التمييز:
التمييز: اسم نكرة فضلة يوضح إبهام اسم، أو إبهام نسبة، وهو في الغالب جامد، وحكمه النصب. وهو نوعان: تمييز المفرد، وتمييز الجملة.
تمييز المفرد:
إذا قلت: "عندي عشرون" فعشرون مبهمة تحتاج إلى ما يفسرها ويزيل إبهامها، فإذا قلت: "عندي عشرون كتابا" فكلمة "كتابا" أزالت الإبهام وفسرت العدد عشرين. نستنتج أن تميير المفرد، هو اسم فضلة نكرة جامد مفسر لما انبهم من الذوات، حكمه النصب، وسمي تمييز المفرد لأنه يزيل الإبهام عن كلمة واحدة، أو ما هو بمنزلتها. ويسمى أيضًا تمييز الذات؛ لأن الغالب في الكلمة التي يزيل إبهامها أن تكون شيئا محسوسا مجسما، فمعنى ذات أنها جسم، ويأتي في أربعة مواضع على النحو التالي:
أولاً- التمييز بعد العدد الصريح:
تمييز العدد من ثلاثة إلى عشرة:
يكون جمعا مجرورا بالإضافة، كقوله تعالى: (سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيامٍ حسوما).
تمييز العدد من أحد عشر إلى تسعة وتسعين:
يكون مفردا منصوبا، كقوله تعالى: (إني رأيت أحد عشر كوكبا). (وإنّ هذا أخي له تسع وتسعون نعجةً). وقول الشاعر:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش... ثمانين حولاً لا أبا لك يسأمِ.
تمييز المئة والألف:
إذا كان العدد لفظا دالا على المائة أو المئات أو الألف أو الألوف، يكون التمييز مفردا مجرورا بالإضافة، كقولك: قرأت مئة كتابٍ وكتبت ألف سطر.(١) ومن الخطأ إعرابه تمييزا؛ لأن التمييز في الاصطلاح النحوي كلمة منصوبة إنما يعرب مضافا إليه. (٢)
ثانيا- التمييز بعد الكناية عن العدد (كم، كأين، كذا)
وهذا فرع من الذي سبقه؛ لأنّ ما يُكنى به عن العدد بمنزلة العدد.
التمييز بعد كم الاستفهامية:
كم الاستفهامية وهي أداة يسأل بها عن معدود، تمييزها مفرد منصوب إن لم يدخل عليها حرف جر، نحو: كم كتابا قرأت؟. فإذا دخل عليها حرف جر جاز في التمييز النصب والجر، فيقال: بكم درهمًا اشتريت؟ وبكم درهمٍ اشتريت؟. أما النصب فلأنها محمولة على العدد المركب، وأما الجر فبالإضاقة، أو بمن مضمرة والتقدير: بكم من درهم اشتريت.
حذف مميز كم:
وقد يحذف المميز فيقال كم مالك؟ أي كم درهماً أو ديناراً مالك، وكم غلمانك؟ أي كم نفساً غلمانك، وكم درهمك؟ أي كم دانقاً درهمك، وكم عبد الله ماكث؟ أي كم يوماً أو شهراً، وكذلك كم سرت؟ وكم جاءك فلان؟ أي كم فرسخاً وكم مرة أو كم فرسخ وكم مرة.
الضمير الراجع إلى المميز:
ويرجع الضمير إليه على اللفظ والمعنى، تقول كم رجل رأيته ورأيتهم، وكم امرأة لقيتها ولقيتهن، وقال تعالى: (كم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً)
التمييز بعد كم الخبرية:
كم الخبرية: وهي أداة للإخبار عن معدود كثير، وسميت خبرية لأنها تحتمل الصدق والكذب بخلاف الاستفهامية، وتمييز (كم) الخبرية يكون مفردا مجرورا أو جمعًا مجرورا، تقول: كم رجلٍ أكرمت!، وكم رجالٍ أكرمت!. فإن فصل بين كم الخبرية والتمييز بفعل متعد، وجب الاتيان ب"من" لئلا يلتبس التمييز بمفعول ذلك الفعل المتعدي، نحو قوله تعالى: (كم تركوا من جنات وعيون)، و(كم أهلكنا من قرية).
التمييز بعد كذا:
كذا يكنى بها عن العدد، وهو مبهم في الأشياء بمنزلة (كم) وهو كناية بمنزلة (فلان)، والتمييز بعد (كذا) لا يكون إلا مفردا منصوبا، كقول الشاعر:
عدِ النفسَ نُعمى بعد بُؤساك ذاكرا... كذا وكذا لطفا به نُسي الجهدُ.
فلا يصح جره بمن اتفاقا، ولا بالإضافة عند الجمهور، وأكثر ما تستعمل معطوفا عليها نحو: عندي كذا وكذا درهما.
التمييز بعد كأين وكائن:
كأين، كائن، وكأي، وكيي. تفيد التكثير مثل كم الخبرية، وتمييزها مفرد، بخلاف تمييز كم الخبرية، فإنه يأتي مفردا أو جمعا، ولم ترد في القرآن إلا مع (من)، وقال سيبويه إنْ جرها احد من العرب فعسى أن يجرها بإضمار (من)، قال تعالى: (وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون) أي وكم من آية تدعو إلى التامل والإيمان يمرون عليها وهم معرضون عنها، والذي يبدو لي أنها تستعمل في مواطن التفخيم والتعظيم، إضافة إلى التكثير. (٣)
ثالثا- التمييز بعد المقادير:
التمييز بعد الكيل والوزن والمساحة:
بعد ما يدل على المقادير الثلاثة:
المساحة: كشبر أرضا.
الكيل: كصاع برّا.
الوزن: كرطل زيتا.
ويلحق بالمقدار ما يشبهه، كقوله تعالى: (مثقال ذرة خيرا يره)، وقوله: (ولو جئنا بمثله مددا) وقوله: (فلن يقبل من أحدهم ملءُ الارض ذهبا). وعندنا غيره إبلا.
أوجه التمييز بعد المقادير:
إذا كان التمييز للكيل، أو الوزن، أو المساحة، لك فيه ثلاثة أوجه:
إما نصبه على أنه تمييز وهذا هو الأفضل، كقولك: شربت كوبا ماءً.
وإما جره على أنه مضاف إليه والمميز هو المضاف، كقولك: شربت كوبَ ماءٍ. يستثنى من هذا ما كان المقدار مضافا قبل تمييزه نحو: (ملء الأرضِ ذهبا)، و(مثقال ذرةٍ خيرا) في مثل هذا يجب نصب التمييز أو جره ب"من".
وإما جره بالحرف "من" التي للبيان، كقولك شربت كوبا من الماء.
رابعا- المميز المتفرع من التمييز:
كقولك هذا خاتمٌ ذهباً، و ذلك ثوبٌ حريراً. وهو أن يكون الاسم المبهم فرعا للتمييز، على معنى أن يكون التمييز المفسِّر هو الأصل، والمفسَّر بعضا منه. (٤)
العامل في تمييز المفرد:
عامل النصب أو الجر بالإضافة في تمييز المفرد هو الكلمة المبهمة التي يرفع إبهامها، أما عند الجر بالحرف: من، فإن الحرف يكون هو العامل. ولا بد من تقدم العامل على التمييز في جميع الأنواع تمييز المفرد.
وصف المميز:
(كبرت كلمة تخرج من أفو اههم)
(سبع بقرات سمان)
وصف(٥) العدد أو المضاف إليه العدد:
في شرح الرضي للكافية ١٤٤:٢: «ومع صيرورة المعدود في صورة الفضلات يراعى أصله حين كان موصوفًا: فلا يوصف في الأغلب إلا هو دون العدد. لأنه هو المقصود من حيث المعنى، والمعدود - وإن كان مقدمًا عليه- كالوصف له، تقول: عندي عشرون رجلاً شجاعًا كما يوصف هو إذا كان مضافًا إليه قال الله تعالى: {إني أرى سبع بقرات سمان} ويجوز وصف العدد أيضًا لكن على قلة».
وقال في ١٤٥:٢: «وإذا وصفت المميز جاز لك في الوصف اعتبار اللفظ والمعنى، نحو: ثلاثون رجلاً ظريفًا وظرفاء، ومائة رجل طويل وطوال. قال:
فيها اثنتان وأربعون حلوبة سود كخافية الغراب الأسحم
وفي الهمع ٢٥٤:١: «إذا جيء بنعت مفرد أو جمع تكسير جاز الحمل فيه على التمييز، وعلى العدد، نحو: عندي عشرون رجلاً صالحًا أو صالحٌ، وعشرون رجلاً كرامًا أو كرامٌ، فإن كان جمع سلامة تعين الحمل على العدد، نحو: عشرون رجلاً صالحون، ذكره في البسيط».
▪️(إني أرى سبع بقرات سمان)
▪️(أفتنا في سبع بقرات سمان)
في الكشاف ٤٧٣:٢: «فإن قلت: هل من فرق بين إيقاع (سمان) صفة للمميز. وهو بقرات، دون المميز وهو سبع، وأن يقال: سبع بقرات سمانًا؟
قلت: إذا أوقعتها صفة لبقرات فقد قصدت إلى أن تميز السبع بنوع من البقرات، وهي السمان منهن، لا بجنسهن. ولو وصفت بها السبع لقصدت إلى تمييز السبع بجنس البقرات، لا بنوع منها، ثم رجعت فوصفت المميز بالجنس بالسمن».
وفي العكبري ٢٩:٢: «سمان: صفة لبقرات، ويجوز في الكلام نصبه نعتًا لسبع. يأكلهن: في موضع نصب أو جر».
وفي البحر ٣١٢:٥: «سمان: صفة لقوله: (بقرات) ميز العدد بنوع من البقرات، وهي السمان منهن، لا بجنسهن، ولو نصب صفة لسبع لكان التمييز بالجنس لا بالنوع، ويلزم من وصف البقرات بالسمن وصف السبع به، ولا يلزم من وصف السبع به وصف الجنس به، لأن يصير المعنى: سبعًا من البقرات سمانًا، وفرق بين قولك: عندي ثلاثة رجال كرام، وثلاثة رجال كرام، لأن المعنى في الأول: ثلاثة من الرجال الكرام، فيلزم كرم الثلاثة، لأنهم بعض من الرجال الكرام. والمعنى في الثاني: ثلاثة من الرجال كرام، فلا يدل على وصف الرجال بالكرم».
▪️(وسبع سنبلات خضر) [٤٣:١٢]
▪️(وسبع سنبلات خضر) [٤٦:١٢]
في معاني القرآن للفراء ٤٧:٢: «لو كان الخضر منصوبة تجعل نعتًا للسبع حسن ذلك: وهي إذ خفضت نعت للسنبلات. وقال الله عز وجل: {ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقاً} ولو كانت (طباق) كان صوابًا».
▪️(ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات)
يجوز في (بينات) النصب صفة للعدد، والجر صفة للمعدود من. السمين. الجمل ٦٤٧:٢
وفي البين ٩٧:٢: «بينات: يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون مجرورًا؛ لأنه وصف الآيات، والثاني: أن يكون منصوبًا، لأنه وصف لتسع».
▪️(كان مقداره ألف سنة مما تعدون)
مما تعدون: صفة لألف أو صفة لسنة. العكبري ٨٩:٢
▪️(قل فأتوا بعشر سور مثله مقتربات)
مفتريات: صفة لعشر سور الكشاف ٣٨٣:٢
وفي البحر ٢٠٨:٥: «مثل: يوصف به المفرد والمثنى والمجموع، كما قال تعالى: {أنؤمن لبشرين مثلنا}، وتجوز المطابقة في التثنية والجمع، كقوله تعالى: {ثم لا يكونوا أمثالكم} {وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون} وإذا أفرد، وهو تابع لمثنى أو مجموع فهو بتقدير المثنى والمجموع، أي مثلين وأمثال، والمعنى هنا: بعشر سور أمثاله».
▪️(كيف خلق الله سبع سموات طباقًا)
في معاني القرآن للفراء ١٨٨:٣: «إن شئت مضيت الطباق على الفعل، أي خلقهن مطابقات: وإن شئت جعلته من نعت السبع، لا على الفعل. ولو كان: سبع سموات طباق بالخفض كان وجهًا جيدًا كما تقرأ (ثياب سندس خضر، وخضر).
وصف لسبع، أو مصدر. البيان ٤٦٤:٢
▪️ (الذي خلق سبع سموات طباقا)
طباقًا: منصوب على الوصف لسبع البيان ٤٥٠:٢
انتصب (طباقًا) على الوصف لسبع، فإما أن يكون مصدرًا طابق مطابقة وصف به على سبيل المبالغة، أو على حذف مضاف وإما جمع طبق، أو طبقة. البحر ٢٩٨:٨
(كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة)
في كل سنبلة مائة حبة: صفة لسنابل أو لسبع. البحر ٣٠٥:٢
وفي العكبري ٦٢:١: «صفة لسنابل، ويجوز أن تكون الجملة صفة لسبع، كقولك: رأيت سبع رجال أحرار وأحرارًا». الجمل ٢١٨:١
▪️(في أربعة أيام سواءً للسائلين)
قرأ أبو جعفر برفع (سواء) خبر لمحذوف، وقرأ يعقوب بالجر، صفة للمضاف أو المضاف إليه. الباقون بالنصب على المصدر بفعل مقدر، أي استوت استواء، أو حال من ضمير (أقواتها).الإتحاف: ٣٨٠، النشر ٣٦٦:٢. البحر ٤٨٦:٧.
٤ - والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين [٩:٢٤]. محمد عبد الخالق عضيمة.
رد السمين الحلبي (٦)على الزمخشري:
"قال الزمخشري: «هل مِنْ فرقٍ بين إيقاع "سمان" صفة للمميِّز وهو "بقراتٍ" دون المُمَيَّز وهو "سبعَ"، وأن يقال: سبعَ بقراتٍ سِماناً؟
قلت: إذا أوقَعْتَها صفةً ل"بقرات" فقد قَصَدْتَ إلى أَنْ تُمَيِّز السبعَ بنوع من البقرات وهو السِّمانُ منهنَّ لا بجنسهنَّ، ولو وَصَفْتَ بها السبع لَقَصَدْت إلى تمييز السبع بجنس البقرات لا بنوعٍ منها، ثم رَجَعْتَ فَوَصَفْتَ المميَّز بالجنس بالسِّمَنِ.
فإن قلت: هَلاَّ قيل: سبعَ عجافٍ، على الإِضافة.
قلت: التمييزُ موضوعٌ لبيان الجنس، والعِجافُ وصفٌ لا يقع البيانُ به وحدَه.
فإن قلت فقد يقولون: ثلاثة فرسان وخمسة أصحاب. قلت: الفارس والصاحب والراكب ونحوها صفاتٌ جَرَتْ مَجْرى الأسماء فأخَذَتْ حُكْمَها، وجاز فيها ما لم يَجُزْ في غيرها. ألا تراك لا تقول: عندي ثلاثةُ ضخامٍ ولا أربعةُ غلاظٍ.
فإن قلت: ذاك مِمَّا يُشْكِلُ وما نحن بسبيلهِ لا إشكال فيه ألا ترى أنه لم يَقُلْ: وبقرات سبعَ عجافٍ، لوقوع العلم بأن المرادَ البقرات. قلت: تَرْكُ الأصلِ لا يجوز مع وقوع الاستغناء عَمَّا ليس بأصلٍ، وقد وقع الاستغناء عن قولك: سبع عجافٍ، عمَّا تقترحه من التمييز بالوصف» .
قلت: وهي أسئلة وأجوبة حسنة.
وتحقيق السؤال الأول وجوابه: أنه يلزم مِنْ وَصْفِ التمييز بشيء وَصْفُ المميَّزِ به، ولا يلزم من وصف المُمَيَّز وَصْفُ التمييز بذلك الشيءِ، بيانُه أنك إذا قلت: «عندي أربعةُ رجالٍ حسانٍ» بالجرِّ كان معناه: أربعة من الرجال الحسان، فيلزم حُسْنُ الأربعة؛ لأنهم بعض الرجال الحسان، وإذا قلت: «عندي أربعةُ رجالٍ حسانٌ» برفع «حسان» كان معناه: أربعة من الرجال حِسان، وليس فيه دلالةٌ على وَصْف الرجال بالحُسْن.
وتحقيقُ الثاني وجوابه: أن أسماءَ العدد لا تُضاف إلى الأوصاف إلا في ضرورة، وإنما يُجاء بها تابعةً لأسماء العدد فيقال: «عندي ثلاثة قرشيون» ولا يُقال: ثلاثةُ قرشيين بالإِضافة إلا في شعر. ثم اعترض بثلاثة فرسان وأجاب بجريان ذلك مجرى الأسماء.
وتحقيق الثالث: أنه إنما امتنع «ثلاثةُ ضِخام» ونحوه لأنه لا يُعْلَمُ موصوفُه، بخلاف الآية الكريمة فإنَّ الموصوفَ معلومٌ ولذلك لم يُصَرِّحْ به. وأجاب عن ذلك بأن الأصلَ عدمُ إضافةٍ العددِ إلى الصفة كما تقدَّم فلا يُتْرك هذا الأصلُ مع الاستغناءِ بالفرع، وعلى الجملة ففي هذه العبارة قلق هذا ملخصها، ولم يذكر الشيخُ نصَّه ولا اعترض عليه، بل لَخَّصَ بعضَ معانيه وتركه على إشكاله. الدر المصون السمين الحلبي
المصادر:
(١)- كتاب: "النحو الوافي" عباس حسن
(٢)- كتاب: "التطبيق النحوي" عبده الراجحي.
(٣)- كتاب: "معاني النحو" فاضل السامرائي.
(٤)- كتاب: النحو المصفى" محمد عيد.
(٥)- كتاب دراسات لأسلوب القرآن الكريم - محمد عبد الخالق عضيمة
(٦)- الدر المصون في علوم الكتاب المكنون - السمين الحلبي