التخطي إلى المحتوى الرئيسي

التضمين

بحث التضمين:

أقوال العلماء في التضمين:

قال أبو البقاء في كتابه "الكليات": التضمين: هو إشراب معنى فعل ففعل، ليعامل معاملته، وبعبارة أخرى: هو أن يحمل اللفظ معنى غير الذي يستحقه بغير آلة ظاهرة.

ثم قال: قال بعضهم: التضمين هو أن يستعمل اللفظ في معناه الأصلي، وهو المقصود أصالة، لكن قصد تبعية معنى آخر يناسبه من غير أن يستعمل فيه ذلك اللفظ، أو يقدر له لفظ آخر، فلا يكون التضمين من باب الكناية، ولا من باب الإضمار، بل من قبيل الحقيقة التي "فيها" قصد بمعناه الحقيقي معنى آخر يناسبه ويتبعه في الإرادة.

وقال بعضهم: التضمين إيقاع لفظ موقع غيره لتضمنه لمعناه، وهو نوع من المجاز، ولا اختصاص للتضمين بالفعل، بل يجري في الاسم أيضًا، قال التفتازاني في تفسير قوله تعالى: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ} : لا يجوز تعلقه بلفظه: الله، لكونه اسمًا لا صفة، بل هو متعلق بالمعنى الوصفي الذي ضمنه اسم الله، كما في قولك، هو حاتم من طيئ، على تضمين معنى: الجواد.
وجريانه في الحرف ظاهر في قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ}، فإن "ما" تتضمن معنى "إن" الشرطية، ولذلك جزم الفعل.
وكل من المعنيين مقصود لذاته في التضمين، إلا أن القصد إلى أحدهما وهو المذكور بذكر متعلقه يكون تبعا للآخر وهو المذكور بلفظه، وهذه التبعية في الإرادة من الكلام، فلا ينافي كونه مقصودًا لذاته في المقام، وبه يفارق التضمين الجمع بين الحقيقة والمجاز، فإن كلا من المعنيين في صورة الجمع مراد من الكلام لذاته، مقصود في المقام أصالة، ولذلك اختلف في صحته مع الاتفاق في صحة التضمين.

والتضمين سماعي لا قياسي وإنما يذهب إليه عند الضرورة، أما إذا أمكن إجراء اللفظ على مدلوله فإنه يكون أولى، وكذا الحذف والإيصال، لكنهما لشيوعهما صار كالقياس، حتى كثير للعلماء التصرف والقول بهما فيما لا سماع فيه، ونظيره ما ذكره الفقهاء من أن ما ثبت على خلاف القياس إذا ما كان مشهورًا يكون كالثابت بالقياس في جواز القياس عليه.
وجاز تضمين اللازم المتعدي مثل: سفة نفسه"، فإنه متضمن لأهلك. 

وفائدة التضمين هي أن تؤدي كلمة مؤدي كلمتين، فالكلمتان مقصودتان معًا قصدًا وتبعًا، فتارة يجعل المذكور أصلًا والمحذوف حالًا، كما قيل في قوله تعالى: {لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} كأنه قيل: ولتكبروا الله حامدين على ما هداكم، وتارة بالعكس، كما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} ، أي: يعترفون به مؤمنين.

ومن تضمين لفظ معنى آخر قوله تعالى: {وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} ، أي: لا تفتهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم، {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} ، أي:لا تضموها آكلين، {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} ، أي: من ينضاف في نصرتي إلى الله، {هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى} ، أي: أدعوك وأرشدك إلى أن تزكى: {وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوه} ، أي: فلن تحرموه، فعدي إلى اثنين، {وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ} ، أي: لا تنووه، فعدي بنفسه لا بعلي، {لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى} ، أي: لا يصغون، فعدى بإلي، وأصله يتعدى بنفسه، ونحو: "سمع الله لمن حمده"، أي: استجاب، فعدي باللام، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} ، أي: يميز.

ومن هذا الفن في اللغة شيء كثير لا يكاد يحاط به.

ومن تضمين لفظ لفظًا آخر قوله تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ} إذ الأصل: أمن؟ حذف حرف الاستفهام واستمر الاستعمال على حذفه كما في "هل"، فإن الأصل أهل١؟ فإذا أدخلت حرف الجر فقدر الهمزة قبل حرف الجر في ضميرك؛ كأنك تقول: أعلى من تنزل الشياطين؟ كقولك: أعلى زيد مررت، وهذا تضمين لفظ لفظًا آخر١.

لقد ذكر أو البقاء عن بعض العلماء أن التضمين ليس من باب الكناية، ولا من باب الإضمار، بل من باب الحقيقة، إذا قصد بمعناه الحقيقي معنى آخر يناسبه ويتبعه في الإرادة.

ويؤخذ من هذا أنه لا بد من المناسبة، وإنما يعرف المناسبة أهل العربية الذين لهم دراية بالعربية وأسرارها.

وذكر عن بعضهم أن التضمين إيقاع لفظ موقع غيره، لتضمنه معناه، وهو نوع من المجاز.

وقال: التضمين سماعي لا قياسي، وإنما يذهب إليه عند الضرورة، أما إذا أمكن إجراء اللفظ على مدلوله، فإنه يكون أولى.

وذكر أمثلة لتضمين لفظ معنى لفظ آخر، ثم قال: "ومن هذا الفن في اللغة شيء كثير لا يكاد يحاط به".

ويؤخذ من هذا التضمين قياسي.

وقال ابن هشام في المغني: قد يشربون لفظَا لفظ فيعطونه حكمه، ويسمى ذلك: "تضمينًا"، وفائدته: أن تؤدي كلمة مؤدي كلمتين، قال الزمخشري ألا ترى كيف رجع معنى: {وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} إلى قولك: ولا تقتحمهم عيناك، مجاوزتين إلى غيرهم، {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ} ، أي: ولا تضموها آكلين لها؟

قال الدسوقي: قوله يشربون لفظًا معنى لفظ، هذا ظاهر في تغاير المعنيين، فلا يشمل نحو: "وقد أحسن بي"، أي: لطف، فإن اللطف والإحسان واحد.

فالأولى أن التضمين إلحاق مادة بأخرى لتضمنها معناها ولو في الجملة، أعني باتحاد أو تناسب، قوله: "أن تؤدي كلمة مؤدى كلمتين": ظاهر في أن الكلمة تستعمل في حقيقتها ومجازها، ألا ترى أن ألا ترى أن الفعل من قوله تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِم} ضمن معنى: يمتنعون من نسائهم بالحلف، وليس حقيقة الإيلاء إلا الحلف، فاستعماله في الامتناع من وطء المرأة إنما هو بطريق المجاز، من باب إطلاق السبب على المسبب؛ فقد أطلق فعل الإيلاء مرادًا به ذالك المعنيان جميعًا، وذلك جمع بين الحقيقة، والمجاز بلا شك، وهو، أي: الجمع المذكور إنما يتأتي على قول الأصوليين: إن قرينة المجاز لا يشترط أن تكون مانعة، أما على طريقة البيانيين من اشتراط كونها مانعة من إرادة المعنى الحقيقي، فقيل: إن التضمين حقيقة ملوحة لغيرها.

وقدر "السعد" العامل مع بقاء الفعل مستعملًا في معناه الحقيقي، فالفعل المذكور مستعمل في معناه الحقيقي، مع حذف حال مأخوذة من الفعل الآخر بمعونة القرينة اللفظية، فقولنا: أحمد إليك فلانًا، معناه: أحمده منهيًا إليك حمده. ويقلب كفيه على كذا: أي نادمًا على كذا، فمعنى الفعل المتروك وهو المضمن معتبر على أنه قيد لمعنى الفعل المذكور.

وزعم بعضهم أن التضمين بالمعنى الذي ذكره "السعد"، وهو جعل وصف الفعل المتروك حالًا من فاعل المذكور يسمى تضمينًا بيانيًا، وأنه مقابل للنحوي.

وقيل: إن التضمين من باب المجاز، ويعتبر المعنى الحقيقي قيدًا، وهذا هو الذي اعتبره الزمخشري، فعلى مذهب السعد يقال: ولا تأكلوا أموالهم ضاميها إلى أموالكم، وعلى مذهب الزمخشري نقول: ولا تضموها إليها آكلين.

وقيل: التضمين من الكناية، أي لفظ أريد به لازم معناه.

فالأقوال خمسة، وانظر ما بيان صفحة الأخير منها، تأمل. ا. هـ، تقرير الدردير.

وقال الأمير: قوله: "وفائدته إلخ" ظاهر في الجمع بين الحقيقية والمجاز، وقيل: مجاز فقط، وقيل: حقيقة ملوحة بغيرها.

وقدر "السعد" العامل، فزعم بعضهم أن تضمين بياني مقابل للنحوي.

قول ابن هشام "قد يشربون لفظًا معنى لفظ" لا يخفى أن "قد" في عرف المصنفين للتقليل كما سيأتي، وعلى ذلك يكون التضمين قليلًا، ولكنه سيذكر في آخر الموضوع عن ابن جني أنه كثير، حتى قال الدسوقي: هذا ربما يؤيد القول بأن التضمين قياسي.

وقد أشار الدسوقي إلى أن ابن هشام: "وفائدته أن تؤدي كلمة مؤدى كلمتين" ظاهر في أن الكلمة تستعمل في حقيقتها ومجازها، والجمع بين الحقيقة والمجاز إنما يتأتى على قول الأصوليين: إن قرينة المجاز لا يشترط أن تكون مانعة، أما على قول البيانيين يشترط أن تكون القرينة مانعة، فقيل: التضمين حقيقة ملوحة لغيرها، وقدر السعد العامل مع بقاء الفعل مستعملًا في معناه الحقيقي إلخ ما تقدم.

وقيل: التضمين من باب المجاز، وقيل: من باب الكناية، وسيأتي شرح المذاهب في ذلك.
وذكر ياسين على التصريح أن التضمين سماعي كما هو المختار١.

ثم قال: واعلم أن كلام المصنف في المغني في تقريره التضمين في مواضع يقتضي أن أحد اللفظين مستعمل في معنى الآخر؛ لأنه قال في {وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ} ، أي: فلن تحرموه، وفي: {وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ} أي: لا تنووا. وحينئذ فمعنى قوله: "إنه إشراب لفظ معنى آخر". . .، أن اللفظ مستعمل في معنى الآخر فقط، فإن هذا هو الموافق لذلك التقرير، وإن احتمل أنه مستعمل في معناه ومعنى الآخر.

وقول ابن جني في الخصائص: "إن العرب قد تتوسع فتوقع أحد الحرفين٢ موقع الآخر، إيذانًا بأن هذا الفعل في معنى ذلك الآخر، فلذلك جيء معه بالحرف المعتاد، مع ما هو بمعناه" صريح في أنه مستعمل في معنى الآخر فقط.

وعلى هذا فالتضمين مجاز مرسل؛ لأنه استعمال اللفظ في غير معناه لعلاقة بينهما وقرينة، كما سيتضح ذلك، وهذا أحد أقوال فيه.

وقيل: إن فيه جمعًا بين الحقيقة والمجاز، لدلالة المذكور على معناه بنفسه، وعلى معنى المحذوف بالقرينة.

وهذا إنما يقول به من يرى جواز الجمع بين الحقيقة والمجاز، وهو ظاهر قول المغني "إن فائدته أن تؤدي كلمة مؤدى كلمتين"، فظاهر تعريفه مخالف لما ذكره من فائدته، فليتنبه لذلك.

وعلى هذا القول جرى سلطان العلماء العز بن عبد السلام، فقال في كتاب "مجاز القرآن":

"الفصل الثاني والأربعون في مجاز التضمين، وهو أن يضمن اسم معنى اسم لإفادة معنى اسمين، فتعديه تعديته في بضع المواضع، كقوله: "حقيق على ألا أقول على الله إلا الحق"، فيضمن: "حقيق" معنى: "حريص"، ليفيد أنه محقوق

بقول الحق، وحريص عليه، ويضمن فعل معنى فعل، فتعديه أيضًا تعديته في بعض المواضع كقول الشاعر: "قد قتل الله زيادًا عني"، ضمن: قتل، معنى: صرف، لإفادة أنه صرفه حكمًا بالقتل، دون ما عداه من الأسباب، فأفاد معنى القتل والصرف جميعًا". ا. هـ، المقصود منه.

وفيه تصريح بأن التضمين يجري في الأسماء بل صدر به.

وقول المغني " إشراب لفظ" يشملها.

فاقتصار "السعد" و"السيد" على بيانه في الأفعال، جار مجرى التمثيل لا التقييد، ودعوى أصالته في الأفعال مجردة عن الدليل.

وقيل: إن المذكور مستعمل في حقيقته، لم يشرب معنى غيره، وعليه جرى صاحب الكشاف، وعجيب للمصنف في المغني حيث نقل كلامه بعد تعريف التضمين بما مر، فأوهم أنه يرى بما يقتضيه ذلك التعريف فتفطن له، وقال السعد في تقرير كلام الكشاف، وبيان أنه لا يرى أن من التضمين مجازًا، ولا الجمع بين الحقيقة والمجاز، وإنه مع استعماله في المذكور يدل على المحذوف ما نصه:

حقيقة التضمين أن يقصد بالفعل معناه الحقيقي مع فعل آخر يناسبه، ثم قال: إن الفعل المذكور مستعمل في معناه الحقيقي مع حذف حال مأخوذة من الفعل الآخر بمعونة القرينة اللفظية، نحو: أحمد إليك فلانًا، معناه أحمده منهيًا إليك حمده.

وقد يعكس، كما يقال في: {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} ، يعترفون به مؤمنين.

وفي قوله: "مع فعل آخر" حذف مضاف أي مع حذف فعل.

فإن قلت: المناسبة إنما هي بين الفعل المحذوف ومتعلقه المذكور لا بين الفعلين، قلت: لا بد من المناسبة بينهما، لا يقال: ضربت إليك زيدًا، أي: منهيًا إليك ضربه؛ ولا تكفي القرينة.

واعترض عليه بأن في كلامه تناقضًا؛ لأن قوله: "مع فعل آخر يناسبه" غير ملائم لقوله: "مع حذف حال"، فإن الثاني يدل على أن المحذوف اسم هو حال، لا فعل، بخلاف الأول.

وأجيب بأن في كلامه تغليبًا وإطلاقًا للفعل عليه وعلى الاسم، أو أراد بالفعل معناه اللغوي، وكذا في قوله: "أن يقصد بالفعل"، ولا يخفي سقوطه على هذا الكلام وبعده عن المرام.

وذلك أن الداعي للسعد على ما قاله، الفرار من الجميع بين الحقيقية والمجاز. والأصل تضمين الفعل لمثله، فالملاحظة في تضمين المذكور مثله، وأشير بالحال عند بيان المعنى إلى ذلك التضمن ولو قدر نفس الفعل، كان من الحذف المجرد، ولم يكن المحذوف في تضمن المذكور، وأيضًا في تقديره تكثير للحذف.

وبهذا يظهر أنه من قال: لا تنحصر طرق التضمين فيما قال، وأن منها العطف، نحو: {الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} ، أي: الرفث والإفضاء إلى نساءكم، فقد غفل عن الباعث على هذا القول، على أنه لم يدع أحد الحضر، وقال السيد: ذهب بعضهم إلى أن اللفظ مستعمل في معناه الحقيقي فقط، والمعنى الآخر مراد بلفظ محذوف بدل عليه ما هو من متعلقاته، فتارة يجعل المذكور أصلًا في الكلام والمحذوف قيدًا فيه، على أنه حال، كما في قوله: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} ، كأنه قال: "لتكبروا الله حامدين على ما هداكم" وتارة يعكس، فيجعل المحذوف أصلًا والمذكور مفعولًا، كقوله: أحمد إليك فلانًا" كأنك قلت أنهي إليك حمده، أو حالًا كما يدل عليه قوله، "يعني الكشاف"، عند الكلام على قوله تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْب} ، أي: يعترفون به، فإنه لا بد من تقدير الحال، أي: يعترفون به مؤمنين، إذ لو لم يقدر لكان مجازًا عن الاعتراف لا تضمينًا، وقوله: على "أنه حال"، وقوله: "والمذكور مفعولًا" بمعنى أن المذكور يدل على ذلك كما يفيده قول السعد مع حذف حال مأخوذة من الفعل الآخر.

والظاهر أن السيد يوافقه على ذلك؛ لأنه لم يشر للرد عليه، كما هو دأبه عند مخالفته.

فاندفع قول بعضهم: إن في جعله المذكور مفعولًا للمحذوف نظرًا ظاهرًا؛ لأن الفعل والجملة لا يقع واحد منهما مفعولًا لغير القول والفعل المعلق.

فالصواب كون جملة: "أحمد" حالًا من فاعل: أنهى، والمعنى أنهى حمده إليك حال كوني حامدًا له، ويرد عليه أنه إن أراد أن جملة: "أحمد"
حال في التركيب ففاسد أوفى المعنى، فالذي وقع فيه حالًا إنما هو اسم الفاعل المحذوف بدلالة الفعل المذكور عليه، كما يشهد به قوله حال كوني حامدًا، وقد ذكر السعد أن هذا التركيب مما حذف فيه الحال، والظاهر أن السيد لم يقصد الرد عليه، وإنما أراد بيان وجه آخر، ليفيد أن ذلك أمر اعتباري لا ينحصر فيما قاله السعد.

ومن العجيب أن بعضهم بعد ذكر كلام السعد والسيد قال: إنه لا ينحصر فيما قال السيد بل له طرق أخرى منها: أن يكون مفعولًا، كما في قولهم: أحمد إليك الله، أي: أنهى حمده إليك.

ومن العجب أيضًا قوله في الجواب عن كلام البعض المتقدم، إن هذا من السبك بلا سابك كباب التسوية؛ وأنت قد عرفت أن هذا حذف كما نص عليه السعد لا سبك.

هذا، وقد اتفق هذان المحققان السعد والسيد، على أن في "أحمد إليك زيدًا" تضمينًا.

ووقع للمولى أبي السعود في أول تفسيره الفرق بين الحمد والمدح، بأن الحمد يشعر بتوجيه النعت بالجميل إلى المنعوت بخلاف المدح، وأنه يرشد إلى ذلك اختلافهما في كيفية التعلق بالمفعول في حمدته ومدحته، فإن تعلق الثاني تعلق عامة الأفعال بمفعولاتها، والأول مبني على معنى الإنهاء كما في قولك كلمته، فإنه معرب عما تفيده لام التبليغ في قولك: قلت له.

ولا يخفى أن هذا مخالف لكلام القوم، ولا يثبت بشهادة من معقول أو منقول.

فمن العجائب نقل شيخنا الدنوشري له في رسالة التضمين، وقوله: وهو كلام حسن ربما يؤخذ منه أن الإنهاء من مفهوم الحمد، فتعلق إلى به بالنظر لذلك، فلا حاجة إلى اإدعاء التضمين فيه، فليتأمل ذلك. ا. هـ.

فإن أراد بكونه حسنًا حسن تراكيبه، فلا شك في ذلك، وإن أراد حسنه من جهة المعنى فلم يظهر، فإنه وإن أطال الكلام كما يعلم بالوقوف عليه، لم يأت فيه ببيان المرام.
 على كونه مرادًا في الجملة؛ إذ لولاها لم يكن مرادًا أصلًا، بل إن الصلة لا يلزم أن تكون للمتروك كما دل عليه كلام البيضاوي في تفسير: {إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً} ، فإنه فسر "انتبذت" باعتزلت، وذكر أنه متضمن معنى: أتت، و"مكانًا" ظرف أو مفعول، ولا شك أن قوله: "من أهلها"، حينئذ متعلق "بانتبذت" الذي بمعنى: اعتزلت، لا بأتت.

ومما يتفطن له أن المراد بالصلة ما له دلالة على التضمين؛ لارتباطه بالمحذوف الذي في ضمن المذكور، فيشمل ما إذا ضمن اللازم معنى المتعدي، فإن التعدية حينئذ قرينة التضمين لا ذكر الصلة.

وأما إذا ضمن فعل متعد لواحد معنى متعد لاثنين وبالعكس، كتضمن العلم معنى القسم كما مر، فإن القرينة إنما هو الجواب.

الثاني: هل الخلاف في كون التضمين سماعيًا أو قياسيًا، مبني على الخلاف في أنه حقيقة أو مجاز إلى غير ذلك مما فيه من المذاهب؟ وهل ذلك في المجاز مبني على كون المجاز سماعيًا أو لا؟

والذي يخطر بالبال أنه على القول بأنه حقيقة لا تتوقف على سماع، واشتراط المناسبة بين اللفظين لا يقتضي ذلك كما لا يخفي، وأنه يلزم من كون مطلق المجاز قياسيًا قياسية هذا المجاز الخاص، خلافًا لبعضهم.

قال في التلويح: المعتبر في المجاز وجود العلاقة المعلوم اعتبار نوعها في استعمال العرب، فلا يتشرط اعتبارها بشخصها، حتى يلزم في آحاد المجاز أن ينقل بأعيانها عن أهل اللغة، وذلك لإجماعهم على اختراع الاستعارات العربية البديعة التي لم تسمع بأعيانها من أهل اللغة، وهي من طرق البلاغة وشعبها التي بها ترتفع طبقة الكلام، فلو لم يصح لما كان كذلك، ولهذا لم يدونوا المجاز تدوينهم الحقائق، وتمسك المخالف بأنه لو جاز التجوز بمجرد وجود العلاقة لجاز: "نخلة" لطويل، غير إنسان، للمشابهة، و"شبكة" للصيد، للمجاورة، و"أب"، لابن، للسببية، واللازم باطل اتفاقًا.

وأجيب بمنع الملازمة، فإن العلاقة مقتضية للصحة، والتخلف عن المقتضي ليس بقادح، لجواز أن يكون لمانع مخصوص، فإن عدم المانع ليس جزءًا من المقتضى.

وذهب المصنف رحمه الله إلى أنه لم يجز نحو "نخلة" لطويل غير إنسان، لانتفاء شرط الاستعارة، وهو المشابهة في أخص الأوصاف، أي: فيما له مزيد اختصاص بالمشبه به، كالشجاعة للأسد.

فإن قيل: الطول للنخلة كذلك، قلنا: لعل الجامع ليس مجرد الطول، بل مع فروع وأغصان في أعاليها، وطراوة وتمايل فيها.
ولا شك أن على القول بأن التضمين مجاز، فهو لغوي علاقته تدور على المناسبة، وهي مع أنها ليست مما نصوا عليه في العلاقات أمر مشترك بين أفراده، لكن الذكي يرجعها في كل موضع إلى ما يليق به، مما هو من العلاقات المعتبرة، وبذلك يمتاز بعض الأفراد عن بعض آخر، والتخلف في بعض الأفراد إن فرض لا يضر، كما علمت.

هكذا ينبغي أن يحقق المقام، وقل من حققه مع إطالته الكلام.

فتمم الكلام على بقية الأقوال، تقدم ثلاثة.

والرابع: وهو الذي ارتضاه السيد، أن اللفظ مستعمل في معناه الأصلي، فيكون هو المقصود أصالة، لكن قصد بتبعيته معنى آخر يناسبه من غير أن يستعمل فيه ذلك اللفظ ويقدر له لفظ آخر، فلا يكون من الكناية ولا الإضمار، بل من الحقيقة التي قصد منها معنى آخر يناسبها ويتبعها في الإرادة، وحينئذ يكون واضحًا بلا تكلف.

وهذه مبني على أن اللفظ يدل على المعنى، ولا يكون حقيقة، ولا مجازًا، ولا كناية، والسيد جوزه ومثله بمستتبعات التراكيب، وذلك أن الكلام قد يستفاد من عرضه معنى ليس دالًا عليه بأحد الوجوه الثلاثة المذكورة، كما يفيد قولك: "آذيتني فستعرف" التهديد، "وإن زيدًا قائم" إنكار المخاطب.

و"السعد" وغيره جعلوا ذلك كناية.

والمراد من التبعية في قوله: "لكن قصد بتبعيته" التبعية في اللفظ، كما يصرح به قوله في حواشي المطول في بحث الاستعارة عند الكلام في قوله:

"أسد علي وفي الحروب نعامة" لا ينافي تعلق الجار به إذا لوحظ مع ذلك المعنى ما هو لازم له، ومفهوم منه؛ من الجراءة والصولة.

والفرق بين هذا الوجه والتضمين، أن في التضمين لا بد أن يكون المعنى المقصود من اللفظ تبعًا مقصودًا في المقام أصالة، وبه يفارق التضمين الكناية، وفي هذا الوجه لا يكون المعنى الملحوظ تبعًا مقصدًا في المقام أصلًا، كيف والمقام مقام التشبيه بالأسد على وجه المبالغة، وذلك يغني عن القصد إلى وصف الجراءة، والصولة مرة أخرى.
 المعنيين، نافي الكناية؛ لأن المشروط فيها جواز إرادته.

أجيب: بأن المراد بالجواز الإمكان العام المقيد بجانب الموجود، لإخراج المجاز، لا الجواز بمعنى الإمكان الخاص؛ لظهور أن عدم إرادة الموضوع له لا مدخل له في خروج المجاز، حتى لو وجب إرادته خرج أيضًا، وأورد بعضهم على قول السيد: إن التضمين يجب فيه القصد إلى المعنيين، أنه ممنوع، وادعى أنه وارد على طريق الكناية، قال: ألا ترى أن معنى الإيمان جعلته في الأمان، وبعد معناه الحقيقي، فلا دلالة له على الفعل الآخر، وإن كان في معنى الفعل الآخر، فلا دلالة على المعنى الحقيقي، وإن كان فيهما لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، ولا يمكن أن يقال ههنا ما يقال في الجمع بين المعنيين في صورة التغليب؛ لأن كلا من المعنيين ههنا مراد بخصوصه. ا. هـ، المقصود منه.

ولا يخفى أنه لم يظهر الدفاع الجمع بين الحقيقة والمجاز في التضمين، لما كما ذكر السعد.

وقال السيد: "ذهب بعضهم إلى أن اللفظ مستعمل في معناه الحقيقي، فقط، والمعنى الآخر مراد بلفظ محذوف يدل عليه ما هو من متعلقاته"، وفيما مثل به جعل المحذوف أصلًا، والمذكور مفعلًا و"كأحمد إليك فلانًا"، أي: أنهى إليك حمده، بمعنى أن المذكور يدل على ذلك كما يدل على الحال، وقد أراد السيد بيان وجه آخر، ليفيد أن ذلك أمر اعتباري لا ينحصر فيما قاله السعد.

قال الشيخ سعد الدين التفتازاني في حاشية الكشاف: فإن قيل: الفعل المذكور إن كان مستعملًا في معناه الحقيقي فلا دلالة على الفعل الآخر، وإن كان في معنى الفعل الآخر فلا دلالة على معناه الحقيقي، وإن كان فيهما جميعًا لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز.

قلنا: هو في معناه الحقيقي مع حذف حال مأخوذة من الفعل الآخر بمعونة القرينة اللفظية؛ فمعنى يقلب كفيه على كذا: نادمًا على كذا، ولا بد من اعتبار الحال، وإلا كان مجازًا لا تضمينًا، وكذا قوله: "يؤمنون بالغيب" تقديره: معترفين بالغيب. ا. هـ.

وقال ابن يعيش: الظرف منتصب على تقدير "في"، وليس متضمنًا معناها حتى يجب بناؤه لذلك، كما وجب بناء نحو: "من وكم " في الاستفهام، وإنما "في" محذوفة من اللفظ لضرب من التخفيف، فهي في حكم المنطوق به، ألا ترى أنه يجوز ظهور "في" معه، نحو قمت اليوم وقمت في اليوم، ولا يجوز ظهور الهمزة من "من وكم" في الاستفهام، فلا يقال: أمن؟ ولا أكم؟ وذلك من قبل أن "من وكم" لما تضمنا معنى الهمزة صارًا كالمشتملين عليها، فظهور الهمزة حينئذ كالتكرار، وليس كذلك الظرف، فإن الظرفية فيه مفهومة من تقدير "في"، ولذلك يصح ظهورها.

ثم ذكر أن ابن جني قال في التضمين: "ووجدت في اللغة من هذا الفن شيئًا كثيرًا لا يكاد يحاط به، ولعله لو جمع أكثره لا جميعه لجاء كتابًا ضخمًا، وقد عرفت طريقه، فإذا مر بك شيء منه فتقبله وأنس به، فإنه فصل من العربية لطيف حسن".

وقال ابن هشام في تذكرته: زعم قوم من المتأخرين منهم خطاب الماردي أنه قد يجوز تضمين الفعل المتعدي لواحد معنى: "صير" ويكون من باب: "ظن"، فأجاز: حفرت وسط الدار بئرًا؛ أي: صيرت، قال: وليس "بئرًا" تمييزًا، إذ لا يصلح لمن، وكذا أجاز: بنيت الدار مسجدًا، وقطعت الثوب قميصًا. وقطعت الجلد نعلًا، وصبغت الثوب أبيض إلخ. . .

قال: والحق أن التضمين لا ينقاس، وقال ابن هشام في المغني: قد يشربون لفظًا معنى لفظ فيعطونه حكمه، ويسمى ذلك: تضمينًا، وفائدته أن تؤدي كلمة مؤدى كلمتين، ثم ذكر لذلك عدة أمثلة منها قوله تعالى: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} ضمن معنى تحرموه، فعدي إلى اثنين لا إلى واحد، ومنها: {وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ} ضمن معنى: تنووه، فعدي بنفسه لا بعلى، وقوله: {لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى} ضمن معنى "يصغون"، فعدي بإلى، وأصله أن 
يتعدى بنفسه، ومثل: سمع الله لمن حمده، ضمن معنى: استجاب، فعدي باللام، ومثل: "والله يعلم المفسد من المصلح"، ضمن معنى: يميز، فجيء بمن.

وذكر ابن هشام في موضع آخر: من المغني: أن التضمين لا ينقاس، وكذا ذكر أبو حيان، ثم قال السيوطي:

"قاعدة": المتضمن معنى شيء لا يلزم أن يجري مجراه في كل شيء، ومن ثم جاز دخول الفاء في خبر المبتدأ المتضمن معنى الشرط، نحو الذي يأتيني فله درهم. وكل رجل يأتيني فله درهم، وامتنع في الاختيار جزمه عند البصريين، ولم يجيزوا: الذي يأتيني أحسن إليه، أو: كل من يأتيني أحسن إليه، بالجزم، إلا في الضرورة، وأجار الكوفيون جزمه في الكلام تشبيهًا بجواب الشرط، ووافقهم ابن مالك، قال أبو حبان: ولم يسمع من كلام العرب الجزم في ذلك إلا في الشعر. ا. هـ.

قال ابن هشام في المغني: وهو كثير، قال أبو الفتح في كتاب التمام: أحسب لو جمع ما جاء منه، لجاء منه كتاب يكون مئين أوراقًا. ا. هـ.

قال الدسوقي: قوله: وهو أي التضمين كثير، وقوله: قال أبو الفتح: دليل لقوله وهو كثير، "قوله: قال أبو الفتح إلخ"، هذا ربما يؤيد القول بأن التضمين قياسي، وقيل: البياني فقط، وظاهر أنه ليس كل حذف مقيسًا، وكذا المجاز إذا ترتب عليه حكم زائد. ا. هـ.

وقال ابن هشام في أوائل الباب الخامس من المغني: وفائدة التضمين أن يدل بكلمة واحدة على معنى كلمتين، يدلك على ذلك أسماء الشروط والاستفهام.

قال الأمير: قوله: "على معنى كلمتين" ظاهره الجمع بين الحقيقة والمجاز، وسبق الخلاف في ذلك، قال ابن جني: لو جمعت تضمينات العرب ملأت مجلدات، فظاهره القول بأنه قياسي، قوله: أسماء الشروط مثلًا "من" معناها العاقل، وتدل مع ذلك على معنى إن، والهمزة. ا. هـ.

وقال ابن هشام في معاني الباء من المغني: "الثالث عشر" الغاية، نحو: "وقد أحسن بي"، أي: إلي، وقيل: ضمن أحسن معنى: لطف. ا. هـ.

قال الأمير: ظاهره كقولهم: التضمين إشراب الكلمة معنى آخر، وأنه مجاز، أو حقيقة ملوحة، أو جمع بينهما؛ يقتضي مغايرة المعنيين، ولا يظهر في الإنسان واللطف، فالأولى أن التضمين إلحاق كلمة بأخرى لاتحاد المعنى أو تناسبه، ويأتي الكلام فيه، وهل هو قياسي أو البياني؛ لأنه مجرد حذف لدليل إن قلنا بمغايرته للنحوي. ا. هـ.

وقال الملوي على السلم: "وذللت فيه صعاب المشكلات على طرف الثمام".

فقال: الصبان: "الثمام" بضم المثلثة: نبت ضعيف يشد به فرج السقوف، والجار والمجرور متعلق بفعل محذوف: أي: ووضعتها، فهو من باب حذف الواو مع ما عطفته لعدم اللبس، أو: "بذللت"، على تضمينه معنى "وضعت" تضمينًا نحويًا، وقد نقل أبو حيان في ارتشافه عن الأكثرين أن ينقاس، فهو في باب الجمع بين الحقيقة والمجاز.

أو بحار محذوفة من فاعل ذللت، أي: واضعًا لها، أو من مفعوله: أي: موضوعة، فعلى هذين التضمين بياني، وهو مقيس. ا. هـ.

وقال الصبان على الأشموني: إن التضمين النحوي إشراب كلمة معنى أخرى، بحيث تؤدي المعنيين، والتضمين البياني تقدير حال تناسب الحرف، وتمنع كون التضمين النحوي ظاهرًا عن البياني، للخلاف في كون النحوي قياسيًا: وإن كان الأكثرون على أنه قياسي، كما في ارتشاف أبي حيان دون البياني فاعرفه. ا. هـ، أي: فلا خلاف في كونه قياسيًا، كما أشار إليه قبل بقوله: "وهو مقيس".

وقال صاحب التصريح في آخر الكلام في المفعول معه: "واختلف في التضمين: أهو قياسي أم سماعي، والأكثرون على أنه قياسي، وضابطه أن يكون الأول والثاني يجتمعان في معنى عام، قاله المرادي في تلخيصه. ا. هـ"، وكلامه في النحوي، وقال ياسين على القطر في أن "التضمين إشراب لفظ معنى لفظ آخر" هو أحد أقوال خمسة في التضمين، والمختار منها عند المحققين أن اللفظ مستعمل في معناه الحقيقي، مع حذف حال مأخوذ من اللفظ الآخر، بمعونة القرينة اللفظة، فمعنى "يقلب كفية على كذا": أي: نادمًا على كذا، وقد يعكس كما في: {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} ، أي: يعترفون به مؤمنين، وبهذا يتوقع أن اللفظ المذكور إن كان في معناه الحقيقي فلا دلالة على الآخر، وإن كان في معنى الآخر فلا دلالة على المعنى الحقيقي، وإن كان فيهما لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز.

لقد ذكرنا طائفة من أقوال العلماء في التضمين، وذكرنا القول بأنه سماعي، والقول بأنه قياسي، ورأيناه قوة في القول بأنه قياسي، ونقلنا فيما تقدم أن التضمين ركن من أركان البيان، فإن ذهبنا إلى القول بأنه قياسي، قلنا: إنما يستعمله العارف بدقائق العربية وأسرارها على نحو ما ورد، وإنك لتجد كثيرًا في عبارات المؤلفين فيها التضمين، فمن ذلك عبارة الملوي السابقة، ومن ذلك قول ابن مالك "وأستعين الله في ألفية"، فقد جوز الأشموني أنه ضمن أستعين معنى: أستخير، ونحوه مما يتعدى بفي.

ذكرنا القول بأن التضمين سماعي، ومعناه أن يحفظ ولا يقاس عليه، وذكرنا قول القائلين: إن التضمين النحوي قياسي عند الأكثرين، وأن التضمين البياني قياسي بإجماع النحويين، وقد ذكر ابن جني في الخصائص أنه لو نقل ما جمع من التضمين عن العرب لبلغ مئين أوراقًا.

والتضمين مبحث ذو شأن في اللغة العربية، وللعلماء في تخريجه طرق مختلفة فقال بعضهم: إنه حقيقة، قال بعضهم: إنه مجاز، وقال آخرون: إنه كناية، وقال بعضهم: إنه جمع بين الحقيقة والمجاز على طريقة الأصوليين؛ لأن العلاقة عندهم لا يشترط فيها أن تمنع من إرادة المعنى الأصلي ...

فإذا قررنا التضمين قياسي، فقد جرينا على قول له قوة، وإذا قلنا: إنه سماعي، فقد يعترض علينا من يقول: إن علماء اللغة من يرى أنه قياسي، فلماذا تضيقون على الناس، وما جئتم إلا لتسهلوا اللغة عليهم؟

فنحن نثبت القولين بالقياس وبالسماع، ولكنا نرجع قياسيته، والقول بجواز استعماله للعارفين بدقائق العربية وأسرارها، ولا يصح أن نحظره عليهم؛ لأنه داخل في الحقيقة، أو المجاز، أو: الكناية، والبلغاء يستعملونه في كلامهم بلا حرج، فكيف نسد باب التضمين في اللغة، وهو يرجع إلى أصول ثابتة فيها؟.

وأقول بعد هذا: لا بد من قيود نضبط بها استعمال التضمين، وقد رأى بعض الزملاء أن يقصر التضمين على الشعر، وفي هذا قصر للحقيقة، أو للمجاز، أو للكناية؛ وهي الأصول التي يخرج عليها التضمين على فن من الكلام دون آخر، وهذه الأمور الثلاثة تقع في الشعر والنثر بلا قيد ولا شرط.

على أن الشعر من أكثر فنون القول ذيوعًا، والناس يحفظون الشعر ويجرون على أساليبه في الكتابة والخطابة، فإن أجزنا التضمين في الشعر وحده، وقعنا في الأمر الذي نفر منه، ونحن هنا نقرر الحقائق العلمية، ونرجع منها ما يستحق الترجيح تحقيقًا لأغراضنا.
انتهى البحث.

حضرة رئيس الجلسة: يتفضل الأستاذ الشيخ محمد الخضر حسين بتلاوة بحثه في التضمين.

حضر العضو المحترم الأستاذ الخضر حسين: للتضمين غرض هو الإيجاز. وللتضمين قرينة، هي تعدي الفعل بالحرف وهو يتعدى بنفسه، أو تعديته بنفسه وهو يتعدي بالحرف، وللتضمين شرط هو وجود مناسبة بين الفعلين, وكثرة وروده في الكلام المنثور والمظلوم تدل على أنه أصبح من الطرق المفتوحة في وجه كل ناطق بالعربية، متى حافظ على شرطه؛ وهو؛ مراعاة المناسبة.

فإذا لم توجد بين الفعلين العلاقة المعتبرة في صحة المجاز كان التضمين باطلًا. فإذا وجدت العلاقة بين الفعلين ولم يلاحظها المتكلم، بل استعمل فعل: "أذاع" مثلًا متعديًا بحرف الباء على ظن أنه يتعدى بهذا الحرف لم يكن كلامه من قبيل التضمين، بل كان كلامه غير صحيح عربية.

فالكلام الذي يشتمل على فعل عدي بحرف وهو يتعدى بنفسه، أو عدي بحرف وهو يتعدى بغيره، يأتي على وجهين:
الوجه الأول: ألا يكون هناك فعل يناسب الفعل المنطوق به، حتى تخرج الجملة على طريقة التضمين، ومثل هذا نصفه بالخطأ، والخروج عن العربية، ولو صدر من العارف بفنون البيان.

الوجه الثاني: أن يكون هناك فعل يصح أن يقصد المتكلم لمعناه مع معنى الفعل الملفوظ، وبه يستقيم النظم، وهذا إن صدر ممن شأنه العلم بوضع الألفاظ العربية، ومعرفة طرق استعمالها حمل على وجه التضمين الصحيح، كما قال سعد الدين التفتازاني: "فشمرت عن ساق الجد إلى اقتناء ذخائر العلوم"، والتشمير لا يتعدى بإلى، فيحمل على أنه قد ضمن شمر معنى: "الميل" الذي هو سبب التشمير عن ساق الجد.

فإن صدر مثل هذا من عامي أو شبيه بعامي١، أي: ممن يدلك حالة على أنه لم يبين كلامه على مراعاة فعل آخر مناسب للفعل الملفوظ، كان لك أن تحكم عليه بالخطأ، فلا جناح عليك أن تحكم على قول العامة مثلًا أرجو الله قضاء حاجتي، باللحن والخروج عن قانون اللغة الفصحى؛ لأن فعل الرجاء لا يتعدى إلى مفعولين، وليس لك أن تخرجه على باب التضمين، كأن تجعل "أرجو" مشربًا معنى "أسأل" بناء على أن بين الرجاء، والسؤال علاقة السببية والمسببة، فإن هذا الوجه لم ينظر إليه أولئك الذين استعملوا فعل "أرجو" متعديًا إلى المفعولين.

ومن هنا نعلم أن من يخطئ العامة في أفعال متعدية بنفسها، وهم يعدونها بالحروف، مصيب في تخطئته، إذا لم يقصدوا لإشراف هذه الأفعال معاني أخرى تناسبها، حتى يخرج كلامهم على باب التضمين.

وليس معنى هذا أن التضمين سائغ للعارف بطرق البيان دون غيره، وإنما أريد أن العارف بوجوه استعمال الألفاظ، لا نبادر إلى تخطئته، متى وجدنا لكلامه مخرجًا من التضمين الصحيح، أما غيره كالتلاميذ، ومن يتعاطى الكتابة من غير أن يستوفي وسائلها، فإن قام الشاهد على أنه نحا نحو التضمين، كما إذا اعترضت عليه في استعمال الفعل المتعدي بنفسه متعديًا بحرف، فأجاب بأنه قصد التضمين وبين الوجه، فوجدته قد أصاب الرمية؛ فقد اعتصم منك بهذا الجواب المقبول، ولم يبق لاعتراضك عليه من سبيل.

وإن قام شاهد على أن المتكلم لم يقصد التضمين، وإنما تكلم على جهالة بوجه استعمال الفعل، كان قضاؤك عليه بالخطأ قضاء لا مراد له، فمصحح ما يكتبه التلاميذ ونحوهم، يجب عليه أن يرد الأفعال إلى أصولها، ولا يتخذ من التضمين وجهًا لترك العبارة بحالها، والكاتب لا يعرف هذا الوجه، أو لم يلاحظه عند الاستعمال١.

فللتضمين صلة بقواعد الإعراب من جهة تعدي الفعل بنفسه أو تعديه بالحرف, وصلة بعلم البيان من جهة التصريف في معنى الفعل، وعدم الوقوف به عند حد ما وضع له، ومن هذه الناحية لم يكن كبقية قواعد علم النحو، قد يستوي في العمل بها خاصة الناس وعامتهم.

حضرة العضو المحترم الأستاذ الشيخ أحمد علي الإسكندري: رجعت إلى أقوال العلماء بعد المناقشة التي دارت أمس، فوجدت أن القائلين بسماعية التضمين إنما يخشون أن يحدث في اللغة فساد واضطراب في معاني الأفعال إذا أباحوه للناس، مع أنهم يسلمون أن ما ورد من التضمين كثير يجمع في مئين أوراقًا.

وقد شرط القائلون بقياسية التضمين شرطين وهما:
١- وجود المناسبة.
٢- وجود القرينة.

ثم تأملت في وظيفة علوم البلاغة وخاصة علم المعاني، فوجدت أن موضوعه إن هو إلا بيان الذوق المعبر عنه عندهم "بمقتضى الحال"، وكذلك رأيت الشرطين اللذين اشترطهما العلماء قديمًا للتضمين غير كافيين، فرأيت أن نضيف إليهما قيدًا ثالثًا، هو "موافقة العبارة التي فيها التضمين للذوق العربي"، وذلك ما تنشده علوم البلاغة.

قلت: هل للذوق حد؟ ففطنت إلى وجوب تقييد الذوق بالبلاغي، وهو الذي وضعت علوم البلاغة العربية لتحديد ضوابطه.

وبعد ذلك رأيت أن ألخص مناقشات اللجنة والمجمع ومذكرتي التي قدمتها في القرار الآتي:

"التضمين: أن يؤدي فعل أو ما في معناه في التعبير، مؤدى فعل آخر أو ما في معناه، فيعطي حكمه في التعدية واللزوم، ومجمع اللغة العربية يرى أنه قياسي لا سماعي بشروط ثلاثة.

الأول: تحقق المناسبة بين الفعلين.
الثاني: وجود قرينة تدل على ملاحظة الفعل الآخر، ويؤمن معها اللبس.
الثالث: ملاءمة التضمين للذوق البلاغي العربي".

حضرة العضو المحترم الشيخ حسين والي: التضمين سواء أخرج على الحقيقة أم على المجاز أم على الجمع بين الحقيقة والمجاز، لا يستعمله إلا البلغاء العارفون بأسرار اللغة، وإذا لا يستعمله العامة إلا إذا جارينا من يقول: إن العامة لا يزال عندهم بقية من الذوق العربي والبلاغة.

وأرى أن نأخذ الرأي أولًا على أن التضمين قياسي، ثم نأخذ الرأي على الشروط التي نشترطها لإباحته.

حضرة العضو المحترم الدكتور منصور فهمي: أريد أن أعرف ما فائدة "التضمين" الذي نبحث فيه هذا البحث الطويل، إن كل ما فهمته من كلام فضيلة الشيخ محمد الخضر حسين أن فائدته الإيجاز، أي: أن تؤدي الكلمة معنى كلمتين، وفي اللائحة التي وضعناها نص يوجهنا إلى العمل لتيسير اللغة على الناس، والذي يريد أن ييسر اللغة على الناس لا يكلفهم العمل الشاق الطويل لمعرفة كلمات تؤدي الواحدة منها معنى كلمتين، ولعل هذه الكلمات لا تزيد على مائتي كلمة، فلا أجد الفائدة كبيرة بتقسيم الناس إلى خاصة وعامة، وطفل وبالغ، وبليغ له ذوق العرب البلاغي، وآخر ليس له هذا الذوق؛ لأنه لم يدرس العربية العلوم التي تفيد الذوق على رأي الأستاذ الإسكندري، قالوا: إن القانون الرياضي، والقانون الطبيعي أولى القوانين بالاحترام؛ لأنه لا يتخلف، والعلوم المختلفة الآن نتيجة اتجاه الرياضيات والطبيعيات، فيحاول أصحابها أن يجعلوا قوانينها كقوانين الرياضيات في الدقة، والضبط وعدم الاستثناء.

وأريد أن نرقى باللغة العربية إلى مضاف العلوم ذات القوانين الثابتة التي يقل فيها الشذوذ والاستثناء.

الغرض من علمنا المحافظة على اللغة وتيسيرها، فهل تتحكم في "تطور" اللغة وذوقها من أجل مئتي كلمة لطبقة خاصة، هذا عمل على ما أرى ليس من خدمة اللغة التي نسعى لخدمتها، نحن الآن نقرر الواقع الذي تقرر منذ أزمان طويلة، فنقول: إن التضمين قياسي أو سماعي، وكنت أظن أن المجمع يدرس الواقع، ويسموا فوقه، فيقرر ما من شأنه أن يحقق حاجات الرقي الحاضر.

قد يكون المثل الأعلى للبلاغة العربية ما يراه بعض الأعضاء في علوم البلاغة وبعض نماذج معروفة، والذي يخيل إلي أن التقدم لا ينبغي أن يقيد بمثل أعلى واحد، فإذا كان تقدم اللغة ينتهي عند معرفة ما قررته علوم البلاغة، فليس هذا عندي تقدمًا، واللغة تتطور مع العصور، وكل هذا يبيح لي ألا ألتزم أمرًا إلا بمقدار، وأرى أن هذا القرار لا يوصلني إلى غايتي.

كل اللغات "تتطور"، فلماذا نريد أن نقف بلغتنا؟ ولو أن كاتب فرنسيًا أو إيطاليًا اليوم أراد أن يرجع إلى أساليب القرن الخامس عشر مثلًا، تشبهًا بكاتب قديم، لقيل: إنه متحذلق، ونحن كأولئك، فلماذا نتعمل ونجهد أنفسنا ونقول بالتضمين؟

والذي أراه أن نقر الماضي على أنه تاريخ، وتتقدم نحو خطوة أخرى، فتقرر أشياء جديدة لا تنافي تاريخ اللغة، وهي مع ذلك تفي بحاجات العصر الحاضر.

وأنا لا أزال على رأيي، فلا أقبل التضمين إلا إذا اضطرني إليه الشعر أو السجع؛ وفي غير ذلك تجري الأفعال في معانيها الأصلية.. الآيات القرآنية، وفي الشعر القديم والمخضرم والإسلامي، بشرط ألا يقع في التضمين لبس في التعبير، ولا إخلال بالمعنى".

حضرة العضو المحترم الشيخ أحمد على الإسكندري: كلام الأب المحترم يفيد قياسية التضمين، وشرط عدم اللبس هو ما ذكرناه، ونحن ما اخترنا البحث في التضمين إلا لنسهل على الناس الكتابة والكلام؛ لأنه إذا اتسع مجال القول، كان في ذلك رخصة وتيسير، وما قصدنا إلى هذا البحث إلا؛ لأن بعض المتحذلقين من النقاد يأخذون على بعض الشعراء، والكتاب مآخذ ترجع إلى تعدية الأفعال بحروف لا تتعدى بها، ويردون استدلالهم إلى المعاجم دون القواعد اللغوية والنحوية، فإذا قلنا بترجيح قياسية التضمين، فإنما نقصد بهذا توجيه مثل هؤلاء النقاد إلى أشياء غابت عنهم، ونيسر في الوقت ذاته على الكتاب والشعراء مجال القول والكتابة، فنزيد الثروة اللغوية بتعدد أساليب التعبير وصوره، وإني أقرر أن عمل المجمع لا يقف عند ذكر الآراء المختلفة ونصوص العلماء، وإنما يذكرها ليوازن بينها ويرجع رأيًا على رأي، إذا رأى أن في هذا الترجيح فائدة، والمجمع بقرار الجديد، متى كان موافقًا للذوق البلاغي والقواعد الصحيحة، ولا ينبغي أن يكون ذوق العامة حجة على أهل اللغة، وقياس لغتنا على اللغات الأوروبية قياس مع الفارق، وفائدة التضمين لا تقتصر على مائة كلمة أو مائتين، وإنما هو باب واسع يتعلق بجميع الأفعال في اللغة العربية، ولكننا لا نبيح التضمين على إطلاقه؛ لأن هذا يجر إلى الفوضى والفساد في اللغة، ولهذا نشترط له شروطًا خاصة.

حضر العضو المحترم الشيخ إبراهيم حمروش: إذا قلنا: إن التضمين قياسي، فقد وافقنا القدماء، وإذا قلنا: إنه سماعي فقد وافقناهم في ذلك أيضًا، أما إذا قلنا: إنه قياسي بشرط أنه يسيغه الذوق؛ فهذا تلفيق بين المذهبين، ونحن كمجمع، ينبغي ألا نرجع المسألة إلى الذوق؛ لأن ذلك رد إلى مجهول، فلا بد إذًا أن نضع ضوابط وأمثلة نقدمها للجمهور ليحتذيها.

حضرة العضو المحترم الأستاذ نلينو: استفدت كثيرًا من المناقشة في هذا الباب. وعلى الرغم من أني أستحسن قرار الإسكندري بقيوده التي وضعها، فإني أرى أن فتح باب التضمين في عصرنا يجر إلى كثير من الخطأ؛ لأننا لا نستطيع أن نميز الخاصة من العامة.

حضرة العضو المحترم الأستاذ عيسى إسكندر المعلوف: "قدم اقتراحًا مكتوبًا طلب فيه أن توضع أمثلة للتضمين ليحتذيها الناس".

حضرة العضو المحترم الشيخ حسين والي: قال بعض حضرات الأعضاء:
ما أتت به اللجنة من الكلام في التضمين معروف، والمجمع ألف لجنته للبحث في التضمين، وكتابة تقرير فيه، فبحثت اللجنة، وكتبت التقرير، وذكرت آراء العلماء؛ ووجدت أن القول بقياسيته أقوى من القول بسماعيته، ثم رفعت عملها إلى المجمع وهو صاحب الرأي فيه: فلا لوم علينا في نقل كلام القدماء.

أما ما قاله حضرة الدكتور منصور فهمي من أن فائدة التضمين الإيجاز، وهو فائدة يسيرة، فلا نقره عليه؛ لأن الإيجاز مقصد من مقاصد البلغاء: وأصل من أصول الأساليب اللغوية.

وأما القول بأن التضمين بفتح باب الخطأ والفساد في اللغة، فهذا صحيح، ولكن علاج هذا أن يتعلم الناس قواعد لغتهم التي تعصمهم من الوقوع في الخطأ، فكما أن إغفال الاشتقاق والتصريف يجر إلى الخطأ فيهما، كذلك يجر إهمال قواعد التضمين، وضوابطه إلى الخطأ في الأسلوب، فإذا ثابرنا على تعليم قواعد اللغة في المدارس مثلًا، انتشرت الأساليب الصحيحة وذاعت، وفتح باب التضمين يسهل اللغة على الناس، أما القول بسماعيته فهو التضييق والحجر. وإذا قلنا بهذا فربما جاء زمان يقول فيه الناس كان باب التضمين مفتوحًا بالقياس، فسده مجمع اللغة العربية، وأنه لا بد من سبب اضطره إلى هذا، فإذا قرأ الناس ما جاء في القرآن الكريم، والأحاديث النبوية من التضمين، توهموا أو ظنوا أن فيها شيئًا حمل المجمع على حظر التضمين على الناس.

وأما قول حضرة الدكتور منصور: إن فائدة التضمين محصورة في مائتي كلمة، فهذه مبالغة؛ لأننا على أي وجه خرجناه فقد خرجنا على ما هو قياسي: من حقيقة أو مجاز، أو كناية، وهذه أمور مقيسة لا تحصر.

والقول بقصره على الشعر والسجع مع أن شأنهما الشيوع يوقعنا فيما نريد الفرار منه.

واللجنة قد أدت عملها، وهو البحث في مسألة التضمين، وبقي الكلام في اتقاء الخطأ الذي يقع فيه العامة، فإذا رأى المجمع أن اتقاء ذلك يكون بقصر استعمال التضمين على العارفين باللغة ودقائقها، فإني أوافق عليه، وإذا رأى المجمع أن يرجئ بت الكلام في التضمين، فله ما يرى.

 تحدون الذوق البلاغي؟
حضرة العضو المحترم الشيخ أحمد علي الإسكندري: وضعت كلمة الذوق البلاغي العربي، اتقاء لحذلقة بعض الناس، مثل كتاب: "البرازيل" وغيرها ممن خرجوا على قواعد اللغة وأساليبها، حتى صار كلامهم يشبه الرطانة، فإذا جاءنا واحد من هؤلاء، وقال: إن هذا ذوقي الخاص، قلنا له: إنك تخالف الذوق العربي الذي لا يزال ثابتًا بحكم الفطرة والسليقة في البلاد العربية، والذي يجري عن قواعد اللغة والبلاغة ولا ينفر منها.

حضرة العضو المحترم الشيخ أحمد علي الإسكندري: أوافق على هذا، والأصل ألا تخرج عن الحقيقة إلا لنكتة بلاغية.

حضرة العضو المحترم الأستاذ أحمد العوامري "بك" أقترح أن يقال: "ويوصي المجمع ألا يلجأ إلى التضمين إلا لغرض بلاغي".
فوافق أكثر الأعضاء على هذا.
وأمر رئيس الجلسة أن يقرأ نص القرار النهائي، وهو:القرار:
"التضمين أن يؤدي فعل أو ما في معناه في التعبير مؤدى فعل آخر أو في معناه، فيعطى حكمه في التعدية واللزوم".

ومجمع اللغة العربية يرى أنه قياسي لا سماعي، بشروط ثلاثة:
الأول: تحقق المناسبة بين الفعلين.
الثاني: وجود قرينة تدل على ملاحظة الفعل الآخر، ويؤمن معها اللبس.
الثالث: ملاءمة التضمين للذوق العربي.
ويوصي المجمع ألا يلجأ إلى التضمين إلا لغرض بلاغي".
فوافق أكثر حضرات الأعضاء على هذا النص



قال السيوطي:التضمين وهو إعطاء الشيء معنى الشيء ويكون في الحروف والأفعال والأسماء

أما الحروف فتقدم في حروف الجر وغيرها.

وأما الأفعال فأن يضمن فعل معنى فعل آخر فيكون فيه معنى الفعلين معا وذلك بأن يأتي الفعل متعديا بحرف ليس من عادته التعدي به فيحتاج إلى تأويله أو تأويل الحرف ليصح التعدي به والأول تضمين الفعل والثاني تضمين الحرف

واختلفوا أيهما أولى فقال أهل اللغة وقوم من النحاة التوسع في الحرف وقال المحققون التوسع في الفعل لأنه في الأفعال أكثر مثاله {عينا يشرب بها عباد الله} فيشرب إنما يتعدى بمن فتعديته بالباء إما على تضمينه معنى "يروي" و "يلتذ" أو تضمين الباء معنى "من" نحو {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} فالرفث لا يتعدى بإلى إلا على تضمن معنى الإفضاء {فقل هل لك إلى أن تزكى}

والأصل "في أن" فضمن معنى "أدعوك"، {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده} عديت بعن لتضمنها معنى العفو والصفح

وأما في الأسماء فأن يضمن اسم معنى اسم لإفادة معنى الاسمين معا نحو {حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق} ضمن "حقيق" معنى "حريص"ليفيد أنه محقوق يقول الحق وحريص عليه، وإنما كان التضمين مجازا، لأن اللفظ لم يوضع للحقيقة والمجاز معا، فالجمع بينهما مجاز.


عباس حسن - "النحو الوافي"
الجلال السيوطي- الإتقان في علوم القرآن