التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير سورة الفاتحة، الآية: ٤

تفسير قول الله تعالى: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) سورة الفاتحة، الآية: ٤

التحرير والتنوير - ابن عاشور

التحرير والتنوير - ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)

﴿مَـٰلِكِ یَوۡمِ ٱلدِّینِ﴾ [الفاتحة ٤]

﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾

إتْباعُ الأوْصافِ الثَّلاثَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِهَذا لَيْسَ لِمُجَرَّدِ سَرْدِ صِفاتٍ مِن صِفاتِهِ تَعالى، بَلْ هو مِمّا أثارَتْهُ الأوْصافُ المُتَقَدِّمَةُ، فَإنَّهُ لَمّا وُصِفَ تَعالى بِأنَّهُ رَبُّ العالَمِينَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ وكانَ ذَلِكَ مُفِيدًا لِما قَدَّمْناهُ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ رِفْقِهِ تَعالى بِالمَرْبُوبِينَ في سائِرِ أكْوانِهِمْ، ثُمَّ التَّنْبِيهِ بِأنَّ تَصَرُّفَهُ تَعالى في الأكْوانِ والأطْوارِ تَصَرُّفُ رَحْمَةٍ عِنْدَ المُعْتَبِرِ، وكانَ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ التَّصَرُّفاتِ تَصَرُّفاتُ الأمْرِ والنَّهْيِ المُعَبَّرِ عَنْها بِالتَّشْرِيعِ الرّاجِعِ إلى حِفْظِ مَصالِحِ النّاسِ عامَّةً وخاصَّةً، وكانَ مُعْظَمُ تِلْكَ التَّشْرِيعاتِ مُشْتَمِلًا عَلى إخْراجِ المُكَلَّفِ عَنْ داعِيَةِ الهَوى الَّذِي يُلائِمُهُ اتِّباعُهُ وفي نَزْعِهِ عَنْهُ إرْغامٌ لَهُ ومَشَقَّةٌ، خِيفَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأوْصافُ المُتَقَدِّمَةُ في فاتِحَةِ الكِتابِ مُخَفِّفًا عَنِ المُكَلَّفِينَ عِبْءَ العِصْيانِ لِما أُمِرُوا بِهِ ومُثِيرًا لِأطْماعِهِمْ في العَفْوِ عَنِ اسْتِخْفافِهِمْ بِذَلِكَ وأنْ يَمْتَلِكَهُمُ الطَّمَعُ فَيَعْتَمِدُوا عَلى ما عَلِمُوا مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ والرَّحْمَةِ المُؤَكَّدَةِ فَلا يَخْشَوْا غائِلَةَ الإعْراضِ عَنِ التَّكالِيفِ، لِذَلِكَ كانَ مِن مُقْتَضى المَقامِ تَعْقِيبُهُ بِذِكْرِ أنَّهُ صاحِبُ الحُكْمِ في يَوْمِ الجَزاءِ يَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لِأنَّ الجَزاءَ عَلى الفِعْلِ سَبَبٌ في الِامْتِثالِ والِاجْتِنابِ لِحِفْظِ مَصالِحِ العالَمِ، وأُحِيطَ ذَلِكَ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، وجُعِلَ مِصْداقُ ذَلِكَ الجَزاءِ يَوْمَ القِيامَةِ. ولِذَلِكَ اخْتِيرَ هُنا وصْفُ مَلِكِ أوْ مالِكِ مُضافًا إلى يَوْمِ الدِّينِ.

فَأمّا مَلِكٌ فَهو مُؤْذِنٌ بِإقامَةِ العَدْلِ وعَدَمِ الهَوادَةِ فِيهِ لِأنَّ شَأْنَ المَلِكِ أنْ يُدَبِّرَ صَلاحَ الرَّعِيَّةِ ويَذُبَّ عَنْهم، ولِذَلِكَ أقامَ النّاسُ المُلُوكَ عَلَيْهِمْ. ولَوْ قِيلَ رَبُّ يَوْمِ الدِّينِ لَكانَ فِيهِ مَطْمَعٌ لِلْمُفْسِدِينَ يَجِدُونَ مِن شَأْنِ الرَّبِّ رَحْمَةً وصَفْحًا، وأمّا مالِكٌ فَمِثْلُ تِلْكَ في إشْعارِهِ بِإقامَةِ الجَزاءِ عَلى أوْفَقِ كَيْفِيّاتِهِ بِالأفْعالِ المُجْزى عَلَيْها.

فَإنْ قُلْتَ: فَإذا كانَ إجْراءُ الأوْصافِ السّابِقَةِ مُؤْذِنًا بِأنَّ جَمِيعَ تَصَرُّفاتِ اللَّهِ تَعالى فِينا رَحْمَةٌ فَقَدْ كَفى ذَلِكَ في الحَثِّ عَلى الِامْتِثالِ والِانْتِهاءِ إذِ المَرْءُ لا يُخالِفُ ما هو رَحْمَةٌ بِهِ فَلا جَرَمَ أنْ يَنْساقَ إلى الشَّرِيعَةِ بِاخْتِيارِهِ. قُلْتُ: المُخاطَبُونَ مَراتِبٌ مِنهم مَن لا يَهْتَدِي لِفَهْمِ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ تَعْقِيبِ تِلْكَ الأوْصافِ بِهَذا الوَصْفِ، ومِنهم مَن يَهْتَدِي لِفَهْمِ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ يَظُنُّ أنَّ في فِعْلِ المُلائِمِ لَهُ رَحْمَةً بِهِ أيْضًا فَرُبَّما آثَرَ الرَّحْمَةَ المُلائِمَةَ عَلى الرَّحْمَةِ المُنافِرَةِ وإنْ كانَتْ مُفِيدَةً لَهُ، ورُبَّما تَأوَّلَ الرَّحْمَةَ بِأنَّها رَحْمَةٌ لِلْعُمُومِ وأنَّهُ إنَّما يَنالُهُ مِنها حَظٌّ ضَعِيفٌ فَآثَرَ رَحْمَةَ حَظِّهِ الخاصِّ بِهِ عَلى رَحْمَةِ حَظِّهِ التّابِعِ لِلْعامَّةِ.

ورُبَّما تَأوَّلَ أنَّ الرَّحْمَةَ في تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى أمْرٌ أغْلَبِيٌّ لا مُطَّرِدٌ وأنَّ وصْفَهُ تَعالى بِالرَّحْمانِ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ التَّشْرِيعِ مِن تَكْوِينٍ ورِزْقٍ وإحْياءٍ، ورُبَّما ظَنَّ أنَّ الرَّحْمَةَ في المَآلِ فَآثَرَ عاجِلَ ما يُلائِمُهُ. ورُبَّما عَلِمَ جَمِيعَ ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ التَّكالِيفُ مِنَ المَصالِحِ بِاطِّرادٍ ولَكِنَّهُ مَلَكَتْهُ شَهْوَتُهُ وغَلَبَتْ عَلَيْهِ شِقْوَتُهُ.

فَكُلُّ هَؤُلاءِ مَظِنَّةٌ لِلْإعْراضِ عَنِ التَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ، ولِأمْثالِهِمْ جاءَ تَعْقِيبُ الصِّفاتِ الماضِيَةِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ تَذْكِيرًا لَهم بِما سَيَحْصُلُ مِنَ الجَزاءِ يَوْمَ الحِسابِ لِئَلّا يَفْسُدَ المَقْصُودُ مِنَ التَّشْرِيعِ حِينَ تَتَلَقَّفُهُ أفْهامُ كُلِّ مُتَأوِّلٍ مُضَيِّعٍ.

ثُمَّ إنَّ في تَعْقِيبِ قَوْلِهِ ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] بِقَوْلِهِ ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ ولِيُّ التَّصَرُّفِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَهو إذَنْ تَتْمِيمٌ. وقَوْلُهُ ”مَلِكِ“ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِدُونِ ألِفٍ بَعْدَ المِيمِ وقَرَأهُ عاصِمٌ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ مالِكِ بِالألِفِ فالأوَّلُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ صارَتِ اسْمًا لِصاحِبِ المُلْكِ بِضَمِّ المِيمِ والثّانِي اسْمُ فاعِلٍ مِن مَلَكَ إذا اتَّصَفَ بِالمِلْكِ بِكَسْرِ المِيمِ وكِلاهُما مُشْتَقٌّ مِن مَلَكَ، فَأصْلُ مادَّةِ مَلَكَ في اللُّغَةِ تَرْجِعُ تَصارِيفُها إلى مَعْنى الشَّدِّ والضَّبْطِ كَما قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، ثُمَّ يَتَصَرَّفُ ذَلِكَ بِالحَقِيقَةِ والمَجازِ، والتَّحْقِيقِ والِاعْتِبارِ، وقِراءَةُ ”مَلِكِ“ بِدُونِ ألِفٍ تَدُلُّ عَلى تَمْثِيلِ الهَيْئَةِ في نُفُوسِ السّامِعِينَ لِأنَّ المَلِكَ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ هو ذُو المُلْكِ بِضَمِّ المِيمِ والمُلْكُ أخَصُّ مِنَ المِلْكِ، إذِ المُلْكُ بِضَمِّ المِيمِ هو التَّصَرُّفُ في المَوْجُوداتِ والِاسْتِيلاءُ ويَخْتَصُّ بِتَدْبِيرِ أُمُورِ العُقَلاءِ وسِياسَةِ جُمْهُورِهِمْ وأفْرادِهِمْ ومَواطِنِهِمْ فَلِذَلِكَ يُقالُ مَلِكِ النّاسِ ولا يُقالُ مَلِكِ الدَّوابِّ أوِ الدَّراهِمِ، وأمّا المِلْكُ بِكَسْرِ المِيمِ فَهو الِاخْتِصاصُ بِالأشْياءِ ومَنافِعِها دُونَ غَيْرِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”مَلِكِ“ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ دُونَ ألِفٍ ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ وصاحِبَيْهِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ في كِتابِ التِّرْمِذِيِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ حَكى أبُو عَلِيٍّ عَنْ بَعْضِ القُرّاءِ أنَّ أوَّلَ مَن قَرَأ (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ فَرَدَّهُ أبُو بَكْرِ بْنُ السَّرّاجِ بِأنَّ الأخْبارَ الوارِدَةَ تُبْطِلُ ذَلِكَ فَلَعَلَّ قائِلَ ذَلِكَ أرادَ أنَّهُ أوَّلُ مَن قَرَأ بِها في بَلَدٍ مَخْصُوصٍ. وأمّا قِراءَةُ ”مالِكِ“ بِألِفٍ بَعْدَ المِيمِ بِوَزْنِ اسْمِ الفاعِلِ فَهي قِراءَةُ عاصِمٍ والكِسائِيِّ ويَعْقُوبَ وخَلَفٍ، ورُوِيَتْ عَنْ عُثْمانَ وعَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وطَلْحَةَ والزُّبَيْرِ، ورَواها التِّرْمِذِيُّ في كِتابِهِ أنَّها قَرَأ بِها النَّبِيءُ ﷺ وصاحِباهُ أيْضًا. وكِلْتاهُما صَحِيحَةٌ ثابِتَةٌ كَما هو شَأْنُ القِراءاتِ المُتَواتِرَةِ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ السّادِسَةِ. وقَدْ تَصَدّى المُفَسِّرُونَ والمُحْتَجُّونَ لِلْقِراءاتِ لِبَيانِ ما في كُلٍّ مِن قِراءَةِ ”مَلِكِ“ بِدُونِ ألِفٍ وقِراءَةِ ”مالِكِ“ بِالألِفِ مِن خُصُوصِيّاتٍ بِحَسَبِ قَصْرِ النَّظَرِ عَلى مَفْهُومِ كَلِمَةِ مَلِكِ ومَفْهُومِ كَلِمَةِ مالِكِ، وغَفَلُوا عَنْ إضافَةِ الكَلِمَةِ إلى يَوْمِ الدِّينِ، فَأمّا والكَلِمَةُ مُضافَةٌ إلى يَوْمِ الدِّينِ فَقَدِ اسْتَوَيا في إفادَةِ أنَّهُ المُتَصَرِّفُ في شُئُونِ ذَلِكَ اليَوْمِ دُونَ شُبْهَةِ مُشارِكٍ.

ولا مَحِيصَ عَنِ اعْتِبارِ التَّوَسُّعِ في إضافَةِ مَلِكٍ أوْ مالِكٍ إلى يَوْمٍ بِتَأْوِيلِ شُئُونِ يَوْمِ الدِّينِ. عَلى أنَّ ”مالِكِ“ لُغَةٌ في ”مَلِكِ“ فَفي القامُوسِ وكَأمِيرٍ وكَتِفٍ وصاحِبٍ: ذُو المُلْكِ.

ويَوْمُ الدِّينِ يَوْمُ القِيامَةِ، ومَبْدَأُ الدّارِ الآخِرَةِ، فالدِّينُ فِيهِ بِمَعْنى الجَزاءِ، قالَ الفِنْدُ الزِّمّانِيِّ:

فَلَمّا صَرَّحَ الشَّرُّ فَأمْسى وهْوَ عُرْيانُ

ولَمْ يَبْقَ سِوى العُدْوا ∗∗∗ نُ دِنّاهم كَما دانُوا

أيْ: جازَيْناهم عَلى صُنْعِهِمْ كَما صَنَعُوا مُشاكَلَةً، أوْ كَما جازَوْا مِن قَبْلُ إذا كانَ اعْتِداؤُهم ناشِئًا عَنْ ثَأْرٍ أيْضًا، وهَذا هو المَعْنى المُتَعَيَّنُ هُنا وإنْ كانَ لِلدِّينِ إطْلاقاتٌ كَثِيرَةٌ في كَلامِ العَرَبِ.

واعْلَمْ أنَّ وصْفَهُ تَعالى بِمَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ تَكْمِلَةٌ لِإجْراءِ مَجامِعِ صِفاتِ العَظَمَةِ والكَمالِ عَلى اسْمِهِ تَعالى، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ وُصِفَ بِأنَّهُ رَبُّ العالَمِينَ وذَلِكَ مَعْنى الإلَهِيَّةِ الحَقَّةِ إذْ يَفُوقُ ما كانُوا يَنْعَتُونَ بِهِ آلِهَتَهم مِن قَوْلِهِمْ إلَهُ بَنِي فُلانٍ فَقَدْ كانَتِ الأُمَمُ تَتَّخِذُ آلِهَةً خاصَّةً لَها كَما حَكى اللَّهُ عَنْ بَعْضِهِمْ فَقالُوا ﴿هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى﴾ [طه: ٨٨] وقالَ ﴿قالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهُمُ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] وكانَتْ لِبَعْضِ قَبائِلِ العَرَبِ آلِهَةٌ خاصَّةٌ، فَقَدْ عَبَدَتْ ثَقِيفٌ اللّاتَ قالَ الشّاعِرُ:

ووَقَرَتْ ثَقِيفٌ إلى لاتِها

وفِي حَدِيثِ عائِشَةَ في المُوَطَّأِ ”«كانَ الأنْصارُ قَبْلَ أنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَناةَ الطّاغِيَةِ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها عِنْدَ المُشَلَّلِ» “ الحَدِيثَ.

فَوَصْفُ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ رَبُّ العالَمِينَ كُلِّهِمْ، ثُمَّ عَقَّبَ بِوَصْفَيِ الرَّحْمانِ الرَّحِيمِ لِإفادَةِ عِظَمِ رَحْمَتِهِ، ثُمَّ وُصِفَ بِأنَّهُ مَلِكُ يَوْمِ الدِّينِ وهو وصْفٌ بِما هو أعْظَمُ مِمّا قَبْلَهُ لِأنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ عُمُومِ التَّصَرُّفِ في المَخْلُوقاتِ في يَوْمِ الجَزاءِ الَّذِي هو أوَّلُ أيّامِ الخُلُودِ، فَمَلِكُ ذَلِكَ الزَّمانِ هو صاحِبُ المُلْكِ الَّذِي لا يَشِذُّ شَيْءٌ عَنِ الدُّخُولِ تَحْتَ مُلْكِهِ، وهو الَّذِي لا يَنْتَهِي مُلْكُهُ ولا يَنْقَضِي، فَأيْنَ هَذا الوَصْفُ مِن أوْصافِ المُبالَغَةِ الَّتِي يُفِيضُها النّاسُ عَلى أعْظَمِ المُلُوكِ: مِثْلَ مَلِكِ المُلُوكِ شاهانْ شاهْ ومَلِكِ الزَّمانِ ومَلِكِ الدُّنْيا شاهْ جَهانْ وما شابَهَ ذَلِكَ.

مَعَ ما في تَعْرِيفِ ذَلِكَ اليَوْمِ بِإضافَتِهِ إلى الدِّينِ أيِ الجَزاءِ مِن إدْماجِ التَّنْبِيهِ عَلى عَدَمِ حُكْمِ اللَّهِ لِأنَّ إيثارَ لَفْظِ الدِّينِ أيِ الجَزاءِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ مُعامَلَةُ العامِلِ بِما يُعادِلُ أعْمالَهُ المَجْزِيِّ عَلَيْها في الخَيْرِ والشَّرِّ، وذَلِكَ العَدْلُ الخاصُّ قالَ تَعالى ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ﴾ [غافر: ١٧] فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ مَلِكِ يَوْمِ الحِسابِ فَوَصْفُهُ بِأنَّهُ مَلِكُ يَوْمِ العَدْلِ الصِّرْفِ وصْفٌ لَهُ بِأشْرَفِ مَعْنى المُلْكِ فَإنَّ المُلُوكَ تَتَخَلَّدُ مَحامِدُهم بِمِقْدارِ تَفاضُلِهِمْ في إقامَةِ العَدْلِ وقَدْ عَرَّفَ العَرَبُ المِدْحَةَ بِذَلِكَ. قالَ النّابِغَةُ يَمْدَحُ المَلِكَ عَمْرَو بْنَ الحارِثِ الغَسّانِيَّ مَلِكَ الشّامِ:

وكَمْ جَزانا بِأيْدٍ غَيْرِ ظالِمَةٍ ∗∗∗ عُرْفًا بِعُرْفٍ وإنْكارًا بِإنْكارِ

وقالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ يَمْدَحُ المَلِكَ عَمْرَو بْنَ هِنْدٍ اللَّخْمِيَّ مَلِكَ الحِيرَةِ:

مَلِكٌ مُقْسِطٌ وأفْضَلُ مَن يَمْ ∗∗∗ شِي ومِن دُونِ ما لَدَيْهِ القَضاءُ

وإجْراءُ هَذِهِ الأوْصافِ الجَلِيلَةِ عَلى اسْمِهِ تَعالى إيماءٌ بِأنَّ مَوْصُوفَها حَقِيقٌ بِالحَمْدِ الكامِلِ الَّذِي أعْرَبَتْ عَنْهُ جُمْلَةُ ”الحَمْدُ لِلَّهِ“، لِأنَّ تَقْيِيدَ مُفادِ الكَلامِ بِأوْصافِ مُتَعَلَّقِ ذَلِكَ المُفادِ يُشْعِرُ بِمُناسَبَةٍ بَيْنَ تِلْكَ الأوْصافِ وبَيْنَ مُفادِ الكَلامِ مُناسِبَةٌ تُفْهَمُ مِنَ المَقامِ مِثْلَ التَّعْلِيلِ في مَقامِ هَذِهِ الآيَةِ.

الدر المصون - السمين الحلبي

الدر المصون - السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)

﴿مَـٰلِكِ یَوۡمِ ٱلدِّینِ﴾ [الفاتحة ٤]

يجوز أن يكونَ صفةً أيضاً أو بَدَلاً، وإن كان البدلُ بالمشتقِّ قليلاً، وهو مشتقٌّ من المَلْك بفتح الميم، وهو الشدُّ والربط، قال الشاعر:

45 - مَلَكْتُ بها كَفِّي فَأَنْهَرْتُ فَتْقَها ... يَرَى قائمٌ مِنْ دونِها ما وراءها

ومنه: «إملاكُ العَروسِ» ، لأنه عَقْدٌ وربط للنكاح.

وقُرئ «مالِك» بالألف، قال الأخفش: «يقال: مَلِكٌ بَيِّنُ المُلْكِ بضم الميم، ومالكٌ بيِِّنُ المَِلْكِ بفتح الميم وكسرها» ، ورُوِي ضَمُّها أيضاً بهذا المعنى. ورُوي عن العربِ: «لي في هذا الوادي مَلْك ومُلْك ومَلْك» مثلثةَ الفاء، ولكنَّ المعروف الفرقُ بين الألفاظ الثلاثة، فالمفتوحُ الشدٌّ والربطُ، والمضمومُ هو القهرُ والتسلُّطُ على مَنْ يتأتَّى منه الطاعةُ، ويكونُ باستحقاقٍ وغيره، والمكسورُ هو التسلطُ على مَنْ يتأتَّى منه الطاعةُ ومَنْ لا يتأتَّى منه، ولا يكونُ إلا باستحقاق فيكونُ بين المكسور والمضموم عمومٌ وخصوصٌ من وجه. وقال الراغب: «والمِلْك - أي بالكسر - كالجنس للمُلْك - أي بالضم - فكل مِلْك - بالكسر - مُلك، وليس كل مُلك مِلكاً» ، فعلى هذا يكون بينهما عمومٌ وخصوصٌ مطلقٌ، وبهذا يُعرف الفرقُ بين مَلِك ومالِك، فإن مَلِكاً مأخوذ من المُلْك - بالضم، ومالِكاً مأخوذ من المِلْك بالكسر. وقيل: الفرقُ بينهما أن المَلِك اسمٌ لكل مَنْ يَمْلِكُ السياسة: إمَّا في نفسِه بالتمكُّن من زمام قُواه وصَرْفِها عَنْ هواها، وإمَّا في نفسه وفي غيره، سواءٌ تولَّى ذلك أم لم يتولَّ.

وقد رجَّح كلٌّ فريقٍ إحدى القراءتين على الأخرى ترجيحاً يكاد يُسْقِط القراءةَ الأخرى، وهذا غير مَرْضِيٍّ، لأنَّ كلتيهما متواترةٌ، ويَدُلُّ على ذلك ما رُوي عن ثعلب أنه قال: [ «إذا اختلف الإِعرابُ في القرآن] عن السبعة لم أفضِّلْ إعراباً على إعراب في القرآن، فإذا خَرَجْتُ إلى الكلام كلامِ الناس فضَّلْتُ الأقوى» نقله أبو عمر الزاهد في «اليواقيت» . وقال الشيخ شهابُ الدين أبو شامةَ: «وقد أكثر المصنفون في القراءات والتفاسير من الترجيحِ بين هاتين القراءتين، حتى إنَّ بعضَهُم يُبالِغُ في ذلك إلى حدٍّ يكاد يُسْقِطُ وجهَ القراءة الأخرى، وليس هذا بمحمودٍ بعد ثبوتِ القراءتين وصحةِ اتصافِ الربِّ تعالى بهما، ثم قال: حتى إني أُصَلِّي بهذه في رَكْعةٍ وبهذه في رَكْعةٍ «ذكر ذلك عند قوله:» مَلِك يوم الدين ومالِك.

وَلْنذكرْ بعضَ الوجوه المرجِّحة تنبيهاً على معنى اللفظ لا على الوجهِ الذي قَصَدوه. فمِمَّا رُجِّحَتْ به قراءةُ» مالك «أنها أمْدَحُ لعمومِ إضافتِه، إذ يقال:» مالِكُ الجِّن والإِنس والطير «، وأنشدوا على ذلك:

46 - سُبْحَانَ مَنْ عَنَتِ الوجوهُ لوجهِه ... مَلِكِ الملوكِ ومالِكِ العَفْوِ

وقالوا: «فلانٌ مالكُ كذا» لمَنْ يملكه، بخلاف «مِلك» فإنه يُضاف إلى غيرِ الملوك نحو: «مَلِك العرب والعجم» ، ولأنَّ الزيادةَ في البناءِ تدلُّ على الزيادةِ في المعنى كما تقدَّم في «الرحمن» ، ولأنَّ ثوابَ تالِيها أكثرُ من ثواب تالي «مَلِك» .

وممَّا رُجِّحَتْ به قراءةُ «مَلِك» ما حكاه الفارسي عن ابن السراج عن بعضِهم أنه وصَفَ نفسَه بأنه مالكُ كلِّ شيء بقوله: {رَبِّ العالمين} فلا فائدةَ في قراءةِ مَنْ قَرَأَ: «مالك» لأنها تكرارٌ، قال أبو عليّ: «ولا حُجَّة فيه لأنَّ في التنزيل مِثلَه كثيراً، يُذْكَرُ العامُّ ثم الخاصُّ، نحو: {هُوَ الله الخالق البارىء المصور} [الحشر: 24] . وقال أبو حاتم:» مالِك «أَبْلَغُ في مدح الخالق، و» مَلِك «أبلغُ في مدحِ المخلوقِ، والفرقُ بينهما أن المالِكَ من المخلوقين قد يكون غيرَ مَلِك، وإذا كان الله تعالَى مَلِكاً كان مالكاً. واختاره ابن العربي. ومنها: أنها أعمُّ إذ تضاف للمملوك وغيرِ المملوك، بخلافِ» مالك «فإنه لا يُضاف إلاَّ للمملوك كما تقدَّم، ولإِشعارِه بالكثرةِ، ولأنه تمدَّح تعالَى بمالكِ المُلْك، بقوله تعالى:» قل اللَّهُمَّ مالكَ المُلْكِ «ومَلِك مأخوذ منه كما تقدم، ولم يتمدَّح بمالِك المِلك -بكسر الميم- الذي مالِكٌ مأخوذٌ منه.

وقُرئَ مَلْك بسكون اللام، ومنه:

47 - وأيامٍ لنا غُرٍّ طِوالٍ ... عَصَيْنا المَلْكَ فيها أنْ نَدِينا

ومَليك. ومنه:

48 - فاقنَعْ بما قَسَم المَليكُ فإنَّما ... قَسَم الخلائِقَ بَيْنَنَا عَلاَّمُها

ومَلِكي، وتُرْوَى عن نافع.

إذا عُرف هذا فكونُ» مَلِك «نعتاً لله تعالى ظاهر، فإنه معرفةٌ بالإِضافة، وأمَّا» مالك «فإنْ أريد به معنى المُضِيِّ فجَعْلُه نعتاً واضحٌ أيضاً، لأنَّ إضافته محضة فَيَتعرَّف بها، ويؤيِّد كونَه ماضِيَ المعنى قراءةُ مَنْ قرأ:» مَلَكَ يومَ الدين «، فجعل» مَلَك «فعلاً ماضياً، وإن أُريد به الحالُ أو الاستقبال فَيُشْكِلُ، لأنه: إمَّا أن يُجْعَلَ نعتاً لله ولا يجوز لأنَّ إضافةَ اسم الفاعل بمعنى الحالِ أو الاستقبال غيرُ مَحْضَةٍ فلا يُعَرَّف، وإذا لم يتعرَّفْ فلا يكونُ نعتاً لمعرفةٍ، لِمَا عَرَفْتَ فيما تقدَّم من اشتراطِ الموافقةِ تعريفاً وتنكيراً، وإمَّا أن يُجْعَلَ بدلاً وهو ضعيف لأنَّ البدلَ بالمشتقات نادرٌ كما تقدَّم. والذي ينبغي أن يُقالَ: إنه نعتٌ على معنى أنَّ تقييدَه بالزمانِ غيرُ معتَبَرٍ، لأنَّ الموصوفَ إذا عُرِّفَ بوصفٍ كان تقييدُه بزمانٍ غيرَ معتبرٍ، فكأنَّ المعنى - والله أعلم - أنه متصفٌ بمالكِ يومِ الدينِ مطلقاً، من غير نظرٍ إلى مضيٍّ ولا حالٍ ولا استقبالٍ، وهذا ما مالَ إليه أبو القاسم الزمخشري.

وإضافةُ مالك ومَلِك إلى» يوم الدين «من باب الاتِّساع، إذ متعلَّقُهما غيرُ اليوم، والتقدير: مالكِ الأمرِ كله يومَ الدين.

ونظيرُ إضافة «مالك» إلى الظرف هنا نظيرُ إضافة «طَبَّاخ» إلى «ساعات» من قول الشاعر:

49 - رُبَّ ابنَ عَمِّ لسُلَيْمى مُشْمَعِلّْ ... طَبَّاخِ ساعاتِ الكَرَى زادَ الكَسِلْ

إلا أنَّ المفعولَ في البيت مذكورٌ وهو «زادَ الكَسِل» ، وفي الآيةِ الكريمةِ غيرُ مذكورٍ للدلالةِ عليه. ويجوز أن يكونَ الكلامُ على ظاهرهِ من غيرِ تقديرِ حَذْفٍ.

ونسبةُ المِلْكِ والمُلْك إلى الزمانِ في حقِّ الله تعالى غيرُ مُشْكِلَةٍ، ويؤيِّدُه ظاهرُ قراءةِ مَنْ قرأ: «مَلَكَ يومَ الدينِ» فعلاً ماضياً فإن ظاهرَها كونُ «يوم» مفعولاً به. والإضافة على معنى اللام لأنها الأصل، ومنهم مَنْ جعلها في هذا النحو على معنى «في» مستنداً إلى ظاهر قوله تعالى: {بَلْ مَكْرُ اليل والنهار} [سبأ: 33] ، قال: «المعنى مَكْرٌ في الليل، إذ الليل لا يُوصَف بالمكرِ، إنما يُوصَفُ به العقلاءُ، فالمكرُ واقعٌ فيه» . والمشهورُ أن الإِضافةَ: إمَّا على معنى اللام وإمَّا على معنى «مَنْ» ، وكونها بمعنى «في» غيرُ صحيح. وأمَّا قولُه تعالى: {مَكْرُ اليل} فلا دَلالةَ فيه، لأن هذا من باب البلاغة، وهو التجوُّزُ في أَنْ جَعَلَ ليلَهم ونهارَهم ماكِرَيْنِ مبالغةً في كثرةِ وقوعِه منهم فيهما، فهو نظيرُ قولهم: نهارُه صائمٌ وليلُه قائم، وقولِ الشاعر:

50 - أمَّا النهارُ ففي قَيْدٍ وسِلْسِلَةٍ ... والليلُ في قَعْرِ منحوتٍ من السَّاجِ

لمًّا كانت هذه الأشياءُ يكثرُ وقوعُها في هذه الظروفِ وَصَفُوها بها مبالغةً في ذلك، وهو مذهبٌ حَسَنٌ مشهورٌ في كلامهم.

واليومُ لغةً: القطعةُ من الزمان أيِّ زمنٍ كانَ من ليلٍ أو نهار، قال تعالى: {والتفت الساق بالساق إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المساق} [القيامة: 29-30] ، وذلك كنايةٌ عن احتضارِ الموتى، وهو لا يختصُّ بليل ولا نهار، وأمَّا/ في العُرْف فهو من طلوعِ الفجرِ إلى غروب الشمس. وقال الراغب: «اليومُ نعبِّر به عن وقت طلوعِ الشمس إلى غروبها» ، قلت: وهذا إنما ذكروه في النهارِ لا في اليوم، وجعلوا الفرقَ بينهما ما ذكرت لك.

والدِّيْنِ: مضافٌ إليه أيضاً، والمرادُ به هنا: الجزاءُ، ومنه قول الشاعر:

51 - ولم يَبْقَ سوى العُدْوا ... نِ دِنَّاهم كما دَانُوا

أي جازَيْناهم كما جازونا، وقال آخر:

52 - واعلَمْ يقيناً أنَّ مُلْكَكَ زائلٌ ... واعلَمْ بأنَّ كما تَدِينُ تُدانُ

ومثله:

53 - إذا مل رَمَوْنا رَمَيْناهُم ... ودِنَّاهُمُ مثلَ ما يَقْرِضُونا

ومثله:

54 - حَصادُك يوماً ما زَرَعْتَ وإنما ... يُدانُ الفتى يوماً كما هو دائِنُ

وله معانٍ أُخَرُ: العادَة، كقوله:

55 - كَدِينِك من أمِّ الحُوَيْرثِ قبلَها ... وجارتِها أمِّ الرَّباب بِمَأْسَلِ

أي: كعادتك: ومثلُه:

5 - 6- تقول إذا دَرَأْتُ لها وَضِيني ... أهذا دِينُه أبداً ودِينِي

ودانَ عصى وأطاع، وذلَّ وعزَّ، فهو من الأضداد. والقضاءُ، ومنه قوله تعالى: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله} [النور: 2] أي في قضائِه وحكمه، والحالُ، سُئل بعضُ الأعراب فقال: «لو كنتُ على دِينٍ غيرِ هذه لأَجَبْتُكَ» أي: على حالة.

والداءُ: ومنه قول الشاعر:

57 - يا دينَ قلبِك مِن سَلْمى وقد دِينا ...

ويقال: دِنْتُه بفعلِه أَدِينُه دَيْناً ودِيناً - بفتح الدال وكسرها في المصدر - أي جازَيْتُه. والدِّينُ أيضاً: الطاعةُ، ومنه: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً} [النساء: 125] أي: طاعةً، ويستعار للمِلَّة والشريعةِ أيضاً، قال تعالى: {أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ} [آل عمران: 83] يعني الإِسلام، بدليل قوله تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85] . والدِّينُ: سيرة المَلِك، قال زهير:

58 - لَئِنْ حَلَلْتَ بجوٍّ في بني أسَدٍ ... في دينِ عمروٍ وحالَتْ بينَنَا فَدَكُ

يقال: دِينَ فلان يُدانُ إذا حُمِل على مكروهٍ، ومنه قيل للعبدِ، مَدين ولِلأمَةِ مَدِينة. وقيل: هو من دِنْتُه إذا جازيته بطاعته، وجَعَل بعضُهم المدينةَ من هذا الباب، قاله الراغب. وسيأتي تحقيقُ هذه اللفظة عند ذِكْرِها.

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني
ملك

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

ملك

المَلِكُ: هو المتصرّف بالأمر والنّهي في الجمهور، وذلك يختصّ بسياسة الناطقين، ولهذا يقال: مَلِكُ الناسِ، ولا يقال: مَلِك الأشياءِ، وقوله: مَلِكِ يومِ الدّين [الفاتحة : 3] فتقديره: الملك في يوم الدين، وذلك لقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر : 16] .

وَالمِلْكُ ضربان: مِلْك هو التملك والتّولّي، ومِلْك هو القوّة على ذلك، تولّى أو لم يتولّ. فمن الأوّل قوله: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها﴾ [النمل : 34] ، ومن الثاني قوله: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً﴾ [المائدة : 20].

فجعل النّبوّة مخصوصة والمِلْكَ عامّا، فإن معنى الملك هاهنا هو القوّة التي بها يترشّح للسياسة، لا أنه جعلهم كلّهم متولّين للأمر، فذلك مناف للحكمة كما قيل: لا خير في كثرة الرّؤساء. قال بعضهم: المَلِك اسم لكلّ من يملك السياسة، إما في نفسه وذلك بالتّمكين من زمام قواه وصرفها عن هواها، وإما في غيره سواء تولّى ذلك أو لم يتولّ على ما تقدّم، وقوله: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً﴾ [النساء : 54] .

والمُلْكُ: الحقّ الدّائم لله، فلذلك قال: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ [التغابن : 1] ، وقال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ [آل عمران : 26] فالمُلْك ضبط الشيء المتصرّف فيه بالحكم، والمِلْكُ كالجنس للمُلْكِ، فكلّ مُلْك مِلْك، وليس كلّ مِلْك مُلْكا، قال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ﴾ [آل عمران : 26] ، ﴿وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان : 3] ، وقال: ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ﴾ [يونس : 31] ، ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا﴾ [الأعراف : 188] وفي غيرها من الآيات.

والمَلَكُوتُ: مختصّ بملك الله تعالى، وهو مصدر مَلَكَ أدخلت فيه التاء. نحو: رحموت ورهبوت، قال: ﴿وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام : 75] ، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف : 185].

والمَمْلَكة: سلطان المَلِك وبقاعه التي يتملّكها، والمَمْلُوكُ يختصّ في التّعارف بالرقيق من الأملاك، قال: ﴿عَبْداً مَمْلُوكاً﴾ [النحل : 75] وقد يقال: فلان جواد بمملوكه. أي: بما يتملّكه.

والمِلْكَة تختصّ بمِلْك العبيد، ويقال: فلان حسن الملكة. أي: الصّنع إلى مماليكه، وخصّ ملك العبيد في القرآن باليمين، فقال: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ [النور : 58] ، وقوله: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ [النساء : 3] ، ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ﴾ [النور : 31] ومملوك مقرّ بالمُلُوكَةِ والمِلْكَةِ والمِلْكِ.

ومِلَاكُ الأمرِ: ما يعتمد عليه منه. وقيل: القلب ملاك الجسد.

والمِلَاكُ: التّزويج، وأملكوه: زوّجوه، شبّه الزّوج بِمَلِكٍ عليها في سياستها، وبهذا النظر قيل: كاد العروس أن يكون مَلِكاً(١) .

ومَلِكُ الإبل والشاء ما يتقدّم ويتّبعه سائره تشبيها بالملك، ويقال: ما لأحد في هذا مَلْكٌ ومِلْكٌ غيري. قال تعالى: ﴿ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ [طه : 87](٢) وقرئ بكسر الميم(٣).

ومَلَكْتُ العجينَ: شددت عجنه، وحائط ليس له مِلَاكٌ. أي: تماسك.

وأما المَلَكُ فالنحويون جعلوه من لفظ الملائكة، وجعل الميم فيه زائدة. وقال بعض المحقّقين: هو من المِلك، قال: والمتولّي من الملائكة شيئا من السّياسات يقال له: ملك بالفتح، ومن البشر يقال له: ملك بالكسر، فكلّ مَلَكٍ ملائكة وليس كلّ ملائكة ملكا، بل الملك هو المشار إليه بقوله: ﴿فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً﴾ [النازعات : 5] ، ﴿فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً﴾ [الذاريات : 4] ، ﴿وَالنَّازِعاتِ﴾ [النازعات : 1] ونحو ذلك، ومنه: ملك الموت، قال: ﴿وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها﴾ [الحاقة : 17] ، ﴿عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ﴾ [البقرة : 102] ، ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة : 11] .

(١) انظر: مجمع الأمثال 2/ 158، والعين 5/ 380.

(٢) وهي قراءة نافع وعاصم وأبي جعفر.

(٣) وهي قراءة ابن كثير وابن عامر وأبي عمرو ويعقوب، وقرأ حمزة والكسائي وخلف بضم الميم.

انظر: الإتحاف ص 306.

يوم

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

يوم

اليَوْمُ يعبّر به عن وقت طلوع الشمس إلى غروبها. وقد يعبّر به عن مدّة من الزمان أيّ مدّة كانت، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ﴾ [آل عمران : 155] ، ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ [النحل : 87] ، وقال: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ [البقرة : 254] ، وغير ذلك.

وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم : 5] فإضافة الأَيَّامِ إلى الله تعالى تشريف لأمرها لما أفاض الله عليهم من نعمه فيها.

وقوله عزّ وجلّ: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ، الآية [فصلت : 9] ، فالكلام في تحقيقه يختصّ بغير هذا الكتاب.

ويركّب يَوْمٌ مع «إذ» ، فيقال: يَوْمَئِذٍ نحو قوله عزّ وجلّ: ﴿فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر : 9] وربّما يعرب ويبنى، وإذا بني فللإضافة إلى إذ.

دين

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

دين

يقال: دِنْتُ الرّجل: أخذت منه دَيْناً، وأَدَنْتُهُ: جعلته دائنا، وذلك بأن تعطيه دينا. قال (أبو عبيد)(١) : دِنْتُهُ: أقرضته، ورجل مَدِين، ومديون، ودِنْتُهُ: استقرضت منه(٢) ، قال الشاعر:

165- نَدِينُ ويقضي الله عنّا وقد نرى ... مصارع قوم لا يَدِينُونَ ضيّعا(٣)

وأَدَنْتُ مثل دِنْتُ، وأَدَنْتُ، أي: أقرضت، والتَّدَايُنُ والمداينة: دفع الدَّيْن، قال تعالى: ﴿إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة : 282] ، وقال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء : 11] ، والدِّينُ يقال للطاعة والجزاء، واستعير للشريعة، والدِّينُ كالملّة، لكنّه يقال اعتبارا بالطاعة والانقياد للشريعة، قال إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [آل عمران : 19] ، وقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء : 125] ، أي: طاعة، ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء : 146] ، وقوله تعالى: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء : 171] ، وذلك حثّ على اتّباع دين النّبيّ ﷺ الذي هو أوسط الأديان كما قال: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة : 143] ، وقوله: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة : 256] قيل: يعني الطاعة، فإنّ ذلك لا يكون في الحقيقة إلّا بالإخلاص، والإخلاص لا يتأتّى فيه الإكراه، وقيل: إنّ ذلك مختصّ بأهل الكتاب الباذلين للجزية. وقوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران : 83] ، يعني: الإسلام، لقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران : 85] ، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [الصف : 9] ، وقوله: ﴿وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ [التوبة : 29] ، وقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء : 125] ، ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة : 86] ، أي: غير مجزيّين. والمدين والمدينة: العبد والأمة: قال (أبو زيد) : هو من قولهم: دِينَ فلان يُدَانُ: إذا حمل على مكروه(٤) ، وقيل(٥) : هو من دنته: إذا جازيته بطاعته، وجعل بعضهم المدينة من هذا الباب.

(١) في الغريب المصنف ورقة 330 من النسخة التركية، وتهذيب اللغة 14/ 182 نقلا عن أبي عبيد.

(٢) انظر: المجمل 2/ 342.

(٣) البيت للعجير السلولي، وهو في المجمل 2/ 342، واللسان (دين) ، والغريب المصنف ورقة 330.

(٤) انظر: المجمل 2/ 342، وتهذيب اللغة 14/ 183.

(٥) وهو قول أبي عبيدة في مجاز القرآن 2/ 252.