التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير سورة البقرة، الآية: ٣

تفسير قول الله تعالى: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ). سورة البقرة، الآية: ٣

التحرير والتنوير - ابن عاشور

التحرير والتنوير - ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)

﴿ٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَیۡبِ وَیُقِیمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَـٰهُمۡ یُنفِقُونَ﴾ [البقرة ٣]

﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾

يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ لِلْمُتَّقِينَ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِإرْدافِ صِفَتِهِمُ الإجْمالِيَّةِ بِتَفْصِيلٍ يُعْرَفُ بِهِ المُرادُ، ويَكُونُ مَعَ ذَلِكَ مَبْدَأُ اسْتِطْرادٍ لِتَصْنِيفِ أصْنافِ النّاسِ بِحَسَبِ اخْتِلافِ أحْوالِهِمْ في تَلَقِّي الكِتابِ المُنَوَّهِ بِهِ إلى أرْبَعَةِ أصْنافٍ بَعْدَ أنْ كانُوا قَبْلَ الهِجْرَةِ صِنْفَيْنِ، فَقَدْ كانُوا قَبْلَ الهِجْرَةِ صِنْفًا مُؤْمِنِينَ وصِنْفًا كافِرِينَ مُصارِحِينَ، فَزادَ بَعْدَ الهِجْرَةِ صِنْفانِ: هُما المُنافِقُونَ وأهْلُ الكِتابِ، فالمُشْرِكُونَ الصُّرَحاءُ هم أعْداءُ الإسْلامِ الأوَّلُونَ، والمُنافِقُونَ ظَهَرُوا بِالمَدِينَةِ فاعْتَزَّ بِهِمُ الأوَّلُونَ الَّذِينَ تَرَكَهُمُ المُسْلِمُونَ بِدارِ الكُفْرِ، وأهْلُ الكِتابِ كانُوا في شُغْلٍ عَنِ التَّصَدِّي لِمُناوَأةِ الإسْلامِ، فَلَمّا أصْبَحَ الإسْلامُ في المَدِينَةِ بِجِوارِهِمْ أوْجَسُوا خِيفَةً فالتَفُّوا مَعَ المُنافِقِينَ وظاهَرُوا المُشْرِكِينَ. وقَدْ أُشِيرَ إلى أنَّ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ فَرِيقانِ: فَرِيقٌ هُمُ المُتَّقُونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا مِمَّنْ كانُوا مُشْرِكِينَ وكانَ القُرْآنُ هُدًى لَهم بِقَرِينَةِ مُقابَلَةِ هَذا المَوْصُولِ بِالمَوْصُولِ الآخَرِ المَعْطُوفِ بِقَوْلِهِ: ”﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤] . . .“ إلَخْ فالمُثْنى عَلَيْهِمْ هُنا هُمُ الَّذِينَ كانُوا مُشْرِكِينَ فَسَمِعُوا الدَّعْوَةَ المُحَمَّدِيَّةَ فَتَدَبَّرُوا في النَّجاةِ واتَّقَوْا عاقِبَةَ الشِّرْكِ فَآمَنُوا، فالباعِثُ الَّذِي بَعَثَهم عَلى الإسْلامِ هو التَّقْوى دُونَ الطَّمَعِ أوِ التَّجْرِبَةِ، فَوائِلُ بْنُ حُجْرٍ مَثَلًا لَمّا جاءَ مِنَ اليَمَنِ راغِبًا في الإسْلامِ هو مِنَ المُتَّقِينَ، ومُسَيْلِمَةُ حِينَ وفَدَ مَعَ بَنِي حَنِيفَةَ مُضْمِرَ العَداءِ طامِعًا في المُلْكِ هو مِن غَيْرِ المُتَّقِينَ. وفَرِيقٌ آخَرُ يَجِيءُ ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤] الآياتِ. وقَدْ أُجْرِيَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ لِلثَّناءِ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ الإشْراكِ بِأنْ كانَ رائِدُهم إلى الإيمانِ هو التَّقْوى والنَّظَرُ في العاقِبَةِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِقَوْلِهِ ﴿يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ أيْ بَعْدَ أنْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِالبَعْثِ والمَعادِ كَما حَكى عَنْهُمُ القُرْآنُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، ولِذَلِكَ اجْتُلِبَتْ في الإخْبارِ عَنْهم بِهَذِهِ الصِّلاتِ الثَّلاثِ صِيغَةُ المُضارِعِ الدّالَّةُ عَلى التَّجَدُّدِ إيذانًا بِتَجَدُّدِ إيمانِهِمْ بِالغَيْبِ وتَجَدُّدِ إقامَتِهِمُ الصَّلاةَ والإنْفاقَ إذْ لَمْ يَكُونُوا مُتَّصِفِينَ بِذَلِكَ إلّا بَعْدَ أنْ جاءَهم هُدى القُرْآنِ.

وجَوَّزَ صاحِبُ الكَشّافِ كَوْنَهُ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا مُبْتَدَأً وكَوْنَ ”أُولَئِكَ عَلى هُدًى“ خَبَرَهُ. وعِنْدِي أنَّهُ تَجْوِيزٌ لِما لا يَلِيقُ، إذِ الِاسْتِئْنافُ يَقْتَضِي الِانْتِقالَ مِن غَرَضٍ إلى آخَرَ، وهو المُسَمّى بِالِاقْتِضابِ وإنَّما يَحْسُنُ في البَلاغَةِ إذا أُشِيعَ الغَرَضُ الأوَّلُ وأُفِيضَ فِيهِ حَتّى أُوعِبَ أوْ حَتّى خِيفَتْ سَآمَةُ السّامِعِ، وذَلِكَ مَوْقِعُ أمّا بَعْدُ أوْ كَلِمَةُ هَذا ونَحْوُهُما، وإلّا كانَ تَقْصِيرًا مِنَ الخَطِيبِ والمُتَكَلِّمِ لا سِيَّما وأُسْلُوبُ الكِتابِ أوْسَعُ مِن أُسْلُوبِ الخَطابَةِ لِأنَّ الإطالَةَ في أغْراضِهِ أمْكَنُ.

والغَيْبُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الغَيْبَةِ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢]، لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ ورُبَّما قالُوا بِظَهْرِ الغَيْبِ قالَ الحُطَيْئَةُ:

كَيْفَ الهِجاءُ وما تَنْفَكُّ صالِحَةٌ مِن آلِ لامَ بِظَهْرِ الغَيْبِ تَأْتِينِي

وفِي الحَدِيثِ «دَعْوَةُ المُؤْمِنِ لِأخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ مُسْتَجابَةٌ» والمُرادُ بِالغَيْبِ ما لا يُدْرَكُ بِالحَواسِّ مِمّا أخْبَرَ الرَّسُولُ ﷺ صَرِيحًا بِأنَّهُ واقِعٌ أوْ سَيَقَعُ مِثْلَ وُجُودِ اللَّهِ، وصِفاتِهِ، ووُجُودِ المَلائِكَةِ، والشَّياطِينِ، وأشْراطِ السّاعَةِ، وما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ.

فَإنْ فَسَّرَ الغَيْبَ بِالمَصْدَرِ أيِ الغِيبَةِ كانَتِ الباءُ لِلْمُلابَسَةِ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا فالوَصْفُ تَعْرِيضٌ بِالمُنافِقِينَ، وإنْ فَسَّرَ الغَيْبَ بِالِاسْمِ وهو ما غابَ عَنِ الحِسِّ مِنَ العَوالِمِ العُلْوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، كانَتِ الباءُ مُتَعَلِّقَةً بِيُؤْمِنُونَ، فالمَعْنى حِينَئِذٍ: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أخْبَرَ الرَّسُولُ مِن غَيْرِ عالَمِ الشَّهادَةِ كالإيمانِ بِالمَلائِكَةِ والبَعْثِ والرُّوحِ ونَحْوِ ذَلِكَ. وفي حَدِيثِ الإيمانِ («أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ وتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ» ) . وهَذِهِ كُلُّها مِن عَوالِمِ الغَيْبِ، كانَ الوَصْفُ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ وقالُوا ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٧] فَجَمَعَ هَذا الوَصْفَ بِالصَّراحَةِ ثَناءً عَلى المُؤْمِنِينَ وبِالتَّعْرِيضِ ذَمًّا لِلْمُشْرِكِينَ بِعَدَمِ الِاهْتِداءِ بِالكِتابِ، وذَمًّا لِلْمُنافِقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالظّاهِرِ وهم مُبْطِنُونَ الكُفْرَ، وسَيُعَقِّبُ هَذا التَّعْرِيضَ بِصَرِيحِ وصْفِهِمْ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمُ أأنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦] الآياتِ، وقَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] ويُؤْمِنُونَ مَعْناهُ يُصَدِّقُونَ، وآمَنَ مَزِيدُ أمِنَ وهَمْزَتُهُ المَزِيدَةُ دَلَّتْ عَلى التَّعْدِيَةِ، فَأصْلُ آمَنَ تَعْدِيَةُ أمِنَ ضِدَّ خافَ فَآمَنَ مَعْناهُ جَعَلَ غَيْرَهُ آمِنًا ثُمَّ أطْلَقُوا آمَنَ عَلى مَعْنى صَدَّقَ ووَثِقَ حَكى أبُو زَيْدٍ عَنِ العَرَبِ ”ما آمَنتُ أنْ أجِدَ صَحابَةً“ يَقُولُهُ المُسافِرُ إذا تَأخَّرَ عَنِ السَّفَرِ، فَصارَ آمَنَ بِمَعْنى صَدَّقَ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ آمَنَ مُخْبِرَهُ مِن أنْ يَكْذِبَهُ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ آمَنَ نَفْسَهُ مِن أنْ تَخافَ مِن كَذِبِ الخَبَرِ مُبالَغَةً في أمِنَ كَأقْدَمَ عَلى الشَّيْءِ بِمَعْنى تَقَدَّمَ إلَيْهِ وعَمِدَ إلَيْهِ، ثُمَّ صارَ فِعْلًا قاصِرًا إمّا عَلى مُراعاةِ حَذْفِ المَفْعُولِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ بِحَيْثُ نَزَلَ الفِعْلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، وإمّا عَلى مُراعاةِ المُبالَغَةِ المَذْكُورَةِ أيْ حَصَلَ لَهُ الأمْنُ أيْ مِنَ الشَّكِّ واضْطِرابِ النَّفْسِ واطْمَأنَّ لِذَلِكَ لِأنَّ مَعْنى الأمْنِ والِاطْمِئْنانِ مُتَقارِبٌ، ثُمَّ إنَّهم يُضَمِّنُونَ آمَنَ مَعْنى أقَرَّ فَيَقُولُونَ آمَنَ بِكَذا أيْ أقَرَّ بِهِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، ويُضَمِّنُونَهُ مَعْنى اطْمَأنَّ فَيَقُولُونَ آمَنَ لَهُ ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٧٥] ومَجِيءُ صِلَةِ المَوْصُولِ فِعْلًا مُضارِعًا لِإفادَةِ أنَّ إيمانَهم مُسْتَمِرٌّ مُتَجَدِّدٌ كَما عَلِمْتَ آنِفًا، أيْ لا يَطْرَأُ عَلى إيمانِهِمْ شَكٌّ ولا رِيبَةٌ. وخَصَّ بِالذِّكْرِ الإيمانَ بِالغَيْبِ دُونَ غَيْرِهِ مِن مُتَعَلِّقاتِ الإيمانِ لِأنَّ الإيمانَ بِالغَيْبِ أيْ ما غابَ عَنِ الحِسِّ هو الأصْلُ في اعْتِقادِ إمْكانِ ما تُخْبِرُ بِهِ الرُّسُلَ عَنْ وُجُودِ اللَّهِ والعالَمِ العُلْوِيِّ، فَإذا آمَنَ بِهِ المَرْءُ تَصَدّى لِسَماعِ دَعْوَةِ الرَّسُولِ ولِلنَّظَرِ فِيما يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى فَسَهُلَ عَلَيْهِ إدْراكُ الأدِلَّةِ، وأمّا مَن يَعْتَقِدُ أنْ لَيْسَ وراءَ عالَمِ المادِّيّاتِ عالَمٌ آخَرُ وهو ما وراءَ الطَّبِيعَةِ فَقَدْ راضَ نَفْسَهُ عَلى الإعْراضِ عَنِ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ بِوُجُودِ اللَّهِ وعالَمِ الآخِرَةِ كَما كانَ حالُ المادِّيِّينَ وهُمُ المُسَمَّوْنَ بِالدَّهْرِيِّينَ الَّذِينَ قالُوا ﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] وقَرِيبٌ مِنَ اعْتِقادِهِمُ اعْتِقادُ المُشْرِكِينَ ولِذَلِكَ عَبَدُوا الأصْنامَ المُجَسَّمَةَ ومُعْظَمُ العَرَبِ كانُوا يُثْبِتُونَ مِنَ الغَيْبِ وُجُودَ الخالِقِ وبَعْضُهم يُثْبِتُ المَلائِكَةَ ولا يُؤْمِنُونَ بِسِوى ذَلِكَ. والكَلامُ عَلى حَقِيقَةِ الإيمانِ لَيْسَ هَذا مَوْضِعُهُ ويَجِيءُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى وما هم بِمُؤْمِنِينَ

* * *

﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾

الإقامَةُ مَصْدَرُ أقامَ الَّذِي هو مُعَدّى قامَ، عُدِّيَ إلَيْهِ بِالهَمْزَةِ الدّالَّةِ عَلى الجُمَلِ، والإقامَةُ جَعْلُها قائِمَةً، مَأْخُوذٌ مِن قامَتِ السُّوقُ إذا نَفَقَتْ وتَداوَلَ النّاسُ فِيها البَيْعَ والشِّراءَ وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَصْرِيحُ بَعْضِ أهْلِ اللِّسانِ بِهَذا المُقَدَّرِ. قالَ أيْمَنُ بْنُ خُرَيْمٍ الأسَدِيُّ:

أقامَتْ غَزالَةُ سُوقَ الضِّرابْ لِأهْلِ العِراقَيْنِ حَوْلًا قَمِيطًا


وأصْلُ القِيامِ في اللُّغَةِ هو الِانْتِصابُ المُضادُّ لِلْجُلُوسِ والِاضْطِجاعِ، وإنَّما يَقُومُ القائِمُ لِقَصْدِ عَمَلٍ صَعْبٍ لا يَتَأتّى مِن قُعُودٍ، فَيَقُومُ الخَطِيبُ ويَقُومُ العامِلُ ويَقُومُ الصّانِعُ ويَقُومُ الماشِي فَكانَ لِلْقِيامِ لَوازِمٌ عُرْفِيَّةٌ مَأْخُوذَةٌ مِن عَوارِضِهِ اللّازِمَةِ ولِذَلِكَ أُطْلِقَ مَجازًا عَلى النَّشاطِ في قَوْلِهِمْ قامَ بِالأمْرِ، ومِن أشْهَرِ اسْتِعْمالِ هَذا المَجازِ قَوْلِهِمْ قامَتِ السُّوقُ وقامَتِ الحَرْبُ، وقالُوا في ضِدِّهِ رَكَدَتْ ونامَتْ، ويُفِيدُ في كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مَعْنًى مُناسِبًا لِنَشاطِهِ المَجازِيِّ وهو مِن قَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ وشاعَ فِيها حَتّى ساوى الحَقِيقَةَ فَصارَتْ كالحَقائِقِ ولِذَلِكَ صَحَّ بِناءُ المَجازِ الثّانِي والِاسْتِعارَةِ عَلَيْها، فَإقامَةُ الصَّلاةِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ شَبَّهَتِ المُواظَبَةَ عَلى الصَّلَواتِ والعِنايَةَ بِها بِجَعْلِ الشَّيْءِ قائِمًا، وأحْسَبُ أنَّ تَعْلِيقَ هَذا الفِعْلِ بِالصَّلاةِ مِن مُصْطَلَحاتِ القُرْآنِ وقَدْ جاءَ بِهِ القُرْآنُ في أوائِلِ نُزُولِهِ فَقَدْ ورَدَ في سُورَةِ المُزَّمِّلِ وأقِيمُوا الصَّلاةَ وهي ثالِثَةُ السُّوَرِ نُزُولًا. وذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ وُجُوهًا أُخَرَ بَعِيدَةً عَنْ مَساقِ الآيَةِ.

وقَدْ عَبَّرَ هُنا بِالمُضارِعِ كَما وقَعَ في قَوْلِهِ يُؤْمِنُونَ لِيَصْلُحَ ذَلِكَ لِلَّذِينَ أقامُوا الصَّلاةَ فِيما مَضى وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا مِن قَبْلِ نُزُولِ الآيَةِ، والَّذِينَ هم بِصَدَدِ إقامَةِ الصَّلاةِ وهُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ، والَّذِينَ سَيَهْتَدُونَ إلى ذَلِكَ وهُمُ الَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ إذِ المُضارِعُ صالِحٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ لِأنَّ مَن فَعَلَ الصَّلاةَ في الماضِي فَهو يَفْعَلُها الآنَ وغَدًا، ومَن لَمْ يَفْعَلْها فَهو إمّا يَفْعَلُها الآنَ أوْ غَدًا وجَمِيعُ أقْسامِ هَذا النَّوْعِ جُعِلَ القُرْآنُ هُدًى لَهم. وقَدْ حَصَلَ مِن إفادَةِ المُضارِعِ التَّجَدُّدَ تَأْكِيدُ ما دَلَّ عَلَيْهِ مادَّةُ الإقامَةِ مِنَ المُواظَبَةِ والتَّكَرُّرِ لِيَكُونَ الثَّناءُ عَلَيْهِمْ بِالمُواظَبَةِ عَلى الصَّلاةِ أصْرَحَ.

والصَّلاةُ اسْمٌ جامِدٌ بِوَزْنِ فَعَلَةَ مُحَرَّكُ العَيْنِ (صَلَوَةَ) ورَدَ هَذا اللَّفْظُ في كَلامِ العَرَبِ بِمَعْنى الدُّعاءِ كَقَوْلِ الأعْشى:

تَقُولُ بِنْتِي وقَدْ يَمَّمْتُ مُرْتَحِلًا ∗∗∗ يا رَبِّ جَنِّبْ أبِي الأوْصابَ والوَجَعا

عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فاغْتَمِضِي ∗∗∗ جَفْنًا فَإنَّ لِجَنْبِ المَرْءِ مُضْطَجَعا

ووَرَدَ بِمَعْنى العِبادَةِ في قَوْلِ الأعْشى:

يُراوِحُ مِن صَلَواتِ المَلِي ∗∗∗ كِ طَوْرًا سُجُودًا وطَوْرًا جُؤارا

فَأمّا الصَّلاةُ المَقْصُودَةُ في الآيَةِ فَهي العِبادَةُ المَخْصُوصَةُ المُشْتَمِلَةُ عَلى قِيامٍ وقِراءَةٍ ورُكُوعٍ وسُجُودٍ وتَسْلِيمٍ.

قالَ ابْنُ فارِسٍ كانَتِ العَرَبُ في جاهِلِيَّتِها عَلى إرْثٍ مِن إرْثِ آبائِهِمْ في لُغاتِهِمْ فَلَمّا جاءَ اللَّهُ تَعالى بِالإسْلامِ حالَتْ أحْوالٌ ونُقِلَتْ ألْفاظٌ مِن مَواضِعَ إلى مَواضِعَ أُخَرَ بِزِياداتٍ، ومِمّا جاءَ في الشَّرْعِ الصَّلاةَ وقَدْ كانُوا عَرَفُوا الرُّكُوعَ والسُّجُودَ وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلى هاتِهِ الهَيْئَةِ قالَ النّابِغَةُ:

أوْ دُرَّةٌ صَدَفِيَّةٌ غَوّاصُها ∗∗∗ بَهِجٌ مَتى يَرَها يُهِلُّ ويَسْجُدُ


وهَذا وإنْ كانَ كَذا فَإنَّ العَرَبَ لَمْ تُعَرِّفْهُ بِمِثْلِ ما أتَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ مِنَ الأعْدادِ والمَواقِيتِ اهـ.

قُلْتُ لا شَكَّ أنَّ العَرَبَ عَرَفُوا الصَّلاةَ والسُّجُودَ والرُّكُوعَ وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ رَبَّنا ﴿لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم: ٣٧] وقَدْ كانَ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمُ اليَهُودُ يُصَلُّونَ أيْ يَأْتُونَ عِبادَتَهم بِهَيْأةٍ مَخْصُوصَةٍ، وسَمَّوْا كَنِيسَتَهم صَلاةً، وكانَ بَيْنَهُمُ النَّصارى وهم يُصَلُّونَ وقَدْ قالَ النّابِغَةُ في ذِكْرِ دَفْنِ النُّعْمانِ بْنِ الحارِثِ الغَسّانِيِّ:

فَآبَ مُصَلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ ∗∗∗ وغُودِرَ بِالجُولانِ حَزْمٌ ونايِلُ

عَلى رِوايَةِ مُصَلُّوهُ بِصادٍ مُهْمَلَةٍ أرادَ المُصَلِّينَ عَلَيْهِ عِنْدَ دَفْنِهِ مِنَ القُسُسِ والرُّهْبانِ، إذْ قَدْ كانَ مُنْتَصِرًا ومِنهُ البَيْتُ السّابِقُ. وعَرَفُوا السُّجُودَ. قالَ النّابِغَةُ:

أوْ دُرَّةٌ صَدَفِيَّةٌ غَوّاصُها ∗∗∗ بَهِجٌ مَتى يَرَها يُهِلُّ ويَسْجُدُ


وقَدْ تَرَدَّدَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ في اشْتِقاقِ الصَّلاةِ، فَقالَ قَوْمٌ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الصَّلا وهو عِرْقٌ غَلِيظٌ في وسَطِ الظَّهْرِ ويَفْتَرِقُ عِنْدَ عَجْبِ الذَّنَبِ فَيَكْتَنِفَهُ فَيُقالُ حِينَئِذٍ هُما صَلَوانٌ، ولَمّا كانَ المُصَلِّي إذا انْحَنى لِلرُّكُوعِ ونَحْوِهِ تَحَرَّكَ ذَلِكَ العِرْقُ اشْتُقَّتِ الصَّلاةُ مِنهُ كَما يَقُولُونَ أنِفَ مِن كَذا إذا شَمَخَ بِأنْفِهِ لِأنَّهُ يَرْفَعُهُ إذا اشْمَأزَّ وتَعاظَمَ فَهو مِنَ الِاشْتِقاقِ مِنَ الجامِدِ كَقَوْلِهِمُ اسْتَنْوَقَ الجَمَلُ وقَوْلِهِمْ تَنَمَّرَ فُلانٌ، وقَوْلِها ”زَوْجِي إذا دَخَلَ فَهِدَ وإذا خَرَجَ أسِدَ“ والَّذِي دَلَّ عَلى هَذا الِاشْتِقاقِ هُنا عَدَمُ صُلُوحِيَّةِ غَيْرِهِ فَلا يُعَدُّ القَوْلُ بِهِ ضَعِيفًا لِأجْلِ قِلَّةِ الِاشْتِقاقِ مِنَ الجَوامِدِ كَما تَوَهَّمَهُ السَّيِّدُ.

وإنَّما أُطْلِقَتْ عَلى الدُّعاءِ لِأنَّهُ يُلازِمُ الخُشُوعَ والِانْخِفاضَ والتَّذَلُّلَ، ثُمَّ اشْتَقُّوا مِنَ الصَّلاةِ الَّتِي هي اسْمٌ جامِدٌ صَلّى إذا فَعَلَ الصَّلاةَ واشْتَقُّوا صَلّى مِنَ الصَّلاةِ كَما اشْتَقُّوا صَلّى الفَرَسُ إذا جاءَ مُعاقِبًا لِلْمُجَلِّي في خَيْلِ الحَلَبَةِ، لِأنَّهُ يَجِيءُ مُزاحِمًا لَهُ في السَّبْقِ، واضِعًا رَأْسَهُ عَلى صَلا سابِقِهِ واشْتَقُّوا مِنهُ المُصَلِّي اسْمًا لِلْفَرَسِ الثّانِي في خَيْلِ الحَلَبَةِ، وهَذا الرَّأْيُ في اشْتِقاقِها مُقْتَضَبٌ مِن كَلامِهِمْ وهو الَّذِي يَجِبُ اعْتِمادُهُ إذْ لَمْ يَصْلُحُ لِأصْلِ اشْتِقاقِها غَيْرُ ذَلِكَ.

وما أوْرَدَهُ الفَخْرُ في التَّفْسِيرِ أنَّ دَعْوى اشْتِقاقِها مِنَ الصَّلْوَيْنِ يُفْضِي إلى طَعْنٍ عَظِيمٍ في كَوْنِ القُرْآنِ حُجَّةً لِأنَّ لَفْظَ الصَّلاةِ مِن أشَدِّ الألْفاظِ شُهْرَةً، واشْتِقاقُهُ مِن تَحْرِيكِ الصَّلْوَيْنِ مِن أبْعَدِ الأشْياءِ اشْتِهارًا فِيما بَيْنَ أهْلِ النَّقْلِ، فَإذا جَوَّزْنا أنَّهُ خَفِيَ وانْدَرَسَ حَتّى لا يَعْرِفَهُ إلّا الآحادُ لَجازَ مِثْلُهُ في سائِرِ الألْفاظِ فَلا نَقْطَعُ بِأنَّ مُرادَ اللَّهِ تَعالى مِن هَذِهِ الألْفاظِ ما يَتَبادَرُ مِنها إلى أفْهامِنا في زَمانِنا هَذا لِاحْتِمالِ أنَّها كانَتْ في زَمَنِ الرَّسُولِ مَوْضُوعَةً لَمَعانٍ أُخَرَ خَفِيَتْ عَلَيْنا اهـ.

يَرُدُّهُ أنَّهُ لا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ لَفْظٌ مَشْهُورٌ مَنقُولًا مِن مَعْنًى خَفِيٍّ لِأنَّ العِبْرَةَ في الشُّيُوعِ بِالِاسْتِعْمالِ وأمّا الِاشْتِقاقُ فَبَحْثٌ عِلْمِيٌّ ولِهَذا قالَ البَيْضاوِيُّ واشْتِهارُ هَذا اللَّفْظِ في المَعْنى الثّانِي مَعَ عَدَمِ اشْتِهارِهِ في الأوَّلِ لا يَقْدَحُ في نَقْلِهِ مِنهُ.

ومِمّا يُؤَيِّدُ أنَّها مُشْتَقَّةٌ مِن هَذا كِتابَتُها بِالواوِ في المَصاحِفِ إذْ لَوْلا قَصْدُ الإشارَةِ إلى ما اشْتُقَّتْ مِنهُ ما كانَ وجْهٌ لِكِتابَتِها بِالواوِ وهم كَتَبُوا الزَّكاةَ والرِّبا والحَياةَ بِالواوِ إشارَةً إلى الأصْلِ.

وأمّا قَوْلُ الكَشّافِ وكِتابَتُها بِالواوِ عَلى لَفْظِ المُفَخَّمِ أيْ لُغَةِ تَفْخِيمِ اللّامِ يَرُدُّهُ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يُصْنَعْ في غَيْرِها مِنَ اللّاماتِ المُفَخَّمَةِ.

ومَصْدَرُ صَلّى قِياسُهُ التَّصْلِيَةُ وهو قَلِيلُ الوُرُودِ في كَلامِهِمْ. وزَعَمَ الجَوْهَرِيُّ أنَّهُ لا يُقالُ صَلّى تَصْلِيَةً وتَبِعَهُ الفَيْرُوزابادِيُّ، والحَقُّ أنَّهُ ورَدَ بِقِلَّةٍ في نَقْلِ ثَعْلَبٍ في أمالِيهِ.

وقَدْ نُقِلَتِ الصَّلاةُ في لِسانِ الشَّرْعِ إلى الخُضُوعِ بِهَيْأةٍ مَخْصُوصَةٍ ودُعاءٍ مَخْصُوصٍ وقِراءَةٍ وعَدَدٍ. والقَوْلُ بِأنَّ أصْلَها في اللُّغَةِ الهَيْئَةُ في الدُّعاءِ والخُضُوعِ، هو أقْرَبُ إلى المَعْنى الشَّرْعِيِّ وأوْفَقُ بِقَوْلِ القاضِي أبِي بَكْرٍ ومَن تابَعَهُ بِنَفْيِ الحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وأنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَسْتَعْمِلْ لَفْظًا إلّا في حَقِيقَتِهِ اللُّغَوِيَّةِ بِضَمِيمَةِ شُرُوطٍ لا يُقْبَلُ إلّا بِها. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ الحَقائِقُ الشَّرْعِيَّةُ مَوْضُوعَةٌ بِوَضْعٍ جَدِيدٍ ولَيْسَتْ حَقائِقَ لُغَوِيَّةً ولا مَجازاتٍ.

وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الحَقائِقُ الشَّرْعِيَّةُ مَجازاتٌ لُغَوِيَّةٌ اشْتُهِرَتْ في مَعانٍ. والحَقُّ أنَّ هاتِهِ الأقْوالَ تَرْجِعُ إلى أقْسامٍ مَوْجُودَةٍ في الحَقائِقِ الشَّرْعِيَّةِ.

* * *

﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾

صِلَةٌ ثالِثَةٌ في وصْفِ المُتَّقِينَ مِمّا يُحَقِّقُ مَعْنى التَّقْوى وصِدْقِ الإيمانِ مِن بَذْلِ عَزِيزٍ عَلى النَّفْسِ في مَرْضاةِ اللَّهِ؛ لِأنَّ الإيمانَ لَمّا كانَ مَقَرُّهُ القَلْبَ ومُتَرْجِمُهُ اللِّسانَ كانَ مُحْتاجًا إلى دَلائِلَ صِدْقِ صاحِبِهِ وهي عَظائِمُ الأعْمالِ، مِن ذَلِكَ التِزامُ آثارِهِ في الغَيْبَةِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ ”﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾“ ومِن ذَلِكَ مُلازَمَةُ فِعْلِ الصَّلَواتِ لِأنَّها دَلِيلٌ عَلى تَذَكُّرِ المُؤْمِنِ مَن آمَنَ بِهِ. ومِن ذَلِكَ السَّخاءُ بِبَذْلِ المالِ لِلْفُقَراءِ امْتِثالًا لِأمْرِ اللَّهِ بِذَلِكَ.

والرِّزْقُ ما يَنالُهُ الإنْسانُ مِن مَوْجُوداتِ هَذا العالَمِ الَّتِي يَسُدُّ بِها ضَرُوراتِهِ وحاجاتِهِ ويَنالُ بِها مُلائِمَهُ، فَيُطْلِقُ عَلى كُلِّ ما يَحْصُلُ بِهِ سَدُّ الحاجَةِ في الحَياةِ مِنَ الأطْعِمَةِ والأنْعامِ والحَيَوانِ والشَّجَرِ المُثْمِرِ والثِّيابِ وما يُقْتَنى بِهِ ذَلِكَ مِنَ النَّقْدَيْنِ، قالَ تَعالى ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى واليَتامى والمَساكِينُ فارْزُقُوهم مِنهُ﴾ [النساء: ٨] . أيْ مِمّا تَرَكَهُ المَيِّتُ وقالَ ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦] ﴿وفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الرعد: ٢٦] وقالَ في قِصَّةِ قارُونَ: ﴿وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ﴾ [القصص: ٧٦] إلى قَوْلِهِ ﴿ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ﴾ [القصص: ٨٢] مُرادًا بِالرِّزْقِ كُنُوزُ قارُونَ وقالَ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧] وأشْهَرُ اسْتِعْمالِهِ بِحَسَبِ ما رَأيْتُ مِن كَلامِ العَرَبِ ومَوارِدِ القُرْآنِ أنَّهُ ما يَحْصُلُ مِن ذَلِكَ لِلْإنْسانِ، وأمّا إطْلاقُهُ عَلى ما يَتَناوَلُهُ الحَيَوانُ مِنَ المَرْعى والماءِ فَهو عَلى المَجازِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ [هود: ٦] وقَوْلِهِ ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧] وقَوْلِهِ ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] والرِّزْقُ شَرْعًا عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ كالرِّزْقِ لُغَةً إذِ الأصْلُ عَدَمُ النَّقْلِ إلّا لِدَلِيلٍ، فَيَصْدُقُ اسْمُ الرِّزْقِ عَلى الحَلالِ والحَرامِ لِأنَّ صِفَةَ الحِلِّ والحُرْمَةِ غَيْرُ مُلْتَفَتٍ إلَيْها هُنا فَبَيانُ الحَلالِ مِنَ الحَرامِ لَهُ مَواقِعٌ أُخْرى ولا يَقْبَلُ اللَّهُ إلّا طَيِّبًا وذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أحْوالِ التَّشْرِيعِ مِثْلَ الخَمْرِ والتِّجارَةِ فِيها قَبْلَ تَحْرِيمِها، بَلِ المَقْصُودُ أنَّهم يُنْفِقُونَ مِمّا في أيْدِيهِمْ.

وخالَفَتِ المُعْتَزِلَةُ في ذَلِكَ في جُمْلَةِ فُرُوعِ مَسْألَةِ خَلْقِ المَفاسِدِ والشُّرُورِ وتَقْدِيرِهِما، ومَسْألَةُ الرِّزْقِ مِنَ المَسائِلِ الَّتِي جَرَتْ فِيها المُناظَرَةُ بَيْنَ الأشاعِرَةِ والمُعْتَزِلَةِ كَمَسْألَةِ الآجالِ، ومَسْألَةِ السِّعْرِ، وتَمَسُّكِ المُعْتَزِلَةِ في مَسْألَةِ الرِّزْقِ بِأدِلَّةٍ لا تُنْتِجُ المَطْلُوبَ.

والإنْفاقُ إعْطاءُ الرِّزْقِ فِيما يَعُودُ بِالمَنفَعَةِ عَلى النَّفْسِ والأهْلِ والعِيالِ ومَن يُرْغَبُ في صِلَتِهِ أوِ التَّقَرُّبِ لِلَّهِ بِالنَّفْعِ لَهُ مِن طَعامٍ أوْ لِباسٍ. وأُرِيدَ بِهِ هُنا بَثُّهُ في نَفْعِ الفُقَراءِ وأهْلِ الحاجَةِ وتَسْدِيدِ نَوائِبِ المُسْلِمِينَ بِقَرِينَةِ المَدْحِ واقْتِرانِهِ بِالإيمانِ والصَّلاةِ فَلا شَكَّ أنَّهُ هُنا خَصْلَةٌ مِن خِصالِ الإيمانِ الكامِلِ، وما هي إلّا الإنْفاقُ في سَبِيلِ الخَيْرِ والمَصالِحِ العامَّةِ إذْ لا يُمْدَحُ أحَدٌ بِإنْفاقِهِ عَلى نَفْسِهِ وعِيالِهِ إذْ ذَلِكَ مِمّا تَدْعُو إلَيْهِ الجِبِلَّةُ فَلا يَعْتَنِي الدِّينُ بِالتَّحْرِيضِ عَلَيْهِ؛ فَمِنَ الإنْفاقِ ما هو واجِبٌ وهو حَقٌّ عَلى صاحِبِ الرِّزْقِ، لِلْقَرابَةِ ولِلْمَحاوِيجِ مِنَ الأُمَّةِ ونَوائِبِ الأُمَّةِ كَتَجْهِيزِ الجُيُوشِ والزَّكاةِ، وبَعْضُهُ مُحَدَّدٌ وبَعْضُهُ تَفْرِضُهُ المَصْلَحَةُ الشَّرْعِيَّةُ الضَّرُورِيَّةُ أوِ الحاجَةُ وذَلِكَ مُفَصَّلٌ في تَضاعِيفِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ في كُتُبِ الفِقْهِ، ومِنَ الإنْفاقِ تَطَوَّعٌ وهو ما فِيهِ نَفْعُ مَن دَعا الدِّينُ إلى نَفْعِهِ. وفي إسْنادِهِ فِعْلَ رُزِقْنا إلى ضَمِيرِ اللَّهِ تَعالى وجَعْلِ مَفْعُولِهِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما يَصِيرُ الرِّزْقُ بِسَبَبِهِ رِزْقًا لِصاحِبِهِ هو حَقٌّ خاصٌّ لَهُ خَوَّلَهُ اللَّهُ إيّاهُ بِحُكْمِ الشَّرِيعَةِ عَلى حَسَبِ الأسْبابِ والوَسائِلِ الَّتِي يَتَقَرَّرُ بِها مِلْكُ النّاسِ لِلْأمْوالِ والأرْزاقِ، وهو الوَسائِلُ المُعْتَبَرَةُ في الشَّرِيعَةِ الَّتِي اقْتَضَتِ اسْتِحْقاقَ أصْحابِها واسْتِئْثارَهم بِها بِسَبَبِ الجُهْدِ مِمّا عَمِلَهُ المَرْءُ بِقُوَّةِ بَدَنِهِ الَّتِي لا مِرْيَةَ في أنَّها حَقُّهُ مِثْلَ انْتِزاعِ الماءِ واحْتِطابِ الحَطَبِ والصَّيْدِ وجَنْيِ الثِّمارِ والتِقاطِ ما لا مِلْكَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ ولا هو كائِنٌ في مِلْكِ أحَدٍ، ومِثْلُ خِدْمَتِهِ بِقُوَّتِهِ مِن حَمْلِ ثِقْلٍ ومَشْيٍ لِقَضاءِ شُؤُونِ مَن يُؤَجِّرُهُ وانْحِباسٍ لِلْحِراسَةِ، أوْ كانَ مِمّا يَصْنَعُ أشْياءَ مِن مَوادَّ يَمْلِكُها ولَهُ حَقُّ الِانْتِفاعِ بِها كالخَبْزِ والنَّسْجِ والتَّجْرِ وتَطْرِيقِ الحَدِيدِ وتَرْكِيبِ الأطْعِمَةِ وتَصْوِيرِ الآنِيَةِ مِن طِينِ الفَخّارِ، أوْ كانَ مِمّا أنْتَجَهُ مِثْلَ الغَرْسِ والزَّرْعِ والتَّوْلِيدِ، أوْ مِمّا ابْتَكَرَهُ بِعَقْلِهِ مِثْلَ التَّعْلِيمِ والِاخْتِراعِ والتَّأْلِيفِ والطِّبِّ والمُحاماةِ والقَضاءِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الوَظائِفِ والأعْمالِ الَّتِي لِنَفْعِ العامَّةِ أوِ الخاصَّةِ، أوْ مِمّا أعْطاهُ إيّاهُ مالِكُ رِزْقٍ مِن هِباتٍ وهَدايا ووَصايا، أوْ أُذِنٍ بِالتَّصَرُّفِ كَإحْياءِ المَواتِ، أوْ كانَ مِمّا نالَهُ بِالتَّعارُضِ كالبُيُوعِ والإجاراتِ والأكْرِيَةِ والشَّرِكاتِ والمُغارَسَةِ، أوْ مِمّا صارَ إلَيْهِ مَن مالٍ انْعَدَمَ صاحِبُهُ بِكَوْنِهِ أحَقَّ النّاسِ بِهِ كالإرْثِ.

وتَمَلُّكُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ المَشْرُوطِ، وحَقُّ الخُمُسِ في الرِّكازِ. فَهَذِهِ وأمْثالُها مِمّا شَمِلَهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى ﴿ومِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ ولَيْسَ لِأحَدٍ ولا لِمَجْمُوعِ النّاسِ حَقٌّ فِيما جَعَلَهُ اللَّهُ رِزْقَ الواحِدِ مِنهم لِأنَّهُ لا حَقَّ لِأحَدٍ في مالٍ لَمْ يَسْعَ لِاكْتِسابِهِ بِوَسائِلِهِ وقَدْ جاءَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ زَوْجُ أبِي سُفْيانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ إنَّ أبا سُفْيانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ فَهَلْ أُنْفِقُ مِنَ الَّذِي لَهُ عِيالَنا فَقالَ لَها لا إلّا بِالمَعْرُوفِ أيْ إلّا ما هو مَعْرُوفٌ أنَّهُ تَتَصَرَّفُ فِيهِ الزَّوْجَةُ مِمّا في بَيْتِها مِمّا وضَعَهُ الزَّوْجُ في بَيْتِهِ لِذَلِكَ دُونَ مُسارَقَةٍ ولا خِلْسَةٍ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ المَعْمُولِ عَلى عامِلِهِ وهو يُنْفِقُونَ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالرِّزْقِ في عُرْفِ النّاسِ فَيَكُونُ في التَّقْدِيمِ إيذانٌ بِأنَّهم يُنْفِقُونَ مَعَ ما لِلرِّزْقِ مِنَ المَعَزَّةِ عَلى النَّفْسِ كَقَوْلِهِ تَعالى ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مَعَ رَعْيِ فَواصِلِ الآياتِ عَلى حَرْفِ النُّونِ، وفي الإتْيانِ بِمِنَ الَّتِي هي لِلتَّبْعِيضِ إيماءٌ إلى كَوْنِ الإنْفاقِ المَطْلُوبِ شَرْعًا هو إنْفاقُ بَعْضِ المالِ لِأنَّ الشَّرِيعَةَ لَمْ تُكَلِّفِ النّاسَ حَرَجًا، وهَذا البَعْضُ يَقِلُّ ويَتَوَفَّرُ بِحَسَبِ أحْوالِ المُنْفِقِينَ. فالواجِبُ مِنهُ ما قَدَّرَتِ الشَّرِيعَةُ نُصُبَهُ ومَقادِيرَهُ مِنَ الزَّكاةِ وإنْفاقِ الأزْواجِ والأبْناءِ والعَبِيدِ، وما زادَ عَلى الواجِبِ لا يَنْضَبِطُ تَحْدِيدُهُ وما زادَ فَهو خَيْرٌ، ولَمْ يُشَرِّعِ الإسْلامُ وُجُوبَ تَسْلِيمِ المُسْلِمِ ما ارْتَزَقَهُ واكْتَسَبَهُ إلى يَدِ غَيْرِهِ.

وإنَّما اخْتِيرَ ذِكْرُ هَذِهِ الصِّفاتِ لَهم دُونَ غَيْرِها لِأنَّها أوَّلُ ما شُرِعَ مِنَ الإسْلامِ فَكانَتْ شِعارَ المُسْلِمِينَ وهي الإيمانُ الكامِلُ وإقامَةُ الصَّلاةِ وإيتاءُ الزَّكاةِ فَإنَّهُما أقْدَمُ المَشْرُوعاتِ وهُما أُخْتانِ في كَثِيرٍ مِن آياتِ القُرْآنِ، ولِأنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ هِيَ دَلائِلُ إخْلاصِ الإيمانِ لِأنَّ الإيمانَ في حالِ الغَيْبَةِ عَنِ المُؤْمِنِينَ وحالِ خُوَيِّصَةِ النَّفْسِ أدَلُّ عَلى اليَقِينِ والإخْلاصِ حِينَ يَنْتَفِي الخَوْفُ والطَّمَعُ إنْ كانَ المُرادُ ما غابَ، أوْ لِأنَّ الإيمانَ بِما لا يَصِلُ إلَيْهِ الحِسُّ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى قُوَّةِ اليَقِينِ حَتّى أنَّهُ يَتَلَقّى مِنَ الشّارِعِ ما لا قِبَلَ لِلرَّأْيِ فِيهِ وشَأْنُ النُّفُوسِ أنْ تَنْبُوَ عَنِ الإيمانِ بِهِ لِأنَّها تَمِيلُ إلى المَحْسُوسِ فالإيمانُ بِهِ عَلى عِلّاتِهِ دَلِيلُ قُوَّةِ اليَمِينِ بِالمُخْبِرِ وهو الرَّسُولُ إنْ كانَ المُرادُ مِنَ الغَيْبِ ما قابَلَ الشَّهادَةَ، ولِأنَّ الصَّلاةَ كُلْفَةٌ بَدَنِيَّةٌ في أوْقاتٍ لا يَتَذَكَّرُها مُقِيمُها أيْ مُحْسِنُ أدائِها إلّا الَّذِي امْتَلَأ قَلْبُهُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما فِيها مِنَ الخُضُوعِ وإظْهارِ العُبُودِيَّةِ، ولِأنَّ الزَّكاةَ أداءُ المالِ وقَدْ عُلِمَ شُحُّ النُّفُوسِ قالَ تَعالى ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢١] ولِأنَّ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ الشِّرْكِ كانُوا مَحْرُومِينَ مِنها في حالِ الشِّرْكِ بِخِلافِ أهْلِ الكِتابِ فَكانَ لِذِكْرِها تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ الإسْلامِ.

الدر المصون - السمين الحلبي

الدر المصون للسمين الحلبي - السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)

﴿ٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَیۡبِ وَیُقِیمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَـٰهُمۡ یُنفِقُونَ﴾ [البقرة ٣]

{الذين يُؤْمِنُونَ} : «الذين» يَحْتمل الرفعَ والنصبَ والجرَّ، والظاهرُ الجرُّ، وهو من ثلاثة أوجه، أظهرُها: أنه نعتٌ للمتقين، والثاني: بدلٌ، والثالث: عطفُ بيان، وأمَّا الرفعُ فمن وجهَيْنِ، أحدُهما: أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ على معنى القطع، وقد تقدَّم. والثاني: أنه مبتدأ، وفي خبره قولان: أحدهما: أولئك الأولى، والثاني: أولئك الثانية والواوُ زائدةٌ. وهذان القولان رديئان مُنْكَران لأنَّ قولَه: «والذين يؤمنون» يمنع كونَ «أولئك» الأولى خبراً، ووجودُ الواوِ يمنع كونَ «أولئك» الثانية خبراً أيضاً، وقولُهم الواوُ زائدةٌ لا يُلْتفَتْ إليه. والنصبُ على القطع، و «يؤمنون» صلةٌ وعائدٌ، وهو مضارعٌ، علامةُ رفعهِ النونُ، لأنه أحدُ الأمثلةِ الخمسةِ. والأمثلةُ الخمسةُ عبارةٌ عن كل فعلٍ مضارعٍ اتصلَ به ألفُ اثنين أو واوُ جمع أو ياءُ مخاطبةٍ، نحو: يؤمنان تؤمنان يؤمنون تؤمنون تؤمنين. والمضارعُ معربٌ أبداً، إلا أن يباشرَ نونَ توكيدٍ أو إناثٍ، على تفصيلٍ يأتي إن شاء الله تعالى في غضونِ هذا الكتاب.

وهو مضارعُ آمَنَ بمعنى صَدَّقَ، وآمَنَ مأخوذٌ من أَمِنَ الثلاثي، فالهمزة في «أَمِنَ» للصيرورة نحو: أَعْشَبَ المكانُ أي: صار ذا عشبٍ، أو لمطاوعةِ فَعَّلَ نحو: كَبَّ فَأَكَبَّ، وإنما تعدَّى بالباء لأنه ضُمِّن معنى اعترف، وقد يتعدَّى باللام كقوله تعالى: {وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا} [يوسف: 17] {فَمَآ آمَنَ لموسى} [يونس: 83] إلا أنَّ في ضمنِ التعدية باللام التعديةَ بالباء، فهذا فَرْقُ ما بين التعديتين.

وأصلُ «يُؤْمِنون» : يُؤَأْمِنُون بهمزتين، الأولى: همزةُ أَفْعَل، والثانيةُ: فاء الكلمةِ، حُذِفَت الأولى لقاعدة تصريفية، وهو أن همزة أفْعل تُحْذَف بعد حرفِ المضارعةِ واسمِ فاعله ومفعولِه نحو: أُكْرِمُ وتُكْرم ويُكْرم ونُكْرم وأنتَ مُكْرِم ومُكْرَم، وإنما حُذِفَت لأنه في بعض المواضع تجتمع همزتان، وذلك إذا كان حرفُ المضارَعةِ همزةً نحو: أنا أُكرم. الأصل: أُأَكْرِمُ بهمزتين، الأولى: للمضارَعةِ، والثانيةُ: هَمزَةُ أَفْعل، فحُذِفَت الثانيةُ لأنَّ بها حَصَل الثِّقَلُ، ولأن حرفَ المضارَعَةِ أولى بالمحافظةِ عليه، ثم حُمِل باقي البابِ على ذلك طَرْداً لِلْبابِ، ولا يجوز ثبوتُ همزةِ أَفْعَل في شيء من ذلك، إلا في ضرورة كقوله:

112 - فإنَّه أَهْلٌ لأِنْ يُؤَكْرَما ...

و «بالغيبِ» متعلِّق بيؤمنون، ويكون مصدراً واقعاً موقعَ اسمِ الفاعلِ أو اسمِ المفعولِ. وفي هذا الثاني نظرٌ لأنه مِنْ غابَ وهو لازمٌ فكيف يُبْنَى منه اسمُ مفعولٍ حتى يَقَعَ المصدرُ موقعَه؟ إلا أن يقال إنه واقعٌ موقعَ اسمِ المفعولِ من فَعَّل مضعفاً متعدياً أي المغيَّب وفيه بُعْدٌ. وقال الزمخشري: «يجوز أن يكون مخفَّفاً من فَيْعِل نحو: هَيْن من هيِّنٍ، ومَيْت من مَيِّت» ، وفيه نظرٌ لأنه لا ينبغي أن يُدَّعى ذلك فيه حتى يُسمَعَ مثقلاً كنظائره، فإنها سُمِعَتْ مخفَّفةً ومثقَّلةً، ويَبْعُد أن يقالَ: التُزِم التخفيفُ في هذا خاصةً.

ويجوز أن تكونَ الباءُ للحال فيتعلَّقَ بمحذوف أي: يُؤْمِنُون ملتبسينَ بالغَيْب عن المؤمِنِ بهِ، والغيبُ حينئذٍ مصدرٌ على بابه.

وهمزةُ يُؤْمِنُون -وكذا كلُّ همزةٍ ساكنةٍ- يجوز أن تُدَيَّر بحركةِ ما قبلها فَتُبْدَلَ حرفاً/ مجانساً نحو: راس وبير ويُؤمن، فإن اتَّفق أن يكونَ قبلها همزةٌ أخرى وَجَبَ البدلُ نحو إيمان وآمن.

و «يُقيمون» عطفٌ على «يُؤمنون» فهو صلةٌ وعائدٌ. وأصلُه يُؤَقْوِمُونَ حُذفت همزةُ أَفْعَل لوقوعها بعد حرفِ المضارَعة كما تقدَّم فصار يُقْوِمون، فاستُثْقِلَتْ الكسرةُ على الواوِ فَفُعِل فيه ما فُعِل في «مستقيم» ، وقد تقدَّم في الفاتحة. ومعنى يُقيمون: يُدِيمون أو يُظْهِرون، قال الشاعر:

113 - أَقَمْنا لأهلِ العِراقَيْنِ سوقَ ال ... طِعانِ فخاموا وولَّوْا جميعاً

وقال آخر:

114 - وإذا يُقال أتيتُمُ لم يَبْرحوا ... حتى تقيمَ الخيلُ سوقَ طِعانِ و «الصلاةَ» مفعول به ووزنُها: فَعَلَة، ولامها واو لقولهم: صَلَوات، وإنما تحرَّكت الواوُ وانفتحَ ما قبلها فقُلِبت ألفاً، واشتقاقُها من الصَّلَوَيْنِ وهما: عِرقانِ في الوِرْكين مفترقانِ من الصَّلا وهو عِرْقٌ مستبطِنٌ في الظهر منه يتفرَّق الصَّلَوان عندَ عَجْب الذَّنْب، وذلك أن المصلِّي يحرِّك صَلَوَيْه، ومنه المُصَلِّي في حَلْبة السباق لمجيئِه ثانياً عند صَلَوَي السابق. والصلاةُ لغةً: الدعاءُ، قال:

115 - تقول بِنْتي وقد قَرَّبْتُ مُرْتَحَلا ... يا ربِّ جَنِّبْ أبي الأَوْصَابَ والوَجَعا

عليكِ مثلُ الذي صَلَّيْتِ فاغتمضي ... يوماً فإنَّ لجَنْبِ المَرْءِ مُضطجَعَا

أي: مثلُ الذي دَعَوْتِ، ومثلُه:

116 - لها حارِسٌ لا يَبْرَحُ الدهرَ بيتَها ... وإن ذُبِحَتْ صَلَّى عليها وَزَمْزَما

وفي الشرع: هذه العبادةُ المعروفة، وقيل: هي مأخوذةٌ من اللزوم، ومنه: «صَلِيَ بالنار» أي لَزِمَها، [قال] :

117 - لم أَكُنْ مِنْ جُناتِها عَلِمَ الل ... هُ وإني بحَرِّها اليومَ صالي

وقيل: من صَلَيْتُ العودَ بالنار أي قوَّمْتُه بالصِّلاء وهو حَرُّ النار، إذا فَتَحْتَ قَصَرْتَ وإن كَسَرْتَ مَدَدْتَ، كأنَّ المُصَلِّي يُقَوِّم نفسه، قال:

118 - فلا تَعْجَلْ بأمرِكَ واستَدِمْهُ ... فما صلى عَصاكَ كمُسْتديمِ

ذكر ذلك جماعةٌ أَجِلَّة وهو مُشْكِلٌ، فإن الصلاة مِنْ ذواتِ الواوِ وهذا من الياء.

و {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} جارٌّ ومجرور متعلِّق ب «يُنْفِقون» ، و «ينفقون» معطوفٌ على الصلة قبله، و «ما» المجرورةُ تحتمل ثلاثة أوجهٍ، أحدُها: أنْ تكونَ اسماً بمعنى الذي، ورزقناهم صلتُها، والعائدُ محذوفٌ، قال أبو البقاء: «تقديره: رزقناهموه أو رزقناهم إياه» ، وعلى كل واحد من هذين التقديرين إشْكالٌ، لأنَّ تقديرَه متصلاً يلزم منه اتصال الضمير مع اتحاد الرتبة، وهو واجبُ الانفصال، وتقديرُه منفصلاً يمنع حذفَه؛ لأنَّ العائدَ متى كان منفصلاً امتنع حَذْفُه، نصُّوا عليه، وعَلَّلوه بأنه لم يُفْصَلْ إلا لِغَرضٍ، وإذا حُذِفَ فاتَتِ الدلالةُ على ذلك الغرضِ. ويمكن أن يُجاب عن الأولِ بأنه لمَّا اختلَفَ الضميران جَمْعاً وإفراداً وإن اتَّحدا رتبةً جاز اتصالُه، ويكون كقوله:

119 - وقد جَعَلَتْ نفسي تَطيبُ لِضَغمَةٍ ... لِضَغْمِهماها يَقْرَعُ العظمَ نَابُها

وأيضاً فإنه لا يلزمُ مِنْ مَنْعِ ذلك ملفوظاً به مَنْعُه مقدَّراً لزَوالِ القُبْح اللفظي. وعن الثاني بأنه إنما يُمنع لأجلِ اللَّبْس الحاصلِ ولا لَبْسَ هنا. الثاني: يجوز أن يكونَ نكرةً موصوفةً، والكلامُ في عائِدها كالكلامِ في عائِدها موصولةً تقديراً واعتراضاً وجواباً. الثالث: أن تكونَ مصدريةً، ويكونُ المصدرُ واقعاً موقعَ المفعول أي: مرزوقاً، وقد مَنَع أبو البقاء هذا الوجهَ قال: «لأنَّ الفِعْلَ لا يُنْفَقُ» من أنَّ المصدر مرادٌ به المفعولُ.

والرزقُ لغةً: العطاءُ، وهو مصدرٌ، قال تعالى: {وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً} [النحل: 75] ، وقال الشاعر:

120 - رُزِقْتَ مالاً ولم تُرْزَقْ منافِعَه ... إنَّ الشقيَّ هو المَحْرُوم ما رُزِقا

وقيل: يجوز أن يكونَ «فِعلاً» بمعنى مَفْعول نحو: ذِبْح ورِعْي، بمعنى مذبوح وَمَرْعِيّ. وقيل: الرزق بالفتح مصدرٌ، وبالكسر اسم، وهو في لغة أزد شنوءة الشكر ومنه: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة: 82] وسيأتي في موضعه] ، ونفق الشيء نَفِد، وكلُّ ما جاء ممَّا فاؤُه نونٌ وعينُه فاءٌ فدالٌ على معنى الخروج والذهاب ونحو ذلك إذا تأمَّلت، قال الزمخشري، وهو كما قال نحو: نَفِد نَفَق نَفَر نَفَذ نَفَس نَفَش نَفَثَ نفح نفخ نَفَضَ نَفَل، وَنَفق الشيءُ بالبيع نَفَاقاً ونَفَقَت الدابَّةُ: ماتَتْ نُفوقاً: والنفقَةُ: اسمُ المُنْفَق.

و «مِنْ» هنا لابتداء الغاية، وقيل: للتبعيض، ولها معانٍ أُخر: بيانُ الجنس: {فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان} [الحج: 30] ، والتعليل: {يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ في آذَانِهِم مِّنَ الصواعق} [البقرة: 19] ، والبدلُ: {بالحياة الدنيا مِنَ الآخرة} [التوبة: 38] ، والمجاوزةُ: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ} [آل عمران: 121] ، وانتهاء الغاية قريبٌ منه، والاستعلاءُ: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ القوم} [الأنبياء: 77] ، والفصلُ: {يَعْلَمُ المفسد مِنَ المصلح} [البقرة: 220] ، وموافقةُ الباءِ وفي: {يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ} [الشورى: 45] ، {مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأرض} [فاطر: 40] ، والزيادةُ باطِّراد، وذلك بشرطين: كون المجرورِ نكرةً والكلامِ غيرَ موجَبٍ، واشترط الكوفيون التنكيرَ فقط، ولم يَشْترط الخفشُ شيئاً.

والهمزةُ في «أَنْفَقَ» للتعدية، وحُذِفَتْ من «ينفقون» لِما تقدَّم في {يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 3] .

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني
أمن

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

أمن

أصل الأَمْن: طمأنينة النفس وزوال الخوف، والأَمْنُ والأَمَانَةُ والأَمَانُ في الأصل مصادر، ويجعل الأمان تارة اسما للحالة التي يكون عليها الإنسان في الأمن، وتارة اسما لما يؤمن عليه الإنسان، نحو قوله تعالى: ﴿وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ﴾ [الأنفال : 27] ، أي: ما ائتمنتم عليه، وقوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأحزاب : 72] قيل: هي كلمة التوحيد، وقيل: العدالة(١) ، وقيل: حروف التهجي، وقيل: العقل، وهو صحيح فإنّ العقل هو الذي بحصوله يتحصل معرفة التوحيد، وتجري العدالة وتعلم حروف التهجي، بل بحصوله تعلّم كل ما في طوق البشر تعلّمه، وفعل ما في طوقهم من الجميل فعله، وبه فضّل على كثير ممّن خلقه.

وقوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً﴾ [آل عمران : 97] أي: آمنا من النار، وقيل: من بلايا الدنيا التي تصيب من قال فيهم: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [التوبة : 55] .

ومنهم من قال: لفظه خبر ومعناه أمر، وقيل: يأمن الاصطلام(٢) ، وقيل: آمن في حكم الله، وذلك كقولك: هذا حلال وهذا حرام، أي: في حكم الله.

والمعنى: لا يجب أن يقتصّ منه ولا يقتل فيه إلا أن يخرج، وعلى هذه الوجوه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت : 67] . وقال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ [البقرة : 125] . وقوله: ﴿أَمَنَةً نُعاساً﴾ [آل عمران : 154] أي: أمنا، وقيل: هي جمع كالكتبة. وفي حديث نزول المسيح: «وتقع الأمنة في الأرض»(٣) .

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة : 6] أي: منزله الذي فيه أمنه.

* وآمَنَ:

إنما يقال على وجهين:

- أحدهما متعديا بنفسه، يقال: آمنته، أي: جعلت له الأمن، ومنه قيل لله: مؤمن.

- والثاني: غير متعدّ، ومعناه: صار ذا أمن.

والإِيمان يستعمل تارة اسما للشريعة التي جاء بها محمّد عليه الصلاة والسلام، وعلى ذلك: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ [المائدة : 69] ، ويوصف به كلّ من دخل في شريعته مقرّا بالله وبنبوته. قيل: وعلى هذا قال تعالى: ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف : 106] .

وتارة يستعمل على سبيل المدح، ويراد به إذعان النفس للحق على سبيل التصديق، وذلك باجتماع ثلاثة أشياء: تحقيق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بحسب ذلك بالجوارح، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد : 19] .

ويقال لكلّ واحد من الاعتقاد والقول الصدق والعمل الصالح: إيمان. قال تعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾ [البقرة : 143] أي: صلاتكم، وجعل الحياء وإماطة الأذى من الإيمان(٤) .

قال تعالى: ﴿وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ﴾ [يوسف : 17] قيل: معناه: بمصدق لنا، إلا أنّ الإيمان هو التصديق الذي معه أمن، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء : 51] فذلك مذكور على سبيل الذم لهم، وأنه قد حصل لهم الأمن بما لا يقع به الأمن، إذ ليس من شأن القلب- ما لم يكن مطبوعا عليه- أن يطمئن إلى الباطل، وإنما ذلك كقوله: ﴿مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل : 106] ، وهذا كما يقال: إيمانه الكفر، وتحيته الضرب، ونحو ذلك.

وجعل النبيّ ﷺ أصل الإيمان ستة أشياء في خبر جبريل حيث سأله فقال: ما الإيمان؟ والخبر معروف(٥) .

ويقال: رجل أَمْنَةٌ وأَمَنَةٌ: يثق بكل أحد، وأَمِينٌ وأَمَانٌ يؤمن به. والأَمُون: الناقة يؤمن فتورها وعثورها.

(١) راجع الأقوال في هذه الآية في الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي 6/ 669.

(٢) الاصطلام: الاستئصال، واصطلم القوم: أبيدوا.

(٣) هذا جزء من حديث طويل وفيه: «ثمّ تقع الأمنة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، وتلعب الصبيان بالحيّات لا تضرّهم» . والحديث أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود برقم (4324) وابن جرير وابن حبان عن أبي هريرة، وقال ابن كثير بعد ذكر إسناده: وهذا إسناد جيد قوي. انظر: الدر المنثور 2/ 736، والفتن الملاحم لابن كثير 1/ 105.

(٤) كما قال عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه مسلم وغيره: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، وأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» .

(٥) وقد أخرجه البخاري ومسلم قال: «أن تؤمن بالله وحده وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد الموت والجنة والنار، وبالقدر خيره وشره» ، راجع البخاري 1/ 106، ومسلم (9) في الإيمان، وشرح السنة 1/ 9.

غيب

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

غيب

الغَيْبُ: مصدر غَابَتِ الشّمسُ وغيرها: إذا استترت عن العين، يقال: غَابَ عنّي كذا. قال تعالى: ﴿أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ﴾ [النمل : 20] ، واستعمل في كلّ غَائِبٍ عن الحاسّة، وعمّا يَغِيبُ عن علم الإنسان بمعنى الغَائِبِ، قال: ﴿وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل : 75] ، ويقال للشيء: غَيْبٌ وغَائِبٌ باعتباره بالناس لا بالله تعالى، فإنه لا يغيب عنه شيء، كما لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السّموات ولا في الأرض. وقوله: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ [الأنعام : 73] ، أي: ما يغيب عنكم وما تشهدونه، والْغَيْب في قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة : 3] ، ما لا يقع تحت الحواسّ ولا تقتضيه بداية العقول، وإنما يعلم بخبر الأنبياء عليهم السلام، وبدفعه يقع على الإنسان اسم الإلحاد، ومن قال: الغَيْبُ هو القرآن(١) ، ومن قال: هو القدر(٢) فإشارة منهم إلى بعض ما يقتضيه لفظه. وقال بعضهم(٣) : معناه يؤمنون إذا غَابُوا عنكم، وليسوا كالمنافقين الذين قيل فيهم: ﴿وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ﴾ [البقرة : 14] ، وعلى هذا قوله: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر : 18] ، ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ﴾ [ق : 33] ، ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النحل : 77] ، ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ [مريم : 78] ، ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً﴾ [الجن : 26] ، ﴿لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل : 65] ، ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ﴾ [آل عمران : 44] ، ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران : 179] ، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة : 109] ، ﴿إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [سبأ : 48] ، وأَغابَتِ المرأة: غاب زوجها. وقوله في صفة النّساء: ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء : 34] ، أي: لا يفعلن في غيبة الزّوج ما يكرهه الزّوج. والْغِيبَةُ: أن يذكر الإنسان غيره بما فيه من عيب من غير أن أحوج إلى ذكره، قال تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [الحجرات : 12] ، والغَيَابَةُ: منهبط من الأرض، ومنه: الغَابَةُ للأجمة، قال: ﴿فِي غَيابَتِ الْجُبِّ﴾ [يوسف : 10] ، ويقال: هم يشهدون أحيانا، ويَتَغَايَبُونَ أحيانا، وقوله: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ : 53] ، أي: من حيث لا يدركونه ببصرهم وبصيرتهم.

(١) وهو قول زرّ بن حبيش، حكاه عنه الماوردي. انظر: تفسير الماوردي 1/ 65.

(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 36، عن زيد بن أسلم، وفيه ضعف.

(٣) وهو أبو مسلم الأصفهاني، انظر تفسير الرازي 2/ 27.

قوم

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

قوم

يقال: قَامَ يَقُومُ قِياماً، فهو قَائِمٌ، وجمعه: قِيامٌ، وأَقَامَهُ غيره. وأَقَامَ بالمكان إِقَامَةً، والْقِيَامُ على أضرب: قيام بالشّخص، إمّا بتسخير أو اختيار، وقيام للشيء هو المراعاة للشيء والحفظ له، وقيام هو على العزم على الشيء، فمن القِيَامِ بالتّسخير قوله تعالى: ﴿مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود : 100] ، وقوله: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها﴾ [الحشر : 5] ، ومن القِيَامِ الذي هو بالاختيار قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً﴾ [الزمر : 9] . وقوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران : 191] ، وقوله: ﴿الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ﴾ [النساء : 34] ، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً﴾ [الفرقان : 64] . والقِيَامُ في الآيتين جمع قائم. ومن المراعاة للشيء قوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة : 8] ، ﴿قائِماً بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران : 18] ، وقوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد : 33] أي: حافظ لها. وقوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ [آل عمران : 113] ، وقوله: ﴿إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً﴾ [آل عمران : 75] أي: ثابتا على طلبه. ومن القِيَامِ الذي هو العزم قوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة : 6] ، وقوله: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [المائدة : 55] أي: يديمون فعلها ويحافظون عليها. والقِيَامُ والقِوَامُ: اسم لما يقوم به الشيء.

أي: يثبت، كالعماد والسّناد: لما يعمد ويسند به، كقوله: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً﴾ [النساء : 5] ، أي: جعلها ممّا يمسككم. وقوله: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ﴾ [المائدة : 97] أي: قِوَاما لهم يقوم به معاشهم ومعادهم.

قال الأصمّ: قائما لا ينسخ، وقرئ: قيما(١) بمعنى قياما، وليس قول من قال: جمع قيمة بشيء. ويقال: قَامَ كذا، وثبت، وركز بمعنى. وقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة : 125] ، وقَامَ فلان مَقَامَ فلان: إذا ناب عنه. قال: ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ﴾ [المائدة : 107] . وقوله: ﴿دِيناً قِيَماً﴾ [الأنعام : 161] ، أي: ثابتا مُقَوِّماً لأمور معاشهم ومعادهم. وقرئ: قيما(٢) مخفّفا من قيام. وقيل: هو وصف، نحو: قوم عدى، ومكان سوى، ولحم زيم(٣) ، وماء روى، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [يوسف : 40] ، وقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً﴾ [الكهف : 1-2] ، وقوله: ﴿وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة : 5] فَالْقَيِّمَةُ هاهنا اسم للأمّة القائمة بالقسط المشار إليهم بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران : 110] ، وقوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ﴾ [النساء : 135] ، يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ [البينة : 2-3] فقد أشار بقوله: صُحُفاً مُطَهَّرَةً إلى القرآن، وبقوله: ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة : 3] إلى ما فيه من معاني كتب الله تعالى، فإنّ القرآن مجمع ثمرة كتب الله تعالى المتقدّمة. وقوله: ﴿اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة : 255] أي: القائم الحافظ لكلّ شيء، والمعطى له ما به قِوَامُهُ، وذلك هو المعنى المذكور في قوله: ﴿الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه : 50] ، وفي قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد : 33] . وبناء قَيُّومٍ: فيعول، وقَيَّامٌ: فيعال. نحو: ديّون وديّان، والقِيامَةُ: عبارة عن قيام الساعة المذكور في قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [الروم : 12] ، ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [المطففين : 6] ، ﴿وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً﴾ [الكهف : 36] ، والْقِيَامَةُ أصلها ما يكون من الإنسان من القيام دُفْعَةً واحدة، أدخل فيها الهاء تنبيها على وقوعها دُفْعَة، والمَقامُ يكون مصدرا، واسم مكان القيام، وزمانه. نحو: ﴿إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي﴾ [يونس : 71] ، ﴿ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم : 14] ، ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن : 46] ، ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة : 125] ، ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ﴾ [آل عمران : 97] ، وقوله: ﴿وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان : 26] ، ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ﴾ [الدخان : 51] ، ﴿خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم : 73] ، وقال: ﴿وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات : 164] ، وقال: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ﴾ [النمل : 39] قال الأخفش: في قوله قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ [النمل : 39] : إنّ المَقَامَ المقعد، فهذا إن أراد أنّ المقام والمقعد بالذّات شيء واحد، وإنما يختلفان بنسبته إلى الفاعل كالصّعود والحدور فصحيح، وإن أراد أنّ معنى المقام معنى المقعد فذلك بعيد، فإنه يسمى المكان الواحد مرّة مقاما إذا اعتبر بقيامه، ومقعدا إذا اعتبر بقعوده، وقيل: المَقَامَةُ: الجماعة، قال الشاعر:

379- وفيهم مَقَامَاتٌ حسان وجوههم(٤) وإنما ذلك في الحقيقة اسم للمكان وإن جعل اسما لأصحابه. نحو قول الشاعر:

380- واستبّ بعدك يا كليب المجلس(٥)

فسمّى المستبّين المجلس. والاسْتِقَامَةُ يقال في الطريق الذي يكون على خطّ مستو، وبه شبّه طريق المحقّ. نحو: ﴿اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة : 6] ، ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً﴾ [الأنعام : 153] ، ﴿إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود : 56] . واسْتِقَامَةُ الإنسان: لزومه المنهج المستقيم. نحو قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت : 30] وقال: ﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود : 112] ، ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ [فصلت : 6] والْإِقَامَةُ في المكان: الثبات. وإِقَامَةُ الشيء: توفية حقّه، وقال: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة : 68] أي: توفّون حقوقهما بالعلم والعمل، وكذلك قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة : 66] ولم يأمر تعالى بالصلاة حيثما أمر، ولا مدح بها حيثما مدح إلّا بلفظ الإقامة، تنبيها أنّ المقصود منها توفية شرائطها لا الإتيان بهيئاتها، نحو: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة : 43] ، في غير موضع وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ [النساء : 162] .

وقوله: ﴿وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ [النساء : 142] فإنّ هذا من القيام لا من الإقامة، وأمّا قوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ [إبراهيم : 40] أي: وفّقني لتوفية شرائطها، وقوله: ﴿فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ [التوبة : 11] فقد قيل: عني به إقامتها بالإقرار بوجوبها لا بأدائها، والمُقَامُ يقال للمصدر، والمكان، والزّمان، والمفعول، لكن الوارد في القرآن هو المصدر نحو قوله: ﴿إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً﴾ [الفرقان : 66] ، والمُقَامةُ: الإقامة، قال: ﴿الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر : 35] نحو: ﴿دارُ الْخُلْدِ﴾ [فصلت : 28] ، و﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة : 72] وقوله: ﴿لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب : 13] ، من قام، أي: لا مستقرّ لكم، وقد قرئ: لا مُقامَ لَكُمْ(٦) من: أَقَامَ. ويعبّر بالإقامة عن الدوام. نحو: ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود : 39] ، وقرئ: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ(٧) [الدخان : 51] ، أي: في مكان تدوم إقامتهم فيه، وتَقْوِيمُ الشيء: تثقيفه، قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين : 4] وذلك إشارة إلى ما خصّ به الإنسان من بين الحيوان من العقل والفهم، وانتصاب القامة الدّالّة على استيلائه على كلّ ما في هذا العالم، وتَقْوِيمُ السّلعة: بيان قيمتها. والقَوْمُ: جماعة الرّجال في الأصل دون النّساء، ولذلك قال: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ الآية [الحجرات : 11] ، قال الشاعر:

381- أقوم آل حصن أم نساء(٨)

وفي عامّة القرآن أريدوا به والنّساء جميعا، وحقيقته للرّجال لما نبّه عليه قوله: ﴿الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ الآية [النساء : 34] .

(١) وهي قراءة ابن عامر. الإتحاف ص 203.

(٢) وهي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف. الإتحاف ص 220.

(٣) لحم زيم: متعضّل ليس بمجتمع في مكان فيبدن. اللسان (زيم) .

(٤) الشطر لزهير بن أبي سلمى، وعجزه: وأندية ينتابها القول والفعل

وهو في ديوانه ص 60 من قصيدة مطلعها: صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو ... وأقضر من سلمى التعانيق فالثقل

(٥) هذا عجز بيت لمهلهل بن ربيعة من أبيات يرثي بها أخاه.

وصدره: نبّئت أنّ النار بعدك أوقدت

وهو في ديوانه ص 280.

(٦) وهي قراءة حفص وحده، والباقون بفتح الميم. الإتحاف ص 353.

(٧) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب.

(٨) عجز بيت لزهير، وصدره: وما أدري وسوف إخال أدري

وهو من قصيدة مطلعها: عفا من آل فاطمة الجواء ... فيمن فالقوادم فالحساء

وهو في ديوانه ص 12، والل سان (قوم) .

صلا

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

صلا

أصل الصَّلْيُ الإيقادُ بالنار، ويقال: صَلِيَ بالنار وبكذا، أي: بلي بها، واصْطَلَى بها، وصَلَيْتُ الشاةَ: شويتها، وهي مَصْلِيَّةٌ. قال تعالى: ﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ﴾ [يس : 64] ، وقال: ﴿يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى﴾ [الأعلى : 12] ، ﴿تَصْلى ناراً حامِيَةً﴾ [الغاشية : 4] ، ﴿وَيَصْلى سَعِيراً﴾ [الانشقاق : 12] ، ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء : 10] ، قرئ: سَيَصْلَوْنَ(١) بضمّ الياء وفتحها، ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها﴾ [المجادلة : 8] ، ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر : 26] ، ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة : 94] ، وقوله: ﴿لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل : 15-16] ، فقد قيل: معناه لا يَصْطَلِي بها إلّا الأشقى الذي. قال الخليل: صَلِيَ الكافرُ النار: قاسى حرّها(٢) ، ﴿يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [المجادلة : 8] ، وقيل: صَلَى النارَ: دخل فيها، وأَصْلَاهَا غيرَهُ، قال: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً﴾ [النساء : 30] ، ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا﴾ [مريم : 70] ، قيل: جمع صَالٍ، والصَّلَاءُ يقال للوقود وللشّواء. والصَّلاةُ، قال كثير من أهل اللّغة: هي الدّعاء، والتّبريك والتّمجيد(٣) ، يقال: صَلَّيْتُ عليه، أي: دعوت له وزكّيت، وقال عليه السلام: «إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، وإن كان صائما فَلْيُصَلِّ»(٤) أي: ليدع لأهله، ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة : 103] ، ﴿يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب : 56] ، ﴿وَصَلَواتِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة : 99] ، وصَلَاةُ اللهِ للمسلمين هو في التّحقيق: تزكيته إيّاهم. وقال: ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة : 157] ، ومن الملائكة هي الدّعاء والاستغفار، كما هي من النّاس(٥) . قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ﴾ [الأحزاب : 56] ، والصَّلَاةُ التي هي العبادة المخصوصة، أصلها: الدّعاء، وسمّيت هذه العبادة بها كتسمية الشيء باسم بعض ما يتضمّنه، والصَّلَاةُ من العبادات التي لم تنفكّ شريعة منها، وإن اختلفت صورها بحسب شرع فشرع. ولذلك قال: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً﴾ [النساء : 103] ، وقال بعضهم: أصلُ الصَّلَاةِ من الصَّلَى(٦) ، قال: ومعنى صَلَّى الرّجلُ، أي: أنه ذاد وأزال عن نفسه بهذه العبادة الصَّلَى الذي هو نار الله الموقدة. وبناء صَلَّى كبناء مَرَّضَ لإزالة المرض، ويسمّى موضع العبادة الصَّلَاةَ، ولذلك سمّيت الكنائس صَلَوَاتٌ، كقوله: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ﴾ [الحج : 40] ، وكلّ موضع مدح الله تعالى بفعل الصَّلَاةِ أو حثّ عليه ذكر بلفظ الإقامة، نحو: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ [النساء : 162] ، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة : 43] ، ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة : 277] ، ولم يقل: المُصَلِّينَ إلّا في المنافقين، نحو قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون : 4-5] ، ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى﴾ [التوبة : 54] ، وإنما خصّ لفظ الإقامة تنبيها أنّ المقصود من فعلها توفية حقوقها وشرائطها، لا الإتيان بهيئتها فقط، ولهذا روي (أنّ المُصَلِّينَ كثير والمقيمين لها قليل)(٧) ، وقوله تعالى: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر : 43] ، أي: من أتباع النّبيّين، وقوله: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى﴾ [القيامة : 31] ، تنبيها أنه لم يكن ممّن يُصَلِّي، أي يأتي بهيئتها فضلا عمّن يقيمها. وقوله: ﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال : 35] ، فتسمية صَلَاتِهِمْ مكاء وتصدية تنبيه على إبطال صلاتهم، وأنّ فعلهم ذلك لا اعتداد به، بل هم في ذلك كطيور تمكو وتصدي، وفائدة تكرار الصلاة في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون : 1-2] إلى آخر القصّة حيث قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المؤمنون : 9] ، فإنّا نذكره فيما بعد هذا الكتاب إن شاء الله(٨) .

(١) وهي قراءة ابن عامر وشعبة. انظر: الإتحاف ص 186.

(٢) انظر: العين 7/ 154.

(٣) ونقل هذا السخاوي في القول البديع ص 11، وهو قول الخازرنجي صاحب تكملة العين. انظر تفسير الرازي 2/ 29.

(٤) الحديث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطرا فليأكل، وإن كان صائما فليصلّ» أخرجه مسلم في النكاح، باب الأمر بإجابة الداعي برقم (1431) ، وأحمد في المسند 3/ 392، وانظر: شرح السنة 6/ 375.

(٥) قال السخاوي: نقل الترمذي عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم قالوا: صلاة الربّ الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار، وقيل: صلاة الملائكة الدعاء. انظر: القول البديع ص 10.

- وردّ هذا القول ابن القيم في جلاء الأفهام ص 81.

(٦) صلاء النار: حرّها.

(٧) ومثله قول عمر رضي الله عنه: الموسم كثير، والحج قليل، ذكره المؤلف في مقدمة تفسيره ص 157.

(٨) قال البقاعي: ولمّا كانت الصلاة من أجلّ ما عهد فيه من أمر الدين وآكده، وهي من الأمور الخفية التي وقع الائتمان عليها، لما خفف الله فيها على هذه الأمة بإيساع زمانها ومكانها قال: وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ التي وصفوا بالخشوع فيها يُحافِظُونَ أي: يجدّدون تعهدها بغاية جهدهم، لا يتركون شيئا من مفروضاتها ولا مسنوناتها، ويجتهدون في كمالاتها. ا. هـ. نظم الدرر: 13/ 109.

رزق

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

رزق

الرِّزْقُ يقال للعطاء الجاري تارة، دنيويّا كان أم أخرويّا، وللنّصيب تارة، ولما يصل إلى الجوف ويتغذّى به تارة(١) ، يقال: أعطى السّلطان رِزْقَ الجند، ورُزِقْتُ علما، قال: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المنافقون : 10] ، أي: من المال والجاه والعلم، وكذلك قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة : 3] ، ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة : 172] ، وقوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة : 82] ، أي: وتجعلون نصيبكم من النّعمة تحرّي الكذب.

وقوله: ﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات : 22] ، قيل: عني به المطر الذي به حياة الحيوان(٢) . وقيل: هو كقوله: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ [المؤمنون : 18] ، وقيل: تنبيه أنّ الحظوظ بالمقادير، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف : 19] ، أي: بطعام يتغذّى به. وقوله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقاً لِلْعِبادِ﴾ [ق : 10-11] ، قيل: عني به الأغذية، ويمكن أن يحمل على العموم فيما يؤكل ويلبس ويستعمل، وكلّ ذلك ممّا يخرج من الأرضين، وقد قيّضه الله بما ينزّله من السماء من الماء، وقال في العطاء الأخرويّ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران : 169] ، أي: يفيض الله عليهم النّعم الأخروية، وكذلك قوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم : 62] ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ﴾ [الذاريات : 58] ، فهذا محمول على العموم.

والرَّازِقُ يقال لخالق الرّزق، ومعطيه، والمسبّب له، وهو الله تعالى(٣) ، ويقال ذلك للإنسان الذي يصير سببا في وصول الرّزق. والرَّزَّاقُ لا يقال إلّا لله تعالى، وقوله: ﴿وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ [الحجر : 20] ، أي: بسبب في رزقه، ولا مدخل لكم فيه، وقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل : 73] ، أي: ليسوا بسبب في رزق بوجه من الوجوه، وسبب من الأسباب. ويقال: ارْتَزَقَ الجند: أخذوا أرزاقهم، والرَّزْقَةُ: ما يعطونه دُفْعة واحدة.

(١) وردّه الرازي في تفسيره 2/ 30.

(٢) وهو قول الضحاك، انظر: الدر المنثور 7/ 619.

(٣) انظر: الأسماء والصفات ص 86.

نفق

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

نفق

نَفَقَ الشَّيْءُ: مَضَى ونَفِدَ، يَنْفُقُ، إِمَّا بالبيع نحو: نَفَقَ البَيْعُ نَفَاقاً، ومنه: نَفَاقُ الأَيِّم، ونَفَقَ القَوْمُ: إذا نَفَقَ سُوقُهُمْ، وإمّا بالمَوْتِ نحو: نَفَقَتِ الدَّابَّةُ نُفُوقاً، وإمّا بالفَنَاءِ نحو: نَفِقَتِ الدَّرَاهِمُ تُنْفَقُ وأَنْفَقْتُهَا. والإِنْفَاقُ قد يكون في المَالِ، وفي غَيْرِهِ، وقد يكون واجباً وتطوُّعاً، قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة : 195] ، و﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة : 254] وقال: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران : 92] ، ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ : 39] ، ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ﴾ [الحديد : 10] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ﴾ [الإسراء : 100] أي: خَشْيَةَ الإِقْتَارِ، يقال: أَنْفَقَ فلانٌ: إذا نَفِقَ مالُهُ فافْتَقَرَ، فالإِنْفَاقُ هاهنا كالإِمْلَاقِ في قوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء : 31] والنَّفَقَةُ اسمٌ لما يُنْفَقُ، قال: ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ [البقرة : 270] ، ﴿وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً﴾ [التوبة : 121] ، والنَّفَقُ: الطريقُ النَّافِذُ، والسَّرَبُ في الأَرْض النَّافِذُ فيه.

قال: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام : 35] ومنه: نَافِقَاءُ اليَرْبُوعِ، وقد نَافَقَ اليَرْبُوعُ، ونَفَقَ، ومنه: النِّفَاقُ، وهو الدّخولُ في الشَّرْعِ من بابٍ والخروجُ عنه من بابٍ، وعلى ذلك نبَّه بقوله: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ [التوبة : 67] أي: الخارجون من الشَّرْعِ، وجعل اللَّهُ المنافقين شرّاً من الكافرين.

فقال: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء : 145] ونَيْفَقُ السَّرَاوِيلِ معروفٌ(١) .

(١) نيفق السراويل هو الموضع المتسع منه. وهو فارسي معرّب. اللسان (نفق) .