التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير سورة البقرة، الآية: ١٤

تفسير قول الله تعالى: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ). سورة البقرة، الآية: ١٤

التحرير والتنوير - ابن عاشور

التحرير والتنوير - ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)

﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾

عُطِفَ ﴿وإذا لَقُوا﴾ عَلى ما عُطِفَ عَلَيْهِ ﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا﴾ [البقرة: ١١] ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ﴾ [البقرة: ١٣] والكَلامُ في الظَّرْفِيَّةِ والزَّمانِ سَواءٌ.

والتَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿وإذا خَلَوْا﴾ فَبِذَلِكَ كانَ مُفِيدًا فائِدَةً زائِدَةً عَلى ما في قَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] الآيَةَ، فَلَيْسَ ما هُنا تَكْرارًا مَعَ ما هُناكَ، لِأنَّ المَقْصُودَ هُنا وصْفُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وإيهامِهِمْ أنَّهم مِنهم ولِقائِهِمْ بِوُجُوهِ الصّادِقِينَ، فَإذا فارَقُوهم وخَلَصُوا إلى قَوْمِهِمْ وقادَتِهِمْ خَلَعُوا ثَوْبَ التَّسَتُّرِ وصَرَّحُوا بِما يُبْطِنُونَ. ونُكْتَةُ تَقْدِيمِ الظَّرْفِ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ ﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا﴾ [البقرة: ١١] ومَعْنى قَوْلِهِمْ آمَنّا أيْ كُنّا مُؤْمِنِينَ، فالمُرادُ مِنَ الإيمانِ في قَوْلِهِمْ آمَنّا الإيمانُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي هو مَجْمُوعُ الأوْصافِ الِاعْتِقادِيَّةِ والعِلْمِيَّةِ الَّتِي تَلَقَّبَ بِها المُؤْمِنُونَ وعُرِفُوا بِها عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أيْ كُنّا عَلى دِينِ اليَهُودِيَّةِ فَلا مُتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ آمَنّا حَتّى يَحْتاجَ لِتَوْجِيهِ حَذْفِهِ أوْ تَقْدِيرِهِ، أوْ أُرِيدَ: آمَنّا بِما آمَنتُمْ بِهِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، ولِقاؤُهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا هو حُضُورُهم مَجْلِسَ النَّبِيءِ ﷺ ومَجالِسَ المُؤْمِنِينَ. ومَعْنى ﴿قالُوا آمَنّا﴾ أظْهَرُوا أنَّهم مُؤْمِنُونَ بِمُجَرَّدِ القَوْلِ لا بِعَقْدِ القَلْبِ، أيْ نَطَقُوا بِكَلِمَةِ الإسْلامِ وغَيْرِها مِمّا يُتَرْجِمُ عَنِ الإيمانِ.

وقَوْلُهُ ﴿وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وإذا لَقُوا﴾ والمَقْصُودُ هو هَذا المَعْطُوفُ، وأمّا قَوْلُهُ ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَتَمْهِيدٌ لَهُ كَما عَلِمْتَ، وذَلِكَ ظاهِرٌ مِنَ السِّياقِ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ المَقْصُودَ أنَّهم يَقُولُونَ آمَنّا في حالِ اسْتِهْزاءٍ يُصَرِّحُونَ بِقَصْدِهِ إذا خَلَوْا، بِدَلِيلِ أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّهم يَأْبَوْنَ مِنَ الإيمانِ ويَقُولُونَ ﴿أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ [البقرة: ١٣] إنْكارًا لِذَلِكَ، وواوُ العَطْفِ صالِحَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى المَعِيَّةِ وغَيْرِها بِحَسَبَ السِّياقِ، وذَلِكَ أنَّ السِّياقَ في بَيانِ ما لَهم مِن وجْهَيْنِ وجْهٍ مَعَ المُؤْمِنِينَ ووَجْهٍ مَعَ قادَتِهِمْ، وإنَّما لَمْ يَجْعَلْ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ في صُورَةِ الحالِ كَأنْ يُقالَ: قائِلِينَ لِشَياطِينِهِمْ إذا خَلَوْا، ولَمْ نَحْمِلِ الواوَ في قَوْلِهِ ﴿وإذا خَلَوْا﴾ عَلى الحالِ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ مَضْمُونَ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ لَمّا كانَ صالِحًا لِأنْ يُعْتَبَرَ صِفَةً مُسْتَقِلَّةً دالَّةً عَلى النِّفاقِ قُصِدَ بِالعَطْفِ اسْتِقْلالُ كِلْتَيْهِما لِأنَّ الغَرَضَ تَعْدادُ مَساوِيهِمْ فَإنَّ مَضْمُونَ ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ مُنادٍ وحْدُهُ بِنِفاقِهِمْ في هاتِهِ الحالَةِ.

كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ ﴿وإذا لَقُوا﴾ الدّالُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ في وقْتٍ مَخْصُوصٍ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ الأصْلَ اتِّحادُ مَوْقِعِ الجُمْلَتَيْنِ المُتَماثِلَتَيْنِ لَفْظًا. ولِما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ في وجْهِ العُدُولِ عَنِ الإتْيانِ بِالحالِ.

والشَّياطِينُ جَمْعُ شَيْطانٍ - جَمْعُ تَكْسِيرٍ - وحَقِيقَةُ الشَّيْطانِ أنَّهُ نَوْعٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ المُجَرَّدَةِ، طَبِيعَتُها الحَرارَةُ النّارِيَّةُ وهم مِن جِنْسِ الجِنِّ قالَ تَعالى في إبْلِيسَ ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] وقَدِ اشْتَهَرَ ذِكْرُهُ في كَلامِ الأنْبِياءِ والحُكَماءِ، ويُطْلَقُ الشَّيْطانُ عَلى المُفْسِدِ ومُثِيرِ الشَّرِّ، تَقُولُ العَرَبُ: فُلانٌ مِنَ الشَّياطِينِ ومِن شَياطِينِ العَرَبِ، وذَلِكَ اسْتِعارَةٌ، وكَذَلِكَ أُطْلِقَ هُنا عَلى قادَةِ المُنافِقِينَ في النِّفاقِ، قالَ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ﴾ [الأنعام: ١١٢] إلَخْ. ووَزْنُ شَيْطانٍ اخْتَلَفَ فِيهِ البَصْرِيُّونَ والكُوفِيُّونَ مِن عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ فَقالَ البَصْرِيُّونَ: هو فَيْعالٌ مِن شَطَنَ بِمَعْنى بَعُدَ؛ لِأنَّهُ أُبْعِدَ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وعَنِ الجَنَّةِ؛ فَنُونُهُ أصْلِيَّةٌ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: هو فَعْلانُ مِن شاطَ بِمَعْنى هاجَ أوِ احْتَرَقَ أوْ بَطَلَ، ووَجْهُ التَّسْمِيَةِ ظاهِرٌ. ولا أحْسَبُ هَذا الخِلافَ إلّا أنَّهُ بَحْثٌ عَنْ صِيغَةِ اشْتِقاقِهِ فَحَسْبُ، أيِ البَحْثُ عَنْ حُرُوفِهِ الأُصُولِ وهَلْ نُونُهُ أصْلٌ أوْ زائِدٌ، وإلّا فَإنَّهُ لا يُظَنُّ بِنُحاةِ الكُوفَةِ أنْ يَدَّعُوا أنَّهُ يُعامَلُ مُعامَلَةَ الوَصْفِ الَّذِي فِيهِ زِيادَةُ الألِفِ والنُّونِ مِثْلُ غَضْبانَ، كَيْفَ وهو مُتَّفَقٌ عَلى عَدَمِ مَنعِهِ مِنَ الصَّرْفِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ويَرُدُّ عَلى قَوْلِ الكُوفِيِّينَ أنَّ سِيبَوَيْهِ حَكى أنَّ العَرَبَ تَقُولُ تَشَيْطَنَ إذا فَعَلَ فِعْلَ الشَّيْطانِ، فَهَذا يُبَيِّنُ أنَّهُ مِن شَطَنَ وإلّا لَقالُوا تَشَيَّطَ اهـ.

وفِي الكَشّافِ: جَعَلَ سِيبَوَيْهِ نُونَ شَيْطانٍ في مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ أصْلِيَّةً وفي آخَرَ زائِدَةً اهـ.

والوَجْهُ أنَّ تَشَيْطَنَ لَمّا كانَ وصْفًا مُشْتَقًّا مِنَ الِاسْمِ كَقَوْلِهِمْ تَنَمَّرَ، أثْبَتُوا فِيهِ حُرُوفَ الِاسْمِ عَلى ما هي عَلَيْهِ لِأنَّهم عامَلُوهُ مُعامَلَةَ الجامِدِ دُونَ المُشْتَقِّ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مُشْتَقًّا مِمّا اشْتُقَّ مِنهُ الِاسْمُ بَلْ مِن حُرُوفِ الِاسْمِ فَهو اشْتِقاقٌ حَصَلَ بَعْدَ تَحْقِيقِ الِاسْتِعْمالِ وقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مادَّةِ الِاشْتِقاقِ الأوَّلِ، فَلا يَكُونُ قَوْلُهم ذَلِكَ مُرَجِّحًا لِأحَدِ القَوْلَيْنِ. وعِنْدِي أنَّهُ اسْمٌ جامِدٌ شابَهَ في حُرُوفِهِ مادَّةً مُشْتَقَّةً ودَخَلَ في العَرَبِيَّةِ مِن لُغَةٍ سابِقَةٍ لِأنَّ هَذا الِاسْمَ مِنَ الأسْماءِ المُتَعَلِّقَةِ بِالعَقائِدِ والأدْيانِ، وقَدْ كانَ لِعَرَبِ العِراقِ فِيها السَّبْقُ قَبْلَ انْتِقالِهِمْ إلى الحِجازِ واليَمَنِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ تَقارُبُ الألْفاظِ الدّالَّةِ عَلى هَذا المَعْنى في أكْثَرِ اللُّغاتِ القَدِيمَةِ.

وكُنْتُ رَأيْتُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ اسْمَهُ في الفارِسِيَّةِ سَيْطانٌ. وخَلَوْا بِمَعْنى انْفَرَدُوا فَهو فِعْلٌ قاصِرٌ ويُعَدّى بِالباءِ وبِاللّامِ ومِن ومَعَ بِلا تَضْمِينٍ، ويُعَدّى بِإلى عَلى تَضْمِينِ مَعْنى آبَ أوْ خَلُصَ، ويُعَدّى بِنَفْسِهِ عَلى تَضْمِينِ تَجاوَزَ وباعَدَ، ومِنهُ ما شاعَ مِن قَوْلِهِمُ افْعَلْ كَذا وخَلاكَ ذَمٌّ؛ أيْ إنَّ تَبِعَةَ الأمْرِ أوْ ضُرَّهُ لا تَعُودُ عَلَيْكَ. وقَدْ عُدِّيَ هُنا بِإلى لِيُشِيرَ إلى أنَّ الخَلْوَةَ كانَتْ في مَواضِعَ هي مَآبَهم ومَرْجِعَهم، وأنَّ لِقاءَهم لِلْمُؤْمِنِينَ إنَّما هو صُدْفَةٌ ولَمَحاتٌ قَلِيلَةٌ، أفادَ ذَلِكَ كُلَّهُ قَوْلُهُ ”لَقُوا“ و”خَلَوْا“ . وهَذا مِن بَدِيعِ فَصاحَةِ الكَلِماتِ وصَراحَتِها.

واعْلَمْ أنَّهُ حُكِيَ خِطابُهم لِلَّذِينَ آمَنُوا بِما يَقْتَضِي أنَّهم لَمْ يَأْتُوا فِيهِ بِما يُحَقِّقُ الخَبَرَ مِن تَأْكِيدٍ، وخِطابُهم مُوهِمٌ بِما يَقْتَضِي أنَّهم حَقَّقُوا لَهم بَقاءَهم عَلى دِينِهِمْ بِتَأْكِيدِ الخَبَرِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ التَّأْكِيدِ في قَوْلِهِ ﴿إنّا مَعَكُمْ﴾ مَعَ أنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَكُونَ كَلامُهم بِعَكْسِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ يَشُكُّونَ في إيمانِ المُنافِقِينَ، وقَوْمُهم لا يَشُكُّونَ في بَقائِهِمْ عَلى دِينِهِمْ، فَجاءَتْ حِكايَةُ كَلامِهِمُ المُوافِقَةُ لِمَدْلُولاتِهِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِمُراعاةِ ما هو أجْدَرُ بِعِنايَةِ البَلِيغِ مِن مُقْتَضى الظّاهِرِ. فَخَلَّوْ خِطابَهم مَعَ المُؤْمِنِينَ عَمّا يُفِيدُ تَأْكِيدَ الخَبَرِ لِأنَّهم لا يُرِيدُونَ أنْ يَعْرِضُوا أنْفُسَهم في مَعْرِضِ مَن يَتَطَرَّقُ ساحَتَهُ الشَّكُّ في صِدْقِهِ لِأنَّهم إذا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ أيْقَظُوهم إلى الشَّكِّ وذَلِكَ مِن إتْقانِ نِفاقِهِمْ، عَلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ المُؤْمِنُونَ أخْلِياءَ الذِّهْنِ مِنَ الشَّكِّ في المُنافِقِينَ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِمْ عِنْدَهم فَيَكُونُ تَجْرِيدُ الخَبَرِ مِنَ المُؤَكِّداتِ مُقْتَضى الظّاهِرِ.

وأمّا قَوْلُهم لِقَوْمِهِمْ إنّا مَعَكم بِالتَّأْكِيدِ فَذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا بَدا مِن إبْداعِهِمْ في النِّفاقِ عِنْدَ لِقاءِ المُسْلِمِينَ ما يُوجِبُ شَكَّ كُبَرائِهِمْ في البَقاءِ عَلى الكُفْرِ، وتَطْرُقُ بِهِ التُّهْمَةُ أبْوابَ قُلُوبِهِمُ احْتاجُوا إلى تَأْكِيدِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم باقُونَ عَلى دِينِهِمْ. وكَذَلِكَ قَوْلُهم ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ فَقَدْ أبْدَوْا بِهِ وجْهَ ما أظْهَرُوهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وجاءُوا فِيهِ بِصِيغَةِ قَصْرِ القَلْبِ لِرَدِّ اعْتِقادِ شَياطِينِهِمْ فِيهِمْ أنَّ ما أظْهَرُوهُ لِلْمُؤْمِنِينَ حَقِيقَةٌ وإيمانٌ صادِقٌ. وقَدْ وجَّهَ صاحِبُ الكَشّافِ العُدُولَ عَنِ التَّأْكِيدِ في قَوْلِهِمْ ”آمَنّا“ والتَّأْكِيدَ في قَوْلِهِمْ: إنّا مَعَكم، بِأنَّ مُخاطَبَتَهُمُ المُؤْمِنِينَ انْتَفى عَنْها ما يَقْتَضِي تَأْكِيدَ الخَبَرِ؛ لِأنَّ المُخْبِرِينَ لَمْ يَتَعَلَّقْ غَرَضُهم بِأكْثَرَ مِنِ ادِّعاءِ حُدُوثِ إيمانِهِمْ لِأنَّ نُفُوسَهم لا تُساعِدُهم عَلى أنْ يَتَلَفَّظُوا بِأقْوى مِن ذَلِكَ، ولِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ لا يُرَوَّجُ عَلى المُسْلِمِينَ، أيْ فاقْتَصَرُوا عَلى اللّازِمِ مِنَ الكَلامِ، فَإنَّ عَدَمَ التَّأْكِيدِ في الكَلامِ قَدْ يَكُونُ لِعَدَمِ اعْتِناءِ المُتَكَلِّمِ بِتَحْقِيقِهِ، ولِعِلْمِهِ أنَّ تَأْكِيدَهُ عَبَثٌ لِعَدَمِ رَواجِهِ عِنْدَ السّامِعِ، وهَذِهِ نُكْتَةٌ غَرِيبَةٌ مَرْجِعُها قَطْعُ النَّظَرِ عَنْ إنْكارِ السّامِعِ والإعْراضُ عَنِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ. وأمّا مُخاطَبَتُهم شَياطِينَهم فَإنَّما أتَوْا بِالخَبَرِ فِيها مُؤَكَّدًا لِإفادَةِ اهْتِمامِهِمْ بِذَلِكَ الخَبَرِ وصِدْقِ رَغْبَتِهِمْ في النُّطْقِ بِهِ ولِعِلْمِهِمْ أنَّ ذَلِكَ رائِجٌ عِنْدَ المُخاطَبِينَ، فَإنَّ التَّأْكِيدَ قَدْ يَكُونُ لِاعْتِناءِ المُتَكَلِّمِ بِالخَبَرِ ورَواجِهِ عِنْدَ السّامِعِ؛ أيْ فَهو تَأْكِيدٌ لِلِاهْتِمامِ لا لِرَدِّ الإنْكارِ.

وقَوْلُهم: ”﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾“ قَصَرُوا أنْفُسَهم عَلى الِاسْتِهْزاءِ قَصْرًا إضافِيًّا لِلْقَلْبِ أيْ مُؤْمِنُونَ مُخْلِصُونَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ ﴿إنّا مَعَكُمْ﴾ لِأنَّهم إذا كانُوا مَعَهم كانَ ما أظْهَرُوهُ مِن مُفارَقَةِ دِينِهِمُ اسْتِهْزاءً أوْ نَحْوَهُ، فَأمّا أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ اسْتِئْنافًا واقِعَةً في جَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ؛ كَأنَّ سائِلًا يَعْجَبُ مِن دَعْوى بَقائِهِمْ عَلى دِينِهِمْ لِما أتْقَنُوهُ مِن مَظاهِرِ النِّفاقِ في مُعامَلَةِ المُسْلِمِينَ، ويُنْكِرُ أنْ يَكُونُوا باقِينَ عَلى دِينِهِمْ ويَسْألُ: كَيْفَ أمْكَنَ الجَمْعُ بَيْنَ البَقاءِ عَلى الدِّينِ وإظْهارِ المَوَدَّةِ لِلْمُؤْمِنِينَ ؟ ! فَأجابُوا: إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ، وبِهِ يَتَّضِحُ وجْهُ الإتْيانِ بِأداةِ القَصْرِ لِأنَّ المُنْكِرَ السّائِلَ يَعْتَقِدُ كَذِبَهم في قَوْلِهِمْ: إنّا مَعَكم، ويَدَّعِي عَكْسَ ذَلِكَ، وإمّا أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ بَدَلًا مِن ”إنّا مَعَكم“ بَدَلَ اشْتِمالٍ؛ لِأنَّ مَن دامَ عَلى الكُفْرِ وتَغالى فِيهِ، وهو مُقْتَضى ”مَعَكم“ أيْ في تَصَلُّبِكم، فَقَدْ حَقَّرَ الإسْلامَ وأهْلَهُ واسْتَخَفَّ بِهِمْ، والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى الوُجُوهِ لِأنَّهُ يَجْمَعُ ما تُفِيدُهُ البَدَلِيَّةُ والتَّأْكِيدُ مِن تَقْرِيرِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الأُولى مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى رَدِّ التَّحَيُّرِ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ السُّؤالُ، وهَذا يَفُوتُ عَلى تَقْدِيرَيِ التَّأْكِيدِ والبَدَلِيَّةِ.

والِاسْتِهْزاءُ: السُّخْرِيَةُ، يُقالُ: هَزَأ بِهِ واسْتَهْزَأ بِهِ فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ مِثْلُ اسْتَجابَ، أيْ عامَلَهُ فِعْلًا أوْ قَوْلًا يَحْصُلُ بِهِ احْتِقارُهُ أوْ والتَّطْرِيَةُ بِهِ، سَواءٌ أشْعَرَهُ بِذَلِكَ أمْ أخْفاهُ عَنْهُ. والباءُ فِيهِ لِلسَّبَبِيَّةِ، قِيلَ: لا يَتَعَدّى بِغَيْرِ الباءِ وقِيلَ يَتَعَدّى بِمِن، وهو مُرادِفُ سَخِرَ في المَعْنى دُونَ المادَّةِ كَما سَيَأْتِي في سُورَةِ الأنْعامِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ (مُسْتَهْزُونَ) بِدُونِ هَمْزَةٍ وبِضَمِّ الزّايِ تَخْفِيفًا وهو لُغَةٌ فَصِيحَةٌ في المَهْمُوزِ.


الدر المصون - السمين الحلبي

الدر المصون - السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)

قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُواْ الذين آمَنُواْ قالوا آمَنَّا} : «إذا» منصوب بقالوا الذي هو جوابٌ لها، وقد تقدَّم الخلافُ في ذلك، و «لَقُوا» فعلٌ وفاعل، والجملةُ في محلِّ خفض بإضافةِ الظرفِ إليها. وأصل لَقُوا: لَقِيُوا بوزن شَرِبوا، فاسْتُثْقِلتِ الضمةُ على الياء التي هي لام الكلمة، فحُذِفَتِ الضمةُ فالتقى ساكنان: لامُ الكلمة وواوُ الجمع، ولا يمكن تحريكُ أحدهما، فَحُذِف الأول وهو الياء، وقُلِبت الكسرةُ التي على القاف ضمةً لتجانِسَ واوَ الضمير، فوزن «لَقُوا» : فَعُوا، وهذه قاعدةٌ مطردةٌ نحو: خَشُوا وحَيُوا.

وقد سُمع في مصدر «لَقي» أربعة عشر وزناً: لُقْياً ولِقْيَةً بكسر الفاء وسكون العين، ولِقاء ولِقاءة [ولَقاءة] بفتحها أيضاً مع المدِّ في الثلاثة، ولَقَى ولُقَى بفتح القافِ وضمها، ولُقْيا بضم الفاء وسكون العين ولِقِيَّا بكسرهما والتشديد، ولُقِيَّا بضم الفاء وكسر العين مع التشديد، ولُقْياناً ولِقْيانا بضم الفاء وكسرها، ولِقْيانة بكسر الفاء خاصةً، وتِلْقاء.

و «الذين آمنوا» مفعولٌ به، و «قالوا» جوابُ «إذا» ، و «آمنَّا» في محلِّ نَصْبٍ بالقول.

قوله تعالى: {وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شَيَاطِينِهِمْ قالوا} تقدَّم نظيرُه، والأكثرُ في «خلا» أن يتعدَّى بالباء، وقد يتعدَّى بإلى، وإنما تعدَّى في هذه الآية بإلى لمعنى بديعٍ، وهو أنه إذا تعدَّى بالباء احتمل معنيين أحدهما: الانفرادُ، والثاني: السخرية والاستهزاءُ، تقول: «خَلَوْتُ به» أي سَخِرْتُ منه، وإذا تعدَّى بإلى كان نَصَّاً في الانفرادِ فقط، أو تقول: ضُمِّن خَلا معنى صَرَف فتعدَّى بإلى، والمعنى: صَرفوا خَلاهم إلى شياطينهم، أو تضمَّن معنى ذهبوا وانصرفوا فيكون كقول الفرزدق:

196 - ألم تراني قالِباً مِجنِّي ... قد قَتَل اللهُ زياداً عنِّي

أي: صرفه بالقتل، وقيل: هي هنا بمعنى مع، كقوله: {وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2] . وقيل: هي بمعنى الباء، وهذان القولان إنما يجوزان عند الكوفيين، وأمَّا البصريون فلا يجيزون التَجوُّز في الحروف لضَعْفِها. وقيل: المعنى وإذا خَلَوا من المؤمنين إلى شياطينهم، ف «إلى» على بابِها، قلت: وتقديرُ «مِن المؤمنين» لا يجعلُها على بابِها إلاَّ بالتضمينِ المتقدِّم.

والأصل في خَلَوْا: خَلَوُوْا، فَقُلِبَتِ الواوُ الأولى التي هي لامُ الكلمة ألفاً لتحركِها وانفتاحِ ما قبلها، فبقيَتْ ساكنةً، وبعدَها واوُ الضميرِ ساكنةٌ، فالتقَى ساكنان، فحُذِف أوَّلُهما وهو الألفُ، وبَقِيَتِ الفتحةُ دالَّةً عليهَا.

و «شياطينهم» جمعُ شيطان جمعَ تكسيرٍ، وقد تقدَّم القولُ في اشتقاقه فوزن شياطين: إمَّا فعاليل أو فعالين على حَسَب القَوْلينِ المتقدِّمَيْنِ في الاستعاذة. والفصيح في «شياطين» وبابِه أن يُعْرَبَ بالحركاتِ لأنه جمعُ تكسيرٍ، وفيه لُغَيَّةٌ رديئةٌ، وهي إجراؤُه إجراءَ الجمعِ المذكر السالم، سُمع منهم: «لفلانٍ بستانٌ حولَه بساتون» ، وقُرئ شاذاً: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشياطون} [الشعراء: 210] .

قوله تعالى: {قالوا إِنَّا مَعَكُمْ} إنَّ واسمُها و «معكم» خبرُها، والأصل في إنَّا: إنَّنا، كقوله تعالى: {إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً} [آل عمران: 93] ، وإنما حُذِفَتْ إحدى نوني «إنَّ» لَمَّا اتصلت بنونِ ن، تخفيفاً، وقال أبو البقاء: «حُذِفَتِ النونُ الوسطى على القول الصحيح كما حُذِفَتْ في» إنَّ «إذا خُفِّفَتْ.

و» مع «ظرفٌ والضميرُ بعده في محلِّ خفض بإضافتِه إليه وهو الخبرُ كما تقدَّم، فيتعلَّقُ بمحذوف، وهو ظرفُ مكانٍ، وفَهْمُ الظرفيةِ منه قَلِقٌ. قالوا: لأنه يَدُلُّ على الصحبةِ، ومِنْ لازمِ الصحبةِ/ الظرفيةُ، وأمَّا كونُه ظرفَ مكانٍ فلأنه مُخْبِرٌ به عن الجثث نحو:» زيدٌ معك «، ولو كان ظرف زمانٍ لم يَجُزْ فيه ذلك. واعلَم أنَّ» مع «لا يجوزُ تسكينُ عينِها إلا في شعر كقوله:

197 - وريشي مِنْكُمُ وهَوايَ مَعَكُمْ ... وإنْ كانَتْ زيارتُكم لِماما وهي حينئذٍ على ظرفِيتها خلافاً لمَنْ زَعَم أنَّها حينئذٍ حرفُ جرٍّ، وإنْ كان النحاس ادَّعَى الإِجماع في ذلك، وهي من الأسماءِ اللازمةِ للإِضافةِ، وقد تُقْطَعُ لفظاً فتنتصب حالاً غالِباً، تقولُ: جاء الزيدان معاً أي مصطحِبَيْنِ، وقد تقع خبراً، قال الشاعر:

198 - حَنَنَْتَ إلى رَيَّا ونفسُك باعَدَتْ ... مَزارَكَ مِنْ رَيَّا وشَعْبَاكُما مَعَا

فَشْعباكما مبتدأ، و» معاً «خبرُه، على أنه يُحتمل أن يكونَ الخبرُ محذوفاً، و» معا «حالاً. واختلفوا في» مع «حالَ قَطْعِها عن الإِضافة: هل هي من باب المقصور نحو: عصا ورحا، أو المنقوص نحو: يد ودم؟ قولان، الأولُ قولُ يونسَ والأخفشِ، والثاني قولُ الخليل وسيبويه، وتظهر فائدة ذلك إذا سَمَّيْنا به فعلى الأول تقول: جاءني معاً ورأيت معاً ومررت بمعاً، وعلى الثاني: جاءني معٌ ورأيت معاً ومررت بمعٍ كيَدٍ، ولا دليلَ على القولِ الأولِ في قوله:» وشَعْباكما معاً لأنَّ معاً منصوبٌ على الظرفِ النائبِ عن الخَبر، نحو: «زيدٌ عندَك» وفيها كلامٌ أطولُ من هذا، تَرَكْتُه إيثاراً للاختصارِ.

قوله: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} كقوله: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [البقرة: 11] ، وهذه الجملةُ الظاهرُ أنها لا محلَّ لها من الإِعرابِ لاستئنافِها إذ هي جوابٌ لرؤسائِهم، كأنهم لمَّا قالوا لهم: «إنَّا معكم» توجَّه عليهم سؤالٌ منهم، وهو فما بالُكم مع المؤمنين تُظاهِرونهم على دينهم؟ فأجابوهم بِهذه الجملةِ، وقيل: محلُّها النصب، لأنها بدلٌ من قولِه تعالى: «إنَّا معكم» . وقياسُ تخفيفِ همزةِ «مستهزئون» ونحوِه أن تُجْعَلَ بينَ بينَ، أي بين الهمزةِ والحرفِ الذي منه حركتُها وهو الواو، وهو رأيُ سيبويه، ومذهبُ الأخفش قَلْبُها ياءً محضةً. وقد وَقَف حمزةُ على «مستهزئون» و {فَمَالِئُونَ} [الصافات: 66] ونحوهِما بحَذْفِ صورة الهمزة إتْباعاً لرسمِ المصحفِ.


مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني
إذا

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

إذا

إذا يعبّر به عن كلّ زمان مستقبل، وقد يضمّن معنى الشرط فيجزم به، وذلك في الشعر أكثر، و «إذ» يعبر به عن الزمان الماضي، ولا يجازى به إلا إذا ضمّ إليه «ما» نحو:

11- إذ ما أتيت على الرّسول فقل له(١) 

(١) الشطر للصحابي العباس بن مرداس من قصيدة قالها في غزوة حنين يخاطب النبيّ ﷺ، وعجزه: حقاً عليك إذا اطمأنّ المجلس

والبيت في شواهد سيبويه 1/ 432، وشرح الأبيات لابن السيرافي 2/ 93، والمقتضب 2/ 46، والروض الأنف 2/ 298، وخزانة الأدب 9/ 29.

لقى

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

لقى

اللِّقَاءُ: مقابلة الشيء ومصادفته معا، وقد يعبّر به عن كلّ واحد منهما، يقال: لَقِيَهُ يَلْقَاهُ لِقَاءً ولُقِيّاً ولُقْيَةً، ويقال ذلك في الإدراك بالحسّ، وبالبصر، وبالبصيرة. قال: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ [آل عمران : 143] ، وقال: ﴿لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً﴾ [الكهف : 62] . ومُلَاقَاةُ الله عز وجل عبارة عن القيامة، وعن المصير إليه. قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ﴾ [البقرة : 223] و﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ﴾ [البقرة : 249] واللِّقاءُ: الملاقاة. قال: وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا [يونس : 15] ، ﴿إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق : 6] ، ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ [السجدة : 14] أي: نسيتم القيامة والبعث والنّشور، وقوله: ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر : 15] أي: يوم القيامة، وتخصيصه بذلك لِالْتِقَاءِ من تقدّم ومن تأخّر، والْتِقَاءِ أهل السماء والأرض، وملاقاة كلّ أحد بعمله الذي قدّمه، ويقال: لَقِيَ فلان خيرا وشرّا.

قال الشاعر:

411- فمن يَلْقَ خيرا يحمد الناس أمره(١)

وقال آخر:

412- تلقى السّماحة منه والنّدى خلقا(٢)

ويقال: لَقِيتُه بكذا: إذا استقبلته به، قال تعالى: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً﴾ [الفرقان : 75] ، ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾ [الإنسان : 11] . وتَلَقَّاهُ كذا، أي: لقيه. قال: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [الأنبياء : 103] ، وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ [النمل : 6] والإِلْقَاءُ: طرح الشيء حيث تلقاه، أي: تراه، ثم صار في التّعارف اسما لكلّ طرح. قال: ﴿فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُ﴾ [طه : 87] ، ﴿قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف : 115] ، وقال تعالى: ﴿قالَ أَلْقُوا﴾ [الأعراف : 116] ، قالَ: ﴿أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها﴾ [طه : 19-20] ، وقال: ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ [طه : 39] ، ﴿وَإِذا أُلْقُوا مِنْها﴾ [الفرقان : 13] ، ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ﴾ [الملك : 8] ، ﴿وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق : 4] وهو نحو قوله: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار : 4] ، ويقال: ألقيت إليك قولا، وسلاما، وكلاما، ومودّة. قال تعالى: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة : 1] ، ﴿فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ﴾ [النحل : 86] ، ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ [النحل : 87] ، وقوله: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل : 5] فإشارة إلى ما حمّل من النّبوّة والوحي، وقوله: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق : 37] ، فعبارة عن الإصغاء إليه، وقوله: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً﴾ [طه : 70] فإنما قال: «أُلْقِيَ» تنبيها على أنه دهمهم وجعلهم في حكم غير المختارين.

(١) الشطر للمرقش الأصغر، وعجزه: ومن يغو لا يعدم على الغي لائما

وهو في اللسان (غوى) ، والمفضليات ص 247.

وهو من قصيدته التي مطلعها: ألا يا اسلمي لا صرم لي اليوم فاطما ... ولا أبدا ما دام وصلك دائما

(٢) هذا عجز بيت لزهير بن أبي سلمى، وصدره: إن تلق يوما على علّاته هرما

وهو من قصيدة يمدح بها هرم بن سنان وأباه، ومطلعها: إنّ الخليط أجدّ البين فانفرقا ... وعلّق القلب من أسماء ما علقا

وهو في ديوانه ص 41.

أمن

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

أمن

أصل الأَمْن: طمأنينة النفس وزوال الخوف، والأَمْنُ والأَمَانَةُ والأَمَانُ في الأصل مصادر، ويجعل الأمان تارة اسما للحالة التي يكون عليها الإنسان في الأمن، وتارة اسما لما يؤمن عليه الإنسان، نحو قوله تعالى: ﴿وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ﴾ [الأنفال : 27] ، أي: ما ائتمنتم عليه، وقوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأحزاب : 72] قيل: هي كلمة التوحيد، وقيل: العدالة(١) ، وقيل: حروف التهجي، وقيل: العقل، وهو صحيح فإنّ العقل هو الذي بحصوله يتحصل معرفة التوحيد، وتجري العدالة وتعلم حروف التهجي، بل بحصوله تعلّم كل ما في طوق البشر تعلّمه، وفعل ما في طوقهم من الجميل فعله، وبه فضّل على كثير ممّن خلقه.

وقوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً﴾ [آل عمران : 97] أي: آمنا من النار، وقيل: من بلايا الدنيا التي تصيب من قال فيهم: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [التوبة : 55] .

ومنهم من قال: لفظه خبر ومعناه أمر، وقيل: يأمن الاصطلام(٢) ، وقيل: آمن في حكم الله، وذلك كقولك: هذا حلال وهذا حرام، أي: في حكم الله.

والمعنى: لا يجب أن يقتصّ منه ولا يقتل فيه إلا أن يخرج، وعلى هذه الوجوه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت : 67] . وقال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ [البقرة : 125] . وقوله: ﴿أَمَنَةً نُعاساً﴾ [آل عمران : 154] أي: أمنا، وقيل: هي جمع كالكتبة. وفي حديث نزول المسيح: «وتقع الأمنة في الأرض»(٣) .

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة : 6] أي: منزله الذي فيه أمنه.

* وآمَنَ:

إنما يقال على وجهين:

- أحدهما متعديا بنفسه، يقال: آمنته، أي: جعلت له الأمن، ومنه قيل لله: مؤمن.

- والثاني: غير متعدّ، ومعناه: صار ذا أمن.

والإِيمان يستعمل تارة اسما للشريعة التي جاء بها محمّد عليه الصلاة والسلام، وعلى ذلك: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ [المائدة : 69] ، ويوصف به كلّ من دخل في شريعته مقرّا بالله وبنبوته. قيل: وعلى هذا قال تعالى: ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف : 106] .

وتارة يستعمل على سبيل المدح، ويراد به إذعان النفس للحق على سبيل التصديق، وذلك باجتماع ثلاثة أشياء: تحقيق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بحسب ذلك بالجوارح، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد : 19] .

ويقال لكلّ واحد من الاعتقاد والقول الصدق والعمل الصالح: إيمان. قال تعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾ [البقرة : 143] أي: صلاتكم، وجعل الحياء وإماطة الأذى من الإيمان(٤) .

قال تعالى: ﴿وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ﴾ [يوسف : 17] قيل: معناه: بمصدق لنا، إلا أنّ الإيمان هو التصديق الذي معه أمن، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء : 51] فذلك مذكور على سبيل الذم لهم، وأنه قد حصل لهم الأمن بما لا يقع به الأمن، إذ ليس من شأن القلب- ما لم يكن مطبوعا عليه- أن يطمئن إلى الباطل، وإنما ذلك كقوله: ﴿مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل : 106] ، وهذا كما يقال: إيمانه الكفر، وتحيته الضرب، ونحو ذلك.

وجعل النبيّ ﷺ أصل الإيمان ستة أشياء في خبر جبريل حيث سأله فقال: ما الإيمان؟ والخبر معروف(٥) .

ويقال: رجل أَمْنَةٌ وأَمَنَةٌ: يثق بكل أحد، وأَمِينٌ وأَمَانٌ يؤمن به. والأَمُون: الناقة يؤمن فتورها وعثورها.

(١) راجع الأقوال في هذه الآية في الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي 6/ 669.

(٢) الاصطلام: الاستئصال، واصطلم القوم: أبيدوا.

(٣) هذا جزء من حديث طويل وفيه: «ثمّ تقع الأمنة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، وتلعب الصبيان بالحيّات لا تضرّهم» . والحديث أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود برقم (4324) وابن جرير وابن حبان عن أبي هريرة، وقال ابن كثير بعد ذكر إسناده: وهذا إسناد جيد قوي. انظر: الدر المنثور 2/ 736، والفتن الملاحم لابن كثير 1/ 105.

(٤) كما قال عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه مسلم وغيره: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، وأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» .

(٥) وقد أخرجه البخاري ومسلم قال: «أن تؤمن بالله وحده وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد الموت والجنة والنار، وبالقدر خيره وشره» ، راجع البخاري 1/ 106، ومسلم (9) في الإيمان، وشرح السنة 1/ 9.

قول

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

قول

القَوْلُ والقِيلُ واحد. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء : 122] ، والقَوْلُ يستعمل على أوجه: أظهرها أن يكون للمركّب من الحروف المبرز بالنّطق، مفردا كان أو جملة، فالمفرد كقولك: زيد، وخرج. والمركّب، زيد منطلق، وهل خرج عمرو، ونحو ذلك، وقد يستعمل الجزء الواحد من الأنواع الثلاثة أعني: الاسم والفعل والأداة قَوْلًا، كما قد تسمّى القصيدة والخطبة ونحوهما قَوْلًا.

الثاني: يقال للمتصوّر في النّفس قبل الإبراز باللفظ: قَوْلٌ، فيقال: في نفسي قول لم أظهره. قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ﴾ [المجادلة : 8] . فجعل ما في اعتقادهم قولا.

الثالث: للاعتقاد نحو فلان يقول بقول أبي حنيفة.

الرابع: يقال للدّلالة على الشيء نحو قول الشاعر:

377- امتلأ الحوض وقَالَ قطني(١)

الخامس: يقال للعناية الصادقة بالشيء، كقولك: فلان يَقُولُ بكذا.

السادس: يستعمله المنطقيّون دون غيرهم في معنى الحدّ، فيقولون: قَوْلُ الجوهر كذا، وقَوْلُ العرض كذا، أي: حدّهما.

السابع: في الإلهام نحو: ﴿قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾ [الكهف : 86] فإنّ ذلك لم يكن بخطاب ورد عليه فيما روي وذكر، بل كان ذلك إلهاما فسماه قولا. وقيل في قوله: ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت : 11] إنّ ذلك كان بتسخير من الله تعالى لا بخطاب ظاهر ورد عليهما، وكذا قوله تعالى: ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً﴾ [الأنبياء : 69] ، وقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران : 167] فذكر أفواههم تنبيها على أن ذلك كذب مقول، لا عن صحّة اعتقاد كما ذكر في الكتابة باليد(٢) ، فقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة : 79] ، وقوله: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس : 7] أي: علم الله تعالى بهم وكلمته عليهم كما قال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ [الأعراف : 137] وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس : 96] وقوله: ﴿ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم : 34] فإنما سمّاه قول الحقّ تنبيها على ما قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران : 59](٣) إلى قوله: ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ

وتسميته قولا كتسميته كلمة في قوله: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ﴾ [النساء : 171] وقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات : 8] أي: لفي أمر من البعث، فسمّاه قولا، فإنّ الْمَقُولَ فيه يسمّى قولا، كما أنّ المذكور يسمّى ذكرا وقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة : 40-41] فقد نسب القول إلى الرّسول، وذلك أنّ القول الصادر إليك عن الرّسول يبلّغه إليك عن مرسل له، فيصحّ أن تنسبه تارة إلى الرّسول، وتارة إلى المرسل، وكلاهما صحيح. فإن قيل: فهل يصحّ على هذا أن ينسب الشّعر والخطبة إلى راويهما كما تنسبهما إلى صانعهما؟ قيل: يصحّ أن يقال للشّعر: هو قَوْلُ الراوي. ولا يصحّ أن يقال هو: شعره وخطبته، لأنّ الشّعر يقع على القول إذا كان على صورة مخصوصة، وتلك الصّورة ليس للرّاوي فيها شيء. والقول هو قول الرّاوي كما هو قول المرويّ عنه. وقوله تعالى: ﴿إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة : 156] لم يرد به القول المنطقيّ فقط بل أراد ذلك إذا كان معه اعتقاد وعمل. ويقال للّسان: الْمِقْوَلُ، ورجل مِقْوَلٌ: منطيق، وقَوَّالٌ وقَوَّالَةٌ كذلك. والْقَيْلُ: الملك من ملوك حمير سمّوه بذلك لكونه معتمدا على قوله ومقتدى به، ولكونه مُتَقَيِّلًا لأبيه. ويقال: تَقَيَّلَ فلان أباه، وعلى هذا النّحو سمّوا الملك بعد الملك تبّعا، وأصله من الواو، لقولهم في جمعه: أَقْوَالٌ نحو: ميت وأموات، والأصل قَيِّلٌ نحو: ميْت، أصله: ميّت فخفّف. وإذا قيل: أَقْيَالٌ فذلك نحو: أعياد، وتقيّل أباه نحو: تعبّد، واقْتَالَ قَوْلًا: قال ما اجترّ به إلى نفسه خيرا أو شرّا. ويقال ذلك في معنى احتكم قال الشاعر:

378- تأبى حكومة الْمُقْتَالُ(٤)

والقَالُ والقَالَةُ: ما ينشر من القول. قال الخليل: يوضع القَالُ موضع القَائِلِ(٥) . فيقال: أنا قَالُ كذا، أي: قَائِلُهُ.

(١) الرجز لم يعرف قائله، وتتمته: مهلا رويدا قد ملأت بطني

وهو في اللسان (قول) ، والخصائص 1/ 23، والمحكم 6/ 347.

(٢) النقل هذا حرفيا في البصائر 4/ 304.

(٣) الآية إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.

(٤) البيت: ولمثل الذي جمعت من العدّة ... تأبى حكومة المقتال

وهو للأعشى من قصيدة يمدح بها الأسود بن المنذر اللخمي، ومطلعها: ما بكاء الكبير بالأطلال ... وسؤالي فهل تردّ سؤالي

وهو في ديوانه ص 168، واللسان (قال) ، والمعاني الكبير 2/ 924.

(٥) وعبارة الخليل: والقالة تكون في موضع القائلة، كما قال بشار: (أنا قالها) .

أي: قائلها. انظر: العين 5/ 213.

خلا

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

خلا

الخلاء: المكان الذي لا ساتر فيه من بناء ومساكن وغيرهما، والخلوّ يستعمل في الزمان والمكان، لكن لما تصوّر في الزمان المضيّ فسّر أهل اللغة: خلا الزمان، بقولهم: مضى الزمان وذهب، قال تعالى: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران : 144] ، ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ﴾ [الرعد : 6] ، ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة : 141] ، ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ [آل عمران : 137] ، ﴿إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر : 24] ، ﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة : 214] ، ﴿وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران : 119] ، وقوله: ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ [يوسف : 9] ، أي: تحصل لكم مودّة أبيكم وإقباله عليكم. وخَلَا الإنسان: صار خَالِياً، وخَلَا فلان بفلان: صار معه في خَلَاءٍ، وخَلَا إليه: انتهى إليه في خلوة، قال تعالى: ﴿وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ﴾ [البقرة : 14] ، وخلّيت فلانا: تركته في خَلَاءٍ، ثم يقال لكلّ ترك تخلية، نحو: ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة : 5] ، وناقة خَلِيَّة: مُخْلَاة عن الحلب، وامرأة خَلِيَّة: مخلاة عن الزّوج، وقيل للسّفينة المتروكة بلا ربّان خَلِيَّة، والخَلِيُّ: من خلّاه الهمّ، نحو المطلّقة في قول الشاعر:

150- مطلّقة طورا وطورا تراجع(١) والخَلَاءُ: الحشيش المتروك حتّى ييبس، ويقال: خَلَيْتُ الخَلَاءَ: جززته، وخَلَيْتُ الدّابة: جززت لها، ومنه استعير: سيف يَخْتَلِي، أي: يقطع ما يضرب به قطعه للخلا.

(١) هذا عجز بيت للنابغة الذبياني، وشطره: تناذرها الراقون من سوء سمّها

وهو من قصيدته العينية التي مطلعها: عفا ذو حسا من فرقنى فالفوارع ... فجبنا أريك فالقلاع الدوافع

وهو في ديوانه ص 80.


إلى

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

إلى

إلى: حرف يحدّ به النهاية من الجوانب الست، وأَلَوْتُ في الأمر: قصّرت فيه، هو منه، كأنه رأى فيه الانتهاء، وأَلَوْتُ فلانا، أي: أوليته تقصيرا نحو: كسبته، أي: أوليته كسبا، وما ألوته جهدا، أي: ما أوليته تقصيرا بحسب الجهد، فقولك: «جهدا» تمييز، وكذلك: ما ألوته نصحا. وقوله تعالى: ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا﴾ [آل عمران : 118] منه، أي: لا يقصّرون في جلب الخبال، وقال تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ [النور : 22] قيل: هو يفتعل من ألوت، وقيل: هو من: آليت: حلفت. وقيل: نزل ذلك في أبي بكر، وكان قد حلف على مسطح أن يزوي عنه فضله(١) .

وردّ هذا بعضهم بأنّ افتعل قلّما يبنى من «أفعل» ، إنما يبنى من «فعل» ، وذلك مثل: كسبت واكتسبت، وصنعت واصطنعت، ورأيت وارتأيت.

وروي: «لا دريت ولا ائتليت»(٢) وذلك: افتعلت من قولك: ما ألوته شيئا، كأنه قيل: ولا استطعت.

وحقيقة الإيلاء والأليّة: الحلف المقتضي لتقصير في الأمر الذي يحلف عليه. وجعل الإيلاء في الشرع للحلف المانع من جماع المرأة، وكيفيته وأحكامه مختصة بكتب الفقه.

فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ [الأعراف : 69] أي: نعمه، الواحد: ألًا وإِلًى، نحو أناً وإنًى لواحد الآناء. وقال بعضهم في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة : 22-23] : إنّ معناه: إلى نعمة ربها منتظرة، وفي هذا تعسف من حيث البلاغة(٣) .

و «أَلَا» للاستفتاح، و «إِلَّا» للاستثناء، وأُولَاءِ في قوله تعالى: ﴿ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران : 119] وقوله: أولئك: اسم مبهم موضوع للإشارة إلى جمع المذكر والمؤنث، ولا واحد له من لفظه، وقد يقصر نحو قول الأعشى:

22- هؤلا ثم هؤلا كلّا أع ... طيت نوالا محذوّة بمثال(٤)

(١) وأخرج هذا البخاري في التفسير 8/ 455 ومسلم برقم 2770.

(٢) وهذه الرواية هي التي صوّبها ابن الأنباري وقال: «ولا تليت» خطأ. راجع الغريبين 1/ 81 والحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد. وفي البخاري عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «....، وأمّا الكافر أو المنافق فيقول لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيه، فيقال: لا دريت ولا تليت، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين» .

انظر فتح الباري 3/ 232، ومسلم في الجنة ونعيمها، باب عرض مقعد الميت (2870) ، وانظر: شرح السنة 5/ 415، والترغيب والترهيب 4/ 185، والمسند 3/ 126.

والرواية التي ذكرها المؤلف حكاها ابن قتيبة عن يونس بن حبيب، وحكي ذلك عن الأصمعي وبه جزم الخطابي.

وقال ابن السكيت: قوله: «ولا تليت» إتباع ولا معنى لها.

(٣) وهذا قول المعتزلة قدّروا ذلك لأنهم ينفون رؤية الله تعالى، والمؤلّف يردّ قولهم.

(٤) البيت في ديوانه من قصيدة يمدح بها الأسود بن المنذر اللخمي، مطلعها: ما بكاء الكبير بالأطلال ... وسؤالي فهل يردّ سؤالي

انظر: ديوانه ص 167، وتفسير القرطبي 1/ 284.


شطن

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

شطن

الشَّيْطَانُ النون فيه أصليّة(١) ، وهو من: شَطَنَ أي: تباعد، ومنه: بئر شَطُونٌ، وشَطَنَتِ الدّار، وغربة شَطُونٌ، وقيل: بل النون فيه زائدة، من: شَاطَ يَشِيطُ: احترق غضبا، فَالشَّيْطَانُ مخلوق من النار كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ﴾ [الرحمن : 15] ، ولكونه من ذلك اختصّ بفرط القوّة الغضبيّة والحميّة الذّميمة، وامتنع من السّجود لآدم، قال أبو عبيدة(٢) : الشّيطان اسم لكلّ عارم من الجنّ والإنس والحيوانات. قال تعالى: ﴿شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام : 112] ، وقال: ﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ﴾ [الأنعام : 121] ، ﴿وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ﴾ [البقرة : 14] ، أي: أصحابهم من الجنّ والإنس، وقوله: كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ [الصافات : 65] ، قيل: هي حيّة خفيفة الجسم، وقيل: أراد به عارم الجنّ، فتشبّه به لقبح تصوّرها، وقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ﴾ [البقرة : 102] ، فهم مردة الجنّ، ويصحّ أن يكونوا هم مردة الإنس أيضا، وقال الشاعر:

268- لو أنّ شيطان الذّئاب العسّل(٣)

جمع العاسل، وهو الذي يضطرب في عدوه، واختصّ به عسلان الذئب.

وقال آخر:

269- ما ليلة الفقير إلّا شَيْطَانْ(٤)

وسمّي كلّ خلق ذميم للإنسان شَيْطَاناً، فقال عليه السلام: «الحسد شَيْطَانٌ والغضب شَيْطَانٌ»(٥)

(١) قال ابن منظور: والشيطان: فيعال من: شطن: إذا بعد، فيمن جعل النون أصلا، وقولهم: الشياطين دليل عن ذلك. اللسان (شطن) .

(٢) انظر: مجاز القرآن 1/ 32.

(٣) لم أجده.

(٤) الرجز للشماخ، وبعده: ساهرة تؤدي بروح الإنسان ... يدعى بها القوم دعاء الصّمان

وهو في ديوانه ص 413، والملاحن ص 52، واللسان (شطن) ، وتفسير الراغب ورقة 22.

(٥) جاء في الحديث: «إنّ الغضب من الشيطان، وإنّ الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ» أخرجه أحمد 4/ 226، وأبو نعيم في الحلية 2/ 130، وأبو داود برقم 4784.

وفي حديث آخر: «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» أخرجه أبو داود، ولا يصح، ورقمه 4903، وابن ماجة من حديث أنس بإسناد ضعيف 1/  1408.


مع

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

مع

(١) «مع» يقتضي الاجتماع إمّا في المكان: نحو: هما معا في الدار، أو في الزمان. نحو: ولدا معا، أو في المعنى كالمتضايفين نحو: الأخ والأب، فإن أحدهما صار أخا للآخر في حال ما صار الآخر أخاه، وإما في الشّرف والرّتبة. نحو: هما معا في العلوّ، ويقتضي معنى النّصرة [وأنّ المضاف إليه لفظ «مع» هو المنصور](٢) نحو قوله تعالى: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة : 40] أي: الذي مع يضاف إليه في قوله: الله معنا هو منصور. أي: ناصرنا، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [النحل : 128] ، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد : 4] ، و﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة : 153] ، و﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة : 194] وقوله عن موسى: ﴿إِنَّ مَعِي رَبِّي﴾ [الشعراء : 62] . ورجلٌ إِمَّعَةٌ: من شأنه أن يقول لكلّ واحد: أنا معك.

والْمَعْمَعَةُ: صوت الحريق والشّجعان في الحرب، والْمَعْمَعَانُ: شدّة الحرب.

(١) نقل الزركشي هذا الباب في البرهان 4/ 428.

(٢) ما بين [] نقله السيوطي في معترك الأقران 2/ 555.

نحن

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

نحن

نَحْنُ عبارة عن المتكلِّم إذا أَخْبَرَ عن نفسه مع غيره، وما وَرَدَ في القرآن من إِخبار الله تعالى عن نفسه بقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف : 3] فقد قيل: هو إخبار عن نفسه وحده، لكن يُخَرَّجُ ذلك مَخْرَجَ الإِخبار المُلوكيّ.

وقال بعضُ العلماء: إنّ الله تعالى يذكر مثلَ هذه الألفاظ إذا كان الفعل المذكور بعده يفعله بواسطة بعضِ ملائكته، أو بعض أوليائه، فيكون «نحن» عبارة عنه تعالى وعنهم، وذلك كالوحي، ونُصْرة المؤمنين، وإِهلاك الكافرين، ونحو ذلك مما يتولَّاه الملائكةُ المذكورونَ بقوله: ﴿فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً﴾ [النازعات : 5] وعلى هذا قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ [الواقعة : 85] يعني: وَقْتَ المُحْتَضَرِ حين يَشْهَدُهُ الرُّسُلُ المذكورون في قوله: ﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [النحل : 28] وقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر : 9] لمّا كان بوِساطة القلم واللَّوح وجبريل.

هزؤ

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

هزؤ

الهُزْءُ: مزح في خفية، وقد يقال لما هو كالمزح، فممّا قصد به المزح قوله: ﴿اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً﴾ [المائدة : 58] ، ﴿وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً﴾ [الجاثية : 9] ، ﴿وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً﴾ [الفرقان : 41] ، ﴿وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً﴾ [الأنبياء : 36] ، ﴿أَتَتَّخِذُنا هُزُواً﴾ [البقرة : 67] ، ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً﴾ [البقرة : 231] ، فقد عظّم تبكيتهم، ونبّه على خبثهم من حيث إنه وصفهم بعد العلم بها، والوقوف على صحّتها بأنهم يَهْزَءُونَ بها، يقال: هَزِئْتُ به، واسْتَهْزَأْتُ، والاسْتِهْزَاءُ: ارتياد الْهُزُؤِ وإن كان قد يعبّر به عن تعاطي الهزؤ، كالاستجابة في كونها ارتيادا للإجابة، وإن كان قد يجري مجرى الإجابة. قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ﴾ [التوبة : 65] ، ﴿وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ [هود : 8] ، ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ [الحجر : 11] ، ﴿إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها﴾ [النساء : 140] ، ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الأنعام : 10] والِاسْتِهْزَاءُ من الله في الحقيقة لا يصحّ، كما لا يصحّ من الله اللهو واللّعب، تعالى الله عنه. وقوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة : 15] أي: يجازيهم جزاء الهزؤ.

ومعناه: أنه أمهلهم مدّة ثمّ أخذهم مغافصة(١) ، فسمّى إمهاله إيّاهم استهزاء من حيث إنهم اغترّوا به اغترارهم بالهزؤ، فيكون ذلك كالاستدراج من حيث لا يعلمون، أو لأنهم استهزءوا فعرف ذلك منهم، فصار كأنه يهزأ بهم كما قيل: من خدعك وفطنت له ولم تعرّفه فاحترزت منه فقد خدعته. وقد روي: [أنّ الْمُسْتَهْزِئِينَ في الدّنيا يفتح لهم باب من الجنّة فيسرعون نحوه فإذا انتهوا إليه سدّ عليهم فذلك قوله: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين : 34](٢) وعلى هذه الوجوه قوله عزّ وجلّ: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة : 79] .

(١) غافص الرجل مغافصة وغفاصا: أخذه على غرّة بمساءة. اللسان (غفص) .

(٢) عن ابن عباس في قوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ في الآخرة، يفتح لهم باب في جهنم من الجنة، ثم يقال لهم: تعالوا، فيقبلون يسبحون في النار، والمؤمنون على الأرائك ينظرون إليهم، فإذا انتهوا إلى الباب سدّ عنهم فيضحك المؤمنون منهم. أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ص 616.