التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير سورة البقرة، الآية: ١

تفسير قول الله تعالى: (الم). سورة البقرة، الآية: ١

التحرير والتنوير — ابن عاشور

سُورَةُ البَقَرَةِ

كَذا سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ سُورَةَ البَقَرَةِ في المَرْوِيِّ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ وما جَرى في كَلامِ السَّلَفِ، فَقَدْ ورَدَ في الصَّحِيحِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ «مَن قَرَأ الآيَتَيْنِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ كَفَتاهُ» وفِيهِ «عَنْ عائِشَةَ لَمّا نَزَلَتِ الآياتُ مِن آخِرِ البَقَرَةِ في الرِّبا قَرَأهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ قامَ فَحَرَّمَ التِّجارَةَ في الخَمْرِ» . ووَجْهُ تَسْمِيَتِها أنَّها ذُكِرَتْ فِيها قِصَّةُ البَقَرَةِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ بِذَبْحِها لِتَكُونَ آيَةً ووَصَفَ سُوءَ فَهْمِهِمْ لِذَلِكَ، وهي مِمّا انْفَرَدَتْ بِهِ هَذِهِ السُّورَةُ بِذِكْرِهِ، وعِنْدِي أنَّها أُضِيفَتْ إلى قِصَّةِ البَقَرَةِ تَمْيِيزًا لَها عَنِ السُّورِ ال، الم، مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ لِأنَّهم كانُوا رُبَّما جَعَلُوا تِلْكَ الحُرُوفَ المُقَطَّعَةَ أسْماءً لِلسُّوَرِ الواقِعَةِ هي فِيها وعَرَّفُوها بِها نَحْوَ: طه، ويس، وص، وفي الِاتِّفاقِ عَنِ المُسْتَدْرَكِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ «إنَّها سَنامُ القُرْآنِ»، وسَنامُ كُلِّ شَيْءٍ أعْلاهُ وهَذا لَيْسَ عَلَمًا لَها ولَكِنَّهُ وصْفُ تَشْرِيفٍ.

وكَذَلِكَ قَوْلُ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ إنَّها فُسْطاطُ القُرْآنِ والفُسْطاطُ ما يُحِيطُ بِالمَكانِ لِإحاطَتِها بِأحْكامٍ كَثِيرَةٍ.

نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ بِالمَدِينَةِ بِالِاتِّفاقِ وهي أوَّلُ ما نَزَلَ في المَدِينَةِ وحَكى ابْنُ حَجَرٍ في شَرْحِ البُخارِيِّ الِاتِّفاقَ عَلَيْهِ، وقِيلَ نَزَلَتْ سُورَةُ المُطَفِّفِينَ قَبْلَها بِناءً عَلى أنَّ سُورَةَ المُطَفِّفِينَ مَدَنِيَّةٌ، ولا شَكَّ أنَّ سُورَةَ البَقَرَةِ فِيها فَرْضُ الصِّيامِ، والصِّيامُ فُرِضَ في السَّنَةِ الأُولى مِنَ الهِجْرَةِ، فُرِضَ فِيها صَوْمُ عاشُوراءَ ثُمَّ فُرِضَ صِيامُ رَمَضانَ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ صامَ سَبْعَ رَمَضاناتٍ أوَّلُها رَمَضانُ مِنَ العامِ الثّانِي مِنَ الهِجْرَةِ. فَتَكُونُ سُورَةُ البَقَرَةِ نَزَلَتْ في السَّنَةِ الأُولى مِنَ الهِجْرَةِ في أواخِرِها أوْ في الثّانِيَةِ. وفي البُخارِيِّ «عَنْ عائِشَةَ ما نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ إلّا وأنا عِنْدَهُ تَعْنِي النَّبِيءَ» ﷺ - وكانَ بِناءُ رَسُولِ اللَّهِ عَلى عائِشَةَ في شَوّالٍ مِنَ السَّنَةِ الأُولى لِلْهِجْرَةِ. وقِيلَ في أوَّلِ السَّنَةِ الثّانِيَةِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْها أنَّها مَكَثَتْ عِنْدَهُ تِسْعَ سِنِينَ فَتُوُفِّيَ وهي بِنْتُ ثَمانِ عَشْرَةَ سَنَةً وبَنى بِها وهي بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ، إلّا أنَّ اشْتِمالَ سُورَةِ البَقَرَةِ عَلى أحْكامِ الحَجِّ والعُمْرَةِ وعَلى أحْكامِ القِتالِ مِنَ المُشْرِكِينَ في الشَّهْرِ الحَرامِ والبَلَدِ الحَرامِ يُنْبِئُ بِأنَّها اسْتَمَرَّ نُزُولُها إلى سَنَةِ خَمْسٍ وسَنَةِ سِتٍّ كَما سَنُبَيِّنُهُ عِنْدَ آيَةِ ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وقَدْ يَكُونُ مُمْتَدًّا إلى ما بَعْدَ سَنَةِ ثَمانٍ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] الآياتِ إلى قَوْلِهِ ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ [البقرة: ٢٠٣] عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ إنَّ قَوْلَهُ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] الآيَةَ هو آخِرُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ، وقَدْ بَيَّنّا في المُقَدِّمَةِ الثّامِنَةِ أنَّهُ قَدْ يَسْتَمِرُّ نُزُولُ السُّورَةِ فَتَنْزِلُ في أثْناءِ مُدَّةِ نُزُولِها سُوَرٌ أُخْرى.

وقَدْ عُدَّتْ سُورَةُ البَقَرَةِ السّابِعَةَ والثَّمانِينَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ المُطَفِّفِينَ وقَبْلَ آلِ عِمْرانَ.

وإذْ قَدْ كانَ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ في أوَّلِ عَهْدٍ بِإقامَةِ الجامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ واسْتِقْلالِ أهْلِ الإسْلامِ بِمَدِينَتِهِمْ كانَ مِن أوَّلِ أغْراضِ هَذِهِ السُّورَةِ تَصْفِيَةُ الجامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ مِن أنْ تَخْتَلِطَ بِعَناصِرَ مُفْسِدَةٍ لِما أقامَ اللَّهُ لَها مِنَ الصَّلاحِ سَعْيًا لِتَكْوِينِ المَدِينَةِ الفاضِلَةِ النَّقِيَّةِ مِن شَوائِبِ الدَّجَلِ والدَّخَلِ.

وإذْ كانَتْ أوَّلَ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَعْدَ الهِجْرَةِ فَقَدْ عُنِيَ بِها الأنْصارُ وأكَبُّوا عَلى حِفْظِها، يَدُلُّ لِذَلِكَ ما جاءَ في السِّيرَةِ أنَّهُ «لَمّا انْكَشَفَ المُسْلِمُونَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قالَ النَّبِيءُ ﷺ لِلْعَبّاسِ اصْرُخْ يا مَعْشَرَ الأنْصارِ يا أهْلَ السَّمُرَةِ يَعْنِي شَجَرَةَ البَيْعَةِ في الحُدَيْبِيَةِ يا أهْلَ سُورَةِ البَقَرَةِ فَقالَ الأنْصارُ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ أبْشِرْ» .

وفِي المُوَطَّأِ قالَ مالِكٌ إنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ مَكَثَ عَلى سُورَةِ البَقَرَةِ ثَمانِيَ سِنِينَ يَتَعَلَّمُها، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ: كانَ نَصْرانِيٌّ أسْلَمَ فَقَرَأ البَقَرَةَ وآلَ عِمْرانَ وكانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ ارْتَدَّ إلى آخِرِ القِصَّةِ.

وعَدَدُ آيِها مِائَتانِ وخَمْسٌ وثَمانُونَ آيَةً عِنْدَ أهْلِ العَدَدِ بِالمَدِينَةِ ومَكَّةَ والشّامِ، وسِتٌّ وثَمانُونَ عِنْدَ أهْلِ العَدَدِ بِالكُوفَةِ، وسَبْعٌ وثَمانُونَ عِنْدَ أهْلِ العَدَدِ بِالبَصْرَةِ.

* * *

هَذِهِ السُّورَةُ مُتَرامِيَةٌ أطْرافُها، وأسالِيبُها ذاتُ أفْنانٍ. قَدْ جَمَعَتْ مِن وشائِجِ أغْراضِ السُّوَرِ ما كانَ مِصْداقًا لِتَلْقِيبِها فُسْطاطَ القُرْآنِ. فَلا تَسْتَطِيعُ إحْصاءَ مُحْتَوَياتِها بِحُسْبانٍ، وعَلى النّاظِرِ أنْ يَتَرَقَّبَ تَفاصِيلَ مِنها فِيما يَأْتِي لَنا مِن تَفْسِيرِها، ولَكِنَّ هَذا لا يُحْجِمُ بِنا عَنِ التَّعَرُّضِ إلى لائِحاتٍ مِنها، وقَدْ حِيكَتْ بِنَسْجِ المُناسَباتِ والِاعْتِباراتِ البَلاغِيَّةِ مِن لُحْمَةٍ مُحْكَمَةٍ في نَظْمِ الكَلامِ، وسُدًى مَتِينٍ مِن فَصاحَةِ الكَلِماتِ.

ومُعْظَمُ أغْراضِها يَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يُثْبِتُ سُمُوَّ هَذا الدِّينِ عَلى ما سَبَقَهُ وعُلُوَّ هَدْيِهِ وأُصُولَ تَطْهِيرِهِ النُّفُوسَ، وقِسْمٌ يُبَيِّنُ شَرائِعَ هَذا الدِّينِ لِأتْباعِهِ وإصْلاحِ مُجْتَمَعِهِمْ.

وكانَ أُسْلُوبُها أحْسَنَ ما يَأْتِي عَلَيْهِ أُسْلُوبٌ جامِعٌ لِمَحاسِنِ الأسالِيبِ الخِطابِيَّةِ، وأسالِيبِ الكُتُبِ التَّشْرِيعِيَّةِ، وأسالِيبِ التَّذْكِيرِ والمَوْعِظَةِ، يَتَجَدَّدُ بِمِثْلِهِ نَشاطُ السّامِعِينَ بِتَفَنُّنِ الأفانِينِ، ويَحْضُرُ لَنا مِن أغْراضِها أنَّها ابْتُدِئَتْ بِالرَّمْزِ إلى تَحَدِّي العَرَبِ المُعانِدِينَ تَحَدِّيًا إجْمالِيًّا بِحُرُوفِ التَّهَجِّي المُفْتَتَحِ بِها رَمْزًا يَقْتَضِي اسْتِشْرافَهم لِما يَرِدُ بَعْدَهُ وانْتِظارَهم لِبَيانِ مَقْصِدِهِ، فَأعْقَبَ بِالتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ فَتَحَوَّلَ الرَّمْزُ إيماءً إلى بَعْضِ المَقْصُودِ مِن ذَلِكَ الرَّمْزِ لَهُ أشَدُّ وقْعٍ عَلى نُفُوسِهِمْ فَتَبْقى في انْتِظارِ ما يَتَعَقَّبُهُ مِن صَرِيحِ التَّعْجِيزِ الَّذِي سَيَأْتِي بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] الآياتِ. فَعَدَلَ بِهِمْ إلى ذاتِ جِهَةِ التَّنْوِيهِ بِفائِقِ صِدْقِ هَذا الكِتابِ وهَدْيِهِ، وتَخَلَّصَ إلى تَصْنِيفِ النّاسِ تُجاهَ تَلَقِّيهِمْ هَذا الكِتابِ وانْتِفاعِهِمْ بِهَدْيِهِ أصْنافًا أرْبَعَةً (وكانُوا قَبْلَ الهِجْرَةِ صِنْفَيْنِ) بِحَسَبِ اخْتِلافِ أحْوالِهِمْ في ذَلِكَ التَّلَقِّي.

وإذْ قَدْ كانَ أخَصُّ الأصْنافِ انْتِفاعًا بِهَدْيِهِ هُمُ المُؤْمِنِينَ بِالغَيْبِ المُقِيمِينَ الصَّلاةَ يَعْنِي المُسْلِمِينَ ابْتُدِئَ بِذِكْرِهِمْ، ولَمّا كانَ أشَدُّ الأصْنافِ عِنادًا وحِقْدًا صِنْفا المُشْرِكِينَ الصُّرَحاءِ والمُنافِقِينَ لُفَّ الفَرِيقانِ لَفًّا واحِدًا فَقُورِعُوا بِالحُجَجِ الدّامِغَةِ والبَراهِينِ السّاطِعَةِ، ثُمَّ خَصَّ بِالإطْنابِ صِنْفَ أهْلِ النِّفاقِ تَشْوِيهًا لِنِفاقِهِمْ وإعْلانًا لِدَخائِلِهِمْ ورَدِّ مَطاعِنِهِمْ، ثُمَّ كانَ خاتِمَةُ ما قُرِعَتْ بِهِ أُنُوفُهم صَرِيحَ التَّحَدِّي الَّذِي رَمَزَ إلَيْهِ بَدْءًا تَحَدِّيًا يُلْجِئُهم إلى الِاسْتِكانَةِ. ويُخْرِسُ ألْسِنَتَهم عَنِ التَّطاوُلِ والإبانَةِ، ويُلْقِي في قَراراتِ أنْفُسِهِمْ مَذَلَّةَ الهَزِيمَةِ وصِدْقَ الرَّسُولِ الَّذِي تَحَدّاهم، فَكانَ ذَلِكَ مِن رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ فاتَّسَعَ المَجالُ لِدَعْوَةِ المُنْصِفِينَ إلى عِبادَةِ الرَّبِّ الحَقِّ الَّذِي خَلَقَهم وخَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، وأنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِما في الأرْضِ جَمِيعًا.

وتَخَلَّصَ إلى صِفَةِ بَدْءِ خَلْقِ الإنْسانِ فَإنَّ في ذَلِكَ تَذْكِيرًا لَهم بِالخَلْقِ الأوَّلِ قَبْلَ أنْ تُوجَدَ أصْنامُهُمُ الَّتِي يَزْعُمُونَها مِن صالِحِي قَوْمِ نُوحٍ ومَن بَعْدَهم، ومِنَّةً عَلى النَّوْعِ بِتَفْضِيلِ أصْلِهِمْ عَلى مَخْلُوقاتِ هَذا العالَمِ، وبِمَزِيَّتِهِ بِعِلْمِ ما لَمْ يَعْلَمْهُ أهْلُ المَلَأِ الأعْلى وكَيْفَ نَشَأتْ عَداوَةُ الشَّيْطانِ لَهُ ولِنَسْلِهِ، لِتَهْيِئَةِ نُفُوسِ السّامِعِينَ لِاتِّهامِ شَهَواتِها ولِمُحاسَبَتِها عَلى دَعَواتِها.

فَهَذِهِ المِنَّةُ الَّتِي شَمِلَتْ كُلَّ الأصْنافِ الأرْبَعَةِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها كانَتْ مُناسِبَةً لِلتَّخَلُّصِ إلى مِنَّةٍ عُظْمى تَخُصُّ الفَرِيقَ الرّابِعَ وهم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ هم أشَدُّ النّاسِ مُقاوَمَةً لِهُدى القُرْآنِ، وأنْفَذُ الفِرَقِ قَوْلًا في عامَّةِ العَرَبِ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ يَوْمَئِذٍ هم أهْلُ العِلْمِ ومَظِنَّةُ اقْتِداءِ العامَّةِ لَهم مِن قَوْلِهِ ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: ٤٠] الآياتِ، فَأطْنَبَ في تَذْكِيرِهِمْ بِنِعَمِ اللَّهِ وأيّامِهِ لَهم، ووَصَفَ ما لاقَوْا بِهِ نِعَمَهُ الجَمَّةَ مِنَ الِانْحِرافِ عَنِ الصِّراطِ السَّوِيِّ انْحِرافًا بَلَغَ بِهِمْ حَدَّ الكُفْرِ وذَلِكَ جامِعٌ لِخُلاصَةِ تَكْوِينِ أُمَّةِ إسْرائِيلَ وجامِعَتُهم في عَهْدِ مُوسى، ثُمَّ ما كانَ مِن أهَمِّ أحْداثِهِمْ مَعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ قَفَوْا مُوسى إلى أنْ تَلَقَّوْا دَعْوَةَ الإسْلامِ بِالحَسَدِ والعَداوَةِ حَتّى عَلى المَلَكِ جِبْرِيلَ، وبَيانِ أخْطائِهِمْ، لِأنَّ ذَلِكَ يُلْقِي في النُّفُوسِ شَكًّا في تَأهُّلِهِمْ لِلِاقْتِداءِ بِهِمْ. وذَكَرَ مِن ذَلِكَ نَمُوذَجًا مِن أخْلاقِهِمْ مِن تَعَلُّقِ الحَياةِ ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] ومُحاوَلَةُ العَمَلِ بِالسِّحْرِ ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢] إلَخْ وأذى النَّبِيءِ بِمُوَجَّهِ الكَلامِ ﴿لا تَقُولُوا راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤] ثُمَّ قُرِنَ اليَهُودُ والنَّصارى والمُشْرِكُونَ في قَرْنِ حَسَدِهِمُ المُسْلِمِينَ والسُّخْطِ عَلى الشَّرِيعَةِ الجَدِيدَةِ ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٠٥] إلى قَوْلِهِ ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١٢]، ثُمَّ ما أُثِيرَ مِنَ الخِلافِ بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى وادِّعاءُ كُلِّ فَرِيقٍ أنَّهُ هو المُحِقُّ ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣] إلى يَخْتَلِفُونَ ثُمَّ خُصَّ المُشْرِكُونَ بِأنَّهم أظْلَمُ هَؤُلاءِ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ لِأنَّهم مَنَعُوا المُسْلِمِينَ مِن ذِكْرِ اللَّهِ في المَسْجِدِ الحَرامِ وسَعَوْا بِذَلِكَ في خَرابِهِ وأنَّهم تَشابَهُوا في ذَلِكَ هم واليَهُودُ والنَّصارى واتَّحَدُوا في كَراهِيَةِ الإسْلامِ.

وانْتَقَلَ بِهَذِهِ المُناسَبَةِ إلى فَضائِلِ المَسْجِدِ الحَرامِ، وبانِيهِ، ودَعْوَتِهِ لِذُرِّيَّتِهِ بِالهُدى والِاحْتِرازِ عَنْ إجابَتِها في الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم، وأنَّ الإسْلامَ عَلى أساسِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ وهو التَّوْحِيدُ، وأنَّ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ لَيْسَتا مِلَّةَ إبْراهِيمَ، وأنَّ مِن ذَلِكَ الرُّجُوعَ إلى اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ ادَّخَرَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ آيَةً عَلى أنَّ الإسْلامَ هو القائِمُ عَلى أساسِ الحَنِيفِيَّةِ، وذِكْرِ شَعائِرِ اللَّهِ بِمَكَّةَ، وإبْكاتِ أهْلِ الكِتابِ في طَعْنِهِمْ عَلى تَحْوِيلِ القِبْلَةِ، وأنَّ العِنايَةَ بِتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ أجْدَرُ مِنَ العِنايَةِ بِاسْتِقْبالِ الجِهاتِ ﴿لَيْسَ البِرُّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] وذُكِّرُوا بِنَسْخِ الشَّرائِعِ لِصَلاحِ الأُمَمِ وأنَّهُ لا بِدَعَ في نَسْخِ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ أوِ الإنْجِيلِ بِما هو خَيْرٌ مِنهُما.

ثُمَّ عادَ إلى مُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ بِالِاسْتِدْلالِ بِآثارِ صَنْعَةِ اللَّهِ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ﴾ [البقرة: ١٦٤] إلَخْ، ومُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ في يَوْمٍ يَتَبَرَّءُونَ فِيهِ مِن قادَتِهِمْ، وإبْطالِ مَزاعِمِ دِينِ الفَرِيقَيْنِ في مُحَرَّماتٍ مِنَ الأكْلِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، وقَدْ كَمَّلَ ذَلِكَ بِذِكْرِ صِنْفٍ مِنَ النّاسِ قَلِيلٍ وهُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ لَمْ يُظْهِرُوا الإسْلامَ ولَكِنَّهم أظْهَرُوا مَوَدَّةَ المُسْلِمِينَ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [البقرة: ٢٠٤] ولَمّا قَضى حَقَّ ذَلِكَ كُلِّهِ بِأبْدَعِ بَيانٍ وأوْضَحِ بُرْهانٍ، انْتَقَلَ إلى قِسْمِ تَشْرِيعاتِ الإسْلامِ إجْمالًا بِقَوْلِهِ ﴿لَيْسَ البِرُّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] ثُمَّ تَفْصِيلًا: القِصاصُ، الوَصِيَّةُ، الصِّيامُ، الِاعْتِكافُ، الحَجُّ، الجِهادُ، ونِظامُ المُعاشَرَةِ والعائِلَةُ، المُعامَلاتُ المالِيَّةُ، والإنْفاقُ في سَبِيلِ اللَّهِ، والصَّدَقاتُ، والمُسْكِراتُ، واليَتامى، والمَوارِيثُ، والبُيُوعُ والرِّبا، والدُّيُونُ، والإشْهادُ، والرَّهْنُ، والنِّكاحُ، وأحْكامُ النِّساءِ، والعِدَّةُ، والطَّلاقُ، والرَّضاعُ، والنَّفَقاتُ، والأيْمانُ. وخُتِمَتِ السُّورَةُ بِالدُّعاءِ المُتَضَمِّنِ لِخَصائِصِ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ وذَلِكَ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ فَكانَ هَذا الخِتامُ تَذْيِيلًا وفَذْلَكَةً ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] الآياتِ.

وكانَتْ في خِلالِ ذَلِكَ كُلِّهِ أغْراضٌ شَتّى سَبَقَتْ في مَعْرِضِ الِاسْتِطْرادِ في مُتَفَرِّقِ المُناسَباتِ تَجْدِيدًا لِنَشاطِ القارِئِ والسّامِعِ، كَما يُسْفِرُ وجْهُ الشَّمْسِ إثْرَ نُزُولِ الغُيُوثِ الهَوامِعِ، وتَخْرُجُ بَوادِرُ الزَّهْرِ عَقِبَ الرُّعُودِ القَوارِعِ، مِن تَمْجِيدِ اللَّهِ وصِفاتِهِ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ورَحْمَتِهِ وسَماحَةِ الإسْلامِ، وضَرْبِ أمْثالٍ أوْ كَصَيِّبٍ واسْتِحْضارِ نَظائِرَ ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ﴾ [البقرة: ٧٤] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] وعِلْمٍ وحِكْمَةٍ، ومَعانِي الإيمانِ والإسْلامِ، وتَثْبِيتِ المُسْلِمِينَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ [البقرة: ١٥٣] والكَمالاتِ الأصْلِيَّةِ، والمَزايا التَّحْسِينِيَّةِ، وأخْذِ الأعْمالِ والمَعانِي مِن حَقائِقِها وفَوائِدِها لا مِن هَيْئاتِها، وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالمُصْطَلَحاتِ إذا لَمْ تَرْمِ إلى غاياتٍ ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾ [البقرة: ١٨٩] ﴿لَيْسَ البِرُّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٧] ﴿وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] والنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ونِظامِ المُحاجَّةِ، وأخْبارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ، والرُّسُلِ وتَفاضُلِهِمْ، واخْتِلافِ الشَّرائِعِ.

التحرير والتنوير — ابن عاشور

التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)

﴿الۤمۤ﴾ [البقرة ١]

﴿الم﴾ تَحَيَّرَ المُفَسِّرُونَ في مَحَلِّ هاتِهِ الحُرُوفِ الواقِعَةِ في أوَّلٍ هاتِهِ السُّوَرِ، وفي فَواتِحِ سُوَرٍ أُخْرى عِدَّةٍ جَمِيعُها تِسْعٌ وعِشْرُونَ سُورَةً ومُعْظَمُها في السُّوَرِ المَكِّيَّةِ، وكانَ بَعْضُها في ثانِي سُورَةٍ نَزَلَتْ وهي ن والقَلَمِ، وأخْلِقْ بِها أنْ تَكُونَ مَثارَ حَيْرَةٍ ومَصْدَرَ أقْوالٍ مُتَعَدِّدَةٍ وأبْحاثٍ كَثِيرَةٍ، ومَجْمُوعُ ما وقَعَ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ أوائِلُ السُّوَرِ أرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا وهي نِصْفُ حُرُوفِ الهِجاءِ وأكْثَرُ السُّوَرِ الَّتِي وقَعَتْ فِيها هَذِهِ الحُرُوفُ: السُّوَرُ المَكِّيَّةُ عَدا البَقَرَةَ وآلَ عِمْرانَ، والحُرُوفُ الواقِعَةُ في السُّوَرِ هي: ا، ح، ر، س، ص، ط، ع، ق، ك، ل، م، ن، هـ، ي، بَعْضُها تَكَرَّرَ في سُوَرٍ وبَعْضُها لَمْ يَتَكَرَّرْ وهي مِنَ القُرْآنِ لا مَحالَةَ ومِنَ المُتَشابِهِ في تَأْوِيلِها.

ولا خِلافَ أنَّ هاتِهِ الفَواتِحَ حِينَ يَنْطِقُ بِها القارِئُ أسْماءُ الحُرُوفِ التَّهَجِّي الَّتِي يُنْطَقُ في الكَلامِ بِمُسَمَّياتِها وأنَّ مُسَمَّياتِها الأصْواتُ المُكَيَّفَةُ بِكَيْفِيّاتٍ خاصَّةٍ تَحْصُلُ في مَخارِجِ الحُرُوفِ ولِذَلِكَ إنَّما يَقُولُ القارِئُ (ألِفْ لامْ مِيمْ) مَثَلًا ولا يَقُولُ (ألَمَ) وإنَّما كَتَبُوها في المَصاحِفِ بِصُوَرِ الحُرُوفِ الَّتِي يُتَهَجّى بِها في الكَلامِ الَّتِي يَقُومُ رَسْمُ شَكْلِها مَقامَ المَنطُوقِ بِهِ في الكَلامِ ولَمْ يَكْتُبُوها بِدَوالِّ ما يَقْرَءُونَها بِهِ في القُرْآنِ لِأنَّ المَقْصُودَ التَّهَجِّي بِها وحُرُوفُ التَّهَجِّي تُكْتَبُ بِصُوَرِها لا بِأسْمائِها.

وقِيلَ لِأنَّ رَسْمَ المُصْحَفِ سُنَّةٌ لا يُقاسُ عَلَيْهِ وهَذا أوْلى إنَّهُ لَأشْمَلُ لِلْأقْوالِ المُنْدَرِجَةِ تَحْتَها، وإلى هُنا خَلُصَ أنَّ الأرْجَحَ مِن تِلْكَ الأقْوالِ ثَلاثَةٌ وهي كَوْنُها - تِلْكَ الحُرُوفُ - لِتُبَكِّتَ المُعانِدِينَ وتَسْجِيلًا لِعَجْزِهِمْ عَنِ المُعارَضَةِ، أوْ كَوْنِها أسْماءً لِلسُّوَرِ الواقِعَةِ هي فِيها، أوْ كَوْنِها أقْسامًا أقْسَمَ بِها لِتَشْرِيفِ قَدْرِ الكِتابَةِ، وتَنْبِيهِ العَرَبِ الأُمِّيِّينَ إلى فَوائِدِ الكِتابَةِ لِإخْراجِهِمْ مِن حالَةِ الأُمِّيَّةِ، وأرْجَحُ هَذِهِ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ هو أوَّلُها، فَإنَّ الأقْوالَ الثّانِيَ والسّابِعَ والثّامِنَ والثّانِيَ عَشَرَ والخامِسَ عَشَرَ والسّادِسَ عَشَرَ يُبْطِلُها أنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ لَوْ كانَتْ مُقْتَضَبَةً مِن أسْماءٍ أوْ كَلِماتٍ لَكانَ حَقٌّ أنْ يُنْطَقَ بِمُسَمَّياتِها لا بِأسْمائِها؛ لِأنَّ رَسْمَ المُصْحَفِ سُنَّةٌ لا يُقاسُ عَلَيْها، وهَذا أوْلى لِأنَّهُ أشْمَلُ لِلْأقْوالِ.

وعُرِفَتِ اسْمِيَّتُها مِن دَلِيلَيْنِ: أحَدُهُما اعْتِوارُ أحْوالِ الأسْماءِ عَلَيْها مِثْلَ التَّعْرِيفِ حِينَ تَقُولُ: الألِفُ، والباءُ، ومِثْلُ الجَمْعِ حِينَ تَقُولُ: الجِيماتُ، وحِينَ الوَصْفِ حِينَ تَقُولُ: ألِفٌ مَمْدُودَةٌ والثّانِي ما حَكاهُ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ: قالَ الخَلِيلُ يَوْمًا وسَألَ أصْحابَهُ كَيْفَ تَلْفِظُونَ بِالكافِ الَّتِي في لَكَ والباءِ الَّتِي في ضَرْبٍ فَقِيلَ نَقُولُ: كافْ. باءْ. فَقالَ: إنَّما جِئْتُمْ بِالِاسْمِ ولَمْ تَلْفِظُوا بِالحَرْفِ وقالَ أقُولُ كِهِ، وبِهِ يَعْنِي بِهاءٍ وقَعَتْ في آخِرِ النُّطْقِ بِهِ لِيَعْتَمِدَ عَلَيْها اللِّسانُ عِنْدَ النُّطْقِ إذا بَقِيَتْ عَلى حَرْفٍ واحِدٍ لا يَظْهَرُ في النُّطْقِ بِهِ مُفْرَدًا.

والَّذِي يُسْتَخْلَصُ مِن أقْوالِ العُلَماءِ بَعْدَ حَذْفِ مُتَداخِلِهِ وتَوْحِيدِ مُتَشاكِلِهِ يُؤَوَّلُ إلى واحِدٍ وعِشْرِينَ قَوْلًا ولِشِدَّةِ خَفاءِ المُرادِ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ لَمْ أرَ بُدًّا مِنَ اسْتِقْصاءِ الأقْوالِ عَلى أنَّنا نَضْبِطُ انْتِشارَها بِتَنْوِيعِها إلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ: النَّوْعُ الأوَّلُ يَرْجِعُ إلى أنَّها رُمُوزٌ اقْتُضِبَتْ مِن كَلِمٍ أوْ جُمَلٍ، فَكانَتْ أسْرارًا يَفْتَحُ غَلْقَها مَفاتِيحُ أهْلِ المَعْرِفَةِ ويَنْدَرِجُ تَحْتَ هَذا النَّوْعِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ: الأوَّلُ أنَّها عِلْمٌ اسْتَأْثَرَ (اللَّهُ تَعالى) بِهِ ونُسِبَ هَذا إلى الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ في رِواياتٍ ضَعِيفَةٍ ولَعَلَّهم يُثْبِتُونَ إطْلاعَ اللَّهِ عَلى المَقْصُودِ مِنها رَسُولِهِ ﷺ وقالَهُ الشَّعْبِيُّ وسُفْيانُ.

والثّانِي أنَّها حُرُوفٌ مُقْتَضَبَةٌ مِن أسْماءٍ وصِفاتٍ لِلَّهِ تَعالى المُفْتَتَحَةُ بِحُرُوفٍ مُماثِلَةٍ لِهَذِهِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ القُرَظِيِّ أوِ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ فَـ (الم) مَثَلًا. الألِفُ إشارَةٌ إلى أحَدٍ أوْ أوَّلٍ أوْ أزَلِيٍّ، واللّامُ إلى لَطِيفٍ، والمِيمُ إلى مَلِكٍ أوْ مَجِيدٍ، ونَحْوُ ذَلِكَ، وعَلى هَذا يُحْتاجُ في بَيانِها إلى تَوْقِيفٍ وأنّى لَهم بِهِ، الثّالِثُ أنَّها رُمُوزٌ لِأسْماءِ اللَّهِ تَعالى وأسْماءِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ والمَلائِكَةُ الم مَثَلًا، الألِفُ مِنَ اللَّهِ، واللّامُ مِن جِبْرِيلَ والمِيمُ مِن مُحَمَّدٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ، ولا بُدَّ مِن تَوْقِيفٍ في كُلِّ فاتِحَةٍ مِنها، ولَعَلَّنا سَنُنَبِّهُ عَلى ذَلِكَ في مَواضِعِهِ، الرّابِعُ جَزَمَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ في البابِ الثّامِنِ والتِّسْعِينَ والمِائَةِ في الفَصْلِ ٢٧ مِنهُ مِن كِتابِهِ الفُتُوحاتِ أنَّ هاتِهِ الحُرُوفَ المُقَطَّعَةَ في أوائِلِ السُّوَرِ أسْماءٌ لِلْمَلائِكَةِ وأنَّها إذا تُلِيَتْ كانَتْ كالنِّداءِ لِمَلائِكَتِها فَتُصْغِي أصْحابُ تِلْكَ الأسْماءِ إلى ما يَقُولُهُ التّالِي بَعْدَ النُّطْقِ بِها، فَيَقُولُونَ صَدَقْتَ إنْ كانَ ما بَعْدَها خَبَرٌ، ويَقُولُونَ هَذا مُؤْمِنٌ حَقًّا نَطَقَ حَقًّا وأخْبَرَ بِحَقٍّ فَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُ، وهَذا لَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ وهو دَعْوى. الخامِسُ أنَّها رُمُوزٌ كُلُّها لِأسْماءِ النَّبِيءِ ﷺ وأوْصافِهِ خاصَّةً قالَهُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صالِحٍ المَعْرُوفُ بِابْنِ مُلُوكَةَ التُّونِسِيِّ في رِسالَةٍ لَهُ قالَ إنَّ كُلَّ حَرْفٍ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ في فَواتِحِ السُّوَرِ مُكَنًّى بِهِ عَنْ طائِفَةٍ مِن أسْمائِهِ الكَرِيمَةِ وأوْصافِهِ الخاصَّةِ، فالألِفُ مُكَنًّى بِهِ عَنْ جُمْلَةِ أسْمائِهِ المُفْتَتَحَةِ بِالألِفِ كَأحْمَدَ وأبِي القاسِمِ، واللّامُ مُكَنًّى بِهِ عَنْ صِفاتِهِ مِثْلَ لُبِّ الوُجُودِ، والمِيمُ مُكَنًّى بِهِ عَنْ مُحَمَّدٍ ونَحْوَهُ مِثْلَ مُبَشِّرٍ ومُنْذِرٍ، فَكُلُّها مُنادى بِحَرْفِ نِداءٍ مُقَدَّرٍ بِدَلِيلِ ظُهُورِ ذَلِكَ الحَرْفِ في يس. ولَمْ يَعْزُ هَذا القَوْلَ إلى أحَدٍ، وعَلَّقَ عَلى هَذِهِ الرِّسالَةِ تِلْمِيذُهُ شَيْخُ الإسْلامِ مُحَمَّدٌ مُعاوِيَةُ تَعْلِيقَةً أكْثَرَ فِيها مِنَ التَّعْدادِ، ولَيْسَتْ مِمّا يَنْثَلِجُ لِمَباحِثِهِ الفُؤادُ وهي وأصْلُها مَوْجُودَةٌ بِخَزْنَةِ جامِعِ الزَّيْتُونَةِ بِتُونِسَ عَدَدَ ٥١٤ ويَرُدُّ هَذا القَوْلَ التِزامُ حَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ وما قالَهُ مِن ظُهُورِهِ في يس مَبْنِيٌّ عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّ يس بِمَعْنى يا سَيِّدُ وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الياءَ فِيهِ حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ ولِأنَّ الشَّيْخَ نَفْسَهُ عَدَّ يس بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الحُرُوفِ الدّالَّةِ عَلى الأسْماءِ مَدْلُولًا لِنَحْوِ الياءِ مِن كهيعص القَوْلُ السّادِسُ أنَّها رُمُوزٌ لِمُدَّةِ دَوامِ هَذِهِ الأُمَّةِ بِحِسابِ الجُمَلِ قالَهُ أبُو العالِيَةِ أخْذًا بِقِصَّةٍ رَواها ابْنُ إسْحاقَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وثّابٍ قالَ: «جاءَ أبُو ياسِرِ بْنُ أخْطَبَ وحُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ وكَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ عَنِ الم وقالُوا: هَذا أجَلُ هَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ السِّنِينَ إحْدى وسَبْعُونَ سَنَةً فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ وقالَ لَهم: ”ص“ و”المر“ فَقالُوا اشْتَبَهَ عَلَيْنا الأمْرُ فَلا نَدْرِي أبِالقَلِيلِ نَأْخُذُ أمْ بِالكَثِيرِ» اهـ.

ولَيْسَ في جَوابِ رَسُولِ اللَّهِ إيّاهم بِعِدَّةِ حُرُوفٍ أُخْرى مِن هَذِهِ الحُرُوفِ المُتَقَطِّعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ تَقْرِيرٌ لِاعْتِبارِها رُمُوزًا لِأعْدادِ مُدَّةِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وإنَّما أرادَ إبْطالَ ما فَهِمُوهُ بِإبْطالِ أنْ يَكُونَ مُفِيدًا لِزَعْمِهِمْ عَلى نَحْوِ الطَّرِيقَةِ المُسَمّاةِ بِالنَّقْضِ في الجَدَلِ ومَرْجِعُها إلى المَنعِ والمانِعِ لا مَذْهَبَ لَهُ.

وأمّا ضَحِكُهُ ﷺ فَهو تَعَجُّبٌ مِن جَهْلِهِمْ. القَوْلُ السّابِعُ أنَّها رُمُوزٌ كُلُّ حَرْفٍ رَمَزَ إلى كَلِمَةٍ فَنَحْوُ ”الم“ أنا اللَّهُ أعْلَمُ، و”المر“ أنا اللَّهُ أرى، و”المص“ أنا اللَّهُ أعْلَمُ وأفْصِلُ.

رَواهُ أبُو الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ويُوهِنُهُ أنَّهُ لا ضابِطَ لَهُ لِأنَّهُ أخَذَ مَرَّةً بِمُقابَلَةِ الحَرْفِ بِحَرْفِ أوَّلِ الكَلِمَةِ، ومَرَّةً بِمُقابَلَتِهِ بِحَرْفٍ وسَطِ الكَلِمَةِ أوْ آخِرِها.

ونَظَّرُوهُ بِأنَّ العَرَبَ قَدْ تَتَكَلَّمُ بِالحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ بَدَلًا مِن كَلِماتٍ تَتَألَّفُ مِن تِلْكَ الحُرُوفِ نَظْمًا ونَثْرًا، مِن ذَلِكَ قَوْلُ زُهَيْرٍ:

بِالخَيْرِ خَيِّراتٌ وإنْ شَرٌّ فا ولا أُرِيدُ الشَّرَّ إلّا أنْ تا

أرادَ وإنْ شَرٌّ فَشَرٍّ وأرادَ إلّا أنْ تَشا، فَأتى بِحَرْفٍ مِن كُلِّ جُمْلَةٍ. وقالَ الآخَرُ قُرْطُبِيٌّ:

ناداهم ألا الجِمُوا ألا تا ∗∗∗ قالُوا جَمِيعًا كُلُّهم ألا فا

أرادَ بِالحَرْفِ الأوَّلِ ألا تَرْكَبُونَ، وبِالثّانِي ألا فارْكَبُوا. وقالَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ عامِلُ عُثْمانَ يُخاطِبُ عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ:

قُلْتُ لَها قِفِي لَنا قالَتْ قافْ ∗∗∗ لا تَحْسِبَنِّي قَدْ نَسِيتُ الإيجافْ

أرادَ قالَتْ وقَفْتُ. وفي الحَدِيثِ «مَن أعانَ عَلى قَتْلِ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ» قالَ شَقِيقٌ: هو أنْ يَقُولَ اُقْ مَكانَ اقْتُلْ. وفي الحَدِيثِ أيْضًا «كَفى بِالسَّيْفِ شا» أيْ شاهِدًا. وفي كامِلِ المُبَرِّدِ مِن قَصِيدَةٍ لِعَلِيِّ بْنِ عِيسى القُمِّيِّ وهو مُوَلَّدٌ:

ولُبْسُ العَجاجَةِ والخافِقا ∗∗∗ تِ تُرِيكَ المَنا بِرُؤُوسِ الأسَلِ

أيْ تُرِيكَ المَنايا. وفي تَلْعٍ مِن صِحاحِ الجَوْهَرِيِّ قالَ لَبِيِدٌ:

دَرَسَ المَنا بِمَتالِعٍ فَأبانَ ∗∗∗ فَتَقادَمَتْ بِالحَبْسِ فالسُّوبانِ

أرادَ دَرَسَ المَنازِلَ. وقالَ عَلْقَمَةُ الفَحْلُ خَصائِصَ ص ٨٢:

كَأنَّ إبْرِيقَهم ظَبْيٌ عَلى شَرَفٍ ∗∗∗ مُفَدَّمٌ بِسَبا الكَتّانِ مَلْثُومُ

أرادَ بِسَبائِبَ الكَتّانِ. وقالَ الرّاجِزُ: 

حِينَ ألْقَتْ بِقُباءِ بَرْكِها ∗∗∗ واسْتَمَرَّ القَتْلُ في عَبْدِ الأشَلِ

أيْ عَبْدُ الأشْهَلِ. وقَوْلُ أبِي دُؤادٍ:

يَدْرِينَ حَنْدَلَ حائِرٌ لِجَنُوبِها ∗∗∗ فَكَأنَّما تُذْكى سَنابِكُها الحُبا

أرادَ الحُباحِبَ. وقالَ الأخْطَلُ:

أمْسَتْ مَناها بِأرْضٍ ما يُبَلَّغُها ∗∗∗ بِصاحِبِ الهَمِّ إلّا الجَسْرَةُ الأُجُدُ

أرادَ مَنازِلَها. ووَقَعَ (طِرازِ المُجالِسِ - المَجْلِسِ) لِلْمُتَأخِّرِينَ مِن هَذا كَثِيرٌ مَعَ التَّوْرِيَةِ كَقَوْلِ ابْنِ مَكانِسَ:

لَمْ أنْسَ بَدْرًا زارَنِي لَيْلَةً ∗∗∗ مُسْتَوْفِزًا مَطْلَعًا لِلْخَطَرِ

فَلَمْ يَقُمْ إلّا بِمِقْدارِ ما ∗∗∗ قُلْتُ لَهُ أهْلًا وسَهْلًا ومَرْ

أرادَ بَعْضَ كَلِمَةِ مَرْحَبًا. وقَدْ أكْثَرْتُ مِن شَواهِدِهِ تَوْسِعَةً في مَواقِعِ هَذا الِاسْتِعْمالِ الغَرِيبِ ولَسْتُ أُرِيدُ بِذَلِكَ تَصْحِيحَ حَمْلِ حُرُوفِ فَواتِحِ السُّوَرِ عَلى ذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَحْسُنُ تَخْرِيجُ القُرْآنِ عَلَيْهِ ولَيْسَ مَعَها ما يُشِيرُ إلَيْهِ مَعَ التَّوْرِيَةِ بِجَعْلِ مَرَّ مِنَ المُرُورِ.

القَوْلُ الثّامِنُ أنَّها إشاراتٌ إلى أحْوالٍ مِن تَزْكِيَةِ القَلْبِ، وجَعَلَها في الفُتُوحاتِ في البابِ الثّانِي إيماءً إلى شُعَبِ الإيمانِ، وحاصِلُهُ أنَّ جُمْلَةَ الحُرُوفِ الواقِعَةِ في أوائِلِ سُوَرِ القُرْآنِ عَلى تَكْرارِ الحُرُوفِ ثَمانِيَةً وسَبْعُونَ حَرْفًا والثَّمانِيَةُ هُنا هي حَقِيقَةُ البِضْعِ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ بِالكَشْفِ فَيَكُونُ عَدَدُ الحُرُوفِ ثَمانِيَةً وسَبْعِينَ وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «الإيمانُ بِضْعٌ وسَبْعُونَ شُعْبَةً» فَهَذِهِ الحُرُوفُ هي شُعَبُ الإيمانِ، ولا يَكْمُلُ لِأحَدٍ أسْرارَ الإيمانِ حَتّى يَعْلَمَ حَقائِقَ هَذِهِ الحُرُوفِ في سُوَرِها.

وكَيْفَ يَزْعُمُ زاعِمٌ أنَّها وارِدَةٌ في مَعانٍ غَيْرِ مَعْرُوفَةٍ مَعَ ثُبُوتِ تَلَقِّي السّامِعِينَ لَها بِالتَّسْلِيمِ مِن مُؤْمِنٍ ومُعانِدٍ، ولَوْلا أنَّهم فَهِمُوا مِنها مَعْنًى مَعْرُوفًا دَلَّتْ عَلَيْهِ القَرائِنُ لَسَألَ السّائِلُونَ وتَوَرَّكَ المُعانِدُونَ. قالَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ ”لَوْلا أنَّ العَرَبَ كانُوا يَعْرِفُونَ لَها مَدْلُولًا مُتَداوَلًا بَيْنَهم لَكانُوا أوَّلَ مَن أنْكَرَ ذَلِكَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ بَلْ تَلا عَلَيْهِمْ حم فُصِّلَتْ و“ ص ”وغَيْرَهُما فَلَمْ يُنْكِرُوا ذَلِكَ مَعَ تَشَوُّفِهِمْ إلى عَثْرَةٍ وحِرْصِهِمْ عَلى زَلَّةٍ“ قُلْتُ وقَدْ سَألُوا عَنْ أوْضَحَ مِن هَذا فَقالُوا وما الرَّحْمانُ، وأمّا ما اسْتَشْهَدُوا بِهِ مِن بَيْتِ زُهَيْرٍ وغَيْرِهِ فَهو مِن نَوادِرِ كَلامِ العَرَبِ، ومِمّا أُخْرِجَ مَخْرَجَ الألْغازِ والتَّمْلِيحِ وذَلِكَ لا يُناسِبُ مَقامَ الكِتابِ المَجِيدِ.

النَّوْعُ الثّانِي يَجْمَعُ الأقْوالَ الرّاجِعَةَ إلى أنَّ هاتِهِ الحُرُوفَ وُضِعَتْ بِتِلْكَ الهَيْئاتِ أسْماءً أوْ أفْعالًا وفِيهِ مِنَ الأقْوالِ أرْبَعَةٌ.

التّاسِعُ في عِدادِ الأقْوالِ في أوَّلِها لِجَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ والمُتَكَلِّمِينَ واخْتارَهُ الفَخْرُ أنَّها أسْماءٌ لِلسُّوَرِ الَّتِي وقَعَتْ فِيها، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ ونُسِبَ لِسِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ بابِ أسْماءِ السُّوَرِ مِن أبْوابِ ما لا يَنْصَرِفُ أوْ لِلْخَلِيلِ ونَسَبَهُ صاحِبُ الكَشّافِ لِلْأكْثَرِ ويُعَضِّدُهُ وُقُوعُ هاتِهِ الحُرُوفِ في أوائِلِ السُّوَرِ فَتَكُونُ هاتِهِ الحُرُوفُ قَدْ جُعِلَتْ أسْماءً بِالعَلامَةِ عَلى تِلْكَ السُّوَرِ، وسُمِّيَتْ بِها كَما نَقُولُ الكُرّاسَةَ ب والرِّزْمَةَ ج ونَظَّرَهُ القُفّالُ بِما سَمَّتِ العَرَبُ بِأسْماءِ الحُرُوفِ كَما سَمَّوْا لامَ الطّائِيَّ والِدِ حارِثَةَ، وسَمَّوُا الذَّهَبَ: عَيْنٌ، والسَّحابَ: غَيْنٌ، والحُوتَ نُونْ، والجَبَلَ قافْ، وأقُولُ: وحاءُ قَبِيلَةٌ مِن مَذْحِجٍ، وقالَ شُرَيْحُ بْنُ أوْفى العَنْسِيُّ أوِ العَبْسِيُّ:

يُذَكِّرُنِي حامِيمَ والرُّمْحُ شاجِرٌ ∗∗∗ فَهَلّا تَلا حامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ

يُرِيدُ ﴿حم﴾ [الشورى: ١] ﴿عسق﴾ [الشورى: ٢] الَّتِي فِيها ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] ويَبْعُدُ هَذا القَوْلُ بُعْدًا ما إنِ الشَّأْنُ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ غَيْرَ داخِلٍ في المُسَمّى وقَدْ وجَدْنا هَذِهِ الحُرُوفَ مَقْرُوءَةً مَعَ السُّوَرِ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ، عَلى أنَّهُ يَرُدُّهُ اتِّحادُ هَذِهِ الحُرُوفِ في عِدَّةِ سُوَرٍ مِثْلَ ”الم“ و”الر“ و”حم“ . وأنَّهُ لَمْ تُوضَعْ أسْماءُ السُّوَرِ الأُخْرى في أوائِلِها.

القَوْلُ العاشِرُ وقالَ جَماعَةٌ إنَّها أسْماءٌ لِلْقُرْآنِ اصْطُلِحَ عَلَيْها قالَهُ الكَلْبِيُّ والسُّدِّيُّ وقَتادَةُ. ويُبْطِلُهُ أنَّهُ قَدْ وقَعَ بَعْدَ بَعْضِها ما لا يُناسِبُها لَوْ كانَتْ أسْماءً لِلْقُرْآنِ، نَحْوَ ﴿الم﴾ [الروم: ١] ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢]، و﴿الم﴾ [العنكبوت: ١] ﴿أحَسِبَ النّاسُ﴾ [العنكبوت: ٢] القَوْلُ الحادِيَ عَشَرَ أنَّ كُلَّ حُرُوفٍ مُرَكَّبَةٍ مِنها هي اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ رَوَوْا عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ كانَ يَقُولُ يا كهيعص يا حم عسق وسَكَتَ عَنِ الحُرُوفِ المُفْرَدَةِ فَيَرْجِعُ بِها إلى ما يُناسِبُها أنْ تَنْدَرِجَ تَحْتَهُ مِنَ الأقْوالِ ويُبْطِلَهُ عَدَمُ الِارْتِباطِ بَيْنَ بَعْضِها وبَيْنَ ما بَعْدَهُ لِأنْ يَكُونَ خَبَرًا أوْ نَحْوَهُ عَنِ اسْمِ اللَّهِ مِثْلَ ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢] و﴿المص﴾ [الأعراف: ١] ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ٢] الثّانِيَ عَشَرَ قالَ الماوَرْدِيُّ هي أفْعالٌ فَإنَّ حُرُوفَ ﴿المص﴾ [الأعراف: ١] ﴿كِتابٌ﴾ [الأعراف: ٢] فِعْلُ ألَمَّ بِمَعْنى نَزَلَ فالمُرادُ ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢] أيْ نُزِّلَ عَلَيْكم، ويُبْطِلُ كَلامَهُ أنَّها لا تُقْرَأُ بِصِيَغِ الأفْعالِ عَلى أنَّ هَذا لا يَتَأتّى في جَمِيعِها نَحْوَ ”كهيعص“ و”المص“ و”الر“ ولَوْلا غَرابَةُ هَذا القَوْلِ لَكانَ حَرِيًّا بِالإعْراضِ عَنْهُ.

النَّوْعُ الثّالِثُ تَنْدَرِجُ فِيهِ الأقْوالُ الرّاجِعَةُ إلى أنَّ هاتِهِ الحُرُوفَ حُرُوفُ هِجاءٍ مَقْصُودَةٍ بِأسْمائِها لِأغْراضٍ داعِيَةٍ لِذَلِكَ وفِيهِ مِنَ الأقْوالِ: القَوْلُ الثّالِثَ عَشَرَ أنَّ هاتِهِ الحُرُوفَ أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِها كَما أقْسَمَ بِالقَلَمِ تَنْوِيهًا بِها لِأنَّ مُسَمَّياتِها تَألَّفَتْ مِنها أسْماءُ اللَّهِ تَعالى وأُصُولُ التَّخاطُبِ والعُلُومِ قالَهُ الأخْفَشُ، وقَدْ وهَنَ هَذا القَوْلُ بِأنَّها لَوْ كانَتْ مُقْسَمًا بِها لَذُكِرَ حَرْفُ القَسَمِ إذْ لا يُحْذَفُ إلّا مَعَ اسْمِ الجَلالَةِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ وبِأنَّها قَدْ ورَدَ بَعْدَها في بَعْضِ المَواضِعِ قَسَمٌ نَحْوَ ﴿ن والقَلَمِ﴾ [القلم: ١] و﴿حم﴾ [الزخرف: ١] ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الزخرف: ٢] قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: وقَدِ اسْتَكْرَهُوا الجَمْعَ بَيْنَ قَسَمَيْنِ عَلى مُقْسَمٍ واحِدٍ حَتّى قالَ الخَلِيلُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١] ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ [الليل: ٢] أنَّ الواوَ الثّانِيَةَ هي الَّتِي تَضُمُّ الأسْماءَ لِلْأسْماءِ أيْ واوَ العَطْفِ، والجَوابُ عَنْ هَذا أنَّ اخْتِصاصَ الحَذْفِ بِاسْمِ الجَلالَةِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وأنَّ كَراهِيَةَ جَمْعِ قَسَمَيْنِ تَنْدَفِعُ بِجَعْلِ الواوِ التّالِيَةِ لَهاتِهِ الفَواتِحِ واوَ العَطْفِ عَلى أنَّهم قَدْ جَمَعُوا بَيْنَ قَسَمَيْنِ، قالَ النّابِغَةُ:

واللَّهِ واللَّهِ لَنِعْمَ الفَتى ال ∗∗∗ حارِثُ لا النَّكْسُ ولا الخامِلُ

القَوْلُ الرّابِعَ عَشَرَ أنَّها سِيقَتْ مَساقَ التَّهَجِّي مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ في التَّهْجِيَةِ تَبْكِيتًا لِلْمُشْرِكِينَ وإيقاظًا لِنَظَرِهِمْ في أنَّ هَذا الكِتابَ المَتْلُوَّ عَلَيْهِمْ وقَدْ تُحُدُّوا بِالإتْيانِ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ هو كَلامٌ مُؤَلَّفٌ مِن عَيْنِ حُرُوفِ كَلامِهِمْ كَأنَّهُ يُغْرِيهِمْ بِمُحاوَلَةِ المُعارَضَةِ ويَسْتَأْنِسُ لِأنْفُسِهِمْ بِالشُّرُوعِ في ذَلِكَ بِتَهَجِّي الحُرُوفِ ومُعالَجَةِ النُّطْقِ تَعْرِيضًا بِهِمْ بِمُعامَلَتِهِمْ مُعامَلَةَ مَن لَمْ يَعْرِفْ تَقاطِيعَ اللُّغَةِ. فَيُلَقِّنُها كَتَهَجِّي الصِّبْيانِ في أوَّلِ تَعَلُّمِهِمْ بِالكِتابِ حَتّى يَكُونَ عَجْزُهم عَنِ المُعارَضَةِ بَعْدَ هَذِهِ المُحاوَلَةِ عَجْزًا لا مَعْذِرَةَ لَهم فِيهِ، وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ المُبَرِّدُ وقُطْرُبُ والفَرّاءُ، قالَ في الكَشّافِ وهَذا القَوْلُ مِنَ القُوَّةِ والخَلاقَةِ بِالقَبُولِ بِمَنزِلَةٍ، وقُلْتُ وهو الَّذِي نَخْتارُهُ وتَظْهَرُ المُناسَبَةُ لِوُقُوعِها في فَواتِحِ السُّوَرِ أنَّ كُلَّ سُورَةٍ مَقْصُودَةٍ بِالإعْجازِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ فَناسَبَ افْتِتاحُ ما بِهِ الإعْجازُ بِالتَّمْهِيدِ لِمُحاوَلَتِهِ ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ أنَّ التَّهَجِّيَ ظاهِرٌ في هَذا المَقْصِدِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَسْألُوا عَنْهُ لِظُهُورِ أمْرِهِ وأنَّ التَّهَجِّيَ مَعْرُوفٌ عِنْدَهم لِلتَّعْلِيمِ فَإذا ذَكَرْتَ حُرُوفَ الهِجاءِ عَلى تِلْكَ الكَيْفِيَّةِ المَعْهُودَةِ في التَّعْلِيمِ في مَقامٍ غَيْرِ صالِحٍ لِلتَّعْلِيمِ عَرَفَ السّامِعُونَ أنَّهم عُومِلُوا مُعامَلَةَ المُتَعَلِّمِ لِأنَّ حالَهم كَحالِهِ في العَجْزِ عَنِ الإتْيانِ بِكَلامٍ بَلِيغٍ، ويُعَضِّدُ هَذا الوَجْهَ تَعْقِيبُ هاتِهِ الحُرُوفِ في غالِبِ المَواقِعِ بِذِكْرِ القُرْآنِ وتَنْزِيلِهِ أوْ كِتابَتِهِ إلّا في ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] و﴿الم﴾ [العنكبوت: ١] ﴿أحَسِبَ النّاسُ﴾ [العنكبوت: ٢] و﴿الم﴾ [الروم: ١] ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢] ووَجْهُ تَخْصِيصِ بَعْضِ تِلْكَ الحُرُوفِ بِالتَّهَجِّي دُونَ بَعْضٍ، وتَكْرِيرِ بَعْضِها لِأمْرٍ لا نَعْلَمُهُ ولَعَلَّهُ لِمُراعاةِ فَصاحَةِ الكَلامِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ مُعْظَمَ مَواقِعِ هَذِهِ الحُرُوفِ في أوائِلِ السُّوَرِ المَكِّيَّةِ عَدا البَقَرَةَ عَلى قَوْلِ مَن جَعَلُوها كُلَّها مَدَنِيَّةً وآلَ عِمْرانَ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّهُما نَزَلَتا بِقُرْبِ عَهْدِ الهِجْرَةِ مِن مَكَّةَ وأنَّ قَصْدَ التَّحَدِّي في القُرْآنِ النّازِلِ بِمَكَّةَ قَصْدٌ أوْلى، ويُؤَيِّدُهُ أيْضًا الحُرُوفُ الَّتِي أسْماؤُها مَخْتُومَةٌ بِألِفٍ مَمْدُودَةٍ مِثْلَ الياءِ والهاءِ والرّاءِ والطّاءِ والحاءِ قُرِئَتْ فَواتِحُ السُّوَرِ مَقْصُودَةً عَلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي يُتَهَجّى بِها لِلصِّبْيانِ في الكِتابِ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا في آخِرِ هَذا المَبْحَثِ مِن تَفْسِيرِ الم.

القَوْلُ الخامِسَ عَشَرَ أنَّها تَعْلِيمٌ لِلْحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ حَتّى إذا ورَدَتْ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مُؤَلَّفَةً كانُوا قَدْ عَلِمُوها كَما يَتَعَلَّمُ الصِّبْيانُ الحُرُوفَ المُقَطَّعَةَ، ثُمَّ يَتَعَلَّمُونَها مُرَكَّبَةً قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى، يَعْنِي إذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَن يُحْسِنُ الكِتابَةَ إلّا بَعْضُ المُدُنِ كَأهْلِ الحِيرَةِ وبَعْضُ طَيْءٍ وبَعْضُ قُرَيْشٍ وكِنانَةَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، ولَقَدْ تَقَلَّبَتْ أحْوالُ العَرَبِ في القِراءَةِ والكِتابَةِ تَقَلُّباتٍ مُتَنَوِّعَةٍ في العُصُورِ المُخْتَلِفَةِ، فَكانُوا بادِئَ الأمْرِ أهْلَ كِتابَةٍ لِأنَّهم نَزَحُوا إلى البِلادِ العَرَبِيَّةِ مِنَ العِراقِ بَعْدَ تَبَلْبُلِ الألْسُنِ، والعِراقُ مَهْدُ القِراءَةِ والكِتابَةِ وقَدْ أثْبَتَ التّارِيخُ أنَّ ضَخْمَ بْنَ إرَمَ أوَّلُ مَن عَلَّمَ العَرَبَ الكِتابَةَ ووَضَعَ حُرُوفَ المُعْجَمِ التِّسْعَةَ والعِشْرِينَ، ثُمَّ إنَّ العَرَبَ لَمّا بادُوا أيْ سَكَنُوا البادِيَةَ تَناسَتِ القَبائِلُ البادِيَةُ بِطُولِ الزَّمانِ القِراءَةَ والكِتابَةَ، وشَغَلَهم حالُهم عَنْ تَلَقِّي مَبادِئِ العُلُومِ، فَبَقِيَتِ الكِتابَةُ في الحَواضِرِ كَحَواضِرِ اليَمَنِ والحِجازِ، ثُمَّ لَمّا تَفَرَّقُوا بَعْدَ سَيْلِ العَرِمِ نَقَلُوا الكِتابَةَ إلى المَواطِنِ الَّتِي نَزَلُوها فَكانَتْ طَيْءٌ بِنَجْدٍ يَعْرِفُونَ القِراءَةَ والكِتابَةَ، وهُمُ الفِرْقَةُ الوَحِيدَةُ مِنَ القَحْطانِيِّينَ بِبِلادِ نَجْدٍ ولِذَلِكَ يَقُولُ أهْلُ الحِجازِ ونَجْدٍ أنَّ الَّذِينَ وضَعُوا الكِتابَةَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ مِن بَنِي بُولانَ مِن طَيْءٍ يُرِيدُونَ مِنَ الوَضْعِ أنَّهم عَلَّمُوها لِلْعَدْنانِيِّينَ بِنَجْدٍ، وكانَ أهْلُ الحِيرَةِ يُعَلِّمُونَ الكِتابَةَ فالعَرَبُ بِالحِجازِ تَزْعُمُ أنَّ الخَطَّ تَعَلَّمُوهُ عَنْ أهْلِ الأنْبارِ والحِيرَةِ، وقِصَّةُ المُتَلَمِّسِ في كُتُبِ الأدَبِ تُذَكِّرُنا بِذَلِكَ إذْ كانَ الَّذِي قَرَأ لَهُ الصَّحِيفَةَ غُلامٌ مِن أُغَيْلِمَةِ الحَيْرَةِ.

ولَقَدْ كانَ الأوْسُ والخَزْرَجُ مَعَ أنَّهم مِن نازِحَةِ القَحْطانِيِّينَ، قَدْ تَناسَوُا الكِتابَةَ إذْ كانُوا أهْلَ زَرْعٍ وفُرُوسِيَّةٍ وحُرُوبٍ، فَقَدْ ورَدَ في السِّيَرِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ الأنْصارِ يُحْسِنُ الكِتابَةَ بِالمَدِينَةِ وكانَ في أسْرى المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مَن يُحْسِنُ ذَلِكَ فَكانَ مَن لا مالَ لَهُ مِنَ الأسْرى يُفْتَدى بِأنْ يُعَلِّمَ عَشَرَةً مِن غِلْمانِ أهْلِ المَدِينَةِ الكِتابَةَ فَتَعَلَّمَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ في جَماعَةٍ، وكانَتِ الشِّفاءُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ القُرَشِيَّةُ تُحْسِنُ الكِتابَةَ وهي عَلَّمَتْها لِحَفْصَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ.

ويُوجَدُ في أساطِيرِ العَرَبِ ما يَقْتَضِي أنَّ أهْلَ الحِجازِ تَعَلَّمُوا الكِتابَةَ مِن أهْلِ مَدْيَنَ في جِوارِهِمْ فَقَدْ ذَكَرُوا قِصَّةً وهي أنَّ المَحْضَ بْنَ جَنْدَلٍ مِن أهْلِ مَدْيَنَ وكانَ مَلِكًا كانَ لَهُ سِتَّةُ أبْناءٍ وهم: أبْجَدُ، وهَوَّزُ، وحُطِّي، وكَلَمُنُ، وسَعْفَصُ، وقَرَشْتُ. فَجَعَلَ أبْناءَهُ مُلُوكًا عَلى بِلادِ مَدْيَنَ وما حَوْلَها فَجَعَلَ أبْجَدَ بِمَكَّةَ وجَعَلَ هَوَّزَ وحُطِّيَ بِالطّائِفِ ونَجْدٍ، وجَعَلَ الثَّلاثَةَ الباقِينَ بِمَدْيَنَ، وأنَّ كَلَمُنْ كانَ في زَمَنِ شُعَيْبٍ وهو مِنَ الَّذِينَ أخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ قالُوا فَكانَتْ حُرُوفُ الهِجاءِ أسْماءُ هَؤُلاءِ المُلُوكِ ثُمَّ ألْحَقُوا بِها ثَخَذَ وضَغَظَ فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ القِصَّةَ مَصْنُوعَةً لِتَلْقِينِ الأطْفالِ حُرُوفِ المُعْجَمِ بِطَرِيقَةٍ سَهْلَةٍ تُناسِبُ عُقُولَهم وتَقْتَضِي أنَّ حُرُوفَ ثَخَذْ وضَغَظْ لَمْ تَكُنْ في مُعْجَمِ أهْلِ مَدْيَنَ فَألْحَقَها أهْلُ الحِجازِ، وحَقًّا إنَّها مِنَ الحُرُوفِ غَيْرِ الكَثِيرَةِ الِاسْتِعْمالِ ولا المَوْجُودَةِ في كُلِّ اللُّغاتِ إلّا أنَّ هَذا القَوْلَ يُبْعِدُهُ عَدَمُ وُجُودِ جَمِيعِ الحُرُوفِ في فَواتِحِ السُّوَرِ بَلِ المَوْجُودُ نِصْفُها كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ مِن كَلامِ الكَشّافِ.

القَوْلُ السّادِسَ عَشَرَ أنَّها حُرُوفٌ قُصِدَ مِنها تَنْبِيهُ السّامِعِ مِثْلَ النِّداءِ المَقْصُودِ بِهِ التَّنْبِيهُ في قَوْلِكَ يا فَتى لِإيقاظِ ذِهْنِ السّامِعِ قالَهُ ثَعْلَبٌ والأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَما يَقُولُ في إنْشادِ أشْهَرِ القَصائِدِ لا وبَلْ لا، قالَ الفَخْرُ في تَفْسِيرِ سُورَةِ العَنْكَبُوتِ: إنَّ الحَكِيمَ إذا خاطَبَ مَن يَكُونُ مَحِلَّ الغَفْلَةِ أوْ مَشْغُولَ البالِ يُقَدِّمُ عَلى الكَلامِ المَقْصُودِ شَيْئًا لِيَلْفِتَ المُخاطَبَ إلَيْهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ المُقَدَّمِ ثُمَّ يَشْرَعُ في المَقْصُودِ فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ المُقَدَّمُ كَلامًا مِثْلَ النِّداءِ وحُرُوفِ الِاسْتِفْتاحِ، وقَدْ يَكُونُ المُقَدَّمُ صَوْتًا كَمَن يُصَفِّقُ لِيُقْبِلَ عَلَيْهِ السّامِعُ فاخْتارَ الحَكِيمُ لِلتَّنْبِيهِ حُرُوفًا مِن حُرُوفِ التَّهَجِّي لِتَكُونَ دَلالَتُها عَلى قَصْدِ التَّنْبِيهِ مُتَعَيِّنَةً إذْ لَيْسَ لَها مَفْهُومٌ فَتَمَحَّضَتْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى غَرَضٍ مُهِمٍّ.

القَوْلُ السّابِعَ عَشَرَ أنَّها إعْجازٌ بِالفِعْلِ وهو أنَّ النَّبِيءَ الأُمِّيَّ الَّذِي لَمْ يَقْرَأْ قَدْ نَطَقَ بِأُصُولِ القِراءَةِ كَما يَنْطِقُ بِها مَهَرَةُ الكَتَبَةِ فَيَكُونُ النُّطْقُ بِها مُعْجِزَةً وهَذا بَيِّنُ البُطْلانِ لِأنَّ الأُمِّيَّ لا يَعْسُرُ عَلَيْهِ النُّطْقُ بِالحُرُوفِ.

القَوْلُ الثّامِنَ عَشَرَ أنَّ الكُفّارَ كانُوا يُعْرِضُونَ عَنْ سَماعِ القُرْآنِ فَقالُوا ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] فَأُورِدَتْ لَهم هَذِهِ الحُرُوفُ لِيُقْبِلُوا عَلى طَلَبِ فَهْمِ المُرادِ مِنها فَيَقَعُ إلَيْهِمْ ما يَتْلُوها بِلا قَصْدٍ، قالَهُ قُطْرُبٌ وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ السّادِسَ عَشَرَ.

القَوْلُ التّاسِعَ عَشَرَ أنَّها عَلامَةٌ لِأهْلِ الكِتابِ وُعِدُوا بِها مِن قِبَلِ أنْبِيائِهِمْ أنَّ القُرْآنَ يُفْتَتَحُ بِحُرُوفٍ مُقَطَّعَةٍ.

القَوْلُ العِشْرُونَ قالَ التَّبْرِيزِيُّ عَلِمَ اللَّهُ أنَّ قَوْمًا سَيَقُولُونَ بِقِدَمِ القُرْآنِ فَأراهم أنَّهُ مُؤَلَّفٌ مِن حُرُوفٍ كَحُرُوفِ الكَلامِ، وهَذا وهْمٌ لِأنَّ تَأْلِيفَ الكَلامِ مِن أصْواتِ الكَلِماتِ أشَدُّ دَلالَةً عَلى حُدُوثِهِ مِن دَلالَةِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ لِقِلَّةِ أصْواتِها.

القَوْلُ الحادِي والعِشْرُونَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها ثَناءٌ أثْنى اللَّهُ بِهِ عَلى نَفْسِهِ وهو يَرْجِعُ إلى القَوْلِ الأوَّلِ أوِ الثّانِي.

هَذا جُمّاعُ الأقْوالِ، ولا شَكَّ أنَّ قِراءَةَ كافَّةِ المُسْلِمِينَ إيّاها بِأسْماءِ حُرُوفِ الهِجاءِ مِثْلَ ألِفْ. لامْ. مِيمْ دُونَ أنْ يَقْرَءُوا ألَمْ وأنَّ رَسْمَها في الخَطِّ بِصُورَةِ الحُرُوفِ يُزَيِّفُ جَمِيعَ أقْوالِ النَّوْعِ الأوَّلِ ويُعَيِّنُ الِاقْتِصارَ عَلى النَّوْعَيْنِ الثّانِي والثّالِثِ في الجُمْلَةِ، عَلى أنَّ ما يَنْدَرِجُ تَحْتَ ذَيْنِكَ النَّوْعَيْنِ مُتَفاوِتٌ في دَرَجاتِ القَبُولِ، فَإنَّ الأقْوالَ الثّانِيَ، والسّابِعَ، والثّامِنَ، والثّانِيَ عَشَرَ، والخامِسَ عَشَرَ، والسّادِسَ عَشَرَ، يُبْطِلُها أنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ لَوْ كانَتْ مُقْتَضَبَةً مِن أسْماءٍ أوْ كَلِماتٍ لَكانَ الحَقُّ أنْ يُنْطَقَ بِسَمِيّاتِها لا بِأسْمائِها.

فَإذا تَعَيَّنَ هَذانِ النَّوْعانِ وأسْقَطْنا ما كانَ مِنَ الأقْوالِ المُنْدَرِجَةِ تَحْتَهُما واهِيًا، خَلَصَ أنَّ الأرْجَحَ مِن تِلْكَ الأقْوالِ ثَلاثَةٌ: وهي كَوْنُ تِلْكَ الحُرُوفِ لِتَبْكِيتِ المُعانِدِينَ وتَسْجِيلًا لِعَجْزِهِمْ عَنِ المُعارَضَةِ، أوْ كَوْنُها أسْماءً لِلسُّوَرِ الواقِعَةِ هي فِيها، أوْ كَوْنُها أقْسامًا أقْسَمَ بِها لِتَشْرِيفِ قَدْرِ الكِتابَةِ وتَنْبِيهِ العَرَبِ الأُمِّيِّينَ إلى فَوائِدِ الكِتابَةِ لِإخْراجِهِمْ مِن حالَةِ الأُمِّيَّةِ. وأرْجَحُ هَذِهِ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ هو أوَّلُها.

قالَ في الكَشّافِ: ما ورَدَ في هَذِهِ الفَواتِحِ مِن أسْماءِ الحُرُوفِ هو نِصْفُ أسامِي حُرُوفِ المُعْجَمِ إذْ هي أرْبَعَةَ عَشَرَ وهي: الألِفُ، واللّامُ، والمِيمُ، والصّادُ، والرّاءُ، والكافُ، والهاءُ، والياءُ، والعَيْنُ، والطّاءُ، والسِّينُ، والحاءُ، والقافُ، والنُّونُ، في تِسْعٍ وعِشْرِينَ سُورَةً عَلى عَدَدِ حُرُوفِ المُعْجَمِ، وهَذِهِ الأرْبَعَةَ عَشَرَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى أنْصافِ أجْناسِ صِفاتِ الحُرُوفِ فَفِيها مِنَ المَهْمُوسَةِ نِصْفُها: الصّادُ، والكافُ، والهاءُ، والسِّينُ والحاءُ، ومِنَ المَجْهُورَةِ نِصْفُها: الألِفُ، واللّامُ، والمِيمُ، والرّاءُ، والعَيْنُ، والطّاءُ، والقافُ، والياءُ، والنُّونُ، ومِنَ الشَّدِيدَةِ نِصْفُها: الألِفُ، والكافُ، والطّاءُ، والقافُ، ومِنَ الرَّخْوَةِ نِصْفُها: اللّامُ، والمِيمُ، والرّاءُ، والصّادُ والهاءُ، والعَيْنُ، والسِّينُ، والحاءُ، والياءُ، والنُّونُ. ومِنَ المُطْبَقَةِ نِصْفُها: الصّادُ، والطّاءُ.

ومِنَ المُنْفَتِحَةِ نِصْفُها: الألِفُ، واللّامُ، والمِيمُ، والرّاءُ، والكافُ، والهاءُ، والعَيْنُ، والسِّينُ، والقافُ، والياءُ، والنُّونُ.

ومِنَ المُسْتَعْلِيَةِ نِصْفُها القافُ، والصّادُ، والطّاءُ. ومِنَ المُسْتَفِلَةِ نَصِفُها: الألِفُ، واللّامُ، والمِيمُ، والرّاءُ، والكافُ، والهاءُ، والياءُ، والعَيْنُ، والسِّينُ، والحاءُ، والنُّونُ. ومِن حُرُوفِ القَلْقَلَةِ نَصِفُها: القافُ، والطّاءُ.

ثُمَّ إنَّ الحُرُوفَ الَّتِي أُلْغِيَ ذِكْرُها مَكْثُورَةً بِالمَذْكُورَةِ، فَسُبْحانَ الَّذِي دَقَّتْ في كُلِّ شَيْءٍ حِكْمَتُهُ اهـ.

وزادَ البَيْضاوِيُّ عَلى ذَلِكَ أصْنافًا أُخْرى مِن صِفاتِ الحُرُوفِ لا نُطِيلُ بِها فَمَن شاءَ فَلْيُراجِعْها.

ومَحْصُولُ كَلامِهِما أنَّهُ قَدْ قُضِيَ بِذِكْرِ ما ذُكِرَ مِنَ الحُرُوفِ وإهْمالُ ذِكْرِ ما أُهْمِلَ مِنها حَقُّ التَّمْثِيلِ لِأنْواعِ الصِّفاتِ بِذِكْرِ النِّصْفِ، وتَرْكِ النِّصْفِ مِن بابِ ولْيُقَسْ ما لَمْ يُقَلْ لِحُصُولِ الغَرَضِ وهو الإشارَةُ إلى العِنايَةِ بِالكِتابَةِ، وحَقُّ الإيجازِ في الكَلامِ.

فَيَكُونُ ذِكْرُ مَجْمُوعِ هَذِهِ الفَواتِحِ في سُوَرِ القُرْآنِ مِنَ المُعْجِزاتِ العِلْمِيَّةِ وهي المَذْكُورَةُ في الوَجْهِ الثّالِثِ مِن وُجُوهِ الإعْجازِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ.

وكَيْفِيَّةُ النُّطْقِ أنْ يُنْطَقَ بِها مَوْقُوفَةً دُونَ عَلاماتِ إعْرابٍ عَلى حُكْمِ الأسْماءِ المَسْرُودَةِ إذْ لَمْ تَكُنْ مَعْمُولَةً لِعَوامِلَ فَحالُها كَحالِ الأعْدادِ المَسْرُودَةِ حِينَ تَقُولُ ثَلاثَهْ أرْبَعَهْ خَمْسَهْ وكَحالِ أسْماءِ الأشْياءِ الَّتِي تُمْلى عَلى الجارِدِ لَها، إذْ تَقُولُ مَثَلًا: ثَوْب، بِساط، سَيْف، دُونَ إعْرابٍ، ومَن أعْرَبَها كانَ مُخْطِئًا.

ولِذَلِكَ نَطَقَ القُرّاءُ بِها ساكِنَةً سُكُونَ المَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَما كانَ مِنها صَحِيحُ الآخِرِ نُطِقَ بِهِ ساكِنًا نَحْوَ ألِفْ، لامْ، مِيمْ. وما كانَ مِن أسْماءِ الحُرُوفِ مَمْدُودَ الآخِرِ نُطِقَ بِهِ في أوائِلِ السُّورِ ألِفًا مَقْصُورًا لِأنَّها مَسُوقَةٌ مَساقَ المُتَهَجّى بِها وهي في حالَةِ التَّهَجِّي مَقْصُورَةٌ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ لِأنَّ التَّهَجِّيَ إنَّما يَكُونُ غالِبًا لِتَعْلِيمِ المُبْتَدِئِ، واسْتِعْمالُها في التَّهَجِّي أكْثَرُ فَوَقَعَتْ في فَواتِحِ السُّوَرِ مَقْصُورَةً لِأنَّها عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ أوْ مَأْخُوذَةً مِنهُ.

ولَكِنَّ النّاسَ قَدْ يَجْعَلُونَ فاتِحَةَ إحْدى السُّوَرِ كالِاسْمِ لَها فَيَقُولُونَ قَرَأْتُ (﴿كهيعص﴾ [مريم: ١]) كَما يَجْعَلُونَ أوَّلَ كَلِمَةٍ مِنَ القَصِيدَةِ اسْمًا لِلْقَصِيدَةِ فَيَقُولُونَ قَرَأْتُ قِفا نَبْكِ وبانَتْ سُعادُ فَحِينَئِذٍ قَدْ تُعامَلُ جُمْلَةُ الحُرُوفِ الواقِعَةِ في تِلْكَ الفاتِحَةِ مُعامَلَةَ كَلِمَةٍ واحِدَةٍ فَيَجْرِي عَلَيْها مِنَ الإعْرابِ ما هو لِنَظائِرِ تِلْكَ الصِّيغَةِ مِنَ الأسْماءِ فَلا يُصْرَفُ حامِيمُ كَما قالَ شُرَيْحُ بْنُ أوْفى العَنْسِيُّ المُتَقَدِّمُ آنِفًا:

يُذَكِّرُنِي حامِيمَ والرُّمْحُ شاجِرٌ ∗∗∗ فَهَلّا تَلا حامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ

وكَما قالَ الكُمَيْتُ:

قَرَأْنا لَكم في آلِ حامِيمَ آيَةً ∗∗∗ تَأوَّلَها مِنّا فَقِيهٌ ومُعْرِبٌ

ولا يُعْرَبُ ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] إذْ لا نَظِيرَ لَهُ في الأسْماءِ إفْرادًا ولا تَرْكِيبًا.

وأمّا ﴿طسم﴾ [الشعراء: ١] فَيُعْرَبُ إعْرابَ المُرَكَّبِ المَزْجِيِّ نَحْوَ حَضْرَمَوْتَ ودارابَجِرْدَ وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّكَ إذا جَعَلْتَ هُودَ اسْمَ السُّورَةِ لَمْ تَصْرِفْها فَتَقُولُ قَرَأْتُ هُودَ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ قالَ لِأنَّها تَصِيرُ بِمَنزِلَةِ امْرَأةٍ سَمَّيْتَها بِعَمْرٍو.

ولَكَ في الجَمِيعِ أنْ تَأْتِيَ بِهِ في الإعْرابِ عَلى حالِهِ مِنَ الحِكايَةِ ومَوْقِعِ هاتِهِ الفَواتِحِ مَعَ ما يَلِيها مِن حَيْثُ الإعْرابِ، فَإنْ جَعَلَتْها حُرُوفًا لِلتَّهَجِّي تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ وتَبْكِيتًا لَهم فَظاهِرٌ أنَّها حِينَئِذٍ مَحْكِيَّةٌ ولا تَقْبَلُ إعْرابًا، لِأنَّها حِينَئِذٍ بِمَنزِلَةِ أسْماءِ الأصْواتِ لا يُقْصَدُ إلّا صُدُورُها فَدَلالَتُها تُشْبِهُ الدَّلالَةَ العَقْلِيَّةَ فَهي تَدُلُّ عَلى أنَّ النّاطِقَ بِها يُهَيِّئُ السّامِعَ إلى ما يَرِدُ بَعْدَها مِثْلَ سَرْدِ الأعْدادِ الحِسابِيَّةِ عَلى مَن يُرادُ مِنهُ أنْ يَجْمَعَ حاصِلَها أوْ يَطْرَحَ، أوْ يَقْسِمَ، فَلا إعْرابَ لَها مَعَ ما يَلِيها، ولا مَعْنى لِلتَّقْدِيرِ بِالمُؤَلَّفِ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ الإعْلامُ بِمَقْصُودٍ لِظُهُورِهِ وإنَّما المَقْصُودُ ما يَحْصُلُ عِنْدَ تَعْدادِها مِنَ التَّعْرِيضِ لِأنَّ الَّذِي يَتَهَجّى الحُرُوفَ لِمَن يُنافِي في حالُهُ أنْ يُقْصَدَ تَعْلِيمُهُ يَتَعَيَّنُ مِنَ المَقامِ أنَّهُ يَقْصِدُ التَّعْرِيضَ.

وإذا قَدَّرْتَها أسْماءً لِلسُّوَرِ أوْ لِلْقُرْآنِ أوْ لِلَّهِ تَعالى مُقْسَمًا بِها فَقِيلَ إنَّ لَها أحْكامًا مَعَ ما يَلِيها مِنَ الإعْرابِ بَعْضُها مُحْتاجٌ لِلتَّقْدِيرِ الكَثِيرِ، فَدَعْ عَنْكَ الإطالَةَ بِها فَإنَّ الزَّمانَ قَصِيرٌ.

وهاتِهِ الفَواتِحُ قُرْآنٌ لا مَحالَةَ ولَكِنِ اخْتُلِفَ في أنَّها آياتٌ مُسْتَقِلَّةٌ والأظْهَرُ أنَّها لَيْسَتْ بِآياتٍ مُسْتَقِلَّةٍ بَلْ هي أجْزاءٌ مِنَ الآياتِ المُوالِيَةِ لَها عَلى المُخْتارِ مِن مَذاهِبِ جُمْهُورِ القُرّاءِ.

ورُوِيَ عَنْ قُرّاءِ الكُوفَةِ أنَّ بَعْضَها عَدُّوهُ آياتٍ مُسْتَقِلَّةً وبَعْضُها لَمْ يَعُدُّوهُ وجَعَلُوهُ جُزْءَ آيَةٍ مَعَ ما يَلِيهِ، ولَمْ يَظْهَرْ وجْهُ التَّفْصِيلِ حَتّى قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّ هَذا لا دَخْلَ لِلْقِياسِ فِيهِ. والصَّحِيحُ عَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّ جَمِيعَها آياتٍ وهو اللّائِقُ بِأصْحابِ هَذا القَوْلِ إذِ التَّفْصِيلُ تَحَكُّمٌ؛ لِأنَّ الدَّلِيلَ مَفْقُودٌ.

والوَجْهُ عِنْدِي أنَّها آياتٌ لِأنَّ لَها دَلالَةً تَعْرِيضِيَّةً كِنائِيَّةً إذِ المَقْصُودُ إظْهارُ عَجْزِهِمْ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَهي تُطابِقُ مُقْتَضى الحالِ مَعَ ما يَعْقُبُها مِنَ الكَلامِ ولا يُشْتَرَطُ في دَلالَةِ الكَلامِ عَلى مَعْنًى كِنائِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ مَعْنًى صَرِيحٌ بَلْ تُعْتَبَرُ دَلالَةُ المُطابَقَةِ في هَذِهِ الحُرُوفِ تَقْدِيرِيَّةً إنْ قُلْنا بِاشْتِراطِ مُلازَمَةِ دَلالَةِ المُطابَقَةِ لِدَلالَةِ الِالتِزامِ.

ويَدُلُّ لِإجْراءِ السَّلَفِ حُكْمَ أجْزاءِ الآياتِ عَلَيْها أنَّهم يَقْرَءُونَها إذا قَرَءُوا الآيَةَ المُتَّصِلَةَ بِها، فَفي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ في ذِكْرِ سَبَبِ نُزُولِ سُورَةِ الرُّومِ. فَنَزَلَتْ ﴿الم﴾ [الروم: ١] ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢]، وفِيهِ أيْضًا فَخَرَجَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ يَصِيحُ في نَواحِي مَكَّةَ ﴿الم﴾ [الروم: ١] ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢] وفي سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ مِن رِوايَةِ ابْنِ هِشامٍ عَنْهُ «فَقَرَأ رَسُولُ اللَّهِ عَلى عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ﴿حم﴾ [فصلت: ١] ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ٢] حَتّى بَلَغَ قَوْلَهُ ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [فصلت»: ١٣] الحَدِيثَ.

وعَلى هَذا الخِلافِ اخْتُلِفَ في إجْزاءِ قِراءَتِها في الصَّلاةِ عِنْدَ الَّذِينَ يَكْتَفُونَ في قِراءَةِ السُّورَةِ مَعَ الفاتِحَةِ بِآيَةٍ واحِدَةٍ مِثْلَ أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ.

الدر المصون — السمين الحلبي
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
﴿الۤمۤ﴾ [البقرة ١]
إنْ قيل: إن الحروفَ المقطَّعة في أوائل السور أسماءُ حروفِ التهجِّي، بمعنى أن الميم اسْمٌ لمَهْ، والعينَ اسمٌ لعَهْ، وإن فائدتَها إعلامُهم بأن هذا القرآنَ منتظمٌ مِنْ جنس ما تَنْظِمون منه كلامَكم ولكن عَجَزْتُمْ عنه، فلا محلَّ لها حينئذ من الإِعراب، وإنما جيء بها لهذه الفائدةِ فأُلقيت كأسماءِ الأعدادِ نحو: واحد اثنان، وهذا أصحُّ الأقوالِ الثلاثة، أعني أنَّ في الأسماء التي لم يُقْصَدِ الإِخبارُ عنها ولا بها ثلاثةَ أقوالٍ، أحدها: ما تقدَّم. والثاني: أنها مُعْرَبَةٌ، بمعنى أنها صالحة للإِعراب وإنما فات شرطٌ وهو التركيبُ، وإليه مالَ الزمخشري. والثالث: أنها موقوفةٌ لا معربةٌ ولا مبنيةٌ. أو إنْ قيل: إنها أسماءُ السورِ المفتتحةِ بها، أو إنها بعضُ أسماءِ الله تعالى حُذِف بعضُها، وبقي منها هذه الحروفُ دالَّةٌ عليها وهو رأيُ ابن عباس، كقوله: الميم من عليهم والصاد من صادق فلها حينئذٍ محلُّ إعرابٍ، ويُحْتَمَلُ الرفعُ والجرُّ/، فالرفعُ على أحد وجهين: إمَّا بكونها مبتدأ، وإمَّا بكونها خبراً كما سيأتي بيانُه مفصَّلاً. والنصب على أحَدِ وجهين أيضاً: إمَّا بإضمار فعلٍ لائقٍ تقديرُه: اقرَؤوا: ألم، وإمَّا بإسقاطِ حرف القسم كقول الشاعر:
93 - إذا ما الخبزُ تَأْدِمُه بلَحْمٍ ... فذاك أمانةَ الله الثريدُ
يريد: وأمانةِ الله، وكذلك هذه الحروفُ، أقسم الله تعالى بها، وقد ردَّ الزمخشري هذا الوجه بما معناه: أنَّ «القرآن» في {ص والقرآن ذِي الذكر} [ص: 1] و «القلم» في: {ن والقلم} [القلم: 1] محلوفٌ بهما لظهور الجرِّ فيهما، وحينئذ لا يخلو أن تُجْعَلَ الواوُ الداخلةُ عليهما للقسم أو للعطف، والأول يلزم منه محذورٌ، وهو الجمع بين قسمين على مُقْسَم، قال: «وهم يستكرهون ذلك» ، والثاني ممنوعٌ لظهور الجرِّ فيما بعدها، والفرضُ أنك قدَّرْتَ المعطوفَ عليه في محلِّ نصب. وهو ردٌّ واضح، إلا أَنْ يقال: هي في محلِّ نصب إلا فيما ظهر فيه الجرُّ بعدَه كالموضعين المتقدمين و {حموالكتاب} [الزخرف: 1-2] و {ق والقرآن} [ق: 1] ولكن القائل بذلك لم يُفَرِّقْ بين موضعٍ وموضعٍ فالردُّ لازمٌ له.
والجرُّ من وجهٍ واحدٍ وهو أنَّها مُقْسَمٌ بها، حُذِف حرف القسم، وبقي عملُه كقولهم: «واللهِ لأفعلنَّ» ، أجاز ذلك أبو القاسم الزمخشري وأبو البقاء. وهذا صعيفٌ لأن ذلك من خصائص الجلالة المعظمة لاَ يَشْرَكُها فيه غيرُها.
فتلخَّص ممَّا تقدم: أن في «الم» ونحوها ستةَ أوجه وهي: أنها لا محلَّ لها من الإِعراب، أو لها محلٌّ، وهو الرفعُ بالابتداء أو الخبر، والنصبُ بإضمارِ فعلٍ أو حَذْفِ حرف القسم، والجرٌّ بإضمارِ حرفِ القسم.
وأمَّا «ذلك الكتاب» فيجوز في «ذلك» أن يكون مبتدأ ثانياً والكتابُ خبرُه، والجملةُ خبرُ «ألم» ، وأغنى الربطُ باسمِ الإِشارة، ويجوز أن يكونَ «الم» مبتدأً و «ذلك» خبره و «الكتاب» صفةٌ ل «ذلك» أو بدلٌ منه أو عطفُ بيان، وأن يكونَ «ألم» مبتدأً و «ذلك» مبتدأ ثان، و «الكتاب» : إما صفةٌ له أو بدلٌ منه أو عطفُ بيان له.
و {لاَ رَيْبَ فِيهِ} خبرٌ عن المبتدأ الثاني، وهو وخبرهُ خبرٌ عن الأول، ويجوز أن يكونَ «ألم» خبرَ مبتدأ مضمرٍ، تقديرُه: هذه ألم، فتكونُ جملةً مستقلةً بنفسها، ويكونُ «ذلك» مبتدأ ثانياً، و «الكتابُ» خبرُه، ويجوز أن يكونَ صفةً له أو بدلاً أو بياناً و {لاَ رَيْبَ فِيهِ} هو الخبرُ عن «ذلك» ، أو يكون «الكتابُ» خبراً ل «ذلك» و {لاَ رَيْبَ فِيهِ} خبرٌ ثانٍ، وفيه نظرٌ من حيث إنه تعدَّد الخبرُ وأحدُهما جملةٌ، لكنَّ الظاهرَ جوازُه كقوله تعالى: {فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تسعى} [طه: 20] إذا قيل إنَّ «تَسْعَى» خبرٌ، وأمَّا إن جُعِل صفةً فلا.
وقوله: {لاَ رَيْبَ فِيهِ} يجوز أن يكونَ خبراً كما تقدَّم بيانُه، ويجوز أَنْ تكونَ هذه الجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحال، والعاملُ فيه معنى الإِشارة، و «لا» نافيةٌ للجنس محمولةٌ في العمل على نقيضتها «إنَّ» ، واسمُها معربٌ ومبنيٌّ، فيُبْنَى إذا كان مفرداً نكرةً على ما كان يُنْصَبُ به، وسببُ بنائِه تضمُّنُهُ معنى الحرفِ، وهو «مِنْ» الاستغراقية يدلُّ على ذلك ظهورُها في قول الشاعر:
94 - فقام يَذُوْدُ الناسَ عنها بسيفِه ... فقال: ألا لا مِن سبيلٍ إلى هندِ
وقيل: بُني لتركُّبِه معها تركيبَ خمسةَ عشرَ وهو فاسدٌ، وبيانُه في غير هذا الكتابِ.
وزعم الزجاج أنَّ حركةَ «لا رجلَ» ونحوِه حركةُ إعراب، وإنما حُذِف التنوين تخفيفاً، ويدل على ذلك الرجوعُ إلى هذا الأصلِ في الضرورةِ، كقوله:
95 - ألا رجلاً جزاه اللهُ خيراً ... يَدُلُّ على مُحَصِّلَةٍ تَبيتُ
ولا دليلَ له لأنَّ التقديرَ: ألا تَرَوْنني رجلاً؟ .
فإن لم يكن مفرداً - وأعنى به المضاف والشبيهَ بهِ- أُعرب نصباً نحو: «لا خيراً من زيد» ولا عملَ لها في المعرفةِ البتة، وأمًّا نحوُ:
96 - تُبَكِّي على زيدٍ ولا زيدَ مثلُهُ ... بريءٌ من الحُمَّى سليمُ الجوانِحِ
وقول الآخر: 97 - أرى الحاجاتِ عند أبي خُبَيْبٍ ... نَكِدْنَ ولا أُمَيَّةَ في البلادِ
وقول الآخر:
98 - لا هيثَم الليلةَ للمَطِّي ... وقولِه عليه السلام: «لا قريشَ بعد اليوم، إذا هَلَكَ كسرى فلا كسرى بعدَه» فمؤولٌ.
و «ريبَ» اسمُها، وخبرُها يجوز أن يكونَ الجارَّ والمجرورَ وهو «فيه» ، إلا أن بني تميم لا تكاد تَذْكر خبرَها، فالأولى أن يكون محذوفاً تقديره: لا ريبَ كائنٌ، ويكون الوقف على «ريب» حينئذ تاماً، وقد يُحذف اسمها ويبقى خبرُها، قالوا: لا عليك، أي لا بأسَ عليك، ومذهبُ سيبويه أنها واسمَها في محلِّ رفع بالابتداء ولا عمَل لها في الخبر، ومذهبُ الأخفش أن اسمَها في محلِّ رفع وهي عاملةٌ في الخبر.
ولها أحكامٌ كثيرةٌ وتقسيماتٌ منتشرةٌ مذكورةٌ في النحو.
واعلم أن «لا» لفظٌ مشتركٌ بين النفي، وهي فيه على قسمين: قسمٌ تنفي فيه الجنسَ فتعملُ عمَل «إنَّ» كما تقدم، وقسمٌ تنفي فيه الوِحْدة وتعملُ حينئذ عملَ ليس، وبين النهي والدعاء فتجزم فعلاً واحداً، وقد تجيء زيادةً كما تقدَّم في {وَلاَ الضآلين} [الفاتحة: 7] .
و «ذلك» اسمُ إشارةٍ: الاسمُ منه «ذا» ، واللامُ للبعدِ والكافُ للخطاب وله ثلاثُ رتبٍ: دنيا ولها المجردُ من اللام والكاف نحو: ذا وذي وهذا وهذي، ووسطى ولها المتصلُ بحرفِ الخطابِ نحو: ذاك وذَيْكَ وتَيْكَ، وقصوى ولها/ المتصلُ باللام والكاف نحو: ذلك وتلك، لا يجوز أن يُؤتى باللام إلا مع الكاف، ويجوز دخولُ حرفِ التنبيه على سائر أسماء الإِشارة إلا مع اللام فيمتنعُ للطول، وبعضُ النحويين لم يَذْكرْ له إلا رتبتين: دنيا وغيرَها.
واختلف النحويون في ذا: هل هو ثلاثيُّ الوضع أم أصلُه حرفٌ واحدٌ؟ الأولُ قولُ البصريين. ثم اختلفوا: هل عينُه ولامه ياء فيكونُ من باب حيي أو عينُه واوٌ ولامُه ياءٌ فيكونُ من باب طَوَيْت، ثم حُذِفت لامُه تخفيفاً، وقُلبت العينُ ألفاً لتحركها وانفتاحِ ما قبلها، وهذا كلُّه على سبيل التمرين وإلا فهذا مبنيٌّ، والمبني لا يدخله تصريف.
وإنما جيء هنا بإشارة البعيد تعظيماً للمشار إليه، ومنه:
99 - أقولُ له والرمحُ يَأطُر مَتْنَه ... تأمَّلْ خِفافاً إنَّني أنا ذلكا
أو لأنه لمَّا نَزَل من السماء إلى الأرض أُشير بإشارة البعيد [أو لأنه كان موعوداً به نبيُّه عليه السلام، أو أنه أشير به إلى ما قضاه وقدَّره في اللوحِ المحفوظِ، وفي عبارة المفسرين أُشير بذلك للغائب يَعْنُون البعيد، وإلاَّ فالمشارُ إليه لا يكون إلا حاضراً ذهناً أو حساً، فعبَّروا عن الحاضرِ ذهناً بالغائبِ أي حساً، وتحريرُ القولِ ما ذكرته لك] .
والكتابُ في الأصل مصدرٌ، قال تعالى: {كِتَابَ الله عَلَيْكُمْ} [النساء: 24] وقد يُراد به المكتوبُ، قال:
100 - بَشَرْتُ عيالي إذ رأيتُ صحيفةً ... أَتَتْكَ من الحَجَّاج يُتْلى كتابُها
ومثله:
101 - تُؤَمِّلُ رَجْعَةً مني وفيها ... كتابٌ مثلَ ما لَصِق الغِراءُ
وأصلُ هذه المادةِ الدلالةُ على الجمع، ومنه كتيبةُ الجيش، وكَتَبْتُ القِرْبَةَ: خَرَزْتُها، والكُتْبَةُ -بضم الكاف- الخُرْزَةُ، والجمع كُتَبٌ، قال:
102 - وَفْراءَ غَرْفيَّةٍ أَثْأى خوارِزُها ... مُشَلْشِلٌ ضَيَّعَتْهُ بينها الكُتَبُ
وكَتَبْتُ الدابَّةَ: [إذا جمعتَ بين شُفْرَي رَحِمها بحلَقةٍ أو سَيْر] ، قال:
103 - لاَ تأْمَنَنَّ فزاريَّاً حَلَلْتَ به ... على قُلوصِك واكتبْها بأَسْيارِ
والكتابةُ عُرْفاً: ضمُّ بعضِ حروفِ الهجاءِ إلى بعضٍ.
والرَّيْبُ: الشكُّ مع تهمة، قال: 104 - ليس في الحقِ يا أُمَيمةُ رَيْبٌ ... إنما الريبُ ما يقول الكَذوبُ
وحقيقته على ما قال الزمخشري: قَلَقُ النفس واضطرابُها، ومنه الحديث: «دَعْ ما يَريبك إلى ما لا يَريبك» ، وأنه مَرَّ بظبي خائف فقال: «لا يُرِبْهُ أحد» فليس قول من قال: «الريبُ الشكُّ مطلقاً» بجيدٍ، بل هو أخصُّ من الشكِّ، كما تقدَّم.
وقال بعضهم: في الريب ثلاثةُ معانٍ، أحدُها: الشكُّ. قال ابن الزبعرى:
105 - ليسَ في الحقِ يا أميمةُ رَيْبٌ ... وثانيها التهمةُ: قال جميل بثينة:
106 - بُثَيْنَةُ قالت: يا جميلُ أَرَبْتَني ... فقلت: كلانا يابُثَيْنُ مُريبُ
وثالثها الحاجةُ، قال:
107 - قََضَيْنا من تِهامةَ كلَّ ريبٍ ... وخَيْبَرَ ثم أَجْمَعْنا السيوفا
وقوله: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} يجوز فيه عدةُ أوجهٍ، أن يكونَ مبتدأ وخبرُه «فيه» متقدماً عليه إذا قلنا: إنَّ خبرَ «لا» محذوف، وإنْ قلنا «فيه» خبرُها كان خبرُه محذوفاً مدلولاً عليه بخبر «لا» تقديره: لا ريبَ فيه، فيه هدىً، وأن يكونَ خبرَ مبتدأ مضمرٍ تقديرُه هو هُدَىً، وأن يكونَ خبراً ثانياً ل «ذلك» ، على أن «الكتاب» صفة أو بدلٌ أو بيان، و «لا ريب» خبرٌ أول، وأن يكون خبراً ثالثاً ل «ذلك» ، على أن يكون «الكتاب» خبراً أول و «لا ريبَ» خبراً ثانياً، وأن يكونَ منصوباً على الحال من «ذلك» أو من «الكتاب» والعاملُ «فيه» ، على كلا التقديرين اسمُ الإِشارةِ، وأن يكونَ حالاً ومن الضمير في «فيه» ، والعاملُ ما في الجار والمجرور من معنى الفعل، وجَعْلُه حالاً ممَّا تقدَّم: إمَّا على المبالغة، كأنه نفس الهدى، أو على حذف مضاف أي: ذا هدى أو على وقوعِ المصدر موقعَ اسم الفاعل، وهكذا كلُّ مصدرٍ وقع خبراً أو صفة أو حالاً فيه الأقوالُ الثلاثةُ أرجحُها الأولُ. وأجازوا أن يكونَ «فيه» صفةً لريب فيتعلَّقَ بمحذوفٍ، وأن يكونَ متعلقاً بريب، وفيه إشكالٌ، لأنه يَصير مُطَوَّلاً، واسمُ «لا» إذا كان مطولاً أُعرِب، إلا أَنْ يكونَ مُرادُهم أنه معمولٌ لِما دَلَّ عليه «ريبَ» لا لنفس «ريب» .
وقد تقدَّم معنى «الهدى» عند قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] ، و «هُدَى» مصدرٌ على فُعَل، قالوا: ولم يَجىءْ من هذا الوزن في المصادر إلا: سُرى وبُكى وهُدى، وقد جاء غيرُها، وهو: لَقِيْتُه لُقَى، قال:
108 - وقد زعموا حِلْماً لُقاك ولم أَزِدْ ... بحمدِ الذي أَعْطَاك حِلْماً ولا عَقْلا
والهُدى فيه لغتان: التذكير، ولم يَذْكُرِ اللِّحياني غيرَه، وقال الفراء: «بعضُ بني أسد يؤنِّثُه فيقولون: هذه هدىً» .
و «في» معناها الظرفية حقيقةً أو مجازاً، نحو: زيدٌ في الدار،
{وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ} [البقرة: 197] ، ولها معانٍ أُخَرُ: المصاحَبَةَ نحو: {ادخلوا في أُمَمٍ} [الأعراف: 38] ، والتعليلُ: «إنَّ امرأةً دخلتِ النارَ في هرة» ، وموافقةُ «على» : {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل} [طه: 71] ، والباء: {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} [الشورى: 11] أي بسببه، والمقايَسَةُ: {فَمَا مَتَاعُ الحياة الدنيا فِي الآخرة} [التوبة: 38] .
والهاءُ في «فيه» أصلُها الضمُّ كما تقدَّم من أنَّ هاءَ الكنايةِ أصلُها الضمُّ، فإنْ تَقَدَّمها ياءٌ ساكنةٌ أو كسرةٌ كَسَرَها غيرُ الحجازيين، وقد قرأ حمزة: «لأهلهُ امكثوا» وحفص في «عاهد عليهُ الله» ، «وما أنسانيهُ إلا» بلغةِ الحجاز، والمشهورُ فيها - إذا لم يَلِها ساكنٌ وسَكَنَ ما قبلها نحو: فيه ومنه - الاختلاسُ، ويجوز الإِشباعُ، وبه قرأ ابن كثير، فإنْ تحرَّك ما قبلها أُشْبِعَتْ، وقد تُخْتَلَسُ وتُسَكَّن، وقرئ ببعضِ ذلك كما سيأتي مفصلاً.
و «للمتقين» جارٌّ ومجرورٌ متعلقٌ ب «هُدَى» . وقيل: صفةٌ لهدى، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، ومحلُّه حينئذٍ: إمَّا الرفعُ أو النصبُ بحسَبِ ما تقدم في موصوفه، أي: هدىً كائنٌ أو كائناً للمتقين. والأحسنُ من هذه الوجوه المتقدمة كلِّها أن تكونَ كلُّ جملةٍ مستقلةً بنفسها، ف «ألم» جملةٌ إنْ قيلَ إنها خبرُ مبتدأ مضمرٍ، و «ذلك الكتاب» جملةٌ، و «لا ريبَ» جملةٌ، و «فيه هدى» جملةٌ، وإنما تُرِكَ العاطفُ لشدةِ الوَصْلِ، لأنَّ كلَّ جملةٍ متعلقةٌ بما قبلها آخذةٌ بعُنُقِها تعلُّقاً لا يجوزُ معه الفصلُ بالعطفِ. قال الزمخشري ما معناه: فإن قلت: لِمَ لَمْ يتقدَّمِ الظرفُ على الريب كما قُدِّم على «الغَوْل» في قوله تعالى: {لاَ فِيهَا غَوْلٌ} [الصافات: 47] قلت: لأنَّ تقديمَ الظرفِ ثَمَّ يُشْعِرُ بأنَّ غيرَها ما نُفِيَ عنها، فالمعنى: ليس فيها غَوْلٌ كما في خُمور الدنيا، فلَو قُدِّم الظرفُ هنا لأَفهمَ هذا المعنى، وهو أنَّ غيرَه من الكتبِ السماويةِ فيه ريبٌ، وليس ذلك مقصوداً، وكأنَّ هذا الذي ذكره أبو القاسم الزمخشري بناءً منه على أن التقديمَ يُفيد الاختصاصَ، وكأنَّ المعنى أنَّ خمرة الآخرة اختصَّتْ بنفي الغَوْلِ عنها بخلافِ غيرِها، وللمنازَعةِ فيه مجالٌ.
وقد رامَ بعضُهم الردَّ عليه بطريقٍ آخرَ، وهو أنَّ العربَ قد وَصَفَتْ/ أيضاً خَمْرَ الدنيا بأنها لا تَغْتَالُ العقولَ، قال علقمة:
109 - تَشْفي الصُّداعَ ولا يُؤْذيكَ صالِبُها ... وَلاَ يُخَالِطُها في الرأسِ تَدْويمُ
وما أبعد هذا من الردِّ عليه، إذ لا اعتبارَ بوَصْفِ هذا القائلِ.
فإن قيل: قد وُجِدَ الريبُ من كثيرٍ من الناس في القرآن، وقولُه تعالى: {لاَ رَيْبَ فِيهِ} ينفي ذلكَ. فالجوابُ من ثلاثة أوجه، أحدُهما: أنَّ المنفيَّ كونُه متعلقاً للريبِ، بمعنى أنَّ معه من الأدلَّة ما إنْ تأمَّله المنصِفُ المُحِقُّ لم يَرْتَبْ فيه، ولا اعتبارَ بريبٍ مَنْ وُجِدَ منه الريبُ، لأنه لم ينظرْ حقَّ النظرِ، فَرَيْبُه غَيرُ مُعْتَدٍّ به.
والثاني: أنه مخصوصٌ، والمعنى: لا ريبَ فيه عند المؤمنين، والثالث: أنه خبرٌ معناه النهيُ، أي لا تَرْتابوا فيه. والأول أحسنُ.
و «المتقين» جمعُ مُتَّقٍ، وأصلُهُ مُتَّقْيِيْن بياءين، الأولى لامُ الكلمة والثانيةُ علامةُ الجمع، فاستُثْقِلَتِ الكسرةُ على لام الكلمة وهي الياءُ الأولى فحُذِفَت، فالتقى ساكنان، فحُذِف إحداهما، وهي الأولى، ومتَّقٍ من اتَّقَى يتَّقِي وهو مُفْتَعِل من الوقاية، إلا أنه يَطَّرِدُ في الواو والياء إذا كانا فاءَيْن ووقَعَتْ بعدَهما تاءُ الافتعالِ أن يُبْدَلا تاءً نحو: اتَّعَدَ من الوَعْد، واتَّسَرَ من اليُسْر، وفِعْلُ ذلك بالهمزة شَاذٌّ، قالوا: اتَّزر واتَّكل من الإِزار والأكل.
ولافْتَعَلَ اثنا عشرَ معنىً: الاتخاذ نحو: اتَّقى، والتَّسَبُّب نحو: اعْتَمَلَ، وفعلُ الفاعلِ بنفسِهِ نحو: اضطرب، والتخيُّر نحو: انتخب، والخطف نحو: اسْتَلَبَ، ومطاوعةُ أفْعَل نحو: انْتَصَفَ مطاوعُ أَنْصَفَ، ومطاوعةُ فَعَّل نحو: عَمَّمْتُه فاعتمَّ، وموافقةُ تفاعَلَ وتفعَّل واسْتَفْعَلَ نحو: اجْتَوَر واقتسَمَ واعتصَرَ، بمعنى تجاور وتقسَّم واسْتَعْصَمَ، وموافقةُ المجرد نحو: اقتَدَرَ بمعنى قَدَر، والإِغناءُ عنه نحو: استلم الحجرَ، لم يُلفظ له بمجردٍ.
والوِقايةُ: فَرْطُ الصيانة وشِدَّةُ الاحتراسِ من المكروه، ومنه: فرسٌ واقٍ إذا كان يقي حافرُه أدنى شيءٍ يُصيبه. وقيل: هي في أصل اللغة قلةُ الكلام، وفي الحديث: «التقيُّ مُلْجَمٌ» ومن الصيانة قوله:
110 - سَقَطَ النَّصِيفُ ولم تُرِدْ إسقاطَه ... فتناوَلَتْه واتَّقَتْنَا باليَدِ
وقال آخر:
111 - فَأَلْقَتْ قناعاً دونَه الشمسُ واتَّقَتْ ... بأحسنِ مَوْصولينِ كَفٍّ ومِعْصَمِ