التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير سورة الفاتحة، الآية: ٦

تفسير قول الله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ). سورة الفاتحة، الآية: ٦

التحرير والتنوير - ابن عاشور

التحرير والتنوير - ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)

﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَ اطَ ٱلۡمُسۡتَقِیمَ﴾ [الفاتحة ٦]

﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ تَهَيَّأ لِأصْحابِ هَذِهِ المُناجاةِ أنْ يَسْعَوْا إلى طَلَبِ حُظُوظِهِمُ الشَّرِيفَةِ مِنَ الهِدايَةِ بَعْدَ أنْ حَمِدُوا اللَّهَ ووَصَفُوهُ بِصِفاتِ الجَلالَةِ ثُمَّ أتْبَعُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] الَّذِي هو واسِطَةٌ جامِعٌ بَيْنَ تَمْجِيدِ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ إظْهارِ العُبُودِيَّةِ وهي حَظُّ العَبْدِ بِأنَّهُ عابِدٌ ومُسْتَعِينٌ وأنَّهُ قاصِرٌ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَ ذَلِكَ واسِطَةً بَيْنَ الثَّناءِ وبَيْنَ الطَّلَبِ، حَتّى إذا ظَنُّوا بِرَبِّهِمُ الإقْبالَ عَلَيْهِمْ ورَجَوْا مِن فَضْلِهِ، أفْضَوْا إلى سُؤْلِ حَظِّهِمْ فَقالُوا ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ فَهو حَظُّ الطّالِبِينَ خاصَّةً لِما يَنْفَعُهم في عاجِلِهِمْ وآجِلِهِمْ، فَهَذا هو التَّوْجِيهُ المُناسِبُ لِكَوْنِ الفاتِحَةِ بِمَنزِلَةِ الدِّيباجَةِ لِلْكِتابِ الَّذِي أُنْزِلَ هُدًى لِلنّاسِ ورَحْمَةً فَتَتَنَزَّلُ هاتِهِ الجُمْلَةُ مِمّا قَبْلَها مَنزِلَةَ المَقْصِدِ مِنَ الدِّيباجَةِ، أوِ المَوْضُوعِ مِنَ الخُطْبَةِ، أوِ التَّخَلُّصِ مِنَ القَصِيدَةِ، ولِاخْتِلافِ الجُمَلِ المُتَقَدِّمَةِ مَعَها بِالخَبَرِيَّةِ والإنْشائِيَّةِ فُصِلَتْ هَذِهِ عَنْهُنَّ، وهَذا أوْلى في التَّوْجِيهِ مِن جَعْلِها جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ.

والهِدايَةُ الدَّلالَةُ بِتَلَطُّفٍ ولِذَلِكَ خُصَّتْ بِالدَّلالَةِ لِما فِيهِ خَيْرُ المَدْلُولِ لِأنَّ التَّلَطُّفَ يُناسِبُ مَن أُرِيدَ بِهِ الخَيْرُ، وهو يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ بِنَفْسِهِ لِأنَّ مَعْناهُ مَعْنى الإرْشادِ، ويَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي وهو المُهْدى إلَيْهِ بِإلى وبِاللّامِ، والِاسْتِعْمالانِ وارِدانِ، تَقُولُ: هَدَيْتُهُ إلى كَذا عَلى مَعْنى أوْصَلْتُهُ إلى مَعْرِفَتِهِ، وهَدَيْتُهُ لِكَذا عَلى مَعْنى أرْشَدْتُهُ لِأجْلِ كَذا ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣]، ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] وقَدْ يُعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِنَفْسِهِ كَما هُنا عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى عَرَفَ، قِيلَ هي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ وأمّا غَيْرُهم فَلا يُعَدِّيهِ بِنَفْسِهِ وقَدْ جَعَلُوا تَعْدِيَتَهُ بِنَفْسِهِ مِنَ التَّوَسُّعِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالحَذْفِ والإيصالِ.

وقِيلَ: الفَرْقُ بَيْنَ المُتَعَدِّي وغَيْرِهِ أنَّ المُتَعَدِّيَ يُسْتَعْمَلُ في الهِدايَةِ لِمَن كانَ في الطَّرِيقِ ونَحْوِهِ لِيَزْدادَ هُدًى، ومَصْدَرُهُ حِينَئِذٍ الهِدايَةُ، وأمّا هَداهُ إلى كَذا أوْ لِكَذا فَيُسْتَعْمَلُ لِمَن لَمْ يَكُنْ سائِرًا في الطَّرِيقِ ومَصْدَرُهُ هُدًى، وكَأنَّ صاحِبَ هَذا القَوْلِ نَظَرَ إلى أنَّ المُتَعَدِّيَ بِالحَرْفِ إنَّما عُدِّيَ لِتَقْوِيَتِهِ، والتَّقْوِيَةُ إمّا أنْ يَقْصِدَ بِها تَقْوِيَةَ العامِلِ لِضَعْفِهِ في العَمَلِ بِالفَرْعِيَّةِ أوِ التَّأْخِيرِ، وإمّا أنْ يَقْصِدَ بِها تَقْوِيَةَ مَعْناهُ، والحَقُّ أنَّ هَذا إنْ تَمَّ فَهو أغْلَبِيٌّ عَلى أنَّهُ تَخْصِيصٌ مِنَ الِاسْتِعْمالِ فَلا يَقْتَضِي كَوْنُ الفِعْلِ مُخْتَلِفَ المَعْنى؛ لِأنَّ الفِعْلَ لا تَخْتَلِفُ مَعانِيهِ بِاعْتِبارِ كَيْفِيَّةِ تَعْدِيَتِهِ إلّا إذا ضُمِّنَ مَعْنى فِعْلٍ آخَرَ، عَلى أنَّ كُلًّا مِنَ الهُدى والهِدايَةِ اسْمُ مَصْدَرٍ، والمَصْدَرُ هو الهَدْيُ. والَّذِي أراهُ أنَّ التَّعْدِيَةَ والقُصُورَ لَيْسا مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تُصْنَعُ بِاليَدِ أوْ يَصْطَلِحُ عَلَيْها أحَدٌ، بَلْ هي جارِيَةٌ عَلى مَعْنى الحَدَثِ المَدْلُولِ لِلْفِعْلِ فَإنْ كانَ الحَدَثُ يَتَقَوَّمُ مَعْناهُ بِمُجَرَّدِ تَصَوُّرِ مَن قامَ بِهِ فَهو الفِعْلُ القاصِرُ، وإنْ كانَ لا يَتَقَوَّمُ إلّا بِتَصَوُّرِ مَن قامَ بِهِ، ومَن وقَعَ عَلَيْهِ فَهو المُتَعَدِّي إلى واحِدٍ أوْ أكْثَرَ، فَإنْ أُشْكِلَتْ أفْعالٌ فَإنَّما إشْكالُها لِعَدَمِ اتِّضاحِ تَشَخُّصِ الحَدَثِ المُرادِ مِنها؛ لِأنَّ مَعْناها يَحُومُ حَوْلَ مَعانٍ مُتَعَدِّدَةٍ.

”وهَدى“ مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ لا مَحالَةَ، وإنَّما الكَلامُ في تَعْدِيَتِهِ لِثانٍ فالحَقُّ أنَّهُ إنِ اعْتُبِرَ فِيهِ مَعْنى الإرادَةِ والإبانَةِ تَعَدّى بِنَفْسِهِ، وإنِ اعْتُبِرَ فِيهِ مُطْلَقُ الإرْشادِ والإشارَةِ فَهو مُتَعَدٍّ بِالحَرْفِ فَحالَةُ تَعْدِيَتِهِ هي المُؤْذِنَةُ بِالحَدَثِ المُتَضَمِّنِ لَهُ.

وقَدْ قِيلَ إنَّ حَقِيقَةَ الهِدايَةِ الدَّلالَةُ عَلى الطَّرِيقِ لِلْوُصُولِ إلى المَكانِ المَقْصُودِ، فالهادِي هو العارِفُ بِالطُّرُقِ وفي حَدِيثِ الهِجْرَةِ «إنَّ أبا بَكْرٍ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا مِن بَنِي الدِّيلِ هادِيًا خِرِّيتًا» وإنَّ ما نَشَأ مِن مَعانِي الهِدايَةِ هو مَجازاتٌ شاعَ اسْتِعْمالُها. والهِدايَةُ في اصْطِلاحِ الشَّرْعِ حِينَ تُسْنَدُ إلى اللَّهِ تَعالى هي الدَّلالَةُ عَلى ما يُرْضِي اللَّهَ مِن فِعْلِ الخَيْرِ ويُقابِلُها الضَّلالَةُ وهي التَّغْرِيرُ.

واخْتَلَفَ عُلَماءُ الكَلامِ في اعْتِبارِ قَيْدِ الإيصالِ إلى الخَيْرِ في حَقِيقَةِ الهِدايَةِ فالجُمْهُورُ عَلى عَدَمِ اعْتِبارِهِ وأنَّها الدَّلالَةُ عَلى طَرِيقِ الوُصُولِ سَواءٌ حَصَلَ الوُصُولُ أمْ لَمْ يَحْصُلْ، وهو قَوْلُ الأشاعِرَةِ وهو الحَقُّ. وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّ الهِدايَةَ هي الدَّلالَةُ مَعَ الإيصالِ وإلّا لَما امْتازَتْ عَنِ الضَّلالَةِ أيْ حَيْثُ كانَ اللَّهُ قادِرًا عَلى أنْ يُوصِلَ مَن يَهْدِيهِ إلى ما هَداهُ إلَيْهِ، ومَرْجِعُ الخِلافِ إلى اخْتِلافِهِمْ في أصْلٍ آخَرَ، وهو أصْلُ مَعْنى رِضى اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِ وأمْرِهِ، فَأصْحابُ الأشْعَرِيِّ اعْتَبَرُوا الهِدايَةَ الَّتِي هي مِن مُتَعَلِّقِ الأمْرِ. والمُعْتَزِلَةُ نَظَرُوا إلى الهِدايَةِ الَّتِي هي مِن مُتَعَلِّقِ التَّكْوِينِ والخَلْقِ، ولا خِلافَ في أنَّ الهِدايَةَ مَعَ الوُصُولِ هي المَطْلُوبَةُ شَرْعًا مِنَ الهادِي والمَهْدِيِّ، مَعَ أنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ الخَطَأُ لِلْهادِي وسُوءُ القَبُولِ مِنَ المَهْدِيِّ، وهَذا مَعْنى ما اخْتارَ عَبْدُ الحَكِيمِ أنَّها مَوْضُوعَةٌ في الشَّرْعِ لِلْقَدْرِ المُشْتَرِكِ، لِوُرُودِها في القُرْآنِ في كُلٍّ مِنهُما قالَ ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] وقالَ ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] والأصْلُ عَدَمُ الِاشْتِراكِ وعَدَمُ المَجازِ.

والهِدايَةُ أنْواعٌ تَنْدَرِجُ كَثْرَتُها تَحْتَ أرْبَعَةِ أجْناسٍ مُتَرَتِّبَةٍ: الأوَّلُ إعْطاءُ القُوى المُحَرِّكَةِ والمُدْرِكَةِ الَّتِي بِها يَكُونُ الِاهْتِداءُ إلى انْتِظامِ وُجُودِ ذاتِ الإنْسانِ، ويَنْدَرِجُ تَحْتَها أنْواعٌ تَبْتَدِئُ مِن إلْهامِ الصَّبِيِّ التِقامَ الثَّدْيِ والبُكاءَ عِنْدَ الألَمِ إلى غايَةِ الوِجْدانِيّاتِ الَّتِي بِها يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ، كَإدْراكِ هَوْلِ المُهْلِكاتِ وبَشاعَةِ المُنافَراتِ، ويَجْلِبُ مَصالِحَهُ الوُجُودِيَّةَ كَطَلَبِ الطَّعامِ والماءِ وذَوْدِ الحَشَراتِ عَنْهُ وحَكِّ الجِلْدِ واخْتِلاجِ العَيْنِ عِنْدَ مُرُورِ ما يُؤْذِي تُجاهَها، ونِهايَتُها أحْوالُ الفِكْرِ وهو حَرَكَةُ النَّفْسِ في المَعْقُولاتِ أعْنِي مُلاحَظَةَ المَعْقُولِ لِتَحْصِيلِ المَجْهُولِ في البَدِيهِيّاتِ وهي القُوَّةُ النّاطِقَةُ الَّتِي انْفَرَدَ بِها الإنْسانُ المُنْتَزَعَةُ مِنَ العُلُومِ المَحْسُوسَةِ.

الثّانِي نَصْبُ الأدِلَّةِ الفارِقَةِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والصَّوابِ والخَطَأِ، وهي هِدايَةُ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ. الثّالِثُ الهِدايَةُ إلى ما قَدْ تُقَصِّرُ عَنْهُ الأدِلَّةُ أوْ يُفْضِي إعْمالُها في مِثْلِهِ إلى مَشَقَّةٍ وذَلِكَ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ ومَوازِينِ القِسْطِ وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى في شَأْنِ الرُّسُلِ (وجَعَلْناهم أيِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا) . الرّابِعُ أقْصى أجْناسِ الهِدايَةِ وهي كَشْفُ الحَقائِقِ العُلْيا وإظْهارُ أسْرارِ المَعانِي الَّتِي حارَتْ فِيها ألْبابُ العُقَلاءِ إمّا بِواسِطَةِ الوَحْيِ والإلْهامِ الصَّحِيحِ أوِ التَّجَلِّياتِ، وقَدْ سَمّى اللَّهُ تَعالى هَذا هُدًى حِينَ أضافَهُ لِلْأنْبِياءِ فَقالَ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] ولا شَكَّ أنَّ المَطْلُوبَ بِقَوْلِهِ (( اهْدِنا) ) المُلَقَّنِ لِلْمُؤْمِنِينَ هو ما يُناسِبُ حالَ الدّاعِي بِهَذا إنْ كانَ بِاعْتِبارِ داعٍ خاصٍّ أوْ طائِفَةٍ خاصَّةٍ عِنْدَما يَقُولُونَ: اهْدِنا، أوْ هو أنْواعُ الهِدايَةِ عَلى الجُمْلَةِ بِاعْتِبارِ تَوْزِيعِها عَلى مَن تَأهَّلَ لَها بِحَسَبِ أهْلِيَّتِهِ إنْ كانَ دُعاءً عَلى لِسانِ المُؤْمِنِينَ كُلِّهِمُ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فَبَعْضُ أنْواعِ الهِدايَةِ مَطْلُوبٌ حُصُولُهُ لِمَن لَمْ يَبْلُغْ إلَيْهِ، وبَعْضُها مَطْلُوبٌ دَوامُهُ لِمَن كانَ حاصِلًا لَهُ خاصَّةً أوْ لِجَمِيعِ النّاسِ الحاصِلِ لَهم، وذَلِكَ كالهِدايَةِ الحاصِلَةِ لَنا قَبْلَ أنْ نَسْألَها مِثْلَ غالِبِ أنْواعِ الجِنْسِ الأوَّلِ.

وصِيغَةُ الطَّلَبِ مَوْضُوعَةٌ لِطَلَبِ حُصُولِ الماهِيَّةِ المَطْلُوبَةِ مِن فِعْلٍ أوْ كَفٍّ، فَإذا اسْتُعْمِلَتْ في طَلَبِ الدَّوامِ كانَ اسْتِعْمالُها مَجازًا نَحْوَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء: ١٣٦] وذَلِكَ حَيْثُ لا يُرادُ بِها إلّا طَلَبُ الدَّوامِ.

وأمّا إذا اسْتُعْمِلَتْ في طَلَبِ الدَّوامِ لِلزِّيادَةِ مِمّا حَصَلَ بَعْضُهُ ولَمْ يَحْصُلْ بَعْضُهُ فَهي مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْناها وهو طَلَبُ الحُصُولِ لِأنَّ الزِّيادَةَ في مَراتِبِ الهِدايَةِ مَثَلًا تَحْصِيلٌ لِمَوادَّ أُخْرى مِنها.

ولَمّا كانَ طَلَبُ الزِّيادَةِ يَسْتَلْزِمُ طَلَبَ دَوامِ ما حَصَلَ إذْ لا تَكادُ تَنْفَعُ الزِّيادَةُ إذا انْتَقَضَ الأصْلُ كانَ اسْتِعْمالُها حِينَئِذٍ في لازِمِ المَعْنى مَعَ المَعْنى فَهو كِنايَةٌ. أمّا إذا قالَ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ مَن بَلَغَ جَمِيعَ مَراتِبِ الهِدايَةِ ورَقِيَ إلى قِمَّةِ غاياتِها وهو النَّبِيءُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَإنَّ دُعاءَهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مِنَ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في مَجازِ مَعْناهُ، ويَكُونُ دُعاؤُهُ ذَلِكَ اقْتِباسًا مِنَ الآيَةِ ولَيْسَ عَيْنَ المُرادِ مِنَ الآيَةِ لِأنَّ المُرادَ مِنها طَلَبُ الحُصُولِ بِالمَزِيدِ مَعَ طَلَبِ الدَّوامِ بِطَرِيقَةِ الِالتِزامِ ولا مَحالَةَ أنَّ المَقْصُودَ في الآيَةِ هو طَلَبُ الهِدايَةِ الكامِلَةِ.

والصِّراطُ: الطَّرِيقُ، وهو بِالصّادِ وبِالسِّينِ وقَدْ قُرِئَ بِهِما في المَشْهُورَةِ، وكَذَلِكَ نَطَقَتْ بِهِ بِالسِّينِ جُمْهُورُ العَرَبِ إلّا أهْلَ الحِجازِ نَطَقُوهُ بِالصّادِ مُبْدَلَةً عَنِ السِّينِ لِقَصْدِ التَّخْفِيفِ في الِانْتِقالِ مِنَ السِّينِ إلى الرّاءِ ثُمَّ إلى الطّاءِ، قالَ في لَطائِفِ الإشاراتِ عَنِ الجَعْبَرِيِّ إنَّهم يَفْعَلُونَ ذَلِكَ في كُلِّ سِينٍ بَعْدَها غَيْنٌ أوْ خاءٌ أوْ قافٌ أوْ طاءٌ وإنَّما قَلَبُوها هُنا صادًا لِتُطابِقَ الطّاءَ في الإطْباقِ والِاسْتِعْلاءِ والتَّفَخُّمِ مَعَ الرّاءِ اسْتِثْقالًا لِلِانْتِقالِ مِن سُفْلٍ إلى عُلُوٍّ اهـ.

أيْ بِخِلافِ العَكْسِ نَحْوَ طَسْتٍ لِأنَّ الأوَّلَ عَمَلٌ والثّانِي تَرْكٌ. وقَيْسٌ قَلَبُوا السِّينَ بَيْنَ الصّادِ والزّايِ وهو إشْمامٌ وقَرَأ بِهِ حَمْزَةُ في رِوايَةِ خَلَفٍ عَنْهُ. ومِنَ العَرَبِ مَن قَلَبَ السِّينَ زايًا خالِصَةً، قالَ القُرْطُبِيُّ: وهي لُغَةُ عُذْرَةَ وكَلْبٍ وبَنِي القَيْنِ وهي مَرْجُوحَةٌ ولَمْ يُقْرَأْ بِها، وقَدْ قَرَأ بِاللُّغَةِ الفُصْحى (بِالصّادِ) جُمْهُورُ القُرّاءِ، وقَرَأ بِالسِّينِ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ قُنْبُلٍ، والقِراءَةُ بِالصّادِ هي الرّاجِحَةُ لِمُوافَقَتِها رَسْمَ المُصْحَفِ وكَوْنِها اللُّغَةَ الفُصْحى.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ كُتِبَتْ في المُصْحَفِ بِالصّادِ وقَرَأها بَعْضُ القُرّاءِ بِالسِّينِ ؟ قُلْتُ: إنَّ الصَّحابَةَ كَتَبُوها بِالصّادِ تَنْبِيهًا عَلى الأفْصَحِ فِيها؛ لِأنَّهم يَكْتُبُونَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ واعْتَمَدُوا عَلى عِلْمِ العَرَبِ. فالَّذِينَ قَرَءُوا بِالسِّينِ تَأوَّلُوا أنَّ الصَّحابَةَ لَمْ يَتْرُكُوا لُغَةَ السِّينِ لِلْعِلْمِ بِها فَعادَلُوا الأفْصَحَ بِالأصْلِ ولَوْ كَتَبُوها بِالسِّينِ مَعَ أنَّها الأصْلُ لَتَوَهَّمَ النّاسُ عَدَمَ جَوازِ العُدُولِ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ الأصْلُ والمَرْسُومُ كَما كَتَبُوا (المُصَيْطِرَ) بِالصّادِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ أصْلَهُ السِّينُ فَهَذا مِمّا يَرْجِعُ الخِلافُ فِيهِ إلى الِاخْتِلافِ في أداءِ اللَّفْظِ لا في مادَّةِ اللَّفْظِ لِشُهْرَةِ اخْتِلافِ لَهَجاتِ القَبائِلِ في لَفْظٍ مَعَ اتِّحادِهِ عِنْدَهم.

والصِّراطُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ أنَّهُ مُعَرَّبٌ ولَكِنْ ذُكِرَ في الإتْقانِ عَنِ النَّقّاشِ وابْنِ الجَوْزِيِّ أنَّهُ الطَّرِيقُ بِلُغَةِ الرُّومِ وذُكِرَ أنَّ أبا حاتِمٍ ذَكَرَ ذَلِكَ في كِتابِ الزِّينَةِ لَهُ وبَنى عَلى ذَلِكَ السُّيُوطِيُّ فَزادَهُ في مَنظُومَتِهِ في المُعَرَّبِ، والصِّراطُ في هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَعارٌ لِمَعْنى الحَقِّ الَّذِي يَبْلُغُ بِهِ مُدْرِكُهُ إلى الفَوْزِ بِرِضاءِ اللَّهِ لِأنَّ ذَلِكَ الفَوْزَ هو الَّذِي جاءَ الإسْلامُ بِطَلَبِهِ.

والمُسْتَقِيمُ اسْمُ فاعِلِ اسْتَقامَ مُطاوِعٌ قَوَّمْتُهُ فاسْتَقامَ، والمُسْتَقِيمُ الَّذِي لا عِوَجَ فِيهِ ولا تَعارِيجَ، وأحْسَنُ الطُّرُقِ الَّذِي يَكُونُ مُسْتَقِيمًا وهو الجادَّةُ، لِأنَّهُ بِاسْتِقامَتِهِ يَكُونُ أقْرَبَ إلى المَكانِ المَقْصُودِ مِن غَيْرِهِ فَلا يَضِلُّ فِيهِ سالِكُهُ ولا يَتَرَدَّدُ ولا يَتَحَيَّرُ.

والمُسْتَقِيمُ هُنا مُسْتَعارٌ لِلْحَقِّ البَيِّنِ الَّذِي لا تَخْلِطُهُ شُبْهَةُ باطِلٍ فَهو كالطَّرِيقِ الَّذِي لا تَتَخَلَّلُهُ بُنَيّاتٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ دِينُ الحَقِّ، ونُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ مِلَّةُ الإسْلامِ، فَكَلامُهُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا ولا يُرِيدُ أنَّهم لُقِّنُوا الدُّعاءَ بِطَلَبِ الهِدايَةِ إلى دِينٍ مَضى وإنْ كانَتِ الأدْيانُ الإلَهِيَّةُ كُلُّها صُرُطًا مُسْتَقِيمَةً بِحَسَبِ أحْوالِ أُمَمِها، يَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في حِكايَةِ غِوايَةِ الشَّيْطانِ ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] ١١١ فالتَّعْرِيفُ في الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، لِأنَّهم سَألُوا الهِدايَةَ لِهَذا الجِنْسِ في ضِمْنِ فَرْدٍ وهو الفَرْدُ المُنْحَصِرُ فِيهِ الِاسْتِقامَةُ لِأنَّ الِاسْتِقامَةَ لا تَتَعَدَّدُ كَما قالَ تَعالى ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢] ولِأنَّ الضَّلالَ أنْواعٌ كَثِيرَةٌ كَما قالَ ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠] وقَدْ يُوَجَّهُ هَذا التَّفْسِيرُ بِحُصُولِ الهِدايَةِ إلى الإسْلامِ فَعَلَّمَهُمُ اللَّهُ هَذا الدُّعاءَ لِإظْهارِ مِنَّتِهِ وقَدْ هَداهُمُ اللَّهُ بِما سَبَقَ مِنَ القُرْآنِ قَبْلَ نُزُولِ الفاتِحَةِ ويَهْدِيهِمْ بِما لَحِقَ مِنَ القُرْآنِ والإرْشادِ النَّبَوِيِّ.

وإطْلاقُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ عَلى دِينِ الإسْلامِ ورَدَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا﴾ [الأنعام: ١٦١] . والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ المُرادَ بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ المَعارِفُ الصّالِحاتُ كُلُّها مِنَ اعْتِقادٍ وعَمَلٍ بِأنْ يُوَفِّقَهم إلى الحَقِّ والتَّمْيِيزِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الضَّلالِ عَلى مَقادِيرِ اسْتِعْدادِ النُّفُوسِ وسَعَةِ مَجالِ العُقُولِ النَّيِّرَةِ والأفْعالِ الصّالِحَةِ بِحَيْثُ لا يَعْتَرِيهِمْ زَيْغٌ وشُبْهاتٌ في دِينِهِمْ وهَذا أوْلى لِيَكُونَ الدُّعاءُ طَلَبَ تَحْصِيلِ ما لَيْسَ بِحاصِلٍ وقْتَ الطَّلَبِ، وإنَّ المَرْءَ بِحاجَةٍ إلى هَذِهِ الهِدايَةِ في جَمِيعِ شُئُونِهِ كُلِّها حَتّى في الدَّوامِ عَلى ما هو مُتَلَبِّسٌ بِهِ مِنَ الخَيْرِ لِلْوِقايَةِ مِنَ التَّقْصِيرِ فِيهِ أوِ الزَّيْغِ عَنْهُ.

والهِدايَةُ إلى الإسْلامِ لا تُقْصَرُ عَلى ابْتِداءِ اتِّباعِهِ وتَقَلُّدِهِ بَلْ هي مُسْتَمِرَّةٌ بِاسْتِمْرارِ تَشْرِيعاتِهِ وأحْكامِهِ بِالنَّصِّ أوِ الِاسْتِنْباطِ. وبِهِ يَظْهَرُ مَوْقِعُ قَوْلِهِ ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] مُصادِفًا المِحَزِّ.

الدر المصون - السمين الحلبي

الدر المصون للسمين الحلبي - السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)

﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَ ا⁠طَ ٱلۡمُسۡتَقِیمَ﴾ [الفاتحة ٦]

قوله تعالى: {اهدنا الصراط} : إلى آخرها: اهْدِ: صيغةُ أمرٍ ومعناها الدعاءُ. وهذه الصيغةُ تَرِدُ لمعانٍ كثيرةٍ ذَكرها الأصوليون. وقال بعضهم: إنْ وَرَدَتْ صيغة افعَلْ من الأعلى للأَدنى قيل فيها أمرٌ، وبالعكس دعاءٌ، ومن المساوي التماسٌ. وفاعلُه مستترٌ وجوباً لما مَرَّ، أي: اهدِ أنت، ون مفعول أول، وهو ضميرٌ متصلٌ يكونُ للمتكلم مع غيرِه أو المعظِّم نفسَه، ويستعملُ في موضع الرفع والنصب والجر بلفظٍ واحدٍ: نحو: قُمنَا وضرَبَنَا زيدٌ وَمَرَّ بنا، ولا يشاركه في هذه الخصوصية غيرُه من الضمائر. وقد زعم بعض الناس أن الياء كذلك. تقول: أكرمَنَي وَمرِّ بي، وأنت تقومين يا هند، فالياء في المثال الأول منصوبةٌ المحلِّ، وفي الثاني مجرورتُه، وفي الثالث مرفوعتُه. وهذا ليس بشيء، لأن الياءَ في حالة الرفع ليست تلك الياءَ التي في حالة النصب والجر، لأن الأولى للمتكلمِ، وهذه للمخاطبةِ المؤنثةِ. وقيل: بل يشاركه لفظُ «هُمْ» ، تقول: هم نائمون وضربَهم ومررت بهم، ف «هم» مرفوعُ المحلِّ ومنصوبُه ومجرورهُ بلفظٍ واحدٍ، وهو للغائِبِين في كل حال، وهذا وإن كان أقربَ من الأول، إلا أنه في حالة الرفع ضميرٌ منفصل، وفي حالة النصب والجر ضميرٌ متصلٌ، فافترقا، بخلاف «ن» فإن معناها لا يختلف، وهي ضمير متصلٌ في الأحوال الثلاثة.

والصراطَ: مفعول ثان، والمستقيمَ: صفتُه، وقد تَبِعه في الأربعة من العشرة المذكورة.

وأصل «هَدَى» أن يتعدى إلى الأول بنفسه وإلى الثاني بحرفِ الجر وهو إمَّا: إلى أو اللام، كقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لتهدي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] {يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9] ، ثم يُتَّسَعُ فيه، فيُحذَفُ الحرفُ الحرفُ فيتَعَدَّى بنفسِه، فأصلُ اهدِنا الصراط: اهدنا للصراط أو إلى الصراطِ، ثم حُذِف.

والأمرُ عند البصريين مبنيٌّ وعند الكوفيين معرب، وَيدَّعون في نحو: «اضرب» أنَّ أصله: لِتَضْرِب بلام الأمر، ثم حُذِف الجازم وَتِبِعه حرفُ المضارعة وأُتِيَ بهمزة الوصل لأجلِ الابتداء بالساكن، وهذا ما لا حاجة إليه، وللردِّ عليهم موضع أَلْيَقُ به.

ووزن اهْدِ: افْعِ، حُذِفَت لامُه وهي الياء حَمْلاً للأمر على المجزوم والمجزوم تُحذف منه لامُه إذَا كَانَتْ حرفَ علةٍ.

والهدايةُ: الإِرشادُ أو الدلالةُ أو التقدمُ، ومنه هَوادِي الخيل لتقدُّمِها قال امرؤ القيس:

67 - فَأَلْحَقَه بالهاديات ودونَه ... جواحِرُها في صَرَّةٍ لم تَزَيًّلِ

أو التبيينُ نحو: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} [فصلت: 17] . أي بَيَّنَّا لهم، أو الإِلهامُ، نحو: {أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى} [طه: 50] أي ألهمه لمصالِحه، أو الدعاءُ كقوله تعالى: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} [الرعد: 7] أي داعٍ. وقيل هو المَيلُ، ومنه {إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ} [الأعراف: 56] ، والمعنى: مِلْ بقلوبنا إليك، وهذا غَلَطٌ، فإنَّ تَيْكَ مادة أخرى من هادَ يَهُود. وقال الراغب: «الهدايةُ دَلالةٌ بلطفٍ ومنه الهَدِيَّةُ وهوادي/ الوحش أي المتقدِّماتُ الهاديةُ لغيرها، وخُصَّ ما كان دلالةً بَهَدَيتُ، وما كان إعطاءً بأَهْديت.

والصراطُ: الطريقُ المُسْتَسْهَل، وبعضُهم لا يقيِّدُه بالمستسهلِ، قال:

68 - فَضَلَّ عن نَهْج الصراطِ الواضِحِ ...

ومثله:

69 - أميرُ المؤمنين على صِراطٍ ... إذا اعْوَجَّ المَوارِدُ مستقيمِ

وقال آخر:

70 - شَحَنَّا أرضَهم بالخيلِ حتى ... تَرَكْناهُمْ أَذَلَّ من الصِّراطِ

أي الطريق، وهو مشتق من السِّرْطِ، وهو الابتلاعُ: إمَّا لأن سالكه يَسْتَرِطه أو لأنه يَسْتَرِط سالكَه، ألا ترى إلى قولهم: «قَتَلَ أرضاً عالِمُها وقتلت أرضٌ جاهلَهَا» ، وبهذين الاعتبارين قال أبو تمام:

71 - رَعَتْه الفيافي بعدما كان حِقْبةً ... رعاها وماءُ المُزْنِ يَنْهَلُّ ساكِبُهْ

وعلى هذا سُمِّي الطريق لَقَماً ومُلْتَقِماً لأنه يلتقِمُ سالكه أو يلتقمُه سَالِكُه.

وأصلُه السينُ، وقد قَرَأ به قنبل حيث وَرَدَ، وإنما أُبدلَتْ صاداً لأجل حرف الاستعلاء وإبدالُها صاداً مطردٌ عنده نحو: صَقَر في سَقَر، وصُلْح في سُلْح، وإصْبَع في اسبَع، ومُصَيْطِر في مُسَيْطر، لما بينهما من التقارب.

وقد تُشَمُّ الصادُ في الصراطِ ونحوهِ زاياً، وقرأ به خلف حيث وَرَد، وخلاَّد الأول فقط، وقد تُقْرَأ زاياً مَحْضَةً، ولم تُرْسم في المصحف إلا بالصادِ مع اختلافِ قراءاتِهم فيها كما تقدم.

والصِّراطُ يُذَكَّر ويؤنَّث، فالتذكيرُ لغة تميم، وبالتأنيث لغة الحجاز، فإنْ استُعْمل مذكَّراً جُمِعَ في القلة على أَفْعِلة، وفي الكثرة على فُعُل، نحو: حِمار وأَحْمِرة وحُمُر، وإن استعمل مؤنثاً فقياسُه أَن يُجْمع على أَفْعُل نحو: ذِراع وأَذْرُع. والمستقيم: اسم فاعل من استقام بمعنى المجرد، ومعناه السويُّ من غير اعوجاج وأصله: مُسْتَقْوِم، ثم أُعِلَّ كإعلالِ نَسْتعين، وسيأتي الكلامُ مستوفى على مادته عند قوله تعالى: {يُقِيمُونَ الصلاة} .

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني
هدى

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

هدى

الهداية دلالة بلطف، ومنه: الهديّة، وهوادي الوحش. أي: متقدّماتها الهادية لغيرها، وخصّ ما كان دلالة بهديت، وما كان إعطاء بأهديت.

نحو: أهديت الهديّة، وهديت إلى البيت. إن قيل: كيف جعلت الهداية دلالة بلطف وقد قال الله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات : 23] ، ﴿وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج : 4] . قيل: ذلك استعمل فيه استعمال اللّفظ على التّهكّم مبالغة في المعنى كقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران : 21] وقول الشاعر:

457- تحيّة بينهم ضرب وجيع(١) وهداية الله تعالى للإنسان على أربعة أوجه: الأوّل: الهداية التي عمّ بجنسها كلّ مكلّف من العقل، والفطنة، والمعارف الضّروريّة التي أعمّ منها كلّ شيء بقدر فيه حسب احتماله كما قال: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه : 50] .

الثاني: الهداية التي جعل للناس بدعائه إيّاهم على ألسنة الأنبياء، وإنزال القرآن ونحو ذلك، وهو المقصود بقوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا [الأنبياء : 73] .

الثالث: التّوفيق الذي يختصّ به من اهتدى، وهو المعنيّ بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً﴾ [محمد : 17] ، وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن : 11] ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ﴾ [يونس : 9] ، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا﴾ [العنكبوت : 69] ، ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً﴾ [مريم : 76] ، ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة : 213] ، ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة : 213] .

الرّابع: الهداية في الآخرة إلى الجنّة المعنيّ بقوله: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ [محمد : 5] ، ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف : 43] إلى قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا(٢) .

وهذه الهدايات الأربع مترتّبة، فإنّ من لم تحصل له الأولى لا تحصل له الثّانية بل لا يصحّ تكليفه، ومن لم تحصل له الثّانية لا تحصل له الثّالثة والرّابعة، ومن حصل له الرّابع فقد حصل له الثلاث التي قبلها، ومن حصل له الثالث فقد حصل له اللّذان قبله(٣) . ثمّ ينعكس، فقد تحصل الأولى ولا يحصل له الثاني ولا يحصل الثالث، والإنسان لا يقدر أن يهدي أحدا إلّا بالدّعاء وتعريف الطّرق دون سائر أنواع الهدايات، وإلى الأوّل أشار بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى : 52] ، ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنا﴾ [السجدة : 24] ، ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد : 7] أي: داع، وإلى سائر الهدايات أشار بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص : 56] وكلّ هداية ذكر الله عزّ وجلّ أنه منع الظالمين والكافرين فهي الهداية الثالثة، وهي التّوفيق الذي يختصّ به المهتدون، والرّابعة التي هي الثّواب في الآخرة، وإدخال الجنّة. نحو قوله عزّ وجلّ: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً إلى قوله: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(٤) [آل عمران : 86] وكقوله: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ [النحل : 107] وكلّ هداية نفاها الله عن النبيّ ﷺ وعن البشر، وذكر أنهم غير قادرين عليها فهي ما عدا المختصّ من الدّعاء وتعريف الطريق، وذلك كإعطاء العقل، والتّوفيق، وإدخال الجنة، كقوله عزّ ذكره: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة : 272] ، ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى﴾ [الأنعام : 35] ، ﴿وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ [النمل : 81] ، ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل : 37] ، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ [الزمر : 36] ، ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر : 37] ، ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [القصص : 56] وإلى هذا المعنى أشار بقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس : 99] ، وقوله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ [الإسراء : 97] ، أي: طالب الهدى ومتحرّيه هو الذي يوفّقه ويَهْدِيهِ إلى طريق الجنّة لا من ضادّه، فيتحرّى طريق الضّلال والكفر كقوله: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ [التوبة : 37] ، وفي أخرى الظَّالِمِينَ [التوبة : 109] ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر : 3] الكاذب الكفّار: هو الذي لا يقبل هدايته، فإنّ ذلك راجع إلى هذا وإن لم يكن لفظه موضوعا لذلك، ومن لم يقبل هِدَايَتَهُ لم يهده، كقولك: من لم يقبل هَدِيَّتِي لم أهد له، ومن لم يقبل عطيّتي لم أعطه، ومن رغب عنّي لم أرغب فيه، وعلى هذا النحو: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة : 109] وفي أخرى: ﴿الْفاسِقِينَ﴾ [التوبة : 80] وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى﴾ [يونس : 35] ، وقد قرئ: يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى(٥) أي: لا يهدي غيره ولكن يهدى. أي: لا يعلم شيئا ولا يعرف أي لا هداية له، ولو هدي أيضا لم يهتد، لأنها موات من حجارة ونحوها، وظاهر اللّفظ أنه إذا هدي اهْتَدَى لإخراج الكلام أنها أمثالكم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ﴾ [الأعراف : 194] وإنّما هي أموات، وقال في موضع آخر: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل : 73] ، وقوله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان : 3] ، ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد : 10] ، ﴿وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات : 118] فذلك إشارة إلى ما عرّف من طريق الخير والشّرّ(٦) ، وطريق الثواب والعقاب بالعقل والشرع وكذا قوله: ﴿فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف : 30] ، ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [القصص : 56] ، ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن : 11] فهو إشارة إلى التّوفيق الملقى في الرّوع فيما يتحرّاه الإنسان وإياه عنى بقوله عزّ وجلّ: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً﴾ [محمد : 17] وعدّي الهِدَايَةُ في مواضع بنفسه، وفي مواضع باللام، وفي مواضع بإلى، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران : 101] ، ﴿وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام : 87] وقال: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ﴾ [يونس : 35] وقال: ﴿هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات : 18-19] .

وما عدّي بنفسه نحو: ﴿وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء : 68] ، ﴿وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات : 118] ، ﴿اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة : 6] ، ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [النساء : 88] ، ﴿وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً﴾ [النساء : 168] ، ﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ [يونس : 43] ، ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء : 175] .

ولمّا كانت الهِدَايَةُ والتّعليم يقتضي شيئين: تعريفا من المعرّف، وتعرّفا من المعرّف، وبهما تمّ الهداية والتّعليم فإنه متى حصل البذل من الهَادِي والمعلم ولم يحصل القبول صحّ أن يقال: لم يَهْدِ ولم يعلّم اعتبارا بعدم القبول، وصحّ أن يقال: هَدَى وعلّم اعتبارا ببذله، فإذا كان كذلك صحّ أن يقال: إنّ الله تعالى لم يهد الكافرين والفاسقين من حيث إنه لم يحصل القبول الذي هو تمام الهداية والتّعليم، وصحّ أن يقال: هَدَاهُمْ وعلّمهم من حيث إنه حصل البذل الذي هو مبدأ الْهِدَايَةِ. فعلى الاعتبار بالأول يصحّ أن يحمل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة : 109] ، وَالْكافِرِينَ [التوبة : 37] وعلى الثاني قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾ [فصلت : 17] والأولى حيث لم يحصل القبول المفيد فيقال: هداه الله فلم يهتد، كقوله: وَأَمَّا ثَمُودُ الآية، وقوله: لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إلى قوله: وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ(٧) [البقرة : 142-143] فهم الّذين قبلوا هداه واهتدوا به، وقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة : 6] ، ﴿وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء : 68] فقد قيل: عني به الهِدَايَةُ العامّة التي هي العقل، وسنّة الأنبياء، وأمرنا أن نقول ذلك بألسنتنا وإن كان قد فعل ليعطينا بذلك ثوابا كما أمرنا أن نقول: اللهمّ صلّ على محمد وإن كان قد صلّى عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب : 56] وقيل: إن ذلك دعاء بحفظنا عن استغواء الغواة واستهواء الشّهوات، وقيل: هو سؤال للتّوفيق الموعود به في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً﴾ [محمد : 17] وقيل: سؤال للهداية إلى الجنّة في الآخرة، وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة : 143] فإنه يعني به من هداه بالتّوفيق المذكور في قوله عزّ وجلّ: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً.

والهُدَى والهِدَايَةُ في موضوع اللّغة واحد لكن قد خصّ الله عزّ وجلّ لفظة الهدى بما تولّاه وأعطاه، واختصّ هو به دون ما هو إلى الإنسان نحو: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة : 2] ، ﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة : 5] ، ﴿هُدىً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة : 185] ، ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ﴾ [البقرة : 38] ، ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى﴾ [الأنعام : 71] ، ﴿وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران : 138] ، ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى﴾ [الأنعام : 35] ، ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل : 37] ، ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾ [البقرة : 16] .

والاهْتِدَاءُ يختصّ بما يتحرّاه الإنسان على طريق الاختيار، إمّا في الأمور الدّنيويّة، أو الأخرويّة قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها﴾ [الأنعام : 97] ، وقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء : 98] ويقال ذلك لطلب الهداية نحو: ﴿وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة : 53] ، وقال: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة : 150] ، ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [آل عمران : 20] ، ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البقرة : 137] .

ويقال المُهْتَدِي لمن يقتدي بعالم نحو: ﴿أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة : 104] تنبيها أنهم لا يعلمون بأنفسهم ولا يقتدون بعالم، وقوله: ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [النمل : 92] فإن الِاهْتِدَاءَ هاهنا يتناول وجوه الاهتداء من طلب الهداية، ومن الاقتداء، ومن تحرّيها، وكذا قوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل : 24] وقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى﴾ [طه : 82] فمعناه: ثم أدام طلب الهداية، ولم يفترّ عن تحرّيه، ولم يرجع إلى المعصية. وقوله: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ إلى قوله: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ(٨) [البقرة : 157] أي: الذين تحرّوا هدايته وقبلوها وعملوا بها، وقال مخبرا عنهم: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف : 49] .

والهَدْيُ مختصّ بما يُهْدَى إلى البيت. قال الأخفش(٩) : والواحدة هَدْيَةٌ، قال: ويقال للأنثى هَدْيٌ كأنه مصدر وصف به، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة : 196] ، ﴿هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة : 95] ، ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ﴾ [المائدة : 2] ، ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً﴾ [الفتح : 25] .

والهَدِيَّةُ مختصّة باللُّطَف الذي يُهْدِي بعضنا إلى بعضٍ. قال تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ [النمل : 35] ، ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل : 36] والمِهْدَى الطّبق الذي يهدى عليه، والْمِهْدَاءُ: من يكثر إِهْدَاءَ الهديّة، قال الشاعر:

467- وإنّك مهداء الخنا نطف الحشا(١٠)

والْهَدِيُّ يقال في الهدي، وفي العروس يقال: هَدَيْتُ العروسَ إلى زوجها، وما أحسن هَدِيَّةَ فلان وهَدْيَهُ، أي: طريقته، وفلان يُهَادِي بين اثنين: إذا مشى بينهما معتمدا عليهما، وتَهَادَتِ المرأة: إذا مشت مشي الهدي.

(١) العجز لعمرو بن معديكرب، وشطره: [وخيل قد دلفت لها بخيل] .

وهو في ديوانه ص 149، وشرح أبيات سيبويه 2/ 200، والمقتضب 2/ 20، وتفسير الطبري 1/ 310.

(٢) الآية: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ، وَقالُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا.

(٣) قد نقل ابن القيم هذه الهدايات الأربع في عدة مواضع من كتبه. انظر مثلا: بدائع الفوائد 2/ 35- 37.

(٤) الآية: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.

(٥) قرأ حمزة والكسائي وخلف يهدي.

(٦) مجاز القرآن 2/ 299.

(٧) الآيتان: لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ.

(٨) الآيتان: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ.

(٩) ليس هذا النقل في معاني القرآن له.

(١٠) البيت يروى: وإنّك مهداء الخنا نطف النثا ... شديد السباب رافع الصوت غالبه

وهو للحسيل بن عرفطة في البيان والتبيين 3/ 202، والحيوان 3/ 494.

سرط

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

سرط

السِّرَاطُ: الطّريق المستسهل، أصله من: سَرَطْتُ الطعامَ وزردته: ابتلعته، فقيل: سِرَاطٌ، تصوّرا أنه يبتلعه سالكه، أو يبتلع سالكه، ألا ترى أنه قيل: قتل أرضا عالمها، وقتلت أرض جاهلها، وعلى النّظرين قال أبو تمام:

231- رعته الفيافي بعد ما كان حقبة ... رعاها وماء المزن ينهلّ ساكبه(١)

وكذا سمّي الطريق اللّقم، والملتقم، اعتبارا بأنّ سالكه يلتقمه.

(١) البيت في ديوانه ص 48، من قصيدة له يمدح بها عبد الله بن طاهر بن الحسين، ومطلعها: هنّ عوادي يوسف وصواحبه ... فعزما فقدما أدرك السؤل طالبه

قوم

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

قوم

يقال: قَامَ يَقُومُ قِياماً، فهو قَائِمٌ، وجمعه: قِيامٌ، وأَقَامَهُ غيره. وأَقَامَ بالمكان إِقَامَةً، والْقِيَامُ على أضرب: قيام بالشّخص، إمّا بتسخير أو اختيار، وقيام للشيء هو المراعاة للشيء والحفظ له، وقيام هو على العزم على الشيء، فمن القِيَامِ بالتّسخير قوله تعالى: ﴿مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود : 100] ، وقوله: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها﴾ [الحشر : 5] ، ومن القِيَامِ الذي هو بالاختيار قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً﴾ [الزمر : 9] . وقوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران : 191] ، وقوله: ﴿الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ﴾ [النساء : 34] ، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً﴾ [الفرقان : 64] . والقِيَامُ في الآيتين جمع قائم. ومن المراعاة للشيء قوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة : 8] ، ﴿قائِماً بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران : 18] ، وقوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد : 33] أي: حافظ لها. وقوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ [آل عمران : 113] ، وقوله: ﴿إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً﴾ [آل عمران : 75] أي: ثابتا على طلبه. ومن القِيَامِ الذي هو العزم قوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة : 6] ، وقوله: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [المائدة : 55] أي: يديمون فعلها ويحافظون عليها. والقِيَامُ والقِوَامُ: اسم لما يقوم به الشيء.

أي: يثبت، كالعماد والسّناد: لما يعمد ويسند به، كقوله: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً﴾ [النساء : 5] ، أي: جعلها ممّا يمسككم. وقوله: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ﴾ [المائدة : 97] أي: قِوَاما لهم يقوم به معاشهم ومعادهم.

قال الأصمّ: قائما لا ينسخ، وقرئ: قيما(١) بمعنى قياما، وليس قول من قال: جمع قيمة بشيء. ويقال: قَامَ كذا، وثبت، وركز بمعنى. وقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة : 125] ، وقَامَ فلان مَقَامَ فلان: إذا ناب عنه. قال: ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ﴾ [المائدة : 107] . وقوله: ﴿دِيناً قِيَماً﴾ [الأنعام : 161] ، أي: ثابتا مُقَوِّماً لأمور معاشهم ومعادهم. وقرئ: قيما(٢) مخفّفا من قيام. وقيل: هو وصف، نحو: قوم عدى، ومكان سوى، ولحم زيم(٣) ، وماء روى، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [يوسف : 40] ، وقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً﴾ [الكهف : 1-2] ، وقوله: ﴿وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة : 5] فَالْقَيِّمَةُ هاهنا اسم للأمّة القائمة بالقسط المشار إليهم بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران : 110] ، وقوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ﴾ [النساء : 135] ، يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ [البينة : 2-3] فقد أشار بقوله: صُحُفاً مُطَهَّرَةً إلى القرآن، وبقوله: ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة : 3] إلى ما فيه من معاني كتب الله تعالى، فإنّ القرآن مجمع ثمرة كتب الله تعالى المتقدّمة. وقوله: ﴿اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة : 255] أي: القائم الحافظ لكلّ شيء، والمعطى له ما به قِوَامُهُ، وذلك هو المعنى المذكور في قوله: ﴿الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه : 50] ، وفي قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد : 33] . وبناء قَيُّومٍ: فيعول، وقَيَّامٌ: فيعال. نحو: ديّون وديّان، والقِيامَةُ: عبارة عن قيام الساعة المذكور في قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [الروم : 12] ، ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [المطففين : 6] ، ﴿وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً﴾ [الكهف : 36] ، والْقِيَامَةُ أصلها ما يكون من الإنسان من القيام دُفْعَةً واحدة، أدخل فيها الهاء تنبيها على وقوعها دُفْعَة، والمَقامُ يكون مصدرا، واسم مكان القيام، وزمانه. نحو: ﴿إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي﴾ [يونس : 71] ، ﴿ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم : 14] ، ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن : 46] ، ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة : 125] ، ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ﴾ [آل عمران : 97] ، وقوله: ﴿وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان : 26] ، ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ﴾ [الدخان : 51] ، ﴿خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم : 73] ، وقال: ﴿وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات : 164] ، وقال: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ﴾ [النمل : 39] قال الأخفش: في قوله قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ [النمل : 39] : إنّ المَقَامَ المقعد، فهذا إن أراد أنّ المقام والمقعد بالذّات شيء واحد، وإنما يختلفان بنسبته إلى الفاعل كالصّعود والحدور فصحيح، وإن أراد أنّ معنى المقام معنى المقعد فذلك بعيد، فإنه يسمى المكان الواحد مرّة مقاما إذا اعتبر بقيامه، ومقعدا إذا اعتبر بقعوده، وقيل: المَقَامَةُ: الجماعة، قال الشاعر:

379- وفيهم مَقَامَاتٌ حسان وجوههم(٤) وإنما ذلك في الحقيقة اسم للمكان وإن جعل اسما لأصحابه. نحو قول الشاعر:

380- واستبّ بعدك يا كليب المجلس(٥)

فسمّى المستبّين المجلس. والاسْتِقَامَةُ يقال في الطريق الذي يكون على خطّ مستو، وبه شبّه طريق المحقّ. نحو: ﴿اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة : 6] ، ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً﴾ [الأنعام : 153] ، ﴿إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود : 56] . واسْتِقَامَةُ الإنسان: لزومه المنهج المستقيم. نحو قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت : 30] وقال: ﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود : 112] ، ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ [فصلت : 6] والْإِقَامَةُ في المكان: الثبات. وإِقَامَةُ الشيء: توفية حقّه، وقال: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة : 68] أي: توفّون حقوقهما بالعلم والعمل، وكذلك قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة : 66] ولم يأمر تعالى بالصلاة حيثما أمر، ولا مدح بها حيثما مدح إلّا بلفظ الإقامة، تنبيها أنّ المقصود منها توفية شرائطها لا الإتيان بهيئاتها، نحو: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة : 43] ، في غير موضع وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ [النساء : 162] .

وقوله: ﴿وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ [النساء : 142] فإنّ هذا من القيام لا من الإقامة، وأمّا قوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ [إبراهيم : 40] أي: وفّقني لتوفية شرائطها، وقوله: ﴿فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ [التوبة : 11] فقد قيل: عني به إقامتها بالإقرار بوجوبها لا بأدائها، والمُقَامُ يقال للمصدر، والمكان، والزّمان، والمفعول، لكن الوارد في القرآن هو المصدر نحو قوله: ﴿إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً﴾ [الفرقان : 66] ، والمُقَامةُ: الإقامة، قال: ﴿الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر : 35] نحو: ﴿دارُ الْخُلْدِ﴾ [فصلت : 28] ، و﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة : 72] وقوله: ﴿لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب : 13] ، من قام، أي: لا مستقرّ لكم، وقد قرئ: لا مُقامَ لَكُمْ(٦) من: أَقَامَ. ويعبّر بالإقامة عن الدوام. نحو: ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود : 39] ، وقرئ: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ(٧) [الدخان : 51] ، أي: في مكان تدوم إقامتهم فيه، وتَقْوِيمُ الشيء: تثقيفه، قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين : 4] وذلك إشارة إلى ما خصّ به الإنسان من بين الحيوان من العقل والفهم، وانتصاب القامة الدّالّة على استيلائه على كلّ ما في هذا العالم، وتَقْوِيمُ السّلعة: بيان قيمتها. والقَوْمُ: جماعة الرّجال في الأصل دون النّساء، ولذلك قال: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ الآية [الحجرات : 11] ، قال الشاعر:

381- أقوم آل حصن أم نساء(٨)

وفي عامّة القرآن أريدوا به والنّساء جميعا، وحقيقته للرّجال لما نبّه عليه قوله: ﴿الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ الآية [النساء : 34] .

(١) وهي قراءة ابن عامر. الإتحاف ص 203.

(٢) وهي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف. الإتحاف ص 220.

(٣) لحم زيم: متعضّل ليس بمجتمع في مكان فيبدن. اللسان (زيم) .

(٤) الشطر لزهير بن أبي سلمى، وعجزه: وأندية ينتابها القول والفعل

وهو في ديوانه ص 60 من قصيدة مطلعها: صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو ... وأقضر من سلمى التعانيق فالثقل

(٥) هذا عجز بيت لمهلهل بن ربيعة من أبيات يرثي بها أخاه.

وصدره: نبّئت أنّ النار بعدك أوقدت

وهو في ديوانه ص 280.

(٦) وهي قراءة حفص وحده، والباقون بفتح الميم. الإتحاف ص 353.

(٧) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب.

(٨) عجز بيت لزهير، وصدره: وما أدري وسوف إخال أدري

وهو من قصيدة مطلعها: عفا من آل فاطمة الجواء ... فيمن فالقوادم فالحساء

وهو في ديوانه ص 12، واللسان (قوم) .