تفسير قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ). سورة البقرة، الآية: ٦
التحرير والتنوير - ابن عاشور
التحرير والتنوير - ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمُ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾
هَذا انْتِقالٌ مِنَ الثَّناءِ عَلى الكِتابِ ومُتَقَلِّدِيهِ ووَصْفِ هَدْيِهِ وأثَرِ ذَلِكَ الهَدْيِ في الَّذِينَ اهْتَدَوْا بِهِ والثَّناءِ عَلَيْهِمُ الرّاجِعِ إلى الثَّناءِ عَلى الكِتابِ لَمّا كانَ الثَّناءُ إنَّما يَظْهَرُ إذا تَحَقَّقَتْ آثارُ الصِّفَةِ الَّتِي اسْتُحِقَّ بِها الثَّناءُ، ولَمّا كانَ الشَّيْءُ قَدْ يُقَدَّرُ بِضِدِّهِ انْتَقَلَ إلى الكَلامِ عَلى الَّذِينَ لا يَحْصُلُ لَهُمُ الِاهْتِداءُ بِهَذا الكِتابِ، وسَجَّلَ أنَّ حِرْمانَهم مِنَ الِاهْتِداءِ بِهَدْيِهِ إنَّما كانَ مِن خُبْثِ أنْفُسِهِمْ إذْ نَبَوْا بِها عَنْ ذَلِكَ، فَما كانُوا مِنَ الَّذِينَ يُفَكِّرُونَ في عاقِبَةِ أُمُورِهِمْ ويَحْذَرُونَ مِن سُوءِ العَواقِبِ فَلَمْ يَكُونُوا مِنَ المُتَّقِينَ، وكانَ سَواءً عِنْدَهُمُ الإنْذارُ وعَدَمُهُ فَلَمْ يَتَلَقَّوُا الإنْذارَ بِالتَّأمُّلِ بَلْ كانَ سَواءً والعَدَمُ عِنْدَهم، وقَدْ قَرَنَتِ الآياتُ فَرِيقَيْنِ فَرِيقًا أضْمَرَ الكُفْرَ وأعْلَنَهُ وهم مِنَ المُشْرِكِينَ كَما هو غالِبُ اصْطِلاحِ القُرْآنِ في لَفْظِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وفَرِيقًا أظْهَرَ الإيمانَ وهو مُخادِعٌ وهُمُ المُنافِقُونَ المُشارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا﴾ [البقرة: ٨] . وإنَّما قُطِعَتْ هاتِهِ الجُمْلَةُ عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِأنَّ بَيْنَهُما كَمالَ الِانْقِطاعِ إذِ الجُمَلُ السّابِقَةُ لِذِكْرِ الهُدى والمُهْتَدِينَ، وهَذِهِ لِذِكْرِ الضّالِّينَ فَبَيْنَهُما الِانْقِطاعُ لِأجْلِ التَّضادِّ، ويُعْلَمَ أنَّ هَؤُلاءِ قِسْمٌ مُضادٌّ لِلْقِسْمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ قَبْلَهُ مِن سِياقِ المُقابَلَةِ.
وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ إمّا لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ وغَرابَتِهِ دُونَ رَدِّ الإنْكارِ أوِ الشَّكِّ؛ لِأنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ولِلْأُمَّةِ وهو خِطابُ أُنُفٍ بِحَيْثُ لَمْ يَسْبِقْ شَكٌّ في وُقُوعِهِ، ومَجِيءُ إنَّ لِلِاهْتِمامِ كَثِيرٌ في الكَلامِ وهو في القُرْآنِ كَثِيرٌ. وقَدْ تَكُونُ إنَّ هُنا لِرَدِّ الشَّكِّ تَخْرِيجًا لِلْكَلامِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ؛ لِأنَّ حِرْصَ النَّبِيءِ ﷺ عَلى هِدايَةِ الكافِرِينَ تَجْعَلُهُ لا يَقْطَعُ الرَّجاءَ فِي نَفْعِ الإنْذارِ لَهم وحالُهُ كَحالِ مَن شَكَّ في نَفْعِ الإنْذارِ، أوْ لِأنَّ السّامِعِينَ لِما أُجْرِيَ عَلى الكِتابِ مِنَ الثَّناءِ بِبُلُوغِهِ الدَّرَجَةَ القُصْوى في الهِدايَةِ يُطْمِعُهم أنْ تُؤَثِّرَ هِدايَتُهُ في الكافِرِينَ المُعْرِضِينَ وتَجْعَلَهم كالَّذِينَ يَشُكُّونَ في أنْ يَكُونَ الإنْذارُ وعَدَمُهُ سَواءً فَأُخْرِجَ الكَلامُ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ ونَزَلَ غَيْرُ الشّاكِّ مَنزِلَةَ الشّاكِّ. وقَدْ نُقِلَ عَنِ المُبَرِّدِ أنَّ إنْ لا تَأْتِي لِرَدِّ الإنْكارِ بَلْ لِرَدِّ الشَّكِّ.
وقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا المَذْكُورِينَ هُنا هم فَرِيقٌ مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ هم مَأْيُوسٌ مِن إيمانِهِمْ، فالإتْيانُ في ذِكْرِهِمْ بِالتَّعْرِيفِ بِالمَوْصُولِ: إمّا أنْ يَكُونَ لِتَعْرِيفِ العَهْدِ مُرادًا مِنهُ قَوْمٌ مَعْهُودُونَ كَأبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأضْرابِهِمْ مِن رُؤُوسِ الشِّرْكِ وزُعَماءِ العِنادِ دُونَ مَن كانَ مُشْرِكًا في أيّامِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ثُمَّ مَن آمَنَ بَعْدُ مِثْلَ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ وغَيْرِهِ مِن مُسْلِمَةِ الفَتْحِ، وإمّا أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ المُفِيدِ لِلِاسْتِغْراقِ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الكُفْرِ أبْلَغُ أنْواعِهِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ لا يُؤْمِنُونَ فَيَكُونُ عامًّا مَخْصُوصًا بِالحِسِّ لِمُشاهَدَةِ مَن آمَنَ مِنهم أوْ يَكُونُ عامًّا مُرادًا بِهِ الخُصُوصُ بِالقَرِينَةِ وهَذانِ الوَجْهانِ هُما اللَّذانِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِما المُحَقِّقُونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ وهُما ناظِرانِ إلى أنَّ اللَّهَ أخْبَرَ عَنْ هَؤُلاءِ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ تَبَيَّنَ بَعْدُ أنَّهُ ماتَ عَلى الكُفْرِ.
ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن تَأوَّلَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عَلى مَعْنى الَّذِينَ قُضِيَ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ والشَّقاءِ ونَظَّرَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦] وهو تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ مِنَ اللَّفْظِ وشَتّانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ تَنْظِيرِهِ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن حَمَلَ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عَلى رُؤَساءِ اليَهُودِ مِثْلَ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ وأبِي رافِعٍ يَعْنِي بِناءً عَلى أنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ في المَدِينَةِ ولَيْسَ فِيها مِنَ الكافِرِينَ سِوى اليَهُودِ والمُنافِقِينَ وهَذا بَعِيدٌ مِن عادَةِ القُرْآنِ وإعْراضٌ عَنِ السِّياقِ المَقْصُودِ مِنهُ ذِكْرُ مَن حُرِمَ مِن هَدْيِ القُرْآنِ في مُقابَلَةِ مَن حَصَلَ لَهُمُ الِاهْتِداءُ بِهِ، وأيًّا ما كانَ فالمَعْنى عِنْدَ الجَمِيعِ أنَّ فَرِيقًا خاصًّا مِنَ الكُفّارِ لا يُرْجى إيمانُهم وهُمُ الَّذِينَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ أنَّ عَدَمَ اهْتِدائِهِمْ بِالقُرْآنِ كانَ لِعَدَمِ قابِلِيَّتِهِمْ لا لِنَقْصٍ في دَلالَةِ القُرْآنِ عَلى الخَيْرِ وهَدْيِهِ إلَيْهِ.
والكُفْرُ بِالضَّمِّ إخْفاءُ النِّعْمَةِ، وبِالفَتْحِ: السَّتْرُ مُطْلَقًا وهو مُشْتَقٌّ مِن كَفَرَ إذا سَتَرَ. ولَمّا كانَ إنْكارُ الخالِقِ أوْ إنْكارُ كَمالِهِ أوْ إنْكارُ ما جاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ ضَرْبًا مِن كُفْرانِ نِعْمَتِهِ عَلى جاحِدِها، أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الكُفْرِ وغَلَبَ اسْتِعْمالُهُ في هَذا المَعْنى وهو في الشَّرْعِ إنْكارُ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ القاطِعَةُ وتَناقَلَتْهُ جَمِيعُ الشَّرائِعِ الصَّحِيحَةِ الماضِيَةِ حَتّى عَلِمَهُ البَشَرُ وتَوَجَّهَتْ عُقُولُهم إلى البَحْثِ عَنْهُ ونُصِبَتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ كَوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى ووُجُودِهِ ولِذَلِكَ عُدَّ أهْلُ الشِّرْكِ فِيما بَيْنَ الفَتْرَةِ كُفّارًا. وإنْكارُ ما عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيءُ النَّبِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِهِ ودَعَوْتُهُ إلَيْهِ وعَدُّهُ في أُصُولِ الإسْلامِ أوِ المُكابَرَةِ في الِاعْتِرافِ بِذَلِكَ ولَوْ مَعَ اعْتِقادِ صِدْقِهِ ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِالإنْكارِ دُونَ التَّكْذِيبِ.
ويَلْحَقُ بِالكُفْرِ في إجْراءِ أحْكامِ الكُفْرِ عَلَيْهِ كُلُّ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ لا يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ مُؤْمِنٌ مُصَدِّقٌ بِحَيْثُ يَدُلُّ عَلى قِلَّةِ اكْتِراثِ فاعِلِهِ بِالإيمانِ وعَلى إضْمارِهِ الطَّعْنَ في الدِّينِ وتَوَسُّلِهِ بِذَلِكَ إلى نَقْضِ أُصُولِهِ، وإهانَتِهِ بِوَجْهٍ لا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ الظّاهِرَ وفي هَذا النَّوْعِ الأخِيرِ مَجالٌ لِاجْتِهادِ الفُقَهاءِ وفَتاوى أساطِينِ العُلَماءِ إثْباتًا ونَفْيًا بِحَسَبِ مَبْلَغِ دَلالَةِ القَوْلِ والفِعْلِ عَلى طَعْنٍ أوْ شَكٍّ. ومَنِ اعْتَبَرَ الأعْمالَ أوْ بَعْضَها المُعَيَّنَ في الإيمانِ اعْتَبَرَ فَقْدَها أوْ فَقْدَ بَعْضِها المُعَيَّنَ في الكُفْرِ.
قالَ القاضِي أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ: القَوْلُ عِنْدِي أنَّ الكُفْرَ بِاللَّهِ هو الجَهْلُ بِوُجُودِهِ والإيمانَ بِاللَّهِ هو العِلْمُ بِوُجُودِهِ فالكُفْرُ لا يَكُونُ إلّا بِأحَدِ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: أحَدُها الجَهْلُ بِاللَّهِ تَعالى. الثّانِي أنْ يَأْتِيَ بِفِعْلٍ أوْ قَوْلٍ أخْبَرَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أوْ أجْمَعَ المُؤْمِنُونَ عَلى أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا مِن كافِرٍ كالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ لَهُ قَوْلٌ أوْ فِعْلٌ لا يُمْكِنُ مَعَهُ العِلْمُ بِاللَّهِ تَعالى.
ونَقَلَ ابْنُ راشِدٍ في الفائِقِ عَنِ الأشْعَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ الكُفْرَ خَصْلَةٌ واحِدَةٌ. قالَ القُرافِيُّ في الفِرَقِ ٢٤١ أصْلُ الكُفْرِ هو انْتِهاكٌ خاصٌّ لِحُرْمَةِ الرُّبُوبِيَّةِ ويَكُونُ بِالجَهْلِ بِاللَّهِ وبِصِفاتِهِ أوْ بِالجُرْأةِ عَلَيْهِ وهَذا النَّوْعُ هو المَجالُ الصَّعْبُ لِأنَّ جَمِيعَ المَعاصِي جُرْأةٌ عَلى اللَّهِ.
وقَوْلُهُ ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمُ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ خَبَرُ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ و”سَواءٌ“ اسْمٌ بِمَعْنى الِاسْتِواءِ فَهو اسْمُ مَصْدَرٍ دَلَّ عَلى ذَلِكَ لُزُومُ إفْرادِهِ وتَذْكِيرِهِ مَعَ اخْتِلافِ مَوْصُوفاتِهِ ومُخْبِراتِهِ فَإذا أخْبَرَ بِهِ أوْ وصَفَ كانَ ذَلِكَ كالمَصْدَرِ في أنَّ المُرادَ بِهِ مَعْنى اسْمِ الفاعِلِ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ. وقَدْ قِيلَ إنَّ سَواءٌ اسْمٌ بِمَعْنى المَثَلِ فَيَكُونُ التِزامُ إفْرادِهِ وتَذْكِيرِهِ لِأنَّ المِثْلِيَّةَ لا تَتَعَدَّدُ، وإنْ تَعَدَّدَ مَوْصُوفُها تَقُولُ هم رِجالٌ سَواءٌ لِزَيْدٍ بِمَعْنى مِثْلٌ لِزَيْدٍ. وإنَّما عَدّى سَواءً بِعَلى هُنا وفي غَيْرِ مَوْضِعٍ ولَمْ يُعَلِّقْ بِعِنْدَ ونَحْوِها مَعَ أنَّهُ المَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِعْلاءِ في مِثْلِهِ، لِلْإشارَةِ إلى تَمَكُّنِ الِاسْتِواءِ عِنْدَ المُتَكَلِّمِ وأنَّهُ لا مَصْرِفَ لَهُ عَنْهُ ولا تَرَدُّدَ لَهُ فِيهِ فالمَعْنى سَواءٌ عِنْدَهُمُ الإنْذارُ وعَدَمُهُ.
واعْلَمْ أنَّ لِلْعَرَبِ في ”سَواءٍ“ اسْتِعْمالَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَأْتُوا بِسَواءٍ عَلى أصْلِ وضْعِهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى مَعْنى التَّساوِي في وصْفٍ بَيْنَ مُتَعَدِّدٍ فَيَقَعُ مَعَهُ سَواءٌ ما يَدُلُّ عَلى مُتَعَدِّدٍ نَحْوَ ضَمِيرِ الجَمْعِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهم فِيهِ سَواءٌ﴾ [النحل: ٧١] ونَحْوَ العَطْفِ في قَوْلِ بُثَيْنَةَ:
سَواءٌ عَلَيْنا يا جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ إذا مِتَّ بَأْساءُ الحَياةِ ولِينُها ويَجْرِي إعْرابُهُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ مَوْقِعُهُ مِنَ التَّرْكِيبِ؛ وثانِيهُما أنْ يَقَعَ مَعَ هَمْزَةِ التَّسْوِيَةِ وما هي إلّا هَمْزَةُ اسْتِفْهامٍ كَثُرَ وُقُوعُها بَعْدَ كَلِمَةِ سَواءٍ ومَعَها أمِ العاطِفَةُ الَّتِي تُسَمّى المُتَّصِلَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ [إبراهيم: ٢١] وهَذا أكَثَرُ اسْتِعْمالَيْها وتَرَدَّدَ النُّحاةُ في إعْرابِهِ وأظْهَرُ ما قالُوهُ وأسْلَمُهُ أنَّ (سَواءً) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وأنَّ الفِعْلَ الواقِعَ بَعْدَهُ مُقْتَرِنًا بِالهَمْزَةِ في تَأْوِيلِ مُبْتَدَأٍ لِأنَّهُ صارَ بِمَنزِلَةِ المَصْدَرِ إذْ تَجَرَّدَ عَنِ النِّسْبَةِ وعَنِ الزَّمانِ، فالتَّقْدِيرُ في الآيَةِ سَواءٌ عَلَيْهِمْ إنْذارُكَ وعَدَمُهُ.
وأظْهَرُ عِنْدِي مِمّا قالُوهُ أنَّ المُبْتَدَأ بَعْدَ سَواءٍ مُقَدَّرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ الواقِعُ مَعَهُ وأنَّ التَّقْدِيرَ سَواءٌ جَوابٌ ﴿أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ وهَذا يَجْرِي عَلى نَحْوِ قَوْلِ القائِلِ عَلِمْتُ أزْيَدٌ قائِمٌ إذْ تَقْدِيرُهُ عَلِمْتُ جَوابَ هَذا السُّؤالِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ سَواءً مُبْتَدَأً رافِعًا لِفاعِلٍ سَدَّ مَسَدَّ الخَبَرِ لِأنَّ سَواءً في مَعْنى مُسْتَوٍ فَهو في قُوَّةِ اسْمِ الفاعِلِ فَيَرْفَعُ فاعِلًا سادًّا مَسَدَّ خَبَرِ المُبْتَدَأِ وجَوابُ مِثْلِ هَذا الِاسْتِفْهامِ لَمّا كانَ واحِدًا مِن أمْرَيْنِ كانَ الإخْبارُ بِاسْتِوائِهِما عِنْدَ المُخْبِرِ مُشِيرًا إلى أمْرَيْنِ مُتَساوِيَيْنِ ولِأجْلِ كَوْنِ الأصْلِ في خَبَرِهِ الإفْرادُ كانَ الفِعْلُ بَعْدَ سَواءٍ مُؤَوَّلًا بِمَصْدَرٍ ووَجْهُ الأبْلَغِيَّةِ فِيهِ أنَّ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ لِخَفاءِ الِاسْتِواءِ بَيْنَهُما حَتّى لَيَسْألَ السّائِلُونَ: أفَعَلَ فُلانٌ كَذا وكَذا فَيُقالُ إنَّ الأمْرَيْنِ سَواءٌ في عَدَمِ الِاكْتِراثِ بِهِما وعَدَمِ تَطَلُّبِ الجَوابِ عَلى الِاسْتِفْهامِ مِن أحَدِهِما فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمُ أأنْذَرْتَهُمُ﴾ مُشِيرًا إلى أنَّ النّاسَ لِتَعَجُّبِهِمْ في دَوامِ الكُفّارِ عَلى كُفْرِهِمْ مَعَ ما جاءَهم مِنَ الآياتِ بِحَيْثُ يَسْألُ السّائِلُونَ أأنْذَرَهُمُ النَّبِيُّ أمْ لَمْ يُنْذِرْهم مُتَيَقِّنِينَ أنَّهُ لَوْ أنْذَرَهم لَما تَرَدَّدُوا في الإيمانِ فَقِيلَ: إنَّهم سَواءٌ عَلَيْهِمْ جَوابُ تَساؤُلِ النّاسِ عَنْ إحْدى الأمْرَيْنِ، وبِهَذا انْتَفى جَمِيعُ التَّكَلُّفاتِ الَّتِي فَرَضَها النُّحاةُ هُنا ونَبْرَأُ مِمّا ورَدَ عَلَيْها مِنَ الأبْحاثِ كَكَوْنِ الهَمْزَةِ خارِجَةً عَنْ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، وكَيْفَ يَصِحُّ عَمَلَ ما بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ فِيما قَبْلَهُ إذا أُعْرِبَ سَواءٌ خَبَرًا والفِعْلُ بَعْدَ الهَمْزَةِ مُبْتَدَأً مُجَرَّدًا عَنِ الزَّمانِ، وكَكَوْنِ الفِعْلِ مُرادًا مِنهُ مُجَرَّدُ الحَدَثِ، وكَدَعْوى كَوْنِ الهَمْزَةِ في التَّسْوِيَةِ مَجازًا بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، وكَوْنِ (أمْ) بِمَعْنى الواوِ لِيَكُونَ الكَلامُ لِشَيْئَيْنِ لا لِأحَدِ شَيْئَيْنِ ونَحْوُ ذَلِكَ، ولا نَحْتاجُ إلى تَكَلُّفِ الجَوابِ عَنِ الإيرادِ الَّذِي أُورِدَ عَلى جَعْلِ الهَمْزَةِ بِمَعْنى سَواءٍ إذْ يُؤَوَّلُ إلى مَعْنى اسْتَوى الإنْذارُ وعَدَمُهُ عِنْدَهم سَواءٌ فَيَكُونُ تَكْرارًا خالِيًا مِنَ الفائِدَةِ فَيُجابُ بِما نُقِلَ عَنْ صاحِبِ الكَشّافِ أنَّهُ قالَ مَعْناهُ أنَّ الإنْذارَ وعَدَمَهُ المُسْتَوِيَيْنِ في عِلْمِ المُخاطَبِ هُما مُسْتَوِيانِ في عَدَمِ النَّفْعِ، فاخْتَلَفَتْ جِهَةُ المُساواةِ كَما نَقَلَهُ التَّفْتَزانِيُّ في شَرْحِ الكَشّافِ.
ويَتَعَيَّنُ إعْرابُ سَواءٍ في مِثْلِهِ مُبْتَدَأً والخَبَرُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ تَقْدِيرُهُ جَوابُ هَذا الِاسْتِفْهامِ فَسَواءٌ في الآيَةِ مُبْتَدَأٌ ثانٍ والجُمْلَةُ خَبَرٌ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ودَعْ عَنْكَ كُلَّ ما خاضَ فِيهِ الكاتِبُونَ عَلى الكَشّافِ، وحَرْفُ (عَلى) الَّذِي يُلازِمُ كَلِمَةَ سَواءً غالِبًا هو لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ المُرادِ بِهِ التَّمَكُّنُ أيْ إنَّ هَذا الِاسْتِواءَ مُتَمَكِّنٌ مِنهم لا يَزُولُ عَنْ نُفُوسِهِمْ ولِذَلِكَ قَدْ يَجِيءُ بَعْضُ الظُّرُوفِ في مَوْضِعِ عَلى مَعَ كَلِمَةِ سَواءٍ مِثْلَ عِنْدَ، ولَدى، قالَ أبُو الشَّغْبِ العَبْسِيُّ:
لا تَعْذِلِي في جُنْدُجٍ إنَّ جُنْدُجًاوَلَيْثَ كَفِرَّيْنٍ لَدَيَّ سَواءُ وسَيَأْتِي تَحْقِيقٌ لِنَظِيرِ هَذا التَّرْكِيبِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣]، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ﴿أأنْذَرْتَهُمْ﴾ بِهَمْزَتَيْنِ أوَّلُهُما مُحَقَّقَةٌ والثّانِيَةُ مُسَهَّلَةٌ. وقَرَأ قالُونُ عَنْ نافِعٍ ووِرَشٍ عَنْهُ في رِوايَةِ البَغْدادِيِّينَ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ كَذَلِكَ مَعَ إدْخالِ ألِفٍ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ، وكِلْتا القِراءَتَيْنِ لُغَةٌ حِجازِيَّةٌ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ. ورَوى أهْلُ مِصْرَ عَنْ ورْشٍ إبْدالَ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ ألِفًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وهو لَحْنٌ، وهَذا يُضَعِّفُ رِوايَةَ المِصْرِيِّينَ عَنْ ورْشٍ، وهَذا اخْتِلافٌ في كَيْفِيَّةِ الأداءِ فَلا يُنافِي التَّواتُرَ.
* * *
﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾
الأظْهَرُ أنَّ هاتِهِ الجُمْلَةَ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ مَعْنى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها وهي ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمُ أأنْذَرْتَهُمْ﴾ إلَخْ فَلَكَ أنْ تَجْعَلَها خَبَرًا ثانِيًا عَنْ ”إنَّ“ واسْتِفادَةُ التَّأْكِيدِ مِنَ السِّياقِ ولَكَ أنْ تَجْعَلَها تَأْكِيدًا وعَلى الوَجْهَيْنِ فَقَدْ فُصِّلَتْ إمّا جَوازًا عَلى الأوَّلِ وإمّا وُجُوبًا عَلى الثّانِي، وقَدْ فَرَضُوا في إعْرابِها وُجُوهًا أُخَرَ لا نُكْثِرُ بِها لِضَعْفِها، وقَدْ جَوَّزَ في الكَشّافِ جَعْلَ جُمْلَةِ ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمُ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ اعْتِراضًا لِجُمْلَةِ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ وهو مَرْجُوحٌ لَمْ يَرْتَضِهِ السَّعْدُ والسَّيِّدُ، إذْ لَيْسَ مَحَلَّ الإخْبارِ هو لا يُؤْمِنُونَ إنَّما المُهِمُّ أنْ يُخْبِرَ عَنْهم بِاسْتِواءِ الإنْذارِ وعَدَمِهِ عِنْدَهم، فَإنَّ في ذَلِكَ نِداءً عَلى مُكابَرَتِهِمْ وغَباوَتِهِمْ، وعُذْرًا لِلنَّبِيِّ ﷺ في الحِرْصِ عَلى إيمانِهِمْ، وتَسْجِيلًا بِأنَّ مَن لَمْ يَفْتَحْ سَمْعَهُ وقَلْبَهُ لِتَلَقِّي الحَقِّ والرَّشادِ لا يَنْفَعُ فِيهِ حِرْصٌ ولا ارْتِيادٌ، وهَذا وإنْ كانَ يَحْصُلُ عَلى تَقْدِيرِهِ جَعْلَ ”لا يُؤْمِنُونَ“ خَبَرًا إلّا أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الكَلامِ هو الأوْلى بِالإخْبارِ، ولِأنَّهُ يَصِيرُ الخَبَرُ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ إذْ يَصِيرُ بِمَثابَةِ أنْ يُقالَ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يُؤْمِنُونَ، فَقَدْ عُلِمَ أنَّهم كَفَرُوا فَعَدَمُ إيمانِهِمْ حاصِلٌ، وإنْ كانَ المُرادُ مِن لا يُؤْمِنُونَ اسْتِمْرارُ الكُفْرِ في المُسْتَقْبَلِ إلّا أنَّهُ خَبَرٌ غَرِيبٌ بِخِلافِ ما إذا جُعِلَ تَفْسِيرًا لِلْخَبَرِ.
وقَدِ احْتَجَّ بِهاتِهِ الآيَةِ الَّذِينَ قالُوا بِوُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ احْتِجاجًا عَلى الجُمْلَةِ إذْ مَسْألَةُ التَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ بَقِيَتْ زَمانًا غَيْرَ مُحَرَّرَةٍ، وكانَ كُلُّ مَن لاحَ لَهُ فِيها دَلِيلٌ اسْتَدَلَّ بِهِ، وكانَ التَّعْبِيرُ عَنْها بِعِباراتٍ فَمِنهم مَن يُعَنْوِنُها التَّكْلِيفَ بِالمُحالِ، ومِنهم مَن يُعَبِّرُ بِالتَّكْلِيفِ بِما لَيْسَ بِمَقْدُورٍ، ومِنهم مَن يُعَبِّرُ بِالتَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ، ثُمَّ إنَّهم يَنْظُرُونَ مَرَّةً لِلِاسْتِحالَةِ الذّاتِيَّةِ العَقْلِيَّةِ، ومَرَّةً لِلذّاتِيَّةِ العادِيَّةِ، ومَرَّةً لِلْعَرَضِيَّةِ، ومَرَّةً لِلْمَشَقَّةِ القَوِيَّةِ المُحْرِجَةِ لِلْمُكَلَّفِ فَيَخْلِطُونَها بِما لا يُطاقُ ولَقَدْ أفْصَحَ أبُو حامِدٍ الإسْفَرايِينِيُّ وأبُو حامِدٍ الغَزالِيُّ وأضْرابُهُما عَمّا يَرْفَعُ القِناعَ عَنْ وجْهِ المَسْألَةِ فَصارَتْ لا تُحَيِّرُ أفْهامًا وانْقَلَبَ قَتادُها ثُمامًا. وذَلِكَ أنَّ المُحالَ مِنهُ مُحالٌ لِذاتِهِ عَقْلًا كَجَمْعِ النَّقِيضَيْنِ ومِنهُ مُحالٌ عادَةً كَصُعُودِ السَّماءِ ومِنهُ ما فِيهِ حَرَجٌ وإعْناتٌ كَذَبْحِ المَرْءِ ولَدَهُ ووُقُوفِ الواحِدِ لِعَشَرَةٍ مِن أقْرانِهِ، ومِنهُ مَحالٌ عَرَضَتْ لَهُ الِاسْتِحالَةُ بِالنَّظَرِ إلى شَيْءٍ آخَرَ كَإيمانِ مَن عَلِمَ اللَّهُ عَدَمَ إيمانِهِ وحَجِّ مَن عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ لا يَحُجُّ، وكُلَّ هاتِهِ أُطْلِقَ عَلَيْها ما لا يُطاقُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] إذِ المُرادُ ما يَشُقُّ مَشَقَّةً عَظِيمَةً، وأُطْلِقَ عَلَيْها المُحالُ حَقِيقَةً ومُطابَقَةً في بَعْضِها والتِزامًا في البَعْضِ، ومَجازًا في البَعْضِ، وأُطْلِقَ عَلَيْها عَدَمُ المَقْدُورِ كَذَلِكَ، كَما أُطْلِقَ الجَوازُ عَلى الإمْكانِ، وعَلى الإمْكانِ لِلْحِكْمَةِ، وعَلى الوُقُوعِ.
فَنَشَأ مِن تَفاوُتِ هاتِهِ الأقْسامِ واخْتِلافِ هاتِهِ الإطْلاقاتِ مَقالاتٌ مَلَأتِ الفَضاءَ.
وكانَتْ لِلْمُخالِفِينَ كَحَجَرِ المَضاءِ، فَلَمّا قَيَّضَ اللَّهُ أعْلامًا نَفَوْا ما شاكَها، وفَتَحُوا أغْلاقَها، تَبَيَّنَ أنَّ الجَوازَ الإمْكانِيَّ في الجَمِيعِ ثابِتٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ لَوْ شاءَ، لا يُخالِفُ في ذَلِكَ مُسْلِمٌ. وثَبَتَ أنَّ الجَوازَ المُلائِمَ لِلْحِكْمَةِ مُنْتَفٍ عِنْدَنا وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ وإنِ اخْتَلَفْنا في تَفْسِيرِ الحِكْمَةِ لِاتِّفاقِ الكُلِّ عَلى أنَّ فائِدَةَ التَّكْلِيفِ تَنْعَدِمُ إذا كانَ المُكَلَّفُ بِهِ مُتَعَذَّرَ الوُقُوعِ.
وثَبَتَ أنَّ المُمْتَنِعَ لِتَعَلُّقِ العِلْمِ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ مُكَلَّفٌ بِهِ جَوازًا ووُقُوعًا، وجُلُّ التَّكالِيفِ لا تَخْلُو مِن ذَلِكَ، وثَبَتَ ما هو أخَصُّ وهو رَفْعُ الحَرَجِ الخارِجِيِّ عَنِ الحَدِّ المُتَعارَفِ، تُفَضُّلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقَوْلِهِ ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠] أيْ لا تُطِيقُونَهُ كَما أشارَ إلَيْهِ ابْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ، هَذا مِلاكُ هاتِهِ المَسْألَةِ عَلى وجْهٍ يَلْتَئِمُ بِهِ مُتَناثِرُها، ويُسْتَأْنَسُ مُتَنافِرُها.
وبَقِيَ أنْ نُبَيِّنَ لَكم وجْهَ تَعَلُّقِ التَّكْلِيفِ بِمَن عَلِمَ اللَّهُ عَدَمَ امْتِثالِهِ أوْ بِمَن أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ لا يَمْتَثِلُ كَما في هاتِهِ الآيَةِ، وهي أخَصُّ مِن مَسْألَةِ العِلْمِ بِعَدَمِ الوُقُوعِ إذْ قَدِ انْضَمَّ الإخْبارُ إلى العِلْمِ كَما هو وجْهُ اسْتِدْلالِ المُسْتَدِلِّ بِها، فالجَوابُ أنَّ مَن عَلِمَ اللَّهُ عَدَمَ فِعْلِهِ لَمْ يُكَلِّفْهُ بِخُصُوصِهِ ولا وجَّهَ لَهُ دَعْوَةً تَخُصُّهُ إذْ لَمْ يَثْبُتْ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ خَصَّ أفْرادًا بِالدَّعْوَةِ إلّا وقَدْ آمَنُوا كَما خَصَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ حِينَ جاءَهُ، بِقَوْلِهِ أما آنَ لَكَ يا ابْنَ الخَطّابِ أنْ تَقُولَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وقَوْلِهِ لِأبِي سُفْيانَ يَوْمَ الفَتْحِ قَرِيبًا مِن تِلْكُمُ المَقالَةِ، وخَصَّ عَمَّهُ أبا طالِبٍ بِمِثْلِها، ولَمْ تَكُنْ يَوْمَئِذٍ قَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَلَمّا كانَتِ الدَّعْوَةُ عامَّةً وهم شَمِلَهُمُ العُمُومُ بَطُلَ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ وبِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ لِماذا لَمْ يُخَصَّصْ مَن عُلِمَ عَدَمُ امْتِثالِهِ مِن عُمُومِ الدَّعْوَةِ ؟ ودَفْعُ ذَلِكَ أنَّ تَخْصِيصَ هَؤُلاءِ يُطِيلُ الشَّرِيعَةَ ويُجَرِّئُ غَيْرَهم ويُضْعِفُ إقامَةَ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، ويُوهِمُ عَدَمَ عُمُومِ الرِّسالَةِ، عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ الفَصْلَ بَيْنَ ما في قَدَرِهِ وعِلْمِهِ، وبَيْنَ ما يَقْتَضِيهِ التَّشْرِيعُ والتَّكْلِيفُ، وسِرُّ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ بَيَّناهُ في مَواضِعَ يَطُولُ الكَلامُ بِجَلْبِها ويَخْرُجُ مِن غَرَضِ التَّفْسِيرِ، وأحْسَبُ أنَّ تَفَطُّنَكم إلى مُجْمَلِهِ لَيْسَ بِعَسِيرٍ.
الدر المصون - السمين الحلبي
الدر المصون للسمين الحلبي - السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ} : الآية، «إنَّ» حرفُ توكيدٍ ينصب الاسمَ ويرفع الخبرَ خلافاً للكوفيين بأنَّ رفعَه بما كان قبلَ دخولها وتُخَفَّف فتعملُ وتُهْمَلُ، ويجوز فيها أن تباشِرَ الأفعالَ، لكن النواسخَ غالباً، وتختصُّ بدخولِ لامِ الابتداءِ في خبرها أو معمولِه المقدَّمِ أو اسمِها المؤخر، ولا يتقدَّم خبرُها إلا ظرفاً أو مجروراً، وتختصُّ أيضاً بالعطفِ على مَحلِّ اسمِها. ولها ولأخواتِها أحكامٌ كثيرة لا يليقُ ذكرُها بهذا الكتابِ.
و {الذين كَفَرُواْ} اسمُها، و «كفروا» صلةٌ وعائدٌ و «لا يؤمنون» خبرُها، وما بينهما اعتراضٌ، و «سواءٌ» مبتدأ، و «أأنذرتهم» وما بعده في قوة التأويل بمفرد/ هو الخبرُ، والتقدير: سواءٌ عليهم الإِنذارُ وعدمهُ، ولم يُحْتَجْ هنا إلى رابط لأن الجملة نفسُ المبتدأ. ويجوز أن يكون سواءٌ «خبراً مقدماً، و» أنذرتهم «بالتأويل المذكور مبتدأٌ مؤخرٌ تقديرُه: الإِنذارُ وعدمُه سواءٌ. وهذه الجملة يجوز فيها أن تكونَ معترضةً بين اسم إنَّ وخبرِها وهو» لا يؤمنون «كما تقدَّم، ويجوز أن تكونَ هي نفسُها خبراً لإِن، وجملة» لا يؤمنون «في محلِّ نَصْب على الحال أو مستأنفةٌ، أو تكونَ دعاءً عليهم بعدم الإِيمانِ وهو بعيدٌ، أو تكونَ خبراً بعد خبر على رَأْيِ مَنْ يُجَوِّز ذلك، ويجوز أن يكونَ» سواءٌ «وحده خبرَ إنَّ، و» أأنذرتَهُم «وما بعده بالتأويل المذكور في محلِّ رفع بأنه فاعلٌ له: والتقديرُ: استوى عندهم الإِنذارُ وعدمُه، و» لا يؤمنون «على ما تقدَّم من الأوجه، أعنى الحالَ والاستئناف، والدعاءَ والخبريةَ.
والهمزةُ في» أأنذرتَهُمْ «الأصلُ فيها الاستفهامُ وهو هنا غيرُ مرادٍ، إذ المرادُ التسويةُ، و» أأنْذَرْتَهم «فعل وفاعل ومفعول.
و» أم «هنا عاطفةٌ وتٌُسَمَّى متصلةً، ولكونها متصلةٌ شرطان، أحدُهما: أن يتقدَّمها همزةُ استفهامٍ أو تسويةٍ لفظاً أو تقديراً، والثاني: أن يكونَ ما بعدها مفرداً أو مؤولاً بمفرد كهذه الآية، فإنَّ الجملةَ فيه بتأويلِ مفردٍ كما تقدَّم وجوابُها أحدُ الشيئين أو الأشياء، ولا تُجَاب بنَعَمْ ولا ب» لا «. فإنْ فُقِدَ شرطٌ سُمِّيتْ منقطعةً ومنفصلةً. وتُقَدَّر ب بل والهمزةِ، وجوابُها نعم أَوْلا، ولها أحكامٌ أُخَرُ.
و» لم «حرفُ جزمٍ معناه نَفْيُ الماضي مطلقاً خلافاً لِمَنْ خَصَّها بالماضي المنقطع، ويدلُّ على ذلك قولُه تعالى: {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً} [مريم: 4] {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} [الإخلاص: 3] ، وهذا لا يُتَصَوَّر فيه الانقطاعُ، وهي من خواصِّ صيغ المضارع إلا أنها تَجْعَلُه ماضياً في المعنى كما تقدَّم، وهل قَلَبَت اللفظَ دون المعنى، أم المعنى دونَ اللفظ؟ قولان أظهرهُما الثاني، وقد يُحْذَفُ مجزومُها.
والكَفْر: السِّتْر، ومنه سُمِّي الليل كافراً، قال:
137 - فَوَرَدَتْ قبلَ انبلاجِ الفجرِ ... وابنُ ذُكَاءٍ كامِنٌ في كَفْرِ
وقال آخر:
138 -. . . . . . . ... أَلْقَتْ ذُكاءُ يمينَها في كافِر
وقال آخر:
139 -. .. . . . . . . . . ... في ليلةٍ كَفَر النجومَ غَمامُها
و «سواء» اسمٌ بمعنى الاستواء فهو اسمُ مصدرٍ ويُوصف على أنه بمعنى مُسْتوي، فيتحمَّل حينئذ ضميراً، ويَرْفع الظاهرَ، ومنه قولُهم: مررت برجلٍ سواءٍ والعدمُ «برفع» العَدَم «على أنه معطوفٌ على الضمير المستكِّن في» سواء «، وشذَّ عدمُ الفصل، ولا يُثَنَّى ولا يُجْمع: إمَّا لكونِه في الأصل مصدراً، وإمَّا للاستغناء عن تثنيته بتثنيةِ نظيرهِ وهو» سِيّ «بمعنى مِثْلَ، تقول:» هما سِيَّان «أي مِثْلان، قال:
140 - مَنْ يَفْعَلِ الحسناتِ اللهُ يشكُرها ... والشرُّ بالشرِّ عند الله سِيَّانِ
على أنه قد حُكي» سواءان «وقال الشاعر:
141 - وليلٍ تقول الناسُ في ظُلُماته ... سواءٌ صحيحاتُ العيونِ وعُورُها
فسواءٌ خبر عن جمع وهو» صحيحات «. وأصله العَدْل. قال زهير: 142 - أَرُونا سُبَّةً لا عيبَ فيها ... يُسَوِّي بيننا فيها السَّواءُ
أي: يَعْدِل بيننا العَدْلُ، وليس هو الظرفَ الذي يُستثنى به في قولك: قاموا سَواءَ زيد، وإنْ شاركه لفظاً. ونقل ابن عطية عن الفارسي فيه اللغاتِ الأربعَ المشهورةَ في» سواء «المستثنى به، وهذا عجيبٌ فإن هذه اللغاتِ في الظرفِ لا في» سواء «الذي بمعنى الاستواء. وأكثر ما تجيء بعده الجملة المصدَّرة بالهمزةِ المعادَلَة بأم كهذه الآية، وقد تُحْذَف للدلالةِ كقوله تعالى: {فاصبروا أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ} [الطور: 16] أي: أصبرتم أم لم تصبروا، وقد يليه اسمُ الاستفهام معمولاً لما بعده كقولِ علقمة:
143 - سَواءٌ عليه أيَّ حينٍ أتيتَه ... أساعَة نَحْسٍ تُتَّقى أم بأَسْعَدِ
فأيُّ حين منصوبٌ بأتيتَه، وقد يُعَرَّى عن الاستفهام وهو الأصلُ نحو:
144 -. . . . . . . . . . . ... سواءٌ صحيحاتُ العيون وعُورُها
والإِنذار: التخويفُ. وقال بعضهم: هو الإِبلاغ، ولا يكاد يكونُ إلا في تخويف يَسَعُ زمانُه الاحترازَ، فإنْ لم يَسَعْ زمانُه الاحترازَ فهو إشعارٌ لا إنذارٌ قال:
145 - أنذَرْتُ عَمْرَاً وهو في مَهَل ... قبلَ الصباحِ فقد عصى عَمْرُو
ويتعدَّى لاثنين، قال تعالى: {إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً} [النبأ: 40] {أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً} [فصلت: 13] فيكون الثاني في هذه الآية محذوفاً تقديرُه: أأنذرْتَهُمُ العذابَ أم لم تُنْذِرْهم إياه، والأحسنُ ألاَّ يُقَدَّرَ له مفعولٌ كما تقدَّم في نظائره.
والهمزةُ في» أَنْذَرَ «للتعدية، وقد تقدَّم أنَّ معنى الاستفهام هنا غيرُ مرادٍ، فقال ابن عطية:» لفظهُ لفظُ الاستفهامِ ومعناه الخبرُ، وإنما جرى عليه لفظُ الاستفهام لأنَّ فيه التسويةَ التي هي في الاستفهامِ، ألا ترى أنَّك إذا قلتَ مُخْبراً: «سواءٌ عليَّ أقمت أم قَعَدْتَ» ، وإذا قلتَ مستفهماً: «أَخَرَجَ زيدٌ أم قامَ» ؟ فقد استوى الأمران عندكَ، هذان في الخبر وهذان في الاستفهام، وعَدَمُ عِلْمِ أحدِهما بعينِه، فَلمَّا عَمَّتْهُما التسويةُ جرى على الخبر لفظُ الاستفهامِ لمشاركتِه إياه في الإِبهام، فكلُّ استفهامٍ تسويةٌ وإنْ لم تكن كلُّ تسويةٍ استفهاماً «وهو كلامٌ حسنٌ.
إلا أنَّ الشيخَ ناقشه في قوله: «أأنْذَرْتَهُم أم لم تنذرْهم لفظُه لفظُ الاستفهام ومعناه الخبر» بما معناه: أنَّ هذا الذي صورتُه صورةُ استفهامٍ ليس معناه الخبرَ لأنه مقدَّرٌ بالمفردِ كما تقدَّم، وعلى هذا فليس هو وحدَه في معنى الخبر/ لأنَّ الخبرَ جملةٌ وهذا في تأويل مفردٍ، وهي مناقشةٌ لفظيةٌ.
ورُوِيَ الوقفُ على قولِهِ «أم لم تُنذِرْهم» والابتداء بقوله: «لا يؤمنون» على أنها جملةٌ من مبتدأ وخبرٍ، وهذا ينبغي أن يُرَدَّ ولا يُلْتفتَ إليه، وإنْ كانَ قد نقله الهذلي في «الوقف والابتداء» له.
وقرئ «أَأَنْذَرْتَهُمْ» بتحقيقِ الهمزتين وهي لغةُ بني تميمٍ، وبتخفيف الثانية بينَ بينَ وهي لغةُ الحجازِ، وبإدخالِ ألفٍ بين الهمزتين تخفيفاً وتحقيقاً، ومنه:
146 - أيا ظبيةَ الوَعْساء بين جُلاجِلٍ ... وبين النقا آأنتِ أَمْ أمُّ سالمِ
وقال آخر:
147 - تطَالَلْتُ فاسْتَشْرَفْتُه فَعَرَفْتُهُ ... فقلت له آأنتَ زيدُ الأرانبِ
وروي عن ورش إبدالُ الثانيةِ ألِفاً مَحْضة، ونسب الزمخشري هذه القراءة للَّحْنِ، قال: «لأنه يؤدي إلى الجمع بين ساكنين على غير حَدَّهما، ولأن تخفيفَ مثلِ هذه الهمزةِ إنما هو بينَ بينَ» وهذا منه ليس بصواب لثبوت هذه القراءة تواتراً، وللقرَّاء في نحو هذه الآية عَمَلٌ كثيرٌ وتفصيلٌ منتشر.
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني
كفر
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
كفر
الكُفْرُ في اللّغة: ستر الشيء، ووصف الليل بِالْكَافِرِ لستره الأشخاص، والزّرّاع لستره البذر في الأرض، وليس ذلك باسم لهما كما قال بعض أهل اللّغة لمّا سمع:
387- ألقت ذكاء يمينها في كافر(١)
والْكَافُورُ: اسم أكمام الثّمرة التي تَكْفُرُهَا، قال الشاعر:
388- كالكرم إذ نادى من الكَافُورِ(٢)
وكُفْرُ النّعمة وكُفْرَانُهَا: سترها بترك أداء شكرها، قال تعالى: ﴿فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ [الأنبياء : 94] . وأعظم الكُفْرِ: جحود الوحدانيّة أو الشريعة أو النّبوّة، والكُفْرَانُ في جحود النّعمة أكثر استعمالا، والكُفْرُ في الدّين أكثر، والكُفُورُ فيهما جميعا قال: ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُوراً﴾ [الإسراء : 99] ، ﴿فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً﴾ [الفرقان : 50] ويقال منهما: كَفَرَ فهو كَافِرٌ. قال في الكفران: ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل : 40] ، وقال: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة : 152] ، وقوله: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ [الشعراء : 19] أي: تحرّيت كفران نعمتي، وقال: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم : 7] ولمّا كان الكفران يقتضي جحود النّعمة صار يستعمل في الجحود، قال: ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة : 41] أي: جاحد له وساتر، والكَافِرُ على الإطلاق متعارف فيمن يجحد الوحدانيّة، أو النّبوّة، أو الشريعة، أو ثلاثتها، وقد يقال: كَفَرَ لمن أخلّ بالشّريعة، وترك ما لزمه من شكر الله عليه. قال: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ [الروم : 44] يدلّ على ذلك مقابلته بقوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم : 44] ، وقال: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ﴾ [النحل : 83] ، وقوله: ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة : 41] أي: لا تكونوا أئمّة في الكفر فيقتدى بكم، وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ [النور : 55] عني بالكافر السّاتر للحقّ، فلذلك جعله فاسقا، ومعلوم أنّ الكفر المطلق هو أعمّ من الفسق، ومعناه: من جحد حقّ الله فقد فسق عن أمر ربّه بظلمه. ولمّا جعل كلّ فعل محمود من الإيمان جعل كلّ فعل مذموم من الكفر، وقال في السّحر: ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة : 102] وقوله: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا، إلى قوله: كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة : 275-276](٣) وقال: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ إلى قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ [آل عمران : 97](٤) والكَفُورُ: المبالغ في كفران النعمة، وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ [الزخرف : 15] ، وقال: ﴿ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ : 17] إن قيل: كيف وصف الإنسان هاهنا بالكفور، ولم يرض بذلك حتى أدخل عليه إنّ، واللّام، وكلّ ذلك تأكيد، وقال في موضع وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ [الحجرات : 7] ، فقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف : 15] تنبيه على ما ينطوي عليه الإنسان من كفران النّعمة، وقلّة ما يقوم بأداء الشّكر، وعلى هذا قوله: ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ﴾ [عبس : 17] ولذلك قال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ : 13] ، وقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان : 3] تنبيه أنه عرّفه الطّريقين كما قال: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد : 10] فمن سالك سبيل الشّكر، ومن سالك سبيل الكفر، وقوله: ﴿وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ [الإسراء : 27] فمن الكفر، ونبّه بقوله: كانَ أنه لم يزل منذ وجد منطويا على الكفر. والْكَفَّارُ أبلغ من الكفور لقوله: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق : 24] وقال: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة : 276] ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر : 3] ، ﴿إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح : 27] وقد أجري الكفّار مجرى الكفور في قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم : 34] . والكُفَّارُ في جمع الكافر المضادّ للإيمان أكثر استعمالا كقوله: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح : 29] ، وقوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح : 29] .
والكَفَرَةُ في جمع كافر النّعمة أشدّ استعمالا، وفي قوله: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس : 42] ألا ترى أنه وصف الكفرة بالفجرة؟
والفجرة قد يقال للفسّاق من المسلمين. وقوله: ﴿جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ﴾ [القمر : 14] أي: من الأنبياء ومن يجري مجراهم ممّن بذلوا النّصح في أمر الله فلم يقبل منهم. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء : 137] قيل: عني بقوله إنهم آمنوا بموسى، ثمّ كفروا بمن بعده. والنصارى آمنوا بعيسى، ثمّ كفروا بمن بعده. وقيل: آمنوا بموسى ثم كفروا بموسى إذ لم يؤمنوا بغيره، وقيل: هو ما قال: وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي إلى قوله: ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران : 72](٥) ولم يرد أنّهم آمنوا مرّتين وكفروا مرّتين، بل ذلك إشارة إلى أحوال كثيرة. وقيل: كما يصعد الإنسان في الفضائل في ثلاث درجات ينعكس في الرّذائل في ثلاث درجات. والآية إشارة إلى ذلك، وقد بيّنته في كتاب «الذّريعة إلى مكارم الشّريعة»(٦) .
ويقال: كَفَرَ فلانٌ: إذا اعتقد الكفر، ويقال ذلك إذا أظهر الكفر وإن لم يعتقد، ولذلك قال: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ [النحل : 106] ويقال: كَفَرَ فلان بالشّيطان: إذا كفر بسببه، وقد يقال ذلك إذا آمن وخالف الشّيطان، كقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة : 256] وأَكْفَرَهُ إِكْفَاراً: حكم بكفره، وقد يعبّر عن التّبرّي بالكفر نحو: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ ...
الآية [العنكبوت : 25] ، وقوله تعالى: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم : 22] ، وقوله: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ﴾ [الحديد : 20] قيل: عنى بالكفّار الزّرّاع(٧) ، لأنّهم يغطّون البذر في التّراب ستر الكفّار حقّ الله تعالى بدلالة قوله: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح : 29] ولأنّ الكافر لا اختصاص له بذلك. وقيل: بل عنى الكفار، وخصّهم بكونهم معجبين بالدّنيا وزخارفها وراكنين إليها.
والْكَفَّارَةُ: ما يغطّي الإثم، ومنه: كَفَّارَةُ اليمين نحو قوله: ﴿ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة : 89] وكذلك كفّارة غيره من الآثام ككفارة القتل والظّهار. قال: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾ [المائدة : 89] والتَّكْفِيرُ: ستره وتغطيته حتى يصير بمنزلة ما لم يعمل، ويصحّ أن يكون أصله إزالة الكفر والكفران، نحو: التّمريض في كونه إزالة للمرض، وتقذية العين في إزالة القذى عنه، قال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ [المائدة : 65] ، ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النساء : 31] وإلى هذا المعنى أشار بقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود : 114] وقيل: صغار الحسنات لا تكفّر كبار السّيّئات، وقال: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ [آل عمران : 195] ، ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الزمر : 35] ويقال: كَفَرَتِ الشمس النّجومَ: سترتها، ويقال الْكَافِرُ للسّحاب الذي يغطّي الشمس والليل، قال الشاعر:
389- ألقت ذكاء يمينها في كافر(٨)
وتَكَفَّرَ في السّلاح. أي: تغطّى فيه، والْكَافُورُ: أكمام الثمرة. أي: التي تكفُرُ الثّمرةَ، قال الشاعر:
390- كالكرم إذ نادى من الكافور(٩)
والْكَافُورُ الذي هو من الطّيب. قال تعالى: ﴿كانَ مِزاجُها كافُوراً﴾ [الإنسان : 5] .
(١) هذا عجز بيت لثعلبة بن صعير المازني، وشطره: فتذكّرت ثقلا رثيدا بعد ما
وهو من مفضليته التي مطلعها: هل عند عمرة من بتات مسافر ... ذي حاجة متروّح أو باكر
والبيت في المفضليات ص 130، واللسان (كفر) ، والأفعال 2/ 174.
(٢) الرجز للعجاج، وهو في اللسان (كفر) ، وتهذيب اللغة 10/ 201.
(٣) الآية: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا، فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ، وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ، وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ.
(٤) الآية: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ.
(٥) قالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.
(٦) قال الراغب في كتاب «الذريعة» : وللإنسان مع كل فضيلة ورذيلة ثلاثة أحوال: إمّا أن يكون في ابتدائها، فيقال: هو عبدها وابنها، ولهذا قال بعضهم: من لم يخدم العلم لم يرعه. والثاني: أن يتوسطها فيقال: هو أخوها وصاحبها.
والثالث: أن ينتهي فيها بقدر وسعه، ويتصرف فيها كما أراد، فيقال: هو ربّها وسيدها. انظر: كتاب الذريعة إلى مكارم الشريعة ص 44.
(٧) وهذا قول ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن ص 454.
(٨) تقدم قريبا ص 714.
(٩) الشطر تقدّم قريبا ص 714.
سوا
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
سوا
الْمُسَاوَاةُ: المعادلة المعتبرة بالذّرع والوزن، والكيل، يقال: هذا ثوب مُسَاوٍ لذاك الثّوب، وهذا الدّرهم مساو لذلك الدّرهم، وقد يعتبر بالكيفيّة، نحو: هذا السّواد مساو لذلك السّواد، وإن كان تحقيقه راجعا إلى اعتبار مكانه دون ذاته، ولاعتبار المعادلة التي فيه استعمل استعمال العدل، قال الشاعر:
256- أبينا فلا نعطي السُّوَاءَ عدوّنا(١)
واسْتَوَى يقال على وجهين:
أحدهما: يسند إليه فاعلان فصاعدا، نحو: اسْتَوَى زيد وعمرو في كذا، أي: تَسَاوَيَا، وقال: ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة : 19] .
والثاني: أن يقال لاعتدال الشيء في ذاته، نحو: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى﴾ [النجم : 6] ، وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ﴾ [المؤمنون : 28] ، ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف : 13] ، ﴿فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ﴾ [الفتح : 29]، واستوى فلان على عمالته، واستوى أمر فلان.
ومتى عدّي بـ«على» اقتضى معنى الاستيلاء، كقوله: ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه : 5] ، وقيل: معناه استوى له ما في السموات وما في الأرض، أي: استقام الكلّ على مراده بِتَسْوِيَةِ الله تعالى إيّاه، كقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾ [البقرة : 29] ، وقيل: معناه استوى كلّ شيء في النّسبة إليه، فلا شيء أقرب إليه من شيء، إذ كان تعالى ليس كالأجسام الحالة في مكان دون مكان(٢).
وإذا عدّي بـ«إلى» اقتضى معنى الانتهاء إليه، إمّا بالذّات، أو بالتّدبير، وعلى الثاني قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ﴾ [فصلت : 11](٣).
وتَسْوِيَةُ الشيء: جعله سواء، إمّا في الرّفعة، أو في الضّعة، وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾ [الانفطار : 7] ، أي: جعل خلقتك على ما اقتضت الحكمة، وقوله: ﴿وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها﴾ [الشمس : 7] ، فإشارة إلى القوى التي جعلها مقوّمة للنّفس، فنسب الفعل إليها، وقد ذكر في غير هذا الموضع أنّ الفعل كما يصحّ أن ينسب إلى الفاعل يصحّ أن ينسب إلى الآلة، وسائر ما يفتقر الفعل إليه، نحو: سيف قاطع. وهذا الوجه أولى من قول من قال: أراد وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها [الشمس : 7] ، يعني الله تعالى(٤)، فإنّ «ما» لا يعبّر به عن الله تعالى، إذ هو موضوع للجنس، ولم يرد به سمع يصحّ، وأمّا قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى : 1-2] ، فالفعل منسوب إليه تعالى، وكذا قوله: ﴿فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر : 29] ، وقوله: ﴿رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها﴾ [النازعات : 28] ، فَتَسْوِيَتُهَا يتضمّن بناءها، وتزيينها المذكور في قوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ﴾ [الصافات : 6] .
والسَّوِيُّ يقال فيما يصان عن الإفراط، والتّفريط من حيث القدر، والكيفيّة. قال تعالى: ﴿ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم : 10] ، وقال تعالى: ﴿مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ﴾ [طه : 135] ، ورجل سويّ: استوت أخلاقه وخلقته عن الإفراط والتّفريط.
وقوله تعالى: ﴿عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة : 4] ، قيل: نجعل كفّه كخفّ الجمل لا أصابع لها، وقيل: بل نجعل أصابعه كلّها على قدر واحد حتى لا ينتفع بها، وذاك أنّ الحكمة في كون الأصابع متفاوتة في القدر والهيئة ظاهرة، إذ كان تعاونها على القبض أن تكون كذلك.
وقوله: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها﴾ [الشمس : 14] ، أي: سوّى بلادهم بالأرض، نحو: ﴿خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ [الكهف : 42] ، وقيل: سوّى بلادهم بهم، نحو: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ [النساء : 42] ، وذلك إشارة إلى ما قال عن الكفّار: ﴿يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾ [النبأ : 40].
ومكان سُوىً، وسَوَاءٌ: وسط. ويقال: سَوَاءٌ، وسِوىً، وسُوىً أي: يستوي طرفاه، ويستعمل ذلك وصفا وظرفا، وأصل ذلك مصدر، وقال: ﴿فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات : 55] ، و﴿سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص : 22] ، ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال : 58] ، أي: عدل من الحكم، وكذا قوله: ﴿إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران : 64].
وقوله: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة : 6] ، ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ [المنافقون : 6] ، ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا﴾ [إبراهيم : 21] ، أي: يَسْتَوِي الأمران في أنهما لا يغنيان سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ [الحج : 25].
وقد يستعمل سِوىً وسَوَاءٌ بمعنى غير، قال الشاعر:
257- فلم يبق منها سوى هامد(٥)
وقال آخر:
258- وما قصدت من أهلها لِسَوَائِكَا(٦)
وعندي رجل سِوَاكَ، أي: مكانك، وبدلك.
والسِّيُّ: المساوي، مثل: عدل ومعادل، وقتل ومقاتل، تقول: سِيَّانِ زيد وعمرو، وأَسْوَاءٌ جمع سِيٍّ، نحو: نقض وأنقاض، يقال: قوم أسواء، ومستوون.
والمساواة متعارفة في المثمنات، يقال: هذا الثّوب يساوي كذا، وأصله من سَاوَاهُ في القدر، قال: ﴿حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ [الكهف : 96] .
(١) هذا شطر بيت لعنترة، وعجزه: قياما بأعضاد السّراء المعطّف
وهو في ديوانه ص 52، والحجة للفارسي 1/ 246، والنوادر لأبي زيد ص 122، والمخصص 12/ 160.
(٢) قلت (مدخِّل الكتاب): هذا مذهب المتأولة، والسلف أجمعوا على علوّ الله على عشره، وهو صريح القرآن.
(٣) قلت (مدخِّل الكتاب): قال الطبري في تفسير هذه الآية: (يعني تعالى ذكره: ثم استوى إلى السماء: ثم ارتفع إلى السماء.)، وهذا مذهب السلف.
(٤) وهو قول ابن جرير 30/ 210. قال: و «ما» موضع «من» .
(٥) هذا شطر بيت، وعجزه: وسفع الخدود معا والنؤي
وهو لأبي ذؤيب الهذلي، في ديوان الهذليين 1/ 66، والبصائر 3/ 187.
(٦) هذا عجز بيت، وصدره: تجانف عن أهل اليمامة ناقتي
وهو للأعشى في ديوانه ص 131، واللسان (سوى) ، والبصائر 3/ 87، والمجمل 2/ 477.
نذر
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
نذر
النّذر: أن تُوجِب على نفسك ما ليس بواجب لحدوثِ أمر، يقال: نَذَرْتُ لله أمراً، قال تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً﴾ [مريم : 26] ، وقال: ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ [البقرة : 270] ، وَالإِنْذارُ: إخبارٌ فيه تخويف، كما أنّ التّبشير إخبار فيه سرور. قال تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى﴾ [الليل : 14] ، ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت : 13] ، ﴿وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ﴾ [الأحقاف : 21] ، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف : 3] ، ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ [الشورى : 7] ، ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ [يس : 6] ، والنَّذِيرُ: المنذر، ويقع على كلّ شيء فيه إنذار، إنسانا كان أو غيره. إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ [نوح : 2] ، ﴿إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ [الحجر : 89] ، ﴿وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف : 9] ، ﴿وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر : 37] ، ﴿نَذِيراً لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر : 36] . والنّذر: جمعه. قال تعالى: ﴿هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى﴾ [النجم : 56] أي: من جنس ما أُنْذِرَ به الذين تقدَّموا. قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ [القمر : 23] ، ﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ [القمر : 41] ، ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر : 18] ، وقد نَذِرْتُ. أي: عَلِمْتُ ذلك وحَذِرْتُ .
أمن
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
أمن
أصل الأَمْن: طمأنينة النفس وزوال الخوف، والأَمْنُ والأَمَانَةُ والأَمَانُ في الأصل مصادر، ويجعل الأمان تارة اسما للحالة التي يكون عليها الإنسان في الأمن، وتارة اسما لما يؤمن عليه الإنسان، نحو قوله تعالى: ﴿وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ﴾ [الأنفال : 27] ، أي: ما ائتمنتم عليه، وقوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأحزاب : 72] قيل: هي كلمة التوحيد، وقيل: العدالة(١) ، وقيل: حروف التهجي، وقيل: العقل، وهو صحيح فإنّ العقل هو الذي بحصوله يتحصل معرفة التوحيد، وتجري العدالة وتعلم حروف التهجي، بل بحصوله تعلّم كل ما في طوق البشر تعلّمه، وفعل ما في طوقهم من الجميل فعله، وبه فضّل على كثير ممّن خلقه.
وقوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً﴾ [آل عمران : 97] أي: آمنا من النار، وقيل: من بلايا الدنيا التي تصيب من قال فيهم: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [التوبة : 55] .
ومنهم من قال: لفظه خبر ومعناه أمر، وقيل: يأمن الاصطلام(٢) ، وقيل: آمن في حكم الله، وذلك كقولك: هذا حلال وهذا حرام، أي: في حكم الله.
والمعنى: لا يجب أن يقتصّ منه ولا يقتل فيه إلا أن يخرج، وعلى هذه الوجوه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت : 67] . وقال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ [البقرة : 125] . وقوله: ﴿أَمَنَةً نُعاساً﴾ [آل عمران : 154] أي: أمنا، وقيل: هي جمع كالكتبة. وفي حديث نزول المسيح: «وتقع الأمنة في الأرض»(٣) .
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة : 6] أي: منزله الذي فيه أمنه.
* وآمَنَ:
إنما يقال على وجهين:
- أحدهما متعديا بنفسه، يقال: آمنته، أي: جعلت له الأمن، ومنه قيل لله: مؤمن.
- والثاني: غير متعدّ، ومعناه: صار ذا أمن.
والإِيمان يستعمل تارة اسما للشريعة التي جاء بها محمّد عليه الصلاة والسلام، وعلى ذلك: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ [المائدة : 69] ، ويوصف به كلّ من دخل في شريعته مقرّا بالله وبنبوته. قيل: وعلى هذا قال تعالى: ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف : 106] .
وتارة يستعمل على سبيل المدح، ويراد به إذعان النفس للحق على سبيل التصديق، وذلك باجتماع ثلاثة أشياء: تحقيق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بحسب ذلك بالجوارح، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد : 19] .
ويقال لكلّ واحد من الاعتقاد والقول الصدق والعمل الصالح: إيمان. قال تعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾ [البقرة : 143] أي: صلاتكم، وجعل الحياء وإماطة الأذى من الإيمان(٤) .
قال تعالى: ﴿وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ﴾ [يوسف : 17] قيل: معناه: بمصدق لنا، إلا أنّ الإيمان هو التصديق الذي معه أمن، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء : 51] فذلك مذكور على سبيل الذم لهم، وأنه قد حصل لهم الأمن بما لا يقع به الأمن، إذ ليس من شأن القلب- ما لم يكن مطبوعا عليه- أن يطمئن إلى الباطل، وإنما ذلك كقوله: ﴿مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل : 106] ، وهذا كما يقال: إيمانه الكفر، وتحيته الضرب، ونحو ذلك.
وجعل النبيّ ﷺ أصل الإيمان ستة أشياء في خبر جبريل حيث سأله فقال: ما الإيمان؟ والخبر معروف(٥) .
ويقال: رجل أَمْنَةٌ وأَمَنَةٌ: يثق بكل أحد، وأَمِينٌ وأَمَانٌ يؤمن به. والأَمُون: الناقة يؤمن فتورها وعثورها.
(١) راجع الأقوال في هذه الآية في الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي 6/ 669.
(٢) الاصطلام: الاستئصال، واصطلم القوم: أبيدوا.
(٣) هذا جزء من حديث طويل وفيه: «ثمّ تقع الأمنة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، وتلعب الصبيان بالحيّات لا تضرّهم» . والحديث أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود برقم (4324) وابن جرير وابن حبان عن أبي هريرة، وقال ابن كثير بعد ذكر إسناده: وهذا إسناد جيد قوي. انظر: الدر المنثور 2/ 736، والفتن الملاحم لابن كثير 1/ 105.
(٤) كما قال عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه مسلم وغيره: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، وأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» .
(٥) وقد أخرجه البخاري ومسلم قال: «أن تؤمن بالله وحده وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد الموت والجنة والنار، وبالقدر خيره وشره» ، راجع البخاري 1/ 106، ومسلم (9) في الإيمان، وشرح السنة 1/ 9.