نصب الفعل المضارع ب(أن) المضمرة وجوبا:
ينصب الفعل المضارع بعد: فاء السببية، واو المعية، (أو) التي بمعنى إلى، لام الجحود، حتى. وهذه الأحرف ليست حروف نصب عند الجمهور، بل هي حروف عطف وجر، لذلك لا تنصب الفعل المضارع بنفسها مباشرة، بل الذي ينصبه هو: (أن) المضمرة وجوبا بين كلِ حرفٍ من هذه الأحرف وبين الفعل المضارع، والفعل في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد قبله، وسيأتي تفصيلها.
١- فاء السببية: ينتصب الفعل بعد فاء السببية بأن المضمرة إذا كانت الفاء جوابا لأحد سبعة أشياء: الأمر، والنهي، والاستفهام، والنفي، والتمني، والدعاء، والعرض.
مثال الاستفهام: أين بيتك فأزورَك. يقدرون قبل الفاء مصدرا متوهما يعطفون المصدر عليه، والتقدير: لتكن منك دلالة على بيتك فزيارة مني. وقوله تعالى: (فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا).
مثال الأمر: زرني فأزورَك. والتقدير زرني فأن أزورك، ولا يجوز إظهار (أن) فإضمارها واجب. وتتصيد مصدرا قبله لتعطف الثاني عليه، تقديره: لتكن منك زيارة فزيارة مني. وكقول الشاعر:
يا ناق سيري عنقا فسيحا ... إلى سليمان فنستريحا.
ومثال النهي: كقوله تعالى: (لا تفتروا على الله كذبًا فيسحتَكم بعذاب)، وقوله: (ولا تطغوا فيه فيحلَّ عليكم غضبي).
ومثال النفي: ما أنت بصاحبي فأكرمَك. وقوله تعالى: (لا يقضى عليهم فيموتوا).
ومثال التمني: ليت لي مال فأنفقَه. وقوله تعالى: (يا ليتني كنت معهم فأفوزَ فوزا عظيمًا).
ومثال الدعاء: اللهم ارزقني بعيرا فأحجَّ عليه.
ومثال العرض: ألا تزورنا فنكرمَك(١).
وأدوات(١) العرض والحض: هَلَّا، ألا، لولا، وأشار سيبويه إلى أَنَّ هذه الأدوات قد تفيد العَرْضَ، فقال: "وزعم يُونُس أَنَّكَ تقول: هَلاَّ تقولَنَّ، وألاَّ تقولنَّ. وهذا أقرب لأَنَّكَ تعرِض، فكأنَّك قلت: افعلْ؛ لأنَّهُ استفهام فيه معنى العرض. ومثل ذلك: لولا تقولنَّ، لأَنَّكَ تَعرض". وزاد النحاة عليها (أَلَّا ــ بالتشديد ــ ولوما) وقالوا: إذا كانت الأداة للتحضيض أو للعرض وجب أَنْ يليها المضارع إما ظاهرا، وإما مقدرا، يفسره ما بعده؛ بشرط استقبال زمنه في حالتي ظهوره وتقديره؛ لأَنَّ أداة الحض والعرض تخلص زمن المضارع للمستقبل؛ إذ معناها لايتحقق إلا فيه، وإذا دخلت على ماض خلصت زمنه للمستقبل، بشرط أَنْ تكون للمعنى الذي ذكرناه؛ كقوله تعالى (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ)، أي: فلولا ينفر. وقرنوا بعض الأدوات بالعرض بناء على التتَبُّع الاستعمالي لها، فقالوا عن الأداة «أَلَا» أنَّها للعرض، وتكاد تنفرد به «أَلَا»، وهو الأكثر في استعمالها.
٢- واو المعية: تكون بمعنى الجمع والجواب، وتقتضي مصاحبة ما قبلها وما بعدها مصاحبة حقيقية عند وقوعهما، وتستلزم تلاقيهما واجتماعهما في زمن واحد عند تحقق معناهما وحصوله، أما شأنهما عند عدم مصاحبتهما فمسكوت عنه، والحكم عليه متروك. والفعل ينتصب بعدها بأن مضمرة وجوبا، كقولك: لا تأكل السمك وتشربَ اللبن: أي لا تجمع بينهما. وقولنا: وتشربَ اللبن. منصوب بـ (أن) مضمرة بعد الواو، والواو عاطفة و (أن) والفعل في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد قبله، أي: لا يكن منك أكل سمك وشرب لبن.
وهي تنصب في كل موضع نصبت فيه فاء السببية، أي إذا كانت جوابا لأحد سبعة أشياء: الأمر، والنهي، والاستفهام، والنفي، والتمني، والدعاء، والعرض.
مثال الأمر: زرني وأزورَك. وكقول الشاعر:
فقلت ادعي وأدعو إن أندى ... لصوت أن ينادي داعيان.
مثال النهي: كقولك: لا تأكل السمك وتشربَ اللبن. وكقوله تعالى: (ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق). وقال أبو الأسود:
لاتنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم.
مثال الاستفهام: كقولك: أتجلس وتحدثنا. قال الحطيئة:
ألم أك جاركم وتكونَ بيني ... وبينكم المودة والإخاء.
مثال النفي: كقولك: لا يسعني شيء ويعجزَ عنك. وقوله تعالى: (ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلمَ الصابرين). قال دريد بن الصمة:
قتلت بعد الله خير لداته ... ذؤابًا فلم أفخر بذاك وأجزعا.
مثال التمني: كقولك: ليته يزورنا ويحدثنا. وقرأ بعض القراء: (يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين). بنصب الفعلين الثاني والثالث.
مثال العرض: كقولك: ألا تجلس وتحدثَنا.
مثال الدعاء: كقولك: اللهم اغفر لي وتدخلني الجنة.
والتحضيض كقولك: هلا تزور زيدًا وتعطيه (٢).
وإذا نصبت المضارع بعد الواو فهي للعطف أيضا؛ فتعطف المصدر المنسبك بعدها على مصدر قبلها، لأنها مع إفادتها المعية والمصحابة تفيد العطف أيضا. وضبط المضارع بعد الواو خاضع للمعنى فيجوز في المضارع بعد الواو ما يأتي:
١- نصبه على اعتبار الواو للمعية.
٢- جزمه على اعتبار الواو لمجرد العطف.
٣- رفعه على اعتبار الواو للاستئاف.
٤- رفعه على اعتبار الواو للحال، والجملة المضارعية بعدها في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف والجملة من المبتدأ وخبره في محل نصب حال، في مثل: لا تقرأ وتأكلُ. والمراد: لا تقرأ وأنت تأكل(٣).
٣- (أو) التي بمعنى(إلى) و(إلا): تضمر (أن) وجوبًا بعد (أو) العاطفة التي بمعنى (إلى) الغائية، أو بمعنى (إلا) الاستثنائية.
تكون بمعنى (إلى أن) إذا كان المعنى قبلها مستمرا. ومنه قول الشاعر:
لأستسهلن الصعب أو أُدرك المنى ... فما انقادت الآمال إلا لصابر.
والتقدير: ليكونن استسهال مني أو إدراك المنى. الأصل في (أو) أن تكون لأحد الشيئين أو الأشياء، وهي حرف عطف يتبع المعطوف بها المعطوف عليه. وينصبون بعدها الفعل على إرادة معنى أن الفعل يمتد إلى حصول الثاني.
وتكون (أو) بمعنى (إلا) إذا لم يصح وقوع (إلى) موقعها، نحو:
وكنتُ إذا غَمزتُ قناةَ قومٍ ... كسرتُ كُعُوبَها أو تستقيما.
أي: إلا أن تستقيم فلا أكسر كعوبها. ولا يصح أن تكون بمعنى (إلى) لأن الاستقامة لا تكون غاية للكسر(٤).
٤- لام الجحود: والجحود: هو النفي. ولام الجحود هي اللام المسبوقة بكونٍ منفي، أدخلت اللام لتقوية النفي، وسميت لام الجحود لملازمتها الجحد وهو النفي. وهذا اصطلاح، وإلا فالجحد هو الإنكار. ومنه قوله تعالى: (وما كان الله ليعذبَهم وأنت فيهم) وقوله تعالى:(لم يكن الله ليغفر لهم) والمصدر المؤول مجرور باللام. والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر (كان) والتقدير - والله أعلم - وما كان الله مريدًا لتعذيبهم(٥).
أما إذا كانت اللام في سياق الإيجاب لا النفي جاز إظهار أن، نحو قولك: زرتك لتكرمَني. معناه لكي تكرمني، وتقديره لأن تكرمني، ويجوز إظهار (أن) هنا، قال الله سبحانه وتعالى: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفرَ لك الله) أي لأن يغفر لك الله(٦). وسيأتي بيانه.
٥- حتى: وشرط نصب المضارع ب(أنْ) بعدها، أن يكون الفعل مستقبلاً، نحو قوله تعالى: (لن نبرحَ عليه عاكفين حتى يرجعَ إلينا موسى) ف(حتى) حرف غاية وجر، والمصدر المؤول من (أنْ) المضمرة وما بعدها في محل جر بـ (حتى) ، والتقدير، - والله أعلم - حتى رجوعِ موسى.
فإن كان الفعل بعدها غير مستقبل لم ينصب المضارع، بل يرفع(٧).
المصدر
(١)- ابن الخباز، كتاب: "توجيه اللمع".
(١) قرينة السياق ودورها في التقعيد النحوي والتوجيه الإعرابي في كتاب سيبويه - إيهاب سلامة
(٢)- ابن الخباز، كتاب: "توجيه اللمع".
(٣)- عباس حسن، كتاب: "النحو الوافي".
(٤)- عبد الله بن صالح الفوزان، كتاب: "تعجيل الندى بشرح قطر الندى".
(٥)- عبد الله بن صالح الفوزان، كتاب: "تعجيل الندى بشرح قطر الندى".
(٦)-ابن جني، كتاب: "اللمع في العربية".
(٧)- عبد الله بن صالح الفوزان، كتاب: "تعجيل الندى بشرح قطر الندى".