الاستثناء:
ومعنى(١) الاستثناء أَن تخرج شيئا مِمَّا أدخلت فيه غيره، أَو تدخله فيما أخرجت منه غيره.
أدوات الاستثناء:
وحرفه المستولي عليه: إِلَّا، وتشبه به أَسماء وأفعال وحروف فالأسماء: غير وَسوى. والْأفعال: ليس ولَا يكون وعدا وخلا وحاشا. والحروف: حاشا وخلا.
الاستثناء ب إِلَّا:
فإِذا استثنيت ب إِلَّا من موجب كان ما بعدها منصوبا على كل حال، تقول: قام القوم إِلَّا زيدا، ورأيتهم إِلَّا زيدا، ومررت بهم إِلَّا زيدا. نصبت المستثنى.
فإِن كان ما قبلها غير موجب أبدلت ما بعدها منه، تقول: ما قَامَ أحد إِلَّا زيد، وما رأَيت أحدا إِلَّا زيدا، وما مررت بأحد إِلَّا زيد. ويجوز النصب على أصل الباب، فتقول: ما قام أحد إِلَّا زيدا.
الاستثناء المنقطع:
فإِن كان ما بعدها ليس من جنس ما قبلها فالنصب هو الباب على كل حال، تقول: ما بالدار أحد إِلَّا وتدا، وما مررت بِأحد إِلَّا حمارا.
وقد يجوز البدل وإِن لم يكن الثَّاني من جنس الأول، فتقول: ما بالدار أحد إِلَّا وتد. وذلك في لغة بني تميم.
تقديم المستثنى:
فإِن تقدم المستثنى لم يكن فيه إِلَّا النصب، تقول: ما قام إِلَّا زيدا أحدٌ، وما مررت إِلَّا زيدا بأحد.
الاستثناء المفرغ:
فإِن فرغت العامل قبل إِلَّا عمل فيما بعدها، تقول: ما قام إِلَّا زيدُ، وما رأَيت إِلَّا زيدا. فترفعه بفعله وتنصبه بوقوع الفعْل عليه.
الاستثناء ب غير:
وأما غير فإعرابها في نفسها إِعراب الاسم الواقع بعد إِلَّا، وما بعدها مجرور بإضافتها إِليه، تقول: قام القوم غيرَ زيد. كما تقول: إِلَّا زيدا. وما قام أحد غيرُ زيد. كما تقول: إِلَّا زيدُ. وما بالدار أحد غيرَ زيد. وكما تقول: إِلَّا زيدا(١).
عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: " لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى، فَإِنَّهُمْ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ "، قَالَتْ: " وَلَوْلَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا "
قوله: "غير أنه خشي أن يُتَّخَذ مسجدا": "غير" هنا(٢) منصوبة على الاستثناء المنقطع، أي: "لكنه خشي"، كقول النابغة الذبياني:
ولا عَيْبَ فيهمْ غيرَ أنَّ سيُوفَهُم ... بهنّ فلولٌ مِنْ قِراعِ الكَتائِبِ
معناه: "لكن سيوفهم بهن فلول"، ومثله:
فتًى كَمُلَتْ أعراقه غَيْرَ أنَّهُ ... جَوَادٌ فَمَا يُبْقِي مِنَ المَالِ بَاقِيَا
و"غير" إذا أضيف إلى "ما" أو إلى "أن" أو إلى "أن" المشددة يجوز بناؤها، كقول الشاعر:
لَمْ يَمنع الشربَ منها غيرَ أنْ نطقَتْ ... حَمامة في غصونٍ ذات أوقالِ
فبنى "غير" على الفتح وهي فاعلة، وكذلك "مثل" إذا أضيفت إلى الحروف الثلاثة.
و"الأوقال" جمع "وقل"، ومنه: "التوقل في الجبل"، وهو "الصعود فيه".
قوله: "غير أنه خشي": الضمير ضمير الأمر والشأن، و"خشي" مبني للمفعول، أو للفاعل، ويعود على "النبي - صلى الله عليه وسلم -"، يدل على ذلك سياق الكلام. وجملة "خشي" مع ما بعده في محل خبر "أن".
و"أن يُتَّخَذ": مفعول لم يسم فاعله، أو مفعول. و"يُتخذَ" منصوب بـ "أن"، وقد روي: "لولا ذلك لأبرز قبره"، على أنه مبني للفاعل، بمعنى: "أمر بإبرازه، ولكنه خشي".
والضمير في "لكنه" ضمير "النبي - صلى الله عليه وسلم -"، وفي هذا بعد؛ لأنه لو أراد أن لا يبرز قبره لوصى (٢).
الاستثناء ب سوى:
وأما سوى فمنصوبة على الظرف، وما بعدها مجرور بإضافتها إِليه، تقول: قام القوم سوى أَبيك، وما رأَيت أحدا سوى أَخيك.
الِاستثناء ب ليس ولا يكون وعدا:
وأما ليس ولا يكون وعدا فما بعدهن منصوب أبدا، تقول: قام القوم ليس زيدا، وانطلقوا لَا يكون بكرا، وذهبوا عدا جعفرا.
الاستثناء ب حاشا وخلا:
وأما حاشا وخلا فيكونان حرفين فيجران، ويكونان فعلين فينصبان، تقول: قام القوم خلا زيدٍ، وخلا زيدا، وحاشا عمرٍ وحاشا عمرا، فإِن قلت: ما خلا زيدا. نصبت مع (ما) لا غير(١) .
أمثلة عن الاستثناء التام المنفي مع الاستفهام:
قال عضيمة (١) جاء في قوله تعالى:
١ - {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه} [٢: ١٣٠].
٢ - {ومن يغفر الذنوب إلا الله} [٣: ١٣٥].
٣ - {ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون} [١٥: ٥٦].
٤ - {فماذا بعد الحق إلا الضلال} [١٠: ٣٢].
الاستفهام في هذه الآيات للإنكار، فهو بمعنى النفي، والكلام تام منفي، وأبدل المستثنى من المستثنى منه، وهو الضمير الراجح إلى اسم الاستفهام على ما هو الراجح من الإبدال.
انظر الكشاف ١: ٩٥، العكبري ١: ٣٦، ٨٤، البحر ١: ٣٩٤، ٣: ٩٥، ٥: ١٥٤.
وجاء بعد (كيف) في قوله تعالى: {كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام} [٩: ٧]. البحر: [٥: ١٢].
«لما كان الاستفهام معناه النفي صلح مجيء الاستثناء، وهو متصل، وقيل: منقطع .. قال الحوفي: ويجوز أن يكون (الذين) في موضع جر على البدل من المشركين، لأن معنى ما تقدم النفي ...».
جاءت (إلا) بعد (كيف) في قول أبي الأسود الدؤلي:
يصيب فما يدري، ويخطئ وما دري
فكيف يكون النوك إلا كذلكا
ديوانه ص ٤٧، وفي قول محمود الوراق:
إذا كان شكري نعمة الله نعمة على له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وإن طالت الأيام واتسع العمر
والاستثناء في الشعر مفرغ(٣) .
الفعل بعد أداة الاستثناء:
قال(٤) الزمخشري في المفصل: وإذا قلت ما مررت بأحد إلا زيد خير منه كان ما بعد إلا جملة ابتدائية واقعة صفة لأحد، وإلا لغو في اللفظ معطية في المعنى فائدتها جاعلة زيداً خيراً من جميع من مررت بهم.
وقد أوقع الفعل موقع الأسم المستثنى في قولهم نشدتك بالله إلا فعلت، والمعنى ما أطلب منك إلا فعلك؛ وكذلك أقسمت عليك غلا فعلت. وعن ابن عباس: بالإيواء والنصر إلا جلستم. وفي حديث عمر: عزمت عليك لما ضربت كاتبك سوطاً بمعنى إلا ضربت.
قال (٥) جارُ اللهِ: فصلٌ؛ وإذا قُلتَ: ما مَرَرتُ بأحدٍ إلَّا زيدٌ خيرٌ منه كانَ ما بعدَ إلَّا جملةً إبتدائيةً، واقعةً صِفةً لأحدٍ، وإلَّا لَغوٌ في اللَّفظِ مُعطِيةٌ في المعنى فائِدَتَها جاعلةً زيدًا خَيرًا من جَميعِ من مررتَ به.
قالَ المشرّح: إذا قُلتَ: ما مررتُ بأحدٍ إلَّا زيدٌ خيرٌ منه فما بعدَ إلَّا جملةٌ ابتدائيةٌ في محلِّ الجَرِّ، [على أنَّها صِفةٌ] للمجرورِ قَبْلَ، "إلَّا". فإن سألتَ: لِمَ لا يجوزُ أن تَكُونَ الجُمْلَةُ الابتدائِيَّةُ بعد "إلَّا" إما مجرورةً على البَدَلِ من المُستثنى، وإمَّا مَنصوبةً على الاستِثناءِ وهذا لأنَّ الأصلَ في الاستثناءِ أنَّ المُستَثنى من جِنسِ المُستثَنى منه، فيكونُ تقديرُ الكلام: ما مررتُ بأحدٍ إلَّا أحَداً زيدٌ خيرٌ منه، فيكونُ أحدٌ المُستَثنى إمَّا مَجْرُورًا على البَدَلِ من أحدٍ المُستثنى مِنه، وهو أحدُ قِسمي الترديد، وإمَّا [المنصوبُ على الاستثناءِ وهو الثاني من قِسمي الترديد] ؟ أجبتُ: لو كان الأمرُ كما ذكرتَ لجازَ فيه الوَصْفُ بغيرِ، كما لو كان أحدٌ في جانب المُستثنى مُظهَرًا، وهذا لأنَّ كلَّ موضِعٍ جازَ فيه الاستثناءُ بإلَّا وإعمالها جَازَ فيه الاستثناءُ بغيرِ إلَّا.
قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ؛ وقد أوقِعَ الفِعلُ موقِعَ الإِسمِ المُستَثنى في قولهم: نَشدتُك اللهَ إلَّا فَعلَت، والمعنى ما أطلُبُ منك إلَّا فِعْلَكَ".
قالَ المشرّحُ: نشدتُكَ اللهَ معناه: سَأَلْتُك باللهِ، ومحصوله: ما أطلُبُ منك إلَّا فِعْلَك، فإن سألتَ: الفِعل الواقعُ بعدَ الاستثناءِ إذا كانَ في معنى المصدَرِ فكيفَ لم يَرد على صِفَةِ المَصْدَرِ؟
أجبتُ: لأنَّ الفِعلَ الواقعَ قبلَ "إلَّا" قد اجتَمَعَ فيه أنَّه قَسمٌ، بِدَلِيلِ قولِهم: عزمتُ عليكَ لتَفْعَلَنَّ، وأنَّه طَلَبٌ، ومنتَفٍ وقد اجتمَعَ فيه ثلاثُ جهاتٍ، اثنتان منها القَسَمُ والطَّلَبُ، والثالثُ: هي الطَّلَبُ المَنْفِيُّ، أمَّا الثنتان من حيثُ أنَّه قَسَمٌ واجبٌ أن يُتلقى كالقسمِ بجملةٍ مصدّرةٍ باللَّامِ، ومن حيثُ إنه طَلَبٌ، وَجَبَ أنْ يَكونَ الواقِعُ مَصدرًا غَيرَ مُصَدَّرٍ باللَّامِ فقُلنا بأنَّه غيرُ مُصَدّرٍ باللَّامِ عَمَلًا بالدَّليلين بقدرِ الوُسْعِ.
وأمَّا الثَّالثةُ: فلأنَّ الفِعلَ الواقِعَ قبلَ الاستثناءِ كما كانَ طَلبًا مَنْفِيًّا اقتضى أن يَتَخَلَّلَ بين الفِعلين حَرفُ الاستثناءِ، تَوفيرًا على الأشياءِ حُقوقَها. فإن سألتَ: الفعلُ الواقعُ بعدَ الاستثناءِ إذا كَانَ في معنى المُستقبلِ فكيف لم يَجِيء مُسْتَقْبَلًا؟ أجبتُ: فرقٌ بين قوله: ألا جَلَسْتُم، وبين أن يُقال ألا تَجْلِسُون، [وذلك لأنَّ ألا جَلَسْتُم طَلَبًا لإِتمامِ الجُلُوسِ والفَرَاغِ منه، بخلافِ يَجلسون]، فإنه يَحتمل أن يُراد به الافتِعال من غيرِ أن يتمَّ الجُلُوسُ.
قالَ جارُ اللهِ: وكذلك: أَقسمتُ عَلَيْكَ إلَّا فعلتَ، وعن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ الله عنه: "بالإِيواءِ والنَّصرِ إلَّا جَلَسْتُم".
قالَ المشرّحُ: يريدُ أَقسمتُ عليكَ إلَّا فَعَلتَ، بمنزلةِ نَشَدْتُك اللهَ إلَّا فَعلتَ، في أنَّه فِعلٌ مُثبَتٌ من حيثُ الظَّاهِرُ مَنْفِيٌّ من حيثُ المَعنى، والمُستَثنى فِعلٌ. وعن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "لما تُوفي رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: بَعَثَ أَبُو بَكرٍ بَعثًا فمرَّوا ببلادِ ضَمادٍ فلمَّا جاوزُوا تلكَ الأرضَ وقفَ أميرُهم فقالَ: أَعزِمُ على كلِّ من أصابَ شيئًا من أَهلِ هذه الأرضِ إلَّا رَدَّه"، وضَمادٌ هو الذي بايعَ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-. دَخَلَ ابنُ عبّاسٍ إلى بعضِ الأنصارِ في وليمَةٍ فقامُوا، فقالَ: "بالإِيواءِ والنَّصرِ … " الحديثُ نُقِلَ عن "بصائرِ أبي حيَّان التَّوحيدي" بِخَطِّ جارِ اللهِ، وأراد بالإِيواءِ والنَّصر ما في قولِهِ تعالى: {وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا ....} فاستعطَفَهم بما وَرَدَ فيهم، وما هو من خَصَائِصِهم.
قالَ جارُ اللهِ: وفي حَدِيثِ عُمَرَ: عَزَمتُ عليكَ لما ضَرَبَت كاتِبَكَ سَوطًا بمعنى إلَّا ضربتَ.
قالَ المشرِّحُ: في حَدِيثِ عَمَرَ: رِوايةٌ أُخرى عن يَحيى بن كَثيرٍ أنَّ كاتِبًا لأبي مُوسى كَتَبَ إلى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ من أَبو موسى فكتَبَ إليه عُمَرُ: إذا أَتَاكَ كِتابي هذا فاضرِبهُ سَوطًا واعزَلهُ عن عَمَلِك.
قال جارُ اللهِ: فصلٌ؛ وإذا قُلتَ: ما مَرَرتُ بأحدٍ إلَّا زيدٌ خيرٌ منه كانَ ما بعدَ إلَّا جملةً إبتدائيةً، واقعةً صِفةً لأحدٍ، وإلَّا لَغوٌ في اللَّفظِ مُعطِيةٌ في المعنى فائِدَتَها جاعلةً زيدًا خَيرًا من جَميعِ من مررتَ (٥) به.
قال السمين الحلبي في الدر المصون: واعلمْ أن الفعل الماضي لا يقع بعد «إلا» إلا بأحد شرطين: إمَّا وقوعِه بعد فعلٍ كهذه الآية الكريمة، أو يقترن ب «قد» نحو: ما زيدٌ إلا قد قام.
قال ابن يعيش: ولا تقع الجملة في هذه المواضع إلا أن تكون اسمية من مبتدأ وخبر، ولا تكون فعلية، لأن إلا موضوعة لإخراج بعض من كل، فإذا تقدم إلا الاسم فلا يكون بعدها إلا اسم لأنهما جنس واحد، فيصح أن يكون بعضاً له.
قال (٦) ابن الحاجب: "قال: "وقد أوقع الفعل موقع المستثنى في قولهم: نشدتك"، إلى آخره. وقوع الفعل موقع الاسم في مواضع محفوظة. منها: وقوعه بعد "إلا". و"لما" في معناها، أو أوقعت بعد فعل طلب في قسم الاستعطاف، وإنما لوقعوه على سبيل الاختصار لكثرة وقوعه، وكذلك أوقعوا الفعل الذي قبله مثبتاً لفظاً منفياً معنى لذلك. والمعنى في قولك: نشدتك بالله إلا فعلت ما أطلب منك، إلا فعلك ، فما بعد "إلا" في موضع نصب على المفعولية، والاستثناء من باب الاستثناء المفرغ، فهو مفعول، كقولك: ما أطلب إلا فعلك.“
المصدر
١- ابن جني كتاب "اللمع في العربية"
٢- ابن فرحون، بدر الدين - العدة في إعراب العمدة
٣- دراسات لأسلوب القرآن الكريم - محمد عبد الخالق عضيمة
٤- الزمخشري - المفصل في صنعة الإعراب
6- كتاب التخمير شرح المفصل في صنعة الإعراب - صدر الأفاضل الخوارزمي
٦- أمالي ابن الحاجب - ابن الحاجب