(رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. سورة البقرة، الآية: ١٢٨
التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وأرِنا مَناسِكَنا وتُبْ عَلَيْنا إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾
فائِدَةُ تَكْرِيرِ النِّداءِ بِقَوْلِهِ ”رَبَّنا“ إظْهارُ الضَّراعَةِ إلى اللَّهِ تَعالى وإظْهارُ أنَّ كُلَّ دَعْوى مِن هاتِهِ الدَّعَواتِ مَقْصُودَةٌ بِالذّاتِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُكَرِّرِ النِّداءَ إلّا عِنْدَ الِانْتِقالِ مِن دَعْوَةٍ إلى أُخْرى فَإنَّ الدَّعْوَةَ الأُولى لِطَلَبِ تَقَبُّلِ العَمَلِ والثّانِيَةَ لِطَلَبِ الِاهْتِداءِ، فَجُمْلَةُ النِّداءِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ هُنا والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ الآتِي ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] رَسُولًا والمُرادُ ”بِمُسْلِمَيْنِ لَكَ“ المُنْقادانِ إلى اللَّهِ تَعالى إذِ الإسْلامُ الِانْقِيادُ، ولَمّا كانَ الِانْقِيادُ لِلْخالِقِ بِحَقٍّ يَشْمَلُ الإيمانَ بِوُجُودِهِ وأنْ لا يُشْرِكَ في عِبادَتِهِ غَيْرَهُ ومَعْرِفَةَ صِفاتِهِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها فِعْلُهُ كانَتْ حَقِيقَةُ الإسْلامِ مُلازِمَةً لِحَقِيقَةِ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ، ووَجْهُ تَسْمِيَةِ ذَلِكَ إسْلامًا سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ [الحجرات: ١٤] فَإنَّهُ فَكَّكَ بَيْنَهُما لِأنَّ إسْلامَهم كانَ عَنْ خَوْفٍ لا عَنِ اعْتِقادٍ، فالإيمانُ والإسْلامُ مُتَغايِرانِ مَفْهُومًا وبَيْنَهُما عُمُومٌ وخُصُوصٌ وجْهِيٌّ في الماصَدَقَ، فالتَّوْحِيدُ في زَمَنِ الفَتْرَةِ إيمانٌ لا يُتَرَقَّبُ مِنهُ انْقِيادٌ إذِ الِانْقِيادُ إنَّما يَحْصُلُ بِالأعْمالِ، وانْقِيادُ المَغْلُوبِ المُكْرَهِ إسْلامٌ لَمْ يَنْشَأْ عَنِ اعْتِقادِ إيمانٍ، إلّا أنَّ صُورَتَيِ الِانْفِرادِ في الإيمانِ والإسْلامِ نادِرَتانِ.
ألْهَمَ اللَّهُ إبْراهِيمَ اسْمَ الإسْلامِ ثُمَّ ادَّخَرَهُ بَعْدَهُ لِلدِّينِ المُحَمَّدِيِّ فَنُسِيَ هَذا الِاسْمُ بَعْدَ إبْراهِيمَ ولَمْ يُلَقَّبْ بِهِ دِينٌ آخَرُ لِأنَّ اللَّهَ أرادَ أنْ يَكُونَ الدِّينُ المُحَمَّدِيُّ إتْمامًا لِلْحَنِيفِيَّةِ دِينِ إبْراهِيمَ وسَيَجِيءُ بَيانٌ لِهَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ”﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ [آل عمران: ٦٧]“ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
ومَعْنى طَلَبِ أنْ يَجْعَلَهُما مُسْلِمَيْنِ هو طَلَبُ الزِّيادَةِ في ما هُما عَلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ وطَلَبِ الدَّوامِ عَلَيْهِ، لِأنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَهُما مُسْلِمَيْنِ مِن قَبْلُ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ﴾ [البقرة: ١٣١] الآيَةَ.
وقَوْلُهُ ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ (مِن ذُرِّيَّتِنا) و(مُسْلِمَةً) مَعْمُولَيْنِ لِفِعْلِ ”اجْعَلْنا“ بِطَرِيقِ العَطْفِ، وهَذا دُعاءٌ بِبَقاءِ دِينِهِما في ذُرِّيَّتِهِما، و”مِن“ في قَوْلِهِ مِن ذُرِّيَّتِنا لِلتَّبْعِيضِ، وإنَّما سَألا ذَلِكَ لِبَعْضِ الذُّرِّيَّةِ جَمْعًا بَيْنَ الحِرْصِ عَلى حُصُولِ الفَضِيلَةِ لِلذُرِّيَّةِ وبَيْنَ الأدَبِ في الدُّعاءِ لِأنَّ نُبُوءَةَ إبْراهِيمَ تَقْتَضِي عِلْمَهُ بِأنَّهُ سَتَكُونُ ذُرِّيَّتُهُ أُمَمًا كَثِيرَةً وأنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ في هَذا العالَمِ جَرَتْ عَلى أنَّهُ لا يَخْلُو مِنِ اشْتِمالِهِ عَلى الأخْيارِ والأشْرارِ فَدَعا اللَّهَ بِالمُمْكِنِ عادَةً وهَذا مِن أدَبِ الدُّعاءِ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤]
ومِن هُنا ابْتُدِئَ التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أعْرَضُوا عَنِ التَّوْحِيدِ واتَّبَعُوا الشِّرْكَ، والتَّمْهِيدُ لِشَرَفِ الدِّينِ المُحَمَّدِيِّ.
والأُمَّةُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ يُطْلَقُ عَلى مَعانٍ كَثِيرَةٍ والمُرادُ مِنها هُنا الجَماعَةُ العَظِيمَةُ الَّتِي يَجْمَعُها جامِعٌ لَهُ بالٌ مِن نَسَبٍ أوْ دِينٍ أوْ زَمانٍ، ويُقالُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ مَثَلًا لِلْمُسْلِمِينَ لِأنَّهُمُ اجْتَمَعُوا عَلى الإيمانِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهي بِزِنَةِ فِعْلَةٍ وهَذِهِ الزِّنَةُ تَدُلُّ عَلى المَفْعُولِ مِثْلَ لَقْطَةٍ وضِحْكَةٍ وقُدْوَةٍ، فالأُمَّةُ بِمَعْنى مَأْمُومَةٍ اشْتُقَّتْ مِنَ الأمِّ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وهو القَصْدُ، لِأنَّ الأُمَّةَ تَقْصِدُها الفِرَقُ العَدِيدَةُ الَّتِي تَجْمَعُها جامِعَةُ الأُمَّةِ كُلِّها، مِثْلُ الأُمَّةِ العَرَبِيَّةِ لِأنَّها تَرْجِعُ إلَيْها قَبائِلُ العَرَبِ، والأُمَّةُ الإسْلامِيَّةُ لِأنَّها تَرْجِعُ إلَيْها المَذاهِبُ الإسْلامِيَّةُ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] فَهو في مَعْنى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ أيْ كَأُمَمٍ إذا تَدَبَّرْتُمْ في حِكْمَةِ إتْقانِ خَلْقِهِمْ ونِظامِ أحْوالِهِمْ وجَدْتُمُوهُ كَأُمَمٍ أمْثالِكم لِأنَّ هَذا الِاعْتِبارَ كانَ النّاسُ في غَفْلَةٍ عَنْهُ.
وقَدِ اسْتُجِيبَتْ دَعْوَةُ إبْراهِيمَ في المُسْلِمِينَ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ تَلاحَقُوا بِالإسْلامِ قَبْلَ الهِجْرَةِ وبَعْدَها حَتّى أسْلَمَ كُلُّ العَرَبِ إلّا قَبائِلَ قَلِيلَةً لا تَنْخَرِمُ بِهِمْ جامِعَةُ الأُمَّةِ، وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] وأمّا مَن أسْلَمُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِثْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ فَلَمْ يَلْتَئِمْ مِنهم عَدَدُ أُمَّةٍ.
وقَوْلُهُ ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ سُؤالٌ لِإرْشادِهِمْ لِكَيْفِيَّةِ الحَجِّ الَّذِي أُمِرا بِهِ مِن قَبْلُ أمْرًا مُجْمَلًا، فَفِعْلُ أرِنا هو مِن رَأى العِرْفانِيَّةِ وهو اسْتِعْمالٌ ثابِتٌ لِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ كَما جَزَمَ بِهِ الرّاغِبُ في المُفْرَداتِ والزَّمَخْشَرِيُّ في المُفَصَّلِ وتَعَدَّتْ بِالهَمْزِ إلى مَفْعُولَيْنِ.
وحَقُّ رَأى أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ لِأنَّ أصْلَهُ هو الرُّؤْيَةُ البَصَرِيَّةُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مَجازًا في العِلْمِ بِجَعْلِ العِلْمِ اليَقِينِيِّ شَبِيهًا بِرُؤْيَةِ البَصَرِ، فَإذا دَخَلَ عَلَيْهِ هَمْزُ التَّعْدِيَةِ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ وأمّا تَعْدِيَةُ أرى إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ فَهو خِلافُ الأصْلِ وهو اسْتِعْمالٌ خاصٌّ وذَلِكَ إذا أرادَ المُتَكَلِّمُ الإخْبارَ عَنْ مَعْرِفَةِ صِفَةٍ مِن صِفاتِ ذاتٍ فَيَذْكُرُ اسْمَ الذّاتِ أوَّلًا ويَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ لا يُفِيدُ مُرادَهُ فَيُكْمِلُهُ بِذِكْرِ حالٍ لازِمَةٍ إتْمامًا لِلْفائِدَةِ فَيَقُولُ رَأيْتُ الهِلالَ طالِعًا مَثَلًا ثُمَّ يَقُولُ أرانِي فُلانٌ الهِلالَ طالِعًا، وكَذَلِكَ فِعْلُ عَلِمَ وأخَواتِهِ مِن بابِ ظَنَّ كُلِّهِ ومِثْلُهُ بابُ كانَ وأخَواتِها، ألا تَرى أنَّكَ لَوْ عَدَلْتَ عَنِ المَفْعُولِ الثّانِي في بابِ ظَنَّ أوْ عَنِ الخَبَرِ في بابِ كانَ إلى الإتْيانِ بِمَصْدَرٍ في مَوْضِعِ الِاسْمِ في أفْعالِ هَذَيْنِ البابَيْنِ لاسْتَغْنَيْتَ عَنِ الخَبَرِ والمَفْعُولِ الثّانِي فَتَقُولُ كانَ حُضُورُ فُلانٍ أيْ حَصَلَ وعَلِمْتُ مَجِيءَ صاحِبِكَ وظَنَنْتُ طُلُوعَ الشَّمْسِ وقَدْ رُوِيَ قَوْلُ الفِنْدِ الزِّمّانِيِّ:
عَسى أنْ يُرْجِعَ الأيّا مُ قَوْمًا كالَّذِي كانُوا وقالَ حَطائِطُ بْنُ يَعْفُرَ: ∗∗∗ أرِينِي جَوادًا ماتَ هُزْلًا لَعَلَّنِيأرى ما تَرَيْنَ أوْ بَخِيلًا مُخَلَّدا فَإنَّ جُمْلَةَ ”ماتَ هُزْلًا“ لَيْسَتْ خَبَرًا عَنْ ”جَوادًا“ إذِ المُبْتَدَأُ لا يَكُونُ نَكِرَةً، وبِهَذا يَتَبَيَّنُ أنَّ الصَّوابَ أنْ يُعَدَّ الخَبَرُ في بابِ كانَ والمَفْعُولِ الثّانِي في بابِ ظَنَّ أحْوالًا لازِمَةً لِتَمامِ الفائِدَةِ وأنَّ إطْلاقَ اسْمِ الخَبَرِ أوِ المَفْعُولِ عَلى ذَلِكَ المَنصُوبِ تَسامُحٌ وعِبارَةٌ قَدِيمَةٌ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ (وأرْنا) بِسُكُونِ الرّاءِ لِلتَّخْفِيفِ وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو بِاخْتِلاسِ كَسْرَةِ الرّاءِ تَخْفِيفًا أيْضًا، وجُمْلَةُ إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ تَعْلِيلٌ لِجُمَلِ الدُّعاءِ.
والمَناسِكُ جَمْعُ مَنسَكٍ وهو اسْمُ مَكانٍ مِن نَسَكَ نَسْكًا مِن بابِ نَصَرَ أيْ تَعَبَّدَ أوْ مِن نَسُكَ بِضَمِّ السِّينِ نَساكَةً بِمَعْنى ذَبَحَ تَقَرُّبًا، والأظْهَرُ هو الأوَّلُ لِأنَّهُ الَّذِي يَحِقُّ طَلَبُ التَّوْفِيقِ لَهُ وسَيَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]
الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ
للل
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
سلم
السِّلْمُ والسَّلَامَةُ: التّعرّي من الآفات الظاهرة والباطنة، قال: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء : 89] ، أي: متعرّ من الدّغل، فهذا في الباطن، وقال تعالى: ﴿مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها﴾ [البقرة : 71] ، فهذا في الظاهر، وقد سَلِمَ يَسْلَمُ سَلَامَةً، وسَلَاماً، وسَلَّمَهُ الله، قال تعالى: ﴿وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ [الأنفال : 43] ، وقال: ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر : 46] ، أي: سلامة، وكذا قوله: ﴿اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا﴾ [هود : 48] .
والسّلامة الحقيقيّة ليست إلّا في الجنّة، إذ فيها بقاء بلا فناء، وغنى بلا فقر، وعزّ بلا ذلّ، وصحّة بلا سقم، كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام : 127] ، أي: السلامة، قال: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ [يونس : 25] ، وقال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ [المائدة : 16] ، يجوز أن يكون كلّ ذلك من السّلامة. وقيل: السَّلَامُ اسم من أسماء الله تعالى(١) ، وكذا قيل في قوله: ﴿لَهُمْ دارُ السَّلامِ﴾ [الأنعام : 127] ، و﴿السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر : 23] ، قيل: وصف بذلك من حيث لا يلحقه العيوب والآفات التي تلحق الخلق، وقوله: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس : 58] ، ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد : 24] ، سلام على آل ياسين(٢) كلّ ذلك من الناس بالقول، ومن الله تعالى بالفعل، وهو إعطاء ما تقدّم ذكره ممّا يكون في الجنّة من السّلامة، وقوله: ﴿وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان : 63] ، أي: نطلب منكم السّلامة، فيكون قوله (سلاما) نصبا بإضمار فعل، وقيل: معناه: قالوا سَلَاماً، أي: سدادا من القول، فعلى هذا يكون صفة لمصدر محذوف. وقوله تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ﴾ [الذاريات : 25] ، فإنما رفع الثاني، لأنّ الرّفع في باب الدّعاء أبلغ(٣) ، فكأنّه تحرّى في باب الأدب المأمور به في قوله: ﴿وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها﴾ [النساء : 86] ، ومن قرأ سلم(٤) فلأنّ السّلام لمّا كان يقتضي السّلم، وكان إبراهيم عليه السلام قد أوجس منهم خيفة، فلمّا رآهم مُسَلِّمِينَ تصوّر من تَسْلِيمِهِمْ أنهم قد بذلوا له سلما، فقال في جوابهم: (سلم) ، تنبيها أنّ ذلك من جهتي لكم كما حصل من جهتكم لي. وقوله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً﴾ [الواقعة : 25-26] ، فهذا لا يكون لهم بالقول فقط، بل ذلك بالقول والفعل جميعا. وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة : 91] ، وقوله: ﴿وَقُلْ سَلامٌ﴾ [الزخرف : 89] ، فهذا في الظاهر أن تُسَلِّمَ عليهم، وفي الحقيقة سؤال الله السَّلَامَةَ منهم، وقوله تعالى: ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ﴾ [الصافات : 79] ، ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ﴾ [الصافات : 120] ، ﴿سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ﴾ [الصافات : 109] ، كلّ هذا تنبيه من الله تعالى أنّه جعلهم بحيث يثنى عليهم، ويدعى لهم. وقال تعالى: ﴿فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور : 61] ، أي: ليسلّم بعضكم على بعض. والسَّلَامُ والسِّلْمُ والسَّلَمُ: الصّلح قال: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً(٥) [النساء : 94] ، وقيل: نزلت فيمن قتل بعد إقراره بالإسلام ومطالبته بالصّلح(٦) وقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة : 208] ، ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ [الأنفال : 61] ، وقرئ لِلسَّلْمِ(٧) بالفتح، وقرئ: وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ(٨) ، وقال: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ﴾ [القلم : 43] ، أي: مُسْتَسْلِمُونَ، وقوله: ورجلا سالما لرجل(٩) وقرئ سلما و (سَلَماً)(١٠) ، وهما مصدران، وليسا بوصفين كحسن ونكد. يقول: سَلِمَ سَلَماً وسِلْماً، وربح ربحا وربحا. وقيل: السِّلْمُ اسم بإزاء حرب، والْإِسْلَامُ: الدّخول في السّلم، وهو أن يسلم كلّ واحد منهما أن يناله من ألم صاحبه، ومصدر أسلمت الشيء إلى فلان: إذا أخرجته إليه، ومنه: السَّلَمُ في البيع. والْإِسْلَامُ في الشّرع على ضربين: أحدهما: دون الإيمان، وهو الاعتراف باللسان، وبه يحقن الدّم، حصل معه الاعتقاد أو لم يحصل، وإيّاه قصد بقوله: ﴿قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا﴾ [الحجرات : 14] .
والثاني: فوق الإيمان، وهو أن يكون مع الاعتراف اعتقاد بالقلب، ووفاء بالفعل، واستسلام لله في جميع ما قضى وقدّر، كما ذكر عن إبراهيم عليه السلام في قوله: ﴿إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [البقرة : 131] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ﴾ [آل عمران : 19] .
وقوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً﴾ [يوسف : 101] ، أي: اجعلني ممّن استسلم لرضاك، ويجوز أن يكون معناه: اجعلني سالما عن أسر الشّيطان حيث قال: لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [الحجر : 40] ، وقوله: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [النمل : 81] ، أي: منقادون للحقّ مذعنون له. وقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة : 44] ، أي: الذين انقادوا من الأنبياء الذين ليسوا من العزم لأولي العزم الذين يهتدون بأمر الله، ويأتون بالشّرائع. والسُّلَّمُ: ما يتوصّل به إلى الأمكنة العالية، فيرجى به السّلامة، ثمّ جعل اسما لكلّ ما يتوصّل به إلى شيء رفيع كالسّبب، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور : 38] ، وقال: ﴿أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ﴾ [الأنعام : 35] ، وقال الشاعر:
242- ولو نال أسباب السماء بسلّم(١١)
والسَّلْمُ والسَّلَامُ: شجر عظيم، كأنه سمّي لاعتقادهم أنه سليم من الآفات، والسِّلَامُ: الحجارة الصّلبة.
(١) انظر: الأسماء والصفات للبيهقي ص 53، والمقصد الأسنى للغزالي ص 47.
(٢) سورة الصافات: آية 130، وهي قراءة نافع وابن عامر ويعقوب. انظر: الإتحاف ص 370.
(٣) قال ابن القيم: إنّ سلام الملائكة تضمّن جملة فعلية، لأنّ نصب السلام يدل على: سلمنا عليك سلاما، وسلام إبراهيم تضمن جملة اسمية، لأن رفعه يدل على أن المعنى: سلام عليكم، والجملة الاسمية تدل على الثبوت والتقرر، والفعلية تدل على الحدوث والتجدد، فكان سلامه عليهم أكمل من سلامهم عليه. انظر: بدائع الفوائد 2/ 157.
(٤) وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: الإتحاف ص 399.
(٥) وهي قراءة نافع وابن عامر وحمزة وأبي جعفر وخلف. الإتحاف 193.
(٦) راجع: الدر المنثور 2/ 632- 634.
(٧) وهي قراءة الجميع إلا شعبة. انظر: إرشاد المبتدي وتذكرة المنتهي ص 348.
(٨) سورة النحل: آية 87، وهي قراءة حفص.
(٩) سورة الزمر: آية 29، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب.
(١٠) وقرأ الباقون سَلَماً، أما قراءة (سلما) فهي شاذة، قرأ بها سعيد بن جبير. انظر: الإتحاف 375، والبحر المحيط 7/ 424.
(١١) هذا عجز بيت لزهير بن أبي سلمى، وشطره: ومن هاب أسباب المنايا ينلنه
وهو في ديوانه ص 87.
أم
الأُمُّ بإزاء الأب، وهي الوالدة القريبة التي ولدته، والبعيدة التي ولدت من ولدته.
ولهذا قيل لحوّاء: هي أمنا، وإن كان بيننا وبينها وسائط. ويقال لكل ما كان أصلا لوجود شيء أو تربيته أو إصلاحه أو مبدئه أمّ، قال الخليل: كلّ شيء ضمّ إليه سائر ما يليه يسمّى أمّا[[من أول الباب إلى هاهنا نقله الفيروزآبادي حرفيا في البصائر 2/ 111، وانظر العين 8/ 433.]] ، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ﴾ [الزخرف : 4][[وانظر: المخصص 13/ 181.]] أي: اللوح المحفوظ وذلك لكون العلوم كلها منسوبة إليه ومتولّدة منه. وقيل لمكة أم القرى، وذلك لما روي: (أنّ الدنيا دحيت من تحتها)[[وهذا مرويّ عن قتادة كما أخرجه عنه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر. راجع الدر المنثور 3/ 316.
أخرجه عبد الرزاق في المصنف 5/ 28، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، وهو صحابي، وابن جرير 1/ 548 من كلام ابن عباس.]] ، وقال تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾ [الأنعام : 92] ، وأمّ النجوم: المجرّة[[راجع: الجمهرة 1/ 20، واللسان (أمم) 12/ 32.]] . قال:
23- بحيث اهتدت أمّ النجوم الشوابك[[هذا عجز بيت لتأبّط شرّا، وصدره: يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدي
وهو في ديوانه ص 156، والجمهرة 1/ 11، وشرح الحماسة للتبريزي 1/ 49، والمخصص 13/ 181.]] وقيل: أم الأضياف وأم المساكين[[وأمّ المساكين كنية زينب بنت خزيمة أمّ المؤمنين رضي الله عنها، سميت بذلك لكثرة معروفها. راجع سير أعلام النبلاء 2/ 218.]] ، كقولهم: أبو الأضياف[[أبو الأضياف هو إبراهيم الخليل عليه السلام، فهو أول من أضاف الضيف.]] ، ويقال للرئيس: أمّ الجيش كقول الشاعر:
24- وأمّ عيال قد شهدت نفوسهم[[الشطر للشنفرى، وعجزه: إذا أطعمتهم أو تحت وأقلّت
وهو في الجمهرة 1/ 21، والمفضليات ص 110، واللسان (أمم) .]].
وقيل لفاتحة الكتاب: أمّ الكتاب لكونها مبدأ الكتاب، وقوله تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ [القارعة : 9] أي: مثواه النار فجعلها أمّا له، قال: وهو نحو مَأْواكُمُ النَّارُ [الحديد : 15] ، وسمّى الله تعالى أزواج النبيّ ﷺ أمهات المؤمنين فقال: ﴿وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحزاب : 6] لما تقدّم في الأب، وقال: ﴿ابْنَ أُمَ﴾ [طه : 94] ولم يقل: ابن أب، ولا أمّ له يقال على سبيل الذم، وعلى سبيل المدح، وكذا قوله: ويل أمّه[[قال ابن منظور: وقوله: ويل أمّه فهو مدح خرج بلفظ الذم.]] ، وكذا: هوت أمّه[[قال ابن بري: قوله: هوت أمّه يستعمل على جهة التعجب كقولهم: قاتله الله ما أسمعه!.]] والأمّ قيل: أصله: أمّهة، لقولهم جمعا: أمهات، وفي التصغير: أميهة[[لأنّ الجمع والتصغير يردّان الأشياء لأصولها، فأصلها هاء على هذا. وهذا قول الخليل في العين 8/ 424.]] .
وقيل: أصله من المضاعف لقولهم: أمّات وأميمة. قال بعضهم: أكثر ما يقال أمّات في البهائم ونحوها، وأمهات في الإنسان.
* والأُمّة:
كل جماعة يجمعهم أمر ما إمّا دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد سواء كان ذلك الأمر الجامع تسخيرا أو اختيارا، وجمعها: أمم، وقوله تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ﴾ [الأنعام : 38] أي: كل نوع منها على طريقة قد سخرها الله عليها بالطبع، فهي من بين ناسجة كالعنكبوت، وبانية كالسّرفة[[هي دويبّة غبراء تبني بيتا حسنا تكون فيه، وهي التي يضرب بها المثل فيقال: أصنع من سرفة.]] ، ومدّخرة كالنمل ومعتمدة على قوت وقته كالعصفور والحمام، إلى غير ذلك من الطبائع التي تخصص بها كل نوع.
وقوله تعالى: ﴿كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة : 213] أي: صنفا واحدا وعلى طريقة واحدة في الضلال والكفر، وقوله: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [هود : 118] أي: في الإيمان، وقوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران : 104] أي: جماعة يتخيّرون العلم والعمل الصالح يكونون أسوة لغيرهم، وقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف : 22] أي: على دين مجتمع. قال:
25- وهل يأثمن ذو أمّة وهو طائع[[هذا عجز بيت للنابغة الذبياني، وصدره: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة
وهو في ديوانه ص 81، والغريبين 1/ 93، واللسان (أمم) .]].
وقوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف : 45] أي: حين، وقرئ (بعد أمه)[[وهي مروية عن شبيل بن عزرة الضبعي، وهي قراءة شاذة. راجع القرطبي 9/ 201، وإعراب القرآن للنحاس 2/ 143.]] أي: بعد نسيان. وحقيقة ذلك: بعد انقضاء أهل عصر أو أهل دين.
وقوله: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ﴾ [النحل : 120] أي: قائما مقام جماعة في عبادة الله، نحو قولهم: فلان في نفسه قبيلة. وروي: «أنه يحشر زيد بن عمرو بن نفيل أمّة وحده»[[الحديث في مسند الطيالسي ص 32 عن سعيد بن زيد أنه قال للنبيّ ﷺ: إنّ أبي كان كما رأيت وكما بلغك فاستغفر له، قال: «نعم فإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده» . راجع الإصابة 1/ 70، وأخرجه أبو يعلى، وإسناده حسن، انظر: مجمع الزوائد 9/ 420.]] . وقوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ [آل عمران : 113] أي: جماعة، وجعلها الزجاج هاهنا للاستقامة، وقال: تقديره: ذو طريقة واحدة[[معاني القرآن 1/ 458.]] ، فترك الإضمار أولى.
* والأُمِّيُّ:
هو الذي لا يكتب ولا يقرأ من كتاب، وعليه حمل: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة : 2] قال قطرب: الأُمِّيَّة: الغفلة والجهالة، فالأميّ منه، وذلك هو قلة المعرفة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ﴾ [البقرة : 78] أي: إلا أن يتلى عليهم.
قال الفرّاء: هم العرب الذين لم يكن لهم كتاب، و﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف : 157] قيل: منسوب إلى الأمّة الذين لم يكتبوا، لكونه على عادتهم كقولك: عامّي، لكونه على عادة العامّة، وقيل: سمي بذلك لأنه لم يكن يكتب ولا يقرأ من كتاب، وذلك فضيلة له لاستغنائه بحفظه، واعتماده على ضمان الله منه بقوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى : 6] . وقيل: سمّي بذلك لنسبته إلى أمّ القرى.
* والإِمام:
المؤتمّ به، إنسانا كأن يقتدى بقوله أو فعله، أو كتابا، أو غير ذلك محقّا كان أو مبطلا، وجمعه: أئمة. وقوله تعالى: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ [الإسراء : 71] أي: بالذي يقتدون به، وقيل: بكتابهم[[انظر: الغريبين 1/ 95.]] ، وقوله: ﴿وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً﴾ [الفرقان : 74] . قال أبو الحسن: جمع آم[[أبو الحسن الأخفش، وقال: الإمام هاهنا جماعة، كما قال: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي راجع: معاني القرآن للأخفش 2/ 423.]] ، وقال غيره: هو من باب درع دلاص، ودروع دلاص[[قال في اللسان: ودرع دلاص: برّاقة ملساء لينة، والجمع دلص، وقد يكون الدلاص جمعا مكسّرا.
ويقال: درع دلاص، وأدرع دلاص، للواحد والجمع على لفظ واحد.]] ، وقوله: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ [القصص : 5] وقال: ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص : 41] جمع إمام.
وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ﴾ [يس : 12] فقد قيل: إشارة إلى اللوح المحفوظ، والأَمُّ: القصد المستقيم، وهو التوجه نحو مقصود، وعلى ذلك: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ﴾ [المائدة : 2] وقولهم: أَمَّهُ: شجّه، فحقيقته إنما هو أن يصيب أمّ دماغه، وذلك على حدّ ما يبنون من إصابة الجارحة لفظ فعلت منه[[وفي ذلك يقول شيخنا حفظه الله: فعل صوغها من الأعيان ... مطّرد عند ذوي الأذهان
نحو ظهرته كذا رقبته ... وقس كذلك إلى يددته.]] ، وذلك نحو: رأسته، ورجلته، وكبدته، وبطنته: إذا أصيب هذه الجوارح.
* و«أَمْ»
إذا قوبل به ألف الاستفهام فمعناه: أي[[راجع: الجنى الداني ص 225، ومغني اللبيب ص 61- 62.]] نحو: أزيد أم عمرو، أي: أيّهما، وإذا جرّد عن ذلك يقتضي معنى ألف الاستفهام مع بل، نحو: ﴿أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ﴾ [ص : 63] أي: بل زاغت.
*و«أمَّا»
حرف يقتضي معنى أحد الشيئين، ويكرّر نحو: ﴿أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ﴾ [يوسف : 41] ، ويبتدأ بها الكلام نحو: أمّا بعد فإنه كذا.
نسك
النُّسُكُ: العبادةُ، والنَّاسِكُ: العابدُ واختُصَّ بأَعمالِ الحجِّ، والمَنَاسِكُ: مواقفُ النُّسُك وأعمالُها، والنَّسِيكَةُ: مُخْتَصَّةٌ بِالذَّبِيحَةِ، قال: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة : 196] ، ﴿فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ [البقرة : 200] ، ﴿مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ﴾ [الحج : 67] .