التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسلوب المدح والذم

أسلوب المدح والذم:

يتكون أسلوب المدح والذم من ثلاثة عناصر:

  1. فعل المدح والذم.
  2. الفاعل.
  3. المخصوص بالمدح والذم.

العنصر الأول- فعل المدح أو الذم:

لـ(نِعْمَ، وبِئْسَ) استعمالان، أحدهما أن يجريا مَجرى سائر الأفعال في التصرُّف وبناء المضارع والأمرِ واسم الفاعل منهما ونحو ذلك، وهما في ذلك للإخبار بالنِّعْمة والبُؤْس، كما أن قَامَ وقَعَد للإخبار بالقيام والقعود، فتقول: نَعِمَ زيدٌ بكذا، يَنْعَم به. وبَئِسَ يَبْأَسُ بكذا. أصلهما (نَعِمَ، وبَئِسَ)(١).

والثاني أن يُستعملا لإنشاء المدح والذم، وهما في هذا الاستعمال فعلان جامدان غير متصرفين؛ لخروجهما عن الدلالة على الحَدث والزمان، وللزومُهما معنى المدح والذم على سبيل المبالغة.

ويختلف فعل المدح والذم عن سائر الأفعال بوجود عنصر ثالث في جملته، وهو المخصوص بالمدح أو الذم، بينما الأفعال الأخرى تكتفي برفع فاعل.

ويجوز تحويل كل فعل من الأفعال الثلاثية إلى وزن (فَعُل) بقصد المدح أو الذم، سواء أكان على هذا الوزن أصلا أم حول إليه بهذا القصد، وحينئذٍ (٢) تتكون جملته مما تتكون منه جملة نعم بئس، تقول: شرُفَ الرجلُ الرسولُ، وقَبُحَ الرجلُ أبو لهب، و خبُثَت المرأةُ حمالةُ الحطب. بعد تحويله جامدًا ولازما.

ومن ذلك ساء (٣) المستعمل في الذم، نحو قوله تعالى: (فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين)، وقوله: (ألا ساء ما يزرون)، فأصله (ساء يسوء) وهو فعل متصرف متعد، ثم حول إلى (فعُلَ) بقصد الذم فأصبح لازمًا جامدًا؛ وهذه الأفعال تكون للمدح الخاص أو الذم الخاص، بخلاف نِعْمَ وبِئْسَ فإنهما للمدح العام والذم العام، فإذا قلت مثلا: كَرُم الرجلُ سعيد، كنت مدحته بالكرم، وإذا قلت: (شَرُف) كنت مدحته بالشرف، وإذا قلت: (لؤم) كنت ذممته باللؤم، وإذا قلت (بخُل) كنت ذممته بالبخل.

العنصر الثاني- فاعل نعم وبئس:

يكون فاعل نعم وبئس على ضربين:

الضرب الأول: أن يكون اسما ظاهرا معرفا بالألف واللام، أو مضافا إلى معرف بالألف واللام، كقوله تعالى: (نعم المولى ونعم النصير)، وقوله تعالى: (فنعم عقبى الدار). والألف واللام في فاعل نعم وبئس جنسية، والمخصوص بالمدح والذم يكون فرعا من هذا الجنس أو فردًا منه، وليس المقصود مدح الجنس كله، ولا المقصود اجتماع خصال الجنس فيه، وإنما(٤) المقصود تخصيص شيء بالمدح أو الذم من بين الجنس.

والضرب الثاني: يكون الفاعل ضميرا مستترا، يفسره تمييز مطابق للمعنى، نحو: نعم رجلا خالد، والتقدير نعم الرجل خالد، ولكن لمّا استتر الفاعل فسّره التمييز، قال تعالى: (بئس للظالمين بدلا).

ولا يجتمع الفاعل والتمييز معا كقولك: نعم الرجل رجلا خالد، وقد اجتمعا قليلا ومن ذلك قوله:

نعم الفتاة فتاة هند لو بذلت ... رد التحية نطقا أو بإيماء.

ومن النثر ماحكي: نعم القتيل قتيلا، أصلح بين بكر وتغلب.

والتمييز الذي يفسر الفاعل ينقل الفعل من دلالة الأخبار إلى دلالة الإنشاء.

اتصال (ما) بنعم وبئس، نعما وبئسما:

تتصل (ما) بنعم و بئس، فيقال: نعم ما، وبئس ما، وقد تدغم ميم (نعم) في ميم (ما) فيقال: (نعمّا)، قال تعالى: (إن تبدوا الصدقات فنعما هي)، وقال: (بئسما يأمركم به إيمانكم).

واختلف في (ما) هذه على قولين:

الأول: أنها تمييز بمعنى (شيء)، فقوله تعالى: (إن الله نعما يعظكم به)، معناه: نعم شيئا يعظكم به.

والآخر: أنها فاعل، وهي اسم موصول، أو معرفة تامة بمعنى الشيء، أي: نعم الشيء يعظكم به.

العنصر الثالث- المخصوص بالمدح والذم:

يؤتى بالمخصوص بالمدح والذم مرفوعا بعد الفعل وفاعله، أو بعد التمييز، فيقال: نعم الرجل زيد، ونعم رجلا زيد.

وقد يؤتى به مقدمًا على الفعل فتقول: زيد نعم الرجل، وقد يحذف للدلالة عليه كقوله تعالى: (حسبنا الله ونعم الوكيل) أي، هو، وقوله: (ولقد نادينا نوح فلنعم المجيبون) أي: نحن.

قد اختلف في إعراب المخصوص بالدح والذم على ثلاثة أوجه:

  1. أنه مبتدأ خبره ما قبله.
  2. أنه خبر لمبتدأ محذوف وجوبا تقديره هو.
  3. أنه بدل من الفاعل.

والراجح الأول، لأنه لا يختلف إعرابه تقدم أو تأخر، فإذا قلت: نعم الرجل زيد، أو زيد نعم الرجل، كان إعرابه واحدًا. ولأنه تدخل عليه النواسخ مقدمًا ومؤخرا، فتقول: نعم الرجل كان زيد، وكان زيد نعم الرجل، فزيد اسم (كان) و (نعم الرجل) خبرها تقدم أو تأخر؛ واسم كان مبتدأ في الأصل فدل ذلك على أن المخصوص مبتدأ، ولو كان المخصوص خبرا لانتصب بـ (كان) بل لم تدخل عليه (كان) لأنها لا تدخل على المبتدأ اللازم الحذف، وتقول: نعم الرجل ظننتك، وظننتك نعم الرجل).

طرق استعمال نعم وبئس في المدح والذم:

تستعمل نعم وبئس في المدح والذم بعدة طرائق:

الطريقة الأولى- أن تأتي بالفعل ثم الفاعل، ثم المخصوص بالمدح والذم، فتقول مثلا: نعم العبد زيد، ونعم الصديق عمرو وبئس الخلق الكذب.

الطريقة الثانية- أن تأتي بالمخصوص بالمدح والذم أولاً، ثم تأتي بعده بالفعل والفاعل، فتقول: زيد نعم الرجل، والكذب بئس الخلق.

الطريقة الثالثة- أن تأتي بالفعل وتضمر الفاعل، وتفسّر الفاعلَ بالتمييز، ثم تأتي بالمخصوص المدح والذم فتقول: نعم رجلا زيد.

الطريقة الرابعة- أن تبدأ بالمخصوص ثم الفعل، ثم التمييز، فتقول: زيد نعم رجلا.

الطريقة الخامسة- أن تستغني عن ذكر المخصوص بالمدح والذم إذا كان في الكلام ما يدل عليه، وذلك كقوله تعالى: (واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير)، أي الله، وكقوله تعالى: (والأرض فرشناها فنعم الماهدون)، أي نحن؛ ولا يجوز الاكتفاء بالفعل وفاعله، من دون ذكر المخصوص أو الإشارة إليه.

المدح والذم بحبذا ولا حبذا:

تقول: حَبَّذَا الصّدقُ ولا حبَّذا الكذبُ، وحَبَّذا الأمانةُ ولا حَبَّذا الغشُّ.

يتكون أسلوب المدح والذم بحبذا ولا حبذا من ثلاثة عناصر:

  1. الفعل حَبَّ الماضي لإفادة المدح، وينفي بالحرف (لا) لإفادة الذم.
  2. كلمة "ذا" اسم الإشارة فاعل الفعل.
  3. المخصوص بالمدح أو الذم، وهو مبتدأ، خبره الجملة الفعلية.

وهذا الذي ذكر هنا أحسن(٥) ما قيل عن هذا الموضوع "راجع ابن عقيل"، ومن شواهد ذلك قول ذي الرمة:

ألَا حَبَّذَا أهلُ المَلَا غيرَ أنَّه ... إذا ذُكِرَت مَيٌّ فلا حَبَّذَا هِيَا.

على وجْهِ مَيٍّ مَسْحَةٌ من مَلَاحَةٍ ... وتحت الثيابِ العارُ لو كان بادِيا.

المصدر

(١)- الشاطبي الأصولي النحوي "المقاصد الشافية".
(٢)- محمد عيد "النحو المصفى" 
(٣)-فاضل السامرائي "معاني النحو".
(٤)-فاضل السامرائي "معاني النحو".
(٥)- محمد عيد "النحو المصفى"