تفسير قول الله تعالى: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ). سورة الفاتحة، الآية: ١
التحرير والتنوير - ابن عاشور
التحرير والتنوير - ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِیمِ﴾ [الفاتحة ١]
البَسْمَلَةُ اسْمٌ لِكَلِمَةِ "باسِمِ اللَّهِ"، صِيغَ هَذا الِاسْمُ عَلى مادَّةٍ مُؤَلَّفَةٍ مِن حُرُوفِ الكَلِمَتَيْنِ (باسْمِ) و(اللَّهِ) عَلى طَرِيقَةٍ تُسَمّى النَّحْتُ، وهو صَوْغُ فِعْلِ مُضِيٍّ عَلى زِنَةِ فَعْلَلَ مُؤَلَّفَةٍ مادَّتُهُ مِن حُرُوفِ جُمْلَةٍ أوْ حُرُوفِ مُرَكَّبٍ إضافِيٍّ، مِمّا يَنْطِقُ بِهِ النّاسُ اخْتِصارًا عَنْ ذِكْرِ الجُمْلَةِ كُلِّها لِقَصْدِ التَّخْفِيفِ لِكَثْرَةِ دَوَرانِ ذَلِكَ عَلى الألْسِنَةِ.
وقَدِ اسْتَعْمَلَ العَرَبُ النَّحْتَ في النَّسَبِ إلى الجُمْلَةِ أوِ المُرَكَّبِ إذا كانَ في النَّسَبِ إلى صَدْرِ ذَلِكَ أوْ إلى عَجُزِهِ التِباسٌ، كَما قالُوا في النِّسْبَةِ إلى عَبْدِ شَمْسٍ“ عَبْشَمِيٌّ ”خَشْيَةَ الِالتِباسِ بِالنَّسَبِ إلى عَبْدٍ أوْ إلى شَمْسٍ، وفي النِّسْبَةِ إلى عَبْدِ الدّارِ“ عَبْدَرِيٌّ ”كَذَلِكَ وإلى حَضْرَمَوْتَ“ حَضْرَمِيٌّ ”قالَ سِيبَوَيْهِ في بابِ الإضافَةِ أيِ النَّسَبِ إلى المُضافِ مِنَ الأسْماءِ: وقَدْ يَجْعَلُونَ لِلنَّسَبِ في الإضافَةِ اسْمًا بِمَنزِلَةِ جَعْفَرِيٍّ ويَجْعَلُونَ فِيهِ مِن حُرُوفِ الأوَّلِ والآخِرِ ولا يُخْرِجُونَهُ مِن حُرُوفِهِما لِيُعْرَفَ اهـ، فَجاءَ مَن خَلْفَهم مِن مُوَلَّدِيِ العَرَبِ واسْتَعْمَلُوا هَذِهِ الطَّرِيقَةَ في حِكايَةِ الجُمَلِ الَّتِي يَكْثُرُ دَوَرانُها في الألْسِنَةِ لِقَصْدِ الِاخْتِصارِ، وذَلِكَ مِن صَدْرِ الإسْلامِ فَصارَتِ الطَّرِيقَةُ عَرَبِيَّةً.
قالَ الرّاعِي:
قَوْمٌ عَلى الإسْلامِ لَمّا يَمْنَعُوا ∗∗∗ ماعُونَهم ويُضَيِّعُوا التَّهْلِيلا.
أيْ لَمْ يَتْرُكُوا قَوْلَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ
لَقَدْ بَسْمَلَتْ لَيْلى غَداةَ لَقِيتُها ∗∗∗ ألا حَبَّذا ذاكَ الحَبِيبُ المُبَسْمِلُ
أيْ قالَتْ بِسْمِ اللَّهِ فَرَقًا مِنهُ، فَأصْلُ بَسْمَلَ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ أطْلَقَهُ المُوَلَّدُونَ عَلى قَوْلِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، اكْتِفاءً واعْتِمادًا عَلى الشُّهْرَةِ وإنْ كانَ هَذا المَنحُوتُ خَلِيًّا مِنَ الحاءِ والرّاءِ اللَّذَيْنِ هُما مِن حُرُوفِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَشاعَ قَوْلُهم: بَسْمَلَ، في مَعْنى قالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، واشْتُقَّ مِن فَعْلِ بَسْمَلَ مَصْدَرٌ هو البَسْمَلَةُ كَما اشْتُقَّ مِن هَلَّلَ مَصْدَرٌ هو الهَيْلَلَةُ وهو مَصْدَرٌ قِياسِيٌّ لِفَعْلَلَ.
واشْتُقَّ مِنهُ اسْمُ فاعِلٍ في بَيْتِ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ ولَمْ يُسْمَعِ اشْتِقاقُ اسْمِ مَفْعُولٍ. ورَأيْتُ في شَرْحِ ابْنِ هارُونَ التُّونُسِيِّ عَلى مُخْتَصَرِ ابْنِ الحاجِبِ في بابِ الأذانِ عَنِ المُطَرِّزِ فِي كِتابِ“ اليَواقِيتِ ”: الأفْعالُ الَّتِي نُحِتَتْ مِن أسْمائِها سَبْعَةٌ: بَسْمَلَ في بِسْمِ اللَّهِ، وسَبْحَلَ في“ سُبْحانَ اللَّهِ ”، وحَيْعَلَ في“ حَيَّ عَلى الصَّلاةِ ”، وحَوْقَلَ في“ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ ”، وحَمْدَلَ في“ الحَمْدُ لِلَّهِ ”، وهَلَّلَ في“ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ”، وجَيْعَلَ إذا قالَ“ جُعِلْتُ فِداكَ ”، وزادَ الطَّيْقَلَةَ في“ أطالَ اللَّهُ بَقاءَكَ، والدَّمْعَزَةَ في ”أدامَ اللَّهُ عِزَّكَ“ .
ولَمّا كانَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّةِ الدِّينِ قائِلًا بِأنَّها آيَةٌ مِن أوائِلِ جَمِيعِ السُّوَرِ غَيْرَ بَراءَةَ أوْ بَعْضِ السُّوَرِ تَعَيَّنَ عَلى المُفَسِّرِ أنْ يُفَسِّرَ مَعْناها وحُكْمَها ومَوْقِعَها عِنْدَ مَن عَدُّوها آيَةً مِن بَعْضِ السُّوَرِ.
ويَنْحَصِرُ الكَلامُ عَلَيْها في ثَلاثَةِ مَباحِثَ: الأوَّلُ في بَيانِ أهِيَ آيَةٌ مِن أوائِلِ السُّوَرِ أمْ لا. الثّانِي في حُكْمِ الِابْتِداءِ بِها عِنْدَ القِراءَةِ. الثّالِثُ في تَفْسِيرِ مَعْناها المُخْتَصِّ بِها.
فَأمّا المَبْحَثُ الأوَّلُ فَهو أنْ لا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في أنْ لَفْظَ ”بِسْمَ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“ هو لَفْظٌ قُرْآنِيٌّ لِأنَّهُ جُزْءُ آيَةٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] كَما أنَّهم لَمْ يَخْتَلِفُوا في أنَّ الِافْتِتاحَ بِالتَّسْمِيَةِ في الأُمُورِ المُهِمَّةِ ذَواتِ البالِ ورَدَ في الإسْلامِ، ورُوِيَ فِيهِ حَدِيثُ «كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِسْمَ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهو أقْطَعُ» لَمْ يَرْوِهِ أصْحابُ السُّنَنِ ولا المُسْتَدْرَكاتِ، وقَدْ وُصِفَ بِأنَّهُ حَسَنٌ، وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ البَسْمَلَةَ رَسَمَها الَّذِينَ كَتَبُوا المَصاحِفَ في أوائِلِ السُّوَرِ ما عَدا سُورَةِ بَراءَةَ، كَما يُؤْخَذُ مِن مُحادَثَةِ ابْنِ عَبّاسٍ مَعَ عُثْمانَ، وقَدْ مَضَتْ في المُقَدِّمَةِ الثّامِنَةِ، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في أنَّها كُتِبَتْ في المُصْحَفِ في أوَّلِ سُورَةِ الفاتِحَةِ وذَلِكَ لَيْسَ مَوْضِعَ فَصْلِ السُّورَةِ عَمّا قَبْلَها، وإنَّما اخْتَلَفُوا في أنَّ البَسْمَلَةَ هَلْ هي آيَةٌ مِن سُورَةِ الفاتِحَةِ ومِن أوائِلِ السُّوَرِ غَيْرِ بَراءَةَ، بِمَعْنى أنَّ الِاخْتِلافَ بَيْنَهم لَيْسَ في كَوْنِها قُرْآنًا، ولَكِنَّهُ في تَكَرُّرِ قُرْآنِيَّتِها كَما أشارَ إلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ الحَفِيدُ في البِدايَةِ، فَذَهَبَ مالِكٌ والأوْزاعِيُّ وفُقَهاءُ المَدِينَةِ والشّامِ والبَصْرَةِ وقِيلَ بِاسْتِثْناءِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وابْنِ شِهابٍ مِن فُقَهاءِ المَدِينَةِ إلى أنَّها لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِن أوائِلِ السُّوَرِ لَكِنَّها جُزْءُ آيَةٍ مِن سُورَةِ النَّمْلِ، وذَهَبَ الشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ وأحْمَدُ وإسْحاقُ وأبُو ثَوْرٍ وفُقَهاءُ مَكَّةَ والكُوفَةِ غَيْرَ أبِي حَنِيفَةَ، إلى أنَّها آيَةٌ في أوَّلِ سُورَةِ الفاتِحَةِ خاصَّةً، وذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُبارَكٍ والشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ وهو الأصَحُّ عَنْهُ إلى أنَّها آيَةٌ مِن كُلِّ سُورَةٍ.
ولَمْ يُنْقُلْ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ مِن فُقَهاءِ الكُوفَةِ فِيها شَيْءٌ، وأخَذَ مِنهُ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّها لَيْسَتْ مِنَ السُّوَرِ عِنْدَهُ فَعَدَّهُ في الَّذِينَ قالُوا بِعَدَمِ جُزْئِيَّتِها مِنَ السُّوَرِ وهو الصَّحِيحُ عَنْهُ.
قالَ عَبْدُ الحَكِيمِ لِأنَّهُ قالَ بِعَدَمِ الجَهْرِ بِها مَعَ الفاتِحَةِ في الصَّلاةِ الجَهْرِيَّةِ وكَرِهَ قِراءَتَها في أوائِلِ السُّوَرِ المَوْصُولَةِ بِالفاتِحَةِ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ.
وأزِيدُ فَأقُولُ: إنَّهُ لَمْ يَرَ الِاقْتِصارَ عَلَيْها في الصَّلاةِ مُجْزِئًا عَنِ القِراءَةِ. أمّا حُجَّةُ مَذْهَبِ مالِكٍ ومَن وافَقَهُ فَلَهم فِيها مَسالِكُ: أحَدُها مِن طَرِيقِ النَّظَرِ، والثّانِي مِن طَرِيقِ الأثَرِ، والثّالِثُ مِن طَرِيقِ الذَّوْقِ العَرَبِيِّ.
فَأمّا المَسْلَكُ الأوَّلُ فَلِلْمالِكِيَّةِ فِيهِ مَقالَةٌ فائِقَةٌ لِلْقاضِي أبِي بَكْرٍ الباقِلّانِيِّ وتابَعَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ في أحْكامِ القُرْآنِ والقاضِي عَبْدُ الوَهّابِ في كِتابِ ”الأشْرافِ“، قالَ الباقِلّانِيُّ: لَوْ كانَتِ التَّسْمِيَةُ مِنَ القُرْآنِ لَكانَ طَرِيقُ إثْباتِها إمّا التَّواتُرَ أوِ الآحادَ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّهُ لَوْ ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ كَوْنُها مِنَ القُرْآنِ لَحَصَلَ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِذَلِكَ ولامْتَنَعَ وُقُوعُ الخِلافِ فِيهِ بَيْنَ الأُمَّةِ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ خَبَرَ الواحِدِ لا يُفِيدُ إلّا الظَّنَّ فَلَوْ جَعَلْناهُ طَرِيقًا إلى إثْباتِ القُرْآنِ لَخَرَجَ القُرْآنُ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً يَقِينِيَّةً، ولَصارَ ذَلِكَ ظَنِّيًّا، ولَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ ادِّعاءُ الرَّوافِضِ أنَّ القُرْآنَ دَخَلَهُ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ والتَّغْيِيرُ والتَّحْرِيفُ اهـ.
وهُوَ كَلامٌ وجِيهٌ والأقْيِسَةُ الِاسْتِثْنائِيَّةُ الَّتِي طَواها في كَلامِهِ واضِحَةٌ لِمَن لَهُ مُمارَسَةٌ لِلْمَنطِقِ، وشَرْطِيّاتُها لا تَحْتاجُ لِلِاسْتِدْلالِ لِأنَّها بَدِيهِيَّةٌ مِنَ الشَّرِيعَةِ فَلا حاجَةَ إلى بَسْطِها. زادَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ في أحْكامِ القُرْآنِ فَقالَ: يَكْفِيكَ أنَّها لَيْسَتْ مِنَ القُرْآنِ الِاخْتِلافُ فِيها، والقُرْآنُ لا يُخْتَلَفُ فِيهِ اهـ.
وزادَ عَبْدُ الوَهّابِ فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَيَّنَ القُرْآنَ بَيانًا واحِدًا مُتَساوِيًا ولَمْ تَكُنْ عادَتُهُ في بَيانِهِ مُخْتَلِفَةً بِالظُّهُورِ والخَفاءِ حَتّى يَخْتَصَّ بِهِ الواحِدُ والِاثْنانِ؛ ولِذَلِكَ قَطَعْنا بِمَنعِ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ لَمْ يُنْقَلْ إلَيْنا وأبْطَلْنا قَوْلَ الرّافِضَةِ إنَّ القُرْآنَ حِمْلُ جَمَلٍ عِنْدَ الإمامِ المَعْصُومِ المُنْتَظَرِ فَلَوْ كانَتِ البَسْمَلَةُ مِنَ الحَمْدِ لَبَيَّنَها رَسُولُ اللَّهِ بَيانًا شافِيًا اهـ.
وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في العارِضَةِ: إنَّ القاضِيَ أبا بَكْرِ بْنَ الطَّيِّبِ، لَمْ يَتَكَلَّمْ مِنَ الفِقْهِ إلّا في هَذِهِ المَسْألَةِ خاصَّةً لِأنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِالأُصُولِ.
وقَدْ عارَضَ هَذا الدَّلِيلَ أبُو حامِدٍ الغَزالِيُّ في المُسْتَصْفى فَقالَ: نَفْيُ كَوْنِ البَسْمَلَةِ مِنَ القُرْآنِ أيْضًا إنْ ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ لَزِمَ أنْ لا يَبْقى الخِلافُ أيْ وهو ظاهِرُ البُطْلانِ وإنْ ثَبَتَ بِالآحادِ يَصِيرُ القُرْآنُ ظَنِّيًّا، قالَ: ولا يُقالُ إنَّ كَوْنَ شَيْءٍ لَيْسَ مِنَ القُرْآنِ عَدَمٌ والعَدَمُ لا يَحْتاجُ إلى الإثْباتِ لِأنَّهُ الأصْلُ بِخِلافِ القَوْلِ بِأنَّها مِنَ القُرْآنِ، لِأنّا نُجِيبُ بِأنَّ هَذا وإنْ كانَ عَدَمًا إلّا أنَّ كَوْنَ التَّسْمِيَةِ مَكْتُوبَةً بِخَطِّ القُرْآنِ يُوهِنُ كَوْنَها لَيْسَتْ مِنَ القُرْآنِ، فَهاهُنا لا يُمْكِنُنا الحُكْمُ بِأنَّها لَيْسَتْ مِنَ القُرْآنِ إلّا بِالدَّلِيلِ، ويَأْتِي الكَلامُ في أنَّ الدَّلِيلَ ما هو، فَثَبَتَ أنَّ الكَلامَ الَّذِي أوْرَدَهُ القاضِي لازِمٌ عَلَيْهِ اهـ، وتَبِعَهُ عَلى ذَلِكَ الفَخْرُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ ولا يَخْفى أنَّهُ آلَ في اسْتِدْلالِهِ إلى المُصادَرَةِ إذْ قَدْ صارَ مَرْجِعُ اسْتِدْلالِ الغَزالِيِّ وفَخْرِ الدِّينِ إلى رَسْمِ البَسْمَلَةِ في المَصاحِفِ، وسَنَتَكَلَّمُ عَنْ تَحْقِيقِ ذَلِكَ عِنْدَ الكَلامِ عَلى مُدْرَكِ الشّافِعِيِّ.
وتَعَقَّبَ ابْنُ رُشْدٍ في بِدايَةِ المُجْتَهِدِ كَلامَ الباقِلّانِيِّ والغَزالِيِّ بِكَلامٍ غَيْرِ مُحَرَّرٍ فَلا نُطِيلُ بِهِ.
وأمّا المَسْلَكُ الثّانِي وهو الِاسْتِدْلالُ مِنَ الأثَرِ فَلا نَجِدُ في صَحِيحِ السُّنَّةِ ما يَشْهَدُ بِأنَّ البَسْمَلَةَ آيَةٌ مِن أوائِلِ سُوَرِ القُرْآنِ والأدِلَّةُ سِتَّةٌ:
الدَّلِيلُ الأوَّلُ: ما رَوى مالِكٌ في المُوَطَّأِ عَنِ العَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إلى أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «قالَ اللَّهُ تَعالى قَسَمْتُ الصَّلاةَ نِصْفَيْنِ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي فَنِصْفُها لِي ونِصْفُها لِعَبْدِي ولِعَبْدِي ما سَألَ، يَقُولُ العَبْدُ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] فَأقُولُ حَمِدَنِي عَبْدِي» إلَخْ، والمُرادُ في الصَّلاةِ القِراءَةُ في الصَّلاةِ، ووَجْهُ الدَّلِيلِ مِنهُ أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“ .
الثّانِي: حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في المُوَطَّأِ والصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَهُ: ألا أُعَلِّمُكَ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ في التَّوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ مِثْلُها قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ ؟ قالَ: بَلى، فَلَمّا قارَبَ الخُرُوجَ قالَ لَهُ: كَيْفَ تَقْرَأُ إذا افْتَتَحْتَ الصَّلاةَ ؟ قالَ أُبَيٌّ: فَقَرَأْتُ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] حَتّى أتَيْتُ عَلى آخِرِها، فَهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ مِنها البَسْمَلَةَ.
الثّالِثُ: ما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وسُنَنِ أبِي داوُدَ وسُنَنِ النَّسائِيِّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ أنَّهُ قالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ وأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَكانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِـ ”الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ“ لا يَذْكُرُونَ ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“، لا في أوَّلِ قِراءَةٍ ولا في آخِرِها» .
الرّابِعُ: حَدِيثُ عائِشَةَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وسُنَنِ أبِي داوُدَ قالَتْ: كانَ «رَسُولُ اللَّهِ يَسْتَفْتِحُ الصَّلاةَ بِالتَّكْبِيرِ والقِراءَةِ بِـ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة»: ٢] الخامِسُ: ما في سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ والنَّسائِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيءِ وأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ، فَلَمْ أسْمَعْ أحَدًا مِنهم يَقُولُ ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“، إذا أنْتَ صَلَّيْتَ فَقُلِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] السّادِسُ: وهو الحاسِمُ: عَمَلُ أهْلِ المَدِينَةِ، فَإنَّ المَسْجِدَ النَّبَوِيَّ مِن وقْتِ نُزُولِ الوَحْيِ إلى زَمَنِ مالِكٍ، صَلّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ والخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ والأُمَراءُ وصَلّى وراءَهُمُ الصَّحابَةُ وأهْلُ العِلْمِ ولَمْ يُسْمَعْ أحَدٌ قَرَأ ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“ في الصَّلاةِ الجَهْرِيَّةِ، وهَلْ يَقُولُ عالِمٌ إنَّ بَعْضَ السُّورَةِ جَهْرٌ وبَعْضَها سِرٌّ، فَقَدْ حَصَلَ التَّواتُرُ بِأنَّ النَّبِيءَ والخُلَفاءَ لَمْ يَجْهَرُوا بِها في الجَهْرِيَّةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مِنَ السُّورَةِ ولَوْ جَهَرُوا بِها لَما اخْتَلَفَ النّاسُ فِيها.
وهُناكَ دَلِيلٌ آخَرُ لَمْ يَذْكُرُوهُ هُنا وهو حَدِيثُ عائِشَةَ، «فِي بَدْءِ الوَحْيِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو مُعْتَبَرٌ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيءِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ ”فَفَجِئَهُ المَلَكُ فَقالَ: اقْرَأْ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ إلى أنْ قالَ فَغَطَّنِي الثّالِثَةَ ثُمَّ قالَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق»: ١] الحَدِيثَ. فَلَمْ يَقُلْ فَقالَ لِي“ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اقْرَأْ بِسْمِ رَبِّكَ ”، وقَدْ ذَكَرُوا هَذا في تَفْسِيرِ سُورَةِ العَلَقِ وفي شَرْحِ حَدِيثِ بَدْءِ الوَحْيِ.
وأمّا المَسْلَكُ الثّالِثُ وهو الِاسْتِدْلالُ مِن طَرِيقِ الِاسْتِعْمالِ العَرَبِيِّ فَيَأْتِي القَوْلُ فِيهِ عَلى مُراعاةِ قَوْلِ القائِلِينَ بِأنَّ البَسْمَلَةَ آيَةٌ مِن سُورَةِ الفاتِحَةِ خاصَّةً، وذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَتَكَرَّرَ لَفْظانِ وهُما الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ في كَلامٍ غَيْرِ طَوِيلٍ لَيْسَ بَيْنَهُما فَصْلٌ كَثِيرٌ وذَلِكَ مِمّا لا يُحْمَدُ في بابِ البَلاغَةِ، وهَذا الِاسْتِدْلالُ نَقَلَهُ الإمامُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ وأجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: إنَّ التَّكْرارَ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ وإنَّ تَأْكِيدَ كَوْنِهِ تَعالى رَحْمانًا رَحِيمًا مِن أعْظَمِ المُهِمّاتِ. وأنا أدْفَعُ جَوابَهُ بِأنَّ التَّكْرارَ وإنْ كانَتْ لَهُ مَواقِعُ مَحْمُودَةٌ في الكَلامِ البَلِيغِ مِثْلَ التَّهْوِيلِ، ومَقامِ الرِّثاءِ أوِ التَّعْدِيدِ أوِ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ، إلّا أنَّ الفاتِحَةَ لا مُناسَبَةَ لَها بِأغْراضِ التَّكْرِيرِ ولا سِيَّما التَّوْكِيدُ لِأنَّهُ لا مُنْكِرَ لِكَوْنِهِ تَعالى رَحْمانًا رَحِيمًا، ولِأنَّ شَأْنَ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ أنْ يَقْتَرِنَ فِيهِ اللَّفْظانِ بِلا فَصْلٍ، فَتَعَيَّنَ أنَّهُ تَكْرِيرُ اللَّفْظِ في الكَلامِ لِوُجُودِ مُقْتَضى التَّعْبِيرِ عَنْ مَدْلُولِهِ بِطَرِيقِ الِاسْمِ الظّاهِرِ دُونَ الضَّمِيرِ، وذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِأنْ يَبْعُدَ ما بَيْنَ المُكَرَّرَيْنِ بُعْدًا يُقْصِيهِ عَنِ السَّمْعِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهم عَدُّوا في فَصاحَةِ الكَلامِ خُلُوصَهُ مِن كَثْرَةِ التَّكْرارِ، والقُرْبِ بَيْنَ الرَّحْمَنِ والرَّحِيمِ حِينَ كُرِّرا يَمْنَعُ ذَلِكَ.
وأجابَ البَيْضاوِيُّ بِأنَّ نُكْتَةَ التَّكْرِيرِ هُنا هي تَعْلِيلُ اسْتِحْقاقِ الحَمْدِ، فَقالَ السَّلَكُوتِيُّ أشارَ بِهَذا إلى الرَّدِّ عَلى ما قالَهُ بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ: إنَّ البَسْمَلَةَ لَوْ كانَتْ مِنَ الفاتِحَةِ لَلَزِمَ التَّكْرارُ، وهو جَوابٌ لا يَسْتَقِيمُ لِأنَّهُ إذا كانَ التَّعْلِيلُ قاضِيًا بِذِكْرِ صِفَتَيِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَدَفْعُ التَّكْرِيرِ يَقْتَضِي تَجْرِيدَ البَسْمَلَةِ الَّتِي في أوَّلِ الفاتِحَةِ مِن هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ بِأنْ تَصِيرَ الفاتِحَةُ هَكَذا (بِسْمِ اللَّهِ الحَمْدُ لِلَّهِ) إلَخْ.
وأنا أرى في الِاسْتِدْلالِ بِمَسْلَكِ الذَّوْقِ العَرَبِيِّ أنْ يَكُونَ عَلى مُراعاةِ قَوْلِ القائِلِينَ بِكَوْنِ البَسْمَلَةِ آيَةً مِن كُلِّ سُورَةٍ فَيَنْشَأُ مِن هَذا القَوْلِ أنْ تَكُونَ فَواتِحُ سُوَرِ القُرْآنِ كُلُّها مُتَماثِلَةً، وذَلِكَ مِمّا لا يُحْمَدُ في كَلامِ البُلَغاءِ، إذِ الشَّأْنُ أنْ يَقَعَ التَّفَنُّنُ في الفَواتِحِ، بَلْ قَدْ عَدَّ عُلَماءُ البَلاغَةِ أهَمَّ مَواضِعِ التَّأنُّقِ فاتِحَةَ الكَلامِ وخاتِمَتِهِ، وذَكَرُوا أنَّ فَواتِحَ السُّوَرِ وخَواتِمَها وارِدَةٌ عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ البَيانِ وأكْمَلِها فَكَيْفَ يَسُوغُ أنْ يُدَّعى أنَّ فَواتِحَ سُوَرِهِ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، مَعَ أنَّ عامَّةَ البُلَغاءِ مِنَ الخُطَباءِ والشُّعَراءِ والكُتّابِ يَتَنافَسُونَ في تَفَنُّنِ فَواتِحِ مُنْشَآتِهِمْ ويَعِيبُونَ مَن يَلْتَزِمُ في كَلامِهِ طَرِيقَةً واحِدَةً فَما ظَنُّكَ بِأبْلَغِ الكَلامِ.
وأمّا حُجَّةُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ ومَن وافَقَهُ بِأنَّها آيَةٌ مِن سُورَةِ الفاتِحَةِ فَأُمُورٌ كَثِيرَةٌ أنْهاها فَخْرُ الدِّينِ إلى سَبْعَ عَشْرَةَ حُجَّةً لا يَكادُ يَسْتَقِيمُ مِنها بَعْدَ طَرْحِ المُتَداخِلِ والخارِجِ عَنْ مَحَلِّ النِّزاعِ وضَعِيفِ السَّنَدِ أوْ واهِيهِ إلّا أمْرانِ: أحَدُهُما أحادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنها ما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيءَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ“ «فاتِحَةُ الكِتابِ سَبْعُ آياتٍ أُولاهُنَّ ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» “ وقَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ: قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الفاتِحَةَ وعَدَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] آيَةً. الثّانِي: الإجْماعُ عَلى أنَّ ما بَيْنَ الدِّفَّتَيْنِ كَلامُ اللَّهِ.
والجَوابُ، أمّا عَنْ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ فَهو لَمْ يُخْرِجْهُ أحَدٌ مِن رِجالِ الصَّحِيحِ إنَّما خَرَّجَهُ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ فَهو نازِلٌ عَنْ دَرَجَةِ الصَّحِيحِ فَلا يُعارِضُ الأحادِيثَ الصَّحِيحَةَ، وأمّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فَلَمْ يُخْرِجْهُ مِن رِجالِ الصَّحِيحِ غَيْرُ أبِي داوُدَ وأخْرَجَهُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ والبَيْهَقِيُّ، وصَحَّحَ بَعْضَ طُرُقِهِ، وقَدْ طَعَنَ فِيهِ الطَّحاوِيُّ بِأنَّهُ رَواهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ، ولَمْ يَثْبُتْ سَماعُ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ مِن أُمِّ سَلَمَةَ، يَعْنِي أنَّهُ مَقْطُوعٌ، عَلى أنَّهُ رَوى عَنْها ما يُخالِفُهُ، عَلى أنَّ شَيْخَ الإسْلامِ زَكَرِيّا قَدْ صَرَّحَ في حاشِيَتِهِ عَلى تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ بِأنَّهُ لَمْ يُرْوَ بِاللَّفْظِ المَذْكُورِ وإنَّما رُوِيَ بِألْفاظٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ (بِسْمِ اللَّهِ) آيَةٌ وحْدَها، فَلا يُؤْخَذُ مِنهُ كَوْنُها مِنَ الفاتِحَةِ، عَلى أنَّ هَذا يُفْضِي إلى إثْباتِ القُرْآنِيَّةِ بِغَيْرِ المُتَواتِرِ وهو ما يَأْباهُ المُسْلِمُونَ.
وأمّا عَنِ الإجْماعِ عَلى أنَّ ما بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَلامُ اللَّهِ، فالجَوابُ: أنَّهُ لا يَقْتَضِي إلّا أنَّ البَسْمَلَةَ قُرْآنٌ وهَذا لا نِزاعَ فِيهِ، وأمّا كَوْنُ المَواضِعِ الَّتِي رُسِمَتْ فِيها في المُصْحَفِ مِمّا تَجِبُ قِراءَتُها فِيها، فَذَلِكَ أمْرٌ يَتْبَعُ رِوايَةَ القُرّاءِ وأخْبارَ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ فَيَعُودُ إلى الأدِلَّةِ السّابِقَةِ.
وهَذا كُلُّهُ بِناءً عَلى تَسْلِيمِ أنَّ الصَّحابَةَ لَمْ يَكْتُبُوا أسْماءَ السُّوَرِ وكَوْنَها مَكِّيَّةً أوْ مَدَنِيَّةً في المُصْحَفِ وأنَّ ذَلِكَ مِن صُنْعِ المُتَأخِّرِينَ، وهو صَرِيحُ كَلامِ عَبْدِ الحَكِيمِ في حاشِيَةِ البَيْضاوِيِّ، وأمّا إذا ثَبَتَ أنَّ بَعْضَ السَّلَفِ كَتَبُوا ذَلِكَ كَما هو ظاهِرُ كَلامِ المُفَسِّرِينَ والأُصُولِيِّينَ والقُرّاءِ كَما في لَطائِفِ الإشاراتِ لِلْقَسْطَلانِيِّ وهو مُقْتَضى كِتابَةِ المُتَأخِّرِينَ لِذَلِكَ لِأنَّهم ما كانُوا يَجْرُءُونَ عَلى الزِّيادَةِ عَلى ما فَعَلَهُ السَّلَفُ، فالِاحْتِجاجُ حِينَئِذٍ بِالكِتابَةِ باطِلٌ مِن أصْلِهِ ودَعْوى كَوْنِ أسْماءِ السُّوَرِ كُتِبَتْ بِلَوْنٍ مُخالِفٍ لِحِبْرِ القُرْآنِ، يَرُدُّهُ أنَّ المُشاهَدَ في مَصاحِفِ السَّلَفِ أنَّ حِبْرَها بِلَوْنٍ واحِدٍ ولَمْ يَكُنِ التَّلْوِينُ فاشِيًا.
وقَدِ احْتَجَّ بَعْضُهم بِما رَواهُ البُخارِيُّ «عَنْ أنَسٍ أنَّهُ سُئِلَ كَيْفَ كانَتْ قِراءَةُ النَّبِيءِ، فَقالَ: كانَتْ مَدًّا ثُمَّ قَرَأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَمُدُّ بِسْمِ اللَّهِ ويَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ ويَمُدُّ بِالرَّحِيمِ»، اهـ. ولا حُجَّةَ في هَذا لِأنَّ ضَمِيرَ قَرَأ وضَمِيرَ يَمُدُّ عائِدانِ إلى أنَسٍ، وإنَّما جاءَ بِالبَسْمَلَةِ عَلى وجْهِ التَّمْثِيلِ لِكَيْفِيَّةِ القِراءَةِ لِشُهْرَةِ البَسْمَلَةِ.
وحُجَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ وثانِي قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ، ما رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ أنَسٍ، قالَ «بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ أظْهُرِنا ذاتَ يَوْمٍ إذْ أغْفى إغْفاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُبْتَسِمًا فَقُلْنا: ما أضْحَكَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَةٌ آنِفًا فَقَرَأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ [الكوثر»: ١]) السُّورَةَ، قالُوا ولِلْإجْماعِ عَلى أنَّ ما بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَلامُ اللَّهِ ولِإثْباتِ الصَّحابَةِ إيّاها في المَصاحِفِ مَعَ حِرْصِهِمْ عَلى أنْ لا يُدْخِلُوا في القُرْآنِ ما لَيْسَ مِنهُ، ولِذَلِكَ لَمْ يَكْتُبُوا آمِينَ في الفاتِحَةِ. والجَوابُ عَنِ الحَدِيثِ أنّا نَمْنَعُ أنْ يَكُونَ قَرَأ البَسْمَلَةَ عَلى أنَّها مِنَ السُّورَةِ بَلِ افْتَتَحَ بِها عِنْدَ إرادَةِ القِراءَةِ لِأنَّها تُغْنِي عَنِ الِاسْتِعاذَةِ إذا نَوى المُبَسْمِلُ تَقْدِيرَ أسْتَعِيذُ بِاسْمِ اللَّهِ وحَذَفَ مُتَعَلِّقَ الفِعْلِ، ويَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلى نَحْوِ هَذا لِأنَّ راوِيَهُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ جَزَمَ في حَدِيثِهِ الآخَرِ أنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ بَسْمَلَ في الصَّلاةِ.
فَإنْ أبَوْا تَأْوِيلَهُ بِما تَأوَّلْناهُ لَزِمَ اضْطِرابُ أنَسٍ في رِوايَتِهِ اضْطِرابًا يُوجِبُ سُقُوطَها.
والحَقُّ البَيِّنُ في أمْرِ البَسْمَلَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ، أنَّها كُتِبَتْ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّوَرِ لِيَكُونَ الفَصْلُ مُناسِبًا لِابْتِداءِ المُصْحَفِ، ولِئَلّا يَكُونَ بِلَفْظٍ مِن غَيْرِ القُرْآنِ، وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ فِي سُنَنِهِ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ: ما حَمَلَكم أنْ عَمَدْتُمْ إلى بَراءَةَ وهي مِنَ المِئِينَ وإلى الأنْفالِ وهي مِنَ المَثانِي فَجَعَلْتُمُوهُما في السَّبْعِ الطِّوالِ ولَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُما سَطْرَ ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“، قالَ عُثْمانُ كانَ النَّبِيءُ لَمّا تَنْزِلُ عَلَيْهِ الآياتُ فَيَدْعُو بَعْضَ مَن كانَ يَكْتُبُ لَهُ ويَقُولُ لَهُ: ضَعْ هَذِهِ الآيَةَ بِالسُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها كَذا وكَذا، أوْ تَنْزِلُ عَلَيْهِ الآيَةُ والآيَتانِ فَيَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ، وكانَتِ الأنْفالُ مِن أوَّلِ ما أُنْزِلُ عَلَيْهِ بِالمَدِينَةِ، وكانَتْ بَراءَةُ مِن آخِرِ ما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ وكانَتْ قِصَّتُها شَبِيهَةً بِقِصَّتِها فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ولَمْ يُبَيِّنْ لَنا أنَّها مِنها، فَظَنَنْتُ أنَّها مِنها، فَمِن هُناكَ وضَعْتُها في السَّبْعِ الطِّوالِ ولَمْ أكْتُبْ بَيْنَهُما سَطْرَ ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
وأرى في هَذا دَلالَةً بَيِّنَةً عَلى أنَّ البَسْمَلَةَ لَمْ تُكْتَبْ بَيْنَ السُّوَرِ غَيْرَ الأنْفالِ وبَراءَةَ إلّا حِينَ جُمِعَ القُرْآنُ في مُصْحَفٍ واحِدٍ زَمَنَ عُثْمانَ، وأنَّها لَمْ تَكُنْ مَكْتُوبَةً في أوائِلِ السُّوَرِ في الصُّحُفِ الَّتِي جَمَعَها زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ في خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ إذْ كانَتْ لِكُلِّ سُورَةٍ صَحِيفَةٌ مُفْرَدَةٌ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ الثّامِنَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ.
وعَلى أنَّ البَسْمَلَةَ مُخْتَلَفٌ في كَوْنِها آيَةً مِن أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ غَيْرِ بَراءَةَ، أوْ آيَةً مِن أوَّلِ سُورَةِ الفاتِحَةِ فَقَطْ، أوْ لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِن أوَّلِ شَيْءٍ مِنَ السُّوَرِ؛ فَإنَّ القُرّاءَ اتَّفَقُوا عَلى قِراءَةِ البَسْمَلَةِ عِنْدَ الشُّرُوعِ في قِراءَةِ سُورَةٍ مِن أوَّلِها غَيْرِ بَراءَةَ. ورَوَوْا ذَلِكَ عَمَّنْ تَلَقَّوْا، فَأمّا الَّذِينَ مِنهم يَرْوُونَ اجْتِهادًا أوْ تَقْلِيدًا أنَّ البَسْمَلَةَ آيَةٌ مَن أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ غَيْرِ بَراءَةَ، فَأمْرَهم ظاهِرٌ، وقِراءَةُ البَسْمَلَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ واجِبَةٌ عِنْدَهم لا مَحالَةَ في الصَّلاةِ وغَيْرِها، وأمّا الَّذِينَ لا يَرْوُونَ البَسْمَلَةَ آيَةً مِن أوائِلِ السُّوَرِ كُلِّها أوْ ما عَدا الفاتِحَةَ فَإنَّ قِراءَتَهُمُ البَسْمَلَةَ في أوَّلِ السُّورَةِ عِنْدَ الشُّرُوعِ في قِراءَةِ سُورَةٍ غَيْرِ مَسْبُوقَةٍ بِقِراءَةِ سُورَةٍ قَبْلَها تَعَلَّلَ بِالتَّيَمُّنِ بِاقْتِفاءِ أثَرِ كُتّابِ المُصْحَفِ، أيْ قَصْدَ التَّشَبُّهِ في مُجَرَّدِ ابْتِداءِ فِعْلٍ تَشْبِيهًا لِابْتِداءِ القِراءَةِ بِابْتِداءِ الكِتابَةِ. فَتَكُونُ قِراءَتُهُمُ البَسْمَلَةَ أمْرًا مُسْتَحَبًّا لِلتَّأسِّي في القِراءَةِ بِما فَعَلَهُ الصَّحابَةُ الكاتِبُونَ لِلْمُصْحَفِ، فَقِراءَةُ البَسْمَلَةِ عِنْدَ هَؤُلاءِ نَظِيرُ النُّطْقِ بِالِاسْتِعاذَةِ ونَظِيرُ التَّهْلِيلِ والتَّكْبِيرِ بَيْنَ بَعْضِ السُّوَرِ مِن آخِرِ المُفَصَّلِ، ولا يُبَسْمِلُونَ في قِراءَةِ الصَّلاةِ الفَرِيضَةِ، وهَؤُلاءِ إذا قَرَءُوا في صَلاةِ الفَرِيضَةِ تَجْرِي قِراءَتُهم عَلى ما انْتَهى إلَيْهِ فَهْمُهم مِن أمْرِ البَسْمَلَةِ مِنِ اجْتِهادٍ أوْ تَقْلِيدٍ.
وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُؤْخَذَ مِن قِراءَتِهِمْ قَوْلٌ لَهم بِأنَّ البَسْمَلَةَ آيَةٌ مِن أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ كَما فَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ والبَيْضاوِيُّ.
واخْتَلَفُوا في قِراءَةِ البَسْمَلَةِ في غَيْرِ الشُّرُوعِ في قِراءَةِ سُورَةٍ مِن أوَّلِها، أيْ في قِراءَةِ البَسْمَلَةِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ.
فَوَرْشٌ عَنْ نافِعٍ في أشْهَرِ الرِّواياتِ عَنْهُ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ، لا يُبَسْمِلُونَ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ وذَلِكَ يُعَلَّلُ بِأنَّ التَّشَبُّهَ بِفِعْلِ كُتّابِ المُصْحَفِ خاصٌّ بِالِابْتِداءِ، وبِحَمْلِهِمْ رَسْمَ البَسْمَلَةِ في المُصْحَفِ عَلى أنَّهُ عَلامَةٌ عَلى ابْتِداءِ السُّورَةِ لا عَلى الفَصْلِ، إذْ لَوْ كانَتِ البَسْمَلَةُ عَلامَةً عَلى الفَصْلِ بَيْنَ السُّورَةِ والَّتِي تَلِيها لَما كُتِبَتْ في أوَّلِ سُورَةِ الفاتِحَةِ، فَكانَ صَنِيعُهم وجِيهًا لِأنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ ما رَوَوْهُ عَنْ سَلَفِهِمْ وبَيْنَ دَلِيلِ قَصْدِ التَّيَمُّنِ، ودَلِيلُ رَأْيِهِمْ أنَّ البَسْمَلَةَ لَيْسَتْ آيَةً مِن أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ.
وقالُونُ عَنْ نافِعٍ وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ يُبَسْمِلُونَ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ سِوى ما بَيْنَ الأنْفالِ وبَراءَةَ، وعَدُّوهُ مِن سُنَّةِ القِراءَةِ، ولَيْسَ حَظُّهم في ذَلِكَ إلّا اتِّباعَ سَلَفِهِمْ، إذْ لَيْسَ جَمِيعُهم مِن أهْلِ الِاجْتِهادِ، ولَعَلَّهم طَرَدُوا قَصْدَ التَّيَمُّنِ بِمُشابَهَةِ كُتّابِ المُصْحَفِ في الإشْعارِ بِابْتِداءِ السُّورَةِ والإشْعارِ بِانْتِهاءِ الَّتِي قَبْلَها.
واتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلى تَرْكِ البَسْمَلَةِ في أوَّلِ سُورَةِ بَراءَةَ وقَدْ تَبَيَّنَ وجْهُ ذَلِكَ آنِفًا، ووَجَّهَهُ الأئِمَّةُ بِوُجُوهٍ أُخَرَ تَأتّى في أوَّلِ سُورَةِ بَراءَةَ، وذَكَرَ الجاحِظُ في البَيانِ والتَّبْيِينِ أنَّ مُؤَرِّجًا السَّدُوسِيَّ البَصْرِيَّ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ“ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ يَرُدُّ عَلى المَظْلُومِ ”فَرَجَعَ مُؤَرِّجٌ إلى مُصْحَفِهِ فَرَدَّ عَلى بَراءَةَ“ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ”، ويُحْمَلُ هَذا الَّذِي صَنَعَهُ مُؤَرِّجٌ إنْ صَحَّ عَنْهُ إنَّما هو عَلى التَّمْلِيحِ والهَزْلِ ولَيْسَ عَلى الجِدِّ.
وفِي هَذا ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اخْتِلافَ مَذاهِبِ القُرّاءِ في قِراءَةِ البَسْمَلَةِ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ ابْتِداءً ووَصْلًا كَما تَقَدَّمَ لا أثَرَ لَهُ في الِاخْتِلافِ في حُكْمِ قِراءَتِها في الصَّلاةِ، فَإنَّ قِراءَتَها في الصَّلاةِ تَجْرِي عَلى إحْكامِ النَّظَرِ في الأدِلَّةِ ولَيْسَتْ مَذاهِبُ القُرّاءِ بِمَعْدُودَةٍ مِن أدِلَّةِ الفِقْهِ، وإنَّما قِراءاتُهم رِواياتٌ وسُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ في قِراءَةِ القُرْآنِ دُونَ اسْتِنادٍ إلى اعْتِبارِ أحْكامِ رِوايَةِ القُرْآنِ مِن تَواتُرٍ ودُونِهِ، ولا إلى وُجُوبٍ واسْتِحْبابٍ وتَخْيِيرٍ، فالقارِئُ يَقْرَأُ كَما رُوِيَ عَنْ مُعَلِّمِيهِ ولا يَنْظُرُ في حُكْمِ ما يَقْرَأُهُ مِن لُزُومِ كَوْنِهِ كَما قَرَأ أوْ عَدَمِ اللُّزُومِ، تَجْرِي أعْمالُهم في صَلاتِهِمْ عَلى نَزَعاتِهِمْ في الفِقْهِ مِنِ اجْتِهادٍ وتَقْلِيدٍ، ويُوَضَّحُ غَلَطُ مَن ظَنَّ أنَّ خِلافَ الفُقَهاءِ في إثْباتِ البَسْمَلَةِ وعَدَمِهِ مَبْنِيٌّ عَلى خِلافِ القُرّاءِ، كَما يُوَضَّحُ تَسامُحُ صاحِبِ الكَشّافِ في عَدِّهِ مَذاهِبَ القُرّاءِ في نَسَقِ مَذاهِبِ الفُقَهاءِ.
وإنَّما اخْتَلَفَ المُجْتَهِدُونَ لِأجْلِ الأدِلَّةِ الَّتِي تَقَدَّمَ بَيانُها، وأمّا المُوافَقَةُ بَيْنَهم وبَيْنَ قُرّاءِ أمْصارِهِمْ غالِبًا في هاتِهِ المَسْألَةِ فَسَبَبُهُ شُيُوعُ القَوْلِ بَيْنَ أهْلِ ذَلِكَ العَصْرِ بِما قالَ بِهِ فُقَهاؤُهُ في المَسائِلِ، أوْ شُيُوعُ الأدِلَّةِ الَّتِي تَلَقّاها المُجْتَهِدُونَ مِن مَشايِخِهِمْ بَيْنَ أهْلِ ذَلِكَ العَصْرِ ولَوْ مِن قَبْلِ ظُهُورِ المُجْتَهِدِ، مِثْلَ سَبْقِ نافِعِ بْنِ أبِي نُعَيْمٍ إلى عَدَمِ ذِكْرِ البَسْمَلَةِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ مالِكٌ بِعَدَمِ جُزْئِيَّتِها؛ لِأنَّ مالِكًا تَلَقّى أدِلَّةَ نَفْيِ الجُزْئِيَّةِ عَنْ عُلَماءِ المَدِينَةِ وعَنْهم أوْ عَنْ شُيُوخِهِمْ تَلَقّى نافِعُ بْنُ أبِي نُعَيْمٍ. وإذْ قَدْ كُنّا قَدْ تَقَلَّدْنا مَذْهَبَ مالِكٍ واطْمَأْنَنّا لِمَدارِكِهِ في انْتِفاءِ كَوْنِ البَسْمَلَةِ آيَةً مِن أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ كانَ حَقًّا عَلَيْنا أنْ لا نَتَعَرَّضَ لِتَفْسِيرِها هُنا، وأنْ نُرْجِئَهُ إلى الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النَّمْلِ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] غَيْرَ أنَّنا لَمّا وجَدْنا مَن سَلَفَنا مِنَ المُفَسِّرِينَ كُلِّهِمْ لَمْ يُهْمِلُوا الكَلامَ عَلى البَسْمَلَةِ في هَذا المَوْضِعِ اقْتَفَيْنا أثَرَهم إذْ صارَ ذَلِكَ مُصْطَلَحَ المُفَسِّرِينَ.
واعْلَمْ أنَّ مُتَعَلِّقَ المَجْرُورِ في بِسْمِ اللَّهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ هُنا أقْرَأُ، وسَبَبُ حَذْفِ مُتَعَلِّقِ المَجْرُورِ أنَّ البَسْمَلَةَ سُنَّتْ عِنْدَ ابْتِداءِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ المَجْرُورِ فِيها حَذْفًا مُلْتَزَمًا إيجازًا اعْتِمادًا عَلى القَرِينَةِ، وقَدْ حَكى القُرْآنُ قَوْلَ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ عِنْدَ شُرُوعِهِمْ في السِّحْرِ بِقَوْلِهِ“ فَألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم وقالُوا بِعَزَّةِ فِرْعَوْنَ ”وذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يَقُولُونَ في ابْتِداءِ أعْمالِهِمْ“ بِاسْمِ اللّاتِ بِاسْمِ العُزّى ”فالمَجْرُورُ ظَرْفُ لَغْوٍ مَعْمُولٍ لِلْفِعْلِ المَحْذُوفِ ومُتَعَلِّقٍ بِهِ ولَيْسَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا مِثْلَ الظُّرُوفِ الَّتِي تَقَعُ أخْبارًا، ودَلِيلُ المُتَعَلِّقِ يُنْبِئُ عَنْهُ العَمَلُ الَّذِي شُرِعَ فِيهِ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ فِعْلًا خاصًّا مِنَ النَّوْعِ الدّالِّ عَلى مَعْنى العَمَلِ المَشْرُوعِ فِيهِ دُونَ المُتَعَلِّقِ العامِّ، مِثْلَ: أبْتَدِئُ، لِأنَّ القَرِينَةَ الدّالَّةَ عَلى المُتَعَلِّقِ هي الفِعْلُ المَشْرُوعُ فِيهِ المَبْدُوءُ بِالبَسْمَلَةِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُقَدَّرُ اللَّفْظَ الدّالَّ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ، ولا يَجْرِي في هَذا الخِلافِ الواقِعِ بَيْنَ النُّحاةِ في كَوْنِ مُتَعَلِّقِ الظُّرُوفِ هَلْ يُقَدَّرُ اسْمًا نَحْوَ كائِنٍ أوْ مُسْتَقِرٍّ أمْ فِعْلًا نَحْوَ كانَ أوِ اسْتَقَرَّ لِأنَّ ذَلِكَ الخِلافَ في الظُّرُوفِ الواقِعَةِ أخْبارًا أوْ أحْوالًا بِناءً عَلى تَعارُضِ مُقْتَضى تَقْدِيرِ الِاسْمِ وهو كَوْنُهُ الأصْلَ في الأخْبارِ والحالِيَّةِ، ومُقْتَضى تَقْدِيرِ الفِعْلِ وهو كَوْنُهُ الأصْلَ في العَمَلِ لِأنَّ ما هُنا ظَرْفُ لَغْوٍ، والأصْلُ فِيهِ أنْ يُعَدِّيَ الأفْعالَ ويَتَعَلَّقَ بِها، ولِأنَّ مَقْصِدَ المُبْتَدِئِ بِالبَسْمَلَةِ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ عَمَلِهِ ذَلِكَ مُقارِنًا لِبَرَكَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، فَلِذَلِكَ ناسَبَ أنْ يُقَدَّرَ مُتَعَلِّقُ الجارِّ لَفْظًا دالًّا عَلى الفِعْلِ المَشْرُوعِ فِيهِ، وهو أنْسَبُ لِتَعْمِيمِ التَّيَمُّنِ لِأجْزاءِ الفِعْلِ، فالِابْتِداءُ مِن هَذِهِ الجِهَةِ أقَلُّ عُمُومًا، فَتَقْدِيرُ الفِعْلِ العامِّ يُخَصَّصُ وتَقْدِيرُ الفِعْلِ الخاصِّ يُعَمَّمُ وهَذا يُشْبِهُ أنْ يُلْغَزَ بِهِ.
وهَذا التَّقْدِيرُ مِنَ المُقَدَّراتِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها القَرائِنُ كَقَوْلِ الدّاعِي لِلْمُعَرِّسِ بِالرِّفاءِ والبَنِينَ، وقَوْلِ المُسافِرِ عِنْدَ حُلُولِهِ وتَرْحالِهِ بِاسْمِ اللَّهِ والبَرَكاتِ، وقَوْلِ نِساءِ العَرَبِ عِنْدَما يَزْفُفْنَ العَرُوسَ“ بِاليُمْنِ والبَرَكَةِ وعَلى الطّائِرِ المَيْمُونِ ”ولِذَلِكَ كانَ تَقْدِيرُ الفِعْلِ هاهُنا واضِحًا. وقَدْ أُسْعِفَ هَذا الحَذْفُ بِفائِدَةٍ وهي صَلُوحِيَّةُ البَسْمَلَةِ لِيَبْتَدِئَ بِها كُلُّ شارِعٍ في فِعْلٍ فَلا يَلْجَأُ إلى مُخالَفَةِ لَفْظِ القُرْآنِ عِنْدَ اقْتِباسِهِ، والحَذْفُ هُنا مِن قَبِيلِ الإيجازِ لِأنَّهُ حَذْفُ ما قَدْ يُصَرَّحُ بِهِ في الكَلامِ، بِخِلافِ مُتَعَلِّقاتِ الظُّرُوفِ المُسْتَقِرَّةِ نَحْوَ: عِنْدَكَ خَيْرٌ، فَإنَّهم لا يُظْهِرُونَ المُتَعَلِّقَ فَلا يَقُولُونَ: خَيْرٌ كائِنٌ عِنْدَكَ، ولِذَلِكَ عَدُّوا نَحْوَ قَوْلِهِ“ فَإنَّكَ كاللَّيْلِ الَّذِي هو مُدْرِكِي ”مِنَ المُساواةِ دُونَ الإيجازِ يَعْنِي مَعَ ما فِيهِ مِن حَذْفِ المُتَعَلِّقِ. وإذْ قَدْ كانَ المُتَعَلِّقُ مَحْذُوفًا تَعَيَّنَ أنْ يُقَدَّرَ في مَوْضِعِهِ مُتَقَدِّمًا عَلى المُتَعَلِّقِ بِهِ، كَما هو أصْلُ الكَلامِ؛ إذْ لا قَصْدَ هُنا لِإفادَةِ البَسْمَلَةِ الحَصْرَ، ودَعْوى صاحِبِ الكَشّافِ تَقْدِيرَهُ مُؤَخَّرًا تَعَمُّقٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ، لا سِيَّما عِنْدَ حالَةِ الحَذْفِ، فالأنْسَبُ أنْ يُقَدَّرَ عَلى حَسَبِ الأصْلِ.
والباءُ باءُ المُلابَسَةِ، هي المُصاحَبَةُ، وهي الإلْصاقُ أيْضًا، فَهَذِهِ مُتَرادِفاتٌ في الدَّلالَةِ عَلى هَذا المَعْنى وهي كَما في قَوْلِهِ تَعالى“ تُنْبِتُ بِالدُّهْنِ ”وقَوْلِهِمْ“ بِالرِّفاءِ والبَنِينَ ”وهَذا المَعْنى هو أكْثَرُ مَعانِي الباءِ وأشْهَرُها، قالَ سِيبَوَيْهِ: الإلْصاقُ لا يُفارِقُ الباءَ وإلَيْهِ تَرْجِعُ تَصارِيفُ مَعانِيها ولِذَلِكَ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: وهَذا الوَجْهُ أيِ المُلابَسَةُ أعْرَبُ وأحْسَنُ أيْ أحْسَنُ مِن جَعْلِ الباءِ لِلْآلَةِ أيْ أدْخَلَ في العَرَبِيَّةِ وأحْسَنَ لِما فِيهِ مِن زِيادَةِ التَّبَرُّكِ بِمُلابَسَةِ جَمِيعِ أجْزاءِ الفِعْلِ لِاسْمِهِ تَعالى.
والِاسْمُ لَفْظٌ جُعِلَ دالًّا عَلى ذاتٍ حِسِّيَّةٍ أوْ مَعْنَوِيَّةٍ بِشَخْصِها أوْ نَوْعِها. وجَعَلَهُ أئِمَّةُ البَصْرَةِ مُشْتَقًّا مِنَ السُّمُوِّ وهو الرِّفْعَةُ لِأنَّها تَتَحَقَّقُ في إطْلاقاتِ الِاسْمِ ولَوْ بِتَأْوِيلٍ فَإنَّ أصْلَ الِاسْمِ في كَلامِ العَرَبِ هو العِلْمُ ولا تُوضَعُ الأعْلامُ إلّا لِشَيْءٍ مُهْتَمٍّ بِهِ، وهَذا اعْتِدادٌ بِالأصْلِ والغالِبِ، وإلّا فَقَدَ تُوضَعُ الأعْلامُ لِغَيْرِ ما يُهْتَمُّ بِهِ كَما قالُوا“ فُجّارٌ ”عَلَمٌ لِلْفَجَرَةِ. فَأصْلُ صِيغَتِهِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ مِنَ النّاقِصِ الواوِيِّ فَهو إمّا سِمْوٌ بِوَزْنِ حِمْلٍ، أوْ سُمْوٌ بِوَزْنِ قُفْلٍ فَحُذِفَتِ اللّامُ حَذْفًا لِمُجَرَّدِ التَّخْفِيفِ أوْ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ ولِذَلِكَ جَرى الإعْرابُ عَلى الحَرْفِ الباقِي، لِأنَّهُ لَوْ حُذِفَتْ لامَهُ لِعِلَّةٍ صَرْفِيَّةٍ لَكانَ الإعْرابُ مُقَدَّرًا عَلى الحَرْفِ المَحْذُوفِ كَما في نَحْوِ قاضٍ وجَوارٍ، فَلَمّا جَرى الإعْرابُ عَلى الحَرْفِ الباقِي الَّذِي كانَ ساكِنًا نَقَلُوا سُكُونَهُ لِلْمُتَحَرِّكِ وهو أوَّلُ الكَلِمَةِ وجَلَبُوا هَمْزَةَ الوَصْلِ لِلنُّطْقِ بِالسّاكِنِ؛ إذِ العَرَبُ لا تَسْتَحْسِنُ الِابْتِداءَ بِحَرْفٍ ساكِنٍ لِابْتِناءِ لُغَتِهِمْ عَلى التَّخْفِيفِ، وقَدْ قَضَوْا بِاجْتِلابِ الهَمْزَةِ وطَرًا ثانِيًا مِنَ التَّخْفِيفِ وهو عَوْدُ الكَلِمَةِ إلى الثُّلاثِيِّ لِأنَّ الأسْماءَ الَّتِي تَبْقى بِالحَذْفِ عَلى حَرْفَيْنِ كَيَدٍ ودَمٍ لا تَخْلُو مِن ثِقَلٍ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الهَمْزَةَ لَمْ تُجْتَلَبْ لِتَعْوِيضِ الحَرْفِ المَحْذُوفِ وإلّا لاجْتَلَبُوها في يَدٍ ودَمٍ وغَدٍ.
وقَدِ احْتَجُّوا عَلى أنَّ أصْلَهُ كَذَلِكَ بِجَمْعِهِ عَلى أسْماءٍ بِوَزْنِ أفْعالٍ، فَظَهَرَتْ في آخِرِهِ هَمْزَةٌ وهي مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الواوِ المُتَطَرِّفَةِ إثْرَ ألِفِ الجَمْعِ، وبِأنَّهُ جُمِعَ عَلى أسامِي وهو جَمْعُ الجَمْعِ بِوَزْنِ أفاعِيلَ بِإدْغامِ ياءِ الجَمْعِ في لامِ الكَلِمَةِ ويَجُوزُ تَخْفِيفُها كَما في أثافِي وأمانِي، وبِأنَّهُ صُغِّرَ عَلى سُمَيٍّ.
وأنَّ الفِعْلَ مِنهُ سَمَّيْتُ، وهي حُجَجٌ بَيِّنَةٌ عَلى أنَّ أصْلَهُ مِنَ النّاقِصِ الواوِيِّ. وبِأنَّهُ يُقالُ سُمًى كَهُدًى؛ لِأنَّهم صاغُوهُ عَلى فِعْلٍ كَرَطُبَ فَتَنْقَلِبُ الواوُ المُتَحَرِّكَةُ ألِفًا إثْرَ الفَتْحَةِ وأنْشَدُوا عَلى ذَلِكَ قَوْلَ أبِي خالِدٍ القَنانِيِّ الرّاجِزِ:
واللَّهُ أسْماكَ سُمًى مُبارَكًا ∗∗∗ آثَرَكَ اللَّهُ بِهِ إيثارَكا
وقالَ ابْنُ يَعِيشَ: لا حُجَّةَ فِيهِ لِاحْتِمالِ كَوْنِهِ لُغَةً مَن قالَ سُمَ والنَّصْبُ فِيهِ نَصْبُ إعْرابٍ لا نَصْبُ الإعْلالِ، ورَدَّهُ عَبْدُ الحَكِيمِ بِأنَّ كِتابَتَهُ بِالإمالَةِ تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ. وعِنْدِي فِيهِ أنَّ الكِتابَةَ لا تَتَعَلَّقُ بِها الرِّوايَةُ فَلَعَلَّ الَّذِينَ كَتَبُوهُ بِالياءِ هُمُ الَّذِينَ ظَنُّوهُ مَقْصُورًا، عَلى أنَّ قِياسَها الكِتابَةُ بِالألِفِ مُطْلَقًا لِأنَّهُ واوِيٌّ إلّا إذا أُرِيدَ عَدَمُ التِباسِ الألِفِ بِألِفِ النَّصْبِ. ورَأْيُ البَصْرِيِّينَ أرْجَحُ مِن ناحِيَةِ تَصارِيفِ هَذا اللَّفْظِ.
وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ أصْلَهُ وِسْمٌ بِكَسْرِ الواوِ لِأنَّهُ مِنَ السِّمَةِ وهي العَلامَةُ، فَحُذِفَتِ الواوُ وعُوِّضَتْ عَنْها هَمْزَةُ الوَصْلِ لِيُبْقى عَلى ثَلاثَةِ أحْرُفٍ ثُمَّ يُتَوَسَّلُ بِذَلِكَ إلى تَخْفِيفِهِ في الوَصْلِ، وكَأنَّهم رَأوْا أنْ لا وجْهَ لِاشْتِقاقِهِ مِنَ السُّمُوِّ لِأنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِأشْياءَ غَيْرِ سامِيَةٍ وقَدْ عَلِمْتَ وجْهَ الجَوابِ، ورَأْيُ الكُوفِيِّينَ أرْجَحُ مِن جانِبِ الِاشْتِقاقِ دُونَ التَّصْرِيفِ، عَلى أنَّ هَمْزَةَ الوَصْلِ لَمْ يُعْهَدْ دُخُولُها عَلى ما حُذِفَ صَدْرُهُ. ورَدُّوا اسْتِدْلالَ البَصْرِيِّينَ بِتَصارِيفِهِ بِأنَّها يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ التَّصارِيفُ مِنَ القَلْبِ المَكانِيِّ بِأنْ يَكُونَ أصْلُ اسْمٍ وسْمٍ، ثُمَّ نُقِلَتِ الواوُ الَّتِي هي فاءُ الكَلِمَةِ فَجُعِلَتْ لامًا لِيُتَوَسَّلَ بِذَلِكَ إلى حَذْفِها ورُدَّ في تَصَرُّفاتِهِ في المَوْضِعِ الَّذِي حُذِفَ مِنهُ لِأنَّهُ تُنُوسِيَ أصْلُهُ، وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ هَذا بَعِيدٌ لِأنَّهُ خِلافُ الأصْلِ وبِأنَّ القَلْبَ لا يَلْزَمُ الكَلِمَةَ في سائِرِ تَصارِيفِها وإلّا لَما عُرِفَ أصْلُ تِلْكَ الكَلِمَةِ.
وقَدِ اتَّفَقَ عُلَماءُ اللُّغَةِ عَلى أنَّ التَّصارِيفَ هي الَّتِي يُعْرَفُ بِها الزّائِدُ مِنَ الأصْلِيِّ والمُنْقَلِبَ مِن غَيْرِهِ. وزَعَمابْنُ حَزْمٍ في كِتابِ المِلَلِ والنِّحَلِ أنَّ كِلا قَوْلَيِ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ فاسِدٌ افْتَعَلَهُ النُّحاةُ ولَمْ يَصِحَّ عَنِ العَرَبِ وأنَّ لَفْظَ الِاسْمِ غَيْرُ مُشْتَقٍّ بَلْ هو جامِدٌ، وتَطاوَلَ بِبَذاءَتِهِ عَلَيْهِمْ وهي جُرْأةٌ عَجِيبَةٌ، وقَدْ قالَ تَعالى ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وإنَّما أُقْحِمَ لَفْظُ اسْمٍ مُضافًا إلى عَلَمِ الجَلالَةِ إذْ قِيلَ: بِسْمِ اللَّهِ، ولَمْ يُقَلْ بِاللَّهِ لِأنَّ المَقْصُودَ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ المَشْرُوعُ فِيهِ مِن شُئُونِ أهْلِ التَّوْحِيدِ المَوْسُومَةِ بِاسْمِ الإلَهِ الواحِدِ فَلِذَلِكَ تُقْحَمُ كَلِمَةُ اسْمٍ في كُلِّ ما كانَ عَلى هَذا المَقْصِدِ كالتَّسْمِيَةِ عَلى النُّسُكِ قالَ تَعالى ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] وقالَ ﴿وما لَكم ألّا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]“ وكالأفْعالِ الَّتِي يُقْصَدُ بِها التَّيَمُّنُ والتَّبَرُّكُ وحُصُولُ المَعُونَةِ مِثْلَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] فاسْمُ اللَّهِ هو الَّذِي تُمْكِنُ مُقارَنَتُهُ لِلْأفْعالِ لا ذاتُهُ، فَفي مِثْلِ هَذا لا يَحْسُنُ أنْ يُقالَ بِاللَّهِ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ المَعْنى أنَّهُ يَسْتَمِدُّ مِنَ اللَّهِ تَيْسِيرًا وتَصَرُّفا مِن تَصَرُّفاتِ قُدْرَتِهِ ولَيْسَ ذَلِكَ هو المَقْصُودَ بِالشُّرُوعِ، فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] أمْرٌ بِأنْ يَقُولَ سُبْحانَ اللَّهِ، وقَوْلُهُ ”وسَبِّحْهُ“ أمْرٌ بِتَنْزِيهِ ذاتِهِ وصِفاتِهِ عَنِ النَّقائِصِ، فاسْتِعْمالُ لَفْظِ الِاسْمِ في هَذا بِمَنزِلَةِ اسْتِعْمالِ سِماتِ الإبِلِ عِنْدَ القَبائِلِ، وبِمَنزِلَةِ اسْتِعْمالِ القَبائِلِ شِعارَ تَعارُفِهِمْ، واسْتِعْمالِ الجُيُوشِ شِعارَهُمُ المُصْطَلَحَ عَلَيْهِ. والخُلاصَةُ أنَّ كُلَّ مَقامٍ يُقْصَدُ فِيهِ التَّيَمُّنُ والِانْتِسابُ إلى الرَّبِّ الواحِدِ الواجِبِ الوُجُودِ يُعَدّى فِيهِ الفِعْلُ إلى لَفْظِ اسْمِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ ﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ [هود: ٤١] وفي الحَدِيثِ في دُعاءِ الِاضْطِجاعِ «بِاسْمِكَ رَبِّي وضَعْتُ جَنْبِي وبِاسْمِكَ أرْفَعُهُ» وكَذَلِكَ المَقامُ الَّذِي يُقْصَدُ فِيهِ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] أيْ قُلْ سُبْحانَ اللَّهِ ”سَبَّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى“ وكُلُّ مَقامٍ يُقْصَدُ فِيهِ طَلَبُ التَّيْسِيرِ والعَوْنِ مِنَ اللَّهِ تَعالى يُعَدّى الفِعْلُ المَسْئُولُ إلى عَلَمِ الذّاتِ بِاعْتِبارِ ما لَهُ مِن صِفاتِ الخَلْقِ والتَّكْوِينِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ”فاسْجُدْ لَهُ“ وقَوْلِهِ في الحَدِيثِ «اللَّهُمَّ بِكَ نُصْبِحُ وبِكَ نُمْسِي» أيْ بِقُدْرَتِكَ ومَشِيئَتِكَ وكَذَلِكَ المَقامُ الَّذِي يُقْصَدُ فِيهِ تَوَجَّهُ الفِعْلِ إلى اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ﴾ [الإنسان: ٢٦] أيْ نَزِّهْ ذاتَهُ وحَقِيقَتَهُ عَنِ النَّقائِصِ. فَمَعْنى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أقْرَأُ قِراءَةً مُلابِسَةً لِبَرَكَةِ هَذا الِاسْمِ المُبارَكِ.
هَذا وقَدْ ورَدَ في اسْتِعْمالِ العَرَبِ تَوَسُّعاتٍ في إطْلاقِ لَفْظِ الِاسْمِ مَرَّةً يَعْنُونَ بِهِ ما يُرادِفُ المُسَمّى كَقَوْلِ النّابِغَةِ
نَبَّئْتُ زُرْعَةَ والسَّفاهَةُ كاسْمِها ∗∗∗ يُهْدِي إلَيَّ غَرائِبَ الأشْعارِ
يَعْنِي أنَّ السَّفاهَةَ هي هي لا تُعَرَّفُ لِلنّاسِ بِأكْثَرَ مِنِ اسْمِها، وهو قَرِيبٌ مِنِ اسْتِعْمالِ اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَعْلِ الواضِحِ الشَّهِيرِ ويُطْلِقُونَ الِاسْمَ مُقْحَمًا زائِدًا كَما في قَوْلِ لَبِيدٍ: ”إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما“ يَعْنِي ثُمَّ السَّلامُ عَلَيْكُما ولَيْسَ هَذا خاصًّا بِلَفْظِ الِاسْمِ بَلْ يَجِيءُ فِيما يُرادِفُهُ مِثْلَ الكَلِمَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ [الفتح: ٢٦] وكَذَلِكَ لَفْظٌ في قَوْلِ بَشّارٍ هاجِيًا:
وكَذاكَ، كانَ أبُوكَ يُؤْثَرُ بِالهُنى ∗∗∗ ويَظَلُّ في لَفْظِ النَّدى يَتَرَدَّدُ
وقَدْ يُطْلَقُ الِاسْمُ وما في مَعْناهُ كِنايَةً عَنْ وُجُودِ المُسَمّى، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣] والأمْرُ لِلتَّعْجِيزِ أيْ أثْبِتُوا وُجُودَهم ووَضْعَ أسْماءٍ لَهم. فَهَذِهِ إطْلاقاتٌ أُخْرى لَيْسَ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ في البَسْمَلَةِ مِن قَبِيلِها، وإنَّما نَبَّهْنا عَلَيْها لِأنَّ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ خَلَطَ بِها في تَفْسِيرِ البَسْمَلَةِ، ذَكَرْتُها هُنا تَوْضِيحًا لِيَكُونَ نَظَرُكم فِيها فَسِيحًا فَشُدُّوا بِها يَدًا. ولا تَتَّبِعُوا طَرائِقَ قِدَدًا وقَدْ تَكَلَّمُوا عَلى مَلْحَظِ تَطْوِيلِ الباءِ في رَسْمِ البَسْمَلَةِ بِكَلامٍ كُلُّهُ غَيْرُ مُقْنِعٍ، والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ الصَّحابَةَ لَمّا كَتَبُوا المُصْحَفَ طَوَّلُوها في سُورَةِ النَّمْلِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها مَبْدَأُ كِتابِ سُلَيْمانَ فَهي مِنَ المَحْكِيِّ، فَلَمّا جَعَلُوها عَلامَةً عَلى فَواتِحِ السُّوَرِ نَقَلُوها بِرَسْمِها، وتَطْوِيلُ الباءِ فِيها صالِحٌ لِاتِّخاذِهِ قُدْوَةً في ابْتِداءِ الغَرَضِ الجَدِيدِ مِنَ الكَلامِ بِحَرْفٍ غَلِيظٍ أوْ مُلَوَّنٍ.
والكَلامُ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ ووَصْفِهِ يَأْتِي بِتَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] ومُناسَبَةُ الجَمْعِ في البَسْمَلَةِ بَيْنَ عَلَمِ الجَلالَةِ وبَيْنَ صِفَتَيِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قالَ البَيْضاوِيُّ: إنَّ المُسَمِّي إذا قَصَدَ الِاسْتِعانَةَ بِالمَعْبُودِ الحَقِّ المَوْصُوفِ بِأنَّهُ مُولِي النِّعَمِ كُلِّها جَلِيلِها ودَقِيقِها يَذْكُرُ عَلَمَ الذّاتِ إشارَةً إلى اسْتِحْقاقِهِ أنْ يُسْتَعانَ بِهِ بِالذّاتِ، ثُمَّ يَذْكُرُ وصْفَ الرَّحْمَنِ إشارَةً إلى أنَّ الِاسْتِعانَةَ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ وهي نِعَمٌ، وذِكْرُ الرَّحِيمِ لِلْوُجُوهِ الَّتِي سَنَذْكُرُها في عَطْفِ صِفَةِ الرَّحِيمِ عَلى صِفَةِ الرَّحْمَنِ.
وقالَ الأُسْتاذُ الإمامُ مُحَمَّد عَبْدُه: إنَّ النَّصارى كانُوا يَبْتَدِئُونَ أدْعِيَتَهم ونَحْوَها بِاسْمِ الأبِ والِابْنِ والرُّوحِ القُدُسِ إشارَةً إلى الأقانِيمِ الثَّلاثَةِ عِنْدَهم، فَجاءَتْ فاتِحَةُ كِتابِ الإسْلامِ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ مُوقِظَةً لَهم بِأنَّ الإلَهَ الواحِدَ وإنْ تَعَدَّدَتْ أسْماؤُهُ فَإنَّما هو تَعَدُّدُ الأوْصافِ دُونَ تَعَدُّدِ المُسَمَّياتِ، يَعْنِي فَهو رَدٌّ عَلَيْهِمْ بِتَغْلِيطٍ وتَبْلِيدٍ. وإذا صَحَّ أنَّ فَواتِحَ النَّصارى وأدْعِيَتَهم كانَتْ تَشْتَمِلُ عَلى ذَلِكَ إذِ النّاقِلُ أمِينٌ فَهي نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ.
وعِنْدِي أنَّ البَسْمَلَةَ كانَ ما يُرادِفُها قَدْ جَرى عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ مِن عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَهي مِن كَلامِ الحَنِيفِيَّةِ، فَقَدْ حَكى اللَّهُ عَنْ إبْراهِيمَ أنَّهُ قالَ لِأبِيهِ ﴿يا أبَتِ إنِّيَ أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [مريم: ٤٥]، وقالَ ﴿سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] ومَعْنى الحَفِيِّ قَرِيبٌ مِن مَعْنى الرَّحِيمِ. وحَكى عَنْهُ قَوْلَهُ ﴿وتُبْ عَلَيْنا إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨] . ووَرَدَ ذِكْرُ مُرادِفِها في كِتابِ سُلَيْمانَ إلى مَلِكَةِ سَبَأٍ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١] والمَظْنُونُ أنَّ سُلَيْمانَ اقْتَدى في افْتِتاحِ كِتابِهِ بِالبَسْمَلَةِ بِسُنَّةٍ مَوْرُوثَةٍ مِن عَهْدِ إبْراهِيمَ جَعَلَها إبْراهِيمُ كَلِمَةً باقِيَةً في وارِثِي نُبُوَّتِهِ، وأنَّ اللَّهَ أحْيا هَذِهِ السُّنَّةَ في الإسْلامِ في جُمْلَةِ ما أوْحى لَهُ مِنَ الحَنِيفِيَّةِ كَما قالَ تَعالى ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨]
الدر المصون - السمين الحلبي
الدر المصون للسمين الحلبي - السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
﴿بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِیمِ﴾ [الفاتحة ١]
مصدر بَسْمَلَ، أي قال: بسم الله، نحو: حَوْقَلَ وهيْلَلَ وحَمْدَلَ، أي: قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا إله إلا الله، والحمد لله. وهذا شَبيه بباب النحت في النسب، أي إنهم يأخذون اسمَيْن فَيَنْحِتون منهما لفظاً واحداً، فينسِبون إليه كقولهم: حَضْرَميّ وعَبْقَسيّ وعَبْشَميّ نسبةً إلى حَضْرَمَوْت وعبدِ القَيْس وعبدِ شمس. قال:
6 - وتضحَكُ مني شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّة ... كَأَنْ لم تَرَيْ قبلي أسيراً يَمانياً
وهو غيرُ مقيس، فلا جرم أن بعضهم قال في: بَسْمل وهَيْلل إنها لغة مُوَلَّدَة، [قال الماوردي: يقال لمَنْ قال: بسم الله: مُبَسْمِل وهي] لغةٌ مُوَلَّدة وقد جاءَتْ في الشعر، قال عمر بن أبي ربيعة:
7 - لقد بَسْمَلَتْ ليلى غداةَ لقِيتُها ... ألا حَبَّذا ذاكَ الحديثُ المُبَسْمِلُ وغيرُه من أهلِ اللغةِ نَقَلها ولَم يقُلْ إنها مُوَلَّدَة ك ثعلب والمطرِّز.
وبِسْم: جارٌّ ومجرور، والباء هنا للاستعانة كعَمِلت وبالقَدُوم، لأنَّ المعنى: أقرأ مستعيناً بالله، ولها معانٍ أُخَرُ تقدَّم الوعدُ بذكرها، وهي: الإِلصاقُ حقيقةً أو مجازاً، نحو: مَسَحْتُ برأسي، مررْتُ بزيدٍ، والسببية: [نحو] {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ} [النساء: 160] ، أي بسببِ ظلمهم، والمصاحبة نحو: خرج زيدٌ بثيابه، أي مصاحباً لها، والبدلُ كقوله عليه السلام: «ما يَسُرُّنِي بها حُمْرُ النَّعَم» أي بدلها، وكقول الآخر:
8 - فليتَ لي بِهِمُ قوماً إذا ركبوا ... شَنُّوا الإِغارةَ فرساناً ورُكْبانا
أي: بَدَلَهم، والقسم: أحلفُ باللهِ لأفعلنَّ، والظرفية نحو: زيد بمكة أي فيها، والتعدية نحو: {ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ} [البقرة: 17] ، والتبعيض كقول الشاعر:
9 - شَرِبْنَ بماءِ البحر ثم ترفَّعَتْ ... متى لُجَجٍ خُضْرٍ لهنَّ نَئيجُ أي من مائه، والمقابلة: «اشتريتهُ بألف» أي: قابلتُه بهذا الثمنِ، والمجاوزة مثلُ قولِه تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السمآء بالغمام} [الفرقان: 25] أي عن الغمام، ومنهم مَنْ قال: لا تكون كذلك إلا مع السؤال خاصة نحو: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} [الفرقان: 59] أي عنه، وقول علقمة:
10 - فإنْ تَسْأَلوني بالنساءِ فإنني ... خبيرٌ بأَدْواءِ النساء طبيبُ
إذا شابَ رأسُ المرءِ أو قلَّ مالُه ... فليس له في وُدِّهِنَّ نَصيبُ
والاستعلاء كقوله تعالى: {مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ} [آل عمران: 75] . والجمهورُ يأبَوْن جَعْلها إلا للإِلصاق أو التعديةِ، ويَرُدُّون جميعَ المواضعِ المذكورةِ إليهما، وليس هذا موضعَ استدلال وانفصال.
وقد تُزاد مطَّردةً وغيرَ مطَّردة، فالمطَّردةُ في فاعل «كفى» نحو: {وكفى بالله} [النساء: 6] / أي: كفى اللهُ، بدليل سقوطِها في قول الشاعر:
11 -. . . . . ... كفى الشيبُ والإِسلامُ للمرءِ ناهياً
وفي خبرِ ليس و «ما» أختِها غيرَ موجَبٍ ب إلاَّ، كقوله تعالى: {أَلَيْسَ الله بِكَافٍ [عَبْدَهُ] } [الزمر: 36] ، {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ} [الأنعام: 132] وفي: بحَسْبكِ زيدٌ. وغيرَ مطَّردةٍ في مفعولِ «كفَى» ، كقوله:
12 - فكفى بنا فَضْلاً على مَنْ غيرُنا ... حُبُّ النبيِّ محمدٍ إيانا
أي: كَفانا، وفي البيت كلامٌ آخرُ، وفي المبتدأ غيرَ «حَسْب» ومنه في أحدِ القولين:
{بِأَييِّكُمُ المفتون} [القلم: 6] وقيل: المفتون مصدر كالمَعْقول والمَيْسور، فعلى هذا ليست زائدةً، وفي خبر «لا» أختِ ليس، كقوله:
13 - فكُنْ لي شفيعاً يومَ لا ذو شفاعةٍ ... بمُغْنٍ فتيلاً عن سَوادِ بنِ قاربِ
أي: مُغْنياً، وفى خبرِ كان مَنْفِيَّةً نحو:
14 - وإنْ مُدَّتِ الأيدي إلى الزادِ لم أكنْ ... بِأعجلِهم، إذْ أَجْشَعُ القومِ أَعْجَلُ
أي: لم أكنْ أعجلَهم، وفي الحال وثاني مفعولَيْ ظنَّ منفيَّيْنِ أيضاً كقوله:
15 - فما رَجَعَتْ بخَائِبَةٍ رِكابٌ ... حكيمُ بنُ المُسَيَّب مُنْتَهاها وقولِ الآخر:
16 - دعاني أخي والخيلُ بيني وبينه ... فلمَّا دعاني لم يَجِدْني بقُعْدَدِ
أي: ما رَجَعَت رِكابُ خائبةً، ولم يَجِدْني قُعْدَداً، وفي خبر «إنَّ» كقول امرئ القيس:
17 - فإنْ تَنْأَ عنها حِقْبَةً لا تُلاقِها ... فإنك ممَّا أَحْدَثَتْ بالمُجَرِّبِ
أي: فإنك المجرِّب، وفي: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله} [الأحقاف: 33] وشبهه.
والاسمُ لغةً: ما أبانَ عن مُسَمَّى، واصطلاحاً: ما دلَّ على معنىً في نفسه فقط غيرَ متعرِّضٍ بِبُنْيَتِهِ لزمان ولا دالٍّ جزءٌ من أجزائه على جزءٍ من أجزاء معناه، وبهذا القيدِ الأخيرِ خَرَجت الجملةُ الاسميةُ، والتسميةُ: جَعْلُ ذلك اللفظِ دالاًّ على ذلك المعنى.
واختلف الناسُ: هل الاسمُ عينُ المُسَمَّى أو غيرُه؟ وهي مسألةٌ طويلةٌ، تكلَّم الناسُ فيها قديماً وحديثاً واستشكلوا على كونه هو المُسَمَّى إضافَتَه إليه، فإنه يلزم منه إضافةُ الشيء إلى نفسِه، وأجاب أبو البقاء عن ذلك بثلاثة أجوبة، أجودُها: أنَّ الاسم هنا بمعنى التسمية، والتسميةُ غيرُ الاسم، لأنَّ التسمية هي اللفظُ بالاسم، والاسمَ هو اللازمُ للمُسَمَّى فتغايرا. الثاني: أنَّ في الكلام حَذْفَ مضافٍ تقديرُه: باسم مُسَمَّى اللهِ. الثالث: أن لفظَ «اسم» زائدٌ كقولِه: 18 - إلى الحَوْلِ ثم اسمُ السلامِ عليكما ... ومَنْ يَبْكِ حولاً كاملاً فقد اعتذَرْ
أي: السلام عليكما، وقول ذي الرمة:
19 - لاَ يَرْفَعُ الطرفَ إلاَّ ما تَخَوَّنَهُ ... داعٍ يُناديه باسمِ الماءِ مَبْغَومُ
وإليه ذهب أبو عبيدة والأخفش وقطرب.
واختلفوا في معنى الزيادة فقال الأخفش: ليخرجَ من حُكْمِ القسم إلى قَصْدِ التبرُّك «. وقال قطرب:» زيد للإِجلال والتعظيم «، وهذان الجوابان ضعيفان لأنَّ الزيادةَ والحذفَ لا يُصار إليهما إلاَّ إذا اضطُرَّ إليهما.
ومن هذا القَبيلِ - أعني ما يُوهِمُ إضافةَ الشيءِ إلى نفسِه - إضافةُ الاسمِ إلى اللقبِ والموصوفِ إلى صفتهِ، نحو: سعيدُ كُرزٍ وزيدُ قُفَّةٍ ومسجدُ الجامعِ وبَقْلَةُ الحمقاءِ، ولكن النحويين أوَّلوا النوع الأول بأنْ جعلوا الاسمَ بمعنى المُسَمَّى واللقبَ بمعنى اللفظِ، فتقديرُه: جاءني مسمَّى هذا اللفظِ، وفي الثاني جَعَلوه على حَذْفِ مضافٍ، فتقديرُ بقلةِ الحمقاءِ: بقلةُ الحبِّةِ الحمقاءِ، ومسجدُ الجامعِ: مسجدُ المكانِ الجامعِ.
واختلف النحويون في اشتقاقه: فذهب أهلُ البصرة إلى أنه مشتقٌ من السُّمُوِّ وهو الارتِفاعُ، لأنه يَدُلُّ على مُسَمَّاه فيرفعُه ويُظْهِرهُ، وذهب الكوفيون إلى أنه مشتق من الوَسْم وهو العلامةُ لأنه علامةٌ على مُسَمَّاه، وهذا وإنْ كان صحيحاً من حيث المعنى لكنه فاسدٌ من حيث التصريفُ.
استدلَّ البصريون على مذهبهم بتكسيرِهم له على «أَسْماء» وتصغيرهم له على سُمَيّ، لأن التكسير والتصغير يَرُدَّان الأشياء إلى أصولها، وتقولُ العَربُ: فلانٌ سَمِيُّك، وسَمَّيْتُ فلاناً بكذا، وأَسْمَيْتُه بكذا، فهذا يَدُلُّ على اشتقاقه من السموّ، ولو كان من الوَسْم لقيل في التكسير: أَوْسام، وفي التصغير: وُسَيْم، ولقالوا: وَسِيمُك فلانٌ ووَسَمْتُ وأَوْسَمْتُ فلاناً بكذا، فدلَّ عدمُ قولِهم ذلك أنه ليس كذلك. وأيضاً فَجَعْلُه من السموّ مُدْخِلٌ له في البابِ الأكثرِ، وجَعْلُه من الوَسْم مُدْخِلٌ له في الباب الأقلِّ؛ وذلك أن حَذْفَ اللام كثيرٌ وحذفَ الفاءِ قليلٌ، وأيضاً فإنَّا عَهِدْناهم غالباً يُعَوِّضون في غير محلِّ الحَذْفَ فَجَعْلُ همزةِ الوصل عوضاً من اللام موافقٌ لهذا الأصل بخلافِ ادِّعاءِ كَوْنِها عوضاً من الفاء. فإن قيل: قولُهم «أسماء» في التكسير و «سُمَيّ» في التصغير لا دلالةَ فيه لجوازِ أن يكون الأصلُ: أَوْسَاماً ووُسَيْماً، ثم قُلِبَتِ الكلمةُ بأَنْ أُخِّرَتْ فاؤُها بعد لامها فصار لفظُ أَوْسام: أَسْماواً، ثم أُعِلَّ إعلالَ كساء، وصار وُسَيْم سُمَيْوَاً، ثم أُعِلَّ إعلالَ جُرَيّ تصغير جَرْو. فالجوابُ أنَّ ادِّعاء ذلك لا يفيدُ، لأنَّ القَلْبَ على خلافِ القياس فلا يُصارُ إليه ما لم تَدْعُ إليه ضرورةٌ. وهل لهذا الخلافِ فائدةٌ أم لا؟ والجوابُ أن له فائدةً، وهي أَنَّ مَنْ قال باشتقاقِه من العلوِّ يقول: إنه لم يَزَلْ موصوفاً قبل وجودِ الخلق وبعدَهم وعند فَنائِهم، لا تأثيرَ لهم في أسمائه ولا صفاتِه وهو قول أهل السُّنَّةِ. وَمنْ قال بأنه مشتقٌّ من الوَسْم يقول: كان الله في الأزل بلا اسم ولا صفةٍ، فلما خَلَقَ الخلق جعلوا له أسماءً وصفاتٍ وهو قول المعتزلة، وهذا أشدُّ خطأً من قولِهم بخلق القرآن وعلى هذا الخلافِ وَقَعَ الخلافُ أيضاً في الاسم والمُسَمَّى.
وفي الاسم خمسُ لغاتٍ: «اسم» بضم الهمزة وكسرها، و «سُِم» بكسر السين وضمها. وقال أحمد بن يحيى: «سُمٌ بضم السين أَخَذَه من سَمَوْتُ أسْمُو، ومَنْ قاله بالكسر أخذه من سَمَيْتُ أَسْمي، وعلى اللغتين قوله:
20 - وعامُنا أَعْجبنا مُقَدَّمُهْ ... يُدْعى أبا السَّمْحِ وقِرضابٌ سُِمُهْ
مُبْتَرِكاً لكلِّ عَظْمٍ يَلْحُمُهْ ... يُنْشَدُ بالوجهين، وأنشدوا على الكسر:
21 - باسمِ الذي في كلِّ سورةٍ سِمُهْ ... [فعلى هذا يكون في لام» اسم «وجهان، أحدُهما: أنها واو، والثاني: أنها ياء وهو غريبٌ، ولكنَّ] أحمد بن يحيى جليلُ القدر ثقةٌ فيما ينقل. و» سُمَىً «مثل هُدَىً. واستدلُّوا على ذلك بقول الشاعر: 22 - واللهُ أَسْماك سُمَىً مُبارَكاً ... آثرك اللهُ به إيثارَكَا
ولا دليلَ في ذلك لجوازِ أن يكونَ من لغةِ مَنْ يجعله منقوصاً مضمومَ السين وجاء به منصوباً، وإنما كان ينتهض دليلاً لو قيل: سُمَىً حالةَ رفعٍ أو جَرٍّ.
وهمزتُه همزةُ وصلٍ أي تُثْبَت ابتداءً وتُحْذَفُ دَرْجَاً، وقد تُثْبَتُ ضرورةً كقوله:
23 - وما أنا بالمَخْسوسِ في جِذْمِ مالكٍ ... ولا مَنْ تسمَّى ثم يلتزِم الإِسْما
وهو أحدُ الأسماءِ العشرةِ التي ابتُدِئ في أوائِلها بهمزةِ الوصلِ/ وهي: اسم واست وابن وابنُم وابنة وامرؤ وامرأة واثنان واثنتان وايمنُ في القسم. والأصل في هذه الهمزةِ أن تُثْبَتَ خَطَّاً كغيرِها من همزاتِ الوصل، وإنما حَذَفوها حين يُضاف الاسمُ إلى الجلالةِ خاصةً لكثرة الاستعمال. وقيل: ليوافقَ الخطُّ اللفظَ. وقيل لا حذفَ أصلاً، وذلك لأن الأصل: «سِمٌ» أو «سُم» بكسر السين أو ضمها فلمَّا دخلتِ الباءُ سَكَنَتِ العينُ تخفيفاً، لأنه وقع بعد الكسرة كسرةٌ أو ضمةٌ، [وهذا حكاه النحاس وهو حسن] ، فلو أضيف إلى غير الجلالة ثَبَتَتْ، نحو: باسم الرحمن، هذا هو المشهور، وحُكِيَ عن الكسائي والأخفش جوازُ حََذْفِها إذا أُضيفت إلى غيرِ الجلالة من أسماء الباري تعالى نحو: بسمِ ربِّك، بسمِ الخالق.
واعْلم أنَّ كلَّ جار ومجرور لا بُدَّ له من شيءٍ يَتَعَلَّقُ به، فعلٍ أو ما في معناه، إلا في ثلاثِ صور: حرفِ الجر الزائد ولعلَّ ولولا عند مَنْ يجر بهما، وزاد الاستاذ ابن عصفور كافَ التشبيه، وليس بشيء فإنها تتعلَّق. إذا تقرر ذلك ف «بسم الله» لا بدَّ من شيء يتعلق به ولكنه حُذِف.
واختلف النحويون في ذلك، فذهب أهلُ البصرةِ إلى أنَّ المُتَعَلَّقَ به اسمٌ، وذهب أهلُ الكوفة إلى أنه فِعْلٌ، ثم اختَلَفَ كلٌ من الفريقين: فذهب بعضُ البصريين إلى أنَّ ذلك المحذوفَ مبتدأٌ حُذِفَ هو وخبرهُ وبقي معمولُه، تقديره: ابتدائي باسم الله كائنٌ أو مستقرٌ، أو قراءتي باسم الله كائنةٌ أو مستقرة. وفيه نظرٌ من حيث إنه يلزمُ حَذْفُ المصدرِ وإبقاءُ معمولِه وهو ممنوعٌ، وقد نص مكي على مَنْع هذا الوجهِ. وذهبَ بعضُهم إلى أنه خبرٌ حُذِف هو ومبتدؤه أيضاً وبقي معمولُه قائماً مَقامَه، والتقدير: ابتدائي كائنٌ باسمِ الله، أو قراءتي كائنةٌ باسم الله نحو: زيدٌ بمكةَ، فهو على الأول منصوبُ المحلِّ وعلى الثاني مرفوعُه لقيامِهِ مقامَ الخبر. وذهب بعضُ الكوفيين إلى أنَّ ذلك الفعلَ المحذوفَ مقدَّرٌ قبله، قال: لأنَّ الأصلَ التقديمُ، والتقدير: أقرأُ باسم الله أو أبتدئُ باسم الله. ومنهم مَنْ قدَّر بعده: والتقدير: باسم الله أقرأ أو أبتدئ أو أتلو، وإلى هذا نحا الزمخشري قال: «ليفيدَ التقديمُ الاختصاصَ لأنه وقع ردًّاً على الكفرة الذين كانوا يبدؤون بأسماءِ آلهتهم كقولهم: باسم اللات، باسم العُزَّى» وهذا حسنٌ جداً، ثم اعترض على نفسِه بقولِه تعالى: {اقرأ باسم رَبِّكَ} [القلم: 1] ، حيث صَرَّح بهذا العامل مُقَدَّماً على معمولِه، ثم أجاب بأنَّ تقديمَ الفعل في سورة العلق أوقعُ لأنها أولُ سورةٍ نَزَلَت فكان الأمرُ بالقراءة أهمَّ «. وأجاب غيرُه بأنَّ ب» اسم ربك «ليس متعلقاً ب» اقرأ «الذي قبله، بل ب» اقرأ «الذي بعده، فجاء على القاعدة المتقدمة.
وفي هذا نظرٌ لأن الظاهرَ على هذا القول أن يكون «اقرأ» الثاني توكيداً للأول فيكون قد فَصَلَ بمعمول المؤكِّد بينه وبين ما أكَّده مع الفصلِ بكلامٍ طويل.
واختلفوا أيضاً: هل ذلك الفعلُ أمرٌ أو خبرٌ؟ فذهب الفراء أنه أَمْرٌ تقديرُه: اقرأ أنت باسم الله، وذهب الزجاج أنه خبرٌ تقديره: اقرأ أنا أو أبتَدِئُ ونحوهُ.
و «الله» في «بسم الله» مضافٌ إليه، وهل العاملُ في المضاف إليه المضافُ أو حرفُ الجرِّ المقدََّرِ أو معنى الإِضافة؟ ثلاثةُ أقوال خَيْرُها أوسطُها. وهو عَلَمٌ على المعبودِ بحق، لاَ يُطلق على غيره، ولَم يَجْسُرْ أحدٌ من المخلوقين أن يَتَسَّمى به، وكذلك الإِله قبل النقل والإِدغامِ لا يُطْلق إلا على المعبودِ بحقٍّ. قال الزمخشري: «كأنه صار عَلَماً بالغلَبة» ، وأمّا «إله» المجردُ من الألف واللام فيُطلق على المعبود بحقٍّ وعلى غيره، قال تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] ، {وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إِلَهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} [المؤمنون: 117] ، { [أَرَأَيْتَ] مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ} [الفرقان: 43] . واختلف الناسُ هل هو مُرْتَجَلٌ أو مشتق؟ ، والصوابُ الأولُ، وهو أعرفُ المعارف. يُحْكى أن سِيبوِيه رُئيَ في المنام فقيل [له] : ما فعلَ اللهُ بك؟ فقال: خيراً كثيراً، لجَعْلِي اسمَه أعرفَ المعارفِ.
ثم القائلونَ باشتقاقِه اختلفوا اختلافاً كثيراً، فمنهم مَنْ قال: هو مشتقٌّ من لاهَ يليه أي ارتفع، ومنه قيل للشمس: إلاَهة بكسر الهمزة وفتحها لارتفاعها، وقيل: لاتخاذِهِم إياها معبوداً، وعلى هذا قيل: «لَهْيَ أبوك» يريدونَ: للهِ أبوك، فَقَلَب العينَ إلى موضع اللام. وخَفَّفه فَحَذَفَ الألفَ واللامَ وحَذَفَ حرفَ الجرِ. وأَبْعد بعضُهم فَجَعَلَ مِنْ ذلك قولَ الشاعر:
24 - ألا ياسَنا بَرْقٍ على قُلَلِ الحِمى ... لَهِنَّكَ من برقٍ عليَّ كريمُ
قال: الأصلُ: لله إنك كريمٌ عليَّ، فَحَذََفَ حرف الجر وحرف التعريف والألفَ التي قبل الهاء من الجلالة، وسَكَّن الهاءَ إجراءً للوصل مُجْرى الوقف، فصار اللفظ: لَهْ، ثم أَلقى حركة همزة «إنَّ» على الهاء فبقي: لَهِنَّك كما ترى، وهذا سماجَةٌ من قائلِه. وفي البيت قولان أيسرُ من هذا.
ومنهمَ مَنْ قال: «هو مشتقٌّ من لاه يَلُوه لِياهاً. أي احتجَبَ، فالألف على هذين القولين أصليةٌ، فحينئذ أصلُ الكلمة لاَهَ، ثم دخل عليه حرفُ التعريف فصار اللاه، ثم أُدْغِمت لام التعريف في اللام بعدها لاجتماعِ شروطِ الإِدغام، وفُخِّمت لامُه. ووزنُه على القولين المتقدِّمين إمَّا: فَعَل أو فَعِل بفتح العين أو كسرِها، وعلى كل تقدير: فتحرَّك حرفُ العلة وانفتحَ ما قبلَه فقُلِب ألفاً، وكان الأصلَ: لَيَهاً أو لَيِهاً أو لَوَهاً أو لَوِهاً.
ومنهم مَنْ جَعَلَه مشتقاً من أَلَه، وأَلَه لفظٌ مشترك بين معانٍ وهي: العبادةُ والسكون والتحيُّر والفزع، فمعنى «إله» أنَّ خَلْقَه يعبدونه ويسكنون إليه ويتحيَّرون فيه ويفزعون إليه. ومنه قولُ رؤبة:
25 - لِلَّهِ دَرُّ الغانِياتِ المُدَّهِ ... سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِنْ تألُّهي
أي: من عبادتِه، ومنه {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} [الأعراف: 127] أي عبادتك. وإلى معنى التحيُّر أشار أمير المؤمنين بقوله: «كَلَّ دون صِفاته تحبيرُ الصفات وضَلَّ هناك تصاريفُ اللغات» وذلك أن العبد إذا تفكَّر في صفاته تحيَّر، ولهذا/ رُوي: «تفكروا في آلاء الله، ولا تتفكروا في الله» وعلى هذا فالهمزةُ أصلية والألفُ قبل الهاء زائدةٌ، فأصلُ الجلالة الكريمة: الإِله، كقولِ الشاعر:
26 - معاذَ الإِله أن تكونَ كظبيةٍ ... ولا دُمْيَةٍ ولا عَقِيْلَةٍ رَبْرَبِ
ثم حُذِفت الهمزةُ لكثرةِ الاستعمال كما حُذفت في ناس، والأصل أُناس كقوله:
27 - إنَّ المَنايا يَطَّلِعْ ... نَ على الأُناس الآمِنينا
فالتقى حرفُ التعريفِ مع اللامِ فأُدْغِم فيها وفُخِّم. أو نقول: إن الهمزة من الإِله حُذِفت للنقل، بمعنى أنَّا نَقَلْنا حَرَكتَها إلى لام التعريف وحَذَفْناها بعد نقل حركتها كما هو المعروف في النقل، ثم أُدغم لامُ التعريف كما تقدَّم، إلا أنَّ النقلَ هنا لازِمٌ لكثرةِ الاستعمال.
ومنهم مَنْ قال: هو مشتقٌ من وَلِهَ لكونِ كلِّ مخلوقٍ والِهاً نحوَه، وعلى ذلك قال بعض الحكماء: «الله محبوب للأشياءِ كلها، وعلى ذلك دلَّ قوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ} [الإسراء: 44] ، فأصله: وِلاه ثم أُبدلت الواو همزةً كما أُبدلت في إشاح وإعاء، والأصلُ: وِشاح ووِعاء، فصار الفظُ به: إلاهاً، ثم فُعِل به ما تقدَّم مِنْ حَذْفِ همزتِه والإِدغام، ويُعْزَى هذا القول للخليل، فعلى هذين القولين وزنُ إلاه: فِعال، وهو بمعنى مَفْعول أي: مَعْبود أو متحيِّرٌ فيه كالكِتاب بمعنى مكتوب.
وُردَّ قولُ الخليل بوجهين، أحدهما: أنه لو كانت الهمزةُ بدلاً من واو لجاز النطق بالأصلِ، ولم يَقُلْه أحد، ويقولون: إشاح ووشاح وإعاء ووعاء. والثاني: أنه لو كان كذلك لجُمع على أَوْلِهة كأَوْعِية وأَوشِحَة فتُرَدُّ الهمزة إلى أَصلها، ولم يُجْمع» إله «إلا على آلهة.
وللخليل أن ينفصِلَ عن هذين الاعتراضين بأنَّ البدلَ لزِم في هذا الاسمِ لأنه اختصَّ بأحكامٍ لم يَشْرَكَهْ فيها غيرُه، كما ستقف عليه، ثم جاء الجمع على التزامِ البدل.
وأمَّا الألفُ واللامُ فيترتَّب الكلامُ فيها على كونِه مشتقاً أو غيرَ مشتقٍّ، فإنْ قيل بالأول كانَتْ في الأصل مُعَرِّفةً، وإنْ قيل بالثاني كانت زائدةً. وقد شَذَّ حذفُ الألفِ واللامِ من الجلالة في قولهم» لاهِ أبوك «، والأصل: للهِ أبوك كما تقدم، قالوا: وحُذِفَت الألفُ التي قبل الهاء خَطَّاً لئلا يُشْبَّهَ بخط» اللات «اسم الصنم، لأن بعضهم يقلبُ هذه التاء في الوقف هاءً فيكتُبها هاءً تَبَعَاً للوقف فمِنْ ثمَّ جاء الاشتباه.
وقيل: لئلا يُشَبَّه بخط «اللاه» اسمَ فاعل من لها يلهو، وهذا إنما يَتِمُّ على لغة مَنْ يحذف ياءَ المنقوص المعرَّف وقفاً لأن الخطَّ يتبعه، وأمَّا مَنْ يُثْبِتُها وقفاً فيثبتها خطَّاً فلا لَبْس حينئذ. وقيل: حَذْفُ الألف لغةٌ قليلة جاء الخط عليها، والتُزمَ ذلك لكثرة استعماله، قال الشاعر:
28 - أقبلَ سَيْلٌ كان من أمر اللهْ ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّة المُغِلَّهْ
وحكمُ لامِه التفخيمُ تعظيماً ما لم يتقدَّمْه كسرٌ فترقّقُ، وإن كان أبو القاسم الزمخشري قد أطلق التفخيمَ، ولكنه يريد ما قلته. ونقل أبو البقاء أنَّ منهمِ مَنْ يُرَقِّقُها على كل حال. وهذا ليس بشيءٍ لأن العربَ على خِلافِه كابراً عن كابرٍ كما ذكره الزمخشري. ونقل أهلُ القراءة خلافاً فيما إذا تقدَّمَه فتحةٌ ممالةٌ أي قريبة من الكسرة: فمنهم مَنْ يُرَقِّقها، ومنهم مَنْ يُفَخِّمُها، وذلك كقراءة السوسي في أحدِ وَجْهَيْه: «حتى نَرَى اللهَ جَهْرةً» .
ونقل السهيلي وابن العربي فيه قولاً غريباً وهو أنَّ الألف واللام فيه أصليةٌ غيرُ زائدةٍ، واعتذرا عن وَصْلِ الهمزةِ بكثرة الاستعمال، كما يقول الخليل في همزةِ التعريف، وقد رُدَّ قولهُما بأنه كان ينبغي أن يُنَوَّن لفظُ الجَلالةِ لأنَّ وزنَه حينئذ فَعَّال نحو: لآَّل وسَآَّل، وليس فيه ما يمنعه من التنوينِ فدلَّ على أنَّ أل فيه زائدةٌ على ماهيةِ الكلمةِ.
ومن غريبِ ما نُقِل فيه أيضاً أنه ليس بعربي بل هو مُعَرَّب، وهو سُريانيُّ الوَضْعِ وأصله: «لاها» فَعَرَّبَتْه العربُ فقالوا: الله، واستدلُّوا على ذلك بقول الشاعر: 29 - كحَلْفَةٍ من أبي رياحِ ... يَسْمَعُها لاهُهُ الكُبارُ
فجاء به على الأصلِ قبل التعريبِ، ونقل ذلك أبو زيد البلخي.
[ومِنْ غريب ما نُقل فيه أيضاً أنَّ الأصل فيه الهاءُ التي هي كنايةٌ عن الغائب] قالوا: وذلك أنهم أثبتوه موجوداً في نظر عقولِهم فأشاروا إليه بالضمير، ثم زِيدَتْ فيه لامُ المِلْك، إذ قد عَلِموا أنه خالقُ الأشياء ومالِكُها فصار اللفظ: «لَهُ» ثم زِيدت فيه الألف واللام تعظيماً وتفخيماً، وهذا لا يُشبه كلامَ أهل اللغة ولا النَحْويين، وإنما يشبه كلامَ بعض المتصوفة.
ومن غريب ما نُقل فيه أيضاً أنه صفةٌ وليس باسم، واعتلَّ هذا الذاهب إلى ذلك أنَّ الاسم يُعَرِّفَ المُسَمَّى والله تعالى لا يُدْرَكُ حِسَّاً ولا بديهةً فلا يُعَرِّفُه اسمه، إنما تُعَرِّفه صفاتُه، ولأن العَلَم قائمٌ مقامَ الإِشارة، واللهُ تعالى ممتنعٌ ذلك في حقه. وقد رَدَّ الزمخشري هذا القولَ بما معناه أنك تصفه ولا تَصِفُ به، فتقول: إله عظيم واحد، كما تقول: شيءٌ عظيم ورجلٌ كريم، ولا تقول: شيء إله، كما لا تقول: شيء رجل، ولو كان صفةً لوقع صفةً لغيره لا موصوفاً، وأيضاً فإنَّ صفاتِه الحسنى لا بُدَّ لها من موصوف تَجْري عليه، فلو جَعَلْتَها كلَّها صفاتٍ، بقيت غيرَ جاريةٍ على اسمٍ موصوفٍ بها، وليس فيما عدا الجلالة خلافٌ في كونِه صفةً فَتَعَيَّن أن تكونَ الجلالةُ اسماً لا صفةً.
والقولُ في هذا الاسم الكريمِ يحتمل الإِطالةَ أكثرَ ممَّا ذكرْتُ لك، إنما اختصرْتُ ذلك خوفَ السآمة للناظر في هَذا الكتاب.
الرحمن الرحيم: صفتان مشتقتان من الرحمة، وقيل: الرحمنُ ليس مشتقاً لأن العربَ لم تَعْرِفْه في قولهم: {وَمَا الرحمن} [الفرقان: 60] وأجاب ابن العربي عنه بأنهم جَهِلوا الصفةَ دونَ الموصوفِ، ولذلك لم يقولوا: وَمَنْ الرحمن؟ وقد تَبِعا موصوفَهما في/ الأربعةِ من العشرة المذكورة.
وذهب الأعلمُ الشنتمريُّ إلى أن «الرحمن» بدلٌ من اسمِ الله لا نعتٌ له، وذلك مبنيٌّ على مذهبه من أنَّ الرحمن عنده عَلَمٌ بالغلَبة. واستدَلَّ على ذلك بأنه قد جاء غيرَ تابعٍ لموصوفٍ، كقوله تعالى: {الرحمن عَلَّمَ القرآن} [الرحمن: 1-2] {الرحمن عَلَى العرش استوى} [طه: 5] . وقد رَدَّ عليه السُّهيلي بأنه لو كان بدلاً لكان مبيَّناً لِما قبله، وما قبله - وهو الجلالة - لا يفتقرُ إلى تبيين لأنها أعرفُ الأعلامِ، ألا تراهم قالوا: {وَمَا الرحمن} [الفرقان: 60] ولم يقولوا: وما اللهُ. انتهى. أمَّا قوله: «جاء غيرَ تابع» فذلك لا يمنعُ كونَه صفةً، لأنه إذا عُلم الموصوفُ جاز حَذْفُه وبقاءُ صفتِه، كقولِه تعالى: {وَمِنَ الناس والدوآب والأنعام مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} [فاطر: 28] أي نوع مختلف، وكقول الشاعر:
30 - كناطحٍ صخرةً يوماً لِيُوْهِنَها ... فلم يَضِرْها وأَوْهَى قرنَه الوَعِلُ
أي: كوعلٍ ناطح، وهو كثير.
والرحمة لغةً: الرقةُ والانعطافُ، ومنه اشتقاق الرَّحِم، وهي الابطنُ لانعطافِها على الجنين، فعلى هذا يكون وصفُه تعالى بالرحمة مجازاً عن إنعامِه على عبادِه كالمَلِك إذا عَطَف على رعيَّته أصابَهم خيرُه. هذا معنى قول أبي القاسم الزمخشري. ويكونُ على هذا التقدير صفةَ فعلٍ لا صفةَ ذاتٍ، وقيل: الرحمة إرادةُ الخيرِ لمَنْْ أرادَ اللهُ به ذلك، ووَصْفُه بها على هذا القولِ حقيقةٌ، وهي حينئذ صفةُ ذاتٍ، وهذا القولُ هو الظاهرُ.
وقيل: الرحمة رِقَّةٌ تقتضي الإِحسانَ إلى المرحومِ، وقد تُستعملُ تارةً في الرقة المجردة وتارةً في الإِحسان المجرَّد، وإذا وُصِف به الباري تعالى فليس يُراد به إلا الإِحسانُ المجردُ دونَ الرقةِ، وعلى هذا رُوي: «الرحمةُ من الله إنعامٌ وإفضالٌ، ومن الآدميين رقةٌ وتعطُّف» .
[وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «وهما اسمان رقيقان أحدهما أرقُّ من الآخر أي: أكثرُ رحمة» . قال الخطَّابي: وهو مُشْكِلٌ؛ لأن الرقة] لا مَدْخَلَ لها في صفاتهِ. وقال الحسين بن الفضل: «هذا وَهْمٌ من الراوي، وإنما هما اسمان رفيقان أحدهما أَرْفَقُ من الآخر والرفق من صفاته» وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله رفيقٌ يحبُّ الرِفقَ، ويُعطي عليه ما لا يُعْطي على العنف» ، ويؤيِّده الحديثُ، وأمَّا الرحيمُ فالرفيق بالمؤمنين خاصة.
واختلف أهلُ العلمِ في «الرحمن الرحيم» بالنسبة إلى كونِهما بمعنىً واحدٍ أو مختلفين.
فذهب بعضُهم إلى أنهما بمعنى واحد كَنْدمان ونَدِيم، ثم اختلف هؤلاء على قولين، فمنهم مَنْ قال: جُمِع بينهما تأكيداً، ومنهم مَنْ قال: لمَّا تَسَمَّى مُسَيْلمة - لعنه الله- بالرحمن قال الله لنفسه: الرحمنُ الرحيم، فالجمعُ بين هاتين الصفتين لله تعالى فقط. وهذا ضعيفٌ جداً، فإنَّ تسميَته بذلك غيرُ مُعْتَدٍّ بها البتَة، وأيضاً فإن بسم الله الرحمن الرحيم قبلَ ظهورِ أمرِ مُسَيْلَمَةَ.
ومنهم مَنْ قال: لكلِّ واحد فائدةٌ غيرُ فائدةِ الآخر، وجَعَل ذلك بالنسبة إلى تغايُرِ متعلِّقِهما إذ يقال: «رَحْمن الدنيا ورحيمُ الآخرة» ، يُروى ذلك عن النبي صلَى الله عليه وسلم، وذلك لأنَّ رحمته في الدنيا تَعُمُّ المؤمنَ والكافرَ، وفي الآخرة تَخُصُّ المؤمنين فقط، ويُروَى: رحيمُ الدنيا ورحمنُ الآخرة، وفي المغايَرة بينهما بهذا القَدْر وحدَه نظرٌ لا يَخْفى.
وذهب بعضُهم إلى أنهما مختلفان، ثم اختلف هؤلاء أيضاً: فمنهم مَنْ قال: الرحمن أبلغُ، ولذلك لا يُطلق على غيرِ الباري تعالى، واختاره الزمخشري، وجعلَه من باب غَضْبان وسَكْران للممتلىءِ غَضَباً وسُكْراً، ولذلك يقال: رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الآخرة فقط، قال الزمخشري: «فكان القياسُ الترقِّيَ من الأدنى، إلى الأعلى، كما يُقال: شُجاع باسل ولا يقال: باسِلٌ شجاع. ثم أجاب بأنه أَرْدَفَ الرحمنَ الذي يتناول جلائلَ النِّعَمِ وأصولَها بالرحيمِ ليكونَ كالتتمَّةِ والرديف ليتناولَ ما دَقَّ منها ولَطَف.
ومنهم مََنْ عَكَس فجعلَ الرحيمَ أبلغَ، ويؤيده روايةُ مَنْ قال:» رحيم الدنيا وحمان الآخرة «لأنه في الدنيا يَرْحم المؤمن والكافرَ، وفي الآخرة لا يَرْحم إلا المؤمن. لكن الصحيح أنَّ الرحمنَ أبلغُ، وأمَّا هذه الروايةُ فليس فيها دليلٌ، بل هي دالَّةٌ على أنَّ الرحمنَ أبلغُ، وذلك لأن القيامَة فيها الرحمةُ أكثرُ بأضعافٍ، وأثرُها فيها أظهرُ، على ما يُروى أنه خَبَّأ لعباده تسعاً وتسعينَ رحمةً ليوم القيامة. والظاهر أن جهةَ المبالَغَةِ فيهما مختلفةٌ، فمبالغةُ» فَعْلان «من حيث الامتلاءُ والغَلَبَةُ ومبالغةُ» فعيل «من حيث التكرارُ والوقوع بمَحَالِّ الرحمة. وقال أبو عبيدة:» وبناء فَعْلان ليس كبناءِ فَعِيل، فإنَّ بناء فَعْلان لا يقع إلا على مبالغةِ الفِعْل، نحو: رجل غَضْبانُ للمتلئ غضباً، وفعيل يكون بمعنى الفاعلِ والمفعول، قال:
31 - فأمَّا إذا عَضَّتْ بك الحربُ عَضَّةً ... فإنك مَعْطوفٌ عليك رحيمُ
فالرحمنُ خاصٌّ الاسمِ عامُّ الفعل. والرحيمُ عامٌّ الاسمِ خاصُّ الفعلِ، ولذلك لا يَتَعَدَّى فَعْلان ويتعدَّى فعيل. حكى ابنُ سِيده: «زيدٌ حفيظٌ علمَك وعلمَ غيرك» .
والألفُ واللام في «الرحمن» للغلَبة كهي في «الصَّعِق» ، ولا يُطلق على غير الباري تعالى عند أكثر العلماء، لقوله تعالى: {قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن} [الإسراء: 110] ، فعادَلَ به ما لا شِرْكَةَ فيه، بخلاف «رحيم» فإنه يُطلق على غيره تعالى، قال [تعالى] في حَقَّه عليه السلام:
{بالمؤمنين رؤوف رحيم} [التوبة: 128] ، وأمَّا قول الشاعر في مُسَيْلَمََةَ الكذاب -لعنه الله تعالى-:
32 -. . . . . . . . . ... وأنت غَيْثُ الوَرى لا زلت رَحْمانا
فلا يُلتفت إلى قوله لَفْرطَ تَعَنُّتهم، ولا يُستعمل إلاَّ مُعَرَّفاً بالألفِ واللامِ أو مضافاً، ولا يُلتفت لقوله: «لا زِلْتَ رَحْمانا» لشذوذه.
ومن غريب ما نُقِل فيه أنه مُعَرَّب، ليس بعربيِّ الأصل، وأنه بالخاء المعجمة قاله ثعلب [والمبرد وأنشد] :
33 - لن تُدْرِكوا المَجْدَ أو تَشْرُوا عَباءَكُمُ ... بِالخَزِّ أو تَجْعلوا اليَنْبُوتَ ضَمْرانا
أو تَتْرُكونَ إلى القَسَّيْنِ هِجْرَتَكُمْ ... ومَسْحكم صُلبَهم رَخْمانَ قُرْبانا
وفي وصل الرحيم بالحمد ثلاثة أوجهٍ، الذي عليه الجمهور: الرحيمِ بكسر الميم موصولةً بالحمد. وفي هذه الكسرة احتمالان: أحدهما - وهو الأصحُّ - أنها حركةُ إعرابٍ، وقيل: يُحتمل أنَّ الميم سَكَنَت على نية الوقف، فلمَّا وقع بعدها ساكن حُرِّكت بالكسر. والثاني من وَجْهَي الوصل: سكونُ الميمِ والوقفُ عليها، والابتداءُ بقطع ألف «الحمد» ، رَوَتْ ذلك أم سلمة عنه عليه السلام. الثالث: حكى الكسائي عن بعض العرب أنها تقرأ: الرحيمَ الحمدُ «بفتح الميم ووصل ألف الحمد، كأنها سكنَّت وقطعَتِ الألفَ، ثم أَجْرت الوقف مُجرى الوصل، فألقَتْ حركة همزة الوصل على الميم الساكنة. قال ابن عطية:» ولم تُرْوَ هذه قراءةً عن أحد [فيما علمت، «وهذا فيه نظرٌ يجيئ في: {الم الله} [آل عمران: 1-2] قلت: يأتي تحقيقه في آل عمران إن شاء الله تعالى، ويحتمل هذا وجهاً آخر وهو أن تكونَ الحركةُ للنصبِ بفعل محذوفٍ على القطع] ، وهو أَوْلى من هذا التكلُّف.
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني
سما
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
سما
سَمَاءُ كلّ شيء: أعلاه، قال الشاعر في وصف فرس:
244- وأحمر كالدّيباج أمّا سَمَاؤُهُ ... فريّا وأمّا أرضه فمحول(١)
قال بعضهم: كلّ سماء بالإضافة إلى ما دونها فسماء، وبالإضافة إلى ما فوقها فأرض إلّا السّماء العليا فإنها سماء بلا أرض، وحمل على هذا قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق : 12] ، وسمّي المطر سَمَاءً لخروجه منها، قال بعضهم: إنما سمّي سماء ما لم يقع بالأرض اعتبارا بما تقدّم، وسمّي النّبات سَمَاءً، إمّا لكونه من المطر الذي هو سماء، وإمّا لارتفاعه عن الأرض. والسماء المقابل للأرض مؤنّثة، وقد تذكّر، ويستعمل للواحد والجمع، لقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾ [البقرة : 29] ، وقد يقال في جمعها: سَمَوَاتٍ. قال: ﴿خَلْقِ السَّماواتِ﴾ [الزمر : 5] ، ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ﴾ [المؤمنون : 86] ، وقال: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل : 18] ، فذكّر، وقال: ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق : 1] ، ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار : 1] ، فأنّث، ووجه ذلك أنها كالنّخل في الشجر، وما يجري مجراه من أسماء الجنس الذي يذكّر ويؤنّث، ويخبر عنه بلفظ الواحد والجمع، والسماء الذي هو المطر يذكّر، ويجمع على أسمية. والسَّمَاوَةُ الشّخص العالي، قال الشاعر:
245- سماوة الهلال حتى احقوقفا(٢)
وسَمَا لي(٣) : شخص، وسَمَا الفحل على الشّول سَمَاوَةَ(٤) لتخلله إيّاها،
والِاسْمُ: ما يعرف به ذات الشيء، وأصله سِمْوٌ، بدلالة قولهم: أسماء وسُمَيٌّ، وأصله من السُّمُوِّ وهو الذي به رفع ذكر الْمُسَمَّى فيعرف به، قال الله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ [الفاتحة : 1] ، وقال: ﴿ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها﴾ [هود : 41] ، ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل : 30] ، ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ﴾ [البقرة : 31] ، أي: الألفاظ والمعاني مفرداتها ومركّباتها. وبيان ذلك أنّ الاسم يستعمل على ضربين:
أحدهما: بحسب الوضع الاصطلاحيّ، وذلك هو في المخبر عنه نحو: رجل وفرس.
والثاني: بحسب الوضع الأوّليّ.
ويقال ذلك للأنواع الثلاثة المخبر عنه، والخبر عنه، والرّابط بينهما المسمّى بالحرف، وهذا هو المراد بالآية، لأنّ آدم عليه السلام كما علم الاسم علم الفعل، والحرف، ولا يعرف الإنسان الاسم فيكون عارفا لمسمّاه إذا عرض عليه المسمّى، إلا إذا عرف ذاته. ألا ترى أنّا لو علمنا أَسَامِيَ أشياء بالهنديّة، أو بالرّوميّة، ولم نعرف صورة ما له تلك الأسماء لم نعرف الْمُسَمَّيَاتِ إذا شاهدناها بمعرفتنا الأسماء المجرّدة، بل كنّا عارفين بأصوات مجرّدة، فثبت أنّ معرفة الأسماء لا تحصل إلا بمعرفة المسمّى، وحصول صورته في الضّمير، فإذا المراد بقوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة : 31] ، الأنواع الثلاثة من الكلام وصور المسمّيات في ذواتها، وقوله: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ [يوسف : 40] ، فمعناه أنّ الأسماء التي تذكرونها ليس لها مسمّيات، وإنما هي أسماء على غير مسمّى إذ كان حقيقة ما يعتقدون في الأصنام بحسب تلك الأسماء غير موجود فيها، وقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد : 33] ، فليس المراد أن يذكروا أساميها نحو اللّات والعزّى، وإنما المعنى إظهار تحقيق ما تدعونه إلها، وأنه هل يوجد معاني تلك الأسماء فيها، ولهذا قال بعده: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الرعد : 33] ، وقوله: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن : 78] ، أي: البركة والنّعمة الفائضة في صفاته إذا اعتبرت، وذلك نحو: الكريم والعليم والباري، والرّحمن الرّحيم، وقال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى : 1] ، ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ [الأعراف : 180] ، وقوله: ﴿اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم : 7] ، ﴿لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى﴾ [النجم : 27] ، أي: يقولون للملائكة بنات الله، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم : 65] ، أي: نظيرا له يستحقّ اسمه، وموصوفا يستحقّ صفته على التّحقيق، وليس المعنى هل تجد من يتسمّى باسمه إذ كان كثير من أسمائه قد يطلق على غيره، لكن ليس معناه إذا استعمل فيه كما كان معناه إذا استعمل في غيره.
(١)- البيت تقدّم في مادة (أرض) ، وهو في اللسان (سما) .
(٢) الرجز للعجاج، وهو في ديوانه ص 496، واللسان (سما) . وقد تقدّم برقم 119.
(٣) في اللسان: سما لي شخص فلان: ارتفع حتى استثبتّه.
(٤) قال ابن منظور: وسما الفحل سماوة: تطاول على شوله وسطا. اللسان (سما) .
أله
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
أله
الله: قيل: أصله إله فحذفت همزته، وأدخل عليها الألف واللام، فخصّ بالباري تعالى، ولتخصصه به قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم : 65] . وإله جعلوه اسما لكل معبود لهم، وكذا اللات، وسمّوا الشمس إِلَاهَة(١) لاتخاذهم إياها معبودا.
وأَلَهَ فلان يَأْلُهُ الآلهة: عبد، وقيل: تَأَلَّهَ.
فالإله على هذا هو المعبود(٢) . وقيل: هو من: أَلِهَ، أي: تحيّر، وتسميته بذلك إشارة إلى ما قال أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه: (كلّ دون صفاته تحبير الصفات، وضلّ هناك تصاريف اللغات) وذلك أنّ العبد إذا تفكّر في صفاته تحيّر فيها، ولهذا روي: «تفكّروا في آلاء الله ولا تفكّروا في الله»(٣) .
وقيل: أصله: ولاه، فأبدل من الواو همزة، وتسميته بذلك لكون كل مخلوق والها نحوه، إمّا بالتسخير فقط كالجمادات والحيوانات، وإمّا بالتسخير والإرادة معا كبعض الناس، ومن هذا الوجه قال بعض الحكماء: الله محبوب الأشياء كلها(٤) ، وعليه دلّ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء : 44] .
وقيل: أصله من: لاه يلوه لياها، أي: احتجب. قالوا: وذلك إشارة إلى ما قال تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ﴾ [الأنعام : 103] ، والمشار إليه بالباطن في قوله: ﴿وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ﴾ [الحديد : 3] . وإِلَهٌ حقّه ألا يجمع، إذ لا معبود سواه، لكن العرب لاعتقادهم أنّ هاهنا معبودات جمعوه، فقالوا: الآلهة. قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا﴾ [الأنبياء : 43] ، وقال: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف : 127] وقرئ: (وإلاهتك)(٥) أي: عبادتك. ولاه أنت، أي: لله، وحذف إحدى اللامين.
«اللهم» قيل: معناه: يا الله، فأبدل من الياء في أوله الميمان في آخره(٦) ، وخصّ بدعاء الله، وقيل: تقديره: يا الله أمّنا بخير(٧) ، مركّب تركيب حيّهلا.
(١) وقال في ذلك ابن مالك في مثلّثه: والشمس سمّاها صدوق النبأة ... إلاهة واضممه للإضراب
(٢) وفي ذلك يقول الفقيه محمد سيد بن أبت اليعقوبي الشنقيطي رحمه الله: الله مشتق وقيل: مرتجل ... وهو أعرف المعرّفات جل
أله أي: عبد، أو من الأله ... وهو اعتماد الخلق أو من الوله
أو المحجّب عن العيان ... من: لاهت العروس في البنيان
أو أله الحيران من قول العرب ... أو من: ألهت، أي: سكنت للأرب.
(٣) الحديث رواه أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس بلفظ: «تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله» ورواه ابن أبي شيبة في كتاب العرش ص 59 من قوله عن ابن عباس بلفظ: «تفكروا في كل شيء ولا تتفكروا في الله» .
وجاء أحاديث كثيرة بمعناها قال العجلوني: وأسانيدها ضعيفة لكن اجتماعها يكسبه قوة، ومعناه صحيح.
راجع: كشف الخفاء 1/ 311، والنهاية في غريب الحديث 1/ 63.
(٤) انظر: عمدة الحفاظ: (أله) .
(٥) وبها قرأ عليّ بن أبي طالب وابن عباس والضحاك، وهي قراءة شاذة، راجع: القرطبي 7/ 262.
(٦) وهذا قول الخليل رحمه الله، انظر: اللسان (أله) ، ومعاني الفراء 1/ 203، والغريبين للهروي 1/ 79.
(٧) وهذا قول الفراء، ذكره في معاني القرآن 1/ 203.
رحم
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
رحم
الرَّحِمُ: رَحِمُ المرأة، وامرأة رَحُومٌ تشتكي رحمها. ومنه استعير الرَّحِمُ للقرابة، لكونهم خارجين من رحم واحدة، يقال: رَحِمٌ ورُحْمٌ.
قال تعالى: ﴿وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ [الكهف : 81] ، والرَّحْمَةُ رقّة تقتضي الإحسان إلى الْمَرْحُومِ، وقد تستعمل تارة في الرّقّة المجرّدة، وتارة في الإحسان المجرّد عن الرّقّة، نحو: رَحِمَ الله فلانا. وإذا وصف به الباري فليس يراد به إلّا الإحسان المجرّد دون الرّقّة، وعلى هذا روي أنّ الرَّحْمَةَ من الله إنعام وإفضال، ومن الآدميّين رقّة وتعطّف. وعلى هذا قول النّبيّ ﷺ ذاكرا عن ربّه «أنّه لمّا خلق الرَّحِمَ قال له: أنا الرّحمن، وأنت الرّحم، شققت اسمك من اسمي، فمن وصلك وصلته، ومن قطعك بتتّه»(١) فذلك إشارة إلى ما تقدّم، وهو أنّ الرَّحْمَةَ منطوية على معنيين: الرّقّة والإحسان، فركّز تعالى في طبائع الناس الرّقّة، وتفرّد بالإحسان، فصار كما أنّ لفظ الرَّحِمِ من الرّحمة، فمعناه الموجود في الناس من المعنى الموجود لله تعالى، فتناسب معناهما تناسب لفظيهما. والرَّحْمَنُ والرَّحِيمُ، نحو: ندمان ونديم، ولا يطلق الرَّحْمَنُ إلّا على الله تعالى من حيث إنّ معناه لا يصحّ إلّا له، إذ هو الذي وسع كلّ شيء رَحْمَةً، والرَّحِيمُ يستعمل في غيره وهو الذي كثرت رحمته، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة : 182] ، وقال في صفة النبيّ ﷺ: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة : 128] ، وقيل: إنّ الله تعالى: هو رحمن الدّنيا، ورحيم الآخرة، وذلك أنّ إحسانه في الدّنيا يعمّ المؤمنين والكافرين، وفي الآخرة يختصّ بالمؤمنين، وعلى هذا قال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف : 156] ، تنبيها أنها في الدّنيا عامّة للمؤمنين والكافرين، وفي الآخرة مختصّة بالمؤمنين.
(١) الحديث، عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله: أنا الله، وأنا الرحمن، خلقت الرحم، وشققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته» أخرجه الترمذي وقال: حديث صحيح، انظر: عارضة الأحوذي 8/ 10، وأخرجه الحاكم 4/ 157 وصححه، ووافقه الذهبي، وأحمد برقم 1680، وأبو داود في الزكاة برقم 1694، باب صلة الرحم. وانظر: شرح السنة 1/ 179- 180.