تفسير قول الله تعالى: (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ۖ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). سورة البقرة، الآية: ٢٠
التحرير والتنوير - ابن عاشور
التحرير والتنوير - ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ﴾
عَطْفٌ عَلى التَّمْثِيلِ السّابِقِ وهو قَوْلُهُ ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] أُعِيدَ تَشْبِيهُ حالِهِمْ بِتَمْثِيلٍ آخَرَ وبِمُراعاةِ أوْصافٍ أُخْرى فَهو تَمْثِيلٌ لِحالِ المُنافِقِينَ المُخْتَلِطَةِ بَيْنَ جَواذِبَ ودَوافِعَ - حِينَ يُجاذِبُ نُفُوسَهم جاذِبُ الخَيْرِ عِنْدَ سَماعِ مَواعِظِ القُرْآنِ وإرْشادِهِ، وجاذِبُ الشَّرِّ مِن أعْراقِ النُّفُوسِ والسُّخْرِيَةِ بِالمُسْلِمِينَ - بِحالِ صَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ اخْتَلَطَتْ فِيهِ غُيُوثٌ وأنْوارٌ ومُزْعِجاتٌ وأكْدارٌ، جاءَ عَلى طَرِيقَةِ بُلَغاءِ العَرَبِ في التَّفَنُّنِ في التَّشْبِيهِ وهم يَتَنافَسُونَ فِيهِ لاسِيَّما التَّمْثِيلِيُّ مِنهُ وهي طَرِيقَةٌ تَدُلُّ عَلى تَمَكُّنِ الواصِفِ مِنَ التَّوْصِيفِ والتَّوَسُّعِ فِيهِ.
وقَدِ اسْتَقْرَيْتُ مِنِ اسْتِعْمالِهِمْ فَرَأيْتُهم قَدْ يَسْلُكُونَ طَرِيقَةَ عَطْفِ تَشْبِيهٍ عَلى تَشْبِيهٍ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ في مُعَلَّقَتِهِ:
أصاحِ تَرى بَرْقًا أُرِيكَ ومِيضَهُ كَلَمْعِ اليَدَيْنِ في حَبِيٍّ مُكَلَّلِ
يُضِيءُ سَناهُ أوْ مَصابِيحِ راهِبٍ ∗∗∗ أمالَ السَّلِيطُ بِالذُّبالِ المُفَتَّلِ
وقَوْلِ لَبِيدٍ في مُعَلَّقَتِهِ يَصِفُ راحِلَتَهُ:
فَلَها هِبابٌ في الزِّمامِ كَأنَّها ∗∗∗ صَهْباءُ خَفَّ مَعَ الجَنُوبِ جِهامُها
أوْ مُلْمِعٍ وسَقَتْ لِأحْقَبَ لاحَهُ ∗∗∗ طَرْدُ الفُحُولِ وضَرْبُها وكِدامُها
وكَثُرَ أنْ يَكُونَ العَطْفُ في نَحْوِهِ بَأوْ دُونَ الواوِ، وأوْ مَوْضُوعَةٌ لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ أوِ الأشْياءِ فَيَتَوَلَّدُ مِنها مَعْنى التَّسْوِيَةِ، ورُبَّما سَلَكُوا في إعادَةِ التَّشْبِيهِ مَسْلَكَ الِاسْتِفْهامِ بِالهَمْزَةِ أيْ لِتَخْتارَ التَّشْبِيهَ بِهَذا أمْ بِذَلِكَ، وذَلِكَ كَقَوْلِ لَبِيدٍ عَقِبَ البَيْتَيْنِ السّابِقِ ذِكْرُهُما:
أفَتِلْكَ أمْ وحْشِيَّةٌ مَسْبُوعَةٌ ∗∗∗ خَذَلَتْ وهادِيَةُ الصِّوارِ قِوامُها
وقالَ ذُو الرُّمَّةِ في تَشْبِيهِ سَيْرِ ناقَتِهِ الحَثِيثِ:
وثْبَ المُسَحَّجُ مِن عاناتِ مُعَقُلَةٍ ∗∗∗ كَأنَّهُ مُسْتَبانُ الشَّكِّ أوْ جَنِبُ
ثُمَّ قالَ:
أذاكَ أمْ نَمِشٌ بِالوَشْيِ أكْرُعُهُ ∗∗∗ مُسَفَّعُ الخَدِّ غادٍ ناشِعٌ شَبَبُ
ثُمَّ قالَ:
أذاكَ أمْ خاضِبٌ بِالسِّيِّ مَرْتَعُهُ ∗∗∗ أبُو ثَلاثِينَ أمْسى وهْوَ مُنْقَلِبُ
ورُبَّما عَطَفُوا بِالواوِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] الآيَةَ ثُمَّ قالَ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [النحل: ٧٦] الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩] ﴿ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ﴾ [فاطر: ٢٠] ﴿ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ﴾ [فاطر: ٢١] الآيَةَ. بَلْ ورُبَّما جَمَعُوا بِلا عَطْفٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٥] وهَذِهِ تَفَنُّناتٌ جَمِيلَةٌ في الكَلامِ البَلِيغِ، فَما ظَنُّكَ بِها إذا وقَعَتْ في التَّشْبِيهِ التَّمْثِيلِيِّ، فَإنَّهُ لِعِزَّتِهِ مُفْرَدًا تَعِزُّ اسْتِطاعَةُ تَكْرِيرِهِ.
وأوْ عَطَفَتْ لَفْظَ صَيِّبٍ عَلى الَّذِي اسْتَوْقَدَ بِتَقْدِيرِ ”مَثَلِ“ بَيْنِ الكافِ وصَيِّبٍ. وإعادَةُ حَرْفِ التَّشْبِيهِ مَعَ حَرْفِ العَطْفِ المُغْنِي عَنْ إعادَةِ العامِلِ، وهَذا التَّكْرِيرُ مُسْتَعْمَلٌ في كَلامِهِمْ وحُسْنُهُ هُنا أنَّ فِيهِ إشارَةً إلى اخْتِلافِ الحالَيْنِ المُشَبَّهَيْنِ كَما سَنُبَيِّنُهُ، وهم في الغالِبِ لا يُكَرِّرُونَهُ في العَطْفِ.
والتَّمْثِيلُ هُنا لِحالِ المُنافِقِينَ حِينَ حُضُورِهِمْ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وسَماعِهِمُ القُرْآنَ وما فِيهِ مِن آيِ الوَعِيدِ لِأمْثالِهِمْ وآيِ البِشارَةِ، فالغَرَضُ مِن هَذا التَّمْثِيلِ تَمْثِيلُ حالَةٍ مُغايِرَةٍ لِلْحالَةِ الَّتِي مُثِّلَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ [البقرة: ١٧] بِنَوْعِ إطْلاقٍ وتَقْيِيدٍ.
فَقَوْلُهُ ﴿أوْ كَصَيِّبٍ﴾ تَقْدِيرُهُ أوْ كَفَرِيقٍ ذِي صَيْبٍ أيْ كَقَوْمٍ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ [البقرة: ١٧] دَلَّ عَلى تَقْدِيرِ قَوْمٍ قَوْلُهُ ﴿يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ وقَوْلُهُ ﴿يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾ الآيَةَ. لِأنَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ عَوْدُهُ إلى المُنافِقِينَ فَلا يَجِيءُ فِيهِ ما جازَ في قَوْلِهِ ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] إلَخْ. فَشُبِّهَتْ حالُ المُنافِقِينَ بِحالِ قَوْمٍ سائِرِينَ في لَيْلٍ بِأرْضِ قَوْمٍ أصابَها الغَيْثُ وكانَ أهْلُها كانِّينَ في مَساكِنِهِمْ كَما عُلِمَ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ ﴿كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ﴾ فَذَلِكَ الغَيْثُ نَفَعَ أهْلَ الأرْضِ ولَمْ يُصِبْهم مِمّا اتَّصَلَ بِهِ مِنَ الرَّعْدِ والصَّواعِقِ ضُرٌّ ولَمْ يَنْفَعِ المارِّينَ بِها وأضَرَّ بِهِمْ ما اتَّصَلَ بِهِ مِنَ الظُّلُماتِ والرَّعْدِ والبَرْقِ، فالصَّيِّبُ مُسْتَعارٌ لِلْقُرْآنِ وهُدى الإسْلامِ وتَشْبِيهُهُ بِالغَيْثِ وارِدٌ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدى كَمَثَلِ الغَيْثِ أصابَ أرْضًا فَكانَ مِنها نَقِيَّةٌ» إلَخْ. وفي القُرْآنِ ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠] ولا تَجِدُ حالَةً صالِحَةً لِتَمْثِيلِ هَيْئَةِ اخْتِلاطِ نَفْعٍ وضُرٍّ مِثْلَ حالَةِ المَطَرِ والسَّحابِ وهو مِن بَدِيعِ التَّمْثِيلِ القُرْآنِيِّ، ومِنهُ أخَذَ أبُو الطَّيِّبِ قَوْلَهُ:
فَتًى كالسَّحابِ الجَوْنِ يُرْجى ويُتَّقى ∗∗∗ يَرَجّى الحَيا مِنهُ وتُخْشى الصَّواعِقُ
والظُّلُماتُ مُسْتَعارٌ لِما يَعْتَرِي الكافِرِينَ مِنَ الوَحْشَةِ عِنْدَ سَماعِهِ كَما تَعْتَرِي السّائِرَ في اللَّيْلِ وحْشَةُ الغَيْمِ لِأنَّهُ يَحْجُبُ عَنْهُ ضَوْءَ النُّجُومِ والقَمَرِ.
والرَّعْدُ لِقَوارِعِ القُرْآنِ وزَواجِرِهِ. والبَرْقُ لِظُهُورِ أنْوارِ هَدْيِهِ مِن خِلالِ الزَّواجِرِ، فَظَهَرَ أنَّ هَذا المُرَكَّبَ التَّمْثِيلِيَّ صالِحٌ لِاعْتِباراتِ تَفْرِيقِ التَّشْبِيهِ وهو أعْلى التَّمْثِيلِ.
والصَّيِّبُ فَيْعَلٌ مِن صابَ يُصُوبُ صَوْبًا إذا نَزَلَ بِشِدَّةٍ، قالَ المَرْزُوقِيُّ إنَّ ياءَهُ لِلنَّقْلِ مِنَ المَصْدَرِيَّةِ إلى الإسْمِيَّةِ فَهو وصْفٌ لِلْمَطَرِ بِشِدَّةِ الظُّلْمَةِ الحاصِلَةِ مِن كَثافَةِ السَّحابِ ومِن ظَلامِ اللَّيْلِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ لَيْسَ بِقَيْدٍ لِلصَّيِّبِ وإنَّما هو وصْفٌ كاشِفٌ جِيءَ بِهِ لِزِيادَةِ اسْتِحْضارِ صُورَةِ الصَّيِّبِ في هَذا التَّمْثِيلِ إذِ المَقامُ مَقامُ إطْنابٍ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِن عَلِ
إذْ قَدْ عَلِمَ السّامِعُ أنَّ السَّيْلَ لا يَحُطُّ جُلْمُودَ صَخْرٍ إلّا مِن أعْلى ولَكِنَّهُ أرادَ التَّصْوِيرَ، وكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقَوْلِهِ ﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧١] وقالَ تَعالى ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] والسَّماءُ تُطْلَقُ عَلى الجَوِّ المُرْتَفِعِ فَوْقَنا الَّذِي نَخالُهُ قُبَّةً زَرْقاءَ، وعَلى الهَواءِ المُرْتَفِعِ قالَ تَعالى ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤] وتُطْلَقُ عَلى السَّحابِ، وتُطْلَقُ عَلى المَطَرِ نَفْسِهِ، فَفي الحَدِيثِ: خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إثْرَ سَماءٍ إلَخْ، ولَمّا كانَ تَكَوُّنُ المَطَرِ مِنَ الطَّبَقَةِ الزَّمْهَرِيرِيَّةِ المُرْتَفِعَةِ في الجَوِّ جُعِلَ ابْتِداؤُهُ مِنَ السَّماءِ وتَكَرَّرَ ذَلِكَ في القُرْآنِ.
ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ تَقْيِيدًا لِلصَّيِّبِ إمّا بِمَعْنى: مِن جَمِيعِ أقْطارِ الجَوِّ إذا قُلْنا: إنَّ التَّعْرِيفَ في السَّماءِ لِلِاسْتِغْراقِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ في الكَشّافِ عَلى بُعْدٍ فِيهِ إذْ لَمْ يُعْهَدُ دُخُولُ لامِ الِاسْتِغْراقِ إلّا عَلى اسْمٍ كُلِّيٍّ ذِي أفْرادٍ دُونَ اسْمِ كُلٍّ ذِي أجْزاءٍ فَيَحْتاجُ لِتَنْزِيلِ الأجْزاءِ مَنزِلَةَ أفْرادِ الجِنْسِ - ولا يُعْرَفُ لَهُ نَظِيرٌ في الِاسْتِعْمالِ - فالَّذِي يَظْهَرُ لِي - إنْ جَعَلْنا قَوْلَهُ ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ قَيْدًا لِلصَّيِّبِ - أنَّ المُرادَ مِنَ السَّماءِ أعْلى الِارْتِفاعِ، والمَطَرُ إذا كانَ مِن سَمْتٍ مُقابِلٍ وكانَ عالِيًا كانَ أدْوَمَ، بِخِلافِ الَّذِي يَكُونُ مِن جَوانِبِ الجَوِّ ويَكُونُ قَرِيبًا مِنَ الأرْضِ غَيْرَ مُرْتَفِعٍ.
وضَمِيرُ ”فِيهِ“ عائِدٌ إلى صَيِّبٍ، والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ بِمَعْنى مَعَهُ، والظُّلُماتُ مَضى القَوْلُ فِيهِ آنِفًا، والمُرادُ بِالظُّلُماتِ ظَلامُ اللَّيْلِ أيْ كَسَحابٍ في لَوْنِهِ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وسَحابَةُ اللَّيْلِ أشَدُّ مَطَرًا وبَرْقًا وتُسَمّى سارِيَةً. والرَّعْدُ أصْواتٌ تَنْشَأُ في السَّحابِ.
والبَرْقُ لامِعٌ نارِيٌّ مُضِيءٌ يَظْهَرُ في السَّحابِ، والرَّعْدُ والبَرْقُ يَنْشَآنِ في السَّحابِ مِن أثَرٍ كَهْرَبائِيٍّ يَكُونُ في السَّحابِ، فَإذا تَكاثَفَتْ سَحابَتانِ في الجَوِّ إحْداهُما كَهْرَباؤُها أقْوى مِن كَهْرَباءِ الأُخْرى وتَحاكَّتا جَذَبَتِ الأقْوى مِنهُما الأضْعَفَ فَحَدَثَ بِذَلِكَ انْشِقاقٌ في الهَواءِ بِشِدَّةٍ وسُرْعَةٍ فَحَدَثَ صَوْتٌ قَوِيٌّ هو المُسَمّى الرَّعْدَ، وهو فَرْقَعَةٌ هَوائِيَّةٌ مِن فِعْلِ الكَهْرَباءِ، ويَحْصُلُ عِنْدَ ذَلِكَ التِقاءُ الكَهْرَباءَيْنِ، وذَلِكَ يُسَبِّبُ انْقِداحَ البَرْقِ.
وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ الصَّيِّبَ تَشْبِيهٌ لِلْقُرْآنِ وأنَّ الظُّلُماتِ والرَّعْدَ والبَرْقَ تَشْبِيهٌ لِنَوازِعِ الوَعِيدِ بِأنَّها تَسُرُّ أقْوامًا وهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالغَيْثِ وتَسُوءُ المُسافِرِينَ غَيْرَ أهْلِ تِلْكَ الدّارِ، فَكَذَلِكَ الآياتُ تَسُرُّ المُؤْمِنِينَ إذْ يَجِدُونَ أنْفُسَهم ناجِينَ مِن أنْ تَحِقَّ عَلَيْهِمْ، وتَسُوءُ المُنافِقِينَ إذْ يَجِدُونَها مُنْطَبِقَةً عَلى أحْوالِهِمْ.
* * *
﴿يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ المَوْتِ واللَّهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ﴾ ﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهم كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
الأظْهَرُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ يَجْعَلُونَ حالًا اتَّضَحَ بِها المَقْصُودُ مِنَ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها؛ لِأنَّها كانَتْ مُجْمَلَةً، وأمّا جُمْلَةُ ﴿يَكادُ البَرْقُ﴾ فَيَجُوزُ كَوْنُها حالًا مِن ضَمِيرِ ”يَجْعَلُونَ“ لِأنَّ بِها كَمالَ إيضاحِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها، ويَجُوزُ كَوْنُها اسْتِئْنافًا لِبَيانِ حالِ الفَرِيقِ عِنْدَ البَرْقِ نَشَأ عَنْ بَيانِ حالِهِمْ عِنْدَ الرَّعْدِ. وجُمْلَةُ ﴿كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ﴾ حالٌ مِنَ البَرْقِ أوْ مِن ضَمِيرِ أبْصارِهِمْ لا غَيْرَ، وفي هَذا تَشْبِيهٌ لِجَزَعِ المُنافِقِينَ مِن آياتِ الوَعِيدِ بِما يَعْتَرِي القائِمَ تَحْتَ السَّماءِ حِينَ الرَّعْدِ والبَرْقِ والظُّلُماتِ فَهو يَخْشى اسْتِكاكَ سَمْعِهِ ويَخْشى الصَّواعِقَ حَذَرَ المَوْتِ ويُعَشِّيهِ البَرْقُ حِينَ يَلْمَعُ بِإضاءَةٍ شَدِيدَةٍ ويُعَمِّي عَلَيْهِ الطَّرِيقَ بَعْدَ انْقِطاعِ لَمَعانِهِ. وقَوْلُهُ ﴿كُلَّما أضاءَ لَهُمْ﴾ تَمْثِيلٌ لِحالِ حَيْرَةِ المُنافِقِينَ بِحالِ حَيْرَةِ السّائِرِينَ في اللَّيْلِ المُظْلِمِ المُرْعِدِ المُبْرِقِ.
وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ﴾ اعْتِراضٌ لِلتَّذْكِيرِ بِأنَّ المَقْصُودَ التَّمْثِيلُ لِحالِ المُنافِقِينَ في كُفْرِهِمْ لا لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ في التَّمْثِيلِ. وقَوْلُهُ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ رُجُوعٌ إلى وعِيدِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ هُمُ المَقْصُودُ مِنَ التَّمْثِيلِ، فالضَّمائِرُ الَّتِي في جُمْلَةِ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ راجِعَةٌ إلى أصْلِ الكَلامِ، وتَوْزِيعُ الضَّمائِرِ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ.
فَعَبَّرَ عَنْ زَواجِرِ القُرْآنِ بِالصَّواعِقِ وعَنِ انْحِطاطِ قُلُوبِ المُنافِقِينَ وهي البَصائِرُ عَنْ قَرارِ نُورِ الإيمانِ فِيها بِخَطْفِ البَرْقِ لِلْأبْصارِ، وإلى نَحْوٍ مِن هَذا يُشِيرُ كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ نَقْلًا عَنْ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وهو مَجازٌ شائِعٌ، يُقالُ: فُلانٌ يَرْعُدُ ويَبْرُقُ، عَلى أنَّ بِناءَهُ هُنا عَلى المَجازِ السّابِقِ يَزِيدُهُ قَبُولًا، وعَبَّرَ عَمّا يَحْصُلُ لِلْمُنافِقِينَ مِنَ الشَّكِّ في صِحَّةِ اعْتِقادِهِمْ بِمَشْيِ السّارِي في ظُلْمَةٍ إذا أضاءَ لَهُ البَرْقُ، وعَنْ إقْلاعِهِمْ عَنْ ذَلِكَ الشَّكِّ حِينَ رُجُوعِهِمْ إلى كُفْرِهِمْ بِوُقُوفِ الماشِي عِنْدَ انْقِطاعِ البَرْقِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ، وخَلَّلَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِتَهْدِيدٍ لا يُناسِبُ إلّا المُشَبَّهِينَ وهو ما أفادَهُ الِاعْتِراضُ بِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ﴾ وقَوْلِهِ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ فَجاءَ بِهَذِهِ الجُمَلِ الحالِيَّةِ والمُسْتَأْنَفَةِ تَنْبِيهًا عَلى وجْهِ الشَّبَهِ وتَقْرِيرًا لِقُوَّةِ مُشابَهَةِ الزَّواجِرِ وآياتِ الهُدى والإيمانِ بِالرَّعْدِ والبَرْقِ في حُصُولِ أثَرَيِ النَّفْعِ والضُّرِّ عَنْهُما مَعَ تَفَنُّنٍ في البَلاغَةِ وطَرائِقِ الحَقِيقَةِ والمَجازِ.
وجَعَلَ في الكَشّافِ الجُمَلَ الثَّلاثَ مُسْتَأْنَفًا بَعْضَها عَنْ بَعْضٍ بِأنْ تَكُونَ الأُولى اسْتِئْنافًا عَنْ جُمْلَةِ ﴿أوْ كَصَيِّبٍ﴾ والثّانِيَةُ وهي ﴿يَكادُ البَرْقُ﴾ مُسْتَأْنَفَةً عَنْ جُمْلَةِ (يَجْعَلُونَ) لِأنَّ الصَّواعِقَ تَسْتَلْزِمُ البَرْقَ، والثّالِثَةُ وهي ﴿كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا﴾ مُسْتَأْنَفَةً عَنْ قَوْلِهِ ﴿يَكادُ البَرْقُ﴾ والمَعْنى عَلَيْهِ ضَعِيفٌ وهو في بَعْضِها أضْعَفُ مِنهُ في بَعْضٍ كَما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا.
والجَعْلُ والأصابِعُ مُسْتَعْمَلانِ في حَقِيقَتِهِما عَلى قَوْلِ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ لِأنَّ الجَعْلَ هو هُنا بِمَعْنى النَّوْطِ، والظَّرْفِيَّةُ لا تَقْتَضِي الإحاطَةَ فَجَعْلُ بَعْضِ الإصْبَعِ في الأُذُنِ هو جَعْلٌ لِلْإصْبَعِ، فَتَمَثُّلُ بَعْضِ عُلَماءِ البَيانِ بِهَذِهِ الآيَةِ لِلْمَجازِ الَّذِي عَلاقَتُهُ الجُزْئِيَّةُ تَسامُحٌ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهُ صاحِبُ الكَشّافِ بِقَوْلِهِ: هَذا مِنَ الِاتِّساعاتِ في اللُّغَةِ الَّتِي لا يَكادُ الحاصِرُ يَحْصُرُها كَقَوْلِهِ ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ [المائدة: ٣٨] ومِنهُ قَوْلُكَ مَسَحْتُ بِالمِندِيلِ، ودَخَلْتُ البَلَدَ، وقِيلَ: ذَلِكَ مَجازٌ في الأصابِعِ، وقِيلَ: مَجازٌ في الجَعْلِ: ولِمَن شاءَ أنْ يَجْعَلَهُ مَجازًا في الظَّرْفِيَّةِ فَتَكُونُ تَبَعِيَّةً لِكَلِمَةِ ”في“ . و(مِن) في قَوْلِهِ ﴿مِنَ الصَّواعِقِ﴾ لِلتَّعْلِيلِ أيْ لِأجْلِ الصَّواعِقِ إذِ الصَّواعِقُ هي عِلَّةُ جَعْلِ الأصابِعِ في الآذانِ ولا ضَيْرَ في كَوْنِ الجَعْلِ لِاتِّقائِها حَتّى يُقالَ يَلْزَمُ تَقْدِيرُ مُضافٍ نَحْوَ تَرْكٍ واتِّقاءٍ إذْ لا داعِيَ إلَيْهِ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهم: ”سَقاهُ مِنَ العَيْمَةِ“ بِفَتْحِ العَيْنِ وسُكُونِ الياءِ وهي شَهْوَةُ اللَّبَنِ لِأنَّ العَيْمَةَ سَبَبُ السَّقْيِ والمَقْصُودُ زَوالُها إذِ المَفْعُولُ لِأجْلِهِ هو الباعِثُ وُجُودُهُ عَلى الفِعْلِ سَواءً كانَ مَعَ ذَلِكَ غايَةً لِلْفِعْلِ وهو الغالِبُ أمْ لَمْ يَكُنْ كَما هُنا.
والصَّواعِقُ جَمْعُ صاعِقَةٍ وهي نارٌ تَنْدَفِعُ مِن كَهْرَبائِيَّةِ الأسْحِبَةِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. وقَوْلُهُ ﴿حَذَرَ المَوْتِ﴾ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ وهو هُنا عِلَّةٌ وغايَةٌ مَعًا.
ومِن بَدِيعِ هَذا التَّمْثِيلِ أنَّهُ مَعَ ما احْتَوى عَلَيْهِ مِن مَجْمُوعِ الهَيْئَةِ المُرَكَّبَةِ المُشَبَّهِ بِها حالُ المُنافِقِينَ حِينَ مُنازَعَةِ الجَواذِبِ لِنُفُوسِهِمْ مِن جَواذِبِ الِاهْتِداءِ وتَرْقُبِها ما يُفاضُ عَلى نُفُوسِهِمْ مِن قَبُولِ دَعْوَةِ النَّبِيءِ وإرْشادِهِ مَعَ جَواذِبِ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ وذَبِّهِمْ عَنْ أنْفُسِهِمْ أنْ يَعْلَقَ بِها ذَلِكَ الإرْشادُ حِينَما يَخْلُونَ إلى شَياطِينِهِمْ، هو مَعَ ذَلِكَ قابِلٌ لِتَفْرِيقِ التَّشْبِيهِ في مُفْرَداتِهِ إلى تَشابِيهَ مُفْرَدَةٍ بِأنْ يُشَبَّهَ كُلُّ جُزْءٍ مِن مَجْمُوعِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ لِجُزْءٍ مِن مَجْمُوعِ هَيْئَةِ قَوْمٍ أصابَهم صَيِّبٌ مَعَهُ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وصَواعِقُ لا يُطِيقُونَ سَماعَ قَصْفِها ويَخْشَوْنَ المَوْتَ مِنها وبَرْقٌ شَدِيدٌ يَكادُ يَذْهَبُ بِأبْصارِهِمْ، وهم في حَيْرَةٍ بَيْنَ السَّيْرِ وتَرْكِهِ. وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ﴾ اعْتِراضٌ راجِعٌ لِلْمُنافِقِينَ إذْ قَدْ حَقَّ عَلَيْهِمُ التَّمَثُّلُ واتَّضَحَ مِنهُ حالُهم فَآنَ أنْ يُنَبَّهَ عَلى وعِيدِهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ، وفي هَذا رُجُوعٌ إلى أصْلِ الغَرَضِ كالرُّجُوعِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهُمْ﴾ [البقرة: ١٧] إلَخْ كَما تَقَدَّمَ، إلّا أنَّهُ هُنا وقَعَ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ.
والإحاطَةُ اسْتِعارَةٌ لِلْقُدْرَةِ الكامِلَةِ شُبِّهَتِ القُدْرَةُ الَّتِي لا يَفُوتُها المَقْدُورُ بِإحاطَةِ المُحِيطِ بِالمُحاطِ عَلى طَرِيقَةِ التَّبَعِيَّةِ أوِ التَّمْثِيلِيَّةِ، وإنْ لَمْ يَذْكُرْ جَمِيعَ ما يَدُلُّ عَلى جَمِيعِ المُرَكَّبِ الدّالِّ عَلى الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ بِها، وقَدِ اسْتُعْمِلَ هَذا الخَبَرُ في لازِمِهِ وهو أنَّهُ لا يُفْلِتُهم وأنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلى سُوءِ صُنْعِهِمْ.
والخَطْفُ الأخْذُ بِسُرْعَةٍ. و”كُلَّما“ كَلِمَةٌ تُفِيدُ عُمُومَ مَدْخُولِها، وما كافَّةٌ لِكُلٍّ عَنِ الإضافَةِ أوْ هي مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، فالعُمُومُ فِيها مُسْتَفادٌ مِن كَلِمَةِ كُلٍّ.
وذِكْرُ ”كُلَّما“ في جانِبِ الإضاءَةِ و”إذا“ في جانِبِ الإظْلامِ لِدَلالَةِ كُلَّما عَلى حِرْصِهِمْ عَلى المَشْيِ وأنَّهم يَتَرَصَّدُونَ الإضاءَةَ، فَلا يُفِيتُونَ زَمَنًا مِن أزْمانِ حُصُولِها لِيَتَبَيَّنُوا الطَّرِيقَ في سَيْرِهِمْ لِشِدَّةِ الظُّلْمَةِ. وأضاءَ فِعْلٌ يُسْتَعْمَلُ قاصِرًا ومُتَعَدِّيًا بِاخْتِلافِ المَعْنى كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ﴾ [البقرة: ١٧] وأظْلَمَ يُسْتَعْمَلُ قاصِرًا كَثِيرًا ويُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا قَلِيلًا والظّاهِرُ أنَّ أضاءَ هُنا مُتَعَدٍّ، فَمَفْعُولُ أضاءَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ مَشَوْا عَلَيْهِ، وتَقْدِيرُهُ المَمْشى أوِ الطَّرِيقُ؛ أيْ أضاءَ لَهُمُ البَرْقُ الطَّرِيقَ وكَذَلِكَ أظْلَمَ أيْ وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمُ البَرْقُ الطَّرِيقَ بِأنْ أمْسَكَ ومِيضَهُ فَإسْنادُ الإظْلامِ إلى البَرْقِ مَجازٌ لِأنَّهُ تَسَبَّبَ في الإظْلامِ. ومَعْنى القِيامِ عَدَمُ المَشْيِ أيِ الوُقُوفُ في المَوْضِعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ مَفْعُولُ شاءَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الجَوابِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ شَأْنُ فِعْلِ المَشِيئَةِ والإرادَةِ ونَحْوِهِما إذا وقَعَ مُتَّصِلًا بِما يَصْلُحُ لِأنْ يَدُلَّ عَلى مَفْعُولِهِ مِثْلَ وُقُوعِهِ صِلَةً لِمَوْصُولٍ يَحْتاجُ إلى خَبَرٍ نَحْوَ: ما شاءَ اللَّهُ كانَ أيْ: ما شاءَ كَوْنَهُ كانَ، ومِثْلَ وُقُوعِهِ شَرْطًا لِلَوْ لِظُهُورِ أنَّ الجَوابَ هو دَلِيلُ المَفْعُولِ. وكَذَلِكَ إذا كانَ في الكَلامِ السّابِقِ قَبْلَ فِعْلِ المَشِيئَةِ ما يَدُلُّ عَلى مَفْعُولِ الفِعْلِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦] ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٧] قالَ الشَّيْخُ في دَلائِلِ الإعْجازِ: إنَّ البَلاغَةَ في أنْ يُجاءَ بِهِ كَذَلِكَ مَحْذُوفًا وقَدْ يَتَّفِقُ في بَعْضِهِ أنْ يَكُونَ إظْهارُ المَفْعُولِ هو الأحْسَنَ، وذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِ الشّاعِرِ هو إسْحاقُ الخُرَيْمِيُّ مَوْلى بَنِي خُرَيْمٍ مِن شُعَراءِ عَصْرِ الرَّشِيدِ يَرْثِي أبا الهَيْذامِ الخُرَيْمِيَّ حَفِيدَهُ ابْنَ ابْنِ عِمارَةَ.
ولَوْ شِئْتُ أنْ أبْكِي دَمًا لَبَكَيْتُهُ عَلَيْهِ ولَكِنْ ساحَةُ الصَّبْرِ أوْسَعُ
وسَبَبُ حُسْنِهِ أنَّهُ كَأنَّهُ بِدْعٌ عَجِيبٌ أنْ يَشاءَ الإنْسانُ أنْ يَبْكِيَ دَمًا، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ كانَ الأوْلى أنْ يُصَرِّحَ بِذِكْرِهِ لِيُقَرِّرَهُ في نَفْسِ السّامِعِ إلَخْ كَلامِهِ. وتَبِعَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، وزادَ عَلَيْهِ أنَّهم لا يَحْذِفُونَ في الشَّيْءِ المُسْتَغْرَبِ إذْ قالَ: لا يَكادُونَ يُبْرِزُونَ المَفْعُولَ إلّا في الشَّيْءِ المُسْتَغْرَبِ إلَخْ. وهو مُؤَوَّلٌ بِأنَّ مُرادَهُ أنَّ عَدَمَ الحَذْفِ حِينَئِذٍ يَكُونُ كَثِيرًا.
وعِنْدِي أنَّ الحَذْفَ هو الأصْلُ لِأجْلِ الإيجازِ فالبَلِيغُ تارَةً يَسْتَغْنِي بِالجَوابِ فَيَقْصِدُ البَيانَ بَعْدَ الإبْهامِ، وهَذا هو الغالِبُ في كَلامِ العَرَبِ، قالَ طَرَفَةُ:
وإنْ شِئْتَ لَمْ تُرْقِلْ وإنْ شِئْتَ أرْقَلَتْ
وتارَةً يُبَيِّنُ بِذِكْرِ الشَّرْطِ أساسَ الإضْمارِ في الجَوابِ نَحْوَ البَيْتِ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ﴾ [الأنبياء: ١٧] ويَحْسُنُ ذَلِكَ إذا كانَ في المَفْعُولِ غَرابَةٌ فَيَكُونُ ذِكْرُهُ لِابْتِداءِ تَقْرِيرِهِ كَما في بَيْتِ الخُرَيْمِيِّ والإيجازُ حاصِلٌ عَلى كُلِّ حالٍ لِأنَّ فِيهِ حَذْفًا إمّا مِنَ الأوَّلِ أوْ مِنَ الثّانِي. وقَدْ يُوهِمُ كَلامُ أئِمَّةِ المَعانِي أنَّ المَفْعُولَ الغَرِيبَ يَجِبُ ذِكْرُهُ ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ [فصلت: ١٤] فَإنَّ إنْزالَ المَلائِكَةِ أمْرٌ غَرِيبٌ قالَ أبُو العَلاءِ المَعَرِّيُّ.
وإنْ شِئْتَ فازْعُمْ أنَّ مَن فَوْقَ ظَهْرِها ∗∗∗ عَبِيدُكَ واسْتَشْهِدْ إلَهَكَ يَشْهَدِ
فَإنَّ زَعْمَ ذَلِكَ زَعْمٌ غَرِيبٌ.
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ ظاهِرُهُ أنْ يَعُودُوا إلى أصْحابِ الصَّيِّبِ المُشَبَّهِ بِحالِهِمْ حالُ المُنافِقِينَ؛ لِأنَّ الإخْبارَ بِإمْكانِ إتْلافِ الأسْماعِ والأبْصارِ يُناسِبُ أهْلَ الصَّيِّبِ المُشَبَّهِ بِحالِهِمْ بِمُقْتَضى قَوْلِهِ ﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾ وقَوْلِهِ ﴿يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ والمَقْصُودُ أنَّ الرَّعْدَ والبَرْقَ الواقِعَيْنِ في الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها هُما رَعْدٌ وبَرْقٌ بَلَغا مُنْتَهى قُوَّةِ جِنْسَيْهِما بِحَيْثُ لا يَمْنَعُ قَصِيفُ الرَّعْدِ مِن إتْلافِ أسْماعِ سامِعِيهِ ولا يَمْنَعُ ومِيضُ البَرْقِ مِن إتْلافِ أبْصارِ ناظِرِيهِ إلّا مَشِيئَةُ اللَّهِ عَدَمَ وُقُوعِ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ. وفائِدَةُ ذِكْرِ هَذا في الحالَةِ المُشَبَّهَةِ بِها أنْ يَسْرِيَ نَظِيرُهُ في الحالَةِ المُشَبَّهَةِ وهي حالَةُ المُنافِقِينَ فَهم عَلى وشْكِ انْعِدامِ الِانْتِفاعِ بِأسْماعِهِمْ وأبْصارِهِمُ انْعِدامًا تامًّا مِن كَثْرَةِ عِنادِهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ، إلّا أنَّ اللَّهَ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ اسْتِدْراجًا لَهم وإمْلاءً لِيَزْدادُوا إثْمًا أوْ تَلَوُّمًا لَهم وإعْذارًا لَعَلَّ مِنهم مَن يَثُوبُ إلى الهُدى، وقَدْ صِيغَ هَذا المَعْنى في هَذا الأُسْلُوبِ لِما فِيهِ مِنَ التَّوْجِيهِ بِالتَّهْدِيدِ لَهم أنْ يُذْهِبَ اللَّهُ سَمْعَهم وأبْصارَهم مِن نِفاقِهِمْ إنْ لَمْ يَبْتَدِرُوا الإقْلاعَ عَنِ النِّفاقِ، وذَلِكَ يَكُونُ لَهُ وقْعُ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ كَما وقَعَ لِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ لَمّا قَرَأ عَلَيْهِ النَّبِيءُ ﷺ ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] فَلَيْسَ المَقْصُودُ مِنِ اجْتِلابِ ”لَوْ“ في هَذا الشَّرْطِ إفادَةَ ما تَقْتَضِيهِ ”لَوْ“ مِنَ الِامْتِناعِ لِأنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ الإعْلامَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى ذَلِكَ بَلِ المَقْصُودُ إفادَةُ لازِمِ الِامْتِناعِ وهو أنَّ أسْبابَ إذْهابِ البَرْقِ والرَّعْدِ أبْصارَهُمُ الواقِعَيْنِ في التَّمْثِيلِ مُتَوَفِّرَةٌ وهي كُفْرانُ النِّعْمَةِ الحاصِلَةِ مِنهُما إذْ إنَّما رُزِقُوهُما لِلتَّبَصُّرِ في الآياتِ الكَوْنِيَّةِ وسَماعِ الآياتِ الشَّرْعِيَّةِ، فَلَمّا أعْرَضُوا عَنِ الأمْرَيْنِ كانُوا أحْرِياءَ بِسَلْبِ النِّعْمَةِ، إلّا أنَّ اللَّهَ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ إمْهالًا لَهم وإقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، فَكانَتْ لَوْ مُسْتَعْمَلَةً مَجازًا مُرْسَلًا في مُجَرَّدِ التَّعْلِيقِ إظْهارًا لَتَوَفُّرِ الأسْبابِ لَوْلا وُجُودُ المانِعِ عَلى حَدِّ قَوْلِ أُبَيِّ بْنِ سُلْمى بْنِ رَبِيعَةَ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ يَصِفُ فَرَسَهُ.
ولَوْ طارَ ذُو حافِرٍ قَبْلَها ∗∗∗ لَطارَتْ ولَكِنَّهُ لَمْ يَطِرْ
أيْ تَوَفَّرَ فِيها سَبَبُ الطَّيَرانِ. فالمَعْنى: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ بِزِيادَةِ ما في البَرْقِ والرَّعْدِ مِنَ القُوَّةِ فَيُفِيدُ بُلُوغَ الرَّعْدِ والبَرْقِ قُرْبَ غايَةِ القُوَّةِ.
ويَكُونُ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مَوْقِعٌ عَجِيبٌ. وقَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَذْيِيلٌ، وفِيهِ تَرْشِيحٌ لِلتَّوْجِيهِ المَقْصُودِ لِلتَّهْدِيدِ زِيادَةً في تَذْكِيرِهِمْ وإبْلاغًا لَهم وقَطْعًا لِمَعْذِرَتِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
الدر المصون - السمين الحلبي
الدر المصون للسمين الحلبي - السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {يَكَادُ البرق يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} : «يكادُ» مضارع كَادَ، وهي لمقاربةِ الفعل، تعملُ عمل «كانَ» ، إلاَّ أنَّ خَبَرها لا يكونُ إلا مضارعاً، وشَذَّ مجيئُه اسماً صريحاً، قال:
241 - فَأُبْتُ إلى فَهْمٍ وما كِدْتُ آيباً ... وكم مثلِها فارَقْتُها وهي تَصْفِرُ
والأكثرُ في خبرِها تجرُّدُهُ من «أنْ» عَكَسَ «عسى» ، وقد شَذَّ اقترانُهُ بها، وقال رؤبة: 242 - قد كادَ مِنْ طولِ البلى أن يَمْحَصا ... لأنها لمقاربةِ الفعلِ، و «أَنْ» تُخَلِّصُ للاستقبال، فَتَنَافَا. واعلم أنَّ خَبَرَها إذا كانَتْ هي مثبتةً- منفيٌّ في المعنى لأنها للمقاربة، فإذا قلت: «كاد زيدٌ يفعلُ» كان معناه قارَبَ الفعلَ، إلا أنه لم يَفْعَل، فإذا نُفِيَتْ انتفَى خبرُها بطريقِ الأَوْلى، لأنه إذا انْتَفَتْ مقاربةُ الفعل/ انتفى هو من باب أَوْلَى ولهذا كانَ قَولُه تعالى: {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} [النور: 40] أبلغَ مِنْ أَنْ لو قيل: لم يَرَها، لأنه لم يقارِبِ الرؤيةَ فكيف له بها؟ وزعم جماعةٌ منهم ابن جني وأبو البقاء وابنُ عطية أنَّ نفيَها إثباتُ وإثباتَها نفيٌ، حتى أَلْغَزَ بعضُهم فيها فقال:
243 - أَنَحْوِيَّ هذا العصرِ ما هي لفظةٌ ... جَرَتْ في لِسانَيْ جُرْهُمٍ وَثَمُودِ
إذا نُفِيَتْ - والله أعلمُ - أُثْبِتَتْ ... وإِنْ أُثْبِتَتْ قامَتْ مَقَامَ جُحُودِ
وَحَكَوْا عن ذي الرمة أنه لمَّا أَنْشَدَ قولَه:
244 - إذا غَيَّر النأيُ المحِبِّينَ لم يَكَدْ ... رسيسُ الهوى من حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ
عِيْبَ عليه لأنه قال: لَمْ يَكَدْ يَبْرَحُ فيكون قد بَرِحَ، فغيَّره إلى قوله: «لم يَزَلْ» أو ما هو بمعناه، والذي غَرَّ هؤلاء قولُهُ تعالى: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} [البقرة: 71] قالوا: فهي هنا منفيَّةٌ وخبرُها مُثْبَتٌ في المعنى، لأن الذبْحَ وقع لقوله: «فَذَبَحُوها» . والجوابُ عن هذهِ الآية من وَجْهَين، أحدُهما: أنه يُحْمَلُ على اختلافِ وَقْتَيْنِ، أي: ذَبَحوها في وقتٍ، وما كادوا يفعلونَ في وقتٍ آخرَ، والثاني: أنه عَبَّر بنفيِ مقاربةِ الفعل عن شدَّةِ تعنُّتِهِمْ وعُسْرِهِم في الفعلِ.
وأمَّا ما حَكَوْهُ عن ذي الرُّمَّة فقد غلَّط الجمهورُ ذا الرُّمة في رجوعِهِ عن قولِهِ، وقالوا: هو أَبْلَغُ وأحسنُ مِمَّا غَيَّره إليه.
واعلم أَنَّ خَبَرَ «كاد» وأخواتِها غيرَ عسى لا يكون فاعلُه إلا ضميراً عائداً على اسمها، لأنها للمقارَبَةِ أو للشروع بخلافِ عسى، فإنها للترجِّي، تقول: «عسى زيدٌ أن يقومَ أبوه» ، ولا يجوز ذلك في غيرها، فأمَّا قولُه:
245 - وَقَفْتُ على رَبْعٍ لِميَّةَ ناقتي ... فما زِلْتُ أبكي عندَهُ وأُخَاطِبُهْ
وَأَسْقِيهِ حتى كَادَ مِمَّا أَبُثُّه ... تُكَلِّمُنِي أَحْجَارُه ومَلاعِبُهْ
فأتى بالفاعلِ ظاهراً فقد حَمَلَه بعضُهم على الشذوذِ، وينبغي أن يُقال: إنما جاز ذلك لأن الأحجارَ والملاعب هي عبارةٌ عن الرَّبْع، فهي هو، فكأنه قيل: حتى كاد يكلِّمني، ولكنه عَبَّر عنه بمجموع أجزائه، وقولُ الأخر:
246 - وقد جَعَلْتُ إذا ما قُمْتُ يُثْقِلُني ... ثَوْبي فَأَنْهَضُ نَهْضَ الشاربِ السَّكِرِ
وكنتُ أمشي على رِجْلَيْنِ مُعْتَدِلاً ... فَصِرْتُ أمشي على أخرى من الشجر
فأتى بفاعل [خبر] جَعل ظاهراً، فقد أُجيب عنه بوجهين: أحدُهما: أنه على حَذْفِ مضافٍ تقديره: وقد جَعَل ثوبي إذا ما قمت يُثْقلني. والثاني: أنه من باب إقامةِ السببِ مُقامَ المُسَبَّبِ، فإنَّ نهوضَه كذا متسبِّبٌ عن إثقالِ ثوبِه إياه، والمعنى: وقد جَعَلْتُ أَنْهَضُ نَهْضَ الشارب الثملِ لإِثقالِ ثوبي إياي.
ووزن كاد كَودِ بكسر العين، وهي من ذواتِ الواو، كخاف يَخاف، وفيها لغةٌ أخرى: فتحُ عينها، فعلى هذه اللغةِ تُضَمُّ فاؤُها إذا أُسْنِدَتْ إلى تاء المتكلم وأخواتِها، فتقولُ: كُدْت وكُدْنا مثل: قُلْت وقُلْنا، وقد تُنْقَلُ كسرةُ عينها إلى فائِها مع الإِسناد إلى ظاهر، كقوله:
247 - وكِيدَ ضِباعُ القُفِّ يأكُلْنَ جُثَّتي ... وكِيدِ خِراشٌ عند ذلك يَيْتَمُ
ولا يجوز زيادتُها خلافاً للأخفشِ، وسيأتي هذا كلُه في «كاد» الناقصة، أمَّا «كاد» التامة بمعنى مَكَر فإنها فَعَل بفتح العين من ذواتِ الياء، بدليل قوله: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً} [الطارق: 15 - 16] .
و «البرق» اسمها، و «يخَطف» خبرُها، ويقال: خَطِف يَخْطَفُ بكسر عين الماضي وفتح المضارع، وخَطَف يخطِف، عكسُ اللغة الأولى، وفيه قراءاتٌ كثيرة، المشهورُ منها الأولى. الثانية: يَخْطِف بكسر الطاء.
الثالثة يَخَطَّفُ بفتح الياء والخاء والطاء مع تشديدِ الطاء، والأصل: يَخْتَطِفُ، فَأُبْدلت تاءُ الافتعال طاءً للإِدغام، الرابعة: كذلك إلا أنَّه بكسر الخاء إتباعاً لكسرة الطاء. السادسة: كذلك إلا أنه بكسر الياء أيضاً إتباعاً للخاء، السابعة: يَخْتَطِف على الأصل. الثامنة: يَخْطِّف بفتح الياء وسكونِ الخاء وتشديد الطاء، وهي رديئةٌ لتأديتها غلى التقاء ساكنين. التاسعة: بضم الياء وفتح الخاء وتشديدِ الطاء مكسورةً، والتضعيف فيه للتكثير لا للتعدية. العاشرة: يَتَخَطَّف.
والخَطْفُ: أَخْذُ شيءٍ بسرعة، وهذه الجملةُ - أعني قولَه: يكاد البرق يَخْطَف - لا محلَّ لَها، لأنها استئنافٌ، كأنه قيل: كيف يكونُ حالُهم مع ذلك البرقِ؟ فقيل: يكاد يَخْطَف، ويحتمل أن يكون في محلِّ جر صفةً لذوي المحذوفة، التقدير: أو كذوي صيبٍ كائدٍ البرقُ يَخْطَف.
قوله تعالى: / {كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ} : «كل» نَصْبٌ على الظرفية، لأنها أُضيفت إلى «ما» الظرفية، والعاملُ فيها جوابُها، وهو «مَشَوا» . وقيل: « ما» نكرةٌ موصوفةٌ، ومعناها الوقتُ أيضاً، والعائدُ محذوفٌ، تقديرُه: كلَّ وقتٍ أضاءَ لهم فيه، فأضاءَ على الأول لا محلَّ له لكونِه صلةً، ومحلُّه الجرُّ على الثاني. و «أضاء» يجوز أن يكون لازماً. وقال المبرد: «هو متعدٍّ ومفعولُه محذوفٌ» ، أي: أضاء لهم البرقُ الطريقَ، فالهاء في «فيه» تعودُ على البرق في قولِ الجمهور، وعلى الطريقِ المحذوفِ في قول المبرد.
و «فيه» متعلِّق بمَشَوا، و «في» على بابها أي: إنه محيطٌ بهم: وقيل: هي بمعنى الباء، ولا بدَّ من حذف على القَوْلين، أي: مَشَوا في ضوئِه أي بضوئِه، ولا محلَّ لجملةِ قولهِ «مَشَوا» لأنها مستأنفةٌ.
واعلم أنَّ «كُلاًّ» من ألفاظِ العموم، وهو اسمُ جمعٍ لازمٌ للإِضافة، وقد يُحْذَفُ ما يضاف إليه، وهل تنوينُه حينئذٍ تنوينُ عوضٍ أو تنوينُ صَرْفٍ؟ قولان. والمضافُ إليه «كل» إن كانَ معرفةً وحُذِفَ بقيتْ على تعريفها، فلهذا انتصَبَ عنها الحالُ، ولا يَدْخُلها الألفُ واللامُ، وإن وقع ذلك في عبارةِ بعضِهم، وربما انتَصَبَتْ حالاً، وأصلُها أن تُسْتَعْمَل توكيداً كأجمعَ، والأحسنُ استعمالُها مبتدأً، وليس كونُها مفعولاً بها مقصوراً على السماعِ، ولا مختصاً بالشعر خلافاً لزاعم ذلك. وإذا أُضيفت إلى نكرةٍ أو معرفةٍ بلامِ الجنسِ حَسُنَ أن تَلِي العواملَ اللفظيةَ، وإذا أُضيفت إلى نكرةٍ تعيُّنَ اعتبارُ تلك النكرة فيما لها من ضميرٍ وغيره، تقول: كلُّ رجال أتَوْكَ فأكرِمْهم، ولا يجوزُ أن يراعى لفظ «كل» فتقول: كلُّ رجال أتاكَ فأكرمه، و [تقول:] كلُّ رجلٍ أتاك فأكرمه، ولا تقول: أَتَوْك فأكرِمْهم، اعتباراً بالمعنى، فأما قوله:
248 - جادَتْ عليه كلُّ عَيْن ثَرَّةٍ ... فتركْنَ كلَّ حدَيقةٍ كالدرهم فراعى المعنى فهو شاذٌّ لا يُقاس عليه، وإذا أُضيفَتْ إلى معرفةٍ فوجهانِ، سواءً كانت الإِضافة لفظاً نحو: {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القيامة فَرْداً} [مريم: 95] فراعى لفظَ كل، أو معنىً نحو: {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ} [العنكبوت: 40] فراعى لفظَها، وقال: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} [النمل: 87] ، فراعى المعنى، وقولُ بعضهم: إن «كُلَّما» تفيدُ التكرارَ، ليس ذلك من وَضْعها، فإنك إذا قُلْتَ: «كلما جِئْتَني أَكْرَمْتُك» كان المعنى: أُكْرِمُكَ في كلِّ فردٍ فردٍ من جَيئاتِكَ إليَّ.
وقُرئ «ضاء» ثلاثياً، وهي تَدُلُّ على أنَّ الرباعيَّ لازمٌ. وقرئ: «وإذا أُظْلِم» مبنياً للمفعول، وجَعَلَه الزمخشريُّ دالاَّ على أنَّ أَظْلَمَ متعدٍ، واستأنَسَ أيضاً بقول حبيب:
249 - هما أَظْلما حالَيَّ ثُمَّتَ أَجْلَيَا ... ظَلامَيْهِما عن وجهِ أَمْرَدَ أَشْيَبِ
ولا دليلَ في الآيةِ لاحتمالِ أن أصلَه: وإذا أَظْلم الليلُ عليهم، فلمَّا بُنِي للمفعولِ حُذِف «الليل» وقام «عليهم» مَقَامَه، وأمَّا حبيبٌ فمُوَلِّدٌ.
وإنما صُدِّرت الجملةُ الأولى بكلما، والثانيةُ بإذا، قال الزمخشري: «لأنهم حِراصٌ على وجودِ ما هَمُّهم به معقودٌ من إمكان المشي وتأتِّيه، فكُلَّما صادفوا منه فرصةً انتهزوها، وليسَ كذلك التوقُّفُ والتحبُّسُ» وهذا الذي قاله هو الظاهرُ، إلاَّ أنَّ مِن النحويين مَنْ جعلَ أنَّ «إذا» تُفيد التكرار أيضاً، وأنشد:
250 - إذا وَجَدْتُ أُوارَ الحُبِّ في كَبْدِي ... أَقْبَلْتُ نحو سِقاءِ القومِ أَبْتَرِدُ
قال: «معناها معنى كلما» .
قوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} «لو» حرفٌ لِما كان سيقع لوقوع غيره، هذه عبارةُ سيبويه، وهي أَوْلى من عبارة غيره: / حرفُ امتناع لامتناع لِصحّةِ العبارة الأولى في نحو قوله تعالى:
{لَّوْ كَانَ البحر مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ البحر} [الكهف: 109] ، وفي قوله عليه السلام: «نِعْمَ العبدُ صُهَيْبٌ لو لم يَخَفِ اللهَ لم يُعْصِه» ، وعدم صحةِ الثانية في ذلك كما سيأتي محرِّراً، ولفسادِ نحو قولهم: «لو كان إنساناً لكان حيواناً» إذ لا يلزم مِنْ امتناعِ الإِنسانِ امتناعُ الحيوان، ولا يُجْزَمُ بها خلافاً لقوم، فأمَّا قولُه:
251 - لو يَشَأْ طارَ به ذو مَيْعَةٍ ... لاحِقُ الآطالِ نَهْدٌ ذو خُصَلْ
وقول الآخر:
252 - تامَتْ فؤادَك لو يَحْزُنْكَ مَا صَنَعَتْ ... إحدى نساءِ بني ذُهْلِ بنِ شَيْبَانا فمِنْ تسكينِ المحرَّكِ ضرورةً، وأكثر ما تكونُ شرطاً في الماضي، وقد تأتي بمعنى إنْ كقوله تعالى: {وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ} [النساء: 9] وقولِه:
253 - ولَوْ أَنَّ ليلى الأخيليَّةَ سَلَّمَتْ ... عليَّ ودوني جَنْدَلٌ وصَفائِحُ
لسَلَّمْتُ تسليمَ البشاشةِ أَوْزَقَا ... إليها صَدَىً مِنْ جانبِ القبرِ صائحُ
ولا تكونُ مصدريةً على الصحيح، وقد تُشَرَّبُ معنى التمني فَتَنْصِبُ المضارعَ بعد الفاء جواباً لها نحو: {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ} [الشعراء: 102] ، وسيأتي تحريرُه في مَوْضِعِه.
و «شاء» أصلُه: شَيِئَ علَى فَعِلَ بكسر العين، وإنما قُلِبت الياءُ ألفاً للقاعدةِ المُمَهَّدةِ. ومفعولُه محذوفٌ تقديرُه: ولو شاء الله إذهابَ، وكَثُر حَذْفُ مفعولِه ومفعولِ «أراد» حتى لا يَكاد يُنْطَق به إلاَّ في الشيءِ المستغرَبِ كقولِه:
254 - ولو شِئْتُ أن أبكي دَماً لبكَيتُه ... عليهِ ولكنْ ساحةُ الصبرِ أَوْسَعُ
قال تعالى: {لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} [الزمر: 4] .
واللامُ في «ذهب» جوابُ لو. واعلم أنَّ جوابَها يَكْثُر دخولُ اللامِ عليه مثبتاً، وقد تُحْذَفُ، قال تعالى: {لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً} [الواقعة: 70] ، ويَقِلُّ دخولُها عليه منفيَّاً ب «ما» ، ويَمْتَنِعُ دخولُها عليه منفيَّاً بغير «ما» نحو: لو قُمْتَ لم أَقُمْ، لِتوالِي لامين فيثقلُ، وقد يُحْذَفُ كقوله:
255 - لا يُلْفِكَ الراجُوك إلا مُظْهِراً ... خُلُقَ الكرامِ ولو تكونُ عَدِيماً
و «بسَمْعِهم» متعلِّقٌ بذَهَب. وقُرِئَ: «لأَذْهَبَ» فتكونُ الباءُ زائدةً، أو يكونُ فَعَل وأَفْعَل بمعنىً، ونحوهُ: {تَنبُتُ بالدهن} [المؤمنون: 20] .
قوله تعالى: {إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} هذه جملةُ مؤكِّدةٌ لمعنى ما قبلَها، و «على كل شيء» متعلِّقٌ بقدير، وهو فَعِيل بمعنى فاعِل مشتقٌ من القُدْرَة وهي القُوة والاستطاعةُ، وفعلُها قَدَر بفتح العين، وله ثلاثةَ عشَرٍ مصدراً: قدرة بتثليث القاف، ومَقْدرة بتثليث الدال، وقَدْرَاً وقَدَراً وقُدَراً وقَداراً وقُدْراناً ومَقْدِراً ومَقْدَراً. وقدير أَبْلَغُ مِن قادر قاله الزجاج، وقِيل: هما بمعنى، قاله الهروي. والشيءُ: ما صَحُّ أن يُعْلَمَ من وجه، ويُخْبَرَ عنه، وهو في الأصل مصدرُ شاء يشاء/، وهل يُطْلق على المعدومِ والمستحيل؟ خلافٌ مشهور.
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني
كيد
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
كيد
الْكَيْدُ: ضرب من الاحتيال، وقد يكون مذموما وممدوحا، وإن كان يستعمل في المذموم أكثر، وكذلك الاستدراج والمكر، ويكون بعض ذلك محمودا، قال: ﴿كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف : 76] وقوله: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف : 183] قال بعضهم: أراد بالكيد العذاب(١) ، والصّحيح: أنه هو الإملاء والإمهال المؤدّي إلى العقاب كقوله: ﴿إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً﴾ [آل عمران : 178] ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ﴾ [يوسف : 52] فخصّ الخائنين تنبيها أنه قد يهدي كيد من لم يقصد بكيده خيانة، ككيد يوسف بأخيه، وقوله: ﴿لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء : 57] أي: لأريدنّ بها سوءا. وقال: ﴿فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات : 98] وقوله: ﴿فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ [المرسلات : 39] ، وقال: ﴿كَيْدُ ساحِرٍ﴾ [طه : 69] ، ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ [طه : 64] ويقال: فلان يَكِيدُ بنفسه، أي: يجود بها، وكَادَ الزّندُ: إذا تباطأ بإخراج ناره.
ووُضِعَ «كَادَ» لمقاربة الفعل، يقال: كَادَ يفعل: إذا لم يكن قد فعل، وإذا كان معه حرف نفي يكون لما قد وقع، ويكون قريبا من أن لا يكون. نحو قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا﴾ [الإسراء : 74] ، ﴿وَإِنْ كادُوا﴾ [الإسراء : 73] ، ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ [مريم : 90] ، ﴿يَكادُ الْبَرْقُ﴾ [البقرة : 20] ، ﴿يَكادُونَ يَسْطُونَ﴾ [الحج : 72] ، ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات : 56] ولا فرق بين أن يكون حرف النّفي متقدما عليه أو متأخّرا عنه. نحو: ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة : 71] ، ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ﴾ [النساء : 78] . وقلّما يستعمل في كاد أن إلا في ضرورة الشّعر(٢) . قال:
401- قد كَادَ من طول البلى أن يمصحا(٣)
أي: يمضي ويدرس.
(١) يروى عن ابن عباس قوله: كيد الله العذاب والنقمة. الدر المنثور 3/ 618.
(٢) وفي ذلك يقول ابن مالك في ألفيته: وكونه بدون «أن» بعد عسى ... نزر، وكاد الأمر فيه عكسا
(٣) الرجز لرؤبة بن العجاج، وهو في اللسان (مصح) ، وديوانه ص 72، والمساعد 1/ 295.
برق
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
برق
البَرْقُ: لمعان السحاب، قال تعالى: ﴿فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [البقرة : 19] . يقال: بَرِقَ وأَبْرَقَ(١) ، وبَرَقَ يقال في كل ما يلمع، نحو: سيف بَارِقٌ، وبَرَقَ وبَرِقَ يقال في العين إذا اضطربت وجالت من خوف قال عزّ وجل: ﴿فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ [القيامة : 7] ، وقرئ: (برق)(٢) ، وتصوّر منه تارة اختلاف اللون فقيل البُرْقَة للأرض ذات حجارة مختلفة الألوان، والأبرق: الجبل فيه سواد وبياض، وسمّوا العين بَرْقَاء لذلك، وناقة بَرُوق: تلمع بذنبها، والبَرُوقَة: شجرة تخضر إذا رأت السحاب، وهي التي يقال فيها: أشكر من بروقة(٣) . وبَرَقَ طعامه بزيت: إذا جعل فيه قليلا يلمع منه، والبارقة والأُبَيْرِق: السيف، للمعانه، والبُرَاق، قيل: هو دابة ركبها النبيّ ﷺ لمّا عرج به، والله أعلم بكيفيته، والإِبْريق معروف، وتصوّر من البرق ما يظهر من تجويفه، وقيل: بَرَقَ فلان ورعد، وأَبْرَقَ وأرعد: إذا تهدّد.
(١) أجاز أبو عمر وأبو عبيدة: أبرق وأرعد ولم يجزه الأصمعي.
(٢) وهي قراءة نافع وأبي جعفر المدنيّين. راجع: الإتحاف ص 428.
(٣) راجع المثل في المجمل 1/ 121، وأساس البلاغة ص 20، ومجمع الأمثال 1/ 388.
خطف
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
خطف
الخَطْفُ والاختطاف: الاختلاس بالسّرعة، يقال: خَطِفَ يَخْطَفُ، وخَطَفَ يَخْطِفُ(١) وقرئ بهما جميعا قال: إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ(٢) ، وذلك وصف للشّياطين المسترقة للسّمع، قال تعالى: ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ [الحج : 31] ، ﴿يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ﴾ [البقرة : 20] ، وقال: ﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت : 67] ، أي: يقتلون ويسلبون، والخُطَّاف: للطائر الذي كأنه يخطف شيئا في طيرانه، ولما يخرج به الدّلو، كأنه يختطفه. وجمعه خَطَاطِيف، وللحديدة التي تدور عليها البكرة، وباز مُخْطِف: يختطف ما يصيده، والخَطِيف(٣) : سرعة انجذاب السّير، وأَخْطَفُ الحشا(٤) ، ومُخْطَفُهُ كأنه اخْتُطِفَ حشاه لضموره.
(١) راجع: الأفعال 1/ 438 و 468.
(٢) سورة الصافات: آية 10، وقراءة (خطف) شاذة.
(٣) انظر: اللسان (خطف) ، والبصائر 2/ 551، والمجمل 2/ 294.
(٤) في المجمل: ومخطف الحشا: إذا كان منطوي الحشا.
بصر
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
بصر
البَصَر يقال للجارحة الناظرة، نحو قوله تعالى: ﴿كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ [النحل : 77] ، ووَ إِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ [الأحزاب : 10] ، وللقوّة التي فيها، ويقال لقوة القلب المدركة: بَصِيرَة وبَصَر، نحو قوله تعالى: ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق : 22] ، وقال: ﴿ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى﴾ [النجم : 17] ، وجمع البصر أَبْصَار، وجمع البصيرة بَصَائِر، قال تعالى: ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ﴾ [الأحقاف : 26] ، ولا يكاد يقال للجارحة بصيرة، ويقال من الأوّل: أبصرت، ومن الثاني: أبصرته وبصرت به(١) ، وقلّما يقال بصرت في الحاسة إذا لم تضامّه رؤية القلب، وقال تعالى في الأبصار: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾ [مريم : 42] ، وقال: ﴿رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا﴾ [السجدة : 12] ، ﴿وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ [يونس : 43] ، ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات : 179] ، ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ [طه : 96] ومنه: أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف : 108] أي: على معرفة وتحقق. وقوله: ﴿بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة : 14] أي: تبصره فتشهد له، وعليه من جوارحه بصيرة تبصره فتشهد له وعليه يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ﴾ [النور : 24] . والضرير يقال له: بصير على سبيل العكس، والأولى أنّ ذلك يقال لما له من قوة بصيرة القلب لا لما قالوه، ولهذا لا يقال له: مبصر وباصر، وقوله عزّ وجل: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ﴾ [الأنعام : 103] حمله كثير من المفسرين على الجارحة، وقيل: ذلك إشارة إلى ذلك وإلى الأوهام والأفهام، كما قال أمير المؤمنين رضي الله عنه: (التوحيد أن لا تتوهمه)(٢) وقال: (كلّ ما أدركته فهو غيره) .
والبَاصِرَة عبارة عن الجارحة الناظرة، يقال: رأيته لمحا باصرا(٣) ، أي: نظرا بتحديق، قال عزّ وجل: ﴿فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً﴾ [النمل : 13] ، ﴿وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء : 12] أي: مضيئة للأبصار وكذلك قوله عزّ وجلّ: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء : 59] ، وقيل: معناه صار أهله بصراء نحو قولهم: رجل مخبث(٤) ومضعف، أي: أهله خبثاء وضعفاء، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ﴾ [القصص : 43] أي: جعلناها عبرة لهم، وقوله: ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات : 179] أي: انظر حتى ترى ويرون، وقوله عزّ وجل: ﴿وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت : 38] أي: طالبين للبصيرة.
ويصحّ أن يستعار الاسْتِبْصَار للإِبْصَار، نحو استعارة الاستجابة للإجابة، وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً﴾ [ق : 7-8] أي: تبصيرا وتبيانا. يقال: بَصَّرْتُهُ تبصيرا وتبصرة، كما يقال: قدّمته تقديما وتقدمة، وذكّرته تذكيرا وتذكرة، قال تعالى: وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً يُبَصَّرُونَهُمْ [المعارج : 10-11] أي: يجعلون بصراء بآثارهم، يقال: بصَّرَ الجرو: تعرّض للإبصار لفتحه العين(٥) . والبَصْرَة: حجارة رخوة تلمع كأنّها تبصر، أو سمّيت بذلك لأنّ لها ضوءا تبصر به من بعد.
ويقال له بِصْرٌ، والبَصِيرَة: قطعة من الدّم تلمع، والترس اللامع، والبُصْرُ: الناحية، والبَصِيرَةُ ما بين شقتي الثوب، والمزادة ونحوها التي يبصر منها، ثم يقال: بصرتُ الثوب والأديم: إذا خطت ذلك الموضع منه.
(١) انظر: الأفعال 4/ 69.
(٢) انظر تفسير الرازي 1/ 281.
(٣) في المثل: لأرينّك لمحا باصرا، يضرب في التوعد. المستقصى 2/ 237.
(٤) قال ابن منظور: والمخبث: الذي أصحابه وأعوانه خبثاء، وهو مثل قولهم: فلان ضعيف مضعف وقويّ مقو.
(٥) وفي اللسان: وبصّر الجرو تبصيرا: فتح عينه.
ضوأ
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
بصر
البَصَر يقال للجارحة الناظرة، نحو قوله تعالى: ﴿كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ [النحل : 77] ، ووَ إِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ [الأحزاب : 10] ، وللقوّة التي فيها، ويقال لقوة القلب المدركة: بَصِيرَة وبَصَر، نحو قوله تعالى: ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق : 22] ، وقال: ﴿ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى﴾ [النجم : 17] ، وجمع البصر أَبْصَار، وجمع البصيرة بَصَائِر، قال تعالى: ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ﴾ [الأحقاف : 26] ، ولا يكاد يقال للجارحة بصيرة، ويقال من الأوّل: أبصرت، ومن الثاني: أبصرته وبصرت به(١) ، وقلّما يقال بصرت في الحاسة إذا لم تضامّه رؤية القلب، وقال تعالى في الأبصار: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾ [مريم : 42] ، وقال: ﴿رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا﴾ [السجدة : 12] ، ﴿وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ [يونس : 43] ، ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات : 179] ، ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ [طه : 96] ومنه: أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف : 108] أي: على معرفة وتحقق. وقوله: ﴿بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة : 14] أي: تبصره فتشهد له، وعليه من جوارحه بصيرة تبصره فتشهد له وعليه يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ﴾ [النور : 24] . والضرير يقال له: بصير على سبيل العكس، والأولى أنّ ذلك يقال لما له من قوة بصيرة القلب لا لما قالوه، ولهذا لا يقال له: مبصر وباصر، وقوله عزّ وجل: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ﴾ [الأنعام : 103] حمله كثير من المفسرين على الجارحة، وقيل: ذلك إشارة إلى ذلك وإلى الأوهام والأفهام، كما قال أمير المؤمنين رضي الله عنه: (التوحيد أن لا تتوهمه)(٢) وقال: (كلّ ما أدركته فهو غيره) .
والبَاصِرَة عبارة عن الجارحة الناظرة، يقال: رأيته لمحا باصرا(٣) ، أي: نظرا بتحديق، قال عزّ وجل: ﴿فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً﴾ [النمل : 13] ، ﴿وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء : 12] أي: مضيئة للأبصار وكذلك قوله عزّ وجلّ: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء : 59] ، وقيل: معناه صار أهله بصراء نحو قولهم: رجل مخبث(٤) ومضعف، أي: أهله خبثاء وضعفاء، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ﴾ [القصص : 43] أي: جعلناها عبرة لهم، وقوله: ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات : 179] أي: انظر حتى ترى ويرون، وقوله عزّ وجل: ﴿وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت : 38] أي: طالبين للبصيرة.
ويصحّ أن يستعار الاسْتِبْصَار للإِبْصَار، نحو استعارة الاستجابة للإجابة، وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً﴾ [ق : 7-8] أي: تبصيرا وتبيانا. يقال: بَصَّرْتُهُ تبصيرا وتبصرة، كما يقال: قدّمته تقديما وتقدمة، وذكّرته تذكيرا وتذكرة، قال تعالى: وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً يُبَصَّرُونَهُمْ [المعارج : 10-11] أي: يجعلون بصراء بآثارهم، يقال: بصَّرَ الجرو: تعرّض للإبصار لفتحه العين(٥) . والبَصْرَة: حجارة رخوة تلمع كأنّها تبصر، أو سمّيت بذلك لأنّ لها ضوءا تبصر به من بعد.
ويقال له بِصْرٌ، والبَصِيرَة: قطعة من الدّم تلمع، والترس اللامع، والبُصْرُ: الناحية، والبَصِيرَةُ ما بين شقتي الثوب، والمزادة ونحوها التي يبصر منها، ثم يقال: بصرتُ الثوب والأديم: إذا خطت ذلك الموضع منه.
(١) انظر: الأفعال 4/ 69.
(٢) انظر تفسير الرازي 1/ 281.
(٣) في المثل: لأرينّك لمحا باصرا، يضرب في التوعد. المستقصى 2/ 237.
(٤) قال ابن منظور: والمخبث: الذي أصحابه وأعوانه خبثاء، وهو مثل قولهم: فلان ضعيف مضعف وقويّ مقو.
(٥) وفي اللسان: وبصّر الجرو تبصيرا فتح عينه.
مشى
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
مشى
المشي: الانتقال من مكان إلى مكان بإرادة. قال الله تعالى: ﴿كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ [البقرة : 20] ، وقال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ﴾ [النور : 45] ، إلى آخر الآية. يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً [الفرقان : 63] ، ﴿فَامْشُوا فِي مَناكِبِها﴾ [الملك : 15] ، ويكنّى بالمشي عن النّميمة. قال تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم : 11] ، ويكنّى به عن شرب المسهل، فقيل: شربت مِشْياً ومَشْواً، والماشية: الأغنام، وقيل: امرأة ماشية: كثر أولادها.
إذا
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
إذا
إذا يعبّر به عن كلّ زمان مستقبل، وقد يضمّن معنى الشرط فيجزم به، وذلك في الشعر أكثر، و «إذ» يعبر به عن الزمان الماضي، ولا يجازى به إلا إذا ضمّ إليه «ما» نحو:
11- إذ ما أتيت على الرّسول فقل له(١)
(١) الشطر للصحابي العباس بن مرداس من قصيدة قالها في غزوة حنين يخاطب النبيّ ﷺ، وعجزه: حقاً عليك إذا اطمأنّ المجلس
والبيت في شواهد سيبويه 1/ 432، وشرح الأبيات لابن السيرافي 2/ 93، والمقتضب 2/ 46، والروض الأنف 2/ 298، وخزانة الأدب 9/ 29.
ظلم
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
ظلم
الظُّلْمَةُ: عدمُ النّور، وجمعها: ظُلُمَاتٌ. قال تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍ﴾ [النور : 40] ، ﴿ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ [النور : 40] ، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [النمل : 63] ، ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام : 1] ، ويعبّر بها عن الجهل والشّرك والفسق، كما يعبّر بالنّور عن أضدادها.
قال الله تعالى: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة : 257] ، ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم : 5] ، ﴿فَنادى فِي الظُّلُماتِ﴾ [الأنبياء : 87] ، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ﴾ [الأنعام : 122] ، هو كقوله: ﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمى﴾ [الرعد : 19] ، وقوله في سورة الأنعام: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ﴾ [الأنعام : 39] ، فقوله: فِي الظُّلُماتِ
هاهنا موضوع موضع العمى في قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة : 18] ، وقوله: ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر : 6] ، أي: البطن والرّحم والمشيمة، وَأَظْلَمَ فلانُ: حصل في ظُلْمَةٍ. قال تعالى: ﴿فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس : 37] ، وَالظُّلْمُ عند أهل اللّغة وكثير من العلماء: وضع الشيء في غير موضعه المختصّ به، إمّا بنقصان أو بزيادة، وإمّا بعدول عن وقته أو مكانه، ومن هذا يقال: ظَلَمْتُ السِّقَاءَ: إذا تناولته في غير وقته، ويسمّى ذلك اللّبن الظَّلِيمَ.
وظَلَمْتُ الأرضَ: حفرتها ولم تكن موضعا للحفر، وتلك الأرض يقال لها: المَظْلُومَةُ، والتّراب الّذي يخرج منها: ظَلِيمٌ. والظُّلْمُ يقال في مجاوزة الحقّ الذي يجري مجرى نقطة الدّائرة، ويقال فيما يكثر وفيما يقلّ من التّجاوز، ولهذا يستعمل في الذّنب الكبير، وفي الذّنب الصّغير، ولذلك قيل لآدم في تعدّيه ظالم(١) ، وفي إبليس ظالم، وإن كان بين الظُّلْمَيْنِ بون بعيد. قال بعض الحكماء: الظُّلْمُ ثلاثةٌ: الأوّل: ظُلْمٌ بين الإنسان وبين الله تعالى، وأعظمه: الكفر والشّرك والنّفاق، ولذلك قال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان : 13] ، وإيّاه قصد بقوله: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود : 18] ، ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ [الإنسان : 31] ، في آي كثيرة، وقال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ [الزمر : 32] ، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ [الأنعام : 93] .
والثاني: ظُلْمٌ بينه وبين الناس، وإيّاه قصد بقوله: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ إلى قوله: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(٢) ، وبقوله: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى : 42] ، وبقوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً﴾ [الإسراء : 33] .
والثالث: ظُلْمٌ بينه وبين نفسه، وإيّاه قصد بقوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر : 32] ، وقوله: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [النمل : 44] ، ﴿إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء : 64] ، ﴿فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة : 35] ، أي: من الظَّالِمِينَ أنفسهم، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة : 231] .
وكلّ هذه الثّلاثة في الحقيقة ظُلْمٌ للنّفس، فإنّ الإنسان في أوّل ما يهمّ بالظُّلْمِ فقد ظَلَمَ نفسه، فإذا الظَّالِمُ أبدا مبتدئ في الظُّلْمِ، ولهذا قال تعالى في غير موضع: ﴿ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل : 33] ، ﴿وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة : 57] ، وقوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام : 82] ، فقد قيل: هو الشّرك، بدلالة أنه لمّا نزلت هذه الآية شقّ ذلك على أصحاب النبيّ عليه السلام، وقال لهم: «ألم تروا إلى قوله: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ»(٣) ، وقوله: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ [الكهف : 33] ، أي: لم تنقص، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [الزمر : 47] ، فإنه يتناول الأنواع الثّلاثة من الظُّلْمِ، فما أحد كان منه ظُلْمٌ مّا في الدّنيا إلّا ولو حصل له ما في الأرض ومثله معه لكان يفتدي به، وقوله: ﴿هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى﴾ [النجم : 52] ، تنبيها أنّ الظُّلْمَ لا يغني ولا يجدي ولا يخلّص بل يردي بدلالة قوم نوح. وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ﴾ [غافر : 31] ، وفي موضع: ﴿وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق : 29] ، وتخصيص أحدهما بالإرادة مع لفظ العباد، والآخر بلفظ الظَّلَّامِ للعبيد يختصّ بما بعد هذا الكتاب(٤) . والظَّلِيمُ: ذَكَرُ النعامِ، وقيل: إنّما سمّي بذلك لاعتقادهم أنه مَظْلُومٌ، للمعنى الذي أشار إليه الشاعر:
307- فصرت كالهيق عدا يبتغي ... قرنا فلم يرجع بأذنين(٥)
والظَّلْمُ: ماء الأسنان. قال الخليل(٦) : لقيته أوّل ذي ظَلَمٍ، أو ذي ظَلَمَةٍ، أي: أوّل شيء سدّ بصرك، قال: ولا يشتقّ منه فعل، ولقيته أدنى ظَلَمٍ كذلك.
(١) وذلك في قوله تعالى: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ سورة البقرة: آية 35.
وقوله: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا﴾ [الأعراف : 23] ولا يقال ذلك إلا مع الآية دون الإطلاق.
(٢) الآية: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ 162.
قوم
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
قوم
يقال: قَامَ يَقُومُ قِياماً، فهو قَائِمٌ، وجمعه: قِيامٌ، وأَقَامَهُ غيره. وأَقَامَ بالمكان إِقَامَةً، والْقِيَامُ على أضرب: قيام بالشّخص، إمّا بتسخير أو اختيار، وقيام للشيء هو المراعاة للشيء والحفظ له، وقيام هو على العزم على الشيء، فمن القِيَامِ بالتّسخير قوله تعالى: ﴿مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود : 100] ، وقوله: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها﴾ [الحشر : 5] ، ومن القِيَامِ الذي هو بالاختيار قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً﴾ [الزمر : 9] . وقوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران : 191] ، وقوله: ﴿الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ﴾ [النساء : 34] ، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً﴾ [الفرقان : 64] . والقِيَامُ في الآيتين جمع قائم. ومن المراعاة للشيء قوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة : 8] ، ﴿قائِماً بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران : 18] ، وقوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد : 33] أي: حافظ لها. وقوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ [آل عمران : 113] ، وقوله: ﴿إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً﴾ [آل عمران : 75] أي: ثابتا على طلبه. ومن القِيَامِ الذي هو العزم قوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة : 6] ، وقوله: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [المائدة : 55] أي: يديمون فعلها ويحافظون عليها. والقِيَامُ والقِوَامُ: اسم لما يقوم به الشيء.
أي: يثبت، كالعماد والسّناد: لما يعمد ويسند به، كقوله: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً﴾ [النساء : 5] ، أي: جعلها ممّا يمسككم. وقوله: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ﴾ [المائدة : 97] أي: قِوَاما لهم يقوم به معاشهم ومعادهم.
قال الأصمّ: قائما لا ينسخ، وقرئ: قيما(١) بمعنى قياما، وليس قول من قال: جمع قيمة بشيء. ويقال: قَامَ كذا، وثبت، وركز بمعنى. وقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة : 125] ، وقَامَ فلان مَقَامَ فلان: إذا ناب عنه. قال: ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ﴾ [المائدة : 107] . وقوله: ﴿دِيناً قِيَماً﴾ [الأنعام : 161] ، أي: ثابتا مُقَوِّماً لأمور معاشهم ومعادهم. وقرئ: قيما(٢) مخفّفا من قيام. وقيل: هو وصف، نحو: قوم عدى، ومكان سوى، ولحم زيم(٣) ، وماء روى، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [يوسف : 40] ، وقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً﴾ [الكهف : 1-2] ، وقوله: ﴿وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة : 5] فَالْقَيِّمَةُ هاهنا اسم للأمّة القائمة بالقسط المشار إليهم بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران : 110] ، وقوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ﴾ [النساء : 135] ، يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ [البينة : 2-3] فقد أشار بقوله: صُحُفاً مُطَهَّرَةً إلى القرآن، وبقوله: ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة : 3] إلى ما فيه من معاني كتب الله تعالى، فإنّ القرآن مجمع ثمرة كتب الله تعالى المتقدّمة. وقوله: ﴿اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة : 255] أي: القائم الحافظ لكلّ شيء، والمعطى له ما به قِوَامُهُ، وذلك هو المعنى المذكور في قوله: ﴿الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه : 50] ، وفي قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد : 33] . وبناء قَيُّومٍ: فيعول، وقَيَّامٌ: فيعال. نحو: ديّون وديّان، والقِيامَةُ: عبارة عن قيام الساعة المذكور في قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [الروم : 12] ، ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [المطففين : 6] ، ﴿وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً﴾ [الكهف : 36] ، والْقِيَامَةُ أصلها ما يكون من الإنسان من القيام دُفْعَةً واحدة، أدخل فيها الهاء تنبيها على وقوعها دُفْعَة، والمَقامُ يكون مصدرا، واسم مكان القيام، وزمانه. نحو: ﴿إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي﴾ [يونس : 71] ، ﴿ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم : 14] ، ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن : 46] ، ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة : 125] ، ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ﴾ [آل عمران : 97] ، وقوله: ﴿وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان : 26] ، ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ﴾ [الدخان : 51] ، ﴿خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم : 73] ، وقال: ﴿وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات : 164] ، وقال: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ﴾ [النمل : 39] قال الأخفش: في قوله قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ [النمل : 39] : إنّ المَقَامَ المقعد، فهذا إن أراد أنّ المقام والمقعد بالذّات شيء واحد، وإنما يختلفان بنسبته إلى الفاعل كالصّعود والحدور فصحيح، وإن أراد أنّ معنى المقام معنى المقعد فذلك بعيد، فإنه يسمى المكان الواحد مرّة مقاما إذا اعتبر بقيامه، ومقعدا إذا اعتبر بقعوده، وقيل: المَقَامَةُ: الجماعة، قال الشاعر:
379- وفيهم مَقَامَاتٌ حسان وجوههم(٤) وإنما ذلك في الحقيقة اسم للمكان وإن جعل اسما لأصحابه. نحو قول الشاعر:
380- واستبّ بعدك يا كليب المجلس(٥)
فسمّى المستبّين المجلس. والاسْتِقَامَةُ يقال في الطريق الذي يكون على خطّ مستو، وبه شبّه طريق المحقّ. نحو: ﴿اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة : 6] ، ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً﴾ [الأنعام : 153] ، ﴿إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود : 56] . واسْتِقَامَةُ الإنسان: لزومه المنهج المستقيم. نحو قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت : 30] وقال: ﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود : 112] ، ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ [فصلت : 6] والْإِقَامَةُ في المكان: الثبات. وإِقَامَةُ الشيء: توفية حقّه، وقال: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة : 68] أي: توفّون حقوقهما بالعلم والعمل، وكذلك قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة : 66] ولم يأمر تعالى بالصلاة حيثما أمر، ولا مدح بها حيثما مدح إلّا بلفظ الإقامة، تنبيها أنّ المقصود منها توفية شرائطها لا الإتيان بهيئاتها، نحو: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة : 43] ، في غير موضع وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ [النساء : 162] .
وقوله: ﴿وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ [النساء : 142] فإنّ هذا من القيام لا من الإقامة، وأمّا قوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ [إبراهيم : 40] أي: وفّقني لتوفية شرائطها، وقوله: ﴿فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ [التوبة : 11] فقد قيل: عني به إقامتها بالإقرار بوجوبها لا بأدائها، والمُقَامُ يقال للمصدر، والمكان، والزّمان، والمفعول، لكن الوارد في القرآن هو المصدر نحو قوله: ﴿إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً﴾ [الفرقان : 66] ، والمُقَامةُ: الإقامة، قال: ﴿الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر : 35] نحو: ﴿دارُ الْخُلْدِ﴾ [فصلت : 28] ، و﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة : 72] وقوله: ﴿لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب : 13] ، من قام، أي: لا مستقرّ لكم، وقد قرئ: لا مُقامَ لَكُمْ(٦) من: أَقَامَ. ويعبّر بالإقامة عن الدوام. نحو: ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود : 39] ، وقرئ: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ(٧) [الدخان : 51] ، أي: في مكان تدوم إقامتهم فيه، وتَقْوِيمُ الشيء: تثقيفه، قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين : 4] وذلك إشارة إلى ما خصّ به الإنسان من بين الحيوان من العقل والفهم، وانتصاب القامة الدّالّة على استيلائه على كلّ ما في هذا العالم، وتَقْوِيمُ السّلعة: بيان قيمتها. والقَوْمُ: جماعة الرّجال في الأصل دون النّساء، ولذلك قال: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ الآية [الحجرات : 11] ، قال الشاعر:
381- أقوم آل حصن أم نساء(٨)
وفي عامّة القرآن أريدوا به والنّساء جميعا، وحقيقته للرّجال لما نبّه عليه قوله: ﴿الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ الآية [النساء : 34] .
(١) وهي قراءة ابن عامر. الإتحاف ص 203.
(٢) وهي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف. الإتحاف ص 220.
(٣) لحم زيم: متعضّل ليس بمجتمع في مكان فيبدن. اللسان (زيم) .
(٤) الشطر لزهير بن أبي سلمى، وعجزه: وأندية ينتابها القول والفعل
وهو في ديوانه ص 60 من قصيدة مطلعها: صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو ... وأقضر من سلمى التعانيق فالثقل
(٥) هذا عجز بيت لمهلهل بن ربيعة من أبيات يرثي بها أخاه.
وصدره: نبّئت أنّ النار بعدك أوقدت
وهو في ديوانه ص 280.
(٦) وهي قراءة حفص وحده، والباقون بفتح الميم. الإتحاف ص 353.
(٧) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب.
(٨) عجز بيت لزهير، وصدره: وما أدري وسوف إخال أدري
وهو من قصيدة مطلعها: عفا من آل فاطمة الجواء ... فيمن فالقوادم فالحساء
وهو في ديوانه ص 12، واللسان (قوم) .
لو
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
لو
لَوْ: قيل: هو لامتناع الشيء لامتناع غيره، ويتضمّن معنى الشرط نحو: قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ [الإسراء : 100] .
«لَوْلَا» يجيء على وجهين: أحدهما: بمعنى امتناع الشيء لوقوع غيره، ويلزم خبره الحذف، ويستغنى بجوابه عن الخبر. نحو: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ : 31] .
والثاني: بمعنى هلّا، ويتعقّبه الفعل نحو: ﴿لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا﴾ [طه : 134] أي: هلّا. وأمثلتهما تكثر في القرآن.
شاء
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
شيء
الشَّيْءُ قيل: هو الذي يصحّ أن يعلم ويخبر عنه، وعند كثير من المتكلّمين هو اسم مشترك المعنى إذ استعمل في الله وفي غيره، ويقع على الموجود والمعدوم. وعند بعضهم: الشَّيْءُ عبارة عن الموجود(١) ، وأصله: مصدر شَاءَ، وإذا وصف به تعالى فمعناه: شَاءَ، وإذا وصف به غيره فمعناه الْمَشِيءُ، وعلى الثاني قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد : 16] ، فهذا على العموم بلا مثنويّة إذ كان الشيء هاهنا مصدرا في معنى المفعول. وقوله: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً﴾ [الأنعام : 19] ، فهو بمعنى الفاعل كقوله: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ [المؤمنون : 14] .
والْمَشِيئَةُ عند أكثر المتكلّمين كالإرادة سواء، وعند بعضهم: المشيئة في الأصل: إيجاد الشيء وإصابته، وإن كان قد يستعمل في التّعارف موضع الإرادة، فالمشيئة من الله تعالى هي الإيجاد، ومن الناس هي الإصابة، قال: والمشيئة من الله تقتضي وجود الشيء، ولذلك قيل: (ما شَاءَ الله كان وما لم يَشَأْ لم يكن)(٢) ، والإرادة منه لا تقتضي وجود المراد لا محالة، ألا ترى أنه قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة : 185] ، ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ﴾ [غافر : 31] ، ومعلوم أنه قد يحصل العسر والتّظالم فيما بين الناس، قالوا: ومن الفرق بينهما أنّ إرادة الإنسان قد تحصل من غير أن تتقدّمها إرادة الله، فإنّ الإنسان قد يريد أن لا يموت، ويأبى الله ذلك، ومشيئته لا تكون إلّا بعد مشيئته لقوله: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [الإنسان : 30] ، روي أنّه لما نزل قوله: ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير : 28] ، قال الكفّار: الأمر إلينا إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله تعالى وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ(٣) ، وقال بعضهم: لولا أن الأمور كلّها موقوفة على مشيئة الله تعالى، وأنّ أفعالنا معلّقة بها وموقوفة عليها لما أجمع الناس على تعليق الاستثناء به في جميع أفعالنا نحو: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات : 102] ، ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً﴾ [الكهف : 69] ، ﴿يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ﴾ [هود : 33] ، ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ [يوسف : 69] ، ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف : 188] ، ﴿وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا﴾ [الأعراف : 89] ، وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [الكهف : 24] .
(١) قال صاحب الجوهرة: وعندنا الشيء هو الموجود ... وثابت في الخارج الموجود
(٢) هذا حديث لا قول، عن زيد بن ثابت وأبي الدرداء أنّ النبيّ ﷺ قال: «ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن» أخرجه البيهقي في الاعتقاد والهداية ص 106، وأخرجه أحمد والطبراني عن زيد بن ثابت أنّ رسول الله علّمه دعاء وأمره أن يتعاهد به أهله، كلّ يوم حين يصبح: لبيّك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك، ومنك وبك وإليك، اللهم ما قلت من قول، أو نذرت من نذر، أو حلفت من حلف فمشيئتك بين يديك، ما شئت كان، وما لم تشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بك، إنك على كل شيء قدير ... » الحديث.
قال الهيثمي: وأحد إسنادي الطبراني رجاله وثقوا، وفي بقية الأسانيد أبو بكر ابن أبي مريم وهو ضعيف. انظر: مسند أحمد 5/ 191، ومجمع الزوائد 10/ 116.
وسئل الشافعي عن القدر فأنشأ يقول: ما شئت كان وإن لم أشأ ... وما شئت إن لم تشأ لم يكن
(٣) أخرج هذا ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة. انظر: الدر المنثور 8/ 436.
أله
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
أله
الله: قيل: أصله إله فحذفت همزته، وأدخل عليها الألف واللام، فخصّ بالباري تعالى، ولتخصصه به قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم : 65] . وإله جعلوه اسما لكل معبود لهم، وكذا اللات، وسمّوا الشمس إِلَاهَة(١) لاتخاذهم إياها معبودا.
وأَلَهَ فلان يَأْلُهُ الآلهة: عبد، وقيل: تَأَلَّهَ.
فالإله على هذا هو المعبود(٢) . وقيل: هو من: أَلِهَ، أي: تحيّر، وتسميته بذلك إشارة إلى ما قال أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه: (كلّ دون صفاته تحبير الصفات، وضلّ هناك تصاريف اللغات) وذلك أنّ العبد إذا تفكّر في صفاته تحيّر فيها، ولهذا روي: «تفكّروا في آلاء الله ولا تفكّروا في الله»(٣) .
وقيل: أصله: ولاه، فأبدل من الواو همزة، وتسميته بذلك لكون كل مخلوق والها نحوه، إمّا بالتسخير فقط كالجمادات والحيوانات، وإمّا بالتسخير والإرادة معا كبعض الناس، ومن هذا الوجه قال بعض الحكماء: الله محبوب الأشياء كلها(٤) ، وعليه دلّ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء : 44] .
وقيل: أصله من: لاه يلوه لياها، أي: احتجب. قالوا: وذلك إشارة إلى ما قال تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ﴾ [الأنعام : 103] ، والمشار إليه بالباطن في قوله: ﴿وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ﴾ [الحديد : 3] . وإِلَهٌ حقّه ألا يجمع، إذ لا معبود سواه، لكن العرب لاعتقادهم أنّ هاهنا معبودات جمعوه، فقالوا: الآلهة. قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا﴾ [الأنبياء : 43] ، وقال: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف : 127] وقرئ: (وإلاهتك)(٥) أي: عبادتك. ولاه أنت، أي: لله، وحذف إحدى اللامين.
«اللهم» قيل: معناه: يا الله، فأبدل من الياء في أوله الميمان في آخره(٦) ، وخصّ بدعاء الله، وقيل: تقديره: يا الله أمّنا بخير(٧) ، مركّب تركيب حيّهلا.
(١) وقال في ذلك ابن مالك في مثلّثه: والشمس سمّاها صدوق النبأة ... إلاهة واضممه للإضراب
(٢) وفي ذلك يقول الفقيه محمد سيد بن أبت اليعقوبي الشنقيطي رحمه الله: الله مشتق وقيل: مرتجل ... وهو أعرف المعرّفات جل
أله أي: عبد، أو من الأله ... وهو اعتماد الخلق أو من الوله
أو المحجّب عن العيان ... من: لاهت العروس في البنيان
أو أله الحيران من قول العرب ... أو من: ألهت، أي: سكنت للأرب.
(٣) الحديث رواه أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس بلفظ: «تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله» ورواه ابن أبي شيبة في كتاب العرش ص 59 من قوله عن ابن عباس بلفظ: «تفكروا في كل شيء ولا تتفكروا في الله» .
وجاء أحاديث كثيرة بمعناها قال العجلوني: وأسانيدها ضعيفة لكن اجتماعها يكسبه قوة، ومعناه صحيح.
راجع: كشف الخفاء 1/ 311، والنهاية في غريب الحديث 1/ 63.
(٤) انظر: عمدة الحفاظ: (أله) .
(٥) وبها قرأ عليّ بن أبي طالب وابن عباس والضحاك، وهي قراءة شاذة، راجع: القرطبي 7/ 262.
(٦) وهذا قول الخليل رحمه الله، انظر: اللسان (أله) ، ومعاني الفراء 1/ 203، والغريبين للهروي 1/ 79.
(٧) وهذا قول الفراء، ذكره في معاني القرآن 1/ 203.
ذهب
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
ذهب
الذَّهَبُ معروف، وربما قيل ذَهَبَةٌ، ورجل ذَهِبٌ: رأى معدن الذّهب فدهش، وشيء مُذَهَّبٌ: جعل عليه الذّهب، وكميت مُذْهَبٌ: علت حمرته صفرة، كأنّ عليها ذهبا، والذَّهَابُ: المضيّ، يقال: ذَهَبَ بالشيء وأَذْهَبَهُ، ويستعمل ذلك في الأعيان والمعاني، قال الله تعالى: ﴿وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي﴾ [الصافات : 99] ، ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ [هود : 74] ، ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر : 8] ، كناية عن الموت، وقال: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم : 19] ، وقال: ﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر : 34] ، وقال: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب : 33] ، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء : 19] ، أي: لتفوزوا بشيء من المهر، أو غير ذلك مما أعطيتموهنّ وقوله: ﴿وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال : 46] ، وقال: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة : 17] ، ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ [البقرة : 20] ، لَيَقُولَنَّ: ﴿ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي﴾ [هود : 10] .
سمع
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
سمع
السَّمْعُ: قوّة في الأذن به يدرك الأصوات، وفعله يقال له السَّمْعُ أيضا، وقد سمع سمعا.
ويعبّر تارة بالسمّع عن الأذن نحو: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة : 7] ، وتارة عن فعله كَالسَّمَاعِ نحو: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء : 212] ، وقال تعالى: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق : 37] ، وتارة عن الفهم، وتارة عن الطاعة، تقول: اسْمَعْ ما أقول لك، ولم تسمع ما قلت، وتعني لم تفهم، قال تعالى: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا﴾ [الأنفال : 31] ، وقوله: ﴿سَمِعْنا وَعَصَيْنا﴾ [النساء : 46] ، أي: فهمنا قولك ولم نأتمر لك، وكذلك قوله: ﴿سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾ [البقرة : 285] ، أي: فهمنا وارتسمنا.
وقوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال : 21] ، يجوز أن يكون معناه: فهمنا وهم لا يفهمون، وأن يكون معناه: فهمنا وهم لا يعملون بموجبه، وإذا لم يعمل بموجبه فهو في حكم من لم يسمع. ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا﴾ [الأنفال : 23] ، أي: أفهمهم بأن جعل لهم قوّة يفهمون بها، وقوله: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ [النساء : 46] ، يقال على وجهين: أحدهما: دعاء على الإنسان بالصّمم.
والثاني: دعاء له.
فالأوّل نحو: أَسْمَعَكَ الله، أي: جعلك الله أصمّ.
والثاني: أن يقال: أَسْمَعْتُ فلانا: إذا سببته، وذلك متعارف في السّبّ، وروي(١) أنّ أهل الكتاب كانوا يقولون ذلك للنبيّ ﷺ يوهمون أنهم يعظّمونه، ويدعون له وهم يدعون عليه بذلك.
وكلّ موضع أثبت الله السّمع للمؤمنين، أو نفى عن الكافرين، أو حثّ على تحرّيه فالقصد به إلى تصوّر المعنى والتّفكر فيه، نحو: ﴿أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ [الأعراف : 195] ، ونحو: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ [البقرة : 18] ، ونحو: ﴿فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ﴾ [فصلت : 44] ، وإذا وصفت الله تعالى بِالسَّمْعِ فالمراد به علمه بِالْمَسْمُوعَاتِ(٢)، وتحرّيه بالمجازاة بها نحو: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾ [المجادلة : 1] ، ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا﴾ [آل عمران : 181].
وقوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ [النمل : 80] ، أي: لا تفهمهم، لكونهم كالموتى في افتقادهم بسوء فعلهم القوّة العاقلة التي هي الحياة المختصّة بالإنسانيّة، وقوله: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ [الكهف : 26] ، أي: يقول فيه تعالى ذلك من وقف على عجائب حكمته، ولا يقال فيه: ما أبصره وما أسمعه، لما تقدّم ذكره أنّ الله تعالى لا يوصف إلّا بما ورد به السّمع وقوله في صفة الكفّار: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ [مريم : 38] ، معناه: أنهم يسمعون ويبصرون في ذلك اليوم ما خفي عليهم، وضلّوا عنه اليوم لظلمهم أنفسهم، وتركهم النّظر، وقال: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة : 93] ، ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة : 42] ، أي: يسمعون منك لأجل أن يكذبوا، ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [المائدة : 41] ، أي: يسمعون لمكانهم، والِاسْتِمَاعُ: الإصغاء نحو: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ، ﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [الإسراء : 47] ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ [محمد : 16] ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس : 42] ، ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ﴾ [ق : 41] ، وقوله: ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ﴾ [يونس : 31] ، أي: من الموجد لِأَسْمَاعِهِمْ، وأبصارهم، والمتولّي لحفظها؟ والْمِسْمَعُ والْمَسْمَعُ: خرق الأذن، وبه شبّه حلقة مسمع الغرب(٣) .
(١) عن ابن زيد، كما أخرجه الطبري في تفسيره 5/ 118.
(٢) قلت (مدخِّل الكتاب): سلك المصنف مسلك المعتزلى في هذا، عفا الله عنه، والصحيح أن الله سميع بصير كما أخبرنا.
(٣) الغرب: الدلو العظيمة.
إنّ
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
إن وأن
* إِنَّ، أَنَّ:
ينصبان الاسم ويرفعان الخبر، والفرق بينهما أنّ «إِنَّ» يكون ما بعده جملة مستقلة، و «أَنَّ» يكون ما بعده في حكم مفرد يقع موقع مرفوع ومنصوب ومجرور، نحو: أعجبني أَنَّك تخرج، وعلمت أَنَّكَ تخرج، وتعجّبت من أَنَّك تخرج. وإذا أدخل عليه «ما» يبطل عمله، ويقتضي إثبات الحكم للمذكور وصرفه عمّا عداه، نحو: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة : 28] تنبيها على أنّ النجاسة التامة هي حاصلة للمختص بالشرك، وقوله عزّ وجل: ﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ [البقرة : 173] أي: ما حرّم ذلك إلا تنبيها على أنّ أعظم المحرمات من المطعومات في أصل الشرع هو هذه المذكورات.
* وأَنْ على أربعة أوجه:
الداخلة على المعدومين من الفعل الماضي أو المستقبل، ويكون ما بعده في تقدير مصدر، وينصب المستقبل نحو: أعجبني أن تخرج وأن خرجت.
والمخفّفة من الثقيلة نحو: أعجبني أن زيدا منطلق.
والمؤكّدة ل «لمّا» نحو: ﴿فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ﴾ [يوسف : 96] .
والمفسّرة لما يكون بمعنى القول، نحو: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا﴾ [ص : 6] أي: قالوا: امشوا.
* وكذلك «إِنْ» على أربعة أوجه:
للشرط نحو: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ﴾ [المائدة : 118] ،
والمخفّفة من الثقيلة ويلزمها اللام نحو: ﴿إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا﴾ [الفرقان : 42] ،
والنافية، وأكثر ما يجيء يتعقّبه «إلا» ، نحو: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾ [الجاثية : 32] ، ﴿إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر : 25] ، ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود : 54] .
والمؤكّدة ل «ما» النافية، نحو: ما إن يخرج زيد.
كل
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
كل
لفظ كُلٍّ هو لضمّ أجزاء الشيء، وذلك ضربان: أحدهما: الضّامّ لذات الشيء وأحواله المختصّة به، ويفيد معنى التمام. نحو قوله تعالى: ﴿وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء : 29] . أي: بسطا تامّا، قال الشاعر:
392- ليس الفتى كلّ الفتى ... إلّا الفتى في أدبه(١)
أي: التامّ الفتوّة.
والثاني: الضّامّ للذّوات، وذلك يضاف، تارة إلى جمع معرّف بالألف واللام. نحو قولك: كُلُّ القوم، وتارة إلى ضمير ذلك. نحو: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر : 30] . وقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة : 33] . أو إلى نكرة مفردة نحو: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ﴾ [الإسراء : 13] ، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة : 29] إلى غيرها من الآيات، وربما عري عن الإضافة، ويقدّر ذلك فيه نحو: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس : 40] ، ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل : 87] ، ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً﴾ [مريم : 95] ، ﴿وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ﴾ [الأنبياء : 72] ، و﴿كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنبياء : 85] ، ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ﴾ [الفرقان : 39] إلى غير ذلك في القرآن ممّا يكثر تعداده. ولم يرد في شيء من القرآن ولا في شيء من كلام الفصحاء الكُلُّ بالألف واللام، وإنما ذلك شيء يجري في كلام المتكلّمين والفقهاء ومن نحا نحوهم(٢) .
والكلالَةُ: اسم لما عدا الولد والوالد من الورثة، وقال ابن عباس: هو اسم لمن عدا الولد(٣) ، وروي أنّ النبيّ ﷺ سئل عن الكَلَالَةِ فقال: «من مات وليس له ولد ولا والد»(٤) فجعله اسما للميّت، وكلا القولين صحيح. فإنّ الكَلَالَةَ مصدر يجمع الوارث والموروث جميعا، وتسميتها بذلك، إمّا لأنّ النّسب كلّ عن اللّحوق به، أو لأنّه قد لحق به بالعرض من أحد طرفيه، وذلك لأنّ الانتساب ضربان: أحدهما: بالعمق كنسبة الأب والابن.
والثاني: بالعرض كنسبة الأخ والعمّ، قال قطرب: الكَلَالَةُ: اسم لما عدا الأبوين والأخ، وليس بشيء، وقال بعضهم: هو اسم لكلّ وارث، كقول الشاعر:
393- والمرء يبخل في الحقو ... ق وللكلالة ما يسيم(٥)
من أسام الإبل: إذا أخرجها للمرعى، ولم يقصد الشاعر ما ظنّه هذا، وإنما خصّ الكلالة ليزهد الإنسان في جمع المال، لأنّ ترك المال لهم أشدّ من تركه للأولاد، وتنبيها أنّ من خلّفت له المال فجار مجرى الكلالة، وذلك كقولك: ما تجمعه فهو للعدوّ، وتقول العرب: لم يرث فلان كذا كَلَالَةً: لمن تخصّص بشيء قد كان لأبيه، قال الشاعر:
394- ورثتم قناة الملك غير كلالة ... عن ابني مناف عبد شمس وهاشم(٦)
والإِكْلِيلُ سمّي بذلك لإطافته بالرأس، يقال: كَلَّ الرّجل في مشيته كَلَالًا، والسّيف عن ضريبته كُلُولًا، وكَلَّةً، واللّسان عن الكلام كذلك، وأَكَلَّ فلان: كَلَّتْ راحلتُهُ، والْكَلْكَلُ: الصّدر.
(١) البيت نسبه السمين في عمدة الحفاظ: كل، إلى لبيد، وليس في ديوانه وهو لليزيدي في الموشّى ص 17.
(٢) قال ابن منظور: وكلّ وبعض معرفتان، ولم يجئ عن العرب بالألف واللام، وهو جائز، لأنّ فيهما معنى الإضافة، أضفت أو لم تضف. اللسان (كلل) .
(٣) انظر: الدر المنثور 2/ 757.
(٤) أخرج عبد بن حميد وأبو داود في المراسيل ص 272 عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن الكلالة؟ فقال: أما سمعت الآية التي أنزلت في الصيف يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ فمن لم يترك ولدا ولا والدا فورثته كلالة. وأخرجه الحاكم موصولا عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم، ولم يخرجاه. وفيه الحماني، وقال الذهبي: الحماني ضعيف. انظر: المستدرك 4/ 336، والدر المنثور 2/ 754.
(٥) البيت ليزيد بن الحكم، وبعده: ما بخل من هو للمنو ... ن وريبها غرض رجيم
ويرى القرون أمامه ... همدوا كما همد الهشيم
وهو في شرح الحماسة للتبريزي 3/ 106.
(٦) البيت للفرزدق من قصيدة يمدح بها سليمان عبد الملك.
وهو في ديوانه ص 612، والمجمل 3/ 765، واللسان (كلل) .
قدر
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
قدر
الْقُدْرَةُ إذا وصف بها الإنسان فاسم لهيئة له بها يتمكّن من فعل شيء ما، وإذا وصف الله تعالى بها فهي نفي العجز عنه، ومحال أن يوصف غير الله بالقدرة المطلقة معنى وإن أطلق عليه لفظا، بل حقّه أن يقال: قَادِرٌ على كذا، ومتى قيل: هو قادر، فعلى سبيل معنى التّقييد، ولهذا لا أحد غير الله يوصف بالقدرة من وجه إلّا ويصحّ أن يوصف بالعجز من وجه، والله تعالى هو الذي ينتفي عنه العجز من كلّ وجه. والقَدِيرُ: هو الفاعل لما يشاء على قَدْرِ ما تقتضي الحكمة، لا زائدا عليه ولا ناقصا عنه، ولذلك لا يصحّ أن يوصف به إلا الله تعالى، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة : 20] . والمُقْتَدِرُ يقاربه نحو: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر : 55] ، لكن قد يوصف به البشر، وإذا استعمل في الله تعالى فمعناه القَدِيرُ، وإذا استعمل في البشر فمعناه: المتكلّف والمكتسب للقدرة، يقال: قَدَرْتُ على كذا قُدْرَةً. قال تعالى: ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة : 264] .
والقَدْرُ والتَّقْدِيرُ: تبيين كمّيّة الشيء. يقال: قَدَرْتُهُ وقَدَّرْتُهُ، وقَدَّرَهُ بالتّشديد: أعطاه الْقُدْرَةَ.
يقال: قَدَّرَنِي الله على كذا وقوّاني عليه، فَتَقْدِيرُ الله الأشياء على وجهين: أحدهما: بإعطاء القدرة.
والثاني: بأن يجعلها على مقدار مخصوص ووجه مخصوص حسبما اقتضت الحكمة، وذلك أنّ فعل الله تعالى ضربان: ضرب أوجده بالفعل، ومعنى إيجاده بالفعل أن أبدعه كاملا دفعة لا تعتريه الزّيادة والنّقصان إلى إن يشاء أن يفنيه، أو يبدّله كالسماوات وما فيها. ومنها ما جعل أصوله موجودة بالفعل وأجزاءه بالقوّة، وقدّره على وجه لا يتأتّى منه غير ما قدّره فيه، كتقديره في النّواة أن ينبت منها النّخل دون التّفّاح والزّيتون، وتقدير منيّ الإنسان أن يكون منه الإنسان دون سائر الحيوانات.
فَتَقْدِيرُ الله على وجهين: أحدهما بالحكم منه أن يكون كذا أو لا يكون كذا، إمّا على سبيل الوجوب، وإمّا على سبيل الإمكان. وعلى ذلك قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ [الطلاق : 3] .
والثاني: بإعطاء الْقُدْرَةِ عليه. وقوله: ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ﴾ [المرسلات : 23] ، تنبيها أنّ كلّ ما يحكم به فهو محمود في حكمه، أو يكون من قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ [الطلاق : 3] ، وقرئ: فَقَدَرْنا(١) بالتّشديد، وذلك منه، أو من إعطاء القدرة، وقوله: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ [الواقعة : 60] ، فإنه تنبيه أنّ ذلك حكمة من حيث إنه هو الْمُقَدِّرُ، وتنبيه أنّ ذلك ليس كما زعم المجوس أنّ الله يخلق وإبليس يقتل، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر : 1] ، إلى آخرها. أي: ليلة قيّضها لأمور مخصوصة. وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر : 49] ، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل : 20] ، إشارة إلى ما أجري من تكوير الليل على النهار، وتكوير النهار على الليل، وأن ليس أحد يمكنه معرفة ساعاتهما وتوفية حقّ العبادة منهما في وقت معلوم، وقوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس : 19] ، فإشارة إلى ما أوجده فيه بالقوّة، فيظهر حالا فحالا إلى الوجود بالصّورة، وقوله: ﴿وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ [الأحزاب : 38] ، فَقَدَرٌ إشارة إلى ما سبق به القضاء، والكتابة في اللّوح المحفوظ والمشار إليه بقوله عليه الصلاة والسلام: «فرغ ربّكم من الخلق والخلق والأجل والرّزق»(٢) ، والْمَقْدُورُ إشارة إلى ما يحدث عنه حالا فحالا ممّا قدّر، وهو المشار إليه بقوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن : 29] ، وعلى ذلك قوله: ﴿وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر : 21] ، قال أبو الحسن: خذه بقدر كذا وبقدر كذا، وفلان يخاصم بقدر وقدر، وقوله: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة : 236] ، أي: ما يليق بحاله مقدّرا عليه، وقوله: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى : 3] ، أي: أعطى كلّ شيء ما فيه مصلحته، وهداه لما فيه خلاصه، إمّا بالتّسخير، وإمّا بالتّعليم كما قال: ﴿أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه : 50] ، والتَّقْدِيرُ من الإنسان على وجهين: أحدهما: التّفكّر في الأمر بحسب نظر العقل، وبناء الأمر عليه، وذلك محمود، والثاني: أن يكون بحسب التّمنّي والشّهوة، وذلك مذموم كقوله: ﴿فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر : 18-19] ، وتستعار الْقُدْرَةُ والْمَقْدُورُ للحال، والسّعة في المال، والقَدَرُ: وقت الشيء المقدّر له، والمكان المقدّر له، قال: ﴿إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات : 22] ، وقال: ﴿فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾ [الرعد : 17] ، أي: بقدر المكان المقدّر لأن يسعها، وقرئ: (بِقَدْرِهَا)(٣) أي: تقديرها. وقوله: ﴿وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ [القلم : 25] ، قاصدين، أي: معيّنين لوقت قَدَّرُوهُ، وكذلك قوله: ﴿فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر : 12] ، وقَدَرْتُ عليه الشيء: ضيّقته، كأنما جعلته بقدر بخلاف ما وصف بغير حساب. قال تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق : 7] ، أي: ضيّق عليه، وقال: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الروم : 37] ، وقال: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء : 87] ، أي: لن نضيّق عليه، وقرئ: (لن نُقَدِّرَ عليه)(٤) ، ومن هذا المعنى اشتقّ الْأَقْدَرُ، أي: القصيرُ العنق. وفرس أَقْدَرُ: يضع حافر رجله موضع حافر يده، وقوله: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام : 91] ، أي: ما عرفوا كنهه تنبيها أنه كيف يمكنهم أن يدركوا كنهه، وهذا وصفه، وهو قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [الزمر : 67] ، وقوله: ﴿أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ : 11] ، أي: أحكمه، وقوله: ﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف : 42] ، ومِقْدَارُ الشيء: للشيء المقدّر له، وبه، وقتا كان أو زمانا أو غيرهما، قال: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج : 4] ، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الحديد : 29] ، فالكلام فيه مختصّ بالتّأويل. والقِدْرُ: اسم لما يطبخ فيه اللّحم، قال تعالى: ﴿وَقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ [سبأ : 13] ، وقَدَرْتُ اللّحم: طبخته في الْقِدْرِ، والْقَدِيرُ: المطبوخ فيها، والْقُدَارُ: الذي ينحر ويُقْدَرُ، قال الشاعر:
364- ضرب القدار نقيعة القدّام(٥)
(١) قرأ بالتشديد نافع والكسائي وأبو جعفر. انظر: الإتحاف ص 430.
(٢) الحديث تقدّم في مادة (خزن) ، وأخرجه ابن حبان في روضة العقلاء ص 149 من كلام ابن مسعود.
(٣) وهي قراءة شاذة، قرأ بها الحسن والأشهب العقيلي. انظر: تفسير القرطبي 9/ 305.
(٤) وهي قراءة شاذة، قرأ بها ابن عباس والزهري وعمر بن عبد العزيز. انظر: تفسير القرطبي 11/ 332.
(٥) هذا عجز بيت، وشطره: إنّا لنضرب بالسيوف رؤوسهم
وهو لمهلهل. والبيت في الجمهرة 2/ 253، والمجمل 3/ 745، واللسان (قدر) ، وشرح الحماسة 3/ 36.