التخطي إلى المحتوى الرئيسي

التشبيه أركانه وأقسامه

التشبيه:

من أساليب البيان أنك إذا أردت إثبات صفة لموصوف، مع التوضيح، أو المبالغة، عمدت إلى شيء آخر، تكون هذه الصفة واضحة فيه، وعقدت بين الاثنين مماثلة، تجعلها وسيلة لتوضيح الصفة، أو المبالغة في إثباتها (٢). فالأمور الغامضة إذا قيست بأمثالها المعروفة تبين بها، والتشبيه يزيد المعنى وضوحاً، ويكسبه تأكيدا، ولهذا أطبق جميع المتكلّمين من العرب والعجم عليه، ولم يستغن أحدٌ عنه (٣)، وهو من أقدم صور البيان، وركن من أركان البلاغة.

تعريف التشبيه:

هو إلحاق أمر بأمر في صفة أو أكثر، بإحدى أدوات التشبيه لفظا، أو تقديرا. فالأمر الأول هو المشبه، والثاني هو المشبه به، ويسميان الطرفين، والمعنى المشترك بينهما أو الصفة المشتركة بينهما تسمى وجه الشبه، ويجوز حذف وجه الشبه مع بقاء أداة التشبيه، ويجوز حذف الأداة مع بقاء الوجه، ويجوز حذفهما جميعا (٤).

أركان التشبيه:

أركان التشبيه أربعة:
  1. المُشبه.
  2. المُشبه به.
  3. أداة التشبيه.
  4. وجه الشبه.
المشبه والمشبه به طرفا التشبيه وركناه، وبدونهما لا يكون التشبيه، وقد يستغنى عن أداة التشبيه ووجه الشبه لكن لا يستغنى عن طرفي التشبيه.

تقسيم طرفي التشبيه إلى حسي وعقلي:

طرفا التشبيه هما المشبه والمشبه به، وهما ركنا التشبيه الأساسيان، وبدونهما لا يكون تشبيه. والطرفان يكونان حسيين، وعقليين، ومختلفين، على النحو التالي:

١- تشبيه محسوس بمحسوس:

والمراد بالحسيّ ما يدرك هو أو مادته بإحدى الحواس الخمس، أي: يكون المشبه والمشبه به من المبصرات، أو المسموعات، أو المذوقات، أو المشمومات، أو الملموسات، كقول الله تعالى: (وعندهم قاصرات الطرف عين كأنهن بيض مكنون). وقوله: (وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون). وقوله: (كأنهن الياقوت والمرجان). فالمشبه في كل هذه الآيات هو نساء أهل الجنة، والمشبه به هو بيض النعام، واللؤلؤ المكنون، والياقوت، والمرجان، وكما نرى كلها من المبصرات فهي مدركة بحاسة البصر؛ إذن فهي حسية.

٢- تشبيه معقول بمعقول:

والمراد بالطرفين العقليين أنهما لا يدركان بالحس بل بالعقل، مثل: العلم، والحياء، والذكاء، والمروءة، وما نحو ذلك من المعاني التي ليس لها ذات ولا مادة، ومنه قول الشاعر:
العشق كالموت يأتي لا مرد له ... ما فيه للعاشق المسكين تدبير.
فقد شبه هنا معقول بمعقول، أي أن كلا منهما لا يدرك إلا بالعقل. ووجه الشبه بين العشق والموت عدم القدرة على دفعه ورده.

٣- تشبيه معقول بمحسوس:

كقول الشاعر:
الرأي كالليل مسودٌّ جوانبه ... والليل لا ينجلي إلا بإصباح.
فالرأي معقول والليل محسوس. كذلك قول الشاعر يشبه الغيظ بالنار:
وغيظ على الأيام كالنار في الحشا ... ولكنه غيظ الأسير في القيد.

٤- تشبيه محسوس بمعقول:

وهذا القسم على خلاف الأصل؛ لأن الأصل في التشبيه أن يلحق المشبه بشيء يحسه الإنسان، ويكون أقوى في وجه الشبه، ويكون أظهر وأوضح من المشبه، فأولى به أن يكون حسيًّا، إلا بعد أن ينزل منزلة المحسوس، ويدّعى أنه فاق المحسوس في الوضوح والظهور، كما جاء في تشبيه الأرض الواسعة بخلق الكريم، في قول الشاعر:
وأرض كأخلاق الكرام قطعتها ... وقد كحَّل الليل السماك فأبصر.
فشبه الأرض في السعة والرحابة بأخلاق الكرام، وكان الأصل أن يعكس، فإن يشبه أخلاق الكرام بالأرض، لكنه أراد أن يبالغ، وأن يبين أن وجه الشبه موجودة في المشبه به أكثر من المشبه، ومن ذلك أيضًا قول الشاعر:
ولقد ذكرتك والظلام كأنه ... يوم النوى وفؤاد من لم يعشق (٥)

طرفا التشبيه من حيث الإفراد والتركيب والتقييد:

ينقسم التشبيه من حيث إفراد الطرفين وتركيبهما وتقييدهما إلى سبعة أقسام:

١- تشبيه مفرد بمفرد:

والمقصود بالمفرد أن يكون شيئا متميزا بذاته، مطلقا غير مقيد بوصف، أو حال، أو ظرف، أو نحو ذلك من الفضلات التي تضيف معاني فرعية على المفرد، وليس المقصود بالمفرد هنا خلاف المثنى والجمع، بل هو خلاف المركب، كقول الشاعر:
تأمل إذا ما نلت بالأمس لذة ... فأفنَيتَها هل أنت إلا كحالم.
فالضمر أنت مفرد وحالم مفرد كلاهما لم يقيدا بظرف أو حال أو جار ومجرور ونحو ذلك.
وقوله تعالى: (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة).

٢- تشبيه مقيد بمقيد:

وهو أن يرتبط الطرف ويقيّد بوصف، أو إضافة، أو جار ومجرور، أو حال، أو ظرف، أو بغير ذلك، ويشترط في القيد أن لا يبلغ حد التركيب، وأن يكون له تأثير في تحقيق وجه الشبه، كقولك: التعلم في الصغر كالنقش على الحجر. ووجه الشبه دوام الأثر، ولا يتحقق إلا بالقيد، فالعلم مقيد بكونه في الصغر والنقش مقيد بكونه على الحجر.

٣- تشبيه مفرد بمقيد:

كقوله تعالى: (يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر). فالمشبه الخلائق، والمشبه به جراد مقيدا بكونه منتشر، ووجه الشبه الكثرة والتدافع وجولان بعضهم في بعض. ومنه قوله تعالى: (ويوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش). فالمشبه مفرد وهو الناس، والمشبه به الفراش مقيدا بكونه مبثوثا، فالفراش مثال للخفة والتهافت في أمثالهم أطيش من فراشة. كذلك الجبال مشبه مفرد، والمشبه به هو العهن مقيدا بكونه منفوشا، والعهن هو الصوف المصبوغ ألوانا شتى وجاء إيثار لفظ العهن على الصوف ليعمّ كل الجبال التي هي جُدَد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود، فإذا ما كان من منفوشًا فقد تفرقت أجزاؤه، وزال كل ما به من قوة وتماسك، ووجه الشبه زوال القوة وتفرق الأجزاء، وبغير مراعاة هذه القيود يفسد التشبيه.

٤- تشبيه مقيد بمفرد:

تشبيه مقيد بمفرد هو عكس الصورة السابقة.
٥- تشبيه مركب بمركب:
والتركيب أن يكون هيئة مؤلفة من أمرين، أو من عدة أمور، قد امتزجت امتزاجا يجعلها في حكم الشيء الواحد، كقول الشاعر:
كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كوكبه.
فشبه هنا الهيئة المركبة من الغبار المثار والسيوف المتحركة حركات سريعة مضطربة، وإلى جهات مختلفة، شبه هذا كله بالهيئة المكونة من الظلام والكواكب تتهاوى وسطه، وقد تداخلت واستطارت أشكالها. وكقول الشاعر:
والشمس بين الأرائك قد حكت ... سيفا صقيلا في يد رعشاء.
وهذا القسم ضربان:
ما يصح تشبيه كل جزء من أجزاء أحد طرفيه بما يقابله من أجزاء الطرف الآخر.
ما لا يصح تشبيه كل جزء من أحد طرفيه بما يقابله من الطرف الثاني.

٦- تشبيه مفرد بمركب:

كقوله تعالى يشبه المعرضين عن التذكرة: (كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة). وكقول الشاعر يشبه الهلال:
انظر إليه كزورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر.
فالمشبه مفرد وهو الهلال، والمشبه به مركب من مجموعة أمور، من ذلك أيضًا قول الخنساء تصف أخاها صخرًا:
أغر أبلج تأتمُّ الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار.
فالمشبه في قولها: كأنه هو أخوها صخر وهو مفرد، والمشبه به مركب، وهو الهيئة الحاصلة من الجبل، والنار المشتعلة في قمته.

٧- تشبيه مركب بمفرد:

وهو قليل، كقول الشاعر وهو ابو تمام:
يا صاحبي تقصيا نظريكما ... تريا وجوه الأرض كيف تصور.
تريا نهارًا مشمسا قد شابه ... زهر الربا فكأنما هو مقمر.
فهنا يشبه الهيئة الحاصلة من الشمس الساطعة على الروابي المزهرة المخضرة، وقد اختلطت الأشعة المشرقة بالخضرة القاتمة؛ فانكسرت بهذا الاختلاط حدة الضوء حتى صار يضرب إلى السواد، كل هذا صورة المشبه، يشبه كل هذه الهيئة بليل مقمر، فالمشبه به مفرد مقيد، والمشبه كما ذكرنا مركب واعلم إذا كان أحد الطرفين مركبا فلا يكاد يكون الطرف الآخر مفردا(٦).

أقسام التشبيه باعتبار وحدة الطرفين وتعددهما:

معنى وحدة الطرف أن يكون أمرا واحدا مثل: زيد كالأسد، فزيد مفرد، وهو أمر واحد، وليس متعددا، والأسد كذلك، فهو شبّه شيئا واحدا بشيء آخر واحد، معنى أن يكون الطرف متعددا أن يكون أمرين، أو عدة أمور، لكن لا يمزج بينها كما يمزج في التشبيه المركب، بل يظل كل أمر منها على حدة. وصور التشبيه باعتبار وحدة الطرفين وتعددهما أربعة أقسام:

١- تشبيه واحد بواحد:

كقوله تعالى: (فجعلهم كعصف مأكول). فالمشبه أصحاب الفيل، والمشبه به عصف مأكول، كلاهما واحد ولا تعدد في الطرفين. كذلك قوله تعالى (إنّا ارسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر). شبّهَ القوم بالهشيم، كل طرف واحد.

٢- تشبيه واحد بمتعدد:

قول الشاعر:
أسد عليَّ وفي الحروب نعامة ... فرخاء تنفر من صفير الصافر.
فشبه المخاطب بالأسد، ثم بالنعامة، فالمشبه واحد، لكن المشبه به متعدد.

٣- تشبيه متعدد بواحد:

ويسمي تشبيه التسوية، كقول الشاعر:
آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم ... في الحادثات إذا دجونا نجوم.
فالمشبه متعدد: الآراء، والوجوه، والسيوف، كل هذا شبهه بشيء واحد وهو النجوم.

٤- تشبيه متعدد بمتعدد:

وهذا النوع من التشبيه يأتي على أكثر من صورة:
١- تشبيه يقرن كل مشبه بمشبه به، ويسمى بالتشبيه المفروق، كقول شاعر:
النشر مسك والوجوه دنانير ... وأطراف الأكوف عنم.
فهنا تعددت التشبيهات في البيت، وقُرن كل مشبه بالمشبه به. كذلك قول الشاعر:
فالأرض ياقوتة والجو لؤلؤة ... والنبت فيروزج والماء بلور.
٢- صورة أخرى يأتي فيها المشبه مجتمع في طرف، والمشبه به مجتمع في طرف آخر، ويسمى بالمقرون، مثاله قول امرئ القيس:
كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي.
فالمشبه في البيت متعدد، وهو قلوب الطير الرطبة، وقلوبها اليابسة، والمشبه به كذلك وهو العناب المقابل للقلوب الرطبة، والحشف البالي أي: الرطب البالية المقابل للقلوب اليابسة، لكن اجتمع في كل المشبهات في طرف، والمشبهات بها في طرف آخر. هذه الأقسام ليست مقصودة لذاتها، وإنما فقط للتعليم وللتدريب (٧).

الركن الثالث أدوات التشبيه:

وأداة التشبيه كل لفظ يدل على المماثلة والاشتراك، وهي حرفان وأسماء، وأفعال:

أداة التشبيه الكاف:

الكاف حرف جر، وتفيد المشابهة في معظم استعمالاتها، وعلى مذهب الأخفش الكاف اسم بمعنى مِثْل، لا حرفٌ. والأصل فيها أن يليها المشبه به كقوله تعالى: (وله الجواري المنشآت في البحر كالأعلام). الأعلام مشبه به وقد ولي الكاف. وكقوله تعالى: ( والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم). فإن وليها غير المشبه به؛ كان المشبه به مقدرًا بعدها، كما في قوله تعالى: (أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم ن الصواعق حذر الموت). فالمشبه به في الآية محذوف تقديره: أو "كمثل ذوي صيب"؛ لأن الأصل أن يكون التشابه بين المعطوفات فيه تماثل، فهنا عطف (كصيب) على قوله: (كمثل الذي استوقد نارا) فلا بد إذن أن يلي الكاف ما يماثل المشبه في الآيات السابقة المعطوف عليها فالآيات مسوقة لبيان حال المنافقين فنجد أن المشبه به في الآية محذوف تقديره: أو "كمثل ذوي صيب" بدليل قوله: (يجعلون أصابعهم في آذانهم). ونظير ذلك في دخول الكاف على مشبه به مقدر ما جاء في قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من انصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله)، لا شبه بين كون المسلمين أنصارًا لله، وبين قول عيسى، وإنما الشبه بين كونهم أنصار للنبي محمد -صلى الله عليه وسلم، وكون الحواريين أنصارًا لعيسى؛ إذن فوجب أن يكون التقدير: كونوا أنصار الله كما كان الحواريون أنصارا لعيسى ابن مريم حين قال لهم: من أنصاري إلى الله. وقد يلي الكاف مفرد لا يتأتى التشبه به، وذلك إذا كان المشبه به مركبا، ويكون هذا المفرد له اتصال وثيق بالمشبه به المركب، كقول الله تعالى: (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح) فليس المراد تشبيه حال الدنيا بالماء، بل المراد تشبيه حالها في ندرتها وبهجتها وما يعقبها من الهلاك والفناء، بالهيئة الحاصلة من كون النبات بعد نزول الماء شديد النضارة والاخضرار، ثم بعد ذلك تراه قد يبس فتطيره الرياح، كأن لم يكن، ووجه الشبه: التلف والهلاك عقب الإعجاب والاستحسان؛ فالكاف هنا لم تدخل على مشبه به وهو النبات، وإنما دخلت على لفظ الماء باعتباره عنصرًا مهمًّا في تكوين النبات، وأوراقه وفروعه وثماره. إذن فلا بد من مراعاة مدخول الكاف حتى تستقيم العبارة أو الآية، وبذلك نعرف مدى أهمية فهم سياق الآية في تقديرها مع أدوات التشبيه (٨).

أداة التشبيه كأنّ:

كأن تفيد المشابهة، وذلك إذا كان خبرها جامدًا، أو مؤولا بجامد، ويليها المشبه، نحو قوله تعالى: (خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منشر). والتشبيه بكأن أبلغ من التشبيه بالكاف، لما فيه من التوكيد، فهي عند الخليل وسيبويه حرف مركب من الكاف وإنّ وصارتا كلمة واحدة، فالأصل في: "كأنّ زيد أسدا" "إن زيد كأسد". قدم حرف التشبيه اهتماما به.والمتفق عليه من جمهور النحاة أن "كأن" للتشبيه على الإطلاق وزعم جماعة من النحاة أنها لا تكون للتشبيه إلا إذا كان خبرها اسما جامدا، نحو: كأن زيدا أسد. بخلاف: كأن زيدا قائم، أو في الدار، أو عندك، أو يقوم. فإنها في ذلك كله للظن والشك، أي بمنزلة ظننت وتوهمت. ومعنى هذا أنه إذا كان خبرها وصفا، أو جملة، أو شبه جملة، فهي للظن، ولا تكون للتشبيه إلا إذا كان الخبر مما يتمثل به. فإن قلت: كأن زيدا قائم، لا يكون تشبيها لأن الشيء لا يشبه نفسه. ولكن جمهور النحاة على أنها للتشبيه على الإطلاق، وعلى هذا يقولون: إن معنى كأن زيدا قائم، تشبيه حالته غير قائم بحالته قائما.

أداة التشبيه اسم:

وتأتي الأداة أحيانًا اسما من أمثال: مثل، شبه، شبيه، نظير، مثيل، مماثل، محاكٍ، مشابه، مضاهٍ، ونحوها مما يؤدي معنى المشابهة.
والمثل بمعنى المثال، وهو الأنموذج الذي يُحتذى ويقاس عليه. والمثل بمعنى الشَبَه، وهو ما يجري فيه القياس بتشبيه شيء بشيء.

أداة التشبيه فعل:

وتكون أداة التشبيه فعلًا مثل: شابه وحاكى، ويشابه، ويضاهي، ونحوها من الأفعال المتعدية الدالة على معنى المشابهة، فإذا كانت الأفعال لازمة كتشابه وتماثل؛ فإنها لا تدل على التشبيه، لأن التشبيه يقتضي إلحاق الأدنى في وجه الشبه بالأعلى حقيقة أو ادعاءً، وهذه الأفعال اللازمة إنما تدل على وجود التشابه بين الشيئين المقتضي مساواة كل واحد منهما للآخر في وجه الشبه (٩).

أداة التشبيه فعل من أفعال اليقين والرجحان:

وقد ينوب عن الأداة ويغني عنها فعل من أفعال اليقين أو الرجحان كعلم وظن وحسب، ويكون منبئا عن حال التشبيه في القرب أو البعد، ولا يعتبر أداة، بل الأداة محذوفة، كقول الشاعر:
قوم إذا لبسوا الدروع حسبتها ... سجا مزردة على أقمار (١٠).

دخول (كاف) التشبيه على (مثل):

قال فاضل السامرائي: زائدة تفيد التوكيد، وجعلوا منه قوله تعالى: (ليس كمثله شيء)... وجاء في شرح الرضي على الكافية أنه يحكم بزيادتها عند دخولها على (مثل) في نحو (ليس كمثله شيء) أو دخول مثل عليه كقوله (فأصبحوا مثل كعصف مأكول) فلا بد من زيادة إحدى أداتي التشبيه، وزيادة ما هو حرف أولى...
والذي يبدو لي أن الكاف ليست زائدة، بل هي على معناها، وإيضاح ذلك أنك تقول (هي مثل البدر) و (هي كمثل البدر) فقولك (هي مثل البدر) أقرب في الشبه إلى البدر من كمثل البدر، وذلك لمجيئك في الثانية بأداتي تشبيه: الكاف ومثل، وإذا حذفت أداة التشبيه كان الشبه أقرب. فلو قلت (هي البدر) لكان أقرب كما هو معلوم لأنك تدعي أنها البدر وليست شبيهة به.
فقولك (هي البدر) أقرب في الشبه من (هي كالبدر أو مثل البدر). وقولك (هي مثل البدر) أقرب إلى الشبه من قولك (هي كمثل البدر) فإنك في الأخيرة أبعده الشبه بذكر أداتين للتشبيه.
وأما قول الرضي إنه يحكم بزيادتها عند دخولها على (مثل) أو دخول (مثل) عليها فليس الأمر فيه كما ذكر، وإنما هو لقصد تبعيد المشبه عن المشبه به.
ونحوه ما ذكر في قول الشاعر (فأصبحوا مثل كعصف مأكول) فإن الكاف فيه ليست زائدة، وإنما تشبيه بمشبه وإيضاح ذلك - إذا لم نقل إنه جاء بالكاف ومثل لإقامة الوزن - أنه لم يرد أن يقول (فأصبحوا مثل عصف مأكول) وإنما يريد أن يشبههم بحالة من شبه بالعصف المأكول، وهم أصحاب الفيل، فأصحاب الفيل كما أخبر ربنا جعلهم كعصف مأكول، وحالة هؤلاء الذين ذكرهم الشاعر أصبحت كحالة أولئك فقال (مثل كصعف مأكول).

أقسام التشبيه من حيث الأداة:

ينقسم التشبيه من حيث الأداة إلى قسمين:

١- التشبيه المؤكد، ومنه ما أضيف المشبه به إلى المشبه:

التشبيه المؤكد هو ما حذف منه أداة التشبيه، كقوله تعالى: (وهي تمر مر السحاب). ومنه ما أضيف المشبه به إلى المشبه كقول الشاعر:
فاضمم مصابيح آراء الرجال إلى ... مصباح رأيك تزدد ضوء مصباح.
وقول الشاعر:
ويظلم وجه الأرض في أعين الورى ... بلا شمس دينار ولا درهم.
والدينار وهو الوحدة الرئيسية من وحدات العملة الذهبية المتداولة في الإسلام وكثيرا ما يشبه بالشمس، كما يشبه الدرهم بالبدر.
والمؤكد أوجز؛ لحذف أداة التشبيه، وأبلغ؛ لإِيهامه أنّ المشبه عين المشبه به، وأشدّ وقعاً في النفس.

٢- التشبيه المرسل:

التشبيه المرسل وهو ما ذكرت فيه أداة التشبيه، كقوله تعالى: ( كأنهن الياقوت والمرجان). وقوله: (فجعلهم كعصف مأكول).(١١).

الركن الرابع وجه الشبه:

هو الصفة المشتركة بين المشبّه والمشبّه به، أو المعنى المشترك بينهما، وتكون في المشبّه به أقوى وأظهر مما هي عليه في المشبّه. قد يذكر وجه الشّبه، وقد يحذف (١٢).
تقسم التشبيه من حيث وجه الشبه إلى مفرد ومركب:

وجه الشبه المفرد:

هو ما لا يكوِّن وجه الشبه فيه هيئة أو صورة مثل: خالد أسد شجاعةً.

وجه الشبه المركب:

هو الذي يكوِّن وجه الشبه فيه صورة وهيئة، كقول اللَّه عز وجل: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم) (١٣).

أقسام التشبيه باعتبار ذكر وجه الشبه وحذفه:

بهذا الاعتبار ينقسم إلى قسمين:

١- التشبيه المفصل:

التشبيه المفصل و هو ما ذكر فيه وجه الشبه، كقول أبي بكر الخالدي:
يا شبيه البدر حسنًا وضياء ومنالًا ... وشبيه الغصن لينًا وقوامًا واعتدالًا.

٢- التشبيه المجمل:

التشبيه المجمل، وهو ما حُذف منه وجه الشبه، كأن نقول: هذا الرجل كالأسد، وقد يكون دقيقًا خفيًّا يحتاج في إدراكه إلى فكر وتأمل، وعندئذٍ يجب أن يذكر في العبارة ما يومئ إلى وجه شبه المحذوف، ويدل عليه، ولكن طالما حذف وجه الشبه، فيسمى هذا التشبيه بالتشبيه المجمل. ووجه الشبه في التشبيه المجمل نوعان:
  • ١- قريب مبتذل: وهو ما انتقل فيه الذهن من المشبه إلى المشبه به، دون حاجة إلى إعمال فكر وتدقيق نظر.
  • ٢- بعيد غريب، وهو ما لا ينتقل فيه الذهن من المشبه إلى المشبه به، إلا بعد فكر وإطالة نظر، وذلك لخفاء وجه الشبه في بادئ الأمر، ودقته (١٤).

التشبيه البليغ:

هو التشبيه المؤكد المجمل، والمؤكد ما حُذفت فيه أداة التشبيه، والمجمل ما حذف فيه وجه الشبه، كما ذكرنا آنفا، فإذا حذف أداة التشبيه ووجه الشبه يسمي تشبيها بليغا، وكلما كان وجه الشبه قليل الظهور، يحتاج في إدراكه إلى أعمال الفكر وكان ذلك أفعل في النفس. وسبب هذه التسمية: أن ذكر الطّرفين فقط، يوهم اتحادهما، وعدم تفاضلهما، فيعلو المشبه إلى مستوى المشبه به، وهذه هي المبالغة، نحو:
فاقضو مآربَكم عِجالاً إنّما أعماركم سفرٌ من الأسفار.
ونحو:
عزماتهم قضبٌ وفيض أكفهم سُحُبٌ وبيضُ وجوههم أقمار. (١٥)
وقد يلحق المشبه بالوجه والأداة فيحذف معهما، ويبقى المشبه به فقط في سياق الكلام، من ذلك مثلًا ما جاء في قول الله تعالى: ( صم بكم عمي فهم لا يعقلون)، تقدير الكلام هم كالصم، هم كالعمي، هم كالبكم. ففي هذه الآية حُذفت الأداة ووجه الشبه، وحُذف أيضًا المشبه، وحذف المشبه هنا في الآية لا يُخرج الكلام عن دائرة التشبيه؛ لأن القاعدة المشهورة تقول: أن المقدر كالمذكور (١٦).

كثرة أقسام التشبيه:

التشبيه له أقسام كثيرة، وأساليب متنوعة، اجتهد علماء البلاغة في تحديد ضوابطها والفروق بينها، وليس المقصود الاستقصاء في معرفة هذه الأنواع والتوسع في معرفة الضوابط والفروق بينها، وذلك أن معظم تلك التفريعات والجزئيات ليس لها كبيرُ أَثَرٍ في تجلية المعاني، وليس هناك اتفاق بين المشتغلين في علوم البلاغة على تعريفها، وتحديد الفروق بينها (١٧).
المصادر

(٢)-كتاب: "جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع" أحمد الهاشمي
(٣)- كتاب: " الصناعتين: الكتابة والشعر" أبو هلال العسكري.
(٤)- كتاب: "المنهاج الواضح للبلاغة" حامد عونى.
(٥)- كتاب: "البلاغة ١- البيان والبديع - جامعة المدينة"جامعة المدينة العالمية.
(٦)- كتاب: "البلاغة ١- البيان والبديع - جامعة المدينة"جامعة المدينة العالمية.
(٧)- كتاب: "البلاغة ١- البيان والبديع - جامعة المدينة"جامعة المدينة العالمية.
(٨)- كتاب: "البلاغة ١- البيان والبديع - جامعة المدينة"جامعة المدينة العالمية.
(٩)- كتاب: "البلاغة ١- البيان والبديع - جامعة المدينة"جامعة المدينة العالمية.
(١٠)- كتاب: "علوم البلاغة البيان، المعاني، البديع" المراغي، أحمد بن مصطفى.
(١١) كتاب: "علوم البلاغة البيان، المعاني، البديع" المراغي، أحمد بن مصطفى.
(١٢)- كتاب: "علوم البلاغة: البديع والبيان والمعاني"محمد أحمد قاسم.
(١٣)- كتاب:" الأمثال القرآنية القياسية المضروبة للإيمان بالله"
عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع.
(١٤)- كتاب: "البلاغة ١- البيان والبديع - جامعة المدينة"جامعة المدينة العالمية.
(١٥)- كتاب: "جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع" أحمد الهاشمي.
(١٦)- كتاب: "البلاغة ١- البيان والبديع - جامعة المدينة"جامعة المدينة العالمية.
(١٧)- كتاب: "الأمثال القرآنية القياسية المضروبة للإيمان بالله"
عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع.