تفسير قول الله تعالى: (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ). سورة البقرة، الآية: ٢
التحرير والتنوير - ابن عاشور
﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾
مَبْدَأُ كَلامٍ لا اتِّصالَ لَهُ في الإعْرابِ بِحُرُوفِ الم كَما عَلِمْتَ مِمّا تَقَدَّمَ عَلى جَمِيعِ الِاحْتِمالاتِ كَما هو الأظْهَرُ.
وقَدْ جَوَّزَ صاحِبُ الكَشّافِ عَلى احْتِمالِ أنْ تَكُونَ حُرُوفُ الم مَسُوقَةً مَساقَ التَّهَجِّي لِإظْهارِ عَجْزِ المُشْرِكِينَ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ بَعْضِ القُرْآنِ، أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ مُشارًا بِهِ إلى الم بِاعْتِبارِهِ حَرْفًا مَقْصُودًا لِلتَّعْجِيزِ، أيْ ذَلِكَ المَعْنى الحاصِلِ مِنَ التَّهَجِّي أيْ ذَلِكَ الحُرُوفُ بِاعْتِبارِها مِن جِنْسِ حُرُوفِكم هي الكِتابُ أيْ مِنها تَراكِيبُهُ فَما أعْجَزَكم عَنْ مُعارَضَتِهِ، فَيَكُونُ الم جُمْلَةً مُسْتَقِلَّةً مَسُوقَةً لِلتَّعْرِيضِ واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأً والكِتابُ خَبَرًا.
وعَلى الأظْهَرِ تَكُونُ الإشارَةُ إلى القُرْآنِ المَعْرُوفِ لَدَيْهِمْ يَوْمَئِذٍ. واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ والكِتابُ بَدَلٌ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، فالإشارَةُ إلى الكِتابِ النّازِلِ بِالفِعْلِ وهي السُّوَرُ المُتَقَدِّمَةُ عَلى سُورَةِ البَقَرَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما نَزَلْ مِنَ القُرْآنِ فَهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِأنَّهُ القُرْآنُ ويَنْضَمُّ إلَيْهِ ما يَلْحَقُ بِهِ، فَيَكُونُ الكِتابُ عَلى هَذا الوَجْهِ أُطْلِقَ حَقِيقَةً عَلى ما كُتِبَ بِالفِعْلِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ الكِتابِ عَلى هَذا الوَجْهِ خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى جَمِيعِ القُرْآنِ ما نَزَلَ مِنهُ وما سَيَنْزِلُ لِأنَّ نُزُولَهُ مُتَرَقَّبٌ فَهو حاضِرٌ في الأذْهانِ فَشَبَّهَ بِالحاضِرِ في العِيانَ، فالتَّعْرِيفُ فِيهِ لِلْعَهْدِ التَّقْدِيرِيِّ والإشارَةُ إلَيْهِ لِلْحُضُورِ التَّقْدِيرِيِّ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الكِتابَ حِينَئِذٍ بَدَلًا أوْ بَيانًا مِن ذَلِكَ والخَبَرُ هو لا رَيْبَ فِيهِ.
ويَجُوزُ الإتْيانُ في مِثْلِ هَذا بِاسْمِ الإشارَةِ المَوْضُوعِ لِلْقَرِيبِ والمَوْضُوعِ لِلْبَعِيدِ، قالَ الرَّضِيُّ: وُضِعَ اسْمُ الإشارَةِ لِلْحُضُورِ والقُرْبِ لِأنَّهُ لِلْمُشارِ إلَيْهِ حِسًّا ثُمَّ يَصِحُّ أنْ يُشارَ بِهِ إلى الغائِبِ فَيَصِحُّ الإتْيانُ بِلَفْظِ البُعْدِ لِأنَّ المَحْكِيَّ عَنْهُ غائِبٌ، ويَقِلُّ أنْ يُذْكَرَ بِلَفْظِ الحاضِرِ القَرِيبِ فَتَقُولُ جاءَنِي رَجُلٌ فَقُلْتُ لِذَلِكَ الرَّجُلِ وقُلْتُ لِهَذا الرَّجُلِ، وكَذا يَجُوزُ لَكَ في الكَلامِ المَسْمُوعِ عَنْ قَرِيبٍ أنْ تُشِيرَ إلَيْهِ بِلَفْظِ الغَيْبَةِ والبُعْدِ كَما تَقُولُ: واللَّهِ وذَلِكَ قَسَمٌ عَظِيمٌ، لِأنَّ اللَّفْظَ زالَ سَماعُهُ فَصارَ كالغائِبِ ولَكِنَّ الأغْلَبَ في هَذا الإشارَةُ بِلَفْظِ الحُضُورِ فَتَقُولُ: وهَذا قَسَمٌ عَظِيمٌ اهـ، أيِ الأكْثَرُ في مِثْلِهِ الإتْيانُ بِاسْمِ إشارَةِ البَعِيدِ ويَقِلُّ ذِكْرُهُ بِلَفْظِ الحاضِرِ، وعَكْسُ ذَلِكَ في الإشارَةِ لِلْقَوْلِ. وابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ سَوّى بَيْنَ الإتْيانِ بِالقَرِيبِ والبَعِيدِ في الإشارَةِ لِكَلامٍ مُتَقَدِّمٍ إذْ قالَ: وقَدْ يَتَعاقَبانِ أيِ اسْمُ القَرِيبِ والبَعِيدِ مُشارًا بِهِما إلى ما ولِياهُ أيْ مِنَ الكَلامِ، ومَثَلَّهُ شارِحُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ قِصَّةِ عِيسى ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ٥٨] ثُمَّ قالَ ﴿إنَّ هَذا لَهْوَ القَصَصُ الحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٢] فَأشارَ مَرَّةً بِالبَعِيدِ ومَرَّةً بِالقَرِيبِ والمُشارُ إلَيْهِ واحِدٌ، وكَلامُ ابْنِ مالِكٍ أوْفَقُ بِالِاسْتِعْمالِ إذْ لا يَكادُ يُحْصَرُ ما ورَدَ مِنَ الِاسْتِعْمالَيْنِ فَدَعْوى الرَّضِيِّ قِلَّةَ أنْ يُذْكَرَ بِلَفْظِ الحاضِرِ دَعْوى عَرِيضَةٌ.
وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ حُكْمُ الإشارَةِ إلى غائِبٍ غَيْرِ كَلامٍ مِثْلَ الإشارَةِ إلى الكَلامِ في جَوازِ الوَجْهَيْنِ لِكَثْرَةِ كِلَيْهِما أيْضًا، فَفي القُرْآنِ: ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] فَإذا كانَ الوَجْهانِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ الِاسْتِعْمالُ مَجالًا لِتَسابُقِ البُلَغاءِ ومُراعاةِ مُقْتَضَياتِ الأحْوالِ، ونَحْنُ قَدْ رَأيْناهم يَتَخَيَّرُونَ في مَواقِعِ الإتْيانِ بِاسْمِ الإشارَةِ ما هو أشَدُّ مُناسَبَةً لِذَلِكَ المَقامِ فَدَلَّنا عَلى أنَّهم يَعْرِفُونَ مُخاطِبِيهِمْ بِأغْراضٍ لا قِبَلَ لِتَعَرُّفِها إلّا إذا كانَ الِاسْتِعْمالُ سَواءً في أصْلِ اللُّغَةِ لِيَكُونَ التَّرْجِيحُ لِأحَدِ الِاسْتِعْمالَيْنِ لا عَلى مَعْنى مِثْلَ زِيادَةِ التَّنْبِيهِ في اسْمِ الإشارَةِ البَعِيدِ كَما هُنا، وكَما قالَ خُفافُ بْنُ نَدْبَةَ:
أقُولُ لَهُ والرُّمْحُ يَأْطُرُ مَتْنَهُ تَأمَّلْ خُفافًا إنَّنِي أنا ذَلِكَ
وقَدْ يُؤْتى بِالقَرِيبِ لِإظْهارِ قِلَّةِ الِاكْتِراثِ كَقَوْلِ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ في الحَماسَةِ:
مَتى يَأْتِ هَذا المَوْتُ لا يَلْفِ حاجَةً ∗∗∗ لِنَفْسِيَ إلّا قَدْ قَضَيْتُ قَضاءَها
فَلا جَرَمَ أنْ كانَتِ الإشارَةُ في الآيَةِ بِاسْتِعْمالِ اسْمِ الإشارَةِ لِلْبَعِيدِ لِإظْهارِ رِفْعَةِ شَأْنِ هَذا القُرْآنِ لِجَعْلِهِ بَعِيدَ المَنزِلَةِ.
وقَدْ شاعَ في الكَلامِ البَلِيغِ تَمْثِيلُ الأمْرِ الشَّرِيفِ بِالشَّيْءِ المَرْفُوعِ فِي عِزَّةِ المَنالِ لِأنَّ الشَّيْءَ النَّفِيسَ عَزِيزٌ عَلى أهْلِهِ فَمِنَ العادَةِ أنْ يَجْعَلُوهُ في المُرْتَفَعاتِ صَوْنًا لَهُ عَنِ الدُّرُوسِ وتَناوُلِ كَثْرَةِ الأيْدِي والِابْتِذالِ، فالكِتابُ هُنا لَمّا ذُكِرَ في مَقامِ التَّحَدِّي بِمُعارَضَتِهِ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ حُرُوفُ التَّهَجِّي في الم كانَ كالشَّيْءِ العَزِيزِ المَنالِ بِالنِّسْبَةِ إلى تَناوُلِهِمْ إيّاهُ بِالمُعارَضَةِ أوْ لِأنَّهُ لِصِدْقِ مَعانِيهِ ونَفْعِ إرْشادِهِ بِعِيدٌ عَمَّنْ يَتَناوَلُهُ بِهُجْرِ القَوْلِ كَقَوْلِهِمُ افْتَراهُ وقَوْلِهِمْ ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] ولا يَرِدُ عَلى هَذا قَوْلُهُ ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ﴾ [الأنعام: ٩٢] فَذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى كِتابٍ بَيْنَ يَدَيْ أهْلِهِ لِتَرْغِيبِهِمْ في العُكُوفِ عَلَيْهِ والِاتِّعاظِ بِأوامِرِهِ ونَواهِيِهِ. ولَعَلَّ صاحِبَ الكَشّافِ بَنى عَلى مِثْلِ ما بَنى عَلَيْهِ الرَّضِيُّ فَلَمْ يَعُدَّ ”ذَلِكَ الكِتابُ“ تَنْبِيهًا عَلى التَّعْظِيمِ أوِ الِاعْتِبارِ، فَلِلَّهِ دَرُّ صاحِبِ المِفْتاحِ إذْ لَمْ يُغْفِلْ ذَلِكَ فَقالَ في مُقْتَضَياتِ تَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالإشارَةِ: أوْ أنْ يَقْصِدَ بِبُعْدِهِ تَعْظِيمَهُ كَما تَقُولُ في مَقامِ التَّعْظِيمِ ذَلِكَ الفاضِلُ وأُولَئِكَ الفُحُولُ وكَقَوْلِهِ عَزَّ وعَلا ﴿الم﴾ [البقرة: ١] ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ ذَهابًا إلى بُعْدِهِ دَرَجَةً.
وقَوْلُهُ: ”الكِتابُ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ اسْمِ الإشارَةِ لِقَصْدِ بَيانِ المُشارِ إلَيْهِ لِعَدَمِ مُشاهَدَتِهِ، فالتَّعْرِيفُ فِيهِ إذَنْ لِلْعَهْدِ، ويَكُونُ الخَبَرُ هو جُمْلَةُ: ”لا رَيْبَ فِيهِ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكِتابُ خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ ويَكُونُ التَّعْرِيفُ تَعْرِيفُ الجِنْسِ فَتُفِيدُ الجُمْلَةُ قَصْرَ حَقِيقَةِ الكِتابِ عَلى القُرْآنِ بِسَبَبِ تَعْرِيفِ الجُزْئَيْنِ فَهو إذَنْ قَصْرٌ ادِّعائِيٌ ومَعْناهُ ذَلِكَ هو الكِتابُ الجامِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ في جِنْسِ الكُتُبِ بِناءً عَلى أنَّ غَيْرَهُ مِنَ الكُتُبِ إذا نُسِبَتْ إلَيْهِ كانَتْ كالمَفْقُودِ مِنها وصْفَ الكِتابِ لِعَدَمِ اسْتِكْمالِها جَمِيعِ كَمالاتِ الكُتُبِ، وهَذا التَّعْرِيفُ قَدْ يُعَبِّرُ عَنْهُ النُّحاةُ في تَعْدادِ مَعانِي لامِ التَّعْرِيفِ بِمَعْنى الدَّلالَةِ عَلى الكَمالِ فَلا يَرِدُ أنَّهُ كَيْفَ يُحْصَرُ الكِتابُ في أنَّهُ الم أوْ في السُّورَةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ إذْ لَيْسَ المَقامُ مَقامَ الحَصْرِ وإنَّما هو مَقامُ التَّعْرِيفِ لا غَيْرَ، فَفائِدَةُ التَّعْرِيفِ والإشارَةِ ظاهِرِيَّةٌ ولَيْسَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ لَغْوًا بِحالٍ وإنْ سَبَقَ لِبَعْضِ الأوْهامِ عَلى بَعْضٍ احْتِمالٌ.
والكِتابُ فِعالٌ بِمَعْنى المَكْتُوبِ إمّا مَصْدَرُ كاتَبَ المَصُوغُ لِلْمُبالَغَةِ في الكِتابَةِ، فَإنَّ المَصْدَرَ يَجِيءُ بِمَعْنى المَفْعُولِ كالخَلْقِ، وإمّا فِعالٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَلِباسٍ بِمَعْنى مَلْبُوسٍ وعِمادٍ بِمَعْنى مَعْمُودٍ بِهِ.
واشْتِقاقُهُ مِن كَتَبَ بِمَعْنى جَمَعَ وضَمَّ لِأنَّ الكِتابَ تُجْمَعُ أوْراقُهُ وحُرُوفُهُ، فَإنَّ النَّبِيءَ ﷺ أمَرَ بِكِتابَةِ كُلِّ ما يَنْزِلُ مِنَ الوَحْيِ وجَعَلَ لِلْوَحْيِ كِتابًا، وتَسْمِيَةُ القُرْآنِ كِتابًا إشارَةٌ إلى وُجُوبِ كِتابَتِهِ لِحِفْظِهِ.
وكِتابَةُ القُرْآنِ فَرْضُ كِفايَةٍ عَلى المُسْلِمِينَ.
* * *
﴿لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾
حالٌ مِنَ الكِتابِ أوْ خَبَرٌ أوَّلٌ أوْ ثانٍ عَلى ما مَرَّ قَرِيبًا.
والرَّيْبُ الشَّكُّ وأصْلُ الرَّيْبِ القَلَقُ واضْطِرابُ النَّفْسِ، ورَيْبُ الزَّمانِ ورَيْبُ المَنُونِ نَوائِبُ ذَلِكَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] ولَمّا كانَ الشَّكُّ يَلْزَمُهُ اضْطِرابُ النَّفْسِ وقَلَقُها غَلَبَ عَلَيْهِ الرَّيْبُ فَصارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً يُقالُ رابَهُ الشَّيْءُ إذا شَكَّكَهُ أيْ بِجَعْلِ ما أوْجَبَ الشَّكَّ في حالِهِ فَهو مُتَعَدٍّ، ويُقالُ أرابَهُ كَذَلِكَ إذِ الهَمْزَةُ لَمْ تُكْسِبْهُ تَعْدِيَةً زائِدَةً فَهو مِثْلُ لَحِقَ وألْحَقَ، وزَلَقَهُ وأزْلَقَهُ وقَدْ قِيلَ إنَّ أرابَ أضْعَفُ مِن رابَ أرابَ بِمَعْنى قُرْبِهِ مِن أنْ يَشُكَّ قالَهُ أبُو زَيْدٍ، وعَلى التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُما قالَ بَشّارٌ:
أخُوكَ الَّذِي إنْ رِبْتَهُ قالَ إنَّما أرَبْتَ وإنْ عاتَبْتَهُ لانَ جانِبُهُ
وفِي الحَدِيثِ «دَعْ ما يُرِيبُكَ إلى ما لا يُرِيبُكَ» أيْ دَعِ الفِعْلَ الَّذِي يُقَرِّبُكَ مِنَ الشَّكِّ في التَّحْرِيمِ إلى فِعْلٍ آخَرَ لا يَدْخُلُ عَلَيْكَ في فِعْلِهِ شَكٌّ في أنَّهُ مُباحٌ.
ولَمْ يَخْتَلِفْ مُتَواتِرُ القُرّاءِ في فَتْحِ لا رَيْبَ نَفْيًا لِلْجِنْسِ عَلى سَبِيلِ التَّنْصِيصِ وهو أبْلَغُهُ لِأنَّهُ لَوْ رُفِعَ لاحْتَمَلَ نَفْيُ الفَرْدِ دُونَ الجِنْسِ فَإنْ كانَتِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إلى الحُرُوفِ المُجْتَمِعَةِ في الم عَلى إرادَةِ التَّعْرِيضِ بِالمُتَحَدَّيْنَ وكانَ قَوْلُهُ: ”الكِتابُ“ خَبَرًا لِاسْمِ الإشارَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ كانَ قَوْلُهُ لا رَيْبَ نَفْيًا لِرَيْبٍ خاصٍّ وهو الرَّيْبُ الَّذِي يَعْرِضُ في كَوْنِ هَذا الكِتابِ مُؤَلَّفًا مِن حُرُوفِ كَلامِهِمْ فَكَيْفَ عَجَزُوا عَنْ مِثْلِهِ، وكانَ نَفْيُ الجِنْسِ فِيهِ حَقِيقَةً ولَيْسَ بِادِّعاءٍ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ لا رَيْبَ مُنَزَّلَةً مَنزِلَةَ التَّأْكِيدِ لِمُفادِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ذَلِكَ الكِتابُ وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَجْرُورُ وهو قَوْلُهُ فِيهِ مُتَعَلِّقًا بِرَيْبٍ عَلى أنَّهُ ظَرْفُ لَغْوٍ فَيَكُونُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ فِيهِ وهو مُخْتارُ الجُمْهُورِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الشورى: ٧] وقَوْلِهِ ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٩] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فِيهِ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا خَبَرًا لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ ومَعْنى (في) هو الظَّرْفِيَّةُ المَجازِيَّةُ العُرْفِيَّةُ تَشْبِيهًا لِدَلالَةِ اللَّفْظِ بِاحْتِواءِ الظَّرْفِ فَيَكُونُ تَخْطِئَةً لِلَّذِينَ أعْرَضُوا عَنِ اسْتِماعِ القُرْآنِ فَقالُوا ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ﴾ [فصلت: ٢٦] اسْتِنْزالًا لِطائِرِ نُفُورِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ هَذا الكِتابُ مُشْتَمِلٌ عَلى شَيْءٍ مِنَ الهُدى فاسْمِعُوا إلَيْهِ ولِذَلِكَ نَكَّرَ الهُدى أيْ فِيهِ شَيْءٌ مِن هُدًى عَلى حَدِّ قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِأبِي ذَرٍّ («إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جاهِلِيَّةٌ» ) ويَكُونُ خَبَرُ (لا) مَحْذُوفًا لِظُهُورِهِ أيْ لا رَيْبَ مَوْجُودٌ، وحَذْفُ الخَبَرِ مُسْتَعْمَلٌ كَثِيرًا في أمْثالِهِ نَحْوَ قالُوا لا ضَيْرَ وقَوْلُ العَرَبِ لا بَأْسَ، وقَوْلُ سَعْدِ بْنِ مالِكٍ:
مَن صَدَّ عَنْ نِيرانِها ∗∗∗ فَأنا ابْنُ قَيْسٍ لا بَراحَ
أيْ لا بَقاءَ في ذَلِكَ، وهو اسْتِعْمالٌ مَجازِيٌّ فَيَكُونُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ لا رَيْبَ وفي الكَشّافِ أنَّ نافِعًا وعاصِمًا وقَفا عَلى قَوْلِهِ رَيْبَ وإنْ كانَتِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إلى الكِتابِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ كالحاضِرِ المُشاهَدِ وكانَ قَوْلُهُ الكِتابُ بَدَلًا مِنَ اسْمِ الإشارَةِ لِبَيانِهِ فالمَجْرُورُ مِن قَوْلِهِ فِيهِ ظَرْفُ لَغْوٍ مُتَعَلِّقٌ بِرَيْبَ وخَبَرُ لا مَحْذُوفٌ عَلى الطَّرِيقَةِ الكَثِيرَةِ في مِثْلِهِ، والوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ فِيهِ، فِيهِ مَعْنى نَفْيِ وُقُوعِ الرَّيْبِ في الكِتابِ عَلى هَذا الوَجْهِ نَفْيِ الشَّكِّ في أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ المَقْصُودَ خِطابُ المُرْتابِينَ في صِدْقِ نِسْبَتِهِ إلى اللَّهِ تَعالى وسَيَجِيءُ خِطابُهم بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] فارْتِيابُهم واقِعٌ مُشْتَهِرٌ، ولَكِنْ نَزَلَ ارْتِيابُهم مَنزِلَةَ العَدَمِ لِأنَّ في دَلائِلِ الأحْوالِ ما لَوْ تَأمَّلُوهُ لَزالَ ارْتِيابُهم فَنَزَلَ ذَلِكَ الِارْتِيابُ مَعَ دَلائِلَ بُطْلانِهِ مَنزِلَةَ العَدَمِ.
قالَ صاحِبُ المِفْتاحِ: ويَقْلِبُونَ القَضِيَّةَ مَعَ المُنْكِرِ إذا كانَ مَعَهُ ما إنْ تَأمَّلَهُ ارْتَدَعَ فَيَقُولُونَ لِمُنْكِرِ الإسْلامِ: الإسْلامُ حَقٌّ وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ في حَقِّ القُرْآنِ لا رَيْبَ فِيهِ وكَمْ مِن شَقِيٍّ مُرْتابٍ فِيهِ وارِدٌ (عَلى هَذا) فَيَكُونُ المُرَكَّبُ الدّالُّ عَلى النَّفْيِ المُؤَكَّدِ لِلرَّيْبِ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالرَّيْبِ لِمُشابَهَةِ حالِ المُرْتابِ في وهْنِ رَيْبِهِ بِحالِ مَن لَيْسَ بِمُرْتابٍ أصْلًا عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ.
ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن فَسَّرَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ بِمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ما يُوجِبُ ارْتِيابًا في صِحَّتِهِ أيْ لَيْسَ فِيهِ اضْطِرابٌ ولا اخْتِلافٌ فَيَكُونُ الرَّيْبُ هُنا مَجازًا في سَبَبِهِ ويَكُونُ المَجْرُورُ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا خَبَرَ لا فَيَنْظُرُ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] أيْ أنَّ القُرْآنَ لا يَشْتَمِلُ عَلى كَلامٍ يُوجِبُ الرِّيبَةَ في أنَّهُ مِن عِنْدِ الحَقِّ رَبِّ العالَمِينَ، مِن كَلامٍ يُناقِضُ بَعْضُهُ بَعْضًا أوْ كَلامٍ يُجافِي الحَقِيقَةَ والفَضِيلَةَ أوْ يَأْمُرُ بِارْتِكابِ الشَّرِّ والفَسادِ أوْ يَصْرِفُ عَنِ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ، وانْتِفاءِ ذَلِكَ عَنْهُ يَقْتَضِي أنَّ ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ إذا تَدَبَّرَ فِيهِ المُتَدَبِّرُ وجَدَهُ مُفِيدًا اليَقِينَ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ والآيَةُ هُنا تَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ فَلْنَجْعَلْهُما مَقْصُودَيْنِ مِنها عَلى الأصْلِ الَّذِي أصَّلْناهُ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ.
وهَذا النَّفْيُ لَيْسَ فِيهِ ادِّعاءٌ ولا تَنْزِيلٌ فَهَذا الوَجْهُ يُغْنِي عَنْ تَنْزِيلِ المَوْجُودِ مَنزِلَةَ المَعْدُومِ فَيُفِيدُ التَّعْرِيضَ بِما بَيْنَ يَدَيْ أهْلِ الكِتابِ يَوْمَئِذٍ مِنَ الكُتُبِ فَإنَّها قَدِ اضْطَرَبَتْ أقْوالُها وتَخالَفَتْ لِما اعْتَراها مِنَ التَّحْرِيفِ وذَلِكَ لِأنَّ التَّصَدِّيَ لِلْأخْبارِ بِنَفْيِ الرَّيْبِ عَنِ القُرْآنِ مَعَ عَدَمِ وُجُودِ قائِلٍ بِالرَّيْبِ فِيما تَضَمَّنَهُ أيْ بِرَيْبٍ مُسْتَنِدٍ لِمُوجِبِ ارْتِيابٍ إذْ قُصارى ما قالُوهُ فِيهِ أقْوالٌ مُجْمَلَةٌ مِثْلَ هَذا سِحْرٌ، هَذا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، يَدُلُّ ذَلِكَ التَّحَدِّي عَلى أنَّ المُرادَ التَّعْرِيضُ لا سِيَّما بَعْدَ قَوْلِهِ ذَلِكَ الكِتابُ كَما تَقُولُ لِمَن تَكَلَّمَ بَعْدَ قَوْمٍ تَكَلَّمُوا في مَجْلِسٍ وأنْتَ ساكِتٌ: هَذا الكَلامُ صَوابٌ تُعَرِّضُ بِغَيْرِهِ.
وبِهَذا الوَجْهِ أيْضًا يَتَسَنّى اتِّحادُ المَعْنى عِنْدَ الوَقْفِ لَدى مَن وقَفَ عَلى ”فِيهِ“ ولَدى مَن وقَفَ عَلى ”رَيْبَ“، لِأنَّهُ إذا اعْتَبَرَ الظَّرْفَ غَيْرَ خَبَرٍ وكانَ الخَبَرُ مَحْذُوفًا أمْكَنَ الِاسْتِغْناءُ عَنْ هَذا الظَّرْفِ مِن هاتِهِ الجُمْلَةِ، وقَدْ ذَكَرَ الكَشّافُ أنَّ الظَّرْفَ وهو قَوْلُهُ: ”فِيهِ“ لَمْ يُقَدَّمْ عَلى المَسْنَدِ إلَيْهِ وهو رَيْبٌ أيْ عَلى احْتِمالِ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ اسْمٍ لا كَما قُدِّمَ الظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ”لا فِيها غُولٌ“ لِأنَّهُ لَوْ قُدِّمَ الظَّرْفُ هُنا لَقَصَدَ أنَّ كِتابًا آخَرَ فِيهِ الرَّيْبُ اهـ.
يَعْنِي لِأنَّ التَّقْدِيمَ في مِثْلِهِ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ فَيَكُونُ مُفِيدًا أنَّ نَفْيَ الرَّيْبِ عَنْهُ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ وأنَّ غَيْرَهُ مِنَ الكُتُبِ فِيهِ الرَّيْبُ وهو غَيْرُ مَقْصُودٍ هُنا. ولَيْسَ الحَصْرُ في قَوْلِهِ: ”لا رَيْبَ فِيهِ“ بِمَقْصُودٍ لِأنَّ السِّياقَ خِطابٌ لِلْعَرَبِ المُتَحَدَّيْنَ بِالقُرْآنِ ولَيْسُوا مِن أهْلِ كِتابٍ حَتّى يُرَدَّ عَلَيْهِمْ. وإنَّما أُرِيدَ أنَّهم لا عُذْرَ لَهم في إنْكارِهِمْ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ إذْ هم قَدْ دُعُوا إلى مُعارَضَتِهِ فَعَجَزُوا. نَعَمْ يُسْتَفادُ مِنهُ تَعْرِيضٌ بِأهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ آزَرُوا المُشْرِكِينَ وشَجَّعُوهم عَلى التَّكْذِيبِ بِهِ بِأنَّ القُرْآنَ لِعُلُوِّ شَأْنِهِ بَيْنَ نُظَرائِهِ مِنَ الكُتُبِ لَيْسَ فِيهِ ما يَدْعُو إلى الِارْتِيابِ في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِنَ اللَّهِ إثارَةً لِلتَّدَبُّرِ فِيهِ هَلْ يَجِدُونَ ما يُوجِبُ الِارْتِيابَ فِيهِ وذَلِكَ يَسْتَطِيرُ جاثِمَ إعْجابِهِمْ بِكِتابِهِمُ المُبَدَّلِ المُحَرَّفِ فَإنَّ الشَّكَّ في الحَقائِقِ رائِدُ ظُهُورِها. والفَجْرُ بِالمُسْتَطِيرِ بَيْنَ يَدَيْ طُلُوعِ الشَّمْسِ بَشِيرٌ بِسُفُورِها. وقَدْ بَنى كَلامَهُ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ المُكَيَّفَةَ بِالقَصْرِ في حالَةِ الإثْباتِ لَوْ دَخَلَ عَلَيْها نَفْيٌ وهي بِتِلْكَ الكَيْفِيَّةِ أفادَ قَصْرَ النَّفْيَ لا نَفْيَ القَصْرِ، وأمْثِلَةُ صاحِبِ المِفْتاحِ في تَقْدِيمِ المُسْنَدِ لِلِاخْتِصاصِ سَوّى فِيها بَيْنَ ما جاءَ بِالإثْباتِ وما جاءَ بِالنَّفْيِ.
وعِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ سَأذْكُرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى، لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم وحُكْمُ حَرَكَةِ هاءِ الضَّمِيرِ أوْ سُكُونِها مُقَرَّرَةٌ في عِلْمِ القِراءاتِ في قِسْمِ أُصُولِها.
وقَوْلُهُ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ الهُدى اسْمُ مَصْدَرِ الهَدْيِ لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ في لُغَةِ العَرَبِ إلّا سُرًى وتُقًى وبُكًى ولُغًى مَصْدَرُ لَغى في لُغَةٍ قَلِيلَةٍ. وفِعْلُهُ هَدى هَدْيًا يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِإلى ورُبَّما تَعَدّى إلَيْهِ بِنَفْسِهِ عَلى طَرِيقَةِ الحَذْفِ المُتَوَسَّعِ فِيما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] .
والهُدى عَلى التَّحْقِيقِ هو الدَّلالَةُ الَّتِي مِن شَأْنِها الإيصالُ إلى البُغْيَةِ وهَذا هو الظّاهِرُ في مَعْناهُ لِأنَّ الأصْلَ عَدَمُ التَّرادُفِ فَلا يَكُونُ هَدى مُرادِفًا لِدَلَّ ولِأنَّ المَفْهُومَ مِنَ الهُدى الدَّلالَةُ الكامِلَةُ وهَذا مُوافِقٌ لِلْمَعْنى المَنقُولِ إلَيْهِ الهُدى في العُرْفِ الشَّرْعِيِّ. وهو أسْعَدُ بِقَواعِدِ الأشْعَرِيِّ لِأنَّ التَّوْفِيقَ الَّذِي هو الإيصالُ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى في قَلْبِ المُوَفَّقِ فَيُناسِبُ تَفْسِيرَ الهِدايَةِ بِما يَصْلُحُ لَهُ لِيَكُونَ الَّذِي يَهْدِي يُوصِلُ الهِدايَةَ الشَّرْعِيَّةَ. فالقُرْآنُ هُدًى ووَصْفُهُ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ أيْ هو هادٍ.
والهُدى الشَّرْعِيُّ هو الإرْشادُ إلى ما فِيهِ صَلاحُ العاجِلِ الَّذِي لا يَنْقُضُ صَلاحَ الآجِلِ. وأثَرُ هَذا الهُدى هو الِاهْتِداءُ فالمُتَّقُونَ يَهْتَدُونَ بِهَدْيِهِ والمُعانِدُونَ لا يَهْتَدُونَ لِأنَّهم لا يَتَدَبَّرُونَ، وهَذا مَعْنًى لا يُخْتَلَفُ فِيهِ وإنَّما اخْتَلَفَ المُتَكَلِّمُونَ في مَنشَأِ حُصُولِ الِاهْتِداءِ وهي مَسْألَةٌ لا حاجَةَ إلَيْها في فَهْمِ الآيَةِ. وتَفْصِيلُ أنْواعِ الهِدايَةِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿اهْدِنا الصِّراطَ﴾ [الفاتحة: ٦] ومَحَلُّ هُدًى إنْ كانَ هو صَدْرُ جُمْلَةٍ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو ضَمِيرُ الكَتابِ فَيَكُونُ المَعْنى الإخْبارُ عَنِ الكِتابِ بِأنَّهُ الهُدى وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في حُصُولِ الهِدايَةِ بِهِ ما يَقْتَضِيِهِ الإخْبارُ بِالمَصْدَرِ لِلْإشارَةِ إلى بُلُوغِهِ الغايَةَ في إرْشادِ النّاسِ حَتّى كانَ هو عَيْنُ الهُدى تَنْبِيهًا عَلى رُجْحانِ هُداهُ عَلى هُدى ما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ، وإنْ كانَ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ لا رَيْبَ وكانَ الظَّرْفُ هو صَدْرَ الجُمْلَةِ المُوالِيَةِ وكانَ قَوْلُهُ هُدًى مُبْتَدَأً خَبَرُهُ الظَّرْفُ المُتَقَدِّمُ قَبْلَهُ فَيَكُونُ إخْبارًا بِأنَّ فِيهِ هُدًى فالظَّرْفِيَّةُ تَدُلُّ عَلى تَمَكُّنِ الهُدى مِنهُ فَيُساوِي ذَلِكَ في الدَّلالَةِ عَلى التَّمَكُّنِ الوَجْهَ المُتَقَدِّمَ الَّذِي هو الإخْبارُ عَنْهُ بِأنَّهُ عَيْنُ الهُدى. والمُتَّقِي مَنِ اتَّصَفَ بِالِاتِّقاءِ وهو طَلَبُ الوِقايَةِ، والوِقايَةُ الصِّيانَةُ والحِفْظُ مِنَ المَكْرُوهِ فالمُتَّقِي هو الحَذِرُ المُتَطَلِّبُ لِلنَّجاةِ مِن شَيْءٍ مَكْرُوهٍ مُضِرٍّ، والمُرادُ هُنا المُتَّقِينَ اللَّهَ، أيِ الَّذِينَ هم خائِفُونَ غَضَبَهُ واسْتَعَدُّوا لِطَلَبِ مَرْضاتِهِ واسْتِجابَةِ طَلَبِهِ فَإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ اسْتَمَعُوا لَهُ وتَدَبَّرُوا ما يَدْعُو إلَيْهِ فاهْتَدَوْا.
والتَّقْوى الشَّرْعِيَّةُ هي امْتِثالُ الأوامِرِ واجْتِنابُ المَنهِيّاتِ مِنَ الكَبائِرِ وعَدَمُ الِاسْتِرْسالِ عَلى الصَّغائِرِ ظاهِرًا وباطِنًا أيِ اتِّقاءُ ما جَعَلَ اللَّهُ الِاقْتِحامَ فِيهِ مُوجِبًا غَضَبَهُ وعِقابَهُ، فالكَبائِرُ كُلُّها مُتَوَعَّدٌ فاعِلُها بِالعِقابِ دُونَ اللَّمَمِ.
والمُرادُ مِنَ الهُدى ومِنَ المُتَّقِينَ في الآيَةِ مَعْناهُما اللُّغَوِيُّ فالمُرادُ أنَّ القُرْآنَ مِن شَأْنِهِ الإيصالُ إلى المَطالِبِ الخَيْرِيَّةِ وأنَّ المُسْتَعِدِّينَ لِلْوُصُولِ بِهِ إلَيْها هُمُ المُتَّقُونَ أيْ هُمُ الَّذِينَ تَجَرَّدُوا عَنِ المُكابَرَةِ ونَزَّهُوا أنْفُسَهم عَنْ حَضِيضِ التَّقْلِيدِ لِلْمُضِلِّينَ وخَشُوا العاقِبَةَ وصانُوا أنْفُسَهم مِن خَطَرِ غَضَبِ اللَّهِ هَذا هو الظّاهِرُ، والمُرادُ بِالمُتَّقِينَ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وبِمُحَمَّدٍ وتَلَقَّوُا القُرْآنَ بِقُوَّةٍ وعَزَمٍ عَلى العَمَلِ بِهِ كَما سَتَكْشِفُ عَنْهُمُ الأوْصافُ الآتِيَةُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] إلى قَوْلِهِ ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ [البقرة: ٤] وفي بَيانِ كَوْنِ القُرْآنِ هُدًى وكَيْفِيَّةِ صِفَةِ المُتَّقِي مَعانٍ ثَلاثَةٌ: الأوَّلُ أنَّ القُرْآنَ هُدًى في زَمَنِ الحالِ لِأنَّ الوَصْفَ بِالمَصْدَرِ عِوَضٌ عَنِ الوَصْفِ بِاسْمِ الفاعِلِ وزَمَنُ الحالِ هو الأصْلُ في اسْمِ الفاعِلِ والمُرادُ حالُ النُّطْقِ. والمُتَّقُونَ هُمُ المُتَّقُونَ في الحالِ أيْضًا لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ حَقِيقَةً في الحالِ كَما قُلْنا، أيْ أنَّ جَمِيعَ مَن نَزَّهَ نَفْسَهُ وأعَدَّها لِقَبُولِ الكَمالِ يَهْدِيهِ هَذا الكِتابُ، أوْ يَزِيدُهُ هُدًى كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى وآتاهم تَقْواهُمْ﴾ [محمد: ١٧] الثّانِي أنَّهُ هُدًى في الماضِي أيْ حَصَلَ بِهِ هُدًى أيْ بِما نَزَلَ مِنَ الكِتابِ، فَيَكُونُ المُرادُ مِنَ المُتَّقِينَ مَن كانَتِ التَّقْوى شِعارَهم أيْ أنَّ الهُدى ظَهَرَ أثَرُهُ فِيهِمْ فاتَّقَوْا وعَلَيْهِ فَيَكُونُ مَدْحًا لِلْكِتابِ بِمُشاهَدَةِ هَدْيِهِ وثَناءً عَلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بِهِ. وإطْلاقُ المُتَّقِينَ عَلى المُتَّصِفِينَ بِالتَّقْوى فِيما مَضى، وإنْ كانَ غَيْرُ الغالِبِ في الوَصْفِ بِاسْمِ الفاعِلِ، إطْلاقٌ يَعْتَمِدُ عَلى قَرِينَةِ سِياقِ الثَّناءِ عَلى الكِتابِ. الثّالِثُ أنَّهُ هُدًى في المُسْتَقْبَلِ لِلَّذِينَ سَيَتَّقُونَ في المُسْتَقْبَلِ وتَعَيَّنَ عَلَيْهِ هُنا قَرِينَةُ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ في هُدًى لِأنَّ المَصْدَرَ لا يَدُلُّ عَلى زَمانٍ مُعَيَّنٍ.
حَصَلَ مِن وصْفِ الكِتابِ بِالمَصْدَرِ مِن وفْرَةِ المَعانِي ما لا يَحْصُلُ، لَوْ وُصِفَ بِاسْمِ الفاعِلِ.
فَقِيلَ هادٍ لِلْمُتَّقِينَ، فَهَذا ثَناءٌ عَلى القُرْآنِ وتَنْوِيهٌ بِهِ وتَخَلُّصٌ لِلثَّناءِ عَلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِهَدْيِهِ، فالقُرْآنُ لَمْ يَزَلْ ولَنْ يَزالَ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، فَإنَّ جَمِيعَ أنْواعِ هِدايَتِهِ نَفَعَتِ المُتَّقِينَ في سائِرِ مَراتِبِ التَّقْوى، وفي سائِرِ أزْمانِهِ وأزْمانِهِمْ عَلى حَسَبِ حِرْصِهِمْ ومَبالِغِ عِلْمِهِمْ واخْتِلافِ مُطالِبِهِمْ، فَمِن مُنْتَفِعٍ بِهَدْيِهِ في الدِّينِ. ومِن مُنْتَفِعٍ في السِّياسَةِ وتَدْبِيرِ أُمُورِ الأُمَّةِ. ومِن مُنْتَفِعٍ بِهِ في الأخْلاقِ والفَضائِلِ، ومِن مُنْتَفِعٍ بِهِ في التَّشْرِيعِ والتَّفَقُّهِ في الدِّينِ. وكُلُّ أُولَئِكَ مِنَ المُتَّقِينَ وانْتِفاعُهم بِهِ عَلى حَسَبِ مَبالِغِ تَقْواهم. وقَدْ جَعَلَ أئِمَّةُ الأُصُولِ الِاجْتِهادَ في الفِقْهِ مِنَ التَّقْوى، فاسْتَدَلُّوا عَلى وُجُوبِ الِاجْتِهادِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] فَإنْ قَصَّرَ بِأحَدٍ سَعْيُهُ عَنْ كَمالِ الِانْتِفاعِ بِهِ، فَإنَّما ذَلِكَ لِنَقْصٍ فِيهِ لا في الهِدايَةِ، ولا يَزالُ أهْلُ العِلْمِ والصَّلاحِ يَتَسابَقُونَ في التَّحْصِيلِ عَلى أوْفَرِ ما يَسْتَطِيعُونَ مِنَ الِاهْتِداءِ بِالقُرْآنِ.
وتَلْتَئِمُ الجُمَلُ الأرْبَعُ كَمالَ الِالتِئامِ: فَإنَّ جُمْلَةَ الم تَسْجِيلٌ لِإعْجازِ القُرْآنِ وإنْحاءٍ عَلى عامَّةِ المُشْرِكِينَ عَجْزِهِمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ وهو مُؤَلَّفٌ مِن حُرُوفِ كَلامِهِمْ وكَفى بِهَذا نِداءً عَلى تَعَنُّتِهِمْ.
وجُمْلَةُ ذَلِكَ الكِتابِ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِهِ وأنَّهُ بالِغٌ حَدَّ الكَمالِ في أحْوالِ الكُتُبِ، فَذَلِكَ مُوَجَّهٌ إلى الخاصَّةِ مِنَ العُقَلاءِ أنْ يَقُولَ لَهم هَذا كِتابٌ مُؤَلَّفٌ مِن حُرُوفِ كَلامِهِمْ، وهو بالِغٌ حَدَّ الكَمالِ مِن بَيْنِ الكُتُبِ، فَكانَ ذَلِكَ مِمّا يُوَفِّرُ دَواعِيَكم عَلى اتِّباعِهِ والِافْتِخارِ بِأنْ مُنِحْتُمُوهُ فَإنَّكم تَعُدُّونَ أنْفُسَكم أفْضَلَ الأُمَمِ، فَكَيْفَ لا تُسْرِعُونَ إلى مُتابَعَةِ كِتابٍ نَزَلَ فِيكم هو أفْضَلُ الكُتُبِ فَوِزانُ هَذا وِزانُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ [الأنعام: ١٥٦] إلى قَوْلِهِ ”ورَحْمَةٌ“ ومَوَجَّهٌ إلى أهْلِ الكِتابِ بِإيقاظِهِمْ إلى أنَّهُ أفْضَلُ مِمّا أُوتُوهُ.
وجُمْلَةُ: ”لا رَيْبَ“ إنْ كانَ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ”لا رَيْبَ“ تَعْرِيضٌ بِكُلِّ المُرْتابِينَ فِيهِ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ أيْ أنَّ الِارْتِيابَ في هَذا الكِتابِ نَشَأ عَنِ المُكابَرَةِ، وأنْ لا رَيْبَ فَإنَّهُ الكِتابُ الكامِلُ، وإنْ كانَ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ فِيهِ كانَ تَعْرِيضًا بِأهْلِ الكِتابِ في تَعَلُّقِهِمْ بِمُحَرَّفِ كِتابَيْهِمْ مَعَ ما فِيهِما مِن مَثارِ الرَّيْبِ والشَّكِّ مِنَ الِاضْطِرابِ الواضِحِ الدّالِّ عَلى أنَّهُ مِن صُنْعِ النّاسِ، قالَ تَعالى ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] وقالَ في الكَشّافِ ثُمَّ لَمْ تَخْلُ كُلُّ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ الأرْبَعِ بَعْدَ أنْ نُظِّمَتْ هَذا التَّنْظِيمَ السِّرِّيَّ مِن نُكْتَةٍ ذاتِ جَزالَةٍ: فَفي الأُولى الحَذْفُ والرَّمْزُ إلى الغَرَضِ بِألْطَفِ وجْهٍ، وفي الثّانِيَةِ ما في التَّعْرِيفِ مِنَ الفَخامَةِ، وفي الثّالِثَةِ ما في تَقْدِيمِ الرَّيْبِ عَلى الظَّرْفِ، وفي الرّابِعَةِ الحَذْفُ ووَضْعُ المَصْدَرِ - وهو الهُدى - مَوْضِعَ الوَصْفِ وإيرادُهُ مُنَكَّرًا والإيجازُ في ذِكْرِ المُتَّقِينَ ا هـ.
فالتَّقْوى إذَنْ بِهَذا المَعْنى هي أساسُ الخَيْرِ، وهي بِالمَعْنى الشَّرْعِيِّ الَّذِي هو غايَةُ المَعْنى اللُّغَوِيِّ جُمّاعُ الخَيْراتِ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ لَمْ يَتَكَرَّرْ لَفْظٌ في القُرْآنِ مِثْلَما تَكَرَّرَ لَفْظُ التَّقْوى اهْتِمامًا بِشَأْنِها.
الدر المصون - السمين الحلبي
الدر المصون للسمين الحلبي - السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
﷽ ﴿الۤمۤ ١﴾ [البقرة ١]
إنْ قيل: إن الحروفَ المقطَّعة في أوائل السور أسماءُ حروفِ التهجِّي، بمعنى أن الميم اسْمٌ لمَهْ، والعينَ اسمٌ لعَهْ، وإن فائدتَها إعلامُهم بأن هذا القرآنَ منتظمٌ مِنْ جنس ما تَنْظِمون منه كلامَكم ولكن عَجَزْتُمْ عنه، فلا محلَّ لها حينئذ من الإِعراب، وإنما جيء بها لهذه الفائدةِ فأُلقيت كأسماءِ الأعدادِ نحو: واحد اثنان، وهذا أصحُّ الأقوالِ الثلاثة، أعني أنَّ في الأسماء التي لم يُقْصَدِ الإِخبارُ عنها ولا بها ثلاثةَ أقوالٍ، أحدها: ما تقدَّم. والثاني: أنها مُعْرَبَةٌ، بمعنى أنها صالحة للإِعراب وإنما فات شرطٌ وهو التركيبُ، وإليه مالَ الزمخشري. والثالث: أنها موقوفةٌ لا معربةٌ ولا مبنيةٌ. أو إنْ قيل: إنها أسماءُ السورِ المفتتحةِ بها، أو إنها بعضُ أسماءِ الله تعالى حُذِف بعضُها، وبقي منها هذه الحروفُ دالَّةٌ عليها وهو رأيُ ابن عباس، كقوله: الميم من عليهم والصاد من صادق فلها حينئذٍ محلُّ إعرابٍ، ويُحْتَمَلُ الرفعُ والجرُّ/، فالرفعُ على أحد وجهين: إمَّا بكونها مبتدأ، وإمَّا بكونها خبراً كما سيأتي بيانُه مفصَّلاً. والنصب على أحَدِ وجهين أيضاً: إمَّا بإضمار فعلٍ لائقٍ تقديرُه: اقرَؤوا: ألم، وإمَّا بإسقاطِ حرف القسم كقول الشاعر:
93 - إذا ما الخبزُ تَأْدِمُه بلَحْمٍ ... فذاك أمانةَ الله الثريدُ
يريد: وأمانةِ الله، وكذلك هذه الحروفُ، أقسم الله تعالى بها، وقد ردَّ الزمخشري هذا الوجه بما معناه: أنَّ «القرآن» في {ص والقرآن ذِي الذكر} [ص: 1] و «القلم» في: {ن والقلم} [القلم: 1] محلوفٌ بهما لظهور الجرِّ فيهما، وحينئذ لا يخلو أن تُجْعَلَ الواوُ الداخلةُ عليهما للقسم أو للعطف، والأول يلزم منه محذورٌ، وهو الجمع بين قسمين على مُقْسَم، قال: «وهم يستكرهون ذلك» ، والثاني ممنوعٌ لظهور الجرِّ فيما بعدها، والفرضُ أنك قدَّرْتَ المعطوفَ عليه في محلِّ نصب. وهو ردٌّ واضح، إلا أَنْ يقال: هي في محلِّ نصب إلا فيما ظهر فيه الجرُّ بعدَه كالموضعين المتقدمين و {حموالكتاب} [الزخرف: 1-2] و {ق والقرآن} [ق: 1] ولكن القائل بذلك لم يُفَرِّقْ بين موضعٍ وموضعٍ فالردُّ لازمٌ له.
والجرُّ من وجهٍ واحدٍ وهو أنَّها مُقْسَمٌ بها، حُذِف حرف القسم، وبقي عملُه كقولهم: «واللهِ لأفعلنَّ» ، أجاز ذلك أبو القاسم الزمخشري وأبو البقاء. وهذا صعيفٌ لأن ذلك من خصائص الجلالة المعظمة لاَ يَشْرَكُها فيه غيرُها.
فتلخَّص ممَّا تقدم: أن في «الم» ونحوها ستةَ أوجه وهي: أنها لا محلَّ لها من الإِعراب، أو لها محلٌّ، وهو الرفعُ بالابتداء أو الخبر، والنصبُ بإضمارِ فعلٍ أو حَذْفِ حرف القسم، والجرٌّ بإضمارِ حرفِ القسم.
وأمَّا «ذلك الكتاب» فيجوز في «ذلك» أن يكون مبتدأ ثانياً والكتابُ خبرُه، والجملةُ خبرُ «ألم» ، وأغنى الربطُ باسمِ الإِشارة، ويجوز أن يكونَ «الم» مبتدأً و «ذلك» خبره و «الكتاب» صفةٌ ل «ذلك» أو بدلٌ منه أو عطفُ بيان، وأن يكونَ «ألم» مبتدأً و «ذلك» مبتدأ ثان، و «الكتاب» : إما صفةٌ له أو بدلٌ منه أو عطفُ بيان له.
و {لاَ رَيْبَ فِيهِ} خبرٌ عن المبتدأ الثاني، وهو وخبرهُ خبرٌ عن الأول، ويجوز أن يكونَ «ألم» خبرَ مبتدأ مضمرٍ، تقديرُه: هذه ألم، فتكونُ جملةً مستقلةً بنفسها، ويكونُ «ذلك» مبتدأ ثانياً، و «الكتابُ» خبرُه، ويجوز أن يكونَ صفةً له أو بدلاً أو بياناً و {لاَ رَيْبَ فِيهِ} هو الخبرُ عن «ذلك» ، أو يكون «الكتابُ» خبراً ل «ذلك» و {لاَ رَيْبَ فِيهِ} خبرٌ ثانٍ، وفيه نظرٌ من حيث إنه تعدَّد الخبرُ وأحدُهما جملةٌ، لكنَّ الظاهرَ جوازُه كقوله تعالى: {فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تسعى} [طه: 20] إذا قيل إنَّ «تَسْعَى» خبرٌ، وأمَّا إن جُعِل صفةً فلا.
وقوله: {لاَ رَيْبَ فِيهِ} يجوز أن يكونَ خبراً كما تقدَّم بيانُه، ويجوز أَنْ تكونَ هذه الجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحال، والعاملُ فيه معنى الإِشارة، و «لا» نافيةٌ للجنس محمولةٌ في العمل على نقيضتها «إنَّ» ، واسمُها معربٌ ومبنيٌّ، فيُبْنَى إذا كان مفرداً نكرةً على ما كان يُنْصَبُ به، وسببُ بنائِه تضمُّنُهُ معنى الحرفِ، وهو «مِنْ» الاستغراقية يدلُّ على ذلك ظهورُها في قول الشاعر:
94 - فقام يَذُوْدُ الناسَ عنها بسيفِه ... فقال: ألا لا مِن سبيلٍ إلى هندِ
وقيل: بُني لتركُّبِه معها تركيبَ خمسةَ عشرَ وهو فاسدٌ، وبيانُه في غير هذا الكتابِ.
وزعم الزجاج أنَّ حركةَ «لا رجلَ» ونحوِه حركةُ إعراب، وإنما حُذِف التنوين تخفيفاً، ويدل على ذلك الرجوعُ إلى هذا الأصلِ في الضرورةِ، كقوله:
95 - ألا رجلاً جزاه اللهُ خيراً ... يَدُلُّ على مُحَصِّلَةٍ تَبيتُ
ولا دليلَ له لأنَّ التقديرَ: ألا تَرَوْنني رجلاً؟ .
فإن لم يكن مفرداً - وأعنى به المضاف والشبيهَ بهِ- أُعرب نصباً نحو: «لا خيراً من زيد» ولا عملَ لها في المعرفةِ البتة، وأمًّا نحوُ:
96 - تُبَكِّي على زيدٍ ولا زيدَ مثلُهُ ... بريءٌ من الحُمَّى سليمُ الجوانِحِ
وقول الآخر: 97 - أرى الحاجاتِ عند أبي خُبَيْبٍ ... نَكِدْنَ ولا أُمَيَّةَ في البلادِ
وقول الآخر:
98 - لا هيثَم الليلةَ للمَطِّي ... وقولِه عليه السلام: «لا قريشَ بعد اليوم، إذا هَلَكَ كسرى فلا كسرى بعدَه» فمؤولٌ.
و «ريبَ» اسمُها، وخبرُها يجوز أن يكونَ الجارَّ والمجرورَ وهو «فيه» ، إلا أن بني تميم لا تكاد تَذْكر خبرَها، فالأولى أن يكون محذوفاً تقديره: لا ريبَ كائنٌ، ويكون الوقف على «ريب» حينئذ تاماً، وقد يُحذف اسمها ويبقى خبرُها، قالوا: لا عليك، أي لا بأسَ عليك، ومذهبُ سيبويه أنها واسمَها في محلِّ رفع بالابتداء ولا عمَل لها في الخبر، ومذهبُ الأخفش أن اسمَها في محلِّ رفع وهي عاملةٌ في الخبر.
ولها أحكامٌ كثيرةٌ وتقسيماتٌ منتشرةٌ مذكورةٌ في النحو.
واعلم أن «لا» لفظٌ مشتركٌ بين النفي، وهي فيه على قسمين: قسمٌ تنفي فيه الجنسَ فتعملُ عمَل «إنَّ» كما تقدم، وقسمٌ تنفي فيه الوِحْدة وتعملُ حينئذ عملَ ليس، وبين النهي والدعاء فتجزم فعلاً واحداً، وقد تجيء زيادةً كما تقدَّم في {وَلاَ الضآلين} [الفاتحة: 7] .
و «ذلك» اسمُ إشارةٍ: الاسمُ منه «ذا» ، واللامُ للبعدِ والكافُ للخطاب وله ثلاثُ رتبٍ: دنيا ولها المجردُ من اللام والكاف نحو: ذا وذي وهذا وهذي، ووسطى ولها المتصلُ بحرفِ الخطابِ نحو: ذاك وذَيْكَ وتَيْكَ، وقصوى ولها/ المتصلُ باللام والكاف نحو: ذلك وتلك، لا يجوز أن يُؤتى باللام إلا مع الكاف، ويجوز دخولُ حرفِ التنبيه على سائر أسماء الإِشارة إلا مع اللام فيمتنعُ للطول، وبعضُ النحويين لم يَذْكرْ له إلا رتبتين: دنيا وغيرَها.
واختلف النحويون في ذا: هل هو ثلاثيُّ الوضع أم أصلُه حرفٌ واحدٌ؟ الأولُ قولُ البصريين. ثم اختلفوا: هل عينُه ولامه ياء فيكونُ من باب حيي أو عينُه واوٌ ولامُه ياءٌ فيكونُ من باب طَوَيْت، ثم حُذِفت لامُه تخفيفاً، وقُلبت العينُ ألفاً لتحركها وانفتاحِ ما قبلها، وهذا كلُّه على سبيل التمرين وإلا فهذا مبنيٌّ، والمبني لا يدخله تصريف.
وإنما جيء هنا بإشارة البعيد تعظيماً للمشار إليه، ومنه:
99 - أقولُ له والرمحُ يَأطُر مَتْنَه ... تأمَّلْ خِفافاً إنَّني أنا ذلكا
أو لأنه لمَّا نَزَل من السماء إلى الأرض أُشير بإشارة البعيد [أو لأنه كان موعوداً به نبيُّه عليه السلام، أو أنه أشير به إلى ما قضاه وقدَّره في اللوحِ المحفوظِ، وفي عبارة المفسرين أُشير بذلك للغائب يَعْنُون البعيد، وإلاَّ فالمشارُ إليه لا يكون إلا حاضراً ذهناً أو حساً، فعبَّروا عن الحاضرِ ذهناً بالغائبِ أي حساً، وتحريرُ القولِ ما ذكرته لك] .
والكتابُ في الأصل مصدرٌ، قال تعالى: {كِتَابَ الله عَلَيْكُمْ} [النساء: 24] وقد يُراد به المكتوبُ، قال:
100 - بَشَرْتُ عيالي إذ رأيتُ صحيفةً ... أَتَتْكَ من الحَجَّاج يُتْلى كتابُها
ومثله:
101 - تُؤَمِّلُ رَجْعَةً مني وفيها ... كتابٌ مثلَ ما لَصِق الغِراءُ
وأصلُ هذه المادةِ الدلالةُ على الجمع، ومنه كتيبةُ الجيش، وكَتَبْتُ القِرْبَةَ: خَرَزْتُها، والكُتْبَةُ -بضم الكاف- الخُرْزَةُ، والجمع كُتَبٌ، قال:
102 - وَفْراءَ غَرْفيَّةٍ أَثْأى خوارِزُها ... مُشَلْشِلٌ ضَيَّعَتْهُ بينها الكُتَبُ
وكَتَبْتُ الدابَّةَ: [إذا جمعتَ بين شُفْرَي رَحِمها بحلَقةٍ أو سَيْر] ، قال:
103 - لاَ تأْمَنَنَّ فزاريَّاً حَلَلْتَ به ... على قُلوصِك واكتبْها بأَسْيارِ
والكتابةُ عُرْفاً: ضمُّ بعضِ حروفِ الهجاءِ إلى بعضٍ.
والرَّيْبُ: الشكُّ مع تهمة، قال: 104 - ليس في الحقِ يا أُمَيمةُ رَيْبٌ ... إنما الريبُ ما يقول الكَذوبُ
وحقيقته على ما قال الزمخشري: قَلَقُ النفس واضطرابُها، ومنه الحديث: «دَعْ ما يَريبك إلى ما لا يَريبك» ، وأنه مَرَّ بظبي خائف فقال: «لا يُرِبْهُ أحد» فليس قول من قال: «الريبُ الشكُّ مطلقاً» بجيدٍ، بل هو أخصُّ من الشكِّ، كما تقدَّم.
وقال بعضهم: في الريب ثلاثةُ معانٍ، أحدُها: الشكُّ. قال ابن الزبعرى:
105 - ليسَ في الحقِ يا أميمةُ رَيْبٌ ... وثانيها التهمةُ: قال جميل بثينة:
106 - بُثَيْنَةُ قالت: يا جميلُ أَرَبْتَني ... فقلت: كلانا يابُثَيْنُ مُريبُ
وثالثها الحاجةُ، قال:
107 - قََضَيْنا من تِهامةَ كلَّ ريبٍ ... وخَيْبَرَ ثم أَجْمَعْنا السيوفا
وقوله: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} يجوز فيه عدةُ أوجهٍ، أن يكونَ مبتدأ وخبرُه «فيه» متقدماً عليه إذا قلنا: إنَّ خبرَ «لا» محذوف، وإنْ قلنا «فيه» خبرُها كان خبرُه محذوفاً مدلولاً عليه بخبر «لا» تقديره: لا ريبَ فيه، فيه هدىً، وأن يكونَ خبرَ مبتدأ مضمرٍ تقديرُه هو هُدَىً، وأن يكونَ خبراً ثانياً ل «ذلك» ، على أن «الكتاب» صفة أو بدلٌ أو بيان، و «لا ريب» خبرٌ أول، وأن يكون خبراً ثالثاً ل «ذلك» ، على أن يكون «الكتاب» خبراً أول و «لا ريبَ» خبراً ثانياً، وأن يكونَ منصوباً على الحال من «ذلك» أو من «الكتاب» والعاملُ «فيه» ، على كلا التقديرين اسمُ الإِشارةِ، وأن يكونَ حالاً ومن الضمير في «فيه» ، والعاملُ ما في الجار والمجرور من معنى الفعل، وجَعْلُه حالاً ممَّا تقدَّم: إمَّا على المبالغة، كأنه نفس الهدى، أو على حذف مضاف أي: ذا هدى أو على وقوعِ المصدر موقعَ اسم الفاعل، وهكذا كلُّ مصدرٍ وقع خبراً أو صفة أو حالاً فيه الأقوالُ الثلاثةُ أرجحُها الأولُ. وأجازوا أن يكونَ «فيه» صفةً لريب فيتعلَّقَ بمحذوفٍ، وأن يكونَ متعلقاً بريب، وفيه إشكالٌ، لأنه يَصير مُطَوَّلاً، واسمُ «لا» إذا كان مطولاً أُعرِب، إلا أَنْ يكونَ مُرادُهم أنه معمولٌ لِما دَلَّ عليه «ريبَ» لا لنفس «ريب» .
وقد تقدَّم معنى «الهدى» عند قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] ، و «هُدَى» مصدرٌ على فُعَل، قالوا: ولم يَجىءْ من هذا الوزن في المصادر إلا: سُرى وبُكى وهُدى، وقد جاء غيرُها، وهو: لَقِيْتُه لُقَى، قال:
108 - وقد زعموا حِلْماً لُقاك ولم أَزِدْ ... بحمدِ الذي أَعْطَاك حِلْماً ولا عَقْلا
والهُدى فيه لغتان: التذكير، ولم يَذْكُرِ اللِّحياني غيرَه، وقال الفراء: «بعضُ بني أسد يؤنِّثُه فيقولون: هذه هدىً» .
و «في» معناها الظرفية حقيقةً أو مجازاً، نحو: زيدٌ في الدار،
{وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ} [البقرة: 197] ، ولها معانٍ أُخَرُ: المصاحَبَةَ نحو: {ادخلوا في أُمَمٍ} [الأعراف: 38] ، والتعليلُ: «إنَّ امرأةً دخلتِ النارَ في هرة» ، وموافقةُ «على» : {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل} [طه: 71] ، والباء: {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} [الشورى: 11] أي بسببه، والمقايَسَةُ: {فَمَا مَتَاعُ الحياة الدنيا فِي الآخرة} [التوبة: 38] .
والهاءُ في «فيه» أصلُها الضمُّ كما تقدَّم من أنَّ هاءَ الكنايةِ أصلُها الضمُّ، فإنْ تَقَدَّمها ياءٌ ساكنةٌ أو كسرةٌ كَسَرَها غيرُ الحجازيين، وقد قرأ حمزة: «لأهلهُ امكثوا» وحفص في «عاهد عليهُ الله» ، «وما أنسانيهُ إلا» بلغةِ الحجاز، والمشهورُ فيها - إذا لم يَلِها ساكنٌ وسَكَنَ ما قبلها نحو: فيه ومنه - الاختلاسُ، ويجوز الإِشباعُ، وبه قرأ ابن كثير، فإنْ تحرَّك ما قبلها أُشْبِعَتْ، وقد تُخْتَلَسُ وتُسَكَّن، وقرئ ببعضِ ذلك كما سيأتي مفصلاً.
و «للمتقين» جارٌّ ومجرورٌ متعلقٌ ب «هُدَى» . وقيل: صفةٌ لهدى، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، ومحلُّه حينئذٍ: إمَّا الرفعُ أو النصبُ بحسَبِ ما تقدم في موصوفه، أي: هدىً كائنٌ أو كائناً للمتقين. والأحسنُ من هذه الوجوه المتقدمة كلِّها أن تكونَ كلُّ جملةٍ مستقلةً بنفسها، ف «ألم» جملةٌ إنْ قيلَ إنها خبرُ مبتدأ مضمرٍ، و «ذلك الكتاب» جملةٌ، و «لا ريبَ» جملةٌ، و «فيه هدى» جملةٌ، وإنما تُرِكَ العاطفُ لشدةِ الوَصْلِ، لأنَّ كلَّ جملةٍ متعلقةٌ بما قبلها آخذةٌ بعُنُقِها تعلُّقاً لا يجوزُ معه الفصلُ بالعطفِ. قال الزمخشري ما معناه: فإن قلت: لِمَ لَمْ يتقدَّمِ الظرفُ على الريب كما قُدِّم على «الغَوْل» في قوله تعالى: {لاَ فِيهَا غَوْلٌ} [الصافات: 47] قلت: لأنَّ تقديمَ الظرفِ ثَمَّ يُشْعِرُ بأنَّ غيرَها ما نُفِيَ عنها، فالمعنى: ليس فيها غَوْلٌ كما في خُمور الدنيا، فلَو قُدِّم الظرفُ هنا لأَفهمَ هذا المعنى، وهو أنَّ غيرَه من الكتبِ السماويةِ فيه ريبٌ، وليس ذلك مقصوداً، وكأنَّ هذا الذي ذكره أبو القاسم الزمخشري بناءً منه على أن التقديمَ يُفيد الاختصاصَ، وكأنَّ المعنى أنَّ خمرة الآخرة اختصَّتْ بنفي الغَوْلِ عنها بخلافِ غيرِها، وللمنازَعةِ فيه مجالٌ.
وقد رامَ بعضُهم الردَّ عليه بطريقٍ آخرَ، وهو أنَّ العربَ قد وَصَفَتْ/ أيضاً خَمْرَ الدنيا بأنها لا تَغْتَالُ العقولَ، قال علقمة:
109 - تَشْفي الصُّداعَ ولا يُؤْذيكَ صالِبُها ... وَلاَ يُخَالِطُها في الرأسِ تَدْويمُ
وما أبعد هذا من الردِّ عليه، إذ لا اعتبارَ بوَصْفِ هذا القائلِ.
فإن قيل: قد وُجِدَ الريبُ من كثيرٍ من الناس في القرآن، وقولُه تعالى: {لاَ رَيْبَ فِيهِ} ينفي ذلكَ. فالجوابُ من ثلاثة أوجه، أحدُهما: أنَّ المنفيَّ كونُه متعلقاً للريبِ، بمعنى أنَّ معه من الأدلَّة ما إنْ تأمَّله المنصِفُ المُحِقُّ لم يَرْتَبْ فيه، ولا اعتبارَ بريبٍ مَنْ وُجِدَ منه الريبُ، لأنه لم ينظرْ حقَّ النظرِ، فَرَيْبُه غَيرُ مُعْتَدٍّ به.
والثاني: أنه مخصوصٌ، والمعنى: لا ريبَ فيه عند المؤمنين، والثالث: أنه خبرٌ معناه النهيُ، أي لا تَرْتابوا فيه. والأول أحسنُ.
و «المتقين» جمعُ مُتَّقٍ، وأصلُهُ مُتَّقْيِيْن بياءين، الأولى لامُ الكلمة والثانيةُ علامةُ الجمع، فاستُثْقِلَتِ الكسرةُ على لام الكلمة وهي الياءُ الأولى فحُذِفَت، فالتقى ساكنان، فحُذِف إحداهما، وهي الأولى، ومتَّقٍ من اتَّقَى يتَّقِي وهو مُفْتَعِل من الوقاية، إلا أنه يَطَّرِدُ في الواو والياء إذا كانا فاءَيْن ووقَعَتْ بعدَهما تاءُ الافتعالِ أن يُبْدَلا تاءً نحو: اتَّعَدَ من الوَعْد، واتَّسَرَ من اليُسْر، وفِعْلُ ذلك بالهمزة شَاذٌّ، قالوا: اتَّزر واتَّكل من الإِزار والأكل.
ولافْتَعَلَ اثنا عشرَ معنىً: الاتخاذ نحو: اتَّقى، والتَّسَبُّب نحو: اعْتَمَلَ، وفعلُ الفاعلِ بنفسِهِ نحو: اضطرب، والتخيُّر نحو: انتخب، والخطف نحو: اسْتَلَبَ، ومطاوعةُ أفْعَل نحو: انْتَصَفَ مطاوعُ أَنْصَفَ، ومطاوعةُ فَعَّل نحو: عَمَّمْتُه فاعتمَّ، وموافقةُ تفاعَلَ وتفعَّل واسْتَفْعَلَ نحو: اجْتَوَر واقتسَمَ واعتصَرَ، بمعنى تجاور وتقسَّم واسْتَعْصَمَ، وموافقةُ المجرد نحو: اقتَدَرَ بمعنى قَدَر، والإِغناءُ عنه نحو: استلم الحجرَ، لم يُلفظ له بمجردٍ.
والوِقايةُ: فَرْطُ الصيانة وشِدَّةُ الاحتراسِ من المكروه، ومنه: فرسٌ واقٍ إذا كان يقي حافرُه أدنى شيءٍ يُصيبه. وقيل: هي في أصل اللغة قلةُ الكلام، وفي الحديث: «التقيُّ مُلْجَمٌ» ومن الصيانة قوله:
110 - سَقَطَ النَّصِيفُ ولم تُرِدْ إسقاطَه ... فتناوَلَتْه واتَّقَتْنَا باليَدِ
وقال آخر:
111 - فَأَلْقَتْ قناعاً دونَه الشمسُ واتَّقَتْ ... بأحسنِ مَوْصولينِ كَفٍّ ومِعْصَمِ
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني
ذو
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
ذو
ذو على وجهين:
أحدهما: يتوصّل به إلى الوصف بأسماء الأجناس والأنواع، ويضاف إلى الظاهر دون المضمر، ويثنّى ويجمع، ويقال في المؤنّث: ذات، وفي التثنية: ذواتا، وفي الجمع: ذوات، ولا يستعمل شيء منها إلّا مضافا، قال: ﴿وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ﴾ [البقرة : 251] ، وقال: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى﴾ [النجم : 6] ، ﴿وَذِي الْقُرْبى﴾ [البقرة : 83] ، ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود : 3] ، ﴿ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى﴾ [البقرة : 177] ، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال : 43] ، ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ﴾ [الكهف : 18] ، ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال : 7] ، وقال: ﴿ذَواتا أَفْنانٍ﴾ [الرحمن : 48] .
وقد استعار أصحاب المعاني الذّات، فجعلوها عبارة عن عين الشيء، جوهرا كان أو عرضا، واستعملوها مفردة ومضافة إلى المضمر بالألف واللام، وأجروها مجرى النّفس والخاصّة، فقالوا: ذاته، ونفسه وخاصّته، وليس ذلك من كلام العرب(١) .
والثاني في لفظ ذو: لغة لطيّئ، يستعملونه استعمال الذي، ويجعل في الرفع، والنصب والجرّ، والجمع، والتأنيث على لفظ واحد(٢) ، نحو:
171- وبئري ذو حفرت وذو طويت(٣)
أي: التي حفرت والتي طويت .
وأما (ذا) في (هذا) فإشارة إلى شيء محسوس، أو معقول، ويقال في المؤنّث: ذه وذي وتا، فيقال: هذه وهذي، وهاتا، ولا تثنّى منهنّ إلّا هاتا، فيقال: هاتان.
قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء : 62] ، ﴿هذا ما تُوعَدُونَ﴾ [ص : 53] ، ﴿هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الذاريات : 14] ، ﴿إِنْ هذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه : 63] ، إلى غير ذلك ؛ هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ [الطور : 14] ، ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن : 43] .
ويقال بإزاء هذا في المستبعد بالشخص أو بالمنزلة: (ذَاكَ) و (ذلك) قال تعالى: الم ذلِكَ الْكِتابُ [البقرة : 1-2] ، ﴿ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ﴾ [الكهف : 17] ، ﴿ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى﴾ [الأنعام : 131] ، إلى غير ذلك.
وقولهم: (ماذا) يستعمل على وجهين: أحدهما. أن يكون (ما) مع (ذا) بمنزلة اسم واحد، والآخر: أن يكون (ذا) بمنزلة (الذي) ، فالأوّل نحو قولهم: عمّاذا تسأل؟ فلم تحذف الألف منه لمّا لم يكن ما بنفسه للاستفهام، بل كان مع ذا اسما واحدا، وعلى هذا قول الشاعر:
172- دعي ماذا علمت سأتّقيه(٤)
أي: دعي شيئا علمته.
وقوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ [البقرة : 219] ، فإنّ من قرأ: قُلِ الْعَفْوَ(٥) بالنّصب فإنّه جعل الاسمين بمنزلة اسم واحد، كأنّه قال: أيّ شيء ينفقون؟ ومن قرأ: قُلِ الْعَفْوُ(٦) بالرّفع، فإنّ (ذا) بمنزلة الذي، وما للاستفهام أي: ما الذي ينفقون؟ وعلى هذا قوله تعالى: ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ؟ قالُوا: ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النحل : 24] ، و (أساطير) بالرّفع والنصب(٧) .
(١) انظر ما كتبناه في ذلك في تحقيقنا كتاب (وضح البرهان في مشكلات القرآن) للنيسابوري عند قوله تعالى: حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ سورة يس: آية 39.
(٢) وفي ذلك قال ابن مالك في ألفيته: ومن وما وأل تساوي ما ذكر ... وهكذا (ذو) عند طيئ شهر
(٣) هذا عجز بيت، وشطره: فإنّ الماء ماء أبي وجدّي
وهو لسنان بن فحل الطائي.
والبيت في الفرائد الجديدة للسيوطي 1/ 184، وشفاء العليل في إيضاح التسهيل 1/ 227، وشرح المفصل 3/ 147، والأمالي الشجرية 2/ 306.
(٤) هذا شطر بيت، وعجزه: ولكن بالمغيّب نبئيني
وهو من شواهد سيبويه 1/ 405، ولم يعرف قائله، وهو في الخزانة 6/ 142، واللسان (ذا) ، وهمع الهوامع 1/ 84.
(٥) وبها قرأ جميع القراء إلا أبا عمرو. انظر: الإتحاف ص 157.
(٦) وهي قراءة أبي عمرو.
(٧) وقراءة الرفع هي الصحيحة المتواترة. وبها قرأ القرّاء العشر، أمّا قراءة النصب فهي شاذة.
كتب
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
كتب
الْكَتْبُ: ضمّ أديم إلى أديم بالخياطة، يقال: كَتَبْتُ السّقاء، وكَتَبْتُ البغلة: جمعت بين شفريها بحلقة، وفي التّعارف ضمّ الحروف بعضها إلى بعض بالخطّ، وقد يقال ذلك للمضموم بعضها إلى بعض باللّفظ، فالأصل في الْكِتَابَةِ: النّظم بالخطّ لكن يستعار كلّ واحد للآخر، ولهذا سمّي كلام الله- وإن لم يُكْتَبْ- كِتَاباً كقوله: الم ذلِكَ الْكِتابُ [البقرة : 1-2] ، وقوله: ﴿قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ﴾ [مريم : 30] . والكِتاب في الأصل مصدر، ثم سمّي المكتوب فيه كتابا، والْكِتَابُ في الأصل اسم للصّحيفة مع المكتوب فيه، وفي قوله: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ [النساء : 153] فإنّه يعني صحيفة فيها كِتَابَةٌ، ولهذا قال: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ﴾ الآية [الأنعام : 7] . ويعبّر عن الإثبات والتّقدير والإيجاب والفرض والعزم بِالْكِتَابَةِ، ووجه ذلك أن الشيء يراد، ثم يقال، ثم يُكْتَبُ، فالإرادة مبدأ، والكِتَابَةُ منتهى. ثم يعبّر عن المراد الذي هو المبدأ إذا أريد توكيده بالكتابة التي هي المنتهى، قال: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة : 21] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ [التوبة : 51] ، ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾ [آل عمران : 154] ، وقال: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ [الأنفال : 75] أي: في حكمه، وقوله: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة : 45] أي: أوجبنا وفرضنا، وكذلك قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة : 180] ، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البقرة : 183] ، ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ﴾ [النساء : 77] ، ﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد : 27] ، ﴿لَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ﴾ [الحشر : 3] أي: لولا أن أوجب الله عليهم الإخلاء لديارهم، ويعبّر بالكتابة عن القضاء الممضى، وما يصير في حكم الممضى، وعلى هذا حمل قوله: ﴿بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف : 80] قيل: ذلك مثل قوله: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ [الرعد : 39] ، وقوله: ﴿أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة : 22] فإشارة منه إلى أنهم بخلاف من وصفهم بقوله: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا﴾ [الكهف : 28] ، لأنّ معنى «أغفلنا» من قولهم: أغفلت الكتاب: إذا جعلته خاليا من الكتابة ومن الإعجام، وقوله: ﴿فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ﴾ [الأنبياء : 94] فإشارة إلى أنّ ذلك مثبت له ومجازى به.
وقوله: ﴿فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران : 53] أي: اجعلنا في زمرتهم إشارة إلى قوله: فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ... الآية [النساء : 69] وقوله: ﴿مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها﴾ [الكهف : 49] فقيل إشارة إلى ما أثبت فيه أعمال العباد. وقوله: ﴿إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها﴾ [الحديد : 22] قيل: إشارة إلى اللّوح المحفوظ، وكذا قوله: ﴿إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج : 70] ، وقوله: ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام : 59] ، ﴿فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً﴾ [الإسراء : 58] ، ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال : 68] يعني به ما قدّره من الحكمة، وذلك إشارة إلى قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام : 54] وقيل: إشارة إلى قوله: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال : 33] ، وقوله: ﴿لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ [التوبة : 51] يعني: ما قدّره وقضاه، وذكر «لنا» ولم يقل «علينا» تنبيها أنّ كلّ ما يصيبنا نعدّه نعمة لنا، ولا نعدّه نقمة علينا، وقوله: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة : 21] قيل: معنى ذلك وهبها الله لكم، ثم حرّمها عليكم بامتناعكم من دخولها وقبولها، وقيل: كتب لكم بشرط أن تدخلوها، وقيل: أوجبها عليكم، وإنما قال: «لكم» ولم يقل: «عليكم» لأنّ دخولهم إيّاها يعود عليهم بنفع عاجل وآجل، فيكون ذلك لهم لا عليهم، وذلك كقولك لمن يرى تأذّيا بشيء لا يعرف نفع مآله: هذا الكلام لك لا عليك، وقوله: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا﴾ [التوبة : 40] جعل حكمهم وتقديرهم ساقطا مضمحلّا، وحكم الله عاليا لا دافع له ولا مانع، وقال تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ [الروم : 56] أي: في علمه وإيجابه وحكمه، وعلى ذلك قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ﴾ [الرعد : 38] ، وقوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ [التوبة : 36] أي: في حكمه. ويعبّر بِالْكِتَابِ عن الحجّة الثابتة من جهة الله نحو: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج : 8] ، ﴿أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ﴾ [الزخرف : 21] ، ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ [الصافات : 157] ، ﴿أُوتُوا الْكِتابَ﴾ [البقرة : 144](١) ، ﴿كِتابَ اللَّهِ﴾ [النساء : 24] ، ﴿أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً﴾ [فاطر : 40] ، ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الطور : 41] فذلك إشارة إلى العلم والتّحقّق والاعتقاد، وقوله: ﴿وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة : 187] إشارة في تحرّي النّكاح إلى لطيفة، وهي أنّ الله جعل لنا شهوة النّكاح لنتحرّى طلب النّسل الذي يكون سببا لبقاء نوع الإنسان إلى غاية قدرها، فيجب للإنسان أن يتحرّى بالنّكاح ما جعل الله له على حسب مقتضى العقل والدّيانة، ومن تحرّى بالنّكاح حفظ النّسل وحصانة النّفس على الوجه المشروع فقد ابتغى ما كتب الله له، وإلى هذا أشار من قال: عنى بما كتب الله لكم الولد(٢) ، ويعبّر عن الإيجاد بالكتابة، وعن الإزالة والإفناء بالمحو. قال: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ﴾ [الرعد : 38] ، يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ [الرعد : 39] نبّه أنّ لكلّ وقت إيجادا، وهو يوجد ما تقتضي الحكمة إيجاده، ويزيل ما تقتضي الحكمة إزالته، ودلّ قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ﴾ [الرعد : 38] على نحو ما دلّ عليه قوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن : 29] وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ [الرعد : 39] ، وقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ﴾ [آل عمران : 78] فَالْكِتَابُ الأوّل: ما كتبوه بأيديهم المذكور في قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة : 79] .
والْكِتَابُ الثاني: التّوراة، والثالث: لجنس كتب الله، أي: ما هو من شيء من كتب الله سبحانه وتعالى [وكلامه](٣) ، وقوله: ﴿وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ﴾ [البقرة : 53] فقد قيل: هما عبارتان عن التّوراة، وتسميتها كتابا اعتبارا بما أثبت فيها من الأحكام، وتسميتها فرقانا اعتبارا بما فيها من الفرق بين الحقّ والباطل. وقوله: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران : 145] أي: حكما لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ [الأنفال : 68] ، وقوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ [التوبة : 36] كلّ ذلك حكم منه. وأمّا قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة : 79] فتنبيه أنّهم يختلقونه ويفتعلونه، وكما نسب الكتاب المختلق إلى أيديهم نسب المقال المختلق إلى أفواههم، فقال: ﴿ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ﴾ [التوبة : 30] والاكْتِتَابُ متعارف في المختلق نحو قوله: ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها﴾ [الفرقان : 5] .
وحيثما ذكر الله تعالى أهل الكتاب فإنما أراد بالكتاب التّوراة والإنجيل، أو إيّاهما جميعا، وقوله: وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى إلى قوله: ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ﴾ [يونس : 37](٤) ، فإنما أراد بالكتاب هاهنا ما تقدّم من كتب الله دون القرآن، ألا ترى أنّه جعل القرآن مصدّقا له، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام : 114] فمنهم من قال: هو القرآن، ومنهم من قال: هو القرآن وغيره من الحجج والعلم والعقل(٥) ، وكذلك قوله: ﴿فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [العنكبوت : 47] ، وقوله: ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ﴾ [النمل : 40] فقد قيل: أريد به علم الكتاب، وقيل: علم من العلوم التي آتاها الله سليمان في كتابه المخصوص به، وبه سخّر له كلّ شيء، وقوله: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران : 119] أي: بِالْكُتُبِ المنزّلة، فوضع ذلك موضع الجمع، إمّا لكونه جنسا كقولك: كثر الدّرهم في أيدي الناس، أو لكونه في الأصل مصدرا نحو: عدل، وذلك كقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [البقرة : 4] وقيل: يعني أنّهم ليسوا كمن قيل فيهم: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء : 150] . وكِتابَةُ العَبْدِ: ابتياع نفسه من سيّده بما يؤدّيه من كسبه، قال: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ﴾ [النور : 33] واشتقاقها يصحّ أن يكون من الكتابة التي هي الإيجاب، وأن يكون من الكتب الذي هو النّظم والإنسان يفعل ذلك.
(١) الآية: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ.
(٢) وهو قول ابن عباس. انظر: الدر المنثور 1/ 479.
(٣) ما بين [] نقله الزركشي في البرهان 4/ 97.
(٤) الآية: وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ.
(٥) أخرج ابن أبي حاتم من طريق مالك بن أنس عن ربيعة قال: إنّ الله تبارك وتعالى أنزل الكتاب، وترك فيه موضعا للسنة، وسنّ رسول الله ﷺ، وترك فيها موضعا للرأي. انظر: الدر المنثور 3/ 344.
ريب
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
ريب
يقال رَابَنِي كذا، وأَرَابَنِي، فَالرَّيْبُ: أن تتوهّم بالشيء أمرا مّا، فينكشف عمّا تتوهّمه، قال الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ [الحج : 5] ، ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ [البقرة : 23] ، تنبيها أن لا ريب فيه، وقوله: ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور : 30] ، سمّاه ريبا لا أنه مشكّك في كونه، بل من حيث تشكّك في وقت حصوله، فالإنسان أبدا في ريب المنون من جهة وقته، لا من جهة كونه، وعلى هذا قال الشاعر:
200- النّاس قد علموا أن لا بقاء لهم ... لو أنّهم عملوا مقدار ما علموا(١)
ومثله:
201- أمن المنون وريبها تتوجّع؟(٢)
وقال تعالى: ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [هود : 110] ، ﴿مُعْتَدٍ مُرِيبٍ﴾ [ق : 25] ، والارْتِيابُ يجري مجرى الْإِرَابَةِ، قال: ﴿أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ﴾ [النور : 50] ، ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ﴾ [الحديد : 14] ، ونفى من المؤمنين الِارْتِيَابَ فقال: ﴿وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [المدثر : 31] ، وقال: ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا﴾ [الحجرات : 15] ، وقيل: «دع ما يُرِيبُكَ إلى ما لا يُرِيبُكَ»(٣) ورَيْبُ الدّهر صروفه، وإنما قيل رَيْبٌ لما يتوهّم فيه من المكر، والرِّيبَةُ اسم من الرّيب قال: ﴿بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة : 110] ، أي: تدلّ على دغل وقلّة يقين.
(١) البيت في البصائر 3/ 114 دون نسبة، وهو لديك الجن في محاضرات الأدباء 4/ 491، وعمدة الحفاظ: ريب.
(٢) شطر بيت، وعجزه: والدّهر ليس بمعتب من يجزع
وهو مطلع قصيدة أبي ذؤيب الهذلي العينية. وهو في المفضليات ص 421، والأغاني 6/ 58.
(٣) الحديث عن أبي الجوزاء قال: قلت للحسن بن عليّ: ما حفظت من رسول الله ﷺ؟ قال: حفظت منه: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» . أخرجه الترمذي في صفة القيامة رقم (2520) وقال: حسن صحيح، وأخرجه الحاكم 2/ 13 وصححه ووافقه الذهبي، وابن حبان (512) وصححه، والنسائي 8/ 327، وانظر: شرح السنة 8/ 17.
هدى
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
هدى
الهداية دلالة بلطف، ومنه: الهديّة، وهوادي الوحش. أي: متقدّماتها الهادية لغيرها، وخصّ ما كان دلالة بهديت، وما كان إعطاء بأهديت.
نحو: أهديت الهديّة، وهديت إلى البيت. إن قيل: كيف جعلت الهداية دلالة بلطف وقد قال الله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات : 23] ، ﴿وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج : 4] . قيل: ذلك استعمل فيه استعمال اللّفظ على التّهكّم مبالغة في المعنى كقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران : 21] وقول الشاعر:
457- تحيّة بينهم ضرب وجيع(١) وهداية الله تعالى للإنسان على أربعة أوجه: الأوّل: الهداية التي عمّ بجنسها كلّ مكلّف من العقل، والفطنة، والمعارف الضّروريّة التي أعمّ منها كلّ شيء بقدر فيه حسب احتماله كما قال: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه : 50] .
الثاني: الهداية التي جعل للناس بدعائه إيّاهم على ألسنة الأنبياء، وإنزال القرآن ونحو ذلك، وهو المقصود بقوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا [الأنبياء : 73] .
الثالث: التّوفيق الذي يختصّ به من اهتدى، وهو المعنيّ بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً﴾ [محمد : 17] ، وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن : 11] ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ﴾ [يونس : 9] ، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا﴾ [العنكبوت : 69] ، ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً﴾ [مريم : 76] ، ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة : 213] ، ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة : 213] .
الرّابع: الهداية في الآخرة إلى الجنّة المعنيّ بقوله: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ [محمد : 5] ، ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف : 43] إلى قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا(٢) .
وهذه الهدايات الأربع مترتّبة، فإنّ من لم تحصل له الأولى لا تحصل له الثّانية بل لا يصحّ تكليفه، ومن لم تحصل له الثّانية لا تحصل له الثّالثة والرّابعة، ومن حصل له الرّابع فقد حصل له الثلاث التي قبلها، ومن حصل له الثالث فقد حصل له اللّذان قبله(٣) . ثمّ ينعكس، فقد تحصل الأولى ولا يحصل له الثاني ولا يحصل الثالث، والإنسان لا يقدر أن يهدي أحدا إلّا بالدّعاء وتعريف الطّرق دون سائر أنواع الهدايات، وإلى الأوّل أشار بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى : 52] ، ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنا﴾ [السجدة : 24] ، ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد : 7] أي: داع، وإلى سائر الهدايات أشار بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص : 56] وكلّ هداية ذكر الله عزّ وجلّ أنه منع الظالمين والكافرين فهي الهداية الثالثة، وهي التّوفيق الذي يختصّ به المهتدون، والرّابعة التي هي الثّواب في الآخرة، وإدخال الجنّة. نحو قوله عزّ وجلّ: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً إلى قوله: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(٤) [آل عمران : 86] وكقوله: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ [النحل : 107] وكلّ هداية نفاها الله عن النبيّ ﷺ وعن البشر، وذكر أنهم غير قادرين عليها فهي ما عدا المختصّ من الدّعاء وتعريف الطريق، وذلك كإعطاء العقل، والتّوفيق، وإدخال الجنة، كقوله عزّ ذكره: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة : 272] ، ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى﴾ [الأنعام : 35] ، ﴿وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ [النمل : 81] ، ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل : 37] ، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ [الزمر : 36] ، ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر : 37] ، ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [القصص : 56] وإلى هذا المعنى أشار بقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس : 99] ، وقوله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ [الإسراء : 97] ، أي: طالب الهدى ومتحرّيه هو الذي يوفّقه ويَهْدِيهِ إلى طريق الجنّة لا من ضادّه، فيتحرّى طريق الضّلال والكفر كقوله: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ [التوبة : 37] ، وفي أخرى الظَّالِمِينَ [التوبة : 109] ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر : 3] الكاذب الكفّار: هو الذي لا يقبل هدايته، فإنّ ذلك راجع إلى هذا وإن لم يكن لفظه موضوعا لذلك، ومن لم يقبل هِدَايَتَهُ لم يهده، كقولك: من لم يقبل هَدِيَّتِي لم أهد له، ومن لم يقبل عطيّتي لم أعطه، ومن رغب عنّي لم أرغب فيه، وعلى هذا النحو: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة : 109] وفي أخرى: ﴿الْفاسِقِينَ﴾ [التوبة : 80] وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى﴾ [يونس : 35] ، وقد قرئ: يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى(٥) أي: لا يهدي غيره ولكن يهدى. أي: لا يعلم شيئا ولا يعرف أي لا هداية له، ولو هدي أيضا لم يهتد، لأنها موات من حجارة ونحوها، وظاهر اللّفظ أنه إذا هدي اهْتَدَى لإخراج الكلام أنها أمثالكم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ﴾ [الأعراف : 194] وإنّما هي أموات، وقال في موضع آخر: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل : 73] ، وقوله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان : 3] ، ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد : 10] ، ﴿وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات : 118] فذلك إشارة إلى ما عرّف من طريق الخير والشّرّ(٦) ، وطريق الثواب والعقاب بالعقل والشرع وكذا قوله: ﴿فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف : 30] ، ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [القصص : 56] ، ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن : 11] فهو إشارة إلى التّوفيق الملقى في الرّوع فيما يتحرّاه الإنسان وإياه عنى بقوله عزّ وجلّ: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً﴾ [محمد : 17] وعدّي الهِدَايَةُ في مواضع بنفسه، وفي مواضع باللام، وفي مواضع بإلى، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران : 101] ، ﴿وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام : 87] وقال: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ﴾ [يونس : 35] وقال: ﴿هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات : 18-19] .
وما عدّي بنفسه نحو: ﴿وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء : 68] ، ﴿وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات : 118] ، ﴿اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة : 6] ، ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [النساء : 88] ، ﴿وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً﴾ [النساء : 168] ، ﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ [يونس : 43] ، ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء : 175] .
ولمّا كانت الهِدَايَةُ والتّعليم يقتضي شيئين: تعريفا من المعرّف، وتعرّفا من المعرّف، وبهما تمّ الهداية والتّعليم فإنه متى حصل البذل من الهَادِي والمعلم ولم يحصل القبول صحّ أن يقال: لم يَهْدِ ولم يعلّم اعتبارا بعدم القبول، وصحّ أن يقال: هَدَى وعلّم اعتبارا ببذله، فإذا كان كذلك صحّ أن يقال: إنّ الله تعالى لم يهد الكافرين والفاسقين من حيث إنه لم يحصل القبول الذي هو تمام الهداية والتّعليم، وصحّ أن يقال: هَدَاهُمْ وعلّمهم من حيث إنه حصل البذل الذي هو مبدأ الْهِدَايَةِ. فعلى الاعتبار بالأول يصحّ أن يحمل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة : 109] ، وَالْكافِرِينَ [التوبة : 37] وعلى الثاني قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾ [فصلت : 17] والأولى حيث لم يحصل القبول المفيد فيقال: هداه الله فلم يهتد، كقوله: وَأَمَّا ثَمُودُ الآية، وقوله: لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إلى قوله: وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ(٧) [البقرة : 142-143] فهم الّذين قبلوا هداه واهتدوا به، وقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة : 6] ، ﴿وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء : 68] فقد قيل: عني به الهِدَايَةُ العامّة التي هي العقل، وسنّة الأنبياء، وأمرنا أن نقول ذلك بألسنتنا وإن كان قد فعل ليعطينا بذلك ثوابا كما أمرنا أن نقول: اللهمّ صلّ على محمد وإن كان قد صلّى عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب : 56] وقيل: إن ذلك دعاء بحفظنا عن استغواء الغواة واستهواء الشّهوات، وقيل: هو سؤال للتّوفيق الموعود به في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً﴾ [محمد : 17] وقيل: سؤال للهداية إلى الجنّة في الآخرة، وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة : 143] فإنه يعني به من هداه بالتّوفيق المذكور في قوله عزّ وجلّ: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً.
والهُدَى والهِدَايَةُ في موضوع اللّغة واحد لكن قد خصّ الله عزّ وجلّ لفظة الهدى بما تولّاه وأعطاه، واختصّ هو به دون ما هو إلى الإنسان نحو: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة : 2] ، ﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة : 5] ، ﴿هُدىً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة : 185] ، ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ﴾ [البقرة : 38] ، ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى﴾ [الأنعام : 71] ، ﴿وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران : 138] ، ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى﴾ [الأنعام : 35] ، ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل : 37] ، ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾ [البقرة : 16] .
والاهْتِدَاءُ يختصّ بما يتحرّاه الإنسان على طريق الاختيار، إمّا في الأمور الدّنيويّة، أو الأخرويّة قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها﴾ [الأنعام : 97] ، وقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء : 98] ويقال ذلك لطلب الهداية نحو: ﴿وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة : 53] ، وقال: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة : 150] ، ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [آل عمران : 20] ، ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البقرة : 137] .
ويقال المُهْتَدِي لمن يقتدي بعالم نحو: ﴿أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة : 104] تنبيها أنهم لا يعلمون بأنفسهم ولا يقتدون بعالم، وقوله: ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [النمل : 92] فإن الِاهْتِدَاءَ هاهنا يتناول وجوه الاهتداء من طلب الهداية، ومن الاقتداء، ومن تحرّيها، وكذا قوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل : 24] وقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى﴾ [طه : 82] فمعناه: ثم أدام طلب الهداية، ولم يفترّ عن تحرّيه، ولم يرجع إلى المعصية. وقوله: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ إلى قوله: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ(٨) [البقرة : 157] أي: الذين تحرّوا هدايته وقبلوها وعملوا بها، وقال مخبرا عنهم: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف : 49] .
والهَدْيُ مختصّ بما يُهْدَى إلى البيت. قال الأخفش(٩) : والواحدة هَدْيَةٌ، قال: ويقال للأنثى هَدْيٌ كأنه مصدر وصف به، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة : 196] ، ﴿هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة : 95] ، ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ﴾ [المائدة : 2] ، ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً﴾ [الفتح : 25] .
والهَدِيَّةُ مختصّة باللُّطَف الذي يُهْدِي بعضنا إلى بعضٍ. قال تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ [النمل : 35] ، ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل : 36] والمِهْدَى الطّبق الذي يهدى عليه، والْمِهْدَاءُ: من يكثر إِهْدَاءَ الهديّة، قال الشاعر:
467- وإنّك مهداء الخنا نطف الحشا(١٠)
والْهَدِيُّ يقال في الهدي، وفي العروس يقال: هَدَيْتُ العروسَ إلى زوجها، وما أحسن هَدِيَّةَ فلان وهَدْيَهُ، أي: طريقته، وفلان يُهَادِي بين اثنين: إذا مشى بينهما معتمدا عليهما، وتَهَادَتِ المرأة: إذا مشت مشي الهدي.
(١) العجز لعمرو بن معديكرب، وشطره: [وخيل قد دلفت لها بخيل] .
وهو في ديوانه ص 149، وشرح أبيات سيبويه 2/ 200، والمقتضب 2/ 20، وتفسير الطبري 1/ 310.
(٢) الآية: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ، وَقالُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا.
(٣) قد نقل ابن القيم هذه الهدايات الأربع في عدة مواضع من كتبه. انظر مثلا: بدائع الفوائد 2/ 35- 37.
(٤) الآية: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
(٥) قرأ حمزة والكسائي وخلف يهدي.
(٦) مجاز القرآن 2/ 299.
(٧) الآيتان: لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ.
(٨) الآيتان: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ.
(٩) ليس هذا النقل في معاني القرآن له.
(١٠) البيت يروى: وإنّك مهداء الخنا نطف النثا ... شديد السباب رافع الصوت غالبه
وهو للحسيل بن عرفطة في البيان والتبيين 3/ 202، والحيوان 3/ 494.
وقى
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
وقى
الوِقَايَةُ: حفظُ الشيءِ ممّا يؤذيه ويضرّه.
يقال: وَقَيْتُ الشيءَ أَقِيهِ وِقَايَةً ووِقَاءً. قال تعالى: ﴿فَوَقاهُمُ اللَّهُ﴾ [الإنسان : 11] ، ﴿وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان : 56] ، ﴿وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ﴾ [الرعد : 34] ، ﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ﴾ [الرعد : 37] ، ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً﴾ [التحريم : 6] والتَّقْوَى جعل النّفس في وِقَايَةٍ مما يخاف، هذا تحقيقه، ثمّ يسمّى الخوف تارة تَقْوًى، والتَّقْوَى خوفاً حسب تسمية مقتضى الشيء بمقتضيه والمقتضي بمقتضاه، وصار التَّقْوَى في تعارف الشّرع حفظ النّفس عمّا يؤثم، وذلك بترك المحظور، ويتمّ ذلك بترك بعض المباحات لما روي: «الحلال بيّن، والحرام بيّن، ومن رتع حول الحمى فحقيق أن يقع فيه»(١) قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف : 35] ، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [النحل : 128] ، ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً﴾ [الزمر : 73] ولجعل التَّقْوَى منازل قال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة : 281] ، و﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء : 1] ، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ﴾ [النور : 52] ، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ﴾ [النساء : 1] ، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران : 102] . وتخصيص كلّ واحد من هذه الألفاظ له ما بعد هذا الكتاب.
ويقال: اتَّقَى فلانٌ بكذا: إذا جعله وِقَايَةً لنفسه، وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [الزمر : 24] تنبيه على شدّة ما ينالهم، وأنّ أجدر شيء يَتَّقُونَ به من العذاب يوم القيامة هو وجوههم، فصار ذلك كقوله: ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم : 50] ، ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر : 48] .
(١) الحديث تقدّم في مادة (بغى) .