الالتفات عند البلاغيين:
هو انصراف المتكلم عن المخاطبة إلى الإخبار، وعن الإخبار إلى المخاطبة، وما يشبه ذلك.
شرط الالتفات:
أن يكون الضمير في المنتقل إليه عائدا في نفس الأمر الى المنتقل عنه.
أقسام الالتفات:
للاتفات ستة أقسام:
الأول: الالتفات من الغائب إلى المخاطب: كقوله تعالى: (الحمد لله رب العالمين)... إلى قوله: (إياك نعبد وإياك نستعين). لأن الاسم الظاهر من قبيل الغائب، وإياك للمخاطب، فانتقل من الغائب للمخاطب وكلاهما واحد. كذلك قوله تعالى: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا). انتقل من الغائب في (قالوا) إلى المخاطب في (جئتم).
الثاني: الالتفات من الغائب الى المتكلم: كقوله تعالى: (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت). الاصل فساقه. كذلك قوله تعالى: (والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي). والأصل: من رحمته.
الثالث: الالتفات من المتكلم الى الغائب: مثل قوله تعالى: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي). والأصل: فامنوا بالله وبي.
كذلك قول الله تعالى: (يا عبادي الذين أسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله) فقد عبر عن المعنى أولاً بطريق المتكلم، فقال: (يا عبادي) ثم التفت فعبر عنه بطريق الغيبة فقال: (رحمة الله)، لأن الاسم الظاهر من قبيل الغيبة، وكان مقتضى الظاهر أن يقول: من رحمتي.
كذلك: (إنّا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله) ولم يقل :لنغفر لك.
الرابع: الالتفات من المتكلم الى المخطاب: كقوله تعالى: (ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون). والأصل: وإليه أرجع. وقال بدر الدين الزركشي في هذا نظر.
الخامس: الالتفات من المخطاب الى الغائب: كقوله تعالى: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة). والأصل: وجرين بكم. كذلك قوله تعالى (ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون) ثم قال: (يطاف عليهم) فانتقل من المخاطب إلى الغائب ولو ربط بما قبله لقال: يطاف عليكم. ثم التفت فقال: (وأنتم فيها خالدون) فكرر الالتفات.
السادس: الالتفات من المخاطب الى المتكلم: وهذا القسم ليس له شاهد من القرآن الكريم، ومثاله من الشعر قول: علقمة بن عبدة:
طحا بك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب.
تكلفني ليلى وقد شط وليها ... وعادت عواد بيننا وخطوب.
الأصل: أن يقول: تكلفك. لكنه التفت من الخطاب في: طحا بك. إلى التكلم في: تكلفني.
فائدة الالتفات:
وقال الزمخشري: هذا يسمّى الالتفات في علم البيان، وذكرَ في الكشاف أن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان ذلك أحسن أسلوب لنشاط السامع، وأكثر إيقاظاً للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد.
وقال بدر الدين الزركشي: الالتفات هو نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب آخر تطريةً واستدرارا للسامع، وتجديدا لنشاطه، وصيانةً لخاطره من الملال والضجر بدوام الأسلوب الواحد على سمعه. كما قيل:
لا يُصلِحُ النَّفسَ إِن كانت مُصَرَّفَةً ... إِلَّا التَّنَقُّلُ من حالٍ إِلى حالِ.
قال حازم في "منهاج البلغاء": وهم يسأمون الاستمرار على ضمير متكلمٍ أو ضمير مخاطب، فينتقلون من الخطاب إلى الغيبة، وكذلك أيضا يتلاعب المتكلم بضميره فتارة يجعله تاء على جهة الإخبار عن نفسه، وتارة يجعله كافا فيجعل نفسه مخاطبا، وتارة يجعله هاءً فيقيم نفسه مقام الغائب. فلذلك كان الكلام المتولي فيه ضمير المتكلم والمخاطب لا يستطاب، وإنما يحسن الانتقال من بعضها إلى بعض وهو نقل معنوي لا لفظي، وشرطه أن يكون الضمير في المتنقل إليه عائدا في نفس الأمر إلى الملتف عنه، ليخرج نحو: أكرم زيدا وأحسن إليه. فضمير أنت الذي هو في أكرم غير الضمير في إليه.