تفسير قول الله تعالى: (أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). سورة البقرة، الآية: ٥
التحرير والتنوير — ابن عاشور
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ اسْمُ الإشارَةِ مُتَوَجِّهٌ إلى المُتَّقِينَ الَّذِينَ أُجْرِيَ عَلَيْهِمْ مِنَ الصِّفاتِ ما تَقَدَّمَ، فَكانُوا فَرِيقَيْنِ.
وأصْلُ الإشارَةِ أنْ تَعُودَ إلى ذاتٍ مُشاهَدَةٍ مُعَيَّنَةٍ إلّا أنَّ العَرَبَ قَدْ يَخْرُجُونَ بِها عَنِ الأصْلِ فَتَعُودُ إلى ذاتٍ مُسْتَحْضَرَةٍ مِنَ الكَلامِ بَعْدَ أنْ يُذْكَرَ مِن صِفاتِها وأحْوالِها ما يُنْزِلُها مَنزِلَةَ الحاضِرِ في ذِهْنِ المُتَكَلِّمِ والسّامِعِ، فَإنَّ السّامِعَ إذا وعى تِلْكَ الصِّفاتِ وكانَتْ مُهِمَّةً أوْ غَرِيبَةً في خَيْرٍ أوْ ضِدِّهِ صارَ المَوْصُوفُ بِها كالمَشاهِدِ، فالمُتَكَلِّمُ يَبْنِي عَلى ذَلِكَ فَيُشِيرُ إلَيْهِ كالحاضِرِ المُشاهَدِ، فَيُؤْتى بِتِلْكَ الإشارَةِ إلى أنَّهُ لا أوْضَحَ في تَشَخُّصِهِ، ولا أغْنى في مُشاهَدَتِهِ مِن تَعَرُّفِ تِلْكَ الصِّفاتِ، فَتَكْفِي الإشارَةُ إلَيْها، هَذا أصْلُ الِاسْتِعْمالِ في إيرادِ الإشارَةِ بَعْدَ ذِكْرِ صِفاتٍ مَعَ عَدَمِ حُضُورِ المُشارِ إلَيْهِ.
ثُمَّ إنَّهم قَدْ يُتْبِعُونَ اسْمَ الإشارَةِ الوارِدَ بَعْدَ تِلْكَ الأوْصافِ بِأحْكامٍ فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَنشَأ تِلْكَ الأحْكامِ هو تِلْكَ الصِّفاتِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى اسْمِ الإشارَةِ، لِأنَّها لَمّا كانَتْ هي طَرِيقَ الِاسْتِحْضارِ كانَتِ الإشارَةُ لِأهْلِ تِلْكَ الصِّفاتِ قائِمَةً مَقامَ الذَّواتِ المُشارِ إلَيْها. فَكَما أنَّ الأحْكامَ الوارِدَةَ بَعْدَ أسْماءِ الذَّواتِ تُفِيدُ أنَّها ثابِتَةً لِلْمُسَمَّياتِ فَكَذَلِكَ الأحْكامُ الوارِدَةُ بَعْدَ ما هو لِلصِّفاتِ تُفِيدُ أنَّها ثَبَتَتْ لِلصِّفاتِ، فَكَقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ بِمَنزِلَةِ أنْ يَقُولَ: إنَّ تِلْكَ الأوْصافَ هي سَبَبُ تَمَكُّنِهِمْ مِن هَدْيِ رَبِّهِمْ إيّاهم. ونَظِيرُهُ قَوْلُ حاتِمٍ الطّائِيِّ:
ولِلَّهِ صُعْلُوكٌ يُساوِرُ هَمَّهُ ويَمْضِي عَلى الأحْداثِ والدَّهْرِ مُقْدِما
فَتى طَلَباتٍ لا يَرى الخَمْصُ تُرْحَةً وَلا شُبْعَةً إنْ نالَها عَدَّ مَغْنَما
إلى أنْ قالَ:
فَذَلِكَ إنْ يَهْلِكْ فَحُسْنى ثَناؤُهُوَإنْ عاشَ لَمْ يَقْعُدْ ضَعِيفًا مُذَمَّمًا
فَقَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ السّامِعَ إذا سَمِعَ ما تَقَدَّمَ مِن صِفاتِ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ تَرَقَّبَ فائِدَةَ تِلْكَ الأوْصافِ، واسْمُ الإشارَةِ هُنا حَلَّ مَحَلَّ ذِكْرِ ضَمِيرِهِمْ، والإشارَةُ أحْسَنُ مِنهُ وقْعًا لِأنَّها تَتَضَمَّنُ جَمِيعَ أوْصافِهِمُ المُتَقَدِّمَةِ فَقَدْ حَقَّقَهُ التَّفْتَزانِيُّ في بابِ الفَصْلِ والوَصْلِ مِنَ الشَّرْحِ المُطَوَّلِ أنَّ الِاسْتِئْنافَ بِذِكْرِ اسْمِ الإشارَةِ أبْلَغُ مِنَ الِاسْتِئْنافِ الَّذِي يَكُونُ بِإعادَةِ اسْمِ المُسْتَأْنَفِ عَنْهُ.
وهَذا التَّقْدِيرُ أظْهَرُ مَعْنًى وأنْسَبُ بَلاغَةً وأسْعَدُ بِاسْتِعْمالِ اسْمِ الإشارَةِ في مِثْلِ هاتِهِ المَواقِعِ، لِأنَّهُ أظْهَرُ في كَوْنِ الإشارَةِ لِقَصْدِ التَّنْوِيهِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ المُشارِ إلَيْها وبِما يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الحُكْمِ النّاشِئِ عَنْها، وهَذا لا يَحْصُلُ إلّا بِجَعْلِ اسْمِ الإشارَةِ مُبْتَدَأً أوَّلَ صَدْرِ جُمْلَةِ اسْتِئْنافٍ. فَقَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ رُجُوعٌ إلى الإخْبارِ عَنْهم بِأنَّ القُرْآنَ هُدًى لَهم والإتْيانُ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ بِأنْ شُبِّهَتْ هَيْئَةُ تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الهُدى وثَباتِهِمْ عَلَيْهِ ومُحاوَلَتِهِمُ الزِّيادَةَ بِهِ والسَّيْرِ في طَرِيقِ الخَيْراتِ بِهَيْأةِ الرّاكِبِ في الِاعْتِلاءِ عَلى المَرْكُوبِ والتَّمَكُّنِ مِن تَصْرِيفِهِ والقُدْرَةِ عَلى إراضَتِهِ فَشُبِّهَتْ حالَتُهُمُ المُنْتَزَعَةُ مِن مُتَعَدِّدٍ بِتِلْكَ الحالَةِ المُنْتَزَعَةِ مِن مُتَعَدِّدٍ تَشْبِيهًا ضِمْنِيًّا دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ لِأنَّ الِاسْتِعْلاءَ أقْوى أنْواعِ تَمَكُّنِ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ، ووَجْهُ جَعْلِنا إيّاها مُؤْذِنَةً بِتَقْدِيرِ مَرْكُوبٍ دُونَ كُرْسِيٍّ أوْ مَسْطَبَةٍ مَثَلًا، لِأنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي تَسْبِقُ إلَيْهِ أفْهامُهم عِنْدَ سَماعِ ما يَدُلُّ عَلى الِاسْتِعْلاءِ، إذِ الرُّكُوبُ هو أكْثَرُ أنْواعِ اسْتِعْلائِهِمْ فَهو الحاضِرُ في أذْهانِهِمْ، ولِذَلِكَ تَراهم حِينَ يُصَرِّحُونَ بِالمُشَبَّهِ بِهِ أوْ يَرْمُزُونَ إلَيْهِ ما يَذْكُرُونَ إلّا المَرْكُوبَ وعَلائِقَهُ، فَيَقُولُونَ جَعَلَ الغِوايَةَ مَرْكَبًا وامْتَطى الجَهْلَ وفي المَقامَةِ لِما اقْتَعَدَتْ غارِبُ الِاغْتِرابِ وقالُوا في الأمْثالِ رَكِبَ مَتْنَ عَمْياءَ. تَخَبَّطَ خَبْطَ عَشْواءَ. وقالَ النّابِغَةُ يَهْجُو عامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ الغَنَوِيَّ:
فَإنْ يَكُ عامِرٌ قَدْ قالَ جَهْلًا ... فَإنَّ مَطِيَّةَ الجَهْلِ الشَّبابُ
فَتَكُونُ كَلِمَةُ عَلى هُنا بَعْضَ المُرَكَّبِ الدّالِّ عَلى الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها عَلى وجْهِ الإيجازِ وأصْلُهُ أُولَئِكَ عَلى مَطِيَّةِ الهُدى فَهي تَمْثِيلِيَّةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ إلّا أنَّ المُصَرَّحَ بِهِ بَعْضُ المُرَكَّبِ الدّالِّ لا جَمِيعُهُ.
هَكَذا قَرَّرَ كَلامَ الكَشّافِ فِيها شارِحُوهُ والطِّيبِيُّ، والتَّحْتانِيُّ والتَّفْتَزانِيُّ والبَيْضاوِيُّ. وذَهَبَ القَزْوِينِيُّ في الكَشْفِ والسَّيِّدُ الجُرْجانِيُّ إلى أنَّ الِاسْتِعارَةَ في الآيَةِ تَبَعِيَّةٌ مُقَيَّدَةٌ بِأنْ شَبَّهَ التَّمَسُّكَ بِالهُدى عِنْدَ المُتَّقِينَ بِالتَّمَكُّنِ مِنَ الدّابَّةِ لِلرّاكِبِ، وسَرى التَّشْبِيهُ إلى مَعْنى الحَرْفِ وهو عَلى، وجَوَّزَ السَّيِّدُ وجْهًا ثالِثًا وهو أنْ يَكُونَ هُنا اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ مُفْرَدَةٌ بِأنْ شُبِّهَ الهُدى بِمَرْكُوبٍ وحَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ قَرِينَةٌ عَلى ذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ السَّكّاكِيِّ في رَدِّ التَّبَعِيَّةِ لِلْمَكْنِيَّةِ.
ثُمَّ زادَ الطِّيبِيُّ والتَّفْتَزانِيُّ فَجَعَلا في الآيَةِ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً مَعَ التَّمْثِيلِيَّةِ قائِلِينَ إنَّ مَجِيءَ كَلِمَةِ عَلى يُعَيِّنُ أنْ يَكُونَ مَعْناها مُسْتَعارًا لِما يُماثِلُهُ وهو التَّمَكُّنُ فَتَكُونُ هُنالِكَ تَبَعِيَّةٌ لا مَحالَةَ.
وقَدِ انْتَصَرَ سَعْدُ الدِّينِ التَّفْتَزانِيُّ لِوَجْهِ التَّمْثِيلِيَّةِ وانْتَصَرَ السَّيِّدُ الجُرْجانِيُّ لِوَجْهِ التَّبَعِيَّةِ.
واشْتَدَّ السَّيِّدُ في إنْكارِ كَوْنِها تَمْثِيلِيَّةً ورَآهُ جَمْعًا بَيْنَ مُتَنافِيَيْنِ لِأنَّ انْتِزاعَ كُلٍّ مِن طَرَفَيِ التَّشْبِيهِ مِن أُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ يَسْتَلْزِمُ تَرَكُّبُهُ مِن مَعانٍ مُتَعَدِّدَةٍ، كَيْفَ ومُتَعَلِّقُ مَعْنى الحَرْفِ مِنَ المَعانِي المُفْرَدَةِ كالِاسْتِعْلاءِ هُنا؛ فَإذا اعْتُبِرَ التَّشْبِيهُ هُنا مُرَكَّبًا اسْتَلْزَمَ أنْ لا يَكُونَ مَعْنى عَلى ومُتَعَلِّقُ مَعْناها مُشَبَّهًا بِهِ ولا مُسْتَعارًا مِنهُ لا تَبَعًا ولا أصالَةً، وأطالَ في ذَلِكَ في حاشِيَتِهِ لِلْكَشّافِ وحاشِيَتِهِ عَلى المُطَوَّلِ كَما أطالَ السَّعْدُ في حاشِيَةِ الكَشّافِ وفي المُطَوَّلِ، وتَراشَقا سِهامَ المُناظَرَةِ الحادَّةِ.
ونَحْنُ نَدْخُلُ في الحُكُومَةِ بَيْنَ هَذَيْنِ العَلَمَيْنِ بِأنَّهُ لا نِزاعَ بَيْنَ الجَمِيعِ أنَّ في الآيَةِ تَشْبِيهُ أشْياءَ بِأشْياءَ عَلى الجُمْلَةِ حاصِلَةٌ مِن ثُبُوتِ الهُدى لِلْمُتَّقِينَ ومِن ثُبُوتِ الِاسْتِعْلاءِ عَلى المَرْكُوبِ غَيْرَ أنَّ اخْتِلافَ الفَرِيقَيْنِ هو في تَعْيِينِ الطَّرِيقَةِ الحاصِلِ بِها هَذا التَّشْبِيهُ فالأكْثَرُونَ يَجْعَلُونَها طَرِيقَةَ التَّمْثِيلِيَّةِ بِأنْ يَكُونَ تَشْبِيهُ تِلْكَ الأشْياءِ حاصِلًا بِالِانْتِزاعِ والتَّرْكِيبِ لِهَيْئَةٍ، والسَّيِّدُ يَجْعَلُها طَرِيقَةَ التَّبَعِيَّةِ بِأنْ يَكُونَ المُشَبَّهُ والمُشَبَّهُ بِهِ هُما فَرْدانِ مِن تِلْكَ الأشْياءِ ويَحْصُلُ العِلْمُ بِبَقِيَّةِ تِلْكَ الأشْياءِ بِواسِطَةِ تَقْيِيدِ المُفْرَدَيْنِ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ، ويَجُوزُ طَرِيقَةُ التَّمْثِيلِ وطَرِيقَةُ المَكْنِيَّةِ.
فَيَنْصَرِفُ النَّظَرُ هُنا إلى أيِّ الطَّرِيقَتَيْنِ أرْجَحُ اعْتِبارًا وأوْفى في البَلاغَةِ مِقْدارًا، وإلى أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ طَرِيقَتَيِ التَّمْثِيلِيَّةِ والتَّبَعِيَّةِ هَلْ يُعَدُّ مُتَناقِضًا في اعْتِبارِ القَواعِدِ البَيانِيَّةِ كَما زَعَمَهُ السَّيِّدُ.
تَقَرَّرَ في عِلْمِ البَيانِ أنَّ أهْلَهُ أشَدَّ حِرْصًا عَلى اعْتِبارِ تَشْبِيهِ الهَيْئَةِ فَلا يَعْدِلُونَ عَنْهُ إلى المُفْرَدِ مَهْما اسْتَقامَ اعْتِبارُهُ ولِهَذا قالَ الشَّيْخُ في دَلائِلِ الإعْجازِ عِنْدَ ذِكْرِ بَيْتِ بَشّارٍ:
كَأنَّ مُثارَ النَّقْعِ فَوْقَ رُؤُوسِناوَأسْيافُنا لَيْلٌ تَهاوى كَواكِبُهْ قَصَدَ تَشْبِيهَ النَّقْعِ والسُّيُوفُ فِيهِ بِاللَّيْلِ المُتَهاوِيَةُ كَواكِبُهُ، لا تَشْبِيهَ النَّقْعِ بِاللَّيْلِ مِن جانِبٍ والسُّيُوفِ بِالكَواكِبِ مِن جانِبٍ، ولِذَلِكَ وجَبَ الحُكْمُ بِأنَّ أسْيافَنا في حُكْمِ الصِّلَةِ لِلْمَصْدَرِ أيْ مُثارَ لِئَلّا يَقَعَ في تَشْبِيهِهِ تَفَرُّقٌ، فَإنَّ نَصْبَ الأسْيافِ عَلى أنَّ الواوَ بِمَعْنى مَعَ لا عَلى العَطْفِ. إذا تَقَرَّرَ هَذا تَبَيَّنَ لَدَيْكَ أنَّ لِلتَّشْبِيهِ التَّمْثِيلِيِّ الحَظَّ الأوْفى عِنْدَ أهْلِ البَلاغَةِ ووَجْهُهُ أنَّ مِن أهَمِّ أغْراضِ البُلَغاءِ وأوَّلِها بابُ التَّشْبِيهِ وهو أقْدَمُ فُنُونِها، ولا شَكَّ أنَّ التَّمْثِيلَ أخَصُّ أنْواعِ التَّشْبِيهِ لِأنَّهُ تَشْبِيهُ هَيْئَةٍ بِهَيْئَةٍ فَهو أوْقَعُ في النُّفُوسِ وأجْلى لِلْمَعانِي.
ونَحْنُ نَجِدُ اعْتِبارَ التَّمْثِيلِيَّةِ في الآيَةِ أرْجَحَ لِأنَّها أوْضَحُ وأبْلَغُ وأشْهَرُ وأسْعَدُ بِكَلامِ الكَشّافِ، أمّا كَوْنُها أوْضَحَ فَلِأنَّ تَشْبِيهَ التَّمْثِيلِ مَنزَعٌ واضِحٌ لا كُلْفَةَ فِيهِ فَيُفِيدُ تَشْبِيهَ مَجْمُوعِ هَيْئَةِ المُتَّقِينَ في اتِّصافِهِمْ بِالهُدى بِهَيْئَةِ الرّاكِبِ إلَخْ بِخِلافِ طَرِيقَةِ التَّبَعِيَّةِ فَإنَّها لا تُفِيدُ إلّا تَشْبِيهَ التَّمَكُّنِ بِالِاسْتِعْلاءِ ثُمَّ يُسْتَفادُ ما عَدا ذَلِكَ بِالتَّقْيِيدِ.
وأمّا كَوْنُها أبْلَغَ فَلِأنَّ المَقامَ لَمّا سَمَحَ بِكِلا الِاعْتِبارَيْنِ بِاتِّفاقِ الفَرِيقَيْنِ لا جَرَمَ كانَ أوْلاهُما بِالِاعْتِبارِ ما فِيهِ خُصُوصِيّاتٌ أقْوى وأعَزُّ. وأمّا كَوْنُها أشْهَرَ فَلِأنَّ التَّمْثِيلِيَّةَ مُتَّفَقٌ عَلَيْها بِخِلافِ التَّبَعِيَّةِ.
وأمّا كَوْنُهُ أسْعَدَ بِكَلامِ الكَشّافِ فَلِأنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ ”مَثَلٍ“ أنَّهُ أرادَ التَّمْثِيلَ، لِأنَّ كَلامَ مِثْلِهِ مِن أهْلِ هَذِهِ الصِّناعَةِ لا تَخْرُجُ فِيهِ اللَّفْظَةُ الِاصْطِلاحِيَّةُ عَنْ مُتَعارَفِ أهْلِها إلى أصْلِ المَعْنى اللُّغَوِيِّ.
فَإذا صَحَّ أنَّ التَّمْثِيلِيَّةَ أرْجَحُ فَلْنَنْقُلِ الكَلامَ إلى تَصْحِيحِ الجَمْعِ بَيْنَها وبَيْنَ التَّبَعِيَّةِ وهو المَجالُ الثّانِي لِلْخِلافِ بَيْنَ العَلامَتَيْنِ فالسَّعْدُ والطِّيبِيُّ يُجَوِّزانِ اعْتِبارَ التَّبَعِيَّةِ مَعَ التَّمْثِيلِيَّةِ في الآيَةِ والسَّيِّدُ يَمْنَعُ ذَلِكَ كَما عَلِمْتُمْ ويَقُولُ إذا كانَ التَّشْبِيهُ مُنْتَزَعًا مِن مُتَعَدِّدٍ فَقَدِ انْتُزِعَ كُلُّ جُزْءٍ في المُشَبَّهِ مِن جُزْئَيِ المُشَبَّهِ بِهِ وهو مَعْنى التَّرْكِيبِ فَكَيْفَ يُعْتَبَرُ بَعْضُ المُشَبَّهِ بِهِ مُسْتَعارًا لِبَعْضِ المُشَبَّهِ فَيَنْتَقِضُ التَّرْكِيبُ.
وهَذا الدَّلِيلُ ناظِرٌ إلى قَوْلِ أئِمَّةِ البَلاغَةِ إنَّ أصْلَ مُفْرَداتِ المُرَكَّبِ التَّمْثِيلِيِّ أنْ تَكُونَ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعانِيها الحَقِيقِيَّةِ وإنَّما المَجازُ في جُمْلَةِ المُرَكَّبِ أيْ في إطْلاقِهِ عَلى الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ، فَكَلامُ السَّيِّدِ وُقُوفٌ عِنْدَها.
ولَكِنَّ التَّفْتَزانِيَّ لَمْ يَرَ مانِعًا مِنَ اعْتِبارِ المَجازِ في بَعْضِ مُفْرَداتِ المُرَكَّبِ التَّمْثِيلِيِّ إذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَكَلُّفٌ، ولَعَلَّهُ يَرى ذَلِكَ زِيادَةً في خُصُوصِيّاتِ إعْجازِ هَذِهِ الآيَةِ، ومِن شَأْنِ البَلِيغِ أنْ لا يُفِيتَ ما يَقْتَضِيهِ الحالُ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ، وبِهَذا تَفاوَتَتِ البُلَغاءُ كَما تَقَرَّرَ في مَبْحَثِ تَعْرِيفِ البَلاغَةِ، وحَدُّ الإعْجازِ هو الطَّرَفُ الأعْلى لِلْبَلاغَةِ الجامِعُ لِأقْصى الخُصُوصِيّاتِ كَما بَيَّناهُ في مَوْضِعِهِ وهو المُخْتارُ فَلَمّا وُجِدَ في الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ والهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها شَيْئانِ يَصْلُحانِ لِأنْ يُشَبَّهَ أحَدُهُما بِالآخَرِ تَشْبِيهًا مُسْتَقِلًّا غَيْرَ داخِلٍ في تَشْبِيهِ الهَيْئَةِ كانَ حَقُّ هَذا المَقامِ تَشْبِيهُ التَّمَكُّنِ بِالِاسْتِعْلاءِ وهو تَشْبِيهٌ بَدِيعٌ وأُشِيرَ إلَيْهِ بِكَلِمَةِ عَلى وأمّا غَيْرُ هَذَيْنِ مِن أجْزاءِ الهَيْأتَيْنِ فَلَمّا لَمْ يَحْسُنْ تَشْبِيهُ شَيْءٍ مِنها بِآخَرَ أُلْغِيَ التَّشْبِيهُ المُفْرَدُ فِيها إذْ لا يَحْسُنُ تَشْبِيهُ المُتَّقِي بِخُصُوصِ الرّاكِبِ ولا الهُدى بِالمَرْكُوبِ فَتَكُونُ ”عَلى“ عَلى هَذا الوَجْهِ بَعْضًا مِنَ المَجازِ المُرَكَّبِ دَلِيلًا عَلَيْهِ بِاعْتِبارٍ ومَجازًا مُفْرَدًا بِاعْتِبارٍ آخَرَ.
والَّذِي أخْتارُهُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى﴾ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ مَكْنِيَّةٌ شَبَّهَتِ الحالَةَ بِالحالَةِ وحُذِفَ لَفْظُ المُشَبَّهِ بِهِ وهو المَرْكَبُ الدّالُّ عَلى الرُّكُوبِ كَأنْ يُقالَ راكِبِينَ مَطِيَّةَ الهُدى وأبْقى ما يَدُلُّ عَلى المُشَبَّهِ وهو أُولَئِكَ والهُدى، ورَمْزٌ لِلْمَرْكَبِ الدّالِّ عَلى المُشَبَّهِ بِهِ بِشَيْءٍ مِن لَوازِمِهِ وهو لَفْظُ ”عَلى“ الدّالُّ عَلى الرُّكُوبِ عُرْفًا كَما عَلِمْتُمْ، فَتَكْمُلُ لَنا في أقْسامِ التَّمْثِيلِيَّةِ الأقْسامُ الثَّلاثَةُ: الِاسْتِعارَةُ كَما في الِاسْتِعارَةِ المُفْرَدَةِ فَيَكُونُ التَّمْثِيلُ مِنهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ كاسْتِعْمالِ الخَبَرِ في التَّحَسُّرِ ومِنهُ اسْتِعارَةٌ مُصَرَّحَةٌ نَحْوَ أراكَ تُقَدِّمُ رِجْلًا وتُؤَخِّرُ أُخْرى ومِنهُ مَكْنِيَّةٌ كَما في الآيَةِ عَلى رَأْيِنا، ومِنهُ تَبَعِيَّةٌ كَما في قَوْلِ الحَماسِيِّ:
وفارِسٍ في غِمارِ المَوْتِ مُنْغَمِسٍ إذا تَألّى عَلى مَكْرُوهَةٍ صَدَقا فَإنَّ ”مُنْغَمِسٍ“ تَمْثِيلٌ لِهَيْئَةِ إحاطَةِ أسْبابِ المَوْتِ بِهِ مِن كُلِّ جانِبٍ بِهَيْئَةِ مَن أحاطَتْ بِهِ المِياهُ المُهْلِكَةُ مِن كُلِّ جانِبٍ ولَفْظُ مُنْغَمِسٍ تَبَعِيَّةٌ لا مَحالَةَ. وإنَّما نُكِّرَ هُدًى ولَمْ يُعَرَّفْ بِاللّامِ لِمُساواةِ التَّعْرِيفِ والتَّنْكِيرِ هُنا إذْ لَوْ عُرِّفَ لَكانَ التَّعْرِيفُ تَعْرِيفَ الجِنْسِ فَرَجَّحَ التَّنْكِيرَ تَمْهِيدًا لِوَصْفِهِ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ رَبِّهِمْ، فَهو مُغايِرٌ لِلْهُدى السّابِقِ في قَوْلِهِ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] مُغايَرَةً بِالِاعْتِبارِ إذِ القَصْدُ التَّنْوِيهُ هُنا بِشَأْنِ الهُدى وتَوَسُّلًا إلى إفادَةِ تَعْظِيمِ الهُدى بِقَرِينَةِ مَقامِ المَدْحِ وبِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى التَّمَكُّنِ فَتَعَيَّنَ قَصْدُ التَّعْظِيمِ. فَقَوْلُهُ ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ تَنْوِيهٌ بِهَذا الهُدى يَقْتَضِي تَعْظِيمَهُ وكُلُّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلى تَعْظِيمِ المُتَّصِفِينَ بِالتَّمَكُّنِ مِنهُ.
وإنَّما وصَفَ الهُدى بِأنَّهُ مِن رَبِّهِمْ لِلتَّنْوِيهِ بِذَلِكَ الهُدى وتَشْرِيفِهِ مَعَ الإشارَةٍ بِأنَّهم بِمَحَلِّ العِنايَةِ مِنَ اللَّهِ وكَذَلِكَ إضافَةُ الرَّبِّ إلَيْهِمْ هي إضافَةُ تَعْظِيمٍ لِشَأْنِ المُضافِ إلَيْهِ بِالقَرِينَةِ.
* * *
﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ مَرْجِعُ الإشارَةِ الثّانِيَةِ عَيْنُ مَرْجِعِ الأُولى، ووَجْهُ تَكْرِيرِ اسْمِ الإشارَةِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ كِلْتا الأثْرَتَيْنِ جَدِيرَةٌ بِالِاعْتِناءِ والتَّنْوِيهِ، فَلا تُذْكَرُ إحْداهُما تَبَعًا لِلْأُخْرى بَلْ تُخَصُّ بِجُمْلَةٍ وإشارَةٍ خاصَّةٍ لِيَكُونَ اشْتِهارُهم بِذَلِكَ اشْتِهارًا بِكِلْتا الجُمْلَتَيْنِ وأنَّهم مِمَّنْ يُقالُ فِيهِ كِلا القَوْلَيْنِ.
ووَجْهُ العَطْفِ بِالواوِ دُونَ الفَصْلِ أنَّ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ تَوَسُّطًا بَيْنَ كَمالَيِ الِاتِّصالِ والِانْقِطاعِ لِأنَّكَ إنْ نَظَرْتَ إلى اخْتِلافِ مَفْهُومِهِما وزَمَنِ حُصُولِهِما فَإنَّ مَفْهُومَ إحْداهُما وهو الهُدى حاصِلٌ في الدُّنْيا ومَفْهُومَ الأُخْرى وهو الفَلاحُ حاصِلٌ في الآخِرَةِ كانَتا مُنْقَطِعَتَيْنِ. وإنْ نَظَرْتَ إلى تَسَبُّبِ مَفْهُومِ إحْداهُما عَنْ مَفْهُومِ الأُخْرى، وكَوْنِ كُلٍّ مِنهُما مَقْصُودًا بِالوَصْفِ كانَتا مُتَّصِلَتَيْنِ، فَكانَ التَّعارُضُ بَيْنَ كَمالَيِ الِاتِّصالِ والِانْقِطاعِ مُنْزِلًا إيّاهُما مَنزِلَةَ المُتَوَسِّطَتَيْنِ، كَذا قَرَّرَ شُرّاحُ الكَشّافِ ومَعْلُومٌ أنَّ حالَةَ التَّوَسُّطِ تَقْتَضِي العَطْفَ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ المَعانِي، وتَعْلِيلُهُ عِنْدِي أنَّهُ لَمّا تَعارَضَ المُقْتَضَيانِ تَعَيَّنَ العَطْفُ لِأنَّهُ الأصْلُ في ذِكْرِ الجُمَلِ بَعْضِها بَعْدَ بَعْضٍ.
وقَوْلُهُ ﴿هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الضَّمِيرُ لِلْفَصْلِ، والتَّعْرِيفُ في المُفْلِحُونَ لِلْجِنْسِ وهو الأظْهَرُ إذْ لا مَعْهُودَ هُنا بِحَسَبِ ظاهِرِ الحالِ، بَلِ المَقْصُودُ إفادَةُ أنَّ هَؤُلاءِ مُفْلِحُونَ، وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ بِلامِ الجِنْسِ إذا حُمِلَ عَلى مُسْنَدٍ إلَيْهِ مُعَرَّفٍ أفادَ الِاخْتِصاصَ فَيَكُونُ ضَمِيرُ الفَصْلِ لِمُجَرَّدِ تَأْكِيدِ النِّسْبَةِ، أيْ تَأْكِيدًا لِلِاخْتِصاصِ. فَأمّا إذا كانَ التَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ وهو الظّاهِرُ فَتَعْرِيفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ مَعَ المُسْنَدِ مِن شَأْنِهِ إفادَةُ الِاخْتِصاصِ غالِبًا لَكِنَّهُ هُنا مُجَرَّدٌ عَنْ إفادَةِ الِاخْتِصاصِ الحَقِيقِيِّ، ومُفِيدٌ شَيْئًا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، فَلِذَلِكَ جُلِبَ لَهُ التَّعْرِيفُ دُونَ التَّنْكِيرِ وهَذا مَثَّلَهُ عَبْدُ القاهِرِ بِقَوْلِهِمْ: هو البَطَلُ الحامِي، أيْ إذا سَمِعْتَ بِالبَطَلِ الحامِي وأحَطْتَ بِهِ خَبَرًا فَهو فُلانٌ.
وإلَيْهِ أشارَ في الكَشّافِ هُنا بِقَوْلِهِ أوْ عَلى أنَّهُمُ الَّذِينَ إنْ حَصَلَتْ صِفَةُ المُفْلِحِينَ وتَحَقَّقُوا ما هم وتَصَوَّرُوا بِصُورَتِهِمُ الحَقِيقِيَّةِ فَهم هم والسَّكّاكِيُّ لَمْ يُتابِعِ الشَّيْخَيْنِ عَلى هَذا فَعَدَلَ عَنْهُ في المِفْتاحِ ولِلَّهِ دَرُّهُ.
والفَلاحُ: الفَوْزُ وصَلاحُ الحالِ، فَيَكُونُ في أحْوالِ الدُّنْيا وأحْوالِ الآخِرَةِ، والمُرادُ بِهِ في اصْطِلاحِ الدِّينِ الفَوْزُ بِالنَّجاةِ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ. والفِعْلُ مِنهُ أفْلَحَ أيْ صارَ ذا فَلاحٍ، وإنَّما اشْتُقَّ مِنهُ الفِعْلُ بِواسِطَةِ الهَمْزَةِ الدّالَّةِ عَلى الصَّيْرُورَةِ لِأنَّهُ لا يَقَعُ حَدَثًا قائِمًا بِالذّاتِ بَلْ هو جِنْسٌ تَحُفُّ أفْرادُهُ بِمَن قُدِّرَتْ لَهُ: قالَ في الكَشّافِ: انْظُرْ كَيْفَ كَرَّرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ التَّنْبِيهَ عَلى اخْتِصاصِ المُتَّقِينَ بِنَيْلِ ما لا يَنالُهُ أحَدٌ عَلى طُرُقٍ شَتّى وهي ذِكْرُ اسْمِ الإشارَةِ وتَكْرِيرُهُ وتَعْرِيفُ (المُفْلِحِينَ)، وتَوْسِيطُ ضَمِيرِ الفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أُولَئِكَ لِيُبَصِّرَكَ مَراتِبَهم ويُرَغِّبَكَ في طَلَبِ ما طَلَبُوا ويُنَشِّطَكَ لِتَقْدِيمِ ما قَدَّمُوا.
الدر المصون — السمين الحلبي
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {أولئك} : مبتدأٌ، خبرهُ الجارُّ والمجرورُ بعده أي كائنون على هدى، وهذه الجملة: إمَّا مستأنفةٌ وإمّا خبرٌ عن قوله: {الذين يُؤْمِنُونَ} إمَّا الأولى وإمَّا الثانية، ويجوز أن يكون «أولئك» وحدَه خبراً عن {الذين يُؤْمِنُونَ} أيضاً إمَّا الأولى أو الثانية، ويكون «على هدى» في هذا الوجهِ في محلِّ نصب على الحالِ، هذا كلُّه إذا أعربنا {الذين يُؤْمِنُونَ} مبتدأ، أمَّا إذا جعلناه غيرَ مبتدأ فلا يَخْفَى حكمه مِمّا تقدم. ويجوز أن يكونَ {الذين يُؤْمِنُونَ} مبتدأ، و «أولئك» بدلٌ أو بيانٌ، و «على هدى» الخبرُ، و «مِنْ ربهم» في محلِّ جرٍّ صفةً لهُدى، ومِنْ لابتداء الغاية. ونَكَّر «هُدَى» ليفيدَ إبهامُه التعظيم كقوله:
129 - فلا وأبي الطيرِ المُرِبَّة بِالضُّحى ... على خالدٍ لقد وقَعْتِ على لَحْمِ
ورُوِيَ «مِنْ ربهم» بغير غُنَّة وهو المشهورُ، وبغنَّة ويُروى عن أبي عمرو.
و «أولئك» : اسمُ إشارةٍ يشترك فيه جماعةُ الذكور والإِناث، وهو مبنيٌّ على الكسر لشبِهْه بالحرفِ في الافتقار، وفيه لغتان: المدُّ والقَصْر، ولكنَّ الممدود للبعيد، وقد يقال: أولا لِك، قال:
130 - أُولا لِك قومي لم يكونوا أُشَابَةً ... وهل يَعِظُ الضِّلِّيلَ إلا أُولا لِكَا وعند بعضهم: المقصودُ للقريب والممدودُ للمتوسط وأولا لك للبعيد، وفيه لغاتٌ كثيرة. وكتبوا «أولئك» بزيادةِ واو قبل اللام، قيل للفرقِ بينها وبين «إليك» .
{وأولئك هُمُ المفلحون} : «أولئك» مبتدأ و «هم» مبتدأ ثانٍ، و «المفلحون» خبره، والجملةُ خبر الأول، ويجوز أن يكونَ «هم» فصلاً أو بدلاً، والمفلحون: الخبر. وفائدةُ الفصل: الفرقُ بين الخبرِ والتابعِ، ولهذا سُمِّيَ فَصْلاً، ويفيدُ أيضاً التوكيدَ، وقد تقدَّم أنه يجوز أن يكون «أولئك» الأولى أو الثانية خبراً عن «الذين يؤمنون» ، وتقدَّم تضعيفُ هذين القولين. وكَرَّرَ «أولئك» تنبيهاً أنهم كما ثَبَتَت لهم الأُثْرَةُ بالهُدَى ثَبَتت لهم بالفلاح، فجُعِلت كلُّ واحدةٍ من الأُثْرَتَيْنِ في تميُّزِهم بها عن غيرِهم بمثابةِ لو انفردت لَكَفَتْ مُمَيِّزة على حِدَتها.
وجاء هنا بالواو بين جملةِ قوله: {أولئك على هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وأولئك هُمُ المفلحون} بخلافِ قوله تعالى في الآية الأخرى: {أولئك كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ أولئك هُمُ الغافلون} [الأعراف: 179] لأن الخبرَيْن هنا متغايران فاقتضى ذلك العطفَ، وأما تلك الآيةُ الكريمةُ فإن الخبريْن فيها شيءٌ واحدٌ، لأن التسجيلَ عليهم بالغفلةِ وتشبيهَهم بالأنعام معنى واحدٌ وكانَتْ عن العطف بِمَعْزِل، قال الزمخشري: «وفي اسم الإِشارة الذي هو» أولئك «إيذانٌ بأنَّ ما يَرِد عقيبَه والمذكورين قبله أهلٌ لاكتسابِه من أجل الخصال التي عُدِّدَت لهم، كقول حاتم:» وللهِ صعلوكٌ «، ثمَ عَدَّد له خِصالاً فاضلة، ثم عقَّبَ تعديدها بقوله: 131 - فذلك إن يَهْلِكْ فَحُسْنى ثناؤُه ... وإن عاش لم يَقْعُدْ ضعيفاً مُذَمَّماً
والفلاحُ أصله الشَّقُّ، ومنه قوله: «إن الحديد بالحديد يفلح» ومنه قول بكر بن النطاح:
132 - لاَ تَبْعَثَنَّ إلى ربيعةَ غيرَها ... إن الحديدَ بغيرِه لا يُفْلِح
ويُعَبَّرُ به عن الفوز والظفر بالبُغْيَة وهو مقصودُ الآيةِ، ويُراد به البَقاءُ، قال:
133 - لو أن حَيَّاً مُدْرِكُ الفَلاحِ ... أَدْرَكه مُلاعِبُ الرِّماحِ
وقال آخر:
134 - نَحُلُّ بلاداً كلُّها حَلَّ قبلَنا ... ونرجو الفَلاَح بعد عادٍ وحِمْيَرِ
وقال:
135 - لكلِّ هَمٍّ من الهُموم سَعَهْ ... والمُسْيُ والصُّبْحُ لا فَلاَح معه
وقال آخر:
136 - أَفْلِحْ بما شِئْت فقد يُبْلَغُ بال ... ضَّعْفِ وقد يُخْدَعُ الأَريب
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
هدى
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
هدى
الهداية دلالة بلطف، ومنه: الهديّة، وهوادي الوحش. أي: متقدّماتها الهادية لغيرها، وخصّ ما كان دلالة بهديت، وما كان إعطاء بأهديت.
نحو: أهديت الهديّة، وهديت إلى البيت. إن قيل: كيف جعلت الهداية دلالة بلطف وقد قال الله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات : 23] ، ﴿وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج : 4] . قيل: ذلك استعمل فيه استعمال اللّفظ على التّهكّم مبالغة في المعنى كقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران : 21] وقول الشاعر:
457- تحيّة بينهم ضرب وجيع(١) وهداية الله تعالى للإنسان على أربعة أوجه: الأوّل: الهداية التي عمّ بجنسها كلّ مكلّف من العقل، والفطنة، والمعارف الضّروريّة التي أعمّ منها كلّ شيء بقدر فيه حسب احتماله كما قال: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه : 50] .
الثاني: الهداية التي جعل للناس بدعائه إيّاهم على ألسنة الأنبياء، وإنزال القرآن ونحو ذلك، وهو المقصود بقوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا [الأنبياء : 73] .
الثالث: التّوفيق الذي يختصّ به من اهتدى، وهو المعنيّ بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً﴾ [محمد : 17] ، وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن : 11] ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ﴾ [يونس : 9] ، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا﴾ [العنكبوت : 69] ، ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً﴾ [مريم : 76] ، ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة : 213] ، ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة : 213] .
الرّابع: الهداية في الآخرة إلى الجنّة المعنيّ بقوله: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ [محمد : 5] ، ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف : 43] إلى قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا(٢) .
وهذه الهدايات الأربع مترتّبة، فإنّ من لم تحصل له الأولى لا تحصل له الثّانية بل لا يصحّ تكليفه، ومن لم تحصل له الثّانية لا تحصل له الثّالثة والرّابعة، ومن حصل له الرّابع فقد حصل له الثلاث التي قبلها، ومن حصل له الثالث فقد حصل له اللّذان قبله(٣) . ثمّ ينعكس، فقد تحصل الأولى ولا يحصل له الثاني ولا يحصل الثالث، والإنسان لا يقدر أن يهدي أحدا إلّا بالدّعاء وتعريف الطّرق دون سائر أنواع الهدايات، وإلى الأوّل أشار بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى : 52] ، ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنا﴾ [السجدة : 24] ، ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد : 7] أي: داع، وإلى سائر الهدايات أشار بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص : 56] وكلّ هداية ذكر الله عزّ وجلّ أنه منع الظالمين والكافرين فهي الهداية الثالثة، وهي التّوفيق الذي يختصّ به المهتدون، والرّابعة التي هي الثّواب في الآخرة، وإدخال الجنّة. نحو قوله عزّ وجلّ: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً إلى قوله: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(٤) [آل عمران : 86] وكقوله: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ [النحل : 107] وكلّ هداية نفاها الله عن النبيّ ﷺ وعن البشر، وذكر أنهم غير قادرين عليها فهي ما عدا المختصّ من الدّعاء وتعريف الطريق، وذلك كإعطاء العقل، والتّوفيق، وإدخال الجنة، كقوله عزّ ذكره: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة : 272] ، ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى﴾ [الأنعام : 35] ، ﴿وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ [النمل : 81] ، ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل : 37] ، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ [الزمر : 36] ، ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر : 37] ، ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [القصص : 56] وإلى هذا المعنى أشار بقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس : 99] ، وقوله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ [الإسراء : 97] ، أي: طالب الهدى ومتحرّيه هو الذي يوفّقه ويَهْدِيهِ إلى طريق الجنّة لا من ضادّه، فيتحرّى طريق الضّلال والكفر كقوله: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ [التوبة : 37] ، وفي أخرى الظَّالِمِينَ [التوبة : 109] ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر : 3] الكاذب الكفّار: هو الذي لا يقبل هدايته، فإنّ ذلك راجع إلى هذا وإن لم يكن لفظه موضوعا لذلك، ومن لم يقبل هِدَايَتَهُ لم يهده، كقولك: من لم يقبل هَدِيَّتِي لم أهد له، ومن لم يقبل عطيّتي لم أعطه، ومن رغب عنّي لم أرغب فيه، وعلى هذا النحو: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة : 109] وفي أخرى: ﴿الْفاسِقِينَ﴾ [التوبة : 80] وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى﴾ [يونس : 35] ، وقد قرئ: يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى(٥) أي: لا يهدي غيره ولكن يهدى. أي: لا يعلم شيئا ولا يعرف أي لا هداية له، ولو هدي أيضا لم يهتد، لأنها موات من حجارة ونحوها، وظاهر اللّفظ أنه إذا هدي اهْتَدَى لإخراج الكلام أنها أمثالكم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ﴾ [الأعراف : 194] وإنّما هي أموات، وقال في موضع آخر: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل : 73] ، وقوله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان : 3] ، ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد : 10] ، ﴿وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات : 118] فذلك إشارة إلى ما عرّف من طريق الخير والشّرّ(٦) ، وطريق الثواب والعقاب بالعقل والشرع وكذا قوله: ﴿فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف : 30] ، ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [القصص : 56] ، ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن : 11] فهو إشارة إلى التّوفيق الملقى في الرّوع فيما يتحرّاه الإنسان وإياه عنى بقوله عزّ وجلّ: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً﴾ [محمد : 17] وعدّي الهِدَايَةُ في مواضع بنفسه، وفي مواضع باللام، وفي مواضع بإلى، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران : 101] ، ﴿وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام : 87] وقال: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ﴾ [يونس : 35] وقال: ﴿هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات : 18-19] .
وما عدّي بنفسه نحو: ﴿وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء : 68] ، ﴿وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات : 118] ، ﴿اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة : 6] ، ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [النساء : 88] ، ﴿وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً﴾ [النساء : 168] ، ﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ [يونس : 43] ، ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء : 175] .
ولمّا كانت الهِدَايَةُ والتّعليم يقتضي شيئين: تعريفا من المعرّف، وتعرّفا من المعرّف، وبهما تمّ الهداية والتّعليم فإنه متى حصل البذل من الهَادِي والمعلم ولم يحصل القبول صحّ أن يقال: لم يَهْدِ ولم يعلّم اعتبارا بعدم القبول، وصحّ أن يقال: هَدَى وعلّم اعتبارا ببذله، فإذا كان كذلك صحّ أن يقال: إنّ الله تعالى لم يهد الكافرين والفاسقين من حيث إنه لم يحصل القبول الذي هو تمام الهداية والتّعليم، وصحّ أن يقال: هَدَاهُمْ وعلّمهم من حيث إنه حصل البذل الذي هو مبدأ الْهِدَايَةِ. فعلى الاعتبار بالأول يصحّ أن يحمل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة : 109] ، وَالْكافِرِينَ [التوبة : 37] وعلى الثاني قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾ [فصلت : 17] والأولى حيث لم يحصل القبول المفيد فيقال: هداه الله فلم يهتد، كقوله: وَأَمَّا ثَمُودُ الآية، وقوله: لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إلى قوله: وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ(٧) [البقرة : 142-143] فهم الّذين قبلوا هداه واهتدوا به، وقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة : 6] ، ﴿وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء : 68] فقد قيل: عني به الهِدَايَةُ العامّة التي هي العقل، وسنّة الأنبياء، وأمرنا أن نقول ذلك بألسنتنا وإن كان قد فعل ليعطينا بذلك ثوابا كما أمرنا أن نقول: اللهمّ صلّ على محمد وإن كان قد صلّى عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب : 56] وقيل: إن ذلك دعاء بحفظنا عن استغواء الغواة واستهواء الشّهوات، وقيل: هو سؤال للتّوفيق الموعود به في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً﴾ [محمد : 17] وقيل: سؤال للهداية إلى الجنّة في الآخرة، وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة : 143] فإنه يعني به من هداه بالتّوفيق المذكور في قوله عزّ وجلّ: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً.
والهُدَى والهِدَايَةُ في موضوع اللّغة واحد لكن قد خصّ الله عزّ وجلّ لفظة الهدى بما تولّاه وأعطاه، واختصّ هو به دون ما هو إلى الإنسان نحو: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة : 2] ، ﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة : 5] ، ﴿هُدىً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة : 185] ، ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ﴾ [البقرة : 38] ، ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى﴾ [الأنعام : 71] ، ﴿وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران : 138] ، ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى﴾ [الأنعام : 35] ، ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل : 37] ، ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾ [البقرة : 16] .
والاهْتِدَاءُ يختصّ بما يتحرّاه الإنسان على طريق الاختيار، إمّا في الأمور الدّنيويّة، أو الأخرويّة قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها﴾ [الأنعام : 97] ، وقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء : 98] ويقال ذلك لطلب الهداية نحو: ﴿وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة : 53] ، وقال: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة : 150] ، ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [آل عمران : 20] ، ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البقرة : 137] .
ويقال المُهْتَدِي لمن يقتدي بعالم نحو: ﴿أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة : 104] تنبيها أنهم لا يعلمون بأنفسهم ولا يقتدون بعالم، وقوله: ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [النمل : 92] فإن الِاهْتِدَاءَ هاهنا يتناول وجوه الاهتداء من طلب الهداية، ومن الاقتداء، ومن تحرّيها، وكذا قوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل : 24] وقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى﴾ [طه : 82] فمعناه: ثم أدام طلب الهداية، ولم يفترّ عن تحرّيه، ولم يرجع إلى المعصية. وقوله: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ إلى قوله: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ(٨) [البقرة : 157] أي: الذين تحرّوا هدايته وقبلوها وعملوا بها، وقال مخبرا عنهم: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف : 49] .
والهَدْيُ مختصّ بما يُهْدَى إلى البيت. قال الأخفش(٩) : والواحدة هَدْيَةٌ، قال: ويقال للأنثى هَدْيٌ كأنه مصدر وصف به، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة : 196] ، ﴿هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة : 95] ، ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ﴾ [المائدة : 2] ، ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً﴾ [الفتح : 25] .
والهَدِيَّةُ مختصّة باللُّطَف الذي يُهْدِي بعضنا إلى بعضٍ. قال تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ [النمل : 35] ، ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل : 36] والمِهْدَى الطّبق الذي يهدى عليه، والْمِهْدَاءُ: من يكثر إِهْدَاءَ الهديّة، قال الشاعر:
467- وإنّك مهداء الخنا نطف الحشا(١٠)
والْهَدِيُّ يقال في الهدي، وفي العروس يقال: هَدَيْتُ العروسَ إلى زوجها، وما أحسن هَدِيَّةَ فلان وهَدْيَهُ، أي: طريقته، وفلان يُهَادِي بين اثنين: إذا مشى بينهما معتمدا عليهما، وتَهَادَتِ المرأة: إذا مشت مشي الهدي.
(١) العجز لعمرو بن معديكرب، وشطره: [وخيل قد دلفت لها بخيل] .
وهو في ديوانه ص 149، وشرح أبيات سيبويه 2/ 200، والمقتضب 2/ 20، وتفسير الطبري 1/ 310.
(٢) الآية: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ، وَقالُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا.
(٣) قد نقل ابن القيم هذه الهدايات الأربع في عدة مواضع من كتبه. انظر مثلا: بدائع الفوائد 2/ 35- 37.
(٤) الآية: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
(٥) قرأ حمزة والكسائي وخلف يهدي.
(٦) مجاز القرآن 2/ 299.
(٧) الآيتان: لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ.
(٨) الآيتان: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ.
(٩) ليس هذا النقل في معاني القرآن له.
(١٠) البيت يروى: وإنّك مهداء الخنا نطف النثا ... شديد السباب رافع الصوت غالبه
وهو للحسيل بن عرفطة في البيان والتبيين 3/ 202، والحيوان 3/ 494.
رب
مفردات ألفاظ القرآن
رب
الرَّبُّ في الأصل: التربية، وهو إنشاء الشيء حالا فحالا إلى حدّ التمام، يقال رَبَّهُ، وربّاه ورَبَّبَهُ. وقيل: (لأن يربّني رجل من قريش أحبّ إليّ من أن يربّني رجل من هوازن)(١) . فالرّبّ مصدر مستعار للفاعل، ولا يقال الرّبّ مطلقا إلا لله تعالى المتكفّل بمصلحة الموجودات، نحو قوله: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ : 15] .
وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً﴾ [آل عمران : 80] أي: آلهة، وتزعمون أنهم الباري مسبّب الأسباب، والمتولّي لمصالح العباد، وبالإضافة يقال له ولغيره، نحو قوله: رَبِّ الْعالَمِينَ [الفاتحة : 1] ، و﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات : 126] ، ويقال: رَبُّ الدّار، ورَبُّ الفرس لصاحبهما، وعلى ذلك قول الله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف : 42] ، وقوله تعالى: ﴿ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ﴾ [يوسف : 50] ، وقوله: ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ﴾ [يوسف : 23] ، قيل: عنى به الله تعالى، وقيل: عنى به الملك الذي ربّاه(٢) ، والأوّل أليق بقوله. والرَّبَّانِيُّ قيل: منسوب إلى الرّبّان، ولفظ فعلان من: فعل يبنى نحو: عطشان وسكران، وقلّما يبنى من فعل، وقد جاء نعسان. وقيل: هو منسوب إلى الرّبّ الذي هو المصدر، وهو الذي يربّ العلم كالحكيم، وقيل: منسوب إليه، ومعناه، يربّ نفسه بالعلم، وكلاهما في التحقيق متلازمان، لأنّ من ربّ نفسه بالعلم فقد ربّ العلم، ومن ربّ العلم فقد ربّ نفسه به. وقيل: هو منسوب إلى الرّبّ، أي: الله تعالى، فالرّبّانيّ كقولهم: إلهيّ، وزيادة النون فيه كزيادته في قولهم: لحيانيّ، وجسمانيّ(٣) . قال عليّ رضي الله عنه: (أنا ربّانيّ هذه الأمّة) والجمع ربّانيّون. قال تعالى: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ﴾ [المائدة : 63] ، ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران : 79] ، وقيل: ربّانيّ لفظ في الأصل سريانيّ، وأخلق بذلك(٤) ، فقلّما يوجد في كلامهم، وقوله تعالى: ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران : 146] ، فالرِّبِّيُّ كالرّبّانيّ. والرّبوبيّة مصدر، يقال في الله عزّ وجلّ، والرِّبَابَة تقال في غيره، وجمع الرّبّ أرْبابٌ، قال تعالى: ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف : 39] ، ولم يكن من حقّ الرّبّ أن يجمع إذ كان إطلاقه لا يتناول إلّا الله تعالى، لكن أتى بلفظ الجمع فيه على حسب اعتقاداتهم، لا على ما عليه ذات الشيء في نفسه، والرّبّ لا يقال في التّعارف إلّا في الله، وجمعه أربّة، وربوب، قال الشاعر:
173- كانت أربّتهم بهز وغرّهم ... عقد الجوار وكانوا معشرا غدرا(٥)
وقال آخر:
174- وكنت امرأ أفضت إليك ربابتي ... وقبلك ربّتني فضعت ربوب(٦)
ويقال للعقد في موالاة الغير: الرِّبَابَةُ، ولما يجمع فيه القدح ربابة، واختصّ الرّابّ والرّابّة بأحد الزّوجين إذا تولّى تربية الولد من زوج كان قبله، والرّبيب والرّبيبة بذلك الولد، قال تعالى: ﴿وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء : 23] ، وربّبت الأديم بالسّمن، والدّواء بالعسل، وسقاء مربوب، قال الشاعر:
175- فكوني له كالسّمن ربّت بالأدم(٧)
والرَّبَابُ: السّحاب، سمّي بذلك لأنّه يربّ النبات، وبهذا النّظر سمّي المطر درّا، وشبّه السّحاب باللّقوح. وأَرَبَّتِ السّحابة: دامت، وحقيقته أنها صارت ذات تربية، وتصوّر فيه معنى الإقامة فقيل: أَرَبَّ فلانٌ بمكان كذا تشبيها بإقامة الرّباب، وَ «رُبَّ» لاستقلال الشيء، ولما يكون وقتا بعد وقت، نحو: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحجر : 2] .
(١) هذا من حديث صفوان بن أمية لأبي سفيان يوم حنين قالها لما انهزم الناس أول المعركة من المسلمين انظر: الروض الأنف 4/ 124، والنهاية لابن الأثير 2/ 180.
(٢) وهو قول أكثر المفسرين، ويرجّحه قوله: «أكرمي مثواه» .
(٣) راجع: تفسير القرطبي 4/ 122، وعمدة الحفاظ: ربّ.
(٤) قال السمين: فقد اختار غير المختار. عمدة الحفاظ: ربّ.
(٥) البيت لأبي ذؤيب الهذلي، وهو في ديوان الهذليين 1/ 44، والمجمل 2/ 371، واللسان (ربب) .
قال ابن فارس: والمعاهدون أربة. وبهز: حيّ من سليم.
(٦) البيت لعلقمة بن عبدة، وهو في ديوانه ص 43، والمجمل 2/ 371، واللسان (ربب) ، والمفضليات ص 394.
ومطلع القصيدة: طحا بك قلب في الحسان ... بعيد الشباب عصر حان مشيب
(٧) هذا عجز بيت لعمرو بن شأس، يخاطب امرأته، وكانت تؤذي ابنه عرارا، فقال لها: فإنّ عرارا إن يكن غير واضح ... فإني أحبّ الجون ذا المنكب الغمم
فإن كنت مني، أو تريدين صحبتي ... فكوني له كالسّمن ربّ له بالأدم
أراد بالأدم النحي، يقول لزوجته: كوني له كسمن ربّ أديمه، أي: طلي بربّ التمر. انظر: اللسان (ربب) ، والتمثيل والمحاضرة ص 282، وسمط اللآلئ 2/ 803.
فلح
مفردات ألفاظ القرآن
فلح
الفَلْحُ: الشّقّ، وقيل: الحديد بالحديد يُفْلَحُ(١) ، أي: يشقّ. والفَلَّاحُ: الأكّار لذلك، والفَلَاحُ: الظَّفَرُ وإدراك بغية، وذلك ضربان: دنيويّ وأخرويّ، فالدّنيويّ: الظّفر بالسّعادات التي تطيب بها حياة الدّنيا، وهو البقاء والغنى والعزّ، وإيّاه قصد الشاعر بقوله:
356- أَفْلِحْ بما شئت فقد يدرك بال ... ضعف وقد يخدّع الأريب(٢)
وفَلَاحٌ أخرويّ، وذلك أربعة أشياء: بقاء بلا فناء، وغنى بلا فقر، وعزّ بلا ذلّ، وعلم بلا جهل. ولذلك قيل: «لا عيش إلّا عيش الآخرة»(٣) وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ﴾ [العنكبوت : 64] ، ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة : 22] ، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى : 14] ، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها﴾ [الشمس : 9] ، ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون : 1] ، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة : 189] ، ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ [المؤمنون : 117] ، ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر : 9] ، وقوله: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ [طه : 64] ، فيصحّ أنهم قصدوا به الفلاح الدّنيويّ، وهو الأقرب، وسمّي السّحور الفَلَاحَ، ويقال: إنه سمّي بذلك لقولهم عنده: حيّ على الفلاح، وقولهم في الأذان: (حي على الفَلَاحِ) أي: على الظّفر الذي جعله الله لنا بالصلاة، وعلى هذا قوله (حتّى خفنا أن يفوتنا الفلاح)(٤) ، أي: الظّفر الذي جعل لنا بصلاة العتمة.
(١) انظر: المجمل 3/ 705، واللسان (فلح) ، والأمثال ص 96.
(٢) البيت لعبيد بن الأبرص، من قصيدة له مطلعها: أقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيّات فالذّنوب
وهو في ديوانه ص 26، وتفسير القرطبي 1/ 182.
(٣) الحديث عن أنس بن مالك قال: قالت الأنصار يوم الخندق: نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا
فأجابهم النبي ﷺ: لا عيش إلا عيش الآخرة، فأكرم الأنصار والمهاجرة» . أخرجه البخاري في فضائل الصحابة 7/ 90، ومسلم برقم 1805، وأحمد 3/ 170.
(٤) شطر من حديث وفيه: «فجمع نساءه وأهله واجتمع الناس، قال: فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح. قيل: وما الفلاح؟ قال: السحور. قال: ثم لم يقم بنا شيئا من بقية الشهر» .
أخرجه أبو داود برقم (1375) ، وابن ماجة 1/ 420، والنسائي 3/ 83: باب من صلّى مع الإمام حتى ينصرف، وأحمد 5/ 160.