(وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ). سورة البقرة، الآية: ٦٠
التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿۞ وَإِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ فَقُلۡنَا ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنفَجَرَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَیۡنࣰاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسࣲ مَّشۡرَبَهُمۡۖ كُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ مِن رِّزۡقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِینَ﴾ [البقرة ٦٠]
تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةٍ أُخْرى جَمَعَتْ ثَلاثَ نِعَمٍ وهي الرِّيُّ مِنَ العَطَشِ، وتِلْكَ نِعْمَةٌ كُبْرى أشَدُّ مِن نِعْمَةِ إعْطاءِ الطَّعامِ ولِذَلِكَ شاعَ التَّمْثِيلُ بِرِيِّ الظَّمْآنِ في حُصُولِ المَطْلُوبِ. وكَوْنُ السَّقْيِ في مَظِنَّةِ عَدَمِ تَحْصِيلِهِ وتِلْكَ مُعْجِزَةٌ لِمُوسى وكَرامَةٌ لِأُمَّتِهِ لِأنَّ في ذَلِكَ فَضْلًا لَهم.
وكَوْنُ العُيُونِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ لِيَسْتَقِلَّ كُلُّ سِبْطٍ بِمَشْرَبٍ فَلا يَتَدافَعُوا. وقَوْلُهُ (وإذْ) مُتَعَلِّقٌ بِاذْكُرُوا وقَدْ أشارَتِ الآيَةُ إلى حادِثَةٍ مَعْرُوفَةٍ عِنْدَ اليَهُودِ وذَلِكَ أنَّهم لَمّا نَزَلُوا في رَفِيدِيمَ قَبْلَ الوُصُولِ إلى بَرِّيَّةِ سِينا وبَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِن بَرِّيَّةِ سِينَ في حُدُودِ الشَّهْرِ الثّالِثِ مِنَ الخُرُوجِ عَطِشُوا ولَمْ يَكُنْ بِالمَوْضِعِ ماءٌ فَتَذَمَّرُوا عَلى مُوسى وقالُوا أتُصْعِدُنا مِن مِصْرَ لِنَمُوتَ وأوْلادُنا ومَواشِينا عَطَشًا فَدَعا مُوسى رَبَّهُ فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ صَخْرَةً هُناكَ في حُورِيبَ فَضَرَبَ فانْفَجَرَ مِنها الماءُ. ولَمْ تَذْكُرِ التَّوْراةُ أنَّ العُيُونَ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا وذَلِكَ التَّقْسِيمُ مِنَ الرِّفْقِ بِهِمْ لِئَلّا يَتَزاحَمُوا مَعَ كَثْرَتِهِمْ فَيَهْلِكُوا فَهَذا مِمّا بَيَّنَهُ اللَّهُ في القُرْآنِ.
فَقَوْلُهُ ﴿اسْتَسْقى مُوسى﴾ صَرِيحٌ في أنَّ طالِبَ السَّقْيِ هو مُوسى وحْدَهُ، سَألَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولَمْ يُشارِكْهُ قَوْمُهُ في الدُّعاءِ لِتَظْهَرَ كَرامَتُهُ وحْدَهُ، كَذَلِكَ كانَ اسْتِسْقاءُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الجُمْعَةِ عَلى المِنبَرِ لَمّا قالَ لَهُ الأعْرابِيُّ هَلَكَ الزَّرْعُ والضَّرْعُ فادْعُ اللَّهَ أنْ يَسْقِيَنا والحَدِيثُ في الصَّحِيحَيْنِ.
وقَوْلُهُ لِقَوْمِهِ مُؤْذِنٌ بِأنَّ مُوسى لَمْ يُصِبْهُ العَطَشُ وذَلِكَ لِأنَّهُ خَرَجَ في تِلْكَ الرِّحْلَةِ مُوقِنًا أنَّ اللَّهَ حافِظُهم ومُبْلِغُهم إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ فَلِذَلِكَ وقاهُ اللَّهُ أنْ يُصِيبَهُ جُوعٌ أوْ عَطَشٌ وكَلَلٌ وكَذَلِكَ شَأْنُ الأنْبِياءِ فَقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ في حَدِيثِ وِصالِ الصَّوْمِ: «إنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكم إنِّي أبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِي» - قالَ ابْنُ عَرَفَةَ في تَفْسِيرِهِ أخَذَ المازِرِيُّ مِن هَذِهِ الآيَةِ جَوازَ اسْتِسْقاءِ المُخَصَّبِ لِلْمُجْدِبِ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَنَلْهُ ما نالَهم مِنَ العَطَشِ ورَدَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأنَّهُ رَسُولُهم وهو مَعَهُمُ اهـ. وهو رَدُّ مُتَمَكِّنٍ إذْ لَيْسَ المُرادُ بِاسْتِسْقاءِ المُخَصَّبِ لِلْمُجْدِبِ الأشْخاصَ وإنَّما المُرادُ اسْتِسْقاءُ أهْلِ بَلَدٍ لَمْ يَنَلْهُمُ الجَدْبُ لِأهْلِ بَلَدٍ مُجْدِبِينَ. والمَسْألَةُ الَّتِي أشارَ إلَيْها المازِرِيُّ مُخْتَلَفٌ فِيها عِنْدَنا واخْتارَ اللَّخْمِيُّ جَوازَ اسْتِسْقاءِ المُخَصَّبِ لِلْمُجْدِبِ لِأنَّهُ مِنَ التَّعاوُنِ عَلى البِرِّ ولِأنَّ دَعْوَةَ المُسْلِمِ لِأخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ مُسْتَجابَةٌ وقالَ المازِرِيُّ فِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ السَّلَفَ لَمْ يَفْعَلُوهُ.
وعَصا مُوسى هي الَّتِي ألْقاها في مَجْلِسِ فِرْعَوْنَ فَتَلَقَّفَتْ ثَعابِينَ السَّحَرَةِ وهي الَّتِي كانَتْ في يَدِ مُوسى حِينَ كَلَّمَهُ اللَّهُ في بَرِّيَّةِ سِينا قَبْلَ دُخُولِهِ مِصْرَ وقَدْ رُوِيَتْ في شَأْنِها أخْبارٌ لا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ فَقِيلَ إنَّها كانَتْ مِن شَجَرِ آسِ الجَنَّةِ أهْبَطَها آدَمُ مَعَهُ فَوَرِثَها مُوسى ولَوْ كانَ هَذا صَحِيحًا لِعَدَّهُ مُوسى في أوْصافِها حِينَ قالَ ﴿هِيَ عَصايَ﴾ [طه: ١٨] إلَخْ فَإنَّهُ أكْبَرُ أوْصافِها. والعَصا بِالقَصْرِ أبَدًا ومَن قالَ عَصاهُ بِالهاءِ فَقَدْ لَحَنَ وعَنِ الفَرّاءِ أنَّ أوَّلَ لَحْنٍ ظَهَرَ بِالعِراقِ قَوْلُهم عَصاتِي.
و(ال) في الحَجَرِ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ أيِ اضْرِبْ أيَّ حَجَرٍ شِئْتَ، أوْ لِلْعَهْدِ مُشِيرًا إلى حَجَرٍ عَرَفَهُ مُوسى بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ وهو حَجَرٌ صَخْرٌ في جَبَلِ حُورِيبَ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ مِنهُ مُوسى كَما ورَدَ في سِفْرِ الخُرُوجِ وقَدْ ورَدَتْ فِيهِ أخْبارٌ ضَعِيفَةٌ.
والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فانْفَجَرَتْ﴾ قالُوا هي فاءُ الفَصِيحَةِ ومَعْنى فاءِ الفَصِيحَةِ أنَّها الفاءُ العاطِفَةُ إذْ لَمْ يَصْلُحِ المَذْكُورُ بَعْدَها لِأنْ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى المَذْكُورِ قَبْلَها فَيَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ مَعْطُوفٍ آخَرَ بَيْنَهُما يَكُونُ ما بَعْدَ الفاءِ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ. وهَذِهِ طَرِيقَةُ السَّكّاكِيِّ فِيها وهي المُثْلى.
وقِيلَ إنَّها تَدُلُّ عَلى مَحْذُوفٍ قَبْلَها فَإنْ كانَ شَرْطًا فالفاءُ فاءُ الجَوابِ وإنْ كانَ مُفْرَدًا فالفاءُ عاطِفَةٌ ويَشْمَلُها اسْمُ فاءِ الفَصِيحَةِ وهَذِهِ طَرِيقَةُ الجُمْهُورِ عَلى الوَجْهَيْنِ فَتَسْمِيَتُها بِالفَصِيحَةِ لِأنَّها أفْصَحَتْ عَنْ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ في مِثْلِ هَذا فَضَرَبَ فانْفَجَرَتْ وفي مِثْلِ قَوْلِ عَبّاسِ ابْنِ الأحْنَفِ:
قالُوا خُراسانُ أقْصى ما يُرادُ بِنا ثُمَّ القُفُولُ فَقَدْ جِئْنا خُراسانا
أيْ إنْ كانَ القُفُولُ بَعْدَ الوُصُولِ إلى خُراسانَ فَقَدْ جِئْنا خُراسانَ أيْ فَلْنَقْفِلْ فَقَدْ جِئْنا. وعِنْدِي أنَّ الفاءَ لا تُعَدُّ فاءً فَصِيحَةً إلّا إذا لَمْ يَسْتَقِمْ عَطْفُ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها فَإذا اسْتَقامَ فَهي الفاءُ العاطِفَةُ والحَذْفُ إيجازٌ وتَقْدِيرُ المَحْذُوفِ لِبَيانِ المَعْنى وذَلِكَ لِأنَّ الِانْفِجارَ مُتَرَتِّبٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى لِمُوسى ﴿اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾ لِظُهُورِ أنَّ مُوسى لَيْسَ مِمَّنْ يُشَكُّ في امْتِثالِهِ بَلْ ولِظُهُورِ أنَّ كُلَّ سائِلٍ أمْرًا إذا قِيلَ لَهُ افْعَلْ كَذا أنْ يَعْلَمَ أنَّ ما أُمِرَ بِهِ هو الَّذِي فِيهِ جَوابُهُ كَما يَقُولُ لَكَ التِّلْمِيذُ ما حُكْمُ كَذا ؟ فَتَقُولُ افْتَحْ كِتابَ الرِّسالَةِ في بابِ كَذا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى الآتِي﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ [البقرة: ٦١] وأمّا تَقْدِيرُ الشَّرْطِ هُنا أيْ فَإنْ ضَرَبْتَ فَقَدِ انْفَجَرَتْ إلَخْ فَغَيْرُ بَيِّنٍ ومِنَ العَجَبِ ذِكْرُهُ في الكَشّافِ.
وقَوْلُهُ ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ قالَ العُكْبَرِيُّ وأبُو حَيّانَ: إنَّهُ اسْتِئْنافٌ، وهُما يُرِيدانِ الِاسْتِئْنافَ البَيانِيَّ ولِذَلِكَ فَصَلَ كَأنَّ سائِلًا سَألَ عَنْ سَبَبِ انْقِسامِ الِانْفِجارِ إلى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ عَيْنًا فَقِيلَ قَدْ عَلِمَ كُلُّ سِبْطٍ مَشْرَبَهم. والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّهُ حالٌ جُرِّدَتْ عَنِ الواوِ لِأنَّهُ خِطابٌ لِمَن يَعْقِلُونَ القِصَّةَ فَلا مَعْنًى لِتَقْدِيرِ سُؤالٍ. والمُرادُ بِالأُناسِ كُلُّ ناسٍ سِبْطٍ مِنَ الأسْباطِ.
وقَوْلُهُ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا مِن رِزْقِ اللَّهِ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ وقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الأكْلِ والشُّرْبِ وإنْ كانَ الحَدِيثُ عَلى السَّقْيِ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَهُ إنْزالُ المَنِّ والسَّلْوى، وقِيلَ هُنالِكَ ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧] فَلَمّا شَفَعَ ذَلِكَ بِالماءِ اجْتَمَعَ المِنَّتانِ.
وقَوْلُهُ ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ مِن جُمْلَةِ ما قِيلَ لَهم، ووَجْهُ النَّهْيِ عَنْهُ أنَّ النِّعْمَةَ قَدْ تُنْسِي العَبْدَ حاجَتَهُ إلى الخالِقِ فَيَهْجُرُ الشَّرِيعَةَ فَيَقَعُ في الفَسادِ، قالَ تَعالى ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦] ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٧] ﴿ولا تَعْثَوْا﴾ مُضارِعُ عَثِيَ كَرَضِيَ، وهَذِهِ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ وهي الفُصْحى فَقَوْلُهُ ﴿ولا تَعْثَوْا﴾ بِوَزْنِ لا تَرْضَوْا ومَصْدَرُهُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ بِوَزْنِ رِضًى ولَمْ أرَ مَن صَرَّحَ بِهِ وذَكَرَ لَهُ في اللِّسانِ مَصادِرَ: العُثِيَّ والعِثِيَّ بِضَمِّ العَيْنِ وكَسْرِها مَعَ كَسْرِ الثّاءِ فِيهِما وتَشْدِيدِ الياءِ فِيهِما، والعَثَيانَ بِفَتْحَتَيْنِ، وفي لُغَةِ غَيْرِ أهْلِ الحِجازِ عَثا يَعْثُو مِثْلَ سَما يَسْمُو ولَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ مِنَ القُرّاءِ (ولا تَعْثُوا) بِضَمِّ الثّاءِ.
وهُوَ أشَدُّ الفَسادِ وقِيلَ هو الفَسادُ مُطْلَقًا، وعَلى الوَجْهَيْنِ يَكُونُ (مُفْسِدِينَ) حالًا مُؤَكِّدَةً لِعامِلِها. وفي الكَشّافِ جَعَلَ مَعْنى لا تَعْثَوْا لا تَتَمادَوْا في فَسادِكم، فَجَعَلَ المَنهِيَّ عَنْهُ هو الدَّوامَ عَلى الفِعْلِ، وكَأنَّهُ يَأْبى صِحَّةَ الحالِ المُؤَكِّدَةِ لِلْجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ فَحاوَلَ المُغايَرَةَ بَيْنَ لا تَعْثَوْا وبَيْنَ مُفْسِدِينَ، تَجَنُّبًا لِلتَّأْكِيدِ وذَلِكَ هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنَ المُحَقِّقِينَ خالَفَ ذَلِكَ، واخْتارَ ابْنُ مالِكٍ التَّفْصِيلَ فَإنْ كانَ مَعْنى الحالِ هو مَعْنى العامِلِ جَعَلَها شَبِيهَةً بِالمُؤَكِّدَةِ لِصاحِبِها كَما هُنا، وخَصَّ المُؤَكِّدَةَ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الواقِعَةَ بَعْدَ الِاسْمِيَّةِ نَحْوَ: زَيْدٌ أبُوكَ عَطُوفًا وقَوْلِ سالِمِ بْنِ دارَةَ اليَرْبُوعِيِّ:
أنا ابْنُ دارَةَ مَعْرُوفًا بِها نَسَبِي ∗∗∗ وهَلْ بِدارَةَ يا لَلنّاسِ مِن عارِ ٢٠٦
الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
﴿۞ وَإِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ فَقُلۡنَا ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنفَجَرَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَیۡنࣰاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسࣲ مَّشۡرَبَهُمۡۖ كُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ مِن رِّزۡقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِینَ﴾ [البقرة ٦٠]
قوله تعالى: {استسقى موسى لِقَوْمِهِ} السينُ للطلبِ على وَجْهِ الدُّعَاءِ أي: سَأَل لهم السُّقيا، وألفُ استسقى منقلبةُ عن ياءٍ لأنه من السَّقْيِ، وقد تقدَّم معنى استفْعَلَ مستوفى في أولِ السورة. ويقال: سَقَيْتُه وأَسْقَيْتُه بمعنى وأنشد:
491 - سَقَى قومي بني بكر وأَسْقَى ... نُمَيْراً والقبائلَ من هِلالِ
وقيل: سَقَيْتُه: أَعْطَيْتُه، ما يَشْرَبُ، وأَسْقَيْته جَعَلْتُ ذلك له يتناولُه كيف شاء، والإِسقاءُ أَبْلَغُ من السَّقْي على هذا، وقيل: أَسْقَيْته دَلَلْتُه على الماءِ، وسيأتي هذا إن شاء الله تعالى عند قولِه: {نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ} [النحل: 66] .
و «لقومِه» متعلِّقٌ بالفعلِ واللامُ للعلَّة، أي: لأجلِ، أو تكونُ للبيان لَمَّا كانَ المرادُ به الدعاءَ كالتي في قولِهِم «سُقْياً لك» فتتعلَّقُ بمحذوفٍ كنظيرتِها «.
قوله: {اضرب بِّعَصَاكَ} الإِدغام [هنا] واجبٌ؛ لأنه متى اجتمع مِثْلان في كلمتين أو كلمةٍ أَوَّلُهما ساكنٌ وَجَبَ الإِدغامُ نحو: اضربْ بكرا. وألفُ» عصاك «منقلبةٌ عن واوٍ لقولِهم في النسب: عَصَوِيّ، وفي التثنية عَصَوانِ، قال:
492 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... على عَصَوَيْها سابِرِيٌّ مُشَبْرَقُ
والجمع: عِصِيّ وعُصِيّ بضمِّ العَيْنِ وكَسْرِها إتباعاً، وأَعْصٍ، مثل: زَمَن وأَزْمُن، والأصل: عُصُوو، وأَعْصُو، فَأُعِلَّ. وعَصَوْتُه بالعَصا وعَصَيْتُه بالسيفِ، و» ألقى عصاه «يُعَبَّر به عن بُلوغ المنزلِ، قال:
493 - فَأَلْقَتْ عَصاها واستقرَّ بها النَّوى ... كما قرَّ عَيْناً بالإِيابِ المسافِرُ
وانشقَّت العصا بين القومِ أي: وقع الخلافُ، قال الشاعر:
494 - إذا كانتِ الهيجاءُ وانشَقَّتِ العَصا ... فَحَسْبُك والضحاكُ سيفٌ مُهَنَّدُ
قال الفراء:» أولُ لَحْنٍ سُمِع بالعراقِ هذه عصاتي «يعني بالتاء، و» الحَجَرَ «مفعولٌ وأل فيه للعهدِ، وقيل: للجنسِ.
قوله: {فانفجرت} » الفاءُ «عاطفةٌ على محذوفٍ لا بُدَّ منه، تقديرُه: فَضَرَبَ فانفجَرَت، وقال ابنُ عصفور:» [إن] هذه الفاءَ الموجودةَ هي الداخلةُ على ذلك الفعلِ المحذوفِ، والفاءُ الداخلةُ على «انفجَرتْ محذوفةٌ» وكأنه يقولُ: حُذِفَ الفعلُ الأولُ لدلالةِ الثاني عليه، وحُذِفَتِ الفاءُ الثانيةُ لدلالةِ الأولى عليها. ولا حاجةَ تَدْعُو إلى ذلك، بل يُقال: حُذِفَتْ الفاءُ وما عَطَفَتْه قبلها. وجَعَلَها الزمخشري جوابَ شرطٍ مقدَّرٍ، قال: «أو: فإن ضَرَبْتَ فقد انفجرَتْ، قال:» وهي على هذا فاءٌ فصيحةٌ لا تقع إلا في كلامٍ بليغ «، وكأنه يريدُ تفسيرَ المعنى لا الإِعرابِ.
والانفجارُ: الانشقاقُ والتفتُّح، ومنه الفَجْرُ لانشقاقِه بالضوءِ، وفي الأعرافِ، {فانبجست} [الآية: 160] ، فقيل: هما بمعنى، وقيل: الانبِجاس أضيقُ، لأنه يكونُ أولَ والانفجارُ ثانياً.
قوله: {اثنتا عَشْرَةَ عَيْناً} فاعل» انفجرت «، والألفُ علامةُ الرفعِ لأنه مَحْمولٌ على المثنَّى، وليس بمثنَّى حقيقةً إذ لا واحد له من لفظِه، وكذلك مذكَّرهُ» اثنان «ولا يُضاف إلى تمييز لاستغنائِه بذكر المعدودِ مثنَّى، تقول: رجلان وامرأتان، ولا تقول: اثنا رجلٍ ولا اثنتا امرأةٍ، إلا ما جاءَ نادراً فلا يُقاسُ عليه: قال:
495 - كأنَّ خِصْيَيْهِ مِنَ التَّدَلْدُلِ ... ظَرْفُ عجوزٍ فيه ثِنْتا حَنْظَل
وثِنْتان مثل اثنتين، وحكمُ اثنين واثنتين في العددِ المركب أن يُعْرَبا بخلافِ سائرِ أخواتهما، قالوا: لأنه حُذِفَ معهما ما يُحْذَفُ في المعرب عند الإِضافة وهي النونُ فأشبها المعربَ فأُعْرِبا كالمثنى بالألف رفعاً وبالياء نصباً وجرَّاً، وأمَّا «عَشْرة» فمبني لتنزُّلِه منزلَةَ تاءِ التأنيثِ ولها أحكامٌ كثيرةٌ. و «عَيْناً» تمييز.
وقُرئ: «عَشِرة» بكسر الشينِ وهي لغةُ تميمٍ، قال النحاس: «وهذا عجيبٌ فإنَّ لغةَ تميم عَشِرة بالكسر، وسبيلُهم التخفيفُ، ولغةَ الحجازِ عَشْرة بالسكون وسبيلُهم التثقيلُ» . وقرأ الأعمش: عَشَرة بالفتح. والعينُ اسم مشتركٌ بين عَيْنِ الإِنسانِ وعَيْن الماء وعَيْنِ السحابة وعَيْنِ الذهبِ وعَيْنِ المِيزان، والعَيْنُ: المطر الدائم ستاً أو خمساً، والعَيْنُ: الثُّقْب في المَزادَة، وبلدٌ قليلٌ العَيْن أي: قليلُ الناس.
[قوله: {كُلُّ أُنَاسٍ} قد تقدَّم الكلام على أنه أصلُ الناس. وقال الزمخشري في سورة الأعراف: إنه اسمُ جَمْعٍ غيرُ تكسير، ثم قال: «ويجوز أن يكونَ الأصلُ الكسرَ، والتكسيرُ والضمةُ بدلٌ من الكسرةِ، كما أُبْدِلَتْ في سُكَارى من الفتحة وسيأتي تحريرُ البحث معه إن شاء الله تعالى في السورةِ المذكورة] .
قوله: {مَّشْرَبَهُمْ} مفعولٌ ل» عَلِمَ «بمعنى عَرَف، والمَشْرَبُ هنا مَوْضِعُ الشُّرْبِ؛ لأنُه روي أنه كان لكلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ من اثنتي عشرةٍ عيناً لا يَشْرَكُهُ فيها [سِبْطُ] غيرُه. وقيل: هو نفسُ المشروب. فيكون مصدراً واقعاً موقعَ المفعولِ به.
قوله: {كُلُواْ واشربوا} هاتان الجملتانِ في محلِّ نَصْبٍ بقولٍ مضمرٍ، تقديرُه: وقُلْنَا لهم كُلوا واشْرَبُوا، وقد تقدَّم تصريفُ» كل «وما حُذِف منه.
قولُه: {مِن رِّزْقِ الله} هذه من باب الإِعمال لأنَّ كلَّ واحدٍ من الفعلين يَصِحُّ تسلُّطُه عليه، وهو من باب إعمالِ الثاني للحذفِ من الأولِ، والتقديرُ: وكُلوا منه.
و» مِنْ «يجوزُ أن تكونَ لابتداءِ الغايةِ وأن تكونَ للتبعيضِ، ويجوزُ أن يكونَ مفعولُ الأكلِ محذوفاً، وكذلك مفعولُ الشُّرْب، للدلالة عليهما، والتقدير: كُلوا المَنَّ والسَّلْوى، لتقدُّمِهما في قوله: {وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى} [البقرة: 57] واشرَبوا ماءَ العيُونِ المتفجرةِ، وعلى هذا فالجارُّ والمجرورُ يُحْتمل تعلُّقُه بالفعلِ قبله، ويُحْتمل أن يكونَ حالاً من ذلك المفعولِ [المحذوفِ] ، فيتعلَّقَ بمحذوفٍ. وقيل: المرادُ بالرزق الماءُ وحدَه، ونَسَب الأكلَ إليه لمَّا كانَ سبباً في نَماء ما يُؤكل وحياتِهِ فهو رزقٌ يُؤْكل منه ويُشْرَبُ، والمرادُ بالرزقِ المَرْزُوقُ، وهو يَحْتَمل أن يكونَ من باب ذِبْح ورِعْي، وأن يكونَ من باب» درهمٌ ضَرْبُ الأميرِ «، وقد تقدَّم بيانُ ذلك.
قوله: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ} أصلُ» تَعْثَوا «: تَعْثَيُوا، فاستُثْقِلت الضمةُ على الياءِ فحُذِفَت فالتقى ساكنانِ فحُذِفَ الأولُ منهما وهو الياءُ، أو لَمَّا تحرَّكتِ الياءُ وانفتح ما قبلَها فُلِبَت ألفاً، فالتقى ساكنان فحُذِفَتِ الألفُ وبقيتِ الفتحةُ تَدُلُّ عليها وهذا أَوْلى، فوزنُه تَفْعُون.
والعِثِيُّ والعَيْثُ: أشدُّ الفسادِ وهما متقاربان. وقال بعضُهم: «إلاَّ أنَّ العَيْثَ أكثرُ ما يُقال فيما يُدْرَك حِسَّاً، والعِثِيُّ فيما يُدْرَكُ حُكْماً، يقال: عَثَى يَعْثَى عِثِيَّاً وهي لغةُ القرآنِ، وعثا يَعْثُوا عُثُوّاً وعاثَ يعيثُ عِثِيّاً، وليس عاثَ مقلوباً من عثى كَجَبَذَ وجَذَبَ لتفاوتِ مَعنَيَيْهما كما تقدَّم، ويُحْتمل ذلك، ثم اختصَّ كلُّ واحدٍ بنوعٍ. ويُقال: عَثِيَ يعثى عِثِيّاً ومَعَاثاً، وليس عَثِي أصلُه عَثِوَ، فقُلِبَتِ الواوُ ياءً لانكسارِ ما قبلها كَرَضِيَ من الرّضوان لثبوتِ العِثِيّ وإن تَوَهَّم بعضُهم ذلك. وعَثَا كما تقدَّم، ويقال: عَثَّ يَعُثُّ مضاعفاً أي فسد، ومنه: العُثَّةُ سُوسةٌ تُفْسِدُ الصوفَ، وأمَّا» عَتَا «بالتاءِ المثنَّاة فهو قريبٌ من معناه وسيأتي الكلامُ عليه.
و» مُفْسدين «حالٌ من فاعل» تَعْثَوْا «، وهي حالٌ مؤكِّدةٌ، لأنَّ معناها قد فُهِم من عامِلها، وحَسَّنَ ذلك اختلافُ اللفظين، ومثله: {ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} [التوبة: 25] ، هكذا قالوا: ويُحتمل أن تكونَ حالاً مبيِّنَةً، لأنَّ الفسادَ أعمُّ والعِثِيِّ أخصُّ كما تقدَّم، ولهذا قال الزمخشري:» فقيل لهم: لا تَتَمادَوا في الفسادِ في حالِ فَسادِكم، لأنهم كانوا متمادِيْنَ فيه، فغايَر بينهما كما ترى.
و {فِي الأرض} يَحْتمل أن يتعلَّق ب «تَعْثَوْا» وهو الظاهرُ، وأن يَتَعلَّقَ بمفسدين.
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
عثى
العَيْثُ والعِثِيُّ يتقاربان، نحو: جَذَبَ وجَبَذَ، إلّا أنّ العَيْثَ أكثر ما يقال في الفساد الذي يدرك حسّا، والعِثِيَّ فيما يدرك حكما. يقال: عَثِيَ يَعْثَى عِثِيّاً(١) ، وعلى هذا: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة : 60] ، وعَثَا يَعْثُو عُثُوّاً، والأَعْثَى: لونٌ إلى السّواد، وقيل للأحمق الثّقيل: أَعْثَى.