التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير سورة البقرة، الآية: ٧

تفسير قول الله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ). سورة البقرة، الآية: ٧

التحرير والتنوير - ابن عاشور

التحرير والتنوير - ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)

﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِلْحُكْمِ السّابِقِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمُ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] وبَيانٌ لِسَبَبِهِ في الواقِعِ لِيَدْفَعَ بِذَلِكَ تَعَجُّبَ المُتَعَجِّبِينَ مِنَ اسْتِواءِ الإنْذارِ وعَدَمِهِ عِنْدَهم ومِن عَدَمِ نُفُوذِ الإيمانِ إلى نُفُوسِهِمْ مَعَ وُضُوحِ دَلائِلِهِ، فَإذا عُلِمَ أنَّ عَلى قُلُوبِهِمْ خَتْمًا وعَلى أسْماعِهِمْ وأنَّ عَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةً عُلِمَ سَبَبُ ذَلِكَ كُلِّهِ وبَطُلَ العَجَبُ، فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ يُفِيدُ جَوابَ سائِلٍ يَسْألُ عَنْ سَبَبِ كَوْنِهِمْ لا يُؤْمِنُونَ، ومَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في نَظْمِ الكَلامِ مُقابِلٌ مُوقِعَ جُمْلَةِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] فَلِهَذِهِ الجُمْلَةِ مَكانَةٌ بَيْنَ ذَمِّ أصْحابِها بِمِقْدارِ ما لِتِلْكَ مِنَ المَكانَةِ في الثَّناءِ عَلى أرْبابِها. والخَتْمُ حَقِيقَتُهُ السَّدُّ عَلى الإناءِ والغَلْقُ عَلى الكِتابِ بِطِينٍ ونَحْوِهِ مَعَ وضْعِ عَلامَةٍ مَرْسُومَةٍ في خاتَمٍ لِيَمْنَعَ ذَلِكَ مِن فَتْحِ المَخْتُومِ، فَإذا فُتِحَ عَلِمَ صاحِبُهُ أنَّهُ فُتِحَ لِفَسادٍ يَظْهَرُ في أثَرِ النَّقْشِ وقَدِ اتَّخَذَ النَّبِيءُ ﷺ خاتَمًا لِذَلِكَ، وقَدْ كانَتِ العَرَبُ تَخْتِمُ عَلى قَوارِيرِ الخَمْرِ لِيُصْلِحَها انْحِباسُ الهَواءِ عَنْها وتَسْلَمَ مِنَ الأقْذارِ في مُدَّةِ تَعْتِيقِها. وأمّا تَسْمِيَةُ البُلُوغِ لِآخِرِ الشَّيْءِ خَتْمًا فَلِأنَّ ذَلِكَ المَوْضِعَ أوْ ذَلِكَ الوَقْتَ هو ظَرْفُ وضْعِ الخَتْمِ فَيُسَمّى بِهِ مَجازًا.

والخاتَمُ بِفَتْحِ التّاءِ الطِّينُ المَوْضُوعُ عَلى المَكانِ المَخْتُومِ، وأطْلَقَ عَلى القالَبِ المَنقُوشِ فِيهِ عَلامَةٌ أوْ كِتابَةٌ يُطْبَعُ بِها عَلى الطِّينِ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ. وكانَ نَقْشُ خاتَمِ النَّبِيءِ ﷺ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.

وطِينُ الخَتْمِ طِينٌ خاصٌّ يُشْبِهُ الجِبْسَ يُبَلُّ بِماءٍ ونَحْوِهِ ويُشَدُّ عَلى المَوْضِعِ المَخْتُومِ فَإذا جَفَّ كانَ قَوِيَّ الشَّدِّ لا يُقْلَعُ بِسُهُولَةٍ وهو يَكُونُ قِطَعًا صَغِيرَةً كُلُّ قِطْعَةٍ بِمِقْدارِ مُضْغَةٍ وكانُوا يَجْعَلُونَهُ خَواتِيمَ في رِقابِ أهْلِ الذِّمَّةِ قالَ بَشّارٌ:

خَتَمَ الحُبُّ لَها في عُنُقِي مَوْضِعَ الخاتَمِ مِن أهْلِ الذِّمَمِ والغِشاوَةُ فِعالَةٌ مِن غَشاهُ وتَغَشّاهُ إذا حَجَبَهُ ومِمّا يُصاغُ لَهُ وزْنُ فِعالَةٍ بِكَسْرِ الفاءِ مَعْنى الِاشْتِمالِ عَلى شَيْءٍ مِثْلَ العِمامَةِ والعِلاوَةِ واللِّفافَةِ.

وقَدْ قِيلَ إنَّ صَوْغَ هَذِهِ الزِّنَةِ لِلصِّناعاتِ كالخِياطَةِ لِما فِيها مِن مَعْنى الِاشْتِمالِ المَجازِيِّ، ومَعْنى الغِشاوَةِ الغِطاءُ. ولَيْسَ الخَتْمُ عَلى القُلُوبِ والأسْماعِ ولا الغِشاوَةُ عَلى الأبْصارِ هُنا حَقِيقَةً كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ فِيما نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بَلْ ذَلِكَ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ بِأنْ جَعَلَ قُلُوبَهم أيْ عُقُولَهم في عَدَمِ نُفُوذِ الإيمانِ والحَقِّ والإرْشادِ إلَيْها، وجَعْلِ أسْماعِهِمْ في اسْتِكاكِها عَنْ سَماعِ الآياتِ والنُّذُرِ، وجَعْلِ أعْيُنِهِمْ في عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِما تَرى مِنَ المُعْجِزاتِ والدَّلائِلِ الكَوْنِيَّةِ، كَأنَّها مَخْتُومٌ عَلَيْها ومَغْشِيٌّ دُونَها إمّا عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ بِتَشْبِيهِ عَدَمِ حُصُولِ النَّفْعِ المَقْصُودِ مِنها بِالخَتْمِ والغِشاوَةِ ثُمَّ إطْلاقُ لَفْظِ خَتَمَ عَلى وجْهِ التَّبَعِيَّةِ ولَفْظِ الغِشاوَةِ عَلى وجْهِ الأصْلِيَّةِ وكِلْتاهُما اسْتِعارَةٌ تَحْقِيقِيَّةٌ إلّا أنَّ المُشَبَّهَ مُحَقَّقٌ عَقْلًا لا حِسًّا.

ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الخَتْمَ والغِشاوَةَ تَمْثِيلًا بِتَشْبِيهِ هَيْئَةٍ وهْمِيَّةٍ مُتَخَيَّلَةٍ في قُلُوبِهِمْ أيْ إدْراكِهِمْ مِنَ التَّصْمِيمِ عَلى الكُفْرِ وإمْساكِهِمْ عَنِ التَّأمُّلِ في الأدِلَّةِ - كَما تَقَدَّمَ - بِهَيْئَةِ الخَتْمِ، وتَشْبِيهِ هَيْئَةٍ مُتَخَيَّلَةٍ في أبْصارِهِمْ مِن عَدَمِ التَّأمُّلِ في الوَحْدانِيَّةِ وصِدْقِ الرَّسُولِ بِهَيْئَةِ الغِشاوَةِ وكُلُّ ذَيْنَكَ مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الخَتْمَ والغِشاوَةَ مَجازًا مُرْسَلًا بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ والمُرادُ اتِّصافُهم بِلازِمِ ذَلِكَ وهو أنْ لا تَعْقِلَ ولا تَحُسَّ، والخَتْمُ في اصْطِلاحِ الشَّرْعِ اسْتِمْرارُ الضَّلالَةِ في نَفْسِ الضّالِّ أوْ خُلُقُ الضَّلالَةِ، ومِثْلُهُ الطَّبْعُ والأكِنَّةُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ قُلُوبِهِمْ فَتَكُونُ الأسْماعُ مَخْتُومًا عَلَيْها ولَيْسَ هو خَبَرًا مُقَدَّمًا لِقَوْلِهِ ”غِشاوَةٌ“ فَيَكُونُ ﴿وعَلى أبْصارِهِمْ﴾ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ لِأنَّ الغِشاوَةَ تُناسِبُ الأبْصارَ لا الأسْماعَ ولِأنَّ الخَتْمَ يُناسِبُ الأسْماعَ كَما يُناسِبُ القُلُوبَ إذْ كِلاهُما يُشَبَّهُ بِالوِعاءِ ويُتَخَيَّلُ فِيهِ مَعْنى الغَلْقِ والسَّدِّ، فَإنَّ العَرَبَ تَقُولُ: اسْتَكَّ سَمْعُهُ ووَقَرَ سَمْعُهُ وجَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ.

والمُرادُ مِنَ القُلُوبِ هُنا الألْبابُ والعُقُولُ، والعَرَبُ تُطْلِقُ القَلْبَ عَلى اللُّحْمَةِ الصَّنَوْبَرِيَّةِ، وتُطْلِقُهُ عَلى الإدْراكِ والعَقْلِ، ولا يَكادُونَ يُطْلِقُونَهُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْإنْسانِ وذَلِكَ غالِبُ كَلامِهِمْ عَلى الحَيَوانِ، وهو المُرادُ هُنا، ومَقَرُّهُ الدِّماغُ لا مَحالَةَ ولَكِنَّ القَلْبَ هو الَّذِي يَمُدُّهُ بِالقُوَّةِ الَّتِي بِها عَمَلُ الإدْراكِ.

وإنَّما أفْرَدَ السَّمْعَ ولَمْ يَجْمَعْ كَما جَمَعَ قُلُوبَهم وأبْصارَهم إمّا لِأنَّهُ أُرِيدَ مِنهُ المَصْدَرُ الدّالُّ عَلى الجِنْسِ، إذْ لا يُطْلَقُ عَلى الآذانِ سَمْعٌ ألا تَرى أنَّهُ جَمَعَ لَمّا ذَكَرَ الآذانَ في قَوْلِهِ ﴿يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩] وقَوْلِهِ ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ [فصلت: ٥] فَلَمّا عَبَّرَ بِالسَّمْعِ أفْرَدَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِخِلافِ القُلُوبِ والأبْصارِ فَإنَّ القُلُوبَ مُتَعَدِّدَةٌ والأبْصارُ جَمْعُ بَصَرٍ الَّذِي هو اسْمٌ لا مَصْدَرٌ، وإمّا لِتَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ أيْ وعَلى حَواسِّ سَمْعِهِمْ أوْ جَوارِحِ سَمْعِهِمْ. وقَدْ تَكُونُ في إفْرادِ السَّمْعِ لَطِيفَةٌ رُوعِيَتْ مِن جُمْلَةِ بَلاغَةِ القُرْآنِ هي أنَّ القُلُوبَ كانَتْ مُتَفاوِتَةً واشْتِغالُها بِالتَّفَكُّرِ في أمْرِ الإيمانِ والدِّينِ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلافِ وُضُوحِ الأدِلَّةِ، وبِالكَثْرَةِ والقِلَّةِ وتَتَلَقّى أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الآياتِ فَلِكُلِّ عَقْلٍ حَظُّهُ مِنَ الإدْراكِ، وكانَتِ الأبْصارُ أيْضًا مُتَفاوِتَةَ التَّعَلُّقِ بِالمَرْئِيّاتِ الَّتِي فِيها دَلائِلُ الوَحْدانِيَّةِ في الآفاقِ، وفي الأنْفُسِ الَّتِي فِيها دَلالَةٌ، فَلِكُلِّ بَصَرٍ حَظُّهُ مِنَ الِالتِفاتِ إلى الآياتِ المُعْجِزاتِ والعِبَرِ والمَواعِظِ، فَلَمّا اخْتَلَفَتْ أنْواعُ ما تَتَعَلَّقانِ بِهِ جُمِعَتْ.

وأمّا الأسْماعُ فَإنَّما كانَتْ تَتَعَلَّقُ بِسَماعِ ما يُلْقى إلَيْها مِنَ القُرْآنِ فالجَماعاتُ إذا سَمِعُوا القُرْآنَ سَمِعُوهُ سَماعًا مُتَساوِيًا وإنَّما يَتَفاوَتُونَ في تَدَبُّرِهِ والتَّدَبُّرُ مِن عَمَلِ العُقُولِ فَلَمّا اتَّحَدَ تَعَلُّقُها بِالمَسْمُوعاتِ جُعِلَتْ سَمْعًا واحِدًا.

وإطْلاقُ أسْماءِ الجَوارِحِ والأعْضاءِ إذا أُرِيدَ بِهِ المَجازُ عَنْ أعْمالِها ومَصادِرِها جازَ في إجْرائِهِ عَلى غَيْرِ المُفْرَدِ إفْرادُهُ وجَمْعُهُ وقَدِ اجْتَمَعا هُنا فَأمّا الإطْلاقُ حَقِيقَةً فَلَمْ يَصِحَّ، قالَ الجاحِظُ في البَيانِ قالَ بَعْضُهم لِغُلامٍ لَهُ: اشْتَرِ لِي رَأْسَ كَبْشَيْنِ، فَقِيلَ لَهُ: ذَلِكَ لا يَكُونُ، فَقالَ إذًا فَرَأْسَيْ كَبْشٍ فَزادَ كَلامَهُ إحالَةً.

وفِي الكَشّافِ أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ إذا أُمِنَ اللَّبْسُ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:

    كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَعُفُّوافَإنَّ زَمانَكم زَمَنٌ خَمِيصُ وهو نَظِيرُ ما قالَهُ سِيبَوَيْهِ في بابِ ما لُفِظَ بِهِ مِمّا هو مُثَنًّى كَما لُفِظَ بِالجَمْعِ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤] ويَقُولُونَ: ضَعْ رِحالَهُما وإنَّما هُما اثْنانِ وهو خِلافُ كَلامِ الجاحِظِ وقَدْ يَكُونُ ما عَدَّهُ الجاحِظُ عَلى القائِلِ خَطَأً لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ القائِلِ لا يَقْصِدُ المَعانِيَ الثّانِيَةَ فَحُمِلَ كَلامُهُ عَلى الخَطَأِ لِجَهْلِهِ بِالعَرَبِيَّةِ ولَمْ يُحْمَلْ عَلى قَصْدِ لَطِيفَةٍ بِلاغِيَّةٍ بِخِلافِ ما في البَيْتِ فَضْلًا عَنِ الآيَةِ كَقَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِمَن سَألَهُ حِينَ مَرَّتْ جِنازَةٌ: مَنِ المُتَوَفِّي بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ: (اللَّهُ) لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ أخْطَأ أرادَ أنْ يَقُولَ: المُتَوَفّى وإلّا فَإنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ تَوَفّى فُلانٌ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ فَهو مُتَوَفٍّ أيِ اسْتَوْفى أجَلَهُ، وقَدْ قَرَأ عَلِيٌّ نَفْسُهُ قَوْلَهُ تَعالى ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] بِصِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ.

وبَعْدَ كَوْنِ الخَتْمِ مَجازًا في عَدَمِ نُفُوذِ الحَقِّ لِعُقُولِهِمْ وأسْماعِهِمْ وكَوْنِ ذَلِكَ مُسَبَّبًا لا مَحالَةَ عَنْ إعْراضِهِمْ ومُكابَرَتِهِمْ أُسْنِدَ ذَلِكَ الوَصْفُ إلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ المُقَدِّرُ لَهُ عَلى طَرِيقَةِ إسْنادِ نَظائِرِ مِثْلِ هَذا الوَصْفِ في غَيْرِ ما آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [النحل: ١٠٨] وقَوْلِهِ ﴿ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا﴾ [الكهف: ٢٨] ونَظائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ كَثْرَةً تَنْبُو عَنِ التَّأْوِيلِ ومَحْمَلُها عِنْدَنا عَلى التَّحْقِيقِ أنَّها وارِدَةٌ عَلى اعْتِبارِ أنَّ كُلَّ واقِعٍ هو بِقَدَرِ اللَّهِ تَعالى وأنَّ اللَّهَ هَدى ووَفَّقَ بَعْضًا، وأضَلَّ وخَذَلَ بَعْضًا في التَّقْدِيرِ والتَّكْوِينِ، فَلا يُنافِي ذَلِكَ وُرُودُ الآيَةِ ونَظائِرِها في مَعْنى النَّعْيِ عَلى المَوْصُوفِينَ بِذَلِكَ والتَّشْنِيعِ بِحالِهِمْ لِأنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ ما لَهم مِنَ المَيْلِ والِاكْتِسابِ، وبِالتَّحْقِيقِ القُدْرَةُ عَلى الفِعْلِ والتَّرْكِ، الَّتِي هي دُونَ الخَلْقِ، فاللَّهُ تَعالى قَدَّرَ الشُّرُورَ وأوْجَدَ في النّاسِ القُدْرَةَ عَلى فِعْلِها ولَكِنَّهُ نَهاهم عَنْها لِأنَّهُ أوْجَدَ في النّاسِ القُدْرَةَ عَلى تَرْكِها أيْضًا، فَلا تَعارُضَ بَيْنَ القَدَرِ والتَّكْلِيفِ إذْ كُلٌّ راجِعٌ إلى جِهَةٍ خِلافَ ما تَوَهَّمَتْهُ القَدَرِيَّةُ فَنَفَوُا القَدَرَ وهو التَّقْدِيرُ والعِلْمُ، وخِلافَ ما تَوَهَّمَتْهُ المُعْتَزِلَةُ مِن عَدَمِ تَعَلُّقِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى بِأفْعالِ المُكَلَّفِينَ ولا هي مَخْلُوقَةٌ لَهُ وإنَّما المَخْلُوقُ لَهُ ذَواتُهم وآلاتُ أفْعالِهِمْ، لِيَتَوَسَّلُوا بِذَلِكَ إلى إنْكارِ صِحَّةِ إسْنادِ مِثْلِ هاتِهِ الأفْعالِ إلى اللَّهِ تَعالى تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ إيجادِ الفَسادِ، وتَأْوِيلِ ما ورَدَ مِن ذَلِكَ: عَلى أنَّ ذَلِكَ لَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْئًا لِأنَّهم قائِلُونَ بِعِلْمِهِ تَعالى بِأنَّهم سَيَفْعَلُونَ وهو قادِرٌ عَلى سَلْبِ القُدْرَةِ مِنهم فَبِتَرْكِهِ إيّاهم عَلى تِلْكَ القُدْرَةِ إمْهالٌ لَهم عَلى فِعْلِ القَبِيحِ وهو قَبِيحٌ، فالتَّحْقِيقُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأشاعِرَةُ وغَيْرُهم مِن أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ اللَّهَ هو مُقَدِّرُ أفْعالِ العِبادِ إلّا أنَّ فِعْلَها هو مِنَ العَبْدِ لا مِنَ اللَّهِ وهو الَّذِي أفْصَحَ عَنْهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ وأضْرابُهُ مِنَ المُحَقِّقِينَ.

ولا يُرَدُّ عَلَيْنا أنَّهُ كَيْفَ أقْدَرَهم عَلى فِعْلِ المَعاصِي ؟ لِأنَّهُ يَرُدُّ عَلى المُعْتَزِلَةِ أيْضًا أنَّهُ كَيْفَ عَلِمَ بَعْدَ أنْ أقْدَرَهم بِأنَّهم شارِعُونَ في المَعاصِي ولَمْ يَسْلُبْ عَنْهُمُ القُدْرَةَ فَكانَ مَذْهَبُ الأشاعِرَةِ أسْعَدَ بِالتَّحْقِيقِ وأجْرى عَلى طَرِيقِ الجَمْعِ بَيْنَ ما طَفَحَ بِهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ مِنَ الأدِلَّةِ. ولَنا فِيهِ تَحْقِيقٌ أعْلى مِن هَذا بَسَطْناهُ في رِسالَةِ القُدْرَةِ والتَّقَدُّرِ الَّتِي لَمّا تَظْهَرْ.

وإسْنادُ الخَتْمِ المُسْتَعْمَلِ مَجازًا إلى اللَّهِ تَعالى لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ مَعْنى الخَتْمِ مِن قُلُوبِهِمْ وأنْ لا يُرْجى زَوالُهُ كَما يُقالُ خِلْقَةٌ في فُلانٍ، والوَصْفُ الَّذِي أوْدَعَهُ اللَّهُ في فُلانٍ أوْ أعْطاهُ فَلانًا، وفَرَّقَ بَيْنَ هَذا الإسْنادِ وبَيْنَ الإسْنادِ في المَجازِ العَقْلِيِّ لِأنَّ هَذا أُرِيدَ مِنهُ لازِمُ المَعْنى والمَجازَ العَقْلِيَّ إنَّما أُسْنِدَ فِيهِ فِعْلٌ لِغَيْرِ فاعِلِهِ لِمُلابَسَةٍ، والغالِبُ صِحَّةُ فَرْضِ الِاعْتِبارَيْنِ فِيما صَلَحَ لِأحَدِهِما وإنَّما يُرْتَكَبُ ما يَكُونُ أصْلَحُ بِالمَقامِ.

وجُمْلَةُ ﴿وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ وعَلى قُلُوبِهِمْ بِإعادَةِ الجارِّ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ حَتّى يَكُونَ المَعْطُوفُ مَقْصُودًا لِأنَّ عَلى مُؤْذِنَةٌ بِالمُتَعَلِّقِ فَكَأنَّ خَتَمَ كُرِّرَ مَرَّتَيْنِ.

وفِيهِ مُلاحَظَةُ كَوْنِ الأسْماعِ مَقْصُودَةً بِالخَتْمِ إذْ لَيْسَ العَطْفُ كالتَّصْرِيحِ بِالعامِلِ. ولَيْسَ قَوْلُهُ ﴿وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ خَبَرًا مُقَدَّمًا لِغِشاوَةٍ لِأنَّ الأسْماعَ لا تُناسِبُها الغِشاوَةُ وإنَّما يُناسِبُها السَّدُّ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣] ولِأنَّ تَقْدِيمَ قَوْلِهِ ﴿وعَلى أبْصارِهِمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ هو الخَبَرُ لِأنَّ التَّقْدِيمَ لِتَصْحِيحِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ فَلَوْ كانَ قَوْلُهُ ﴿وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ هو الخَبَرُ لاسْتَغْنى بِتَقْدِيمِ أحَدِهِما وأبْقى الآخَرَ عَلى الأصْلِ مِنَ التَّأْخِيرِ فَقِيلَ وعَلى سَمْعِهِمْ غِشاوَةٌ وعَلى أبْصارِهِمْ.

وفِي تَقْدِيمِ السَّمْعِ عَلى البَصَرِ في مَواقِعِهِ مِنَ القُرْآنِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ أفْضَلُ فائِدَةً لِصاحِبِهِ مِنَ البَصَرِ فَإنَّ التَّقْدِيمَ مُؤْذِنٌ بِأهَمِّيَّةِ المُقَدَّمِ وذَلِكَ لِأنَّ السَّمْعَ آلَةٌ لِتَلَقِّي المَعارِفِ الَّتِي بِها كَمالُ العَقْلِ، وهو وسِيلَةُ بُلُوغِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ إلى أفْهامِ الأُمَمِ عَلى وجْهٍ أكْمَلَ مِن بُلُوغِها بِواسِطَةِ البَصَرِ لَوْ فَقَدَ السَّمْعَ، ولِأنَّ السَّمْعَ تَرِدُ إلَيْهِ الأصْواتُ المَسْمُوعَةُ مِنَ الجِهاتِ السِّتِّ بِدُونِ تَوَجُّهٍ، بِخِلافِ البَصَرِ فَإنَّهُ يَحْتاجُ إلى التَّوَجُّهِ بِالِالتِفاتِ إلى الجِهاتِ غَيْرِ المُقابِلَةِ.

* * *

﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ العَذابُ: الألَمُ. وقَدْ قِيلَ إنَّ أصْلَهُ الإعْذابُ مَصْدَرُ أعْذَبَ إذا أزالَ العُذُوبَةَ لِأنَّ العَذابَ يُزِيلُ حَلاوَةَ العَيْشِ فَصِيغَ مِنهُ اسْمُ مَصْدَرٍ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، أوْ هو اسْمٌ مَوْضُوعٌ لِلْألَمِ بِدُونِ مُلاحَظَةِ اشْتِقاقٍ مِنَ العُذُوبَةِ إذْ لَيْسَ يَلْزَمُ مَصِيرُ الكَلِمَةِ إلى نَظِيرَتِها في الحُرُوفِ. ووَصْفُ العَذابِ بِالعَظِيمِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ تَنْكِيرَ عَذابٍ لِلنَّوْعِيَّةِ وذَلِكَ اهْتِمامٌ بِالتَّنْصِيصِ عَلى عِظَمِهِ لِأنَّ التَّنْكِيرَ وإنْ كانَ صالِحًا لِلدَّلالَةِ عَلى التَّعْظِيمِ إلّا أنَّهُ لَيْسَ بِنَصٍّ فِيهِ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَظِيمٌ تَأْكِيدًا لِما يُفِيدُهُ التَّنْكِيرُ مِنَ التَّعْظِيمِ كَما ظَنَّهُ صاحِبُ المِفْتاحِ لِأنَّ دَلالَةَ التَّنْكِيرِ عَلى التَّعْظِيمِ غَيْرُ وضْعِيَّةٍ، والمَدْلُولاتُ غَيْرُ الوَضْعِيَّةِ يُسْتَغْنى عَنْها إذا ورَدَ ما يَدُلُّ عَلَيْها وضْعًا فَلا يُعَدُّ تَأْكِيدًا. والعَذابُ في الآيَةِ، إمّا عَذابُ النّارِ في الآخِرَةِ، وإمّا عَذابُ القَتْلِ والمَسْغَبَةِ في الدُّنْيا.

الدر المصون - السمين الحلبي

الدر المصون للسمين الحلبي - السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)

قوله تعالى: {خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ} . . الآية {على قُلُوبِهمْ} : متعلّق بخَتَم، و «على سمعهم» يَحْتمل عطفه على قلوبهم وهو الظاهر للتصريح بذلك، أعني نسبةَ الختم إلى السمع في قوله تعالى: { وَخَتَمَ على سَمْعِهِ} [الجاثية: 23] ويَحْتمل أن يكونَ خبراً مقدماً وما بعده عَطْفٌ عليه، و «غِشَاوة» مبتدأ، وجاز الابتداء بها لأن النكرة متى كان خبرها ظرفاً أو حرفَ جر تاماً وقُدِّمَ عليها جاز الابتداء بها، ويكون تقديمُ الخبر حينئذٍ واجباً لتصحيحه الابتداء بالنكرة، والآيةُ من هذا القبيل، وهذا بخلافِ قوله تعالى: {وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ} [الأنعام: 2] لأن في تلك الآية مُسوِّغاً آخر وَهو الوصفُ، فعلى الاحتمال الأول يُوقف على «سمعهم» ويُبتدأ بما بعده وهو «وعلى أبصارهم غشاوةٌ» فعلى أبصارهم خبرٌ مقدم وغشاوة مبتدأ مؤخر، وعلى الاحتمال الثاني يُوقف على «قلوبهم» ، وإنما كُرِّر حرفُ الجر وهو «على» ليفيد التأكيدَ أو ليُشْعِرَ ذلك بتغايرِ الختمين، وهو أنَّ خَتْم القلوبِ غيرُ خَتْمِ الأسماعِ. وقد فرَّق النحويون بين: «مررت بزيد وعمرو» وبين: «مررت بزيد وبعمرو» ، فقالوا: في الأول هو مرورٌ واحدٌ وفي الثاني هما مروران، وهو يؤيِّد ما قلته، إلاَّ أن التعليلَ بالتأكيدِ يَشْمل الإِعرابين، أعني جَعْلَ «وعلى سَمْعِهم» معطوفاً على قوله «على قلوبهم» وجَعْلَه خبراً مقدماً، وأمَّا التعليلُ بتغاير الخَتْمين فلا يَجيء إلا على الاحتمالِ الأولِ، وقد يُقال على الاحتمال الثاني إنَّ تكريرَ الحرفِ يُشْعرُ بتغاير الغِشاوتين، وهو أنَّ الغِشاوة على السمع غيرُ الغشاوةِ على البصرِ كما تَقَدَّم ذلك في الخَتْمين.

وقُرئ: «غِشاوةً» نصباً، وفيه ثلاثةُ أوجه، الأولُ: على إضمار فعلٍ لائق، أي: وجَعَلَ على أبصارهم غشاوةً، وقد صُرِّح بهذا العامل في قوله تعالى: {وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غِشَاوَةً} [الجاثية: 23] . والثاني: الانتصابُ على إِسقاط حرف الجر، ويكون «وعلى أبصارهم» معطوفاً على ما قبله، والتقدير: ختم الله على قلوبهم وعلى سَمْعهم وعلى أبصارهم بغشاوة، ثم حُذِفَ حرفُ الجر فانتصب ما بعده كقوله:

148 - تَمُرُّون الدِّيارَ ولم تَعُوجوا ... كلامُكُمُ عليَّ إذاً حَرامُ

أي تمرون بالديارِ، ولكنه غيرُ مقيسٍ. والثالث: أن يكونَ «غِشاوةً» اسماً وُضِع موضع المصدر الملاقي لَخَتم في المعنى، لأنَّ الخَتْمَ والتَغْشيَة يشتركانِ في معنى السَِّتر، فكأنه قيل: «وخَتَم تغشيةً» على سبيل التأكيد، فهو من باب «قَعَدْتُ جلوساً» وتكونُ قلوبُهم وسمعهُم وأبصارُهم مختوماً عليها مُغَشَّاةً.

وقال الفارسي: «قراءةُ الرفع أَوْلى لأنَّ النصبَ: إمَّا أَنْ تَحْمِلَه على خَتَم الظاهرِ فَيَعْرِضُ في ذلك أنّك حُلْتَ بين حرفِ العطف والمعطوفِ بِهِ، وهذا عِندنا إنما يجوزُ في الشعر، وإمَّا أن تحمِلَه على فِعْلٍ يَدُلُّ عليه» خَتَم «تقديره: وجَعَلَ على أبصارهم غشاوةً، فيجيء الكلامُ من باب:

149 - يا ليتَ زَوجَكَ قد غَدَا ... متقلِّداً سيفاً ورُمْحا

وقوله:

150 - عَلَفْتُها تِبْناً وماءً بارداً ... حتى شَتَتْ هَمَّالةً عَيْناها ولا تكاد تجدُ هذا الاستعمالَ في حالِ سَعَةٍ ولا اختيار «. واستشكل بعضهم هذه العبارةَ، وقال:» لا أَدْري ما معنى قوله: «لأن النصبَ إمَّا أن تحمله على خَتَم الظاهر» ، وكيف تَحْمِل «غشاوةً» المنصوبَ على «ختم» الذي هو فعل وهذا ما لا حَمْلَ فيه؟ «. ثم قال:» اللهم إلا أن يكونَ أراد أنَّ قوله تعالى {خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ} دعاءٌ عليهم لا خبرٌ، ويكون غشاوةً في معنى المصدر المَدْعُوِّ به عليهم القائم مقامَ الفعلِ فكأنه قيل: وغَشَّى الله على أبصارهم، فيكون إذ ذاك معطوفاً على «خَتَم» عَطْفَ المصدر النائبِ منابَ فعلِهِ في الدعاء، نحو: «رَحِمَ الله زيداً وسقياً له» ، فتكونُ إذ ذاكَ قد حُلْتَ بين «غشاوة» المعطوفِ وبين «ختم» المعطوفِ عليه بالجار والمجرور «انتهى، وهو تأويلٌ حسنٌ، إلا أن فيه مناقشةً لفظيةً، لأن الفارسي ما ادَّعى الفصلَ بين المعطوف والمعطوفِ عليه إنما ادَّعى الفصلَ بين حرف العطف والمعطوف به أي بالحرفِ، فتحرير التأويلِ أنْ يقال: فيكونُ قد حُلْتَ بين غشاوة وبين حرفِ العطفِ بالجارِّ والمجرور.

وقُرئ» غشاوة «بفتح العين وضَمِّها، و» عشاوة «بالمهملة. وأصوبُ القراءاتِ المشهورةُ، لأن الأشياءَ التي تَدُلُّ على الاشتمالِ تجيء أبداً على هذه الزنة كالعِمامة/ والضِمامة والعِصابة.

والخَتْمُ لغةً: الوَسْمُ بطابع وغيره و» القلبُ «أصله المصدرُ فسُمُّي به هذا العضوُ، وهو اللَّحْمة الصَّنَوْبَرِيَّة لسُرعة الخواطِر إليه وتردُّدِها، عليه، ولهذا قال: 151 - ما سُمِّي القلبُ إلاَّ مِنْ تقلُّبِه ... فاحذَرْ على القَلْبِ من قَلْبٍ وتَحْويلِ

ولمَّا سُمِّي به هذا العضو التزموا تفخيمه فَرْقاً بينه وبين أصلِه، وكثيراً ما يراد به العقلُ، ويُطلق أيضاً على لُبِّ كلِّ شيء وخالِصِه.

والسَّمعُ والسَّماعُ مصدران لسَمِع، وقد يستعمل بمعنى الاستماع، قال:

152 - وقد تَوَجَّس رِكْزاً مُقْفِرٌ نَدُسٌ ... بِنَبْأةِ الصوتِ ما في سَمْعِهِ كَذِبُ

أي في استماعه، والسِّمْع - بالكسر - الذِّكْرُ الجميل، وهو أيضاً وَلَدُ الذئب من الضبُعِ، وَوُحِّد وإن كان المرادُ به الجَمْعَ كالذين قبله وبعده لأنه مصدرٌ حقيقةً، ولأنه على حذفِ مضافٍ، أي مواضعِ سَمْعِهم، أو يكونُ كَنَى به عن الأذن، وإنما وَحَّدَه لِفَهْمِ المعنى كقوله:

153 - كُلُوا في بعض بَطْنِكُم تَعِفُّوا ... فإنَّ زمانَكمْ زَمَنٌ خَمِيصُ

أي: بطونكم، وَمثلُه:

154 - لها جِيَفُ الحَسْرى فأمَّا عِظامُها ... فبِيضٌ وأمَّا جِلْدُها فصليبُ أي: جلودها، ومثله:

155 - لا تُنْكِروا القَتْلَ وقد سُبينا ... في حَلْقِكم عَظْمٌ وقد شُجِينا

وقُرِئَ شاذاً» على أسماعِهم «وهي تؤيِّد هذا.

والأَبْصار: جمعُ بَصَر وهو نور العين التي تُدْرِكُ بِه المرئيَّاتِ، قالوا: وليس بمصدر لجَمْعِه، ولقائلٍ أن يقولَ: جَمْعُه لا يَمْنع كونه مصدراً في الأصل، وإنما سَهَّل جَمْعَه كونُه سُمِّي به نُور العين فَهُجِرَت فيه معنى المصدرية كما تقدَّم في قلوب جمع قَلْب، وقد قلتم إنه في الأصل مصدرٌ ثم سُمِّي به، ويجوز أن يُكَنْى به عن العين كما كُنِي بالسمع عنى الأذنِ وإن كان السمعُ في الأصلِ مصدراً كما تقدَّم.

والغِشاوى الغِطَاءُ، قال:

156 - تَبِعْتُك إذ عَيْني عليها غِشاوةٌ ... فلمَّا انْجَلَتْ قَطَّعْتُ نفسي أَلومُها

وقال:

157 - هَلاَّ سألْتِ بني ذُبْيان ما حَسْبي ... إذا الدُّخانُ تَغَشَّى الأشْمَطَ البَرِمَا

وجَمْعُها غِشَاءٌ، لمَّا حُذِفَتِ الهاءُ قُلِبَتِ الواوُ همزةٍ، وقيل: غشاوى مثل أَداوى، قال الفارسي: «ولم أَسمع من الغِشاوة متصرفاً بالواو، وإذا لم يوجَدْ ذلك وكان معناها معنى ما اللامُ منه الياءُ وهو غَشِي يغشى بدليلِ قولِهم: الغِشْيان، والغِشاوة من غَشِيَ كالجِباوَة من جَبَيْت في أنَّ الواو كأنها بدلٌ من الياء، إذ لم يُصَرَّفْ منه فِعْلٌ كما لم يُصَرَّفْ من الجباوة» انتهى. وظاهر عبارتِه أن الواو بدلٌ من الياء، فالياء أصل بدليلِ تصرُّف الفعلِ منها دون مادة الواو، والذي يظهرُ أنَّ لهذا المعنى مادتين: غ ش و، وغ ش ي، ثم تصرَّفوا في إحدى المادتين واستغْنَوا بذلك عن التصرُّف في المادة الأخرى، وهذا أقربُ من ادِّعاء قَلْبِ الواو ياءً من غير سببٍ، وأيضاً فالياءُ أخفُّ من الواو فكيف يَقْلِبون الأخفَّ للأثقل؟

{وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} : «لهم» خبرٌ مقدَّمٌ فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، و «عذابٌ» مبتدأ مؤخر، و «عظيمٌ» صفته، والخبرُ هنا جائزُ التقدُّم، لأنَّ للمبتدأ مُسَوِّغاً وهو وصفُه، فهو نظير: {وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ} [الأنعام: 2] من حيث الجوازُ.

والعَذابُ في الأصل: الاستمرارُ ثم سُمِّيَ به كلُّ استمرارِ ألمٍ، وقيل: أصلُه المنعُ، وهذا هو الظاهرُ، ومنه قيل للماء: عَذْب، لأنه يمنع العطشَ، والعذابُ يمنع من الجريمة. و «عظيمٌ» اسمُ فاعلٍ من عَظُم، نحو: كَريم من كَرُم غيرَ مذهوبٍ به مذهبَ الزمان، وأصله أن تُوصف به الأجرامُ، ثم قد توصفُ به المعاني، وهل هو والكبيرُ بمعنى واحد أو هو فَوْقَ الكبيرِ، لأنَّ العظيمَ يقابِلُ الحقيرَ، والكبيرَ يقابل الصغيرَ، والحقيرَ دونَ الصغيرِ؟ قولان.

وفعيل له معانٍ كثيرةٌ، يكون اسماً وصفةً، والاسمُ مفردٌ وجمعٌ، والمفردُ اسمُ معنى واسمُ عينٍ، نحو قميص وظريف وصهيل وكلِيب جمع كَلْب، والصفةُ مفردُ فُعَلَة كعَرِيّ يجمع على عُرَاة، ومفرد فَعَلة كَسِريٍّ يُجْمَعُ على سَراة، ويكون اسمَ فاعل من فَعُل نحو: عظيم مِنَ عظمُ كما تقدم، ومبالغةً في فاعِل نحو: عليم من عالم، وبمعنى أَفْعل كشَمِيط بمعنى أَشْمط ومفعول كجِريح بمعنى مَجْروح، ومُفْعِل كسميع بمعنى مُسْمِع، ومُفْعَل كوليد بمعنى مُولَد، ومُفاعِل كجليس بمعنى مُجالِس، ومُفْتَعِل كبديع بمعنى مُبْتدِع، ومُتَفَعِّل كسَعِير بمعنى مُتَسَعِّر، ومُسْتَفْعِل كمكين بمعنى مُسْتَمْكِن، وفَعْل كرطيب بمعنى رَطِب، وفَعَل كعَجِيب بمعنى عَجَب، وفِعال كصحيح بمعنى صِحاح، وبمعنى الفاعلِ والمفعول كصريخ بمعنى صارخ أو مصروخ، وبمعنى الواحد والجَمْعِ نحو خليط، وجمع فاعِل كغريب جمع غارِب.

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني
ختم

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

ختم

الخَتْمُ والطّبع يقال على وجهين: مصدر خَتَمْتُ وطبعت، وهو تأثير الشيء كنقش الخاتم والطّابع. والثاني: الأثر الحاصل عن النّقش، ويتجوّز بذلك تارة في الاستيثاق من الشيء، والمنع منه اعتبارا بما يحصل من المنع بالختم على الكتب والأبواب، نحو: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة : 7] ، ﴿وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ [الجاثية : 23] ، وتارة في تحصيل أثر عن شيء اعتبارا بالنقش الحاصل، وتارة يعتبر منه بلوغ الآخر، ومنه قيل: ختمت القرآن، أي: انتهيت إلى آخره، فقوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة : 7] ، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ [الأنعام : 46] ، إشارة إلى ما أجرى الله به العادة أنّ الإنسان إذا تناهى في اعتقاد باطل، أو ارتكاب محظور- ولا يكون منه تلفّت بوجه إلى الحقّ- يورثه ذلك هيئة تمرّنه على استحسان المعاصي، وكأنما يختم بذلك على قلبه، وعلى ذلك: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ﴾ [النحل : 108] ، وعلى هذا النّحو استعارة الإغفال في قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا﴾ [الكهف : 28] ، واستعارة الكنّ في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام : 25] ، واستعارة القساوة في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً﴾ [المائدة : 13].

قال الجبّائيّ(١) : يجعل الله ختما على قلوب الكفّار، ليكون دلالة للملائكة على كفرهم فلا يدعون لهم(٢) ، وليس ذلك بشيء فإنّ هذه الكتابة إن كانت محسوسة فمن حقّها أن يدركها أصحاب التّشريح، وإن كانت معقولة غير محسوسة فالملائكة باطّلاعهم على اعتقاداتهم مستغنية عن الاستدلال. وقال بعضهم: ختمه شهادته تعالى عليه أنه لا يؤمن.

وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ﴾ [يس : 65] ، أي: نمنعهم من الكلام، ﴿وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب : 40] ، لأنه خَتَمَ النّبوّة، أي: تمّمها بمجيئه.

وقوله عزّ وجلّ: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين : 26] ، قيل: ما يختم به، أي: يطبع، وإنما معناه: منقطعه وخاتمة شربه، أي: سؤره في الطيّب مسك، وقول من قال يختم بالمسك(٣) أي: يطبع، فليس بشيء، لأنّ الشّراب يجب أن يطيّب في نفسه، فأمّا ختمه بالطّيب فليس ممّا يفيده، ولا ينفعه طيب خاتمه ما لم يطب في نفسه.

(١) أبو علي الجبّائي، شيخ المعتزلة في زمانه توفي سنة 303 هـ. انظر: ترجمته في طبقات المفسرين 2/ 191.

(٢) وهذا أيضا قول القاضي عبد الجبار من المعتزلة، وقول الحسن البصري. انظر الرازي 2/ 51.

(٣) وهذا قول قتادة أخرجه عنه عبد الرزاق قال: عاقبته مسك، قوم يمزج لهم بالكافور، ويختم لهم بالمسك. راجع: الدر المنثور 8/ 451.

(١) أبو علي الجبّائي، شيخ المعتزلة في زمانه توفي سنة 303 هـ. انظر: ترجمته في طبقات المفسرين 2/ 191.

(٢) وهذا أيضا قول القاضي عبد الجبار من المعتزلة، وقول الحسن البصري. انظر الرازي 2/ 51.

(٣) وهذا قول قتادة أخرجه عنه عبد الرزاق قال: عاقبته مسك، قوم يمزج لهم بالكافور، ويختم لهم بالمسك. راجع: الدر المنثور 8/ 451.

قلب

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

قلب

قَلْبُ الشيء: تصريفه وصرفه عن وجه إلى وجه، كقلب الثّوب، وقلب الإنسان، أي: صرفه عن طريقته. قال تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت : 21] . والِانْقِلابُ: الانصراف، قال: ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [آل عمران : 144] ، وقال: ﴿إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الأعراف : 125] ، وقال: ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء : 227] ، وقال: ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين : 31] . وقَلْبُ الإِنْسان قيل: سمّي به لكثرة تَقَلُّبِهِ، ويعبّر بالقلب عن المعاني التي تختصّ به من الرّوح والعلم والشّجاعة وغير ذلك، وقوله: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ﴾ [الأحزاب : 10] أي: الأرواح. وقال: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق : 37] أي: علم وفهم، وكذلك: ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام : 25] ، وقوله: ﴿وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة : 87] ، وقوله: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأنفال : 10] أي: تثبت به شجاعتكم ويزول خوفكم، وعلى عكسه: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الحشر : 2] ، وقوله: ﴿ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب : 53] أي: أجلب للعفّة، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح : 4] ، وقوله: ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر : 14] أي: متفرّقة، وقوله: ﴿وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج : 46] قيل: العقل، وقيل: الرّوح. فأمّا العقل فلا يصحّ عليه ذلك، قال: ومجازه مجاز قوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ [البقرة : 25] . والأنهار لا تجري وإنما تجري المياه التي فيها. وتَقْلِيبُ الشيء: تغييره من حال إلى حال نحو: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [الأحزاب : 66] وتَقْلِيبُ الأمور: تدبيرها والنّظر فيها، قال: ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ [التوبة : 48] . وتَقْلِيبُ الله القلوب والبصائر: صرفها من رأي إلى رأي، قال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ﴾ [الأنعام : 110] ، وتَقْلِيبُ اليد: عبارة عن النّدم ذكرا لحال ما يوجد عليه النادم. قال: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ [الكهف : 42] أي: يصفّق ندامة.

قال الشاعر:

371- كمغبون يعضّ على يديه ... تبيّن غبنه بعد البياع(١)

والتَّقَلُّبُ: التّصرّف، قال تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء : 219] ، وقال: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [النحل : 46] . ورجل قُلَّبٌ حُوَّلٌ: كثير التّقلّب والحيلة(٢) ، والْقُلَابُ: داء يصيب القلب، وما به قَلَبَةٌ(٣) : علّة يُقَلِّبُ لأجلها، والْقَلِيبُ. البئر التي لم تطو، والقُلْبُ: الْمَقْلُوبُ من الأسورة.

(١) البيت في البصائر 4/ 288 دون نسبة، وهو لقيس بن ذريح صاحب لبنى في شرح الفصيح لابن درستويه 1/ 152، والأغاني 8/ 114.

(٢) انظر: اللسان (قلب) و (حول) .

(٣) قال ابن منظور: وما بالعليل قلبة. أي: ما به شيء، لا يستعمل إلا في النفي. انظر: اللسان (قلب) .

سمع

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

سمع

السَّمْعُ: قوّة في الأذن به يدرك الأصوات، وفعله يقال له السَّمْعُ أيضا، وقد سمع سمعا.

ويعبّر تارة بالسمّع عن الأذن نحو: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة : 7] ، وتارة عن فعله كَالسَّمَاعِ نحو: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء : 212] ، وقال تعالى: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق : 37] ، وتارة عن الفهم، وتارة عن الطاعة، تقول: اسْمَعْ ما أقول لك، ولم تسمع ما قلت، وتعني لم تفهم، قال تعالى: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا﴾ [الأنفال : 31] ، وقوله: ﴿سَمِعْنا وَعَصَيْنا﴾ [النساء : 46] ، أي: فهمنا قولك ولم نأتمر لك، وكذلك قوله: ﴿سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾ [البقرة : 285] ، أي: فهمنا وارتسمنا.

وقوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال : 21] ، يجوز أن يكون معناه: فهمنا وهم لا يفهمون، وأن يكون معناه: فهمنا وهم لا يعملون بموجبه، وإذا لم يعمل بموجبه فهو في حكم من لم يسمع. ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا﴾ [الأنفال : 23] ، أي: أفهمهم بأن جعل لهم قوّة يفهمون بها، وقوله: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ [النساء : 46] ، يقال على وجهين: أحدهما: دعاء على الإنسان بالصّمم.

والثاني: دعاء له.

فالأوّل نحو: أَسْمَعَكَ الله، أي: جعلك الله أصمّ.

والثاني: أن يقال: أَسْمَعْتُ فلانا: إذا سببته، وذلك متعارف في السّبّ، وروي(١) أنّ أهل الكتاب كانوا يقولون ذلك للنبيّ ﷺ يوهمون أنهم يعظّمونه، ويدعون له وهم يدعون عليه بذلك.

وكلّ موضع أثبت الله السّمع للمؤمنين، أو نفى عن الكافرين، أو حثّ على تحرّيه فالقصد به إلى تصوّر المعنى والتّفكر فيه، نحو: ﴿أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ [الأعراف : 195] ، ونحو: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ [البقرة : 18] ، ونحو: ﴿فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ﴾ [فصلت : 44] ، وإذا وصفت الله تعالى بِالسَّمْعِ فالمراد به علمه بِالْمَسْمُوعَاتِ(٢)، وتحرّيه بالمجازاة بها نحو: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾ [المجادلة : 1] ، ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا﴾ [آل عمران : 181].

وقوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ [النمل : 80] ، أي: لا تفهمهم، لكونهم كالموتى في افتقادهم بسوء فعلهم القوّة العاقلة التي هي الحياة المختصّة بالإنسانيّة، وقوله: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ [الكهف : 26] ، أي: يقول فيه تعالى ذلك من وقف على عجائب حكمته، ولا يقال فيه: ما أبصره وما أسمعه، لما تقدّم ذكره أنّ الله تعالى لا يوصف إلّا بما ورد به السّمع وقوله في صفة الكفّار: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ [مريم : 38] ، معناه: أنهم يسمعون ويبصرون في ذلك اليوم ما خفي عليهم، وضلّوا عنه اليوم لظلمهم أنفسهم، وتركهم النّظر، وقال: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة : 93] ، ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة : 42] ، أي: يسمعون منك لأجل أن يكذبوا، ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [المائدة : 41] ، أي: يسمعون لمكانهم، والِاسْتِمَاعُ: الإصغاء نحو: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ، ﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [الإسراء : 47] ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ [محمد : 16] ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس : 42] ، ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ﴾ [ق : 41] ، وقوله: ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ﴾ [يونس : 31] ، أي: من الموجد لِأَسْمَاعِهِمْ، وأبصارهم، والمتولّي لحفظها؟ والْمِسْمَعُ والْمَسْمَعُ: خرق الأذن، وبه شبّه حلقة مسمع الغرب(٣) .


(١) عن ابن زيد، كما أخرجه الطبري في تفسيره 5/ 118.

(٢) قلت (مدخِّل الكتاب): سلك المصنف مسلك المعتزلى في هذا، عفا الله عنه، والصحيح أن الله سميع بصير كما أخبرنا.

(٣) الغرب: الدلو العظيمة.

(١) عن ابن زيد، كما أخرجه الطبري في تفسيره 5/ 118.

(٢) قلت (مدخِّل الكتاب): سلك المصنف مسلك المعتزلى في هذا، عفا الله عنه، والصحيح أن الله سميع بصير كما أخبرنا.

(٣) الغرب: الدلو العظيمة.

بصر

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

بصر

البَصَر يقال للجارحة الناظرة، نحو قوله تعالى: ﴿كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ [النحل : 77] ، ووَ إِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ [الأحزاب : 10] ، وللقوّة التي فيها، ويقال لقوة القلب المدركة: بَصِيرَة وبَصَر، نحو قوله تعالى: ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق : 22] ، وقال: ﴿ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى﴾ [النجم : 17] ، وجمع البصر أَبْصَار، وجمع البصيرة بَصَائِر، قال تعالى: ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ﴾ [الأحقاف : 26] ، ولا يكاد يقال للجارحة بصيرة، ويقال من الأوّل: أبصرت، ومن الثاني: أبصرته وبصرت به(١) ، وقلّما يقال بصرت في الحاسة إذا لم تضامّه رؤية القلب، وقال تعالى في الأبصار: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾ [مريم : 42] ، وقال: ﴿رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا﴾ [السجدة : 12] ، ﴿وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ [يونس : 43] ، ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات : 179] ، ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ [طه : 96] ومنه: أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف : 108] أي: على معرفة وتحقق. وقوله: ﴿بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة : 14] أي: تبصره فتشهد له، وعليه من جوارحه بصيرة تبصره فتشهد له وعليه يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ﴾ [النور : 24] . والضرير يقال له: بصير على سبيل العكس، والأولى أنّ ذلك يقال لما له من قوة بصيرة القلب لا لما قالوه، ولهذا لا يقال له: مبصر وباصر، وقوله عزّ وجل: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ﴾ [الأنعام : 103] حمله كثير من المفسرين على الجارحة، وقيل: ذلك إشارة إلى ذلك وإلى الأوهام والأفهام، كما قال أمير المؤمنين رضي الله عنه: (التوحيد أن لا تتوهمه)(٢) وقال: (كلّ ما أدركته فهو غيره) .

والبَاصِرَة عبارة عن الجارحة الناظرة، يقال: رأيته لمحا باصرا(٣) ، أي: نظرا بتحديق، قال عزّ وجل: ﴿فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً﴾ [النمل : 13] ، ﴿وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء : 12] أي: مضيئة للأبصار وكذلك قوله عزّ وجلّ: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء : 59] ، وقيل: معناه صار أهله بصراء نحو قولهم: رجل مخبث(٤) ومضعف، أي: أهله خبثاء وضعفاء، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ﴾ [القصص : 43] أي: جعلناها عبرة لهم، وقوله: ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات : 179] أي: انظر حتى ترى ويرون، وقوله عزّ وجل: ﴿وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت : 38] أي: طالبين للبصيرة.

ويصحّ أن يستعار الاسْتِبْصَار للإِبْصَار، نحو استعارة الاستجابة للإجابة، وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً﴾ [ق : 7-8] أي: تبصيرا وتبيانا. يقال: بَصَّرْتُهُ تبصيرا وتبصرة، كما يقال: قدّمته تقديما وتقدمة، وذكّرته تذكيرا وتذكرة، قال تعالى: وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً يُبَصَّرُونَهُمْ [المعارج : 10-11] أي: يجعلون بصراء بآثارهم، يقال: بصَّرَ الجرو: تعرّض للإبصار لفتحه العين(٥) . والبَصْرَة: حجارة رخوة تلمع كأنّها تبصر، أو سمّيت بذلك لأنّ لها ضوءا تبصر به من بعد.

ويقال له بِصْرٌ، والبَصِيرَة: قطعة من الدّم تلمع، والترس اللامع، والبُصْرُ: الناحية، والبَصِيرَةُ ما بين شقتي الثوب، والمزادة ونحوها التي يبصر منها، ثم يقال: بصرتُ الثوب والأديم: إذا خطت ذلك الموضع منه.


(١) انظر: الأفعال 4/ 69.

(٢) انظر تفسير الرازي 1/ 281.

(٣) في المثل: لأرينّك لمحا باصرا، يضرب في التوعد. المستقصى 2/ 237.

(٤) قال ابن منظور: والمخبث: الذي أصحابه وأعوانه خبثاء، وهو مثل قولهم: فلان ضعيف مضعف وقويّ مقو.

(٥) وفي اللسان: وبصّر الجرو تبصيرا: فتح عينه.

غشي

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

غشي

غَشِيَهُ غِشَاوَةً وغِشَاءً: أتاه إتيان ما قد غَشِيَهُ، أي: ستره. والْغِشَاوَةُ: ما يغطّى به الشيء، قال: ﴿وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ [الجاثية : 23] ، ﴿وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ [البقرة : 7] ، يقال: غَشِيَهُ وتَغَشَّاهُ، وغَشَّيْتُهُ كذا. قال: ﴿وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ﴾ [لقمان : 32] ، ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ [طه : 78] ، ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم : 50] ، ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم : 16] ، ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى﴾ [الليل : 1] ، ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ﴾ [الأنفال : 11] . وغَشَيْتُ موضع كذا: أتيته، وكنّي بذلك عن الجماع. يقال: غَشَّاهَا وتَغَشَّاهَا. فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ [الأعراف : 189] . وكذا الْغِشْيَانُ، والْغَاشِيَةُ: كلّ ما يغطّي الشيء كَغَاشِيَةِ السّرج، وقوله: ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ﴾ [يوسف : 107] أي: نائبة تَغْشَاهُمْ وتجلّلهم. وقيل: الْغَاشِيَةُ في الأصل محمودة وإنما استعير لفظها هاهنا على نحو قوله: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف : 41] ، وقوله: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ﴾ [الغاشية : 1] ، كناية عن القيامة، وجمعها: غَوَاشٍ، وغُشِيَ على فلان: إذا نابه ما غَشِيَ فهمه. قال تعالى: ﴿كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب : 19] ، ﴿نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [محمد : 20] ، ﴿فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس : 9] ، ﴿وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ [البقرة : 7] ، ﴿كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [يونس : 27] ، ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ [نوح : 7] ، أي: جعلوها غِشَاوَةً على أسماعهم، وذلك عبارة عن الامتناع من الإصغاء، وقيل: (اسْتَغْشَوْا ثيابهم) كناية عن العدو كقولهم: شمّر ذيلا وألقى ثوبه، ويقال: غَشَيْتُهُ سوطا أو سيفا، ككسوته وعمّمته.

عذب

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

عذب

ماءٌ عَذْبٌ طيّب بارد. قال تعالى: ﴿هذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ [الفرقان : 53] ، وأَعْذَبَ القومُ: صار لهم ماءٌ عَذْبٌ، والعَذَابُ: هو الإيجاع الشّديد، وقد عَذَّبَهُ تَعْذِيباً: أكثر حبسه في العَذَابِ. قال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً﴾ [النمل : 21] ، ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال : 33] ، أي: ما كان يُعَذِّبُهُمْ عَذَابَ الاستئصالِ، وقوله: ﴿وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال : 34] ، لا يُعَذِّبُهُمْ بالسّيف، وقال: ﴿وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ [الإسراء : 15] ، ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء : 138] ، ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ﴾ [الصافات : 9] ، ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة : 10] ، ﴿وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر : 50] ، واختلف في أصله، فقال بعضهم: هو من قولهم: عَذَبَ الرّجلُ: إذا ترك المأكل والنّوم(١) ، فهو عَاذِبٌ وعَذُوبٌ، فَالتَّعْذِيبُ في الأصل هو حمل الإنسان أن يُعَذَّبَ، أي: يجوع ويسهر، وقيل: أصله من العَذْبِ، فَعَذَّبْتُهُ أي: أزلت عَذْبَ حياته على بناء مرّضته وقذّيته، وقيل: أصل التَّعْذِيبِ إكثارُ الضّرب بِعَذَبَةِ السّوطِ، أي: طرفها، وقد قال بعض أهل اللّغة: التَّعْذِيبُ هو الضّربُ، وقيل: هو من قولهم: ماءٌ عَذَبٌ إذا كان فيه قذى وكدر، فيكون عَذَّبْتُهُ كقولك: كدّرت عيشه، وزلّقت حياته، وعَذَبَةُ السّوطِ واللّسانِ والشجرِ: أطرافُها.

(١) وهذا قول الأزهري، فإنه قال: القول في العذوب والعاذب أنه الذي لا يأكل ولا يشرب. انظر: اللسان (عذب) .

عظم

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

عظم

العَظْمُ جمعه: عِظَام. قال تعالى: ﴿عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً﴾ [المؤمنون : 14] ، وقرئ: عظاما(١) فيهما، ومنه قيل: عَظْمَة الذّراع لمستغلظها، وعَظْمُ الرّحل: خشبة بلا أنساع(٢) ، وعَظُمَ الشيء أصله: كبر عظمه، ثم استعير لكلّ كبير، فأجري مجراه محسوسا كان أو معقولا، عينا كان أو معنى. قال: ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر : 13] ، ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ [ص : 67] ، عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [عمّ/ 1- 2] ، ﴿مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف : 31] . والعظيم إذا استعمل في الأعيان فأصله: أن يقال في الأجزاء المتّصلة، والكثير يقال في المنفصلة، ثمّ قد يقال في المنفصل عظيم، نحو: جيش عظيم، ومال عظيم، وذلك في معنى الكثير، والعظيمة: النازلة، والإعظامة والعِظَامَة: شبه وسادة تعظّم بها المرأة عجيزتها.

(١) وهي قراءة ابن عامر الشامي، وشعبة عن عاصم. انظر: إرشاد المبتدي ص 453.

(٢) الأنساع جمع نسع، وهو سير يضفر على هيئة أعنّة النعال تشدّ به الرّحال. انظر: اللسان (نسع) .