِكَ قُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ وهَذِهِ تَكْرِمَةٌ أكْرَمَ اللَّهُ بِها آدَمَ بَعْدَ أنْ أكْرَمَهُ بِكَرامَةِ الإجْلالِ مِن تِلْقاءِ المَلائِكَةِ.
ونِداءُ آدَمَ قَبْلَ تَخْوِيلِهِ سُكْنى الجَنَّةِ نِداءُ تَنْوِيهٍ بِذِكْرِ اسْمِهِ بَيْنَ المَلَأِ الأعْلى لِأنَّ نِداءَهُ يَسْتَرْعِي إسْماعَ أهْلِ المَلَأِ الأعْلى فَيَتَطَلَّعُونَ لِما سَيُخاطَبُ بِهِ، ويُنْتَزَعُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ العالِمَ جَدِيرٌ بِالإكْرامِ بِالعَيْشِ الهَنِيءِ، كَما أُخِذَ مِنَ الَّتِي قَبْلَها أنَّهُ جَدِيرٌ بِالتَّعْظِيمِ، والأمْرُ بِقَوْلِهِ (اسْكُنْ) مُسْتَعْمَلٌ في الِامْتِنانِ بِالتَّمْكِينِ والتَّخْوِيلِ ولَيْسَ أمْرًا لَهُ بِأنْ يَسْعى بِنَفْسِهِ لِسُكْنى الجَنَّةِ إذْ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى ذَلِكَ السَّعْيِ فَلا يُكَلَّفُ بِهِ.
وضَمِيرُ (أنْتَ) واقِعٌ لِأجْلِ عَطْفِ (وزَوْجُكَ) عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في (اسْكُنْ) وهو اسْتِعْمالُ العَرَبِيَّةِ عِنْدَ عَطْفِ اسْمٍ عَلى ضَمِيرٍ مُتَّصِلٍ مَرْفُوعِ المَحَلِّ لا يَكادُونَ يَتْرُكُونَهُ، يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ زِيادَةَ إيضاحِ المَعْطُوفِ فَتَحْصُلُ فائِدَةُ تَقْرِيرِ مَدْلُولِ المَعْطُوفِ لِئَلّا يَكُونَ تابِعَةُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ أبْرَزَ مِنهُ في الكَلامِ، فَلَيْسَ الفَصْلُ بِمِثْلِ هَذا الضَّمِيرِ مُقَيَّدًا تَأْكِيدًا لِلنِّسْبَةِ لِأنَّ الإتْيانَ بِالضَّمِيرِ لازِمٌ لا خِيرَةَ لِلْمُتَكَلِّمِ فِيهِ فَلا يَكُونُ مُقْتَضى حالٍ ولا يَعْرِفُ السّامِعُ أنَّ المُتَكَلِّمَ مُرِيدٌ بِهِ تَأْكِيدًا ولَكِنَّهُ لا يَخْلُو مِن حُصُولِ تَقْرِيرِ مَعْنى المُضْمَرِ وهو ما أشارَ إلَيْهِ في الكَشّافِ بِمَجْمُوعِ قَوْلِهِ، وأنْتَ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المَسْتَكِنِّ لِيَصِحَّ العَطْفُ عَلَيْهِ.
والزَّوْجُ كُلُّ شَيْءٍ ثانٍ مَعَ شَيْءٍ آخَرَ بَيْنَهُما تَقارُنٌ، في حالٍ ما. ويَظْهَرُ أنَّهُ اسْمٌ جامِدٌ لِأنَّ جَمِيعَ تَصارِيفِهِ في الكَلامِ مُلاحَظٌ فِيها مَعْنى كَوْنِهِ ثانِيَ اثْنَيْنِ أوْ مُماثِلَ غَيْرِهِ. فَكُلُّ واحِدٍ مِنِ اثْنَيْنِ مُقْتَرِنَيْنِ في حالٍ ما يُسَمّى زَوْجًا لِلْآخَرِ، قالَ تَعالى (﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ [الشورى: ٥٠]) أيْ يَجْعَلُ لِأحَدِ الطِّفْلَيْنِ زَوْجًا لَهُ أيْ سِواهُ مِن غَيْرِ صِنْفِهِ، وقَرِيبٌ مِن هَذا الِاسْتِعْمالِ اسْتِعْمالُ لَفْظِ شَفْعٍ. وسُمِّيَتِ الأُنْثى القَرِينَةُ لِلرَّجُلِ بِنِكاحٍ زَوْجًا لِأنَّها اقْتَرَنَتْ بِهِ وصَيَّرَتْهُ ثانِيًا، ويُسَمّى الرَّجُلُ زَوْجًا لَها لِذَلِكَ بِلا فَرْقٍ، فَمِن ثَمَّ لا يُقالُ لِلْمَرْأةِ زَوْجَةً بِهاءِ تَأْنِيثٍ لِأنَّهُ اسْمٌ ولَيْسَ بِوَصْفٍ. وقَدْ لَحَّنُوا الفَرَزْدَقَ في قَوْلِهِ:
وإنَّ الَّذِي يَسْعى لِيُفْسِدَ زَوْجَتِي كَساعٍ إلى أُسْدِ الشَّرى يَسْتَبِيلُها

وتَسامَحَ الفُقَهاءُ في إلْحاقِ عَلامَةِ التَّأْنِيثِ لِلزَّوْجِ إذا أرادُوا بِهِ امْرَأةَ الرَّجُلِ لِقَصْدِ نَفْيِ الِالتِباسِ في تَقْرِيرِ الأحْكامِ في كُتُبِهِمْ في مِثْلِ قَوْلِهِمُ: القَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ، أوِ القَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجَةِ وهو صَنِيعٌ حَسَنٌ. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحَدِّثُ إحْدى نِسائِهِ فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَدَعاهُ يا فُلانٌ فَجاءَ فَقالَ لَهُ هَذِهِ زَوْجَتَيْ فُلانَةٌ» الحَدِيثَ، فَقَوْلُهُ زَوْجَتِي بِالتّاءِ فَتَعَيَّنَ كَوْنُهُ مِن عِبارَةِ راوِي الحَدِيثِ في السَّنَدِ إلى أنَسٍ ولَيْسَتْ بِعِبارَةِ النَّبِيءِ ﷺ .
وطَوى في هَذِهِ الآيَةِ خَلْقَ زَوْجِ آدَمَ وقَدْ ذُكِرَ في آياتٍ أُخْرى كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ [النساء: ١] وسَيَأْتِي ذَلِكَ في سُورَةِ النِّساءِ وسُورَةِ الأعْرافِ.
ولَمْ يَرِدِ اسْمُ زَوْجِ آدَمَ في القُرْآنِ واسْمُها عِنْدَ العَرَبِ حَوّاءُ ووَرَدَ ذِكْرُ اسْمِها في حَدِيثٍ رَواهُ ابْنُ سَعْدٍ في طَبَقاتِهِ عَنْ خالِدِ بْنِ خِداشٍ عَنِ ابْنِ وهْبٍ يَبْلُغُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «النّاسُ لِآدَمَ وحَوّاءَ كَطَفٍّ لِصاعٍ لَنْ يَمْلَئُوهُ» الحَدِيثَ. ”طَفُّ المِكْيالِ“ بِفَتْحِ الطّاءِ وكَسْرِها ما قَرُبَ مِن مَلْئِهِ، أيْ هم لا يَبْغُونَ الكَمالَ فَإنَّ كُلَّ كَمالٍ مِنَ البَشَرِ قابِلٌ لِلزِّيادَةِ. وخالِدُ بْنُ خِداشٍ بَصَرِيٌّ وثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وأبُو حاتِمٍ وسُلَيْمانُ بْنُ حَرْبٍ وضَعَّفَهُ ابْنُ المَدِينِيِّ.
فاسْمُ زَوْجِ آدَمَ عِنْدَ العَرَبِ حَوّاءُ واسْمُها في العِبْرانِيَّةِ مُضْطَرَبٌ فِيهِ، فَفي سِفْرِ التَّكْوِينِ في الإصْحاحِ الثّانِي أنَّ اسْمَها ”امْرَأةٌ“ سَمّاها كَذَلِكَ آدَمُ قالَ: لِأنَّها مِنِ امْرِئٍ أُخِذَتْ. وفي الإصْحاحِ الثّالِثِ أنَّ آدَمَ دَعا اسْمَ امْرَأتِهِ حَوّاءَ لِأنَّها أُمُّ كُلِّ حَيٍّ. وقالَ ابْنُ سَعْدٍ نامَ آدَمُ فَخُلِقَتْ حَوّاءُ مِن ضِلَعِهِ فاسْتَيْقَظَ ووَجَدَها عِنْدَهُ فَقالَ ”أثا“ أيِ امْرَأةٌ بِالنَّبَطِيَّةِ، أيِ اسْمُها بِالنَّبَطِيَّةِ المَرْأةُ كَما سَمّاها آدَمُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ﴾ [البقرة: ٣١] أنَّ آدَمَ دَعا نَفْسَهُ، إيشَ، فَلَعَلَّ أثا مُحَرَّفَةٌ عَنْ إشا. واسْمُها بِالعِبْرِيَّةِ خَمْواءُ بِالخاءِ المُعْجَمَةِ وبَهاءٍ بَعْدَ الألْفِ ويُقالُ أيْضًا حَيْوا بِحاءٍ مُهْمِلَةٍ وألِفٍ في آخِرِهِ فَصارَتْ بِالعَرَبِيَّةِ حَوّاءَ وصارَتْ في الطَّلْيانِيَّةِ إيبا. وفي الفَرَنْسِيَّةِ إيبَ. وفي التَّوْراةِ أنَّ حَوّاءَ خُلِقَتْ في الجَنَّةِ بَعْدَ أنْ أُسْكِنَ آدَمُ في الجَنَّةِ وأنَّ اللَّهَ خَلَقَها لِتُؤْنِسَهُ قالَ تَعالى ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ [الأعراف: ١٨٩] أيْ يَأْنَسَ. والأمْرُ في (اسْكُنْ) أمْرُ إعْطاءٍ؛ أيْ جَعَلَ اللَّهُ آدَمَ هو وزَوْجَهُ في الجَنَّةِ. والسُّكْنى اتِّخاذُ المَكانِ مَقَرًّا لِغالِبِ أحْوالِ الإنْسانِ. والجَنَّةُ قِطْعَةٌ مِنَ الأرْضِ فِيها الأشْجارٌ المُثْمِرَةٌ والمِياهُ وهي أحْسَنُ مَقَرٍّ لِلْإنْسانِ إذا لَفَحَهُ حَرُّ الشَّمْسِ ويَأْكُلُ مِن ثَمَرِهِ إذا جاعَ ويَشْرَبُ مِنَ المِياهِ الَّتِي يَشْرَبُ مِنها الشَّجَرُ ويَرُوقُهُ مَنظَرُ ذَلِكَ كُلِّهِ. فالجَنَّةُ تَجَمَعُ ما تَطْمَحُ إلَيْهِ طَبِيعَةُ الإنْسانِ مِنَ اللَّذّاتِ. وتَعْرِيفُ الجَنَّةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ وهي جَنَّةٌ مَعْهُودَةٌ لِآدَمَ يُشاهِدُها إذا كانَ التَّعْرِيفُ في الجَنَّةِ حِكايَةً لِما يُرادِفُهُ فِيما خُوطِبَ بِهِ آدَمُ، أوْ أُرِيدَ بِها المَعْهُودُ لَنا إذا كانَتْ حِكايَةُ قَوْلِ اللَّهِ لَنا بِالمَعْنى وذَلِكَ جائِزٌ في حِكايَةِ القَوْلِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ عُلَماءُ الإسْلامِ في تَعْيِينِ هَذِهِ الجَنَّةِ فالَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ السَّلَفِ أنَّها جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُصَدِّقِينَ رُسُلَهُ وجَزَمُوا بِأنَّها مَوْجُودَةٌ في العالَمِ العُلْوِيِّ عالَمِ الغَيْبِ أيْ في السَّماءِ وأنَّها أعَدَّها اللَّهُ لِأهْلِ الخَيْرِ بَعْدَ القِيامَةِ، وهَذا الَّذِي تَقَلَّدَهُ أهْلُ السُّنَّةِ مِن عُلَماءِ الكَلامِ وأبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ وهو الَّذِي تَشْهَدُ بِهِ ظَواهِرُ الآياتِ والأخْبارِ المَرْوِيَّةِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ . ولا تَعْدُو أنَّها ظَواهِرُ كَثِيرَةٌ لَكِنَّها تُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ ولَيْسَ لِهَذِهِ القَضِيَّةِ تَأْثِيرٌ في العَقِيدَةِ.
وذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ بَحْرٍ وأبُو القاسِمِ البَلْخِيُّ والمُعْتَزِلَةُ عَدا الجُبّائِيَّ إلى أنَّها جَنَّةٌ في الأرْضِ خَلَقَها اللَّهُ لِإسْكانِ آدَمَ وزَوْجِهِ، ونَقَلَ البَيْضاوِيُّ عَنْهم أنَّها بُسْتانٌ في فِلَسْطِينَ أوْ هو بَيْنَ فارِسَ وكِرْمانَ، وأحْسَبُ أنَّ هَذا ناشِئٌ عَنْ تَطَلُّبِهِمْ تَعْيِينَ المَكانِ الَّذِي ذُكِرَ ما يُسَمّى في التَّوْراةِ بِاسْمِ عَدْنٍ.
فَفِي التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الثّانِي مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ: وأخَذَ الرَّبُّ الإلَهُ آدَمَ ووَضَعَهُ في جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَها ويَحْفَظَها ثُمَّ. قالَتْ: فَأخْرَجَهُ الرَّبُّ الإلَهُ مِن جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَ الأرْضَ الَّتِي أُخِذَ مِنها وهَذا يَقْتَضِي أنَّ جَنَّةَ عَدْنٍ لَيْسَتْ في الأرْضِ لَكِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ شُرّاحُ التَّوْراةِ أنَّ جَنَّةَ عَدْنٍ في الأرْضِ وهو ظاهِرُ وصْفِ نَهْرِ هَذِهِ الجَنَّةِ الَّذِي يَسْقِيها بِأنَّهُ نَهْرٌ يَخْرُجُ مِن عَدْنٍ، فَيَسْقِي الجَنَّةَ ومِن هُناكَ يَنْقَسِمُ فَيَصِيرُ أرْبَعَةَ رُءُوسٍ اسْمُ الواحِدِ قَيْشُونُ وهو المُحِيطُ بِجَمِيعِ أرْضِ الحُوَيْلَةِ وهم مِن بَنِي كُوشٍ كَما في الإصْحاحِ مِنَ التَّكْوِينِ، واسْمُ النَّهْرِ الثّانِي جَيْحُونُ وهو المُحِيطُ بِجَمِيعِ أرْضٍ كُوشٍ. واسْمُ النَّهْرِ الثّالِثِ ”حِدّا قِلْ“ وهو الجارِي شَرْقَ أشُورْ دِجْلَةَ. والنَّهْرُ الرّابِعُ الفُراتُ.
ولَمْ أقِفْ عَلى ضَبْطِ عَدْنٍ هَذِهِ. ورَأيْتُ في كِتابِ عَبْدِ الحَقِّ الإسْلامِيِّ السِّبْتِيِّ الَّذِي كانَ يَهُودِيًّا وأسْلَمَ وألَّفَ كِتابًا في الرَّدِّ عَلى اليَهُودِ سَمّاهُ الحُسامُ المَحْدُودُ في الرَّدِّ عَلى اليَهُودِ كَتَبَهُ بِغِيدِنَ وضَبَطَهُ بِالعَلاماتِ بِكَسْرِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ وكَسْرِ الدّالِ المُهْمَلَةِ ولَعَلَّ النُّقْطَةَ عَلى حَرْفِ العَيْنِ سَهْوٌ مِنَ النّاسِخِ فَذَلِكَ هو مَنشَأُ قَوْلِ القائِلِينَ أنَّها بِعَدْنٍ أوْ بِفِلَسْطِينَ أوْ بَيْنَ فارِسَ وكِرْمانَ، والَّذِي ألْجَأهم إلى ذَلِكَ أنَّ جَنَّةَ الثَّوابِ دارُ كَمالٍ لا يُناسِبُ أنْ يَحْصُلَ فِيها العِصْيانُ وأنَّها دارُ خُلْدٍ لا يَخْرُجُ ساكِنُها وهو التِجاءٌ بِلا مُلْجِئٍ لِأنَّ ذَلِكَ مِن أحْوالِ سُكّانٍ الجَنَّةِ لا لِتَأْثِيرِ المَكانِ وكُلُّهُ جَعْلُ اللَّهِ تَعالى عِنْدَما أرادَهُ. واحْتَجَّ أهْلُ السُّنَّةِ بِأنَّ ”ألْ“ في الجَنَّةِ لِلْعَهْدِ الخارِجِيِّ ولا مَعْهُودَ غَيْرَها، وإنَّما تَعَيَّنَ كَوْنُها لِلْعَهْدِ الخارِجِيِّ لِعَدَمِ صِحَّةِ الحَمْلِ عَلى الجِنْسِ بِأنْواعِهِ الثَّلاثَةِ، إذْ لا مَعْنى لِلْحَمْلِ عَلى أنَّها لامُ الحَقِيقَةِ لِأنَّها قَدْ نِيطَ بِها فِعْلُ السُّكْنى ولا مَعْنى لِتَعَلُّقِهِ بِالحَقِيقَةِ بِخِلافِ نَحْوِ: الرَّجُلُ خَيْرٌ مِنَ المَرْأةِ، ولا مَعْنى لِلْحَمْلِ عَلى العَهْدِ الذِّهْنِيِّ إذِ الفَرْدُ مِنَ الحَقِيقَةِ هُنا مَقْصُودٌ مُعَيَّنٌ لِأنَّ الأمْرَ بِالإسْكانِ جَزاءٌ وإكْرامٌ فَلابُدَّ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِجَنَّةٍ مَعْرُوفَةٍ، ولا مَعْنى لِلْحَمْلِ عَلى الِاسْتِغْراقِ لِظُهُورِ ذَلِكَ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ هو الجَزاءَ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِأمْرٍ مُعَيَّنٍ مَعْهُودٍ ولا مَعْهُودَ إلّا الجَنَّةُ المَعْرُوفَةُ لاسِيَّما وهو اصْطِلاحُ الشَّرْعِ.
وقَدْ يُقالُ أنَّ اللّامَ لِلْعَهْدِ ولَعَلَّ المَعْهُودَ لِآدَمَ هو جَنَّةٌ في الأرْضِ مُعَيَّنَةٍ أُشِيرَ إلَيْها بِتَعْرِيفِ العَهْدِ ولِذَلِكَ أخْتارُ أنا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ لَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنهُ القَصَصَ لَنا حُكِيَ بِالألْفاظِ المُتَعارَفَةِ لَدَيْنا تَرْجَمَةٌ لِألْفاظِ اللُّغَةِ الَّتِي خُوطِبَ بِها آدَمُ أوْ عَنِ الإلْهامِ الَّذِي أُلْقِيَ إلى آدَمَ فَيَكُونُ تَعْرِيفُ الجَنَّةِ مَنظُورًا فِيهِ إلى مُتَعارَفِنا فَيَكُونُ آدَمُ قَدْ عَرَفَ المُرادَ مِن مَسْكَنِهِ بِطَرِيقٍ آخَرَ غَيْرِ التَّعْرِيفِ ويَكُونُ قَدْ حُكِيَ لَنا ذَلِكَ بِطَرِيقَةِ التَّعْرِيفِ لِأنَّ لَفْظَ الجَنَّةِ المُقْتَرِنَ في كَلامِنا بِلامِ التَّعْرِيفِ يَدُلُّ عَلى عَيْنِ ما دَلَّ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ الآخَرُ الَّذِي عَرَفَ بِهِ آدَمُ مُرادَ اللَّهِ تَعالى؛ أيْ قُلْنا لَهُ اسْكُنِ البُقْعَةَ الَّتِي تُسَمُّونَها أنْتُمُ اليَوْمَ بِالجَنَّةِ، والحاصِلُ أنَّ الأظْهَرَ أنَّ الجَنَّةَ الَّتِي أُسْكِنَها آدَمُ هي الجَنَّةُ المَعْدُودَةُ دارًا لِجَزاءِ المُحْسِنِينَ.
ومَعْنى الأكْلِ مِنَ الجَنَّةِ مِن ثَمَرِها؛ لِأنَّ الجَنَّةَ تَسْتَلْزِمُ ثِمارًا وهي مِمّا يُقْصَدُ بِالأكْلِ ولِذَلِكَ تُجْعَلُ (مِن) تَبْعِيضِيَّةً بِتَنْزِيلِ بَعْضِ ما يَحْوِيهِ المَكانُ مُنْزِلَةَ بَعْضٍ لِذَلِكَ المَكانِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مِن) ابْتِدائِيَّةً إشارَةً إلى أنَّ الأكْلَ المَأْذُونَ فِيهِ أكْلُ ما تُثْمِرُهُ تِلْكَ الجَنَّةُ كَقَوْلِكَ هَذا الثَّمَرُ مِن خَيْبَرَ.
والرَّغَدُ وصْفٌ لِمَوْصُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ أيْ أكْلًا رَغَدًا، والرَّغَدُ الهَنِيءُ الَّذِي لا عَناءَ فِيهِ ولا تَقْتِيرٌ، وقَوْلُهُ ﴿حَيْثُ شِئْتُما﴾ ظَرْفُ مَكانٍ أيْ مِن أيِّ مَواضِعَ أرَدْتُما الأكْلَ مِنها، ولَمّا كانَتْ مَشِيئَتُهُما لا تَنْحَصِرُ بِمَواضِعَ اسْتُفِيدَ العُمُومُ في الإذْنِ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ، وفي جَعْلِ الأكْلِ مِنَ الثَّمَرِ مِن أحْوالِ آدَمَ وزَوْجِهِ حِينَ إنْشائِها تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ اللَّهَ جَعَلَ الِاقْتِياتَ جِبِلَّةً لِلْإنْسانِ لا تَدُومُ حَياتُهُ إلّا بِهِ.
وقَوْلُهُ ﴿ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي بِهِ ولا تَأْكُلا مِنَ الشَّجَرَةِ لِأنَّ قُرْبانَها إنَّما هو لِقَصْدِ الأكْلِ مِنها فالنَّهْيُ عَنِ القُرْبانِ أبْلَغُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الأكْلِ لِأنَّ القُرْبَ مِنَ الشَّيْءِ يُنْشِئُ داعِيَةً ومَيْلًا إلَيْهِ فَفي الحَدِيثِ «مَن حامَ حَوْلَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يَقَعَ فِيهِ» وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ سَمِعْتُ الشّاشِيَّ في مَجْلِسِ النَّظَرِ يَقُولُ: إذا قِيلَ لا تَقْرَبْ - بِفَتْحِ الرّاءِ - كانَ مَعْناهُ لا تَتَلَبَّسْ بِالفِعْلِ، وإذا قِيلَ - بِضَمِّ الرّاءِ - كانَ مَعْناهُ لا تَدْنُ مِنهُ اهـ.
وهُوَ غَرِيبٌ فَإنَّ قَرُبَ وقَرِبَ نَحْوَ كَرُمَ وسَمِعَ بِمَعْنى دَنا، فَسَواءٌ ضَمَمْتَ الرّاءَ أوْ فَتَحْتَها في المُضارِعِ فالمُرادُ النَّهْيُ عَنِ الدُّنُوِّ إلّا أنَّ الدُّنُوَّ بَعْضُهُ مَجازِيُّ وهو التَّلَبُّسُ وبَعْضُهُ حَقِيقِيُّ ولا يَكُونُ لِلْمَجازِيِّ وزْنٌ خاصٌّ في الأفْعالِ وإلّا لَصارَ مِنَ المُشْتَرَكِ لا مِنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ الِاسْتِعْمالُ خَصَّ المَجازِيَّ بِبَعْضِ التَّصارِيفِ فَتَكُونُ تِلْكَ الزِّنَةُ قَرِينَةً لَفْظِيَّةً لِلْمَجازِ وذَلِكَ حَسَنٌ، وهو مِن مَحاسِنِ فُرُوقِ اسْتِعْمالِ الألْفاظِ المُتَرادِفَةِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ مِثْلُ تَخْصِيصِ بَعِدَ مَكْسُورِ العَيْنِ بِالِانْقِطاعِ التّامِّ وبَعُدَ مَضْمُومِ العَيْنِ بِالتَّنَحِّي عَنِ المَكانِ ولِذَلِكَ خُصَّ الدُّعاءُ بِالمَكْسُورِ في قَوْلِهِمْ لِلْمُسافِرِ لا تَبْعِدْ، قالَتْ فاطِمَةُ بِنْتُ الأحْجَمِ الخُزاعِيَّةُ:
إخْوَتِي لا تَبْعَدُوا أبَدًا ∗∗∗ وبَلى واللَّهِ قَدْ بَعِدُوا

وفِي تَعْلِيقِ النَّهْيِ بِقُرْبانِ الشَّجَرَةِ إشارَةٌ إلى مَنزَعِ سَدِّ الذَّرائِعِ وهو أصْلٌ مِن أُصُولِ مَذْهَبِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وفِيهِ تَفْصِيلٌ مُقَرَّرٌ في أُصُولِ الفِقْهِ.
والإشارَةُ بِـ (هَذِهِ) إلى شَجَرَةٍ مَرْئِيَّةٍ لِآدَمَ وزَوْجِهِ، والمُرادُ شَجَرَةٌ مِن نَوْعِها أوْ كانَتْ شَجَرَةً وحِيدَةً في الجَنَّةِ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ القَصَصِ في تَعْيِينِ نَوْعِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والسُّدِّيِّ أنَّها الكَرْمَةُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وجُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ أنَّها الحِنْطَةُ، وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ ونَسَبَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ إلى جَمْعٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّها شَجَرَةُ التِّينِ. ووَقَعَ في سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْراةِ إبْهامُها وعُبِّرَ عَنْها بِشَجَرَةِ مَعْرِفَةِ الخَيْرِ والشَّرِّ.
وقَوْلُهُ ﴿فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ مِنَ المُعْتَدِينَ وأشْهَرُ مَعانِي الظُّلْمِ في اسْتِعْمالِ العَرَبِ هو الِاعْتِداءُ، والِاعْتِداءُ إمّا اعْتِداءٌ عَلى نَهْيِ النّاهِي إنْ كانَ المَقْصُودُ مِنَ النَّهْيِ الجَزْمَ بِالتَّرْكِ، وإمّا اعْتِداءٌ عَلى النَّفْسِ والفَضِيلَةِ إنْ كانَ المَقْصُودُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الأكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ بَقاءَ فَضِيلَةِ التَّنَعُّمِ لِآدَمَ في الجَنَّةِ، فَعَلى الأوَّلِ الظُّلْمُ لِأنْفُسِهِما بِارْتِكابِ غَضَبِ اللَّهِ وعِقابِهِ، وعَلى الثّانِي الظُّلْمُ لِأنْفُسِهِما بِحِرْمانِها مِن دَوامِ الكَرامَةِ.

الدر المصون - السمين الحلبي
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسكن أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجنة} : هذه الجملةُ معطوفةٌ على جملةِ: «إذْ قلنا» لا على «قُلْنا» وحدَه لاختلافِ زمنَيْهِما، و «أنت» توكيدٌ للضميرِ المستكنِّ في «اسكُن» ليصِحَّ العطفُ عليه، و «زوجُك» عَطْفٌ عليه، هذا مذهبِ البصريين، أعني: اشتراط الفصلِ بين المتعاطِفَيْن إذا كان المعطوفُ عليه ضميراً مرفوعاً متصلاً، ولا يُشْترط أن يكونَ الفاصلُ توكيداً، [بل] أيَّ فصلٍ كان، نحو: {مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا} [الأنعام: 148] . وأمَّا الكوفيون فيُجيزون ذلك من غير فاصل وأنشدوا: 365 - قُلْتُ إذا أقبلَتْ وزهرٌ تَهادى ... كنعاجِ الفَلا تَعَسَّفْنَ رَمْلا
وهذا عند البصريينَ ضرورةً لا يُقاسُ عليه. وقد مَنَعَ بعضَهُم أن يكونَ «زوجُك» عطفاً على الضميرِ المستكنِّ في «اسكُنْ» وجعله من عطفِ الجملِ، بمعنى أن يكونَ «زوجُك» مرفوعاً بفعلٍ محذوفٍ، أي: وَلْتَسْكُنْ زوجك، فحُذِف لدلالة «اسكنْ» عليه، ونَظَّره بقولِه تعالى: {لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ} [طه: 58] وزعم أنه مذهبُ سيبويهِ، وكأن شُبْهَتَه في ذلك أنَّ مِنْ حقِّ المعطوفِ حُلولَه مَحَلَّ المعطوفِ عليه، ولا يَصِحُّ هنا حلولُ «زوجُك» محلَّ الضميرِ، لأنَّ فاعلَ فِعْلِ الأمر الواحدِ المذكَّر نحو: قُمْ واسكُنْ لا يكونُ إلاَّ ضميراً مستتراً، وكذلك فاعل نفعلُ، فكيف يَصِحُّ وقوعُ الظاهرِ موقَع المضمرِ الذي قبله؟ وهذا الذي زعمه ليس بشيءٍ لأنَّ مذهبَ سيبويهِ بنصِّه يخالِفُه، ولأنَّه لا خلافَ في صِحَّةِ: «تقوم هندٌ وزيدٌ» ، ولا يَصِحُّ مباشرةُ زيدٍ ل «تقوم» لتأنيثه.
والسكونُ والسُّكْنى: الاستقرارُ. ومنه: المِسْكينُ لعدَمِ استقراره وحركتِه وتصرُّفِه، والسِّكِّينُ لأنها تَقْطَعُ حركةَ المذبوحِ، والسَّكِينة لأنَّ بها يَذْهَبُ القلقُ.
و «الجَنَّةَ» مفعولٌ به لا ظرفٌ، نحو: سَكَنْتُ الدارَ. وقيل: هي ظرفٌ على الاتساعِ، وكان الأصلُ تعديتَه إليها ب «في» ، لكونها ظرفَ مكان مختصٍّ، وما بعد القولِ منصوبٌ به.
قوله: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً} هذه الجملةُ عَطْفٌ على «اسكُنْ» فهي في محلِّ نَصْبٍ بالقولِ، وأصلُ كُلْ: أُأْكُلْ بهمزتين: الأولى همزةُ وصلٍ، والثانيةُ فاءُ الكلمة فلو جاءَتْ هذه الكلمةُ على هذا الأصلِ لقيل: اُوكُلْ بإبدالِ الثانيةِ حرفاً مجانساً لحركةِ ما قبلَها، إلا أنَّ العربَ حَذَفَتْ فاءَه في الأمرِ تخفيفاً فاستَغْنَتْ حينئذٍ عن همزةِ الوصلِ فوزنُه عُلْ، ومثلُه: خُذْ ومُرْ، ولا يُقاسُ على هذه الأفعالِ غيرُها لا تقول من أَجَر: جُرْ. ولا تَرُدُّ العربُ هذه الفاءَ في العطف بل تقول: قم وخذ وكُلْ، إلا «مُرْ» فإنَّ الكثيرَ رَدُّ فائِه بعد الواوِ والفاءِ قال تعالى: {وَأْمُرْ قَوْمَكَ} [الأعراف: 145] و {وَأْمُرْ أَهْلَكَ} [طه: 132] ، وعدمُ الردِّ قليلٌ، وقد حَكَى سيبويه: «اؤْكُلْ» على الأصلِ وهو شاذٌّ.
وقال ابن عطية: «حُذِفَتِ النونُ من» كُلا « [للأمر] » وهذه العبارةُ مُوهِمةٌ لمذهبِ الكوفيين من أنَّ الأمرَ عندهم مُعْربٌ على التدريجِ كما تقدَّم، وهو عند البصريين محمولٌ على المجزومِ، فإن سُكِّنَ المجزومُ سُكِّن الأمرُ منه، وإنْ حُذِفَ منه حرفٌ حُذِفَ من الأمر.
و «منها» متعلِّقٌ به، و «مِنْ» للتبعيضِ، ولا بد من حَذْفِ مضافٍ، أي: مِنْ ثمارِها، ويجوز أن تكونَ «مِنْ» لابتداءِ الغاية وهو أَحْسَنُ، و «رَغَداً» نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ. وقد تقدَّم أن مذهب سيبويه في هذا ونحوِه أن ينتصبَ حالاً، وقيل هو مصدر في موضع الحال أي: كُلا طيِّبَيْنِ مُهَنَّأَيْنِ.
وقُرئ: «رَغْداً» بسكون الغينِ وهي لغةُ تميمٍ. وقال بعضُهم: كل فعلٍ حلقيٍّ العين صحيحِ اللامِ يجوزُ فتحُ عينِه وتسكينها نحو: نهر وبحر. وهذا فيه نظرٌ بل المنقولُ أنَّ فعْلاً بسكونِ العينِ إذا كانت عينُه حلقيةً لا يجوزُ فتحُها عند البصريين إلا أَنْ يُسَمَعَ فَيُقْتَصَرَ عليه، ويكون ذلك على لغتين لأنَّ إحداهما مأخوذةٌ من الأخرى. وأمَّا الكوفيون فبعضُ هذا عندهم ذو لغتين، وبعضُه أصلُه السكونُ ويجوز فتحُه قياساً، أمَّا أنَّ فعَلاً المفتوحَ العينِ الحلقِيَّها يجوزُ فيه التسكينُ فيجوز في السَّحَر: السَّحْر فهذا لا يُجيزه أحد. والرغَدُ: الواسِعُ الهنيءُ، قال امرؤ القيس:
366 - بينما المرءُ تراهُ ناعماً ... يَأْمَنُ الأحداثَ في عيشٍ رَغَدْ
ويقال: رَغُِدَ عيشُهم بضم الغين وكسرها وأَرْغَدَ القومُ: صاروا في رَغَد.
قوله: {حَيْثُ شِئْتُمَا} حيث: ظرفُ مكانٍ، والمشهور بناؤُها على الضم لشَبَهِها بالحرفِ في الافتقارِ إلى جملةٍ، وكانت حركتُها ضمةً تشبيهاً ب «قبل» و «بعد» . ونقل الكسائي إعرابَها عن فَقْعَس، وفيها لغاتٌ: حيث بتثليث الثاء وحَوْث بتثليثها أيضاً، ونُقل: حاث بالألف، وهي لازمةُ [الظرفيةِ لا تتصرفُ، وقد تُجَرُّ بمِنْ كقوله تعالى: {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ} [البقرة: 222] {مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 182] ، وهي لازمةٌ] للإِضافة إلى جملةٍ مطلقاً ولا تُضاف إلى المفرد إلا نادراً، قال:
367 - أَمَا تَرى حيثُ سهيلٍ طالِعا ... . . . . . . .  . .
وقال آخر:
368 - وَنَطْعَنُهم تحت الحُبَى بعد ضَرْبهم ... ببيضِ المواضي حيثُ لَيِّ العَمائم
وقد تُزاد عليها «ما» فتجزمُ فعلين شرطاً وجزاء كإنْ، ولا يُجْزَمُ بها دونَ «ما» خلافاً لقوم، وقد تُشَرَّبُ معنَى التعليلِ، وزعم الأخفش أنها تكونُ ظرفَ زمانٍ وأنشد:
369 - للفتى عَقْلٌ يَعيشُ به ... حيث تَهْدي ساقَهُ قَدَمُهْ
ولا دليلَ فيه لأنها على بابِها.
والعامِلُ فيها هنا «كُلا» أي: كُلا أيَّ مكانٍ شِئْتُما تَوْسِعَةً عليهما. وأجاز أبو البقاء أن تكونَ بدلاً من «الجنَّة» ، قال: «لأنَّ الجنةَ مفعولٌ بها، فيكون» حيث «مفعولاً به» وفيه نظرٌ لأنها لا تتصرَّف كما تقدَّم إلا بالجرِّ ب «مِنْ» .
قوله: «شِئْتُمَا» : الجملةُ في محلِّ خفضٍ بإضافةِ الظرفِ إليها. وهل الكسرةُ التي على الشين أصلٌ كقولِك: جِئْتُما وخِفْتُما، أو مُحَوَّلة من فتحة لتدلَّ على ذواتِ الياءِ نحو: بِعْتما؟ قولان مبنيَّان على وزنِ شَاءَ ما هو؟ فمذهب المبرد أنه: فَعَل بفتحِ العينِ، ومذهبُ سيبويه فَعِل بكسرِها ولا يخفى تصريفُهما.
قوله: {وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة} لا ناهيةٌ، و «تَقْرَبا» مجزومٌ بها حُذِفَتْ نونُه. وقُرئ: «تِقْرَبا» بكسر حرف المضارعة، والألفُ فاعلٌ، و «هذه» مفعولٌ به اسمُ إشارةِ المؤنث، وفيها لغاتٌ: هذي وهذهِ [وهذهِ] بكسرِ الهاء بإشباعٍ ودونِهِ، وهذهْ بسكونِه، وذِهْ بكسر الذالِ فقط، والهاءُ بدلٌ من الياءِ لقُرْبِهَا منها في الخَفَاءِ. قال ابنُ عطية ونُقِلَ أيضاً عن النحاس «وليس في الكلام هاءُ تأنيثٍ مكسورٌ ما قبلَها غيرُ» هذه «. وفيه نظرٌ، لأن تلك الهاء التي تَدُلُّ على التأنيث ليستْ هذه، لأن تيكَ بدلٌ من تاءِ التأنيث في الوقف، وأمَّا هذه الهاءُ فلا دلالةَ لها على التأنيثِ بل الدالُّ عليه مجموعُ الكلمةِ، كما تقول: الياءُ في» هذي «للتأنيثِ. وحكمُها في القُرْبِ والبُعْدِ والتوسط ودخولِ هاءِ التنبيه وكافِ الخطاب حكمُ» ذا «وقد تقدَّم. ويُقال فيها أيضاً: تَيْك وتَيْلَكَ وتِلْكَ وتالِك، قال الشاعر:
370 - تعلَّمْ أنَّ بعدَ الغَيِّ رُشْدا ... وأنَّ لتالِكَ الغُمَرِ انْحِسَاراً
قال هشام:» ويقال: تافَعَلَتْ «، وأنشدوا:
371 - خَليليَّ لولا ساكنُ الدارِ لم أُقِمْ ... بتا الدارِ إلاَّ عابرَ ابنِ سبيلٍ
و» الشجرةِ «بدل من» هذه «، وقيل: نعتٌ لها لتأويلِها بمشتق، أي: هذه الحاضرةَ من الشجر. والمشهورُ أن اسمَ الإِشارةِ إذا وقع بعده مشتقٌّ كان نعتاً له، وإن كان جامداً كان بدلاً منه. والشجَرةُ واحدة الشَّجَر، اسم جنس، وهو ما كان على ساقٍ بخلاف النجم، وسيأتي تحقيقُهما في سورة» الرحمن «إن شاء الله تعالى. وقرئ:» الشجرة «بكسر الشينِ والجيمِ وسكونِ الجيمِ، وبإبدالها ياءً مع فتحِ الشين وكسرِها لقُرْبِها منها مَخْرجاً، كما أُبْدِلَتِ الجيمُ منها في قوله:
372 - يا رَبِّ إنْ كنْتَ قَبِلْتَ حَجَّتِجْ ... فلا يَزالُ شاحِجٌ يأتيكَ بِجْ
يريد بذلك حَجَّتي وبي، وقال آخر:
373 - إذا لم يكُنْ فِيكُنَّ ظِلٌّ وَلاَ جَنًى ... فَأَبْعَدَكُنَّ اللهُ من شِيَرَاتِ
وقال أبو عمرو:» إنما يقرأ بها برابِرُ مكةَ وسُودانُها «. وجُمعت الشجرُ أيضاً على شَجْراء، ولم يأتِ جمعٌ على هذه الزِنة إلا قَصَبَة وَقَصْباء، وطَرَفَة وطَرْفاء وحَلَفة وحَلْفاء، وكان الأصمعي يقول:» حَلِفة بكسر اللام «وعند سيبويه أنَّ هذه الألفاظَ واحدةٌ وجمعٌ.
وتقول: قَرِبْتُ الأمرَ أقرَبه بكسرِ العين في الماضي، وفتحِها في المضارع أي: التبَسْتُ به، وقال الجوهري:» قَرُب بالضمِّ يقرُبُ قُرْباً أي: دَنَا، وقَرِبْتُهُ بالكسر قُرْبَاناً دَنَوْتُ [منه] ، وقَرَبْتُ أقرُبُ قِرابَةً مثل: كَتَبْتُ أكتُبُ كِتابة إذا سِرْتَ إلى الماء وبينك وبينه لَيْلَةٌ.
وقيل: إذا قيل: لا تَقْرَبْ بفتح الراء كان معناه لا تَلْتَبِسْ بالفعلِ وإذا قيل: لا تَقْرُب بالضمِّ كان معناه: لاَ تَدْنُ منه «.
قوله: {فَتَكُونَا مِنَ الظالمين} فيه وجهان: أحدُهما: أَنْ يكونَ مجزوماً عطفاً على» تَقْرَبَا «كقولِهِ:
374 - فقلت له: صَوِّبْ ولا تَجْهَدَنَّهُ ... فَيُذْرِكَ من أُخرى القَطَاةِ فَتَزْلَقِ
والثاني: أنه منصوبٌ على جوابِ النهي كقولِهِ تعالى: {لاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ} [طه: 81] والنصبُ بإضمارِ» أَنْ «عند البصريينَ، وبالفاءِ نفسِها عند الجَرْمي، وبالخلافِ عند الكوفيين، وهكذا كلُّ ما يأتي مثلَ هذا.
و {مِنَ الظالمين} خبرُ كان. والظُلْمُ: وَضْعُ الشيءِ في غيرِ مَوْضِعِه ومنه قيل للأرضِ التي لم تستحقَّ الحفرَ فتُحْفَر: مظلومةٌ، وقال النابغة الذبياني:
375 - إِلاَّ أَوارِيَّ لأَيَاً ما أُبَيِّنُهَا ... والنُّؤْيُ كالحوضِ بالمظلومةِ الجَلَدِ وقيل: سُمِّيَتْ مَظلومةً لأنَّ المطرَ لا يأتيها، قال عمرو بن قَمِيئَةَ:
376 - ظَلَمَ البطاحَ له انهِلاَلُ حَرِيصةٍ ... فصفَا النِّطافُ له بُعَيْدَ المُقْلَعِ
وقالوا:» مَنْ أشبه أباهَ فما ظَلَمْ «، قال:
377 - بأبِهِ اقتدى عَدِيٌّ في الكَرَمْ ... ومَنْ يشابِهْ أَبَه فما ظَلَمْ

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
ظلم
الظُّلْمَةُ: عدمُ النّور، وجمعها: ظُلُمَاتٌ. قال تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍ﴾ [النور : 40] ، ﴿ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ [النور : 40] ، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [النمل : 63] ، ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام : 1] ، ويعبّر بها عن الجهل والشّرك والفسق، كما يعبّر بالنّور عن أضدادها.
قال الله تعالى: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة : 257] ، ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم : 5] ، ﴿فَنادى فِي الظُّلُماتِ﴾ [الأنبياء : 87] ، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ﴾ [الأنعام : 122] ، هو كقوله: ﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمى﴾ [الرعد : 19] ، وقوله في سورة الأنعام: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ﴾ [الأنعام : 39] ، فقوله: فِي الظُّلُماتِ
هاهنا موضوع موضع العمى في قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة : 18] ، وقوله: ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر : 6] ، أي: البطن والرّحم والمشيمة، وَأَظْلَمَ فلانُ: حصل في ظُلْمَةٍ. قال تعالى: ﴿فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس : 37] ، وَالظُّلْمُ عند أهل اللّغة وكثير من العلماء: وضع الشيء في غير موضعه المختصّ به، إمّا بنقصان أو بزيادة، وإمّا بعدول عن وقته أو مكانه، ومن هذا يقال: ظَلَمْتُ السِّقَاءَ: إذا تناولته في غير وقته، ويسمّى ذلك اللّبن الظَّلِيمَ.
وظَلَمْتُ الأرضَ: حفرتها ولم تكن موضعا للحفر، وتلك الأرض يقال لها: المَظْلُومَةُ، والتّراب الّذي يخرج منها: ظَلِيمٌ. والظُّلْمُ يقال في مجاوزة الحقّ الذي يجري مجرى نقطة الدّائرة، ويقال فيما يكثر وفيما يقلّ من التّجاوز، ولهذا يستعمل في الذّنب الكبير، وفي الذّنب الصّغير، ولذلك قيل لآدم في تعدّيه ظالم، وفي إبليس ظالم، وإن كان بين الظُّلْمَيْنِ بون بعيد. قال بعض الحكماء: الظُّلْمُ ثلاثةٌ: الأوّل: ظُلْمٌ بين الإنسان وبين الله تعالى، وأعظمه: الكفر والشّرك والنّفاق، ولذلك قال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان : 13] ، وإيّاه قصد بقوله: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود : 18] ، ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ [الإنسان : 31] ، في آي كثيرة، وقال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ [الزمر : 32] ، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ [الأنعام : 93] .
والثاني: ظُلْمٌ بينه وبين الناس، وإيّاه قصد بقوله: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ إلى قوله: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وبقوله: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى : 42] ، وبقوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً﴾ [الإسراء : 33] .
والثالث: ظُلْمٌ بينه وبين نفسه، وإيّاه قصد بقوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر : 32] ، وقوله: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [النمل : 44] ، ﴿إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء : 64] ، ﴿فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة : 35] ، أي: من الظَّالِمِينَ أنفسهم، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة : 231] .
وكلّ هذه الثّلاثة في الحقيقة ظُلْمٌ للنّفس، فإنّ الإنسان في أوّل ما يهمّ بالظُّلْمِ فقد ظَلَمَ نفسه، فإذا الظَّالِمُ أبدا مبتدئ في الظُّلْمِ، ولهذا قال تعالى في غير موضع: ﴿ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل : 33] ، ﴿وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة : 57] ، وقوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام : 82] ، فقد قيل: هو الشّرك، بدلالة أنه لمّا نزلت هذه الآية شقّ ذلك على أصحاب النبيّ عليه السلام، وقال لهم: «ألم تروا إلى قوله: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ» ، وقوله: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ [الكهف : 33] ، أي: لم تنقص، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [الزمر : 47] ، فإنه يتناول الأنواع الثّلاثة من الظُّلْمِ، فما أحد كان منه ظُلْمٌ مّا في الدّنيا إلّا ولو حصل له ما في الأرض ومثله معه لكان يفتدي به، وقوله: ﴿هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى﴾ [النجم : 52] ، تنبيها أنّ الظُّلْمَ لا يغني ولا يجدي ولا يخلّص بل يردي بدلالة قوم نوح. وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ﴾ [غافر : 31] ، وفي موضع: ﴿وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق : 29] ، وتخصيص أحدهما بالإرادة مع لفظ العباد، والآخر بلفظ الظَّلَّامِ للعبيد يختصّ بما بعد هذا الكتاب. والظَّلِيمُ: ذَكَرُ النعامِ، وقيل: إنّما سمّي بذلك لاعتقادهم أنه مَظْلُومٌ، للمعنى الذي أشار إليه الشاعر:
307- فصرت كالهيق عدا يبتغي ... قرنا فلم يرجع بأذنين
والظَّلْمُ: ماء الأسنان. قال الخليل: لقيته أوّل ذي ظَلَمٍ، أو ذي ظَلَمَةٍ، أي: أوّل شيء سدّ بصرك، قال: ولا يشتقّ منه فعل، ولقيته أدنى ظَلَمٍ كذلك.