تفسير قول الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ). سورة البقرة، الآية: ٤
التحرير والتنوير — ابن عاشور
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
عَطَفَ عَلى ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] طائِفَةً ثانِيَةً عَلى الطّائِفَةِ الأوْلى المَعْنِيَّةِ بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] وهُما مَعًا قِسْمانِ لِلْمُتَّقِينَ، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ أخْبَرَ أنَّ القُرْآنَ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ الشِّرْكِ وهُمُ العَرَبُ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ ووَصَفَهم بِالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يُؤْمِنُونَ بِهِ حِينَ كانُوا مُشْرِكِينَ، ذَكَرَ فَرِيقًا آخَرَ مِنَ المُتَّقِينَ وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ قَبْلَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ، وهَؤُلاءِ هم مُؤْمِنُوا أهْلِ الكِتابِ وهم يَوْمَئِذٍ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا كَثِيرِينَ في المَدِينَةِ وما حَوْلَها في قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وخَيْبَرَ مِثْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامَ، وبَعْضِ النَّصارى مِثْلَ صُهَيْبٍ الرُّومِيِّ ودِحْيَةَ الكَلْبِيِّ، وهم وإنْ شارَكُوا مُسْلِمِي العَرَبِ في الِاهْتِداءِ بِالقُرْآنِ والإيمانِ بِالغَيْبِ وإقامَةِ الصَّلاةِ فَإنَّ ذَلِكَ كانَ مِن صِفاتِهِمْ قَبْلَ مَجِيءِ الإسْلامِ فَذَكَرْتُ لَهم خَصْلَةً أُخْرى زائِدَةً عَلى ما وُصِفَ بِهِ المُسْلِمُونَ الأوَّلُونَ، فالمُغايَرَةُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ هُنا بِالعُمُومِ والخُصُوصِ، ولَمّا كانَ قَصْدُ تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ يَسْتَلْزِمُ عَطْفَهم وكانَ العَطْفُ بِدُونِ تَنْبِيهٍ عَلى أنَّهم فَرِيقٌ آخَرُ يُوهِمُ أنَّ القُرْآنَ لا يَهْدِي إلّا الَّذِينَ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ لِأنَّ هَذِهِ خاتِمَةُ الصِّفاتِ فَهي مُرادَةٌ فَيُظَنُّ أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا عَنْ شِرْكٍ لا حَظَّ لَهم مِن هَذا الثَّناءِ، وكَيْفَ وفِيهِمْ مِن خِيرَةِ المُؤْمِنِينَ مِنَ الصَّحابَةِ وهم أشَدُّ اتِّقاءً واهْتِداءً إذْ لَمْ يَكُونُوا أهْلَ تَرَقُّبٍ لِبَعْثَةِ رَسُولٍ مِن قَبْلُ فاهْتِداؤُهم نَشَأ عَنْ تَوْفِيقٍ رَبّانِيٍّ، دُفِعَ هَذا الإيهامُ بِإعادَةِ المَوْصُولِ لِيُؤْذِنَ بِأنَّ هَؤُلاءِ فَرِيقٌ آخَرُ غَيْرُ الفَرِيقِ الَّذِي أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمُ الصِّفاتُ الثَّلاثُ الأُوَلُ، وبِذَلِكَ تَبَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِأهْلِ الصِّفاتِ الثَّلاثِ الأُوَلِ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ شِرْكٍ لِوُجُودِ المُقابَلَةِ. ويَكُونُ المَوْصُولانِ لِلْعَهْدِ، وعَلِمَ أنَّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ هم أيْضًا مِمَّنْ يُؤْمِنُ بِالغَيْبِ ويُقِيمُ الصَّلاةَ ويُنْفِقُ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا أُنْزِلَ إلى النَّبِيءِ، وفي التَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ مِن قَوْلِهِ ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ مِن إفادَةِ التَّجَدُّدِ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ لِأنَّ إيمانَهم بِالقُرْآنِ حَدَثَ جَدِيدًا، وهَذا كُلُّهُ تَخْصِيصٌ لَهم بِمَزِيَّةٍ يَجِبُ اعْتِبارُها وإنْ كانَ التَّفاضُلُ بَعْدَ ذَلِكَ بِقُوَّةِ الإيمانِ ورُسُوخِهِ وشِدَّةِ الِاهْتِداءِ، فَأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ أفْضَلُ مِن دِحْيَةَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ.
والإنْزالُ جَعْلُ الشَّيْءِ نازِلًا، والنُّزُولُ الِانْتِقالُ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ وهو حَقِيقَةٌ في انْتِقالِ الذَّواتِ مِن عُلُوٍّ، ويُطْلَقُ الإنْزالُ ومادَّةُ اشْتِقاقِهِ بِوَجْهِ المَجازِ اللُّغَوِيِّ عَلى مَعانٍ راجِعَةٍ إلى تَشْبِيهِ عَمَلٍ بِالنُّزُولِ لِاعْتِبارِ شَرَفٍ ورِفْعَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا﴾ [الأعراف: ٢٦] وقَوْلِهِ ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] لِأنَّ خَلْقَ اللَّهِ وعَطاءَهُ يُجْعَلُ كَوُصُولِ الشَّيْءِ مِن جِهَةٍ عُلْيا لِشَرَفِهِ، وأمّا إطْلاقُهُ عَلى بُلُوغِ الوَصْفِ مِنَ اللَّهِ إلى الأنْبِياءِ فَهو إمّا مَجازٌ عَقْلِيٌّ بِإسْنادِ النُّزُولِ إلى الوَحْيِ تَبَعًا لِنُزُولِ المَلَكِ مُبَلِّغِهِ الَّذِي يَتَّصِلُ بِهَذا العالَمِ نازِلًا مِنَ العالَمِ العُلْوِيِّ قالَ تَعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] عَلى قَلْبِكَ فَإنَّ المَلَكَ مُلابِسٌ لِلْكَلامِ المَأْمُورِ بِتَبْلِيغِهِ، وإمّا مَجازٌ لُغَوِيٌّ بِتَشْبِيهِ المَعانِي الَّتِي تُلْقى إلى النَّبِيءِ بِشَيْءٍ وصَلَ مِن مَكانٍ عالٍ، ووَجْهُ الشَّبَهِ هو الِارْتِفاعُ المَعْنَوِيُّ لا سِيَّما إذا كانَ الوَحْيُ كَلامًا سَمِعَهُ الرَّسُولُ كالقُرْآنِ وكَما أُنْزِلَ إلى مُوسى وكَما وصَفَ النَّبِيءُ ﷺ بَعْضَ أحْوالِ الوَحْيِ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ بِقَوْلِهِ وأحْيانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ فَيَفْصِمُ عَنِّي وقَدْ وعَيْتُ ما قالَ وأمّا رُؤْيا النَّوْمِ كَرُؤْيا إبْراهِيمَ فَلا تُسَمّى إنْزالًا، والمُرادُ بِما أُنْزِلَ إلى النَّبِيءِ ﷺ المِقْدارُ الَّذِي تَحَقَّقَ نُزُولُهُ مِنَ القُرْآنِ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فَإنَّ الثَّناءَ عَلى المُهْتَدِينَ إنَّما يَكُونُ بِأنَّهم حَصَلَ مِنهم إيمانٌ بِما نَزَلَ لا تَوَقُّعُ إيمانِهِمْ بِما سَيَنْزِلُ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَحْتاجُ لِلذِّكْرِ إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ يَسْتَمِرُّ إيمانُهُ بِكُلِّ ما يَنْزِلُ عَلى الرَّسُولِ لِأنَّ العِنادَ وعَدَمَ الِاطْمِئْنانِ إنَّما يَكُونُ في أوَّلِ الأمْرِ، فَإذا زالا بِالإيمانِ أمِنُوا مِنَ الِارْتِدادِ وكَذَلِكَ الإيمانُ حِينَ تُخالِطُ بَشاشَتُهُ القُلُوبُ. فالإيمانُ بِما سَيَنْزِلُ في المُسْتَقْبَلِ حاصِلٌ بِفَحْوى الخِطابِ وهي الدَّلالَةُ الأُخْرَوِيَّةُ فَإيمانُهم بِما سَيَنْزِلُ مُرادٌ مِنَ الكَلامِ ولَيْسَ مَدْلُولًا لِلَّفْظِ الَّذِي هو لِلْماضِي فَلا حاجَةَ إلى دَعْوى تَغْلِيبِ الماضِي عَلى المُسْتَقْبَلِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿بِما أُنْزِلَ﴾ والمُرادُ ما أُنْزِلَ وما سَيَنْزِلُ كَما في الكَشّافِ.
وعَدّى الإنْزالَ بِإلى لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الوَصْفِ فالمُنْزَلُ إلَيْهِ غايَةٌ لِلنُّزُولِ والأكْثَرُ والأصْلُ أنَّهُ يُعَدّى بِحَرْفِ عَلى لِأنَّهُ في مَعْنى السُّقُوطِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣] وإذا أُرِيدَ أنَّ الشَّيْءَ اسْتَقَرَّ عِنْدَ المُنْزَلِ عَلَيْهِ وتَمَكَّنَ مِنهُ قالَ تَعالى ﴿وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ [البقرة: ٥٧] واخْتِيارُ إحْدى التَّعْدِيَتَيْنِ تَفَنُّنٌ في الكَلامِ.
ثُمَّ إنَّ فائِدَةَ الإتْيانِ بِالمَوْصُولِ هُنا دُونَ أنْ يُقالَ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِكَ مِن أهْلِ الكِتابِ الدَّلالَةُ بِالصِّلَةِ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ كانُوا آمَنُوا بِما ثَبَتَ نُزُولُهُ مِنَ اللَّهِ عَلى رُسُلِهِمْ دُونَ تَخْلِيطٍ بِتَحْرِيفاتٍ صَدَّتْ قَوْمَهم عَنِ الدُّخُولِ في الإسْلامِ كَكَوْنِ التَّوْراةِ لا تَقْبَلُ النَّسْخَ وأنَّهُ يَجِيءُ في آخِرِ الزَّمانِ مِن عَقِبِ إسْرائِيلَ مَن يُخَلِّصُ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأسْرِ والعُبُودِيَّةِ ونَحْوُ ذَلِكَ مِن كُلِّ ما لَمْ يَنْزِلْ في الكُتُبِ السّابِقَةِ، ولَكِنَّهُ مِنَ المَوْضُوعاتِ أوْ مِن فاسِدِ التَّأْوِيلاتِ فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِغُلاةِ اليَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ صَدَّهم غُلُوُّهم في دِينِهِمْ وقَوْلُهم عَلى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ عَنِ اتِّباعِ النَّبِيءِ ﷺ .
وقَوْلُهُ ﴿وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ عَطْفُ صِفَةٍ ثانِيَةٍ وهي ثُبُوتُ إيمانِهِمْ بِالآخِرَةِ أيِ اعْتِقادِهِمْ بِحَياةٍ ثانِيَةٍ بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ، وإنَّما خُصَّ هَذا الوَصْفُ بِالذِّكْرِ عِنْدَ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِ بَقِيَّةِ أوْصافِهِمْ لِأنَّهُ مِلاكُ التَّقْوى والخَشْيَةِ الَّتِي جُعِلُوا مَوْصُوفِينَ بِها لِأنَّ هَذِهِ الأوْصافَ كُلَّها جارِيَةٌ عَلى ما أجْمَلَهُ الوَصْفُ بِالمُتَّقِينَ فَإنَّ اليَقِينَ بِدارِ الثَّوابِ والعِقابِ هو الَّذِي يُوجِبُ الحَذَرَ والفِكْرَةَ فِيما يُنْجِي النَّفْسَ مِنَ العِقابِ ويُنَعِّمُها بِالثَّوابِ وذَلِكَ الَّذِي ساقَهم إلى الإيمانِ بِالنَّبِيءِ ﷺ ولِأنَّ هَذا الإيقانَ بِالآخِرَةِ مِن مَزايا أهْلِ الكِتابِ مِنَ العَرَبِ في عَهْدِ الجاهِلِيَّةِ فَإنَّ المُشْرِكِينَ لا يُوقِنُونَ بِحَياةٍ ثانِيَةٍ فَهم دَهْرِيُّونَ، وأمّا ما يُحْكى عَنْهم مِن أنَّهم كانُوا يَرْبُطُونَ راحِلَةَ المَيِّتِ عِنْدَ قَبْرِهِ ويَتْرُكُونَها لا تَأْكُلُ ولا تَشْرَبُ حَتّى المَوْتَ ويَزْعُمُونَ أنَّهُ إذا حَيِيَ يَرْكَبُها فَلا يُحْشَرُ راجِلًا ويُسَمُّونَها البَلِيَّةَ فَذَلِكَ تَخْلِيطٌ بَيْنَ مَزاعِمِ الشِّرْكِ وما يَتَلَقَّوْنَهُ عَنِ المُتَنَصِّرِينَ مِنهم بِدُونِ تَأمُّلٍ.
والآخِرَةُ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ هي الحَياةُ الآخِرَةُ فَإنَّ الآخِرَةَ صِفَةُ تَأْنِيثِ الآخِرِ بِالمَدِّ وكَسْرِ الخاءِ وهو الحاصِلُ المُتَأخِّرُ عَنْ شَيْءٍ قَبْلَهُ في فِعْلٍ أوْ حالٍ، وتَأْنِيثُ وصْفِ الآخِرَةِ مَنظُورٌ فِيهِ إلى أنَّ المُرادَ إجْراؤُهُ عَلى مَوْصُوفٍ مُؤَنَّثِ اللَّفْظِ حُذِفَ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِ وصَيْرُورَتِهِ مَعْلُومًا وهو يُقَدَّرُ بِالحَياةِ الآخِرَةِ مُراعاةً لِضِدِّهِ وهو الحَياةُ الدُّنْيا أيِ القَرِيبَةُ بِمَعْنى الحاضِرَةِ، ولِذَلِكَ يُقالُ لَها العاجِلَةُ ثُمَّ صارَتِ الآخِرَةُ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى الحَياةِ الحاصِلَةِ بَعْدَ المَوْتِ وهي الحاصِلَةُ بَعْدَ البَعْثِ لِإجْراءِ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ. فَمَعْنى ﴿وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ.
واليَقِينُ هو العِلْمُ بِالشَّيْءِ عَنْ نَظَرٍ واسْتِدْلالٍ أوْ بَعْدَ شَكٍّ سابِقٍ ولا يَكُونُ شَكٌّ إلّا في أمْرٍ ذِي نَظَرٍ فَيَكُونُ أخَصَّ مِنَ الإيمانِ ومِنَ العِلْمِ. واحْتَجَّ الرّاغِبُ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥] ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٦] ولِذَلِكَ لا يُطْلِقُونَ الإيقانَ عَلى عِلْمِ اللَّهِ ولا عَلى العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ وقِيلَ هو العِلْمُ الَّذِي لا يَقْبَلُ الِاحْتِمالَ وقَدْ يُطْلَقُ عَلى الظَّنِّ القَوِيِّ إطْلاقًا عُرْفِيًّا حَيْثُ لا يَخْطُرُ بِالبالِ أنَّهُ ظَنٌّ ويُشْتَبَهُ بِالعِلْمِ الجازِمِ فَيَكُونُ مُرادِفًا لِلْإيمانِ والعِلْمِ.
فالتَّعْبِيرُ عَنْ إيمانِهِمْ بِالآخِرَةِ بِمادَّةِ الإيقانِ لِأنَّ هاتِهِ المادَّةَ، تُشْعِرُ بِأنَّهُ عِلْمٌ حاصِلٌ عَنْ تَأمُّلِ وغَوْصِ الفِكْرِ في طَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ لِأنَّ الآخِرَةَ لَمّا كانَتْ حَياةً غائِبَةً عَنِ المُشاهَدَةِ غَرِيبَةً بِحَسَبِ المُتَعارَفِ وقَدْ كَثُرَتِ الشُّبَهُ الَّتِي جَرَّتِ المُشْرِكِينَ والدَّهْرِيِّينَ عَلى نَفْيِها وإحالَتِها، كانَ الإيمانُ بِها جَدِيرًا بِمادَّةِ الإيقانِ بِناءً عَلى أنَّهُ أخَصُّ مِنَ الإيمانِ، فَلِإيثارِ يُوقِنُونَ هُنا خُصُوصِيَّةٌ مُناسِبَةٌ لِبَلاغَةِ القُرْآنِ، والَّذِينَ جَعَلُوا الإيقانَ والإيمانَ مُتَرادِفَيْنِ جَعَلُوا ذِكْرَ الإيقانِ هُنا لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ تَجَنُّبًا لِإعادَةِ لَفْظِ يُؤْمِنُونَ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ تَقْدِيمٌ لِلْمَجْرُورِ الَّذِي هو مَعْمُولُ يُوقِنُونَ عَلى عامِلِهِ، وهو تَقْدِيمٌ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ مَعَ رِعايَةِ الفاصِلَةِ، وأرى أنَّ في هَذا التَّقْدِيمِ ثَناءً عَلى هَؤُلاءِ بِأنَّهم أيْقَنُوا بِأهَمِّ ما يُوقِنُ بِهِ المُؤْمِنُ فَلَيْسَ التَّقْدِيمُ بِمُفِيدٍ حَصْرًا إذْ لا يَسْتَقِيمُ مَعْنى الحَصْرِ هُنا بِأنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم يُوقِنُونَ بِالآخِرَةِ دُونَ غَيْرِها، وقَدْ تَكَلَّفَ صاحِبُ الكَشّافِ وشارِحُوهُ لِإفادَةِ الحَصْرِ مِن هَذا التَّقْدِيمِ ويَخْرُجُ الحَصْرُ عَنْ تَعَلُّقِهِ بِذاتِ المَحْصُورِ فِيهِ إلى تَعَلُّقِهِ بِأحْوالِهِ وهَذا غَيْرُ مَعْهُودٍ في الحَصْرِ.
وقَوْلُهُ ﴿هم يُوقِنُونَ﴾ جِيءَ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ مُقَدَّمًا عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةِ تَقْوِيَةِ الخَبَرِ إذْ هو إيقانٌ ثابِتٌ عِنْدَهم مِن قَبْلِ مَجِيءِ الإسْلامِ عَلى الإجْمالِ، وإنْ كانَتِ التَّوْراةُ خالِيَةً عَنْ تَفْصِيلِهِ والإنْجِيلُ أشارَ إلى حَياةِ الرُّوحِ، وتَعَرَّضَ كِتابا حِزْقِيالَ وأشْعِياءَ لِذِكْرِهِ.
وفِي كِلا التَّقْدِيمَيْنِ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ الدَّهْرِيِّينَ ونِداءٌ عَلى انْحِطاطِ عَقِيدَتِهِمْ، وأمّا المُتَّبِعُونَ لِلْحَنِيفِيَّةِ في ظَنِّهِمْ مِثْلَ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ وزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِمْ لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ أوْ لِأنَّهم مُلْحَقُونَ بِأهْلِ الكِتابِ لِأخْذِهِمْ عَنْهم كَثِيرًا مِن شَرائِعِهِمْ بِعِلَّةِ أنَّها مِن شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
الدر المصون — السمين الحلبي
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ﴾ [البقرة ٤]
قوله تعالى: {والذين يُؤْمِنُونَ} : الذين عطفٌ على «الذين» قبلَها، ثم لك اعتباران: أن يكونَ من باب عَطْفِ بعضِ الصفاتِ على بعض كقوله:
121 - إلى المَلِكِ القَرْمِ وابنِ الهُمامِ ... وليثِ الكتيبة في المُزْدَحَمْ
وقوله:
122 - يا ويحَ زيَّابَة للحارثِ ال ... صابحِ فالغانمِ فالآئِبِ
يعني: أنهم جامعونَ بين هذه الأوصافِ إن قيل إن المرادَ بهما واحدٌ.
والثاني: أن يكونوا غيرهم. وعلى كلا القولينِ فيُحكم على موضعِه بما حُكم على موضعِ «الذين» المتقدمة من الإِعرابِ رفعاً ونصباً وجَرًّا قَطْعاً واتباعاً، كما مرَّ تفصيله، ويجوز أن يكونَ عطفاً على «المتقين» ، وأن يكونَ مبتدأ خبرُه «أولئك» وما بعدها إن قيل إنهم غيرُ «الذين» الأولى، و «يؤمنون» صلةٌ وعائدٌ.
و «بما أُنْزِلَ» متعلِّقٌ به و «ما» موصولةٌ اسميةٌ، و «أُنْزِلَ» صلتُها وهو فِعْلٌ مبني للمفعول، والعائدُ هو الضميرُ القائمُ مقامَ الفاعلَ، ويَضْعُف أن يكونَ نكرةً موصوفةً، وقد منع أبو البقاء من ذلك، قال: «لأنَّ النكرةَ الموصوفةَ لا عموم فيها، ولا يكمُل الإِيمانُ إلا بجميعِ ما أُنزل» .
و «إليك» متعلِّقٌ ب «أُنزل» ، ومعنى «إلى» انتهاءُ الغاية، ولها معانٍ أُخَرُ: المصاحَبَةُ: {وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2] ، والتبيين: {رَبِّ السجن أَحَبُّ إِلَيَّ} [يوسف: 33] ، وموافقة اللام وفي ومِنْ: {والأمر إِلَيْكِ} [النمل: 33] أي لك: وقال النابغة:
123 - فلاَ تَتْرُكَنِّي بالوعيدِ كأنني ... إلى الناسِ مَطْلِيٌّ به القار أَجْرَبُ
أي في الناس، وقال الآخر:
124 -. . . . . . ... أَيُسْقَى فلا يُرْوى إليَّ ابنُ أَحْمَرا
أي: لا يُرْوى مني، وقد تُزَادُ، قُرئ: «تهوى إليهم» بفتح الواو.
والكافُ في محلِّ جرٍّ، وهي ضميرُ المخاطبِ، ويتصلُ بها ما يَدُلُّ على التثنيةِ والجمعِ تذكيراً وتأنيثاً كتاءِ لمخاطب. والنزولُ: الوصول والحلولِ من غير اشتراطِ علوٍّ، قال تعالى: {فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ} [الصافات: 177] أي حلَّ ووَصَل، و «ما» الثانيةُ وصلتُها عطفٌ على «ما» الأولى قَبلَها، فالكلامُ عليها وعلى صلتِها كالكلامِ على «ما» التي قبلَها، فَلْيُتأمَّلْ.
و «مِنْ قبلِك» متعلِّقٌ ب «أُنْزِلَ» ، و «مِنْ» لابتداء الغاية، و «قبل» ظرف زمان يقتضي التقدُّم، وهو نقيضٌ «بعد» ، وكِلاهما متى نُكِّر أو أُضيف أُعْرِبَ، ومتى قُطع من الإِضافة لفظاً/ وأُرِيدت معنى بُني على الضم، فمِن الإِعرابِ قولُه:
125 - فساغَ ليَ الشرابُ وكنت قَبْلاً ... أكاد أَغَصُّ بالماءِ القَراحِ
وقال آخر:
126 - ونحن قَتَلْنَا الأُسْدَ أُسْدَ خَفِيَّةٍ ... فما شَرِبوا بَعْداً على لَذَّةً خَمْرا
ومن البناء قولُه تعالى: {لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ} [الروم: 4] ، وزعم بعضُهم أن «قبل» في الأصل وصفٌ نابَ عن موصوفِه لُزوماً، فإذا قلت: «قمتُ قبلَ زيد» فالتقدير: قمت زماناً قبلَ زمانِ قيامِ زيدٍ، فحُذِف هذا كلُّه، ونَاب عنه «قبل زيد» وفيه نظرٌ لاَ يَخْفى على مُتَأمِّله.
واعلمْ أنَّ حكمَ فوق وتحت وعلى وأوَّل حكمُ قبل وبعد فيما تقدَّم، وقرئ: «بما أَنْزَلَ إليك» مبنيَّاً للفاعلِ وهو اللهُ تعالى أو جبريلُ، وقُرئ أيضاً: أُنْزِلْ لَيْكَ بتشديد اللام، وتوجيهه أن يكونَ سكَّن آخرَ الفعل كما سكَّنه الآخر في قوله:
127 - إنما شِعْريَ مِلْحٌ ... قد خُلْط بجُلْجُلانْ
بتسكين «خُلْط» ثم حَذَف همزةَ «إليك» ، فالتقى مثلان فَأَدْغَمَ.
و «بالآخرةِ» متعلِّقٌ بيوقنون، و «يُوقنون» خبرٌ عن «هم» وقُدِّم المجرورُ للاهتمام به كما قُدِّمَ المُنْفَقُ في قوله: {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3] لذلك، وهذه جملةٌ اسميةٌ عُطِفَتْ على الجملةِ الفعليةِ قبلَها فهي صلةٌ أيضاً، ولكنه جاء بالجملة هنا من مبتدأ وخبر بخلاف: {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} لأن وصفهم بالإِيقان بالآخرةِ أَوْقَعُ مِنْ وَصْفِهم بالإِنفاق من الرزقِ فناسَبَ التأكيدَ بمجيء الجملةِ الاسميةِ، أو لئلاَّ يتكرَّرَ اللفظُ لو قيلَ: ومِمَّا رَزَقْناهم هم ينفقون.
والإِيقانُ: تحقيقُ الشيء لوضوحِه وسكونِه يقال: يَقِنَ الماءُ إذا سَكَن فظهر ما تحته، وَيَقِنْتُ الأمر بكسر القاف، ويُوقنون مِنْ أَيْقَنَ بمعنى استيقن، وقد تقدَّم أن أَفْعَل تأتي بمعنى استفعل.
والآخرة: تأنيث آخِر المقابل لأوَّل، وهي صفةٌ في الأصلِ جَرَتْ مَجْرى الأسماءِ والتقديرُ: الدار الآخرة أو النشأة الآخرة، وقد صُرِّح بهذين الموصوفين قال تعالى: {وَلَلدَّارُ الآخرة خَيْرٌ} [الأنعام: 32] ، وقال: {ثُمَّ الله يُنشِىءُ النشأة الآخرة} [العنكبوت: 20] وقرئ يُؤْقِنُون بهمز الواو، كأنهم جَعَلوا ضمةَ الياء على الواوِ لأنَّ حركةَ الحرفِ بين يديه، والواوُ المضمومةُ يَطَّرِدُ قلبُها همزةً بشروط: منها ألاَّ تكونَ الحركةُ عَارضةً، وألاَّ يمكنَ تخفيفُها، وألاَّ يكونَ مُدْغماً فيها، وألاّ تكونَ زائدةً، على خلافٍ في هذا الأخير، وسيأتي أمثلةُ ذلك في سورة آل عمران على قوله: {وَلاَ تَلْوُونَ على أحَدٍ} [آل عمران: 153] ، فأجْرَوا الواوَ الساكنةَ المضمومَ ما قبلها مُجْرى المضمومةِ نفسِها لِما ذكرت ذلك، ومثلُ هذه القراءةِ قراءةُ قُنْبُل «بالسُّؤْقِ» [ص: 33] ، و «على سُؤْقِه» [الفتح: 29] ، وقال الشاعر:
128 - أَحَبُّ المُؤْقِدينَ إليَّ موسى ... وجَعْدَةُ إذ أضاءَهُما الوَقودُ
بهمز «المُؤْقدين» . وجاء بالأفعالِ ِالخمسة بصيغة المضارع دلالةً على التجدُّد والحُدوثِ وأنهم كلَّ وقتٍ يفعلون ذلك. وجاء بأُنْزِل ماضياً وإن كان إيمانُهم قبلَ تمامِ نزولهِ تغليباً للحاضرِ المُنَزَّلِ على ما لم يُنَزَّلُ، لأنه لا بد من وقوعه فكأنه نَزَل، فهو من باب قولهِ: {أتى أَمْرُ الله} [النحل: 1] ، بل أقربُ منه لنزولِ بعضِهِ.
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
أمن
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
أمن
أصل الأَمْن: طمأنينة النفس وزوال الخوف، والأَمْنُ والأَمَانَةُ والأَمَانُ في الأصل مصادر، ويجعل الأمان تارة اسما للحالة التي يكون عليها الإنسان في الأمن، وتارة اسما لما يؤمن عليه الإنسان، نحو قوله تعالى: ﴿وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ﴾ [الأنفال : 27] ، أي: ما ائتمنتم عليه، وقوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأحزاب : 72] قيل: هي كلمة التوحيد، وقيل: العدالة(١) ، وقيل: حروف التهجي، وقيل: العقل، وهو صحيح فإنّ العقل هو الذي بحصوله يتحصل معرفة التوحيد، وتجري العدالة وتعلم حروف التهجي، بل بحصوله تعلّم كل ما في طوق البشر تعلّمه، وفعل ما في طوقهم من الجميل فعله، وبه فضّل على كثير ممّن خلقه.
وقوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً﴾ [آل عمران : 97] أي: آمنا من النار، وقيل: من بلايا الدنيا التي تصيب من قال فيهم: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [التوبة : 55] .
ومنهم من قال: لفظه خبر ومعناه أمر، وقيل: يأمن الاصطلام(٢) ، وقيل: آمن في حكم الله، وذلك كقولك: هذا حلال وهذا حرام، أي: في حكم الله.
والمعنى: لا يجب أن يقتصّ منه ولا يقتل فيه إلا أن يخرج، وعلى هذه الوجوه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت : 67] . وقال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ [البقرة : 125] . وقوله: ﴿أَمَنَةً نُعاساً﴾ [آل عمران : 154] أي: أمنا، وقيل: هي جمع كالكتبة. وفي حديث نزول المسيح: «وتقع الأمنة في الأرض»(٣) .
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة : 6] أي: منزله الذي فيه أمنه.
* وآمَنَ:
إنما يقال على وجهين:
- أحدهما متعديا بنفسه، يقال: آمنته، أي: جعلت له الأمن، ومنه قيل لله: مؤمن.
- والثاني: غير متعدّ، ومعناه: صار ذا أمن.
والإِيمان يستعمل تارة اسما للشريعة التي جاء بها محمّد عليه الصلاة والسلام، وعلى ذلك: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ [المائدة : 69] ، ويوصف به كلّ من دخل في شريعته مقرّا بالله وبنبوته. قيل: وعلى هذا قال تعالى: ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف : 106] .
وتارة يستعمل على سبيل المدح، ويراد به إذعان النفس للحق على سبيل التصديق، وذلك باجتماع ثلاثة أشياء: تحقيق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بحسب ذلك بالجوارح، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد : 19] .
ويقال لكلّ واحد من الاعتقاد والقول الصدق والعمل الصالح: إيمان. قال تعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾ [البقرة : 143] أي: صلاتكم، وجعل الحياء وإماطة الأذى من الإيمان(٤) .
قال تعالى: ﴿وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ﴾ [يوسف : 17] قيل: معناه: بمصدق لنا، إلا أنّ الإيمان هو التصديق الذي معه أمن، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء : 51] فذلك مذكور على سبيل الذم لهم، وأنه قد حصل لهم الأمن بما لا يقع به الأمن، إذ ليس من شأن القلب- ما لم يكن مطبوعا عليه- أن يطمئن إلى الباطل، وإنما ذلك كقوله: ﴿مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل : 106] ، وهذا كما يقال: إيمانه الكفر، وتحيته الضرب، ونحو ذلك.
وجعل النبيّ ﷺ أصل الإيمان ستة أشياء في خبر جبريل حيث سأله فقال: ما الإيمان؟ والخبر معروف(٥) .
ويقال: رجل أَمْنَةٌ وأَمَنَةٌ: يثق بكل أحد، وأَمِينٌ وأَمَانٌ يؤمن به. والأَمُون: الناقة يؤمن فتورها وعثورها.
(١) راجع الأقوال في هذه الآية في الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي 6/ 669.
(٢) الاصطلام: الاستئصال، واصطلم القوم: أبيدوا.
(٣) هذا جزء من حديث طويل وفيه: «ثمّ تقع الأمنة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، وتلعب الصبيان بالحيّات لا تضرّهم» . والحديث أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود برقم (4324) وابن جرير وابن حبان عن أبي هريرة، وقال ابن كثير بعد ذكر إسناده: وهذا إسناد جيد قوي. انظر: الدر المنثور 2/ 736، والفتن الملاحم لابن كثير 1/ 105.
(٤) كما قال عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه مسلم وغيره: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، وأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» .
(٥) وقد أخرجه البخاري ومسلم قال: «أن تؤمن بالله وحده وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد الموت والجنة والنار، وبالقدر خيره وشره» ، راجع البخاري 1/ 106، ومسلم (9) في الإيمان، وشرح السنة 1/ 9.
نزل
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
نزل
النُّزُولُ في الأصل هو انحِطَاطٌ من عُلْوّ.
يقال: نَزَلَ عن دابَّته، ونَزَلَ في مكان كذا: حَطَّ رَحْلَهُ فيه، وأَنْزَلَهُ غيرُهُ. قال تعالى: ﴿أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [المؤمنون : 29] ونَزَلَ بكذا، وأَنْزَلَهُ بمعنًى، وإِنْزَالُ الله تعالى نِعَمَهُ ونِقَمَهُ على الخَلْق، وإعطاؤُهُم إيّاها، وذلك إمّا بإنزال الشيء نفسه كإنزال القرآن، وإمّا بإنزال أسبابه والهداية إليه، كإنزال الحديد واللّباس، ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ﴾ [الكهف : 1] ، ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ﴾ [الشورى : 17] ، ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد : 25] ، ﴿وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ﴾ [الحديد : 25] ، ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ [الزمر : 6] ، ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً﴾ [الفرقان : 48] ، ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً﴾ [النبأ : 14] ، و﴿أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ﴾ [الأعراف : 26] ، ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [المائدة : 114] ، ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ [البقرة : 90] ومن إنزال العذاب قوله: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [العنكبوت : 34] . والفَرْقُ بَيْنَ الإِنْزَالِ والتَّنْزِيلِ في وَصْفِ القُرآنِ والملائكةِ أنّ التَّنْزِيل يختصّ بالموضع الذي يُشِيرُ إليه إنزالُهُ مفرَّقاً، ومرَّةً بعد أُخْرَى، والإنزالُ عَامٌّ، فممَّا ذُكِرَ فيه التَّنزيلُ قولُه: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء : 193] وقرئ: نزل(١) وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا [الإسراء : 106] ، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر : 9] ، ﴿لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ﴾ [الزخرف : 31] ، ﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ [الشعراء : 198] ، ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ [التوبة : 26] ، ﴿وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها﴾ [التوبة : 26] ، ﴿لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ [محمد : 20] ، ﴿فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾ [محمد : 20] فإنَّما ذَكَرَ في الأوّلِ «نُزِّلَ» ، وفي الثاني «أُنْزِلَ» تنبيهاً أنّ المنافقين يَقْتَرِحُونَ أن يَنْزِلَ شَيْءٌ فَشَيْءٌ من الحثِّ على القِتَال لِيَتَوَلَّوْهُ، وإذا أُمِرُوا بذلك مَرَّةً واحدةً تَحَاشَوْا منه فلم يفعلوه، فهم يَقْتَرِحُونَ الكثيرَ ولا يَفُونَ منه بالقليل. وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [الدخان : 3] ، ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة : 185] ، ﴿إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر : 1] وإنّما خُصَّ لفظُ الإنزالِ دُونَ التَّنزيلِ، لما رُوِيَ: (أنّ القرآن نَزَلَ دفعةً واحدةً إلى سماءِ الدُّنيا، ثمّ نَزَلَ نَجْماً فَنَجْماً)(٢) . وقوله تعالى: ﴿الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ [التوبة : 97] فَخَصَّ لفظَ الإنزالِ ليكونَ أعمَّ، فقد تقدَّم أنّ الإنزال أعمُّ من التَّنزيلِ، قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ﴾ [الحشر : 21] ، ولم يقل: لو نَزَّلْنَا، تنبيهاً أنَّا لو خَوَّلْنَاهُ مَرَّةً ما خَوَّلْنَاكَ مِرَاراً لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً [الحشر : 21] . وقوله: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ﴾ [الطلاق : 10-11] فقد قيل: أراد بإنزالِ الذِّكْرِ هاهنا بِعْثَةَ النبيِّ عليه الصلاة والسلام، وسمَّاه ذكراً كما سُمِّيَ عيسى عليه السلام كلمةً، فعَلَى هذا يكون قوله: «رَسُولًا» بدلا من قوله: «ذِكْراً» ، وقيل: بل أراد إنزالَ ذِكْرِهِ، فيكونُ «رسولًا» مفعولًا لقوله: ذِكْراً. أي: ذِكْراً رَسُولًا. وأمّا التَّنَزُّلُ فهو كالنُّزُولِ به، يقال: نَزَلَ المَلَكُ بكذا، وتَنَزَّلَ، ولا يقال: نَزَلَ الله بكذا ولا تَنَزَّلَ، قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء : 193] وقال: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ﴾ [القدر : 4] ، ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم : 64] ، ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَ﴾ [الطلاق : 12] ولا يقال في المفتَرَى والكَذِبِ وما كان من الشَّيطان إلَّا التَّنَزُّلُ: ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء : 210] ، ﴿عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ﴾ الآية [الشعراء : 221-222] .
والنُّزُلُ: ما يُعَدُّ للنَّازل من الزَّاد، قال: ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا﴾ [السجدة : 19] وقال: ﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران : 198] وقال في صفة أهل النار: لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ إلى قوله: هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ(٣) ، ﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الواقعة : 93] . وأَنْزَلْتُ فلانا: أَضَفْتُهُ. ويُعَبَّرُ بِالنَّازِلَةِ عن الشِّدَّة، وجَمْعُهَا نَوَازِلُ، والنِّزَالُ في الحرْبِ: المُنَازَلة، ونَزَلَ فلانٌ: إذا أتى مِنًى، قال الشاعر:
436- أَنَازِلَةٌ أَسْمَاءُ أَمْ غَيْرُ نَازِلَةٍ(٤)
والنُّزَالَةُ والنُّزْلُ يُكَنَّى بهما عن ماءِ الرَّجُل إذا خَرَجَ عنه، وطعامٌ نُزُلٌ، وذو نُزُلٍ: له رَيْعٌ، وَحَظٌّ نَزِلٌ: مُجْتَمَعٌ، تشبيهاً بالطَّعامِ النُّزُلِ.
(١) وهي قراءة ابن عامر وشعبة وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف. الإتحاف ص 334.
(٢) أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ قال: أنزل القرآن في ليلة القدر، ثم نزل به جبريل على رسول الله نجوما بجواب كلام الناس.
وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي في الآية قال: نزل القرآن جملة على جبريل، وكان جبريل يجيء بعد إلى النبي ﷺ. الدر المنثور 7/ 398.
(٣) الآيات: ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة : 52-56] .
(٤) الشطر لعامر بن الطفيل، وعجزه: أبيني لنا يا أسم ما أنت فاعله
وهو في ديوانه ص 104، وشرح المقصورة لابن هشام اللخمي ص 262، والمجمل 3/ 864.
إلى
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
إلى
إلى: حرف يحدّ به النهاية من الجوانب الست، وأَلَوْتُ في الأمر: قصّرت فيه، هو منه، كأنه رأى فيه الانتهاء، وأَلَوْتُ فلانا، أي: أوليته تقصيرا نحو: كسبته، أي: أوليته كسبا، وما ألوته جهدا، أي: ما أوليته تقصيرا بحسب الجهد، فقولك: «جهدا» تمييز، وكذلك: ما ألوته نصحا. وقوله تعالى: ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا﴾ [آل عمران : 118] منه، أي: لا يقصّرون في جلب الخبال، وقال تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ [النور : 22] قيل: هو يفتعل من ألوت، وقيل: هو من: آليت: حلفت. وقيل: نزل ذلك في أبي بكر، وكان قد حلف على مسطح أن يزوي عنه فضله(١) .
وردّ هذا بعضهم بأنّ افتعل قلّما يبنى من «أفعل» ، إنما يبنى من «فعل» ، وذلك مثل: كسبت واكتسبت، وصنعت واصطنعت، ورأيت وارتأيت.
وروي: «لا دريت ولا ائتليت»(٢) وذلك: افتعلت من قولك: ما ألوته شيئا، كأنه قيل: ولا استطعت.
وحقيقة الإيلاء والأليّة: الحلف المقتضي لتقصير في الأمر الذي يحلف عليه. وجعل الإيلاء في الشرع للحلف المانع من جماع المرأة، وكيفيته وأحكامه مختصة بكتب الفقه.
فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ [الأعراف : 69] أي: نعمه، الواحد: ألًا وإِلًى، نحو أناً وإنًى لواحد الآناء. وقال بعضهم في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة : 22-23] : إنّ معناه: إلى نعمة ربها منتظرة، وفي هذا تعسف من حيث البلاغة(٣) .
و «أَلَا» للاستفتاح، و «إِلَّا» للاستثناء، وأُولَاءِ في قوله تعالى: ﴿ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران : 119] وقوله: أولئك: اسم مبهم موضوع للإشارة إلى جمع المذكر والمؤنث، ولا واحد له من لفظه، وقد يقصر نحو قول الأعشى:
22- هؤلا ثم هؤلا كلّا أع ... طيت نوالا محذوّة بمثال(٤)
(١) وأخرج هذا البخاري في التفسير 8/ 455 ومسلم برقم 2770.
(٢) وهذه الرواية هي التي صوّبها ابن الأنباري وقال: «ولا تليت» خطأ. راجع الغريبين 1/ 81 والحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد. وفي البخاري عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «....، وأمّا الكافر أو المنافق فيقول لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيه، فيقال: لا دريت ولا تليت، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين» .
انظر فتح الباري 3/ 232، ومسلم في الجنة ونعيمها، باب عرض مقعد الميت (2870) ، وانظر: شرح السنة 5/ 415، والترغيب والترهيب 4/ 185، والمسند 3/ 126.
والرواية التي ذكرها المؤلف حكاها ابن قتيبة عن يونس بن حبيب، وحكي ذلك عن الأصمعي وبه جزم الخطابي.
وقال ابن السكيت: قوله: «ولا تليت» إتباع ولا معنى لها.
(٣) وهذا قول المعتزلة قدّروا ذلك لأنهم ينفون رؤية الله تعالى، والمؤلّف يردّ قولهم.
(٤) البيت في ديوانه من قصيدة يمدح بها الأسود بن المنذر اللخمي، مطلعها: ما بكاء الكبير بالأطلال ... وسؤالي فهل يردّ سؤالي
انظر: ديوانه ص 167، وتفسير القرطبي 1/ 284.
قبل
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
قبل
قَبْلُ يستعمل في التّقدّم المتّصل والمنفصل، ويضادّه بعد، وقيل: يستعملان في التّقدّم المتّصل، ويضادّهما دبر ودبر. هذا في الأصل وإن كان قد يتجوّز في كلّ واحد منهما.
(فَقَبْلُ) يستعمل على أوجه: الأوّل: في المكان بحسب الإضافة، فيقول الخارج من أصبهان إلى مكّة: بغداد قبل الكوفة، ويقول الخارج من مكّة إلى أصبهان: الكوفة قبل بغداد.
الثاني: في الزّمان نحو: زمان عبد الملك قبل المنصور، قال: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة : 91] .
الثالث: في المنزلة نحو: عبد الملك قبل الحجّاج.
الرابع: في الترتيب الصّناعيّ. نحو تعلّم الهجاء قبل تعلّم الخطّ، وقوله: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [الأنبياء : 6] ، وقوله: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها﴾ [طه : 130] ، ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ﴾ [النمل : 39] ، ﴿أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحديد : 16] ، فكلّ إشارة إلى التّقدّم الزّمانيّ. والقُبُلُ والدّبر يكنّى بهما عن السّوأتين، والإِقْبَالُ: التّوجّه نحو الْقُبُلِ، كَالاسْتِقْبَالِ. قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ﴾ [الصافات : 50] ، ﴿وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ [يوسف : 71] ، ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ﴾ [الذاريات : 29] ، والقَابِلُ: الذي يَسْتَقْبِلُ الدّلو من البئر فيأخذه، والْقَابِلَةُ: التي تَقْبَلُ الولد عند الولادة، وقَبِلْتُ عذره وتوبته وغيره، وتَقَبَّلْتُهُ كذلك. قال: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ﴾ [البقرة : 123] ، ﴿وَقابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر : 3] ، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [الشورى : 25] .
والتَّقَبُّلُ: قَبُولُ الشيء على وجه يقتضي ثوابا كالهديّة ونحوها. قال تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ [الأحقاف : 16] ، وقوله: ﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة : 27] ، تنبيه أن ليس كل عبادة مُتَقَبَّلَةً، بل إنّما يتقبّل إذا كان على وجه مخصوص. قال تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ [آل عمران : 35] . وقيل للكفالة: قُبَالَةٌ فإنّ الكفالة هي أوكد تَقَبُّلٍ، وقوله: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ [آل عمران : 35] ، فباعتبار معنى الكفالة، وسمّي العهد المكتوب: قُبَالَةً، وقوله: ﴿فَتَقَبَّلَها﴾ [آل عمران : 37] ، قيل: معناه قبلها، وقيل: معناه تكفّل بها، ويقول الله تعالى: كلّفتني أعظم كفالة في الحقيقة وإنما قيل: ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ﴾ [آل عمران : 37] ، ولم يقل بتقبّل للجمع بين الأمرين: التَّقَبُّلِ الذي هو التّرقّي في القَبُولِ، والقَبُولِ الذي يقتضي الرّضا والإثابة(١) . وقيل: القَبُولُ هو من قولهم: فلان عليه قبول: إذا أحبّه من رآه، وقوله: ﴿كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ [الأنعام : 111](٢) قيل: هو جمع قَابِلٍ، ومعناه: مُقَابِلٌ لحواسهم، وكذلك قال مجاهد: جماعة جماعة(٣) ، فيكون جمع قَبِيلٍ، وكذلك قوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا﴾ [الكهف : 55] ومن قرأ قبلا(٤) فمعناه: عيانا(٥) . والقَبِيلُ: جمع قَبِيلَةٍ، وهي الجماعة المجتمعة التي يقبل بعضها على بعض. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ﴾ [الحجرات : 13] ، ﴿وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء : 92] ، أي: جماعة جماعة.
وقيل: معناه كفيلا. من قولهم: قَبلْتُ فلانا وتَقَبَّلْتُ به، أي: تكفّلت به، وقيل مُقَابَلَةً، أي: معاينة، ويقال: فلان لا يعرف قَبِيلًا من دبير(٦) ، أي: ما أَقْبَلَتْ به المرأة من غزلها وما أدبرت به.
والمُقَابَلَةُ والتَّقَابُلُ: أن يُقْبِلَ بعضهم على بعض، إمّا بالذّات، وإمّا بالعناية والتّوفّر والمودّة. قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ [الواقعة : 16] ، ﴿إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الحجر : 47] ، ولي قِبَلَ فلانٍ كذا، كقولك: عنده. قال تعالى: وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ(٧) [الحاقة : 9] ، ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ [المعارج : 36] ، ويستعار ذلك للقوّة والقدرة على الْمُقَابَلَةِ، أي: المجازاة، فيقال: لا قِبَلَ لي بكذا، أي: لا يمكنني أن أُقَابِلَهُ، قال: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها﴾ [النمل : 37] ، أي: لا طاقة لهم على اسْتِقْبَالِهَا ودفاعها، والقِبْلةُ في الأصل اسم للحالة التي عليها الْمُقَابِلُ نحو: الجلسة والقعدة، وفي التّعارف صار اسما للمكان الْمُقَابَلِ المتوجّهِ إليه للصلاة.
نحو: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ [البقرة : 144] ، والقَبُولُ: ريح الصّبا، وتسميتها بذلك لِاسْتِقْبَالِهَا القِبْلَةَ، وقَبِيلَةُ الرأس: موصل الشّؤن.
وشاة مُقَابلَةٌ: قطع من قِبَلِ أذنها، وقِبَالُ النّعلِ: زمامها، وقد قَابَلْتُهَا: جعلت لها قِبالا، والقَبَلُ: الفحج(٨) ، والقُبْلَةُ: خرزة يزعم السّاحر أنه يُقْبِلُ بالإنسان على وجه الآخر، ومنه: القُبْلَةُ، وجمعها قُبَلٌ، وقَبَّلْتُهُ تَقْبِيلًا.
(١) انظر: البصائر 4/ 235.
(٢) هذه قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب وعاصم. انظر: الإتحاف ص 215.
(٣) انظر: البصائر 4/ 235، والدر المنثور 3/ 341.
(٤) وهي قراءة نافع وابن عامر وأبي جعفر. انظر: الإتحاف ص 215.
(٥) قال شيخنا أحمد بن محمد حامد الحسين الشنقيطي: وجا قبل وفق اقتدار، وقد أتى ... لردف عيان لكن القاف تكسر
وفي النوع فاضمم قافه جامعا له ... وذلك في الصاوي إذا كنت تنظر
(٦) انظر: أساس البلاغة (دبر) ، واللسان (دبر) .
(٧) وهي قراءة أبي عمرو والكسائي ويعقوب. الإتحاف ص 422.
(٨) وهو تباعد ما بين الرجلين. انظر المجمل 3/ 742.
آخر
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
آخر
آخِر يقابل به الأوّل، وآخَر يقابل به الواحد، ويعبّر بالدار الآخرة عن النشأة الثانية، كما يعبّر بالدار الدنيا عن النشأة الأولى نحو: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ﴾ [العنكبوت : 64] ، وربما ترك ذكر الدار نحو قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ [هود : 16] .
وقد توصف الدار بالآخرة تارةً، وتضاف إليها تارةً نحو قوله تعالى: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام : 32] ، وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا(١) [يوسف : 109] .
وتقدير الإضافة: دار الحياة الآخرة.
و «أُخَر» معدول عن تقدير ما فيه الألف واللام، وليس له نظير في كلامهم، فإنّ أفعل من كذا،
- إمّا أن يذكر معه «من» لفظا أو تقديرا، فلا يثنّى ولا يجمع ولا يؤنّث.
- وإمّا أن يحذف منه «من» فيدخل عليه الألف واللام فيثنّى ويجمع.
وهذه اللفظة من بين أخواتها جوّز فيها ذلك من غير الألف واللام.
والتأخير مقابل للتقديم، قال تعالى: ﴿بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة : 13] ، ﴿ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ [الفتح : 2] ، ﴿إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ﴾ [إبراهيم : 42] ، ﴿رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [إبراهيم : 44] .
وبعته بِأَخِرَةٍ. أي: بتأخير أجل، كقوله: بنظرة.
وقولهم: أبعد الله الأَخِرَ أي: المتأخر عن الفضيلة وعن تحرّي الحق(٢) .
(١) في المخطوطة: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل : 41] . ولا شاهد فيها.
(٢) يقال في الشتم: أبعد الله الأخر بكسر الخاء وقصر الألف، ولا تقوله للأنثى. وقال ابن شميل: الأخر: المؤخّر المطروح.
(١) في المخطوطة: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل : 41] . ولا شاهد فيها.
(٢) يقال في الشتم: أبعد الله الأخر بكسر الخاء وقصر الألف، ولا تقوله للأنثى. وقال ابن شميل: الأخر: المؤخّر المطروح.
يقن
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
يقن
اليَقِينُ من صفة العلم فوق المعرفة والدّراية وأخواتها، يقال: علم يَقِينٍ، ولا يقال: معرفة يَقِينٍ، وهو سكون الفهم مع ثبات الحكم، وقال: ﴿عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر : 5](١) ، و﴿عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر : 7](٢) وحَقُّ الْيَقِينِ [الواقعة : 95](٣) وبينها فروق مذكورة في غير هذا الكتاب، يقال: اسْتَيْقَنَ وأَيْقَنَ، قال تعالى: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية : 32] ، ﴿وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات : 20] ، ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة : 118] وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾ [النساء : 157] أي: ما قتلوه قتلا تَيَقَّنُوهُ، بل إنما حكموا تخمينا ووهما.
(١) الآية: لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ.
(٢) الآية: ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ.
(٣) الآية: إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ. فعلم اليَقِينِ كعلمنا بدخول الجنة، فإذا رأيناها فهو عين اليَقِينِ، فإذا دخلناها فهو حق اليَقِينِ.