التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير سورة الفاتحة، الآية: ٧

تفسير قول الله تعالى: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ). سورة الفاتحة، الآية: ٧

التحرير والتنوير - ابن عاشور

التحرير والتنوير - ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)

﴿صِرَ اطَ ٱلَّذِینَ أَنۡعَمۡتَ عَلَیۡهِمۡ غَیۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَیۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّاۤلِّینَ﴾ [الفاتحة ٧]

﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ مِنَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وإنَّما جاءَ نَظْمُ الآيَةِ بِأُسْلُوبِ الإبْدالِ أوِ البَيانِ دُونَ أنْ يُقالَ: اهْدِنا صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمُ المُسْتَقِيمَ، لِفائِدَتَيْنِ: الأُولى: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الطَّلَبِ ابْتِداءً هو كَوْنُ المُهْدى إلَيْهِ وسِيلَةً لِلنَّجاةِ واضِحَةً سَمْحَةً سَهْلَةً، وأمّا كَوْنُها سَبِيلَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَأمْرٌ زائِدٌ لِبَيانِ فَضْلِهِ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ ما في أُسْلُوبِ الإبْدالِ مِنَ الإجْمالِ المُعَقَّبِ بِالتَّفْصِيلِ لِيَتَمَكَّنَ مَعْنى الصِّراطِ لِلْمَطْلُوبِ فَضْلُ تَمَكُّنٍ في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لُقِّنُوا هَذا الدُّعاءَ فَيَكُونُ لَهُ مِنَ الفائِدَةِ مِثْلُ ما لِلتَّوْكِيدِ المَعْنَوِيِّ، وأيْضًا لِما في هَذا الأُسْلُوبِ مِن تَقْرِيرِ حَقِيقَةِ هَذا الصِّراطِ وتَحْقِيقِ مَفْهُومِهِ في نُفُوسِهِمْ فَيَحْصُلُ مَفْهُومُهُ مَرَّتَيْنِ فَيَحْصُلُ لَهُ مِنَ الفائِدَةِ ما يَحْصُلُ بِالتَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ واعْتِبارِ البَدَلِيَّةِ مُساوٍ لِاعْتِبارِهِ عَطْفَ بَيانٍ لا مَزِيَّةَ لِأحَدِهِما عَلى الآخَرِ خِلافًا لِمَن حاوَلَ التَّفاضُلَ بَيْنَهُما، إذِ التَّحْقِيقُ عِنْدِي أنَّ عَطْفَ البَيانِ اسْمٌ لِنَوْعٍ مِنَ البَدَلِ وهو البَدَلُ المُطابِقُ وهو الَّذِي لَمْ يُفْصِحْ أحَدٌ مِنَ النُّحاةِ عَلى تَفْرِقَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ بَيْنَهُما ولا شاهِدًا يُعَيِّنُ المَصِيرَ إلى أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ.

قالَ في الكَشّافِ: فَإنْ قُلْتَ ما فائِدَةُ البَدَلِ ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ التَّوْكِيدُ لِما فِيهِ مِنَ التَّثْنِيَةِ والتَّكْرِيرِ اهـ فَأفْهَمَ كَلامُهُ أنَّ فائِدَةَ الإبْدالِ أمْرانِ يَرْجِعانِ إلى التَّوْكِيدِ وهُما ما فِيهِ مِنَ التَّثْنِيَةِ أيْ تَكْرارِ لَفْظِ البَدَلِ ولَفْظِ المُبْدَلِ مِنهُ وعَنى بِالتَّكْرِيرِ ما يُفِيدُهُ البَدَلُ عِنْدَ النُّحاةِ مِن تَكْرِيرِ العامِلِ، وهو الَّذِي مَهَّدَ لَهُ في صَدْرِ كَلامِهِ بِقَوْلِهِ: وهو في حُكْمِ تَكْرِيرِ العامِلِ كَأنَّهُ قِيلَ: اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ اهْدِنا صِراطَ الَّذِينَ، وسَمّاهُ تَكْرِيرًا لِأنَّهُ إعادَةٌ لِلَّفْظِ بِعَيْنِهِ، بِخِلافِ إعادَةِ لَفْظِ المُبْدَلِ مِنهُ فَإنَّهُ إعادَةٌ لَهُ بِما يَتَّحِدُ مَعَ ما صَدَقَهُ فَلِذَلِكَ عَبَّرَ بِالتَّكْرِيرِ وبِالتَّثْنِيَةِ، ومُرادُهُ أنَّ مِثْلَ هَذا البَدَلِ وهو الَّذِي فِيهِ إعادَةُ لَفْظِ المُبْدَلِ مِنهُ يُفِيدُ فائِدَةَ البَدَلِ وفائِدَةَ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ لا يَتَأتّى عَلى وجْهٍ مُعْتَبَرٍ عِنْدَ البُلَغاءِ إلّا بِهَذا الصَّوْغِ البَدِيعِ.

وإنَّ إعادَةَ الِاسْمِ في البَدَلِ أوِ البَيانِ لِيُبْنى عَلَيْهِ ما يُرادُ تَعَلُّقُهُ بِالِاسْمِ الأوَّلِ أُسْلُوبٌ بَهِيجٌ مِنَ الكَلامِ البَلِيغِ لِإشْعارِ إعادَةِ اللَّفْظِ بِأنَّ مَدْلُولَهُ بِمَحَلِّ العِنايَةِ وأنَّهُ حَبِيبٌ إلى النَّفْسِ، ومِثْلُهُ تَكْرِيرُ الفِعْلِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] وقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ [القصص: ٦٣] فَإنَّ إعادَةَ فِعْلِ (مَرُّوا) وفِعْلِ (أغْوَيْناهم) وتَعْلِيقِ المُتَعَلِّقِ بِالفِعْلِ المُعادِ دُونَ الفِعْلِ الأوَّلِ تَجِدُ لَهُ مِنَ الرَّوْعَةِ والبَهْجَةِ ما لا تَجِدُهُ لِتَعْلِيقِهِ بِالفِعْلِ الأوَّلِ دُونَ إعادَةٍ، ولَيْسَتِ الإعادَةُ في مِثْلِهِ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ لِأنَّهُ قَدْ زِيدَ عَلَيْهِ ما تَعَلَّقَ بِهِ. قالَ ابْنُ جِنِّي في شَرْحِ مُشْكِلِ الحَماسَةِ عِنْدَ قَوْلِ الأحْوَصِ:

فَإذا تَزُولُ تَزُولُ عَنْ مُتَخَمِّطٍ تُخْشى بَوادِرُهُ عَلى الأقْرانِ


مُحالٌ أنْ تَقُولَ إذا قُمْتُ قُمْتُ وإذا أقْعُدُ أقْعُدُ لِأنَّهُ لَيْسَ في الثّانِي غَيْرُ ما في الأوَّلِ وإنَّما جازَ أنْ يَقُولَ فَإذا تَزُولُ تَزُولُ لِما اتَّصَلَ بِالفِعْلِ الثّانِي مِن حَرْفِ الجَرِّ المُفادَةُ مِنهُ الفائِدَةُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ [القصص: ٦٣] وقَدْ كانَ أبُو عَلِيٍّ يَعْنِي الفارِسِيَّ امْتَنَعَ في هَذِهِ الآيَةِ مِمّا أخَذْناهُ اهـ.

قُلْتُ: ولَمْ يَتَّضِحْ تَوْجِيهُ امْتِناعِ أبِي عَلِيٍّ فَلَعَلَّهُ امْتَنَعَ مِنَ اعْتِبارِ أغْوَيْناهم بَدَلًا مِن أغْوَيْنا وجَعَلَهُ اسْتِئْنافًا وإنْ كانَ المَآلُ واحِدًا. وفي اسْتِحْضارِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ بِطَرِيقِ المَوْصُولِ، وإسْنادِ فِعْلِ الإنْعامِ عَلَيْهِمْ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ، تَنْوِيهٌ بِشَأْنِهِمْ خِلافًا لِغَيْرِهِمْ مِنَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ والضّالِّينَ.

ثُمَّ إنَّ في اخْتِيارِ وصْفِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ بِأنَّهُ صِراطُ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ دُونَ بَقِيَّةِ أوْصافِهِ تَمْهِيدًا لِبِساطِ الإجابَةِ فَإنَّ الكَرِيمَ إذا قُلْتَ لَهُ أعْطِنِي كَما أعْطَيْتَ فُلانًا كانَ ذَلِكَ أنْشَطَ لِكَرَمِهِ، كَما قَرَّرَهُ الشَّيْخُ الجَدُّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ في قَوْلِهِ ﷺ كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ، فَيَقُولُ السّائِلُونَ: اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ الصِّراطَ الَّذِي هَدَيْتَ إلَيْهِ عَبِيدَ نِعَمِكَ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ التَّعْرِيضِ بِطَلَبِ أنْ يَكُونُوا لاحِقِينَ في مَرْتَبَةِ الهُدى بِأُولَئِكَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، وتَهَمُّمًا بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ في الأخْذِ بِالأسْبابِ الَّتِي ارْتَقَوْا بِها إلى تِلْكَ الدَّرَجاتِ، قالَ تَعالى ﴿لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمُ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الممتحنة: ٦]، وتَوْطِئَةً لِما سَيَأْتِي بَعْدُ مِنَ التَّبْرِيءِ مِن أحْوالِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ والضّالِّينَ فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ تَفاؤُلًا وتَعَوُّذًا.

والنِّعْمَةُ بِالكَسْرِ وبِالفَتْحِ مُشْتَقَّةٌ مِنَ النَّعِيمِ وهو راحَةُ العَيْشِ ومُلائِمُ الإنْسانِ والتَّرَفُّهِ، والفِعْلُ كَسَمِعَ ونَصَرَ وضَرَبَ.

والنِّعْمَةُ الحالَةُ الحَسَنَةُ لِأنَّ بِناءَ الفِعْلَةِ بِالكَسْرِ لِلْهَيْئاتِ ومُتَعَلِّقَ النِّعْمَةِ اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ في اللَّذّاتِ المَعْنَوِيَّةِ العائِدَةِ بِالنَّفْعِ ولَوْ لَمْ يُحِسَّ بِها صاحِبُها.

فالمُرادُ مِنَ النِّعْمَةِ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ النِّعْمَةُ الَّتِي لَمْ يَشُبْها ما يُكَدِّرُها ولا تَكُونُ عاقِبَتُها سُوأى، فَهي شامِلَةٌ لِخَيْراتِ الدُّنْيا الخالِصَةِ مِنَ العَواقِبِ السَّيِّئَةِ ولِخَيْراتِ الآخِرَةِ، وهي الأهَمُّ، فَيَشْمَلُ النِّعَمَ الدُّنْيَوِيَّةَ المَوْهُوبِيَّ مِنها والكَسْبِيَّ، والرُّوحانِيَّ والجُثْمانِيَّ، ويَشْمَلُ النِّعَمَ الأُخْرَوِيَّةَ.

والنِّعْمَةُ بِهَذا المَعْنى يَرْجِعُ مُعْظَمُها إلى الهِدايَةِ، فَإنَّ الهِدايَةَ إلى الكَسْبِيِّ مِنَ الدُّنْيَوِيِّ وإلى الأُخْرَوِيِّ كُلِّهِ ظاهِرَةٌ فِيها حَقِيقَةُ الهِدايَةِ، ولِأنَّ المَوْهُوبَ في الدُّنْيا وإنْ كانَ حاصِلًا بِلا كَسْبٍ إلّا أنَّ الهِدايَةَ تَتَعَلَّقُ بِحُسْنِ اسْتِعْمالِهِ فِيما وُهِبَ لِأجْلِهِ.

فالمُرادُ مِنَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمُ الَّذِينَ أُفِيضَتْ عَلَيْهِمُ النِّعَمُ الكامِلَةُ. ولا تَخْفى تَمامُ المُناسَبَةِ بَيْنَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ وبَيْنَ المَهْدِيِّينَ حِينَئِذٍ فَيَكُونُ في إبْدالِ صِراطِ الَّذِينَ مِنَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ مَعْنًى بَدِيعٌ وهو أنَّ الهِدايَةَ نِعْمَةٌ وأنَّ المُنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالنِّعْمَةِ الكامِلَةِ قَدْ هُدُوا إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ. والَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هم خِيارُ الأُمَمِ السّابِقَةِ مِنَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ الَّذِينَ حَصَلَتْ لَهُمُ النِّعْمَةُ الكامِلَةُ. وإنَّما يَلْتَئِمُ كَوْنُ المَسْئُولِ طَرِيقَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ فِيما مَضى وكَوْنُهُ هو دِينَ الإسْلامِ الَّذِي جاءَ مِن بَعْدُ بِاعْتِبارِ أنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ جارٍ عَلى سَنَنِ الشَّرائِعِ الحَقَّةِ في أُصُولِ الدِّيانَةِ وفُرُوعِ الهِدايَةِ والتَّقْوى، فَسَألُوا دِينًا قَوِيمًا يَكُونُ في اسْتِقامَتِهِ كَصِراطِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ فَأُجِيبُوا بِدِينِ الإسْلامِ، وقَدْ جَمَعَ اسْتِقامَةَ الأدْيانِ الماضِيَةِ وزادَ عَلَيْها. أوِ المُرادُ مِنَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمُ الأنْبِياءُ والرُّسُلُ فَإنَّهم كانُوا عَلى حالَةٍ أكْمَلَ مِمّا كانَ عَلَيْهِ أُمَمُهم، ولِذَلِكَ وصَفَ اللَّهُ كَثِيرًا مِنَ الرُّسُلِ الماضِينَ بِوَصْفِ الإسْلامِ، وقَدْ قالَ يَعْقُوبُ لِأبْنائِهِ ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى رَفِقَ بِالأُمَمِ فَلَمْ يَبْلُغْ بِهِمْ غايَةَ المُرادِ مِنَ النّاسِ لِعَدَمِ تَأهُّلِهِمْ لِلِاضْطِلاعِ بِذَلِكَ ولَكِنَّهُ أمَرَ المُرْسَلِينَ بِأكْمَلِ الحالاتِ وهي مُرادُهُ تَعالى مِنَ الخَلْقِ في الغايَةِ، ولْنُمَثِّلْ لِذَلِكَ بِشُرْبِ الخَمْرِ فَقَدْ كانَ القَدْرُ غَيْرُ المُسْكِرِ مِنهُ مُباحًا وإنَّما يَحْرُمُ السُّكْرُ أوْ لا يَحْرُمُ أصْلًا غَيْرَ أنَّ الأنْبِياءَ لَمْ يَكُونُوا يَتَعاطَوْنَ القَلِيلَ مِنَ المُسْكِراتِ وهو المِقْدارُ الَّذِي هَدى اللَّهُ إلَيْهِ هَذِهِ الأُمَّةَ كُلَّها، فَسَواءٌ فَسَّرْنا المُنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالأنْبِياءِ أوْ بِأفْضَلِ أتْباعِهِمْ أوْ بِالمُسْلِمِينَ السّابِقِينَ فالمَقْصِدُ الهِدايَةُ إلى صِراطٍ كامِلٍ، ويَكُونُ هَذا الدُّعاءُ مَحْمُولًا في كُلِّ زَمانٍ عَلى ما يُناسِبُ طُرُقَ الهِدايَةِ الَّتِي سَبَقَتْ زَمانَهُ والَّتِي لَمْ يَبْلُغْ إلى نِهايَتِها.

والقَوْلُ في المَطْلُوبِ مِنِ (اهْدِنا) عَلى هَذِهِ التَّقادِيرِ كُلِّها كالقَوْلِ فِيما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِ اهْدِنا لِطَلَبِ الحُصُولِ أوِ الزِّيادَةِ أوِ الدَّوامِ.

والدُّعاءُ مَبْنِيٌّ عَلى عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالنِّعْمَةِ غَيْرِ الخالِصَةِ، فَإنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ كُلِّهِمْ كَثِيرَةٌ والكافِرُ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ بِما لا يُمْتَرى في ذَلِكَ، ولَكِنَّها نِعَمٌ تَحُفُّها آلامُ الفِكْرَةِ في سُوءِ العاقِبَةِ، ويَعْقُبُها عَذابُ الآخِرَةِ. فالخِلافُ المَفْرُوضُ بَيْنَ بَعْضِ العُلَماءِ في أنَّ الكافِرَ هَلْ هو مُنْعَمٌ عَلَيْهِ خِلافٌ لا طائِلَ تَحْتَهُ فَلا فائِدَةَ في التَّطْوِيلِ بِظَواهِرِ أدِلَّةِ الفَرِيقَيْنِ.

* * *

﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾

كَلِمَةُ ”غَيْرِ“ مَجْرُورَةٌ بِاتِّفاقِ القُرّاءِ العَشَرَةِ وهي صِفَةٌ لِلَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. أوْ بَدَلٌ مِنهُ والوَصْفُ والبَدَلِيَّةُ سَواءٌ في المَقْصُودِ، وإنَّما قَدَّمَ في الكَشّافِ بَيانَ وجْهِ البَدَلِيَّةِ لِاخْتِصارِ الكَلامِ عَلَيْها لِيُفْضِيَ إلى الكَلامِ عَلى الوَصْفِيَّةِ، فَيُورِدُ عَلَيْها كَيْفِيَّةَ صِحَّةِ تَوْصِيفِ المَعْرِفَةِ بِكَلِمَةِ (غَيْرِ) الَّتِي لا تُتَعَرَّفُ، وإلّا فَإنَّ جَعْلَ ”غَيْرِ المَغْضُوبِ“ صِفَةً ”لِلَّذِينَ“ هو الوَجْهُ، وكَذَلِكَ أعْرَبَهُ سِيبَوَيْهِ فِيما نَقَلَ عَنْهُ أبُو حَيّانَ ووَجَّهَهُ بِأنَّ البَدَلَ بِالوَصْفِ ضَعِيفٌ إذِ الشَّأْنُ أنَّ البَدَلَ هو عَيْنُ المُبْدَلِ مِنهُ أيِ اسْمُ ذاتٍ لَهُ، يُرِيدُ أنَّ مَعْنى التَّوْصِيفِ في غَيْرِ أغْلَبُ مِن مَعْنى ذاتٍ أُخْرى لَيْسَتِ السّابِقَةَ، وهو وُقُوفٌ عِنْدَ حُدُودِ العِباراتِ الِاصْطِلاحِيَّةِ حَتّى احْتاجَ صاحِبُ الكَشّافِ إلى تَأْوِيلِ غَيْرِ المَغْضُوبِ بِالَّذِينَ سَلِمُوا مِنَ الغَضَبِ، وأنا لا أظُنُّ الزَّمَخْشَرِيَّ أرادَ تَأْوِيلَ غَيْرِ بَلْ أرادَ بَيانَ المَعْنى. وإنَّما صَحَّ وُقُوعُ (غَيْرِ) صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ مَعَ قَوْلِهِمْ: إنَّ (غَيْرَ) لِتَوَغُّلِها في الإبْهامِ لا تُفِيدُها الإضافَةُ تَعْرِيفًا أيْ فَلا يَكُونُ في الوَصْفِ بِها فائِدَةُ التَّمْيِيزِ فَلا تُوصَفُ بِها المَعْرِفَةُ لِأنَّ الصِّفَةَ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ أشْهَرَ مِنَ المَوْصُوفِ، فَـ (غَيْرِ) وإنْ كانَتْ مُضافَةً لِلْمَعْرِفَةِ إلّا أنَّها لِما تَضَمَّنَهُ مَعْناها مِنَ الإبْهامِ انْعَدَمَتْ مَعَها فائِدَةُ التَّعْرِيفِ، إذْ كُلُّ شَيْءٍ سِوى المُضافِ إلَيْهِ هو غَيْرُ، فَماذا يُسْتَفادُ مِنَ الوَصْفِ في قَوْلِكَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ غَيْرِ عَمْرٍو. فالتَّوْصِيفُ هُنا إمّا بِاعْتِبارِ كَوْنِ (﴿الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾) لَيْسَ مُرادًا بِهِ فَرِيقٌ مُعَيَّنٌ فَكانَ وِزانُ تَعْرِيفِهِ بِالصِّلَةِ وِزانَ المُعَرَّفِ بِألِ الجِنْسِيَّةِ المُسَمّاةِ عِنْدَ عُلَماءِ المَعانِي بِلامِ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، فَكانَ في المَعْنى كالنَّكِرَةِ وإنْ كانَ لَفْظُهُ لَفْظَ المَعْرِفَةِ فَلِذَلِكَ عُرِفَ بِمِثْلِهِ لَفْظًا ومَعْنًى، وهو غَيْرُ المَغْضُوبِ الَّذِي هو في صُورَةِ المَعْرِفَةِ لِإضافَتِهِ لِمَعْرِفَةٍ وهو في المَعْنى كالنَّكِرَةِ لِعَدَمِ إرادَةِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، وإمّا بِاعْتِبارِ تَعْرِيفِ (غَيْرِ) في مِثْلِ هَذا لِأنَّ (غَيْرَ) إذا أُرِيدَ بِها نَفْيُ ضِدِّ المَوْصُوفِ أيْ مُساوِي نَقِيضِهِ صارَتْ مُعَرَّفَةً، لِأنَّ الشَّيْءَ يَتَعَرَّفُ بِنَفْيِ ضِدِّهِ نَحْوُ عَلَيْكَ بِالحَرَكَةِ غَيْرِ السُّكُونِ، فَلَمّا كانَ مَن أُنْعِمَ عَلَيْهِ لا يُعاقَبُ كانَ المُعاقَبُ هو المَغْضُوبَ عَلَيْهِ، هَكَذا نَقَلَ ابْنُ هِشامٍ عَنِ ابْنِ السَّرّاجِ والسِّيرافِيِّ وهو الَّذِي اخْتارَهُ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] ونَقَلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ (غَيْرِ) إنَّما لَمْ تَتَعَرَّفْ لِأنَّها بِمَعْنى المُغايِرِ فَهي كاسْمِ الفاعِلِ وألْحَقَ بِها مِثْلًا وسِوى وحَسْبَ وقالَ إنَّها تَتَعَرَّفُ إذا قُصِدَ بِإضافَتِها الثُّبُوتُ. وكَأنَّ مَآلَ المَذْهَبَيْنِ واحِدٌ لِأنَّ (غَيْرَ) إذا أُضِيفَتْ إلى ضِدِّ مَوْصُوفِها وهو ضِدٌّ واحِدٌ أيْ: إلى مُساوِي نَقِيضِهِ تَعَيَّنَتْ لَهُ الغَيْرِيَّةُ، فَصارَتْ صِفَةً ثابِتَةً لَهُ غَيْرَ مُنْتَقِلَةٍ، إذْ غَيْرِيَّةُ الشَّيْءِ لِنَقِيضِهِ ثابِتَةٌ لَهُ أبَدًا فَقَوْلُكَ: عَلَيْكَ بِالحَرَكَةِ غَيْرِ السُّكُونِ هو غَيْرُ قَوْلِكَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ غَيْرِ عَمْرٍو وقَوْلُهُ (﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾) مِنَ النَّوْعِ الأوَّلِ.

ومِن غَرَضِ وصْفِ (﴿الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾) بِأنَّهم غَيْرُ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ التَّعَوُّذُ مِمّا عَرَضَ لِأُمَمٍ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالهِدايَةِ إلى صِراطِ الخَيْرِ بِحَسَبِ زَمانِهِمْ بِدَعْوَةِ الرُّسُلِ إلى الحَقِّ فَتَقَلَّدُوها ثُمَّ طَرَأ عَلَيْهِمْ سُوءُ الفَهْمِ فِيها فَغَيَّرُوها وما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها،، والتَّبَرُّؤُ مِن أنْ يَكُونُوا مِثْلَهم في بَطَرِ النِّعْمَةِ، وسُوءِ الِامْتِثالِ، وفَسادِ التَّأْوِيلِ، وتَغْلِيبِ الشَّهَواتِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلى إقامَةِ الدِّينِ حَتّى حَقَّ عَلَيْهِمْ غَضَبُ اللَّهِ تَعالى، وكَذا التَّبَرُّؤُ مِن حالِ الَّذِينَ هُدُوا إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَما صَرَفُوا عِنايَتَهم لِلْحِفاظِ عَلى السَّيْرِ فِيهِ بِاسْتِقامَةٍ، فَأصْبَحُوا مِنَ الضّالِّينَ بَعْدَ الهِدايَةِ إذْ أساءُوا صِفَةَ العِلْمِ بِالنِّعْمَةِ فانْقَلَبَتْ هِدايَتُهم ضَلالًا، والظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يَحِقَّ عَلَيْهِمْ غَضَبُ اللَّهِ قَبْلَ الإسْلامِ لِأنَّهم ضَلُّوا عَنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ فَلَمْ يَسْبِقْ غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ قَدِيمًا، واليَهُودُ مِن جُمْلَةِ الفَرِيقِ الأوَّلِ، والنَّصارى مِن جُمْلَةِ الفَرِيقِ الثّانِي كَما يُعْلَمُ مِنَ الِاطِّلاعِ عَلى تارِيخِ ظُهُورِ الدِّينَيْنِ فِيهِمْ.

ولَيْسَ يَلْزَمُ اخْتِصاصُ أوَّلِ الوَصْفَيْنِ بِاليَهُودِ والثّانِي بِالنَّصارى فَإنَّ في الأُمَمِ أمْثالَهم، وهَذا الوَجْهُ في التَّفْسِيرِ هو الَّذِي يَسْتَقِيمُ مَعَهُ مَقامُ الدُّعاءِ بِالهِدايَةِ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، ولَوْ كانَ المُرادُ دِينَ اليَهُودِيَّةِ ودِينَ النَّصْرانِيَّةِ لَكانَ الدُّعاءُ تَحْصِيلًا لِلْحاصِلِ فَإنَّ الإسْلامَ جاءَ ناسِخًا لَهُما. ويَشْمَلُ المَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ والضّالُّونَ فِرَقَ الكُفْرِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ، فالمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ جِنْسٌ لِلْفِرَقِ الَّتِي تَعَمَّدَتْ ذَلِكَ واسْتَخَفَّتْ بِالدِّيانَةِ عَنْ عَمْدٍ أوْ عَنْ تَأْوِيلٍ بَعِيدٍ جِدًّا، والضّالُّونَ جِنْسٌ لِلْفِرَقِ الَّتِي أخْطَأتِ الدِّينَ عَنْ سُوءِ فَهْمٍ وقِلَّةِ إصْغاءٍ؛ وكِلا الفَرِيقَيْنِ مَذْمُومٌ لِأنَّنا مَأْمُورُونَ بِاتِّباعِ سَبِيلِ الحَقِّ وصَرْفِ الجُهْدِ إلى إصابَتِهِ، واليَهُودُ مِنَ الفَرِيقِ الأوَّلِ والنَّصارى مِنَ الفَرِيقِ الثّانِي.

وما ورَدَ في الأثَرِ مِمّا ظاهِرُهُ تَفْسِيرُ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ بِاليَهُودِ والضّالِّينَ بِالنَّصارى فَهو إشارَةٌ إلى أنَّ في الآيَةِ تَعْرِيضًا بِهَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ حَقَّ عَلَيْهِما هَذانِ الوَصْفانِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما صارَ عَلَمًا فِيما أُرِيدَ التَّعْرِيضُ بِهِ فِيهِ. وقَدْ تَبَيَّنَ لَكَ مِن هَذا أنَّ عَطْفَ ولا الضّالِّينَ عَلى غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمُ ارْتِقاءٌ في التَّعَوُّذِ مِن شَرِّ سُوءِ العاقِبَةِ لِأنَّ التَّعَوُّذَ مِنَ الضَّلالِ الَّذِي جَلَبَ لِأصْحابِهِ غَضَبَ اللَّهِ لا يُغْنِي عَنِ التَّعَوُّذِ مِنَ الضَّلالِ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ بِأصْحابِهِ تِلْكَ الدَّرَكاتِ، وذَلِكَ وجْهُ تَقْدِيمِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ عَلى ولا الضّالِّينَ، لِأنَّ الدُّعاءَ كانَ بِسُؤالِ النَّفْيِ، فالتَّدَرُّجُ فِيهِ يَحْصُلُ بِنَفْيِ الأضْعَفِ بَعْدَ نَفْيِ الأقْوى، مَعَ رِعايَةِ الفَواصِلِ.

والغَضَبُ المُتَعَلِّقُ بِالمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ هو غَضَبُ اللَّهِ، وحَقِيقَةُ الغَضَبِ المَعْرُوفِ في النّاسِ أنَّهُ كَيْفِيَّةٌ تَعْرِضُ لِلنَّفْسِ يَتْبَعُها حَرَكَةُ الرُّوحِ إلى الخارِجِ وثَوَرانُها فَتَطْلُبُ الِانْتِقامَ، فالكَيْفِيَّةُ سَبَبٌ لِطَلَبِ الِانْتِقامِ وطَلَبُ الِانْتِقامِ سَبَبٌ لِحُصُولِ الِانْتِقامِ.

والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ إرادَةَ الِانْتِقامِ لَيْسَتْ مِن لَوازِمِ ماهِيَّةِ الغَضَبِ بِحَيْثُ لا تَنْفَكُّ عَنْهُ، ولَكِنَّها قَدْ تَكُونُ مِن آثارِهِ، وأنَّ الغَضَبَ هو كَيْفِيَّةٌ لِلنَّفْسِ تَعْرِضُ مِن حُصُولِ ما لا يُلائِمُها فَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ كَراهِيَةُ الفِعْلِ المَغْضُوبِ مِنهُ وكَراهِيَةُ فاعِلِهِ، ويُلازِمُهُ الإعْراضُ عَنِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِ ومُعامَلَتُهُ بِالعُنْفِ وبِقَطْعِ الإحْسانِ وبِالأذى وقَدْ يُفْضِي ذَلِكَ إلى طَلَبِ الِانْتِقامِ مِنهُ فَيَخْتَلِفُ الحَدُّ الَّذِي يَثُورُ عِنْدَ الغَضَبِ في النَّفْسِ بِاخْتِلافِ مَراتِبِ احْتِمالِ النُّفُوسِ لِلْمُنافَراتِ واخْتِلافِ العاداتِ في اعْتِبارِ أسْبابِهِ.

فَلَعَلَّ الَّذِينَ جَعَلُوا إرادَةَ الِانْتِقامِ لازِمَةً لِلْغَضَبِ بَنَوْا عَلى القَوانِينِ العَرَبِيَّةِ. وإذْ كانَتْ حَقِيقَةُ الغَضَبِ يَسْتَحِيلُ اتِّصافُ اللَّهِ تَعالى بِها وإسْنادُها إلَيْهِ عَلى الحَقِيقَةِ لِلْأدِلَّةِ القَطْعِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنِ التَّغَيُّراتِ الذّاتِيَّةِ والعَرَضِيَّةِ، فَقَدْ وجَبَ عَلى المُؤْمِنِ صَرْفُ إسْنادِ الغَضَبِ إلى اللَّهِ عَنْ مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، وطَرِيقَةُ أهْلِ العِلْمِ والنَّظَرِ في هَذا الصَّرْفِ أنْ يُصْرَفَ اللَّفْظُ إلى المَجازِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ أوْ إلى الكِنايَةِ بِاللَّفْظِ عَنْ لازِمِ مَعْناهُ فالَّذِي يَكُونُ صِفَةً لِلَّهِ مِن مَعْنى الغَضَبِ هو لازِمُهُ، أعْنِي العِقابَ والإهانَةَ يَوْمَ الجَزاءِ واللَّعْنَةَ أيِ الإبْعادَ عَنْ أهْلِ الدِّينِ والصَّلاحِ في الدُّنْيا أوْ هو مِن قَبِيلِ التَّمْثِيلِيَّةِ. وكانَ السَّلَفُ في القَرْنِ الأوَّلِ ومُنْتَصَفِ القَرْنِ الثّانِي يُمْسِكُونَ عَنْ تَأْوِيلِ هَذِهِ المُتَشابِهاتِ لِما رَأوْا في ذَلِكَ الإمْساكِ مِن مَصْلَحَةِ الِاشْتِغالِ بِإقامَةِ الأعْمالِ الَّتِي هي مُرادُ الشَّرْعِ مِنَ النّاسِ فَلَمّا نَشَأ النَّظَرُ في العِلْمِ وطَلَبِ مَعْرِفَةِ حَقائِقِ الأشْياءِ، وحَدَثَ قَوْلُ النّاسِ في مَعانِي الدِّينِ بِما لا يُلائِمُ الحَقَّ، لَمْ يَجِدْ أهْلُ العِلْمِ بُدًّا مِن تَوْسِيعِ أسالِيبِ التَّأْوِيلِ الصَّحِيحِ لِإفْهامِ المُسْلِمِ وكَبْتِ المُلْحِدِ، فَقامَ الدِّينُ بِصَنِيعِهِمْ عَلى قَواعِدِهِ.

وتَمَيَّزَ المُخْلِصُ لَهُ عَنْ ماكِرِهِ وجاحِدِهِ. وكُلٌّ فِيما صَنَعُوا عَلى هُدًى. وبَعْدَ البَيانِ لا يُرْجَعُ إلى الإجْمالِ أبَدًا. وما تَأوَّلُوهُ إلّا بِما هو مَعْرُوفٌ في لِسانِ العَرَبِ مَفْهُومٌ لِأهْلِهِ.

فَغَضَبُ اللَّهِ تَعالى عَلى العُمُومِ يَرْجِعُ إلى مُعامَلَتِهِ الحائِدِينَ عَنْ هَدْيِهِ العاصِينَ لِأوامِرِهِ ويَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الِانْتِقامُ وهو مَراتِبٌ أقْصاها عِقابُ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ بِالخُلُودِ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ، ودُونَ الغَضَبِ الكَراهِيَةُ فَقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ «ويَكْرَهُ لَكم قِيلَ وقالَ وكَثْرَةَ السُّؤالِ»، ويُقابِلُهُما الرِّضى والمَحَبَّةُ وكُلُّ ذَلِكَ غَيْرُ المَشِيئَةِ والإرادَةِ، بِمَعْنى التَّقْدِيرِ والتَّكْوِينِ، فَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ ﴿وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢] ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] وتَفْصِيلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في عِلْمِ الكَلامِ.

واعْلَمْ أنَّ الغَضَبَ عِنْدَ حُكَماءِ الأخْلاقِ مَبْدَأٌ مِن مَجْمُوعِ الأخْلاقِ الثَّلاثَةِ الأصْلِيَّةِ الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْ جَمِيعِها بِالعَدالَةِ وهي: الحِكْمَةُ والعِفَّةُ والشَّجاعَةُ، فالغَضَبُ مَبْدَأُ الشَّجاعَةِ إلّا أنَّ الغَضَبَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ مَبْدَأٍ نَفْسانِيٍّ لِأخْلاقٍ كَثِيرَةٍ مُتَطَرِّفَةٍ ومُعْتَدِلَةٍ فَيُلَقِّبُونَ بِالقُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ ما في الإنْسانِ مِن صِفاتِ السَّبُعِيَّةِ وهي حُبُّ الغَلَبَةِ، ومِن فَوائِدِها دَفْعُ ما يَضُرُّهُ ولَها حَدُّ اعْتِدالٍ وحَدُّ انْحِرافٍ فاعْتِدالُها الشَّجاعَةُ وكِبَرُ الهِمَّةِ، وثَباتُ القَلْبِ في المَخاوِفِ، وانْحِرافُها إمّا بِالزِّيادَةِ فَهي التَّهَوُّرُ وشِدَّةُ الغَضَبِ مِن شَيْءٍ قَلِيلٍ والكِبْرُ والعُجْبُ والشَّراسَةُ والحِقْدُ والحَسَدُ والقَساوَةُ، أوْ بِالنُّقْصانِ فالجُبْنُ وخَوْرُ النَّفْسِ وصِغَرُ الهِمَّةِ فَإذا أُطْلِقَ الغَضَبُ لُغَةً انْصَرَفَ إلى بَعْضِ انْحِرافِ الغَضَبِيَّةِ، ولِذَلِكَ كانَ مِن جَوامِعِ كَلِمِ النَّبِيءِ ﷺ «أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ أوْصِنِي قالَ: لا تَغْضَبْ فَكَرَّرَ مِرارًا فَقالَ: لا تَغْضَبْ» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ.

وسُئِلَ بَعْضُ مُلُوكِ الفُرْسِ: بِمَ دامَ مُلْكُكم ؟ فَقالَ: لِأنّا نُعاقِبُ عَلى قَدْرِ الذَّنْبِ لا عَلى قَدْرِ الغَضَبِ.

فالغَضَبُ المَنهِيُّ عَنْهُ هو الغَضَبُ لِلنَّفْسِ لِأنَّهُ يَصْدُرُ عَنْهُ الظُّلْمُ والعُدْوانُ، ومِنَ الغَضَبِ مَحْمُودٌ وهو الغَضَبُ لِحِمايَةِ المَصالِحِ العامَّةِ وخُصُوصًا الدِّينِيَّةِ وقَدْ ورَدَ أنَّ النَّبِيءَ كانَ لا يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ فَإذا انْتُهِكَتْ حُرْمَةٌ مِن حُرُماتِ اللَّهِ غَضِبَ لِلَّهِ.

وقَوْلُهُ (( ﴿ولا الضّالِّينَ﴾) ) مَعْطُوفٌ عَلى المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ كَما هو مُتَبادِرٌ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: إنَّ دُخُولَ لا لِدَفْعِ تَوَهُّمِ عَطْفِ الضّالِّينَ عَلى الَّذِينَ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ، وهو تَوْجِيهٌ بَعِيدٌ فالحَقُّ أنَّ (لا) مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ المُسْتَفادِ مِن لَفْظِ غَيْرِ عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في المَعْطُوفِ عَلى ما في حَيِّزِ النَّفْيِ نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩] وهو أُسْلُوبٌ في كَلامِ العَرَبِ.

وقالَ السَّيِّدُ في حَواشِي الكَشّافِ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ أنَّ المَنفِيَّ هو المَجْمُوعُ فَيُجَوِّزَ ثُبُوتَ أحَدِهِما، ولَمّا كانَتْ غَيْرُ في مَعْنى النَّفْيِ أُجْرِيَتْ إعادَةُ النَّفْيِ في المَعْطُوفِ عَلَيْها، ولَيْسَتْ زِيادَةُ (لا) هُنا كَزِيادَتِها في نَحْوِ ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ؛ لِأنَّ تِلْكَ الزِّيادَةَ لَفْظِيَّةٌ ومَعْنَوِيَّةٌ لِأنَّ المَعْنى عَلى الإثْباتِ والَّتِي هُنا زِيادَةٌ لَفْظِيَّةٌ فَحَسْبُ والمَعْنى عَلى النَّفْيِ.

والضَّلالُ سُلُوكُ غَيْرِ الطَّرِيقِ المُرادِ عَنْ خَطَأٍ سَواءٌ عَلِمَ بِذَلِكَ فَهو يَتَطَلَّبُ الطَّرِيقَ أمْ لَمْ يَعْلَمْ، ومِنهُ ضالَّةُ الإبِلِ، وهو مُقابِلُ الهُدى وإطْلاقُ الضّالِّ عَلى المُخْطِئِ في الدِّينِ أوِ العِلْمِ اسْتِعارَةٌ كَما هُنا. والضَّلالُ في لِسانِ الشَّرْعِ مُقابِلُ الِاهْتِداءِ والِاهْتِداءُ هو الإيمانُ الكامِلُ والضَّلالُ ما دُونُ ذَلِكَ، قالُوا ولَهُ عَرْضٌ عَرِيضٌ أدْناهُ تَرْكُ السُّنَنِ وأقْصاهُ الكُفْرُ.

وقَدْ فَسَّرْنا الهِدايَةَ فِيما تَقَدَّمَ أنَّها الدَّلالَةُ بِلُطْفٍ، فالضَّلالُ عَدَمُ ذَلِكَ، ويُطْلَقُ عَلى أقْصى أنْواعِهِ الخَتْمُ والطَّبْعُ والأكِنَّةُ.

والمُرادُ مِنَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ والضّالِّينَ جِنْسا فِرَقِ الكُفْرِ، فالمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ جِنْسٌ لِلْفِرَقِ الَّتِي تَعَمَّدَتْ ذَلِكَ واسْتَخَفَّتْ بِالدِّيانَةِ عَنْ عَمْدٍ وعَنْ تَأْوِيلٍ بَعِيدٍ جِدًّا تُحْمَلُ عَلَيْهِ غَلَبَةُ الهَوى، فَهَؤُلاءِ سَلَكُوا مِنَ الصِّراطِ الَّذِي خُطَّ لَهم مَسالِكَ غَيْرَ مُسْتَقِيمَةٍ فاسْتَحَقُّوا الغَضَبَ لِأنَّهم أخْطَئُوا عَنْ غَيْرِ مَعْذِرَةٍ إذْ ما حَمَلَهم عَلى الخَطَأِ إلّا إيثارُ حُظُوظِ الدُّنْيا.

والضّالُّونَ جِنْسٌ لِلْفِرَقِ الَّذِينَ حَرَّفُوا الدِّياناتِ الحَقَّ عَنْ عَمْدٍ وعَنْ سُوءِ فَهْمٍ وكِلا الفَرِيقَيْنِ مَذْمُومٌ مُعاقَبٌ لِأنَّ الخَلْقَ مَأْمُورُونَ بِاتِّباعِ سَبِيلِ الحَقِّ وبَذْلِ الجُهْدِ إلى إصابَتِهِ. والحَذَرِ مِن مُخالَفَةِ مَقاصِدِهِ. وإذْ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وعُلِمَ أنَّ الغَضَبَ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم حادُوا عَنِ الصِّراطِ الَّذِي هُدُوا إلَيْهِ فَحَرَمُوا أنْفُسَهم مِنَ الوُصُولِ بِهِ إلى مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ الضّالِّينَ قَدْ ضَلُّوا الصِّراطَ، فَحَصَلَ شِبْهُ الِاحْتِباكِ وهو أنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ نالَ حَظًّا مِنَ الوَصْفَيْنِ إلّا أنَّ تَعْلِيقَ كُلِّ وصْفٍ عَلى الفَرِيقِ الَّذِي عُلِّقَ عَلَيْهِ يُرْشِدُ إلى أنَّ المَوْصُوفِينَ بِالضّالِّينَ هم دُونَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ في الضَّلالِ فالمُرادُ المَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ غَضَبًا شَدِيدًا لِأنَّ ضَلالَهم شَنِيعٌ.

فاليَهُودُ مَثَلٌ لِلْفَرِيقِ الأوَّلِ والنَّصارى مِن جُمْلَةِ الفَرِيقِ الثّانِي كَما ورَدَ بِهِ الحَدِيثُ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ في جامِعِ التِّرْمِذِيِّ وحَسَّنَهُ.

وما ورَدَ في الأثَرِ مِن تَفْسِيرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ بِاليَهُودِ والضّالِّينَ بِالنَّصارى، فَهو مِن قَبِيلِ التَّمْثِيلِ بِأشْهَرِ الفِرَقِ الَّتِي حَقَّ عَلَيْها هَذانِ الوَصْفانِ، فَقَدْ كانَ العَرَبُ يَعْرِفُونَ اليَهُودَ في خَيْبَرَ والنَّضِيرِ وبَعْضِ سُكّانِ المَدِينَةِ وفي عَرَبِ اليَمَنِ.

وكانُوا يَعْرِفُونَ نَصارى العَرَبِ مِثْلَ تَغْلِبَ وكَلْبٍ وبَعْضِ قُضاعَةَ، وكُلُّ أُولَئِكَ بَدَّلُوا وغَيَّرُوا وتَنَكَّبُوا عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي أرْشَدَهُمُ اللَّهُ إلَيْهِ وتَفَرَّقُوا في بِنْياتِ الطُّرُقِ عَلى تَفاوُتٍ في ذَلِكَ.

فاليَهُودُ تَمَرَّدُوا عَلى أنْبِيائِهِمْ وأحْبارِهِمْ غَيْرَ مَرَّةٍ وبَدَّلُوا الشَّرِيعَةَ عَمْدًا فَلَزِمَهم وصْفُ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وعَلِقَ بِهِمْ في آياتٍ كَثِيرَةٍ.

والنَّصارى ضَلُّوا بَعْدَ الحَوارِيِّينَ وأساءُوا فَهْمَ مَعْنى التَّقْدِيسِ في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَزَعَمُوهُ ابْنَ اللَّهِ عَلى الحَقِيقَةِ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم غَيْرَ الحَقِّ ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] وفي وصْفِ الصِّراطِ المَسْئُولِ في قَوْلِهِ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ﴾ [الفاتحة: ٦] بِالمُسْتَقِيمِ إيماءً إلى أنَّ الإسْلامَ واضِحُ الحُجَّةِ قَوِيمُ المَحَجَّةِ لا يَهْوِي أهْلُهُ إلى هُوَّةِ الضَّلالَةِ كَما قالَ تَعالى﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا﴾ [الأنعام: ١٦١] وقالَ ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، عَلى تَفاوُتٍ في مَراتِبِ إصابَةِ مُرادِ اللَّهِ تَعالى ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «مَنِ اجْتَهَدَ وأصابَ فَلَهُ أجْرانِ ومَنِ اجْتَهَدَ وأخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ واحِدٌ» ولَمْ يَتْرُكْ بَيانُ الشَّرِيعَةِ مَجارِيَ اشْتِباهٍ بَيْنَ الخِلافِ الَّذِي تُحِيطُ بِهِ دائِرَةُ الإسْلامِ والخِلافِ الَّذِي يَخْرُجُ بِصاحِبِهِ عَنْ مُحِيطِ الإسْلامِ قالَ تَعالى ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] واخْتَلَفَ القُرّاءُ في حَرَكَةِ هاءِ الضَّمِيرِ مِن قَوْلِهِ (﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾) وقَوْلِهِ ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وما ضاهاهُما مِن كُلِّ ضَمِيرِ جَمْعٍ وتَثْنِيَةِ مُذَكَّرٍ ومُؤَنَّثٍ لِلْغائِبِ وقَعَ بَعْدَ ياءٍ ساكِنَةٍ، فالجُمْهُورُ قَرَءُوها بِكَسْرِ الهاءِ تَخَلُّصًا مِنَ الثِّقَلِ لِأنَّ الهاءَ حاجِزٌ غَيْرُ حَصِينٍ فَإذا ضُمَّتْ بَعْدَ الياءِ فَكانَ ضَمَّتُها قَدْ ولِيَتِ الكَسْرَةَ أوِ الياءَ السّاكِنَةَ وذَلِكَ ثَقِيلٌ وهَذِهِ لُغَةُ قَيْسٍ وتَمِيمٍ وسَعْدِ بْنِ بَكْرٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ عَلَيْهم وإلَيْهم ولَدَيْهم فَقَطْ بِضَمِّ الهاءِ وما عَداها بِكَسْرِ الهاءِ نَحْوُ إلَيْهِما وصَياصِيهِمْ وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ والحِجازِيِّينَ. وقَرَأ يَعْقُوبُ كُلَّ ضَمِيرٍ مِن هَذا القَبِيلِ مِمّا قَبْلَ الهاءِ فِيهِ ياءٌ ساكِنَةٌ بِضَمِّ الهاءِ.

وقَدْ ذَكَرْنا هَذا هُنا فَلا نُعِيدُ ذِكْرَهُ في أمْثالِهِ وهو مِمّا يَرْجِعُ إلى قَواعِدِ عِلْمِ القِراءاتِ في هاءِ الضَّمِيرِ.

واخْتَلَفُوا أيْضًا في حَرَكَةِ مِيمِ ضَمِيرِ الجَمْعِ الغائِبِ المُذَكَّرِ في الوَصْلِ إذا وقَعَتْ قَبْلَ مُتَحَرِّكٍ فالجُمْهُورُ قَرَءُوا (﴿عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾) بِسُكُونِ المِيمِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو جَعْفَرٍ وقالُونُ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِضَمَّةٍ مُشَبَّعَةٍ ”غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمُو“، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ وعَلَيْها قَوْلُ لَبِيدٍ:

وهُمُو فَوارِسُها وهم حُكّامُها

فَجاءَ بِاللُّغَتَيْنِ، وقَرَأ ورْشٌ بِضَمِّ المِيمِ وإشْباعِها إذا وقَعَ بَعْدَ المِيمِ هَمْزٌ دُونَ نَحْوِ ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وأجْمَعَ الكُلُّ عَلى إسْكانِ المِيمِ في الوَقْفِ.

الدر المصون - السمين الحلبي

الدر المصون - السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)

﴿صِرَ ا⁠طَ ٱلَّذِینَ أَنۡعَمۡتَ عَلَیۡهِمۡ غَیۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَیۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّاۤلِّینَ﴾ [الفاتحة ٧]

قوله تعالى: {صِرَاطَ الذين} : بدلٌ منه بدلُ كلٍ من كل، وهو بدلُ معرفةٍ من معرفة، والبدلُ سبعة أقسام، على خلافٍ في بعضها، بدلُ كلٍ من كل، بدلُ بعض من كل، بدلُ اشتمال، بدل غلط، بدل نسيان، بدل بَداء، بدل كل من بعض. أمّا الأقسامُ الثلاثة الأُوَلُ فلا خلافَ فيها، وأمّا بَدَلُ البَدَاء فأثبته بعضهم مستدلاً بقوله عليه السلام: «إنَّ الرجل ليصلي الصلاةَ، وما كُتب له نصفُها ثلثُها ربعُها إلى العُشْر» ، ولا يَرِدُ هذا في القرآن، وأمّا الغَلطُ والنِّسيانُ فأثبتهما بعضُهم مستدلاً بقول ذي الرمة:

72 - لَمْياءُ في شفَتْيها حُوَّةٌ لَعَسٌ ... وفي اللِّثاثِ وفي أَنْيابِها شَنَبُ

قال: لأنَّ الحُوَّة السوادُ الخالص، واللَّعَسُ سوادٌ يَشُوبه حمرة. ولا يَرِدُ هذان البدلان في كلامٍ فصيحٍ، وأمَّا بدلُ الكلِّ من البعضِ فأثبته بعضُهم مستدلاً بظاهر قوله:

73 - رَحِم اللهُ أَعْظُماً دَفَنُوها ... بسجِسْتَان طَلْحَةَ الطَّلَحاتِ

وفي روايةِ مَنْ نَصَبَ «طلحة» قال: لأن الأعظُمَ بعضُ طلحة، وطلحة كلٌ، وقد أُبْدِل منها، واستدلَّ على ذلك أيضاً بقول امرئ القيس:

74 - كأني غداةَ البَيْنِ يومَ تَحَمَّلوا ... لدى سَمُراتِ الحَيِّ ناقِفُ حَنْظَلِ

فغذاةَ بعضُ اليوم، وقَد أبدل «اليومَ» منها. ولا حُجَّة في البيتين، أمَّا الأولُ: فإن الأصل: أعظُماً دفنُوها أعظمَ طلحة، ثم حُذِفَ المضافُ وأُقيم المضاف إليه مُقامه، ويَدُلُّ على ذلك الروايةُ المشهورة وهي جر «طلحة» ، على أن الأصل: أعظُمَ طلحة، ولم يُقِم المضافَ إليه مُقامَ المضاف، وأمَّا الثاني فإن اليوم يُطلق على القطعة من الزمان كما تقدَّم. ولكلِّ مذهبٍ من هذه المذاهب دلائلُ وإيرادات وأجوبةٌ، موضوعُها كتب النحو.

وقيل: إن الصراطَ الثاني غيرُ الأول والمرادُ به العِلْمُ بالله تعالى، قاله جعفر بن محمد، وعلى هذا فتخريجُه أن يكونَ معطوفاً حُذِف منه حرفُ العطفِ وبالجملةِ فهو مُشْكِلٌ.

والبدلُ ينقسِمُ أيضاً إلى بدلِ معرفةٍ من معرفة ونكرةٍ من نكرة ومعرفةٍ من نكرة ونكرة من معرفة، وينقسم أيضاً إلى بدلِ ظاهرٍ من ظاهرٍ ومضمرٍ من مضمرٍ وظاهرٍ من مضمر ومضمرٍ من ظاهر. وفائدةُ البدلِ: الإِيضاحُ بعد الإِبهام، ولأنه يُفيد تأكيداً من حيث المعنى إذ هو على نيَّةِ تكرارِ العاملِ.

و «الذين» في محلِّ جرٍّ بالإِضافة، وهو اسمٌ موصولٌ لافتقارِه إلى صلةٍ وعائدٍ وهو جمع «الذي» في المعنى، والمشهورُ فيه أن يكون بالياء رفعاً ونصباً وجراً، وبعضهم يرفعه بالواو جَرْياً له مَجْرى جمعِ المذكر السالم ومنه:

75 - نحن اللذونَ صَبَّحوا الصَّباحا ... يومَ النُّخَيْلِ غَارةً مِلْحاحَا

وقد تُحْذف نونه استطالةً بصلتِه، كقوله:

76 - وإنَّ الذي حَانَتْ بفَلْجٍ دماؤُهُمْ ... هم القومُ كلُّ القومِ يا أمَّ خالدِ

ولا يقع إلا على أولي العلم جَرْياً به مَجْرى جمعِ المذكرِ السالمِ، بخلاف مفرده، فإنه يقع على أولي العلمِ وغيرهم.

وأَنْعَمْتَ: فعلٌ وفاعلٌ صلةُ الموصول، والتاءُ في «أنعمتَ» ضميرُ المخاطبِ ضميرٌ مرفوعٌ متصلٌ. و «عليهم» جارٌّ ومجرور متعلقٌ بأَنْعمت، والضميرُ هوالعائد وهو ضميرُ جمعِ المذكَّرِين العقلاءِ، ويستوي لفظُ متصلهِ ومنفصلهِ.

والهمزة في «أَنْعمت» لجَعْلِ الشيء صاحبَ ما صيغ منه فحقُّه أن يتعدَّى بنفسه ولكنه ضُمِّن معنى تفضَّل فتعدَّى تعديَتَه. ولأفعل أربعةٌ وعشرون معنى، تقدَّم واحدٌ، والباقي: التعديةُ نحو: أخرجته، والكثرة نحو: أظبى المكان أي كَثُر ظِباؤه، والصيرورة نحو: أَغَدَّ البعير صار ذا غُدَّة، والإِعانة نحو: أَحْلَبْتُ فلاناً أي أَعَنْتُه على الحَلْب، والسَّلْب نحو: أَشْكَيْتُه أي: أَزَلْتُ شِكايته، والتعريض نحو: أَبَعْتُ المتاعَ أي: عَرَضْتُه للبيع، وإصابة الشيء بمعنى ما صيغ منه نحو: أَحْمدته أي وجدتُه محموداً، وبلوغُ عدد نحو: أَعْشَرَتِ الدراهم، أي: بَلَغَتْ عشرةً، أو بلوغُ زمانٍ نحو أَصْبح، أو مكان نحو: أَشْأَمَ، وموافقهُ الثلاثي نحو: أَحَزْتُ المكانِ بمعنى حُزْته، أو أغنى عن الثلاثي نحو: أَرْقَلَ البعير، ومطاوعة فَعَل نحو: قَشَع الريحُ فَأقْشع السحابُ، ومطاوعة فَعَّل نحو: قَطَّرْته فَأَقْطَرَ، ونفي الغزيرة نحو: أَسْرع، والتسمية نحو: أخْطَأْتُه أي سَمَّيْتُه مخطئاً، والدعاء نحو: أَسْقيته أي قلت له: سَقاك الله، والاستحقاق نحو: أَحْصَدَ الزرعُ أي استحق الحصاد، والوصولُ نحو: أَعْقَلْته، أي: وَصَّلْتُ عَقْلِي إليه، والاستقبال نحو/: أفَفْتُه أي استقبلته بقولي أُفّ، والمجيء بالشيء نحو: أكثرتُ أي جئتُ بالكثير، والفرقُ بين أَفْعَل وفَعَل نحو: أشرقت الشمس أضاءت، وشَرَقَتْ: طَلَعت، والهجومُ نحو: أَطْلَعْتُ على القوم أي: اطَّلَعْتُ عليهم.

و «على» حرف استعلاء حقيقةً أو مجَازاً، نحو: عليه دَيْنٌ، ولها معانٍ أُخَرُ، منها: المجاوزة كقوله:

77 - إذا رَضِيَتْ عليَّ بنو قُشَيْر ... لَعَمْرُ الله أعجبني رضاها

أي: عني، وبمعنى الباء: {حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لاَّ أَقُولَ} [الأعراف: 105] أي بأَنْ، وبمعنى في: {مَا تَتْلُواْ الشياطين على مُلْكِ سُلَيْمَانَ} [البقرة: 102] أي: في ملك، والمصاحبة نحو: {وَآتَى المال على حُبِّهِ ذَوِي القربى} [البقرة: 177] والتعليل نحو: {وَلِتُكَبِّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 185] ، أي: لأجل هدايته إياكم، وبمعنى مِنْ: {حَافِظُونَ * إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ} [المؤمنون: 5 - 6] أي: إلا من أزواجهم، والزيادة كقوله:

78 - أبى الله إلاَّ أنَّ سَرْحَةَ مالكٍ ... على كلِّ أَفْنانِ العِضاهِ تَرُوقُ

لأن «تروق» يتعدَّى بنفسه، ولكلِّ موضعٍ من هذه المواضع مجالٌ للنظر.

وهي مترددةٌ بين الحرفية والاسمية، فتكونُ اسماً في موضعين، أحدُهما: أَنْ يدخلَ عليها حرفُ الجر كقوله: 79 - غَدَتْ مِنْ عليه بعد ما تَمَّ ظِمْؤُها ... تَصِلُ وعن قَيْضٍ بزَيْزَاءَ مَجْهَلِ

ومعناها معنى فوق، أي من فوقه، والثاني: أن يُؤَدِّيَ جَعْلُها حرفاً إلى تعدِّي فعلِ المضمرِ المنفصل إلى ضميرِه المتصلِ في غيرِ المواضعِ الجائزِ فيها ذلك كقوله:

80 - هَوِّنْ عليكَ فإنَّ الأمورَ ... بكفِّ الإِلهِ مقاديرُها

ومثلُها في هذين الحكمين: عَنْ، وستأتي إن شاء الله تعالى.

وزعم بعضُهم أنَّ «على» مترددة بين الاسم والفعل والحرف: أمَّا الاسمُ والحرفُ فقد تقدَّما، وأمَّا الفعلُ قال: فإنك تقول: «علا زيدٌ» أي ارتفع وفي هذا نظرٌ، لأنَّ «على» إذا كان فعلاً مشتقٌ من العلوِّ، وإذا كان اسماً أو حرفاً فلا اشتقاقَ له فليس هو ذاك، إلا أنَّ هذا القائلَ يَرُدُّ هذا النظرَ بقولهم: إن خَلاَ وعدا مترددان بين الفعلية والحرفية، ولم يلتفتوا إلى هذا النظر.

والأصل في هاء الكناية الضمُّ، فإنْ تقدَّمها ياءٌ ساكنة أو كسرة كسرها غيرُ الحجازيين، نحو: عَلَيْهِم وفيهم وبهم، والمشهورُ في ميمها السكونُ قبل متحرك والكسرُ قبل ساكنٍ، هذا إذا كَسَرْتَ الهاءَ، أمّا إذا ضَمَمْتَ فالكسرُ ممتنعٌ إلا في ضرورة كقوله: «وفيهُمِ الحكام» بكسر الميم.

وفي «عليهم» عشر لغات قُرئ ببعضها: عليهِمْ الهاء وضمِّها مع سكون الميم، عليهِمي، عَلَيْهُمُ، عليهِمُو: بكسر الهاء وضم الميم بزيادة الواو، عليهُمي بضم الهاء وزيادة ياء بعد الميم أو بالكسر فقط، عليِهِمُ بكسر الهاء وضم الميم، ذكر ذلك أبو بكر ابن الأنباري.

و «غيرِ» بدلٌ من «الذين» بدلُ نكرة من معرفة، وقيل: نعتٌ للذين وهو مشكلٌ لأن «غير» نكرةٌ و «الذين» معرفةٌ، وأجابوا عنه بجوابين: أحدهما: أن «غير» إنما يكون نكرةً إذا لم يقع بين ضدين، فأمَّا إذا وقع بين ضدين فقد انحصرت الغَيْريَّةُ فيتعرَّفُ «غير» حينئذٍ بالإِضافة، تقول: مررتُ بالحركة غير «السكون» والآيةُ من هذا القبيل، وهذا إنما يتمشَّى على مذهب ابن السراج وهو مرجوح. والثاني: أن الموصولَ أَشْبَهَ النكرات في الإِبهام الذي فيه فعومل معاملةَ النكراتِ، وقيل: إنَّ «غير» بدلٌ من الضمير المجرور في «عليهم» ، وهذا يُشْكِلُ على قول مَنْ يرى أن البدلَ يَحُلُّ محلَّ المبدل منه، ويُنوَى بالأول الطرحُ، إذ يلزم منه خَلوُّ الصلة من العائدِ، ألا ترى أنَّ التقديرَ يصير: صراطَ الذين أنعمت على غيرِ المغضوبِ عليهم.

و «المغضوب» : خفضٌ بالإِضافةِ، وهو اسمُ مفعول، والقائمُ مقامَ الفاعلِ الجارُّ والمجرور، ف «عَليهم» الأولى منصوبةُ المحلِّ والثانيةُ مرفوعتُه، وأَلْ فيه موصولةٌ والتقديرُ: غيرِ الذين غُضِبَ عليهم. والصحيحُ في ألْ الموصولة أنها اسمٌ لا حرفٌ.

واعلَمْ أنَّ لفظَ «غير» مفردٌ مذكرٌ أبداً، إلا أنه إنْ أريد به مؤنثٌ جاز تأنيثُ فعلِه المسندِ إليه، تقول: قامت غيرُك، وأنت تعني امرأة، وهي في الأصل صفةٌ بمعنى اسم الفاعل وهو مغايرٌ، ولذلك لا يتعرَّف بالإِضافة، وكذلك أخواتُها، أعني نحوَ: مثل وشِبْه وشبيه وخِدْن وتِرْب، وقد يُستثنى بها حَمْلاً على «إلاّ» ، كما يوصف بإلاّ حَمْلاً عليها، وقد يُرَاد بها النفيُ ك لا، فيجوز تقديمُ معمولِ معمولها عليها كما يجوز في «لا» تقول: أنا زيداً غيرُ ضاربٍ، أي غير ضاربٍ زيداً، ومنه قول الشاعر:

81 - إنَّ امرأً خَصَّني عَمْداً مودَّتَه ... على التنائي لَعِنْدي غيرُ مَكْفورِ

تقديرُه: لغيرُ مكفورٍ عندي، ولا يجوز ذلك فيها إذا كَانَتْ لغير النفي، لو قلت: جاء القومُ زيداً غيرَ ضاربٍ، تريد: غيرَ ضاربٍ زيداً لم يَجُزْ، لأنها ليست بمعنى «لا» التي يجوز فيها ذلك على الصحيح من الأقوالِ في «لا» . وفيها قولٌ ثانٍ يمنعُ ذلك مطلقاً، وقولٌ ثالثٌ: مفصِّلٌ بين أن تكونَ جوابَ قَسَمٍ فيمتنعَ فيها ذلك وبين أن لا تكونَ فيجوزَ.

وهي من الألفاظ الملازمة للإِضافة لفظاً أو تقديراً، فإدخالُ الألفِ واللامِ عليها خطأٌ.

وقرئ «غيرَ» نصباً، فقيل: حالٌ من «الذين» وهو ضعيفٌ لمجيئهِ من المضافِ إليه في غير المواضعِ الجائزِ فيها ذلك، كما ستعرِفُه إن شاء الله تعالى، وقيل: من الضمير في «عليهم» وقيل: على الاستثناءِ المنقطعِ، ومنعه الفراء قال: لأن «لا» لا تُزاد إلا إذا تقدَّمها نفيٌ، كقوله: 82 - ما كان يرضى رسولُ الله فِعْلَهما ... والطيبان أبو بكرٍ ولا عُمَرُ

وأجابوا بأنَّ «لا» صلةٌ زائدةٌ، مِثْلُها في قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} [الأعراف: 12] وقول الشاعر:

83 - وما ألومُ البيضَ ألاَّ تَسْخَرا ...

وقول الآخر:

84 - وَيلْحَيْنَني في اللهو ألاَّ أُحِبُّه ... وللَّهوِ داعٍ دائبٌ غيرُ غافلِ

وقول الآخر:

85 - أبى جودُه لا البخلَ واستعجلتْ نَعَمْ ... به مِنْ فتىً لا يمنعُ الجودَ نائِلُه

ف «لا» في هذه المواضع صلةٌ. وفي هذا الجواب نظرٌ، لأن الفراء لَمْ يَقُلْ إنها غيرُ زائدة، فقولُهم: إن «لا» زائدةٌ في هذه الآية وتنظيرهُم لها بالمواضع المتقدمة لا يفيد/، وإنما تحريرُ الجواب أن يقولوا: وُجِدَتْ «لا» زائدةً من غير تقدُّم نفي كهذه المواضعِ المتقدمة. وتحتملُ أن تكونَ «لا» في قوله: «لا البخلَ» مفعولاً به ل «أبى» ، ويكونَ نصبُ «البخلَ» على أنه بدلٌ من «لا» ، أي أبى جودُه قولَ لا، وقولُ لا هو البخلُ، ويؤيِّدُ هذا قولُه: «واستعجَلَتْ به نَعَمْ» فَجَعَلَ «نَعَم» فاعلَ «استعجَلَتْ» ، فهو من الإِسناد اللفظي، أي أبى جودُه هذا اللفظ، واستعجل به هذا اللفظُ.

وقيل: إنَّ نَصْبَ «غيرَ» بإضمار أعني، ويُحكى عن الخليل. وقدَّر بعضُهم بعد «غير» محذوفاً، قال: التقديرُ: غيرَ صراطِ المغضوبِ، وأَطْلَقَ هذا التقديرَ، فلم يقيِّدْه بجرِّ «غير» ولا نصبِه، ولا يتأتَّى إلا مع نصبها، وتكون صفةً لقوله: {الصراط المستقيم} ، وهذا ضعيفٌ، لأنه متى اجتمع البدلُ والوصفُ قُدِّم الوصفُ، فالأولى أن يكون صفةً ل «صراطَ الذين» ويجوز أن تكونَ بدلاً من {الصراط المستقيم} أو من {صِرَاطَ الذين} إلا انه يلزم منه تكرارُ البدل، وفي جوازِه نظرٌ، وليس في المسألة نقلٌ، إلا انهم قد ذكروا ذلك في بدلِ البَداء خاصة، أو حالاً من «الصراط» الأول أو الثاني.

. . واعلم أنه حيث جَعَلْنَا «غير» صفةً فلا بد من القول بتعريف «غير» أو بإبهامِ الموصوف وجريانه مَجْرى النكرةِ، كما تقدَّم تقريرُ ذلك في القراءة بجرِّ «غير» .

و «لا» في قوله: {وَلاَ الضآلين} زائدةٌ لتأكيد معنى النفي المفهومِ من «غير» لئلا يُتَوَهَّم عَطْفُ «الضالِّين» على {الذين أَنْعَمْتَ} وقال الكوفيون: هي بمعنى «غير» ، وهذا قريبٌ من كونها زائدةً، فإنه لو صُرِّح ب «غير» كانَتْ للتأكيد أيضاً، وقد قرأ بذلك عمر بن الخطاب.

و «الضَّالين» مجرورٌ عطفاً على «المغضوب» ، وقُرِئَ شاذاً: الضَّأَلِّين بهمز الألف، وأنشدوا: 86 - وللأرضِ أمَّا سُودُها فَتَجلَّلَتْ ... بياضاً وأمَّا بِيضُها فادْهََأمَّتِ

قال أبو القاسم الزمخشري: «فعلوا ذلك للجَدّ في الهرب من التقاء الساكنين» انتهى وقد فعلوا ذلك حيث لا ساكنان، قال الشاعر:

87 - فخِنْدِفٌ هامةُ هذا العَألَمِ ...

بهمز «العَأْلَمِ» وقال آخر:

88 - ولَّى نَعامُ بني صفوانَ زَوْزَأَةً ...

بهمز ألف «زَوْزأة» ، والظاهر أنها لغةٌ مُطَّردةٌ، فإنهم قالوا في قراءة ابن ذكوان: «مِنْسَأْتَه» بهمزة ساكنة: إن أصلَها ألفٌ فقُلِبَتْ همزةً ساكنةً.

فإن قيل: لِمَ أتى بصلة الذين فعلاً ماضياً؟ قيلٍ: لِيَدُلَّ ذلِك على ثبوتِ إنعام الله عليهم وتحقيقه لهم، وأتى بصلة أل اسماً ليشمل سائرَ الأزمانِ، وجاء به مبنياً للمفعول تَحْسِيناً للفظ، لأنَّ مَنْ طُلِبتْ منه الهدايةُ ونُسِب الإِنعامُ إليه لا يناسِبُه نسبةُ الغضبِ إليه، لأنه مَقامُ تلطُّفٍ وترفُّق لطلبِ الإِحسانِ فلا يُحْسُنُ مواجَهَتُه بصفةِ الانتقام.

والإِنعام: إيصالُ الإِحسان إلى الغير، ولا يُقال إلا إذا كان الموصَلُ إليه الإِحسانُ من العقلاءِ، فلا يقال: أَنْعم فلانٌ على فرسِه ولا حماره.

والغضبُ: ثَورَان دم القلب إرادَة الانتقامِ، ومنه قولُه عليه السلام: «اتقوا الغضبَ فإنه جَمْرةٌ تُوقَدُ في قلب ابن آدم، ألم تَرَوْا إلى انتفاخ أَوْداجه وحُمْرةِ عينيه» ، وإذا وُصف به الباري تعالى فالمرادُ به الانتقام لا غيره، ويقال: فلانٌ غَضَبة «إذا كان سريعَ الغضبِ.

ويقال: غضِبت لفلانٍ [إذا كان حَيًّا] ، وغضبت به إذا كان ميتاً، وقيل: الغضبُ تغيُّر القلبِ لمكروهٍ، وقيل: إن أريدَ بالغضبِ العقوبةُ كان صفةَ فِعْلٍ، وإنْ أريدَ به إرادةُ العقوبةِ كان صفةَ ذاتٍ.

والضَّلال: الخَفاءُ والغَيْبوبةُ، وقيل: الهَلاك، فمِن الأول قولُهم: ضَلَّ الماءُ في اللبن، وقوله:

89 - ألم تسأَلْ فَتُخْبِرَكَ الدِّيارُ ... عن الحيِّ المُضَلَّلِ أين ساروا

والضَّلْضَلَةُ: حجرٌ أملسُ يَردُّه السيلُ في الوادي. ومن الثاني: {أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض} [السجدة: 10] ، وقيل: الضلالُ: العُدول عن الطريق المستقيم، وقد يُعَبَّر به عن النسيان كقوله تعالى: {أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا} [البقرة: 282] بدليلِ قوله: {فَتُذَكِّرَ} .

القول في «آمين» : ليست من القرآن إجماعاً، ومعناها: استجِبْ، فهي اسمُ فعلٍ مبنيٌ على الفتحِ، وقيل: ليس باسم فِعْل، بل هو من أسماءِ الباري تعالى والتقدير: يا آمين، وضَعَّفَ أبو البقاء هذا بوجهين: أحدهما: أنه لو كان كذلك لكان ينبغي أن يُبنى على الضم لأنه منادى مفردٌ معرفةٌ، والثاني: أن أسماءَ الله تعالى توقيفيةٌ. ووجَّه الفارسي قولَ مَنْ جعله اسماً لله تعالى على معنى أنَّ فيه ضميراً يعودُ على اللهِ تعالى: لأنه اسمُ فعلٍ، وهو توجيهٌ حسنٌ، نقله صاحب «المُغْرِب» .

وفي آمين لغتان: المدُّ والقصرُ، فمن الأول قوله:

90 - آمينَ آمينَ لا أرضى بواحدةٍ ... حتى أُبَلِّغَهَا ألفينِ آمينا

وقال الآخر:

91 - يا رَبِّ لا تَسْلُبَنِّي حُبَّها أبداً ... ويَرْحمُ اللهُ عبداً قال آمينا

ومن الثاني قوله:

92 - تباعَدَ عني فُطْحُلٌ إذ دعوتُه ... آمينَ فزاد الله ما بيننا بُعْدا

وقيل: الممدودُ اسمٌ أعجمي، لأنه بزنة قابيل وهابيل. وهل يجوز تشديدُ الميم؟ المشهورُ أنه خطأ نقله الجوهري، ولكنه قد رُوي عن الحسن وجعفَر الصادق التشديدُ، وهو قولُ الحسين بن الفضل من أمِّ إذا قصد، أي نحن قاصدون نحوك، ومنه {ولا آمِّينَ البيت الحرام} [المائدة: 2] .

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
صرط

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

صرط

الصِّرَاطُ: الطّريقُ المستقيمُ. قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً﴾ [الأنعام : 153] ، ويقال له: سِرَاطٌ، وقد تقدّم.

نعم

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

نعم

النِّعْمَةُ: الحالةُ الحسنةُ، وبِنَاء النِّعْمَة بِناء الحالةِ التي يكون عليها الإنسان كالجِلْسَة والرِّكْبَة، والنَّعْمَةُ: التَّنَعُّمُ، وبِنَاؤُها بِنَاءُ المَرَّة من الفِعْلِ كالضَّرْبَة والشَّتْمَة، والنِّعْمَةُ للجِنْسِ تقال للقليلِ والكثيرِ. قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [النحل : 18] ، ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة : 40] ، ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة : 3] ، ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران : 174] إلى غير ذلك من الآيات. والإِنْعَامُ: إيصالُ الإحسانِ إلى الغَيْرِ، ولا يقال إلّا إذا كان المُوصَلُ إليه من جِنْسِ النَّاطِقِينَ، فإنه لا يقال أَنْعَمَ فلانٌ على فَرَسِهِ. قال تعالى: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة : 7] ، ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب : 37] والنَّعْمَاءُ بإِزَاءِ الضَّرَّاءِ. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾ [هود : 10] والنُّعْمَى نقيضُ البُؤْسَى، قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف : 59] والنَّعِيمُ: النِّعْمَةُ الكثيرةُ، قال: ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس : 9] ، وقال: ﴿جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [لقمان : 8] وَتَنَعَّمَ: تَنَاوَلَ ما فيه النِّعْمَةُ وطِيبُ العَيْشِ، يقال: نَعَّمَهُ تَنْعِيماً فَتَنَعَّمَ. أي: جَعَلَهُ في نِعْمَةٍ. أي: لِينِ عَيْشٍ وخَصْبٍ، قال: ﴿فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ [الفجر : 15] وطعامٌ نَاعِمٌ، وجارية نَاعِمَةٌ. [والنَّعَمُ مختصٌّ بالإبل] ، وجمْعُه: أَنْعَامٌ، [وتسميتُهُ بذلك لكون الإبل عندهم أَعْظَمَ نِعْمةٍ، لكِنِ الأَنْعَامُ تقال للإبل والبقر والغنم، ولا يقال لها أَنْعَامٌ حتى يكون في جملتها الإبل](١) . قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف : 12] ، ﴿وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً﴾ [الأنعام : 142] ، وقوله: ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ﴾ [يونس : 24] فَالْأَنْعَامُ هاهنا عامٌّ في الإبل وغيرها. والنُّعَامَى: الرِّيحُ الجَنُوبُ النَّاعِمَةُ الهبُوبِ، والنَّعَامَةُ: سُمِّيَتْ تشبيهاٍ بِالنَّعَمِ في الخِلْقة، والنَّعَامَةُ: المَظَلَّةُ في الجَبَلِ، وعلى رأس البئر تشبيهاً بالنَّعَامَةِ في الهَيْئَة مِنَ البُعْدِ، والنَّعَائِمُ: من مَنَازِلِ القَمَرِ تشبيهاً بِالنَّعَامَةِ وقول الشاعر:

449- وابْنُ النَّعَامَةِ عِنْدَ ذَلِكَ مَرْكَبِي(٢)

فقد قيل: أراد رِجْلَهُ، وجعلها ابنَ النَّعَامَةِ تشبيهاً بها في السُّرْعَة. وقيل: النَّعَامَةُ بَاطِنُ القَدَمِ، وما أرَى قال ذلك من قال إلّا من قولهم: ابْنُ النَّعَامَةِ. وقولهم تَنَعَّمَ فُلَانٌ: إذا مَشَى مشياً خَفِيفاً فَمِنَ النِّعْمَةِ.

و «نِعْمَ» كلمةٌ تُسْتَعْمَلُ في المَدْحِ بإِزَاءِ بِئْسَ في الذَّمّ، قال تعالى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص : 44] ، ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ [الزمر : 74] ، ﴿نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال : 40] ، ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ﴾ [الذاريات : 48] ، ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة : 271] وتقول: إن فَعَلْتَ كَذَا فَبِهَا وَنِعْمَتْ. أي: نِعْمَتِ الخَصْلَةُ هِيَ، وغَسَّلْتُهُ غَسْلًا نِعمَّا، يقال: فَعَلَ كذا وأَنْعَمَ. أي: زَادَ، وأصله من الإِنْعَامِ، ونَعَّمَ اللَّهُ بِكَ عَيْناً.

و «نَعَمْ» كلمةٌ للإيجابِ من لفظ النِّعْمَة، تقول: نَعَمْ ونُعْمَةُ عَيْنٍ ونُعْمَى عَيْنٍ ونُعَامُ عَيْنٍ، ويصحُّ أن يكون من لفظ أَنْعَمَ منه، أي: أَلْيَنَ وأَسْهَلَ.

(١) ما بين [] نقله البغدادي في الخزانة 1/ 408.

(٢) هذا عجز بيت، وشطره: ويكون مركبك القعود ورحله

وهو لعنترة في ديوانه ص 33، والمجمل 3/ 874. وقيل: هو لخرز بن لوذان

غضب

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

غضب

الغَضَبُ: ثوران دم القلب إرادة الانتقام، ولذلك قال عليه السلام: «اتّقوا الغَضَبَ فإنّه جمرة توقد في قلب ابن آدم، ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه»(١) ، وإذا وصف الله تعالى به فالمراد به الانتقام دون غيره: قال فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ [البقرة : 90] ، وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ [آل عمران : 112] ، وقال: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي﴾ [طه : 81] ، ﴿غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المجادلة : 14] ، وقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة : 7] ، قيل: هم اليهود(٢) . والغَضْبَةُ كالصّخرة، والغَضُوبُ: الكثير الغضب. وتوصف به الحيّة والنّاقة الضجور، وقيل: فلان غُضُبَّةٌ: سريع الغضب(٣) ، وحكي أنّه يقال: غَضِبْتُ لفلان: إذا كان حيّا وغَضِبْتُ به إذا كان ميّتا(٤) .

(١) الحديث عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «ألا وإنّ الغضب جمرة في قلب ابن آدم، أما رأيتم إلى حمرة عينيه، وانتفاخ أوداجه، فمن أحسّ بشيء من ذلك فليلصق بالأرض» .

أخرجه الترمذي من حديث طويل، وقال: حسن صحيح (انظر: كتاب الفتن في عارضة الأحوذي 9/ 43) ، وتخريج أحاديث الإحياء 4/ 1802، ومسند أحمد 3/ 19، وعبد الرزاق في المصنف 11/ 347.

(٢) أخرجه أحمد والترمذي وحسّنه وابن حبّان في صحيحه عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ المغضوب عليهم اليهود، وإنّ الضالين النصارى» . مسند أحمد 4/ 378، وعارضة الأحوذي 11/ 75، وانظر: الدر المنثور 1/ 42.

(٣) قال ابن دريد: ورجل غضبّة: إذا كان كثير الغضب.

(٤) انظر: الجمهرة 1/ 303.

ضل

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

ضل

الضَّلَالُ: العدولُ عن الطّريق المستقيم، ويضادّه الهداية، قال تعالى: فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها [الإسراء : 15] ، ويقال الضَّلَالُ لكلّ عدولٍ عن المنهج، عمدا كان أو سهوا، يسيرا كان أو كثيرا، فإنّ الطّريق المستقيم الذي هو المرتضى صعب جدا، قال النبيّ ﷺ: «استقيموا ولن تُحْصُوا»(١) وقال بعض الحكماء: كوننا مصيبين من وجه وكوننا ضَالِّينَ من وجوه كثيرة، فإنّ الاستقامة والصّواب يجري مجرى المقرطس من المرمى، وما عداه من الجوانب كلّها ضَلَالٌ.

ولما قلنا روي عن بعض الصالحين أنه رأى النبيّ ﷺ في منامه فقال: يا رسول الله يروى لنا أنّك قلت: «شيّبتني سورة هود وأخواتها فما الذي شيّبك منها؟ فقال: قوله: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ»(٢) . وإذا كان الضَّلَالُ تركَ الطّريق المستقيم عمدا كان أو سهوا، قليلا كان أو كثيرا، صحّ أن يستعمل لفظ الضَّلَالِ ممّن يكون منه خطأ ما، ولذلك نسب الضَّلَالُ إلى الأنبياء، وإلى الكفّار، وإن كان بين الضَّلَالَيْنِ بون بعيد، ألا ترى أنه قال في النّبي ﷺ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى﴾ [الضحى : 7] ، أي: غير مهتد لما سيق إليك من النّبوّة. وقال في يعقوب: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف : 95] ، وقال أولاده: ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف : 8] ، إشارة إلى شغفه بيوسف وشوقه إليه، وكذلك: ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف : 30] ، وقال عن موسى عليه السلام: ﴿فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء : 20] ، تنبيه أنّ ذلك منه سهو، وقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما﴾ [البقرة : 282] ، أي: تنسى، وذلك من النّسيان الموضوع عن الإنسان. والضَّلَالُ من وجه آخر ضربان: ضَلَالٌ في العلوم النّظريّة، كالضَّلَالِ في معرفة الله ووحدانيّته، ومعرفة النّبوّة، ونحوهما المشار إليهما بقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً﴾ [النساء : 136] . وضَلَالٌ في العلوم العمليّة، كمعرفة الأحكام الشّرعيّة التي هي العبادات، والضَّلَالُ البعيدُ إشارةٌ إلى ما هو كفر كقوله على ما تقدّم من قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ﴾ [النساء : 136] ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً﴾ [النساء : 167] ، وكقوله: ﴿فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ﴾ [سبأ : 8] ، أي: في عقوبة الضَّلَالِ البعيدِ، وعلى ذلك قوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك : 9] ، ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة : 77] ، وقوله: ﴿أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ﴾ [السجدة : 10] ، كناية عن الموت واستحالة البدن. وقوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة : 7] ، فقد قيل: عني بِالضَّالِّينَ النّصارى(٣) . وقوله: ﴿فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى﴾ [طه : 52] ، أي: لا يَضِلُّ عن ربّي، ولا يَضِلُّ ربّي عنه: أي: لا يغفله، وقوله: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ [الفيل : 2] ، أي: في باطل وإِضْلَالٍ لأنفسهم.

والإِضْلَالُ ضربان: أحدهما: أن يكون سببه الضَّلَالُ، وذلك على وجهين: إمّا بأن يَضِلَّ عنك الشيءُ كقولك: أَضْلَلْتُ البعيرَ، أي: ضَلَّ عنّي، وإمّا أن تحكم بِضَلَالِهِ، والضَّلَالُ في هذين سبب الإِضْلَالِ.

والضّرب الثاني: أن يكون الإِضْلَالُ سببا لِلضَّلَالِ، وهو أن يزيّن للإنسان الباطل ليضلّ كقوله: ﴿لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء : 113] ، أي يتحرّون أفعالا يقصدون بها أن تَضِلَّ، فلا يحصل من فعلهم ذلك إلّا ما فيه ضَلَالُ أنفسِهِم، وقال عن الشيطان: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ [النساء : 119] ، وقال في الشّيطان: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً﴾ [يس : 62] ، ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً﴾ [النساء : 60] ، ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص : 26] ، وإِضْلَالُ اللهِ تعالى للإنسان على أحد وجهين: أحدهما أن يكون سببُهُ الضَّلَالَ، وهو أن يَضِلَّ الإنسانُ فيحكم الله عليه بذلك في الدّنيا، ويعدل به عن طريق الجنّة إلى النار في الآخرة، وذلك إِضْلَالٌ هو حقٌّ وعدلٌ، فالحكم على الضَّالِّ بضَلَالِهِ والعدول به عن طريق الجنّة إلى النار عدل وحقّ.

والثاني من إِضْلَالِ اللهِ: هو أنّ الله تعالى وضع جبلّة الإنسان على هيئة إذا راعى طريقا، محمودا كان أو مذموما، ألفه واستطابه ولزمه، وتعذّر صرفه وانصرافه عنه، ويصير ذلك كالطّبع الذي يأبى على الناقل، ولذلك قيل: العادة طبع ثان(٤) . وهذه القوّة في الإنسان فعل إلهيّ، وإذا كان كذلك- وقد ذكر في غير هذا الموضع أنّ كلّ شيء يكون سببا في وقوع فعل- صحّ نسبة ذلك الفعل إليه، فصحّ أن ينسب ضلال العبد إلى الله من هذا الوجه، فيقال: أَضَلَّهُ اللهُ لا على الوجه الذي يتصوّره الجهلة، ولما قلناه جعل الإِضْلَالَ المنسوب إلى نفسه للكافر والفاسق دون المؤمن، بل نفى عن نفسه إِضْلَالَ المؤمنِ فقال: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ﴾ [التوبة : 115] ، ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ﴾ [محمد : 4-5] ، وقال في الكافر والفاسق: ﴿فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ [محمد : 8] ، ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ﴾ [البقرة : 26] ، ﴿كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ﴾ [غافر : 74] ، ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم : 27] ، وعلى هذا النّحو تقليب الأفئدة في قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ﴾ [الأنعام : 110] ، والختم على القلب في قوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة : 7] ، وزيادة المرض في قوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً﴾ [البقرة : 10] .

(١) الحديث عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أنّ خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» أخرجه مالك في الموطأ 1/ 34، وأحمد 5/ 280، والحاكم 1/ 130، والدارمي من طرق صحاح 1/ 168.

(٢) الحديث تقدّم في مادة (حصا) ص 241.

(٣) أخرج أحمد والترمذي وحسّنه وابن أبي حاتم 1/ 23 عن عديّ بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ المغضوب عليهم اليهود، وإنّ الضالين النصارى» انظر: الدر المنثور 1/ 42. المسند 4/ 378.

(٤) انظر: بسط المقال في ذلك في كتاب (الذريعة) للمؤلف ص 38- 39.