تفسير قول الله تعالى: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ). سورة البقرة، الآية: ١٨
التحرير والتنوير — ابن عاشور
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
أخْبارٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿مَثَلُهُمْ﴾ [البقرة: ١٧] ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى (الَّذِي اسْتَوْقَدَ) لِأنَّهُ لا يَلْتَئِمُ بِهِ أوَّلُ التَّشْبِيهِ وآخِرُهُ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] يَقْتَضِي أنَّ المُسْتَوْقِدَ ذُو بَصَرٍ وإلّا لَما تَأتّى مِنهُ الِاسْتِيقادُ، وحَذْفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ في هَذا المَقامِ اسْتِعْمالٌ شائِعٌ عِنْدَ العَرَبِ إذا ذَكَرُوا مَوْصُوفًا بِأوْصافٍ أوْ أخْبارٍ جَعَلُوهُ كَأنَّهُ قَدْ عُرِفَ لِلسّامِعِ فَيَقُولُونَ: فُلانٌ أوْ فَتًى أوْ رَجُلٌ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ: هو فُلانٌ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿جَزاءً مِن رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا﴾ [النبإ: ٣٦] ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ [النبإ: ٣٧] التَّقْدِيرُ هو رَبُّ السَّماواتِ، عَدَلَ عَنْ جَعْلِ ”رَبُّ“ بَدَلًا مِن ”رَبِّكَ“، وقَوْلُ الحَماسِيِّ:
سَأشْكُرُ عَمْرًا إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي أيادِيَ لَمْ تَمْنُنْ وإنْ هي جَلَّتِ
فَتًى غَيْرُ مَحْجُوبِ الغِنى عَنْ صَدِيقِهِ ∗∗∗ ولا مُظْهِرُ الشَّكْوى إذا النَّعْلُ زَلِّتِ
وسَمّى السَّكّاكِيُّ هَذا الحَذْفَ ”الحَذْفَ الَّذِي اتُّبِعَ فِيهِ الِاسْتِعْمالُ الوارِدُ عَلى تَرْكِهِ“ .
والإخْبارُ عَنْهم بِهَذِهِ الأخْبارِ جاءَ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ؛ شُبِّهُوا في انْعِدامِ آثارِ الإحْساسِ مِنهم بِالصُّمِّ البُكْمِ العُمْيِ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمُ اجْتَمَعَتْ لَهُ الصِّفاتُ الثَّلاثُ وذَلِكَ شَأْنُ الأخْبارِ الوارِدَةِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ بَعْدَ مُبْتَدَأٍ هو اسْمٌ دالٌّ عَلى جَمْعٍ، فالمَعْنى كُلُّ واحِدٍ مِنهم كالأصَمِّ الأبْكَمِ الأعْمى ولَيْسَ المَعْنى عَلى التَّوْزِيعِ، فَلا يُفْهَمُ أنَّ بَعْضَهم كالأصَمِّ وبَعْضَهم كالأبْكَمِ وبَعْضَهم كالأعْمى، ولَيْسَ هو مِنَ الِاسْتِعارَةِ عِنْدَ مُحَقِّقِي أهْلِ البَيانِ.
قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: فَإنْ قُلْتَ: هَلْ يُسَمّى ما في الآيَةِ اسْتِعارَةٌ قُلْتُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، والمُحَقِّقُونَ عَلى تَسْمِيَتِهِ تَشْبِيهًا بَلِيغًا لا اسْتِعارَةً لِأنَّ المُسْتَعارَ لَهُ مَذْكُورٌ وهُمُ المُنافِقُونَ. اهـ أيْ لِأنَّ الِاسْتِعارَةَ تَعْتَمِدُ عَلى لَفْظِ المُسْتَعارِ مِنهُ أوِ المُسْتَعارِ لَهُ في جُمْلَةِ الِاسْتِعارَةِ، فَمَتى ذُكِرا مَعًا فَهو تَشْبِيهٌ، ولا يَضُرُّ ذِكْرُ لَفْظِ المُسْتَعارِ لَهُ في غَيْرِ جُمْلَةِ الِاسْتِعارَةِ لِظُهُورِ أنَّهُ لَوْلا العِلْمُ بِالمُسْتَعارِ لَهُ في الكَلامِ لَما ظَهَرَتِ الِاسْتِعارَةُ، ولِذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ قَوْلَ ابْنِ العَمِيدِ:
قامَتْ تُظَلِّلُنِي مِنَ الشَّمْسِ ∗∗∗ نَفْسٌ أعَزُّ عَلَيَّ مِن نَفْسِي
قامَتْ تُظَلِّلُنِي ومِن عَجَبٍ ∗∗∗ شَمَّسٌ تُظَلِّلُنِي مِنَ الشَّمْسِ
أنَّ قَوْلَهُ: ”شَمْسٌ“ اسْتِعارَةٌ ولَمْ يَمْنَعْهم مِن ذَلِكَ ذِكْرُ المُسْتَعارِ لَهُ قَبْلُ في قَوْلِهِ: نَفْسٌ أعَزُّ، وضَمِيرُها في قَوْلِهِ: قامَتْ تُظَلِّلُنِي، وكَذا إذا كانَ لَفْظُ المُسْتَعارِ غَيْرَ مَقْصُودِ ابْتِناءِ التَّشْبِيهِ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مانِعًا مِنَ الِاسْتِعارَةِ كَقَوْلِ أبِي الحَسَنِ ابْنِ طَباطَبا:
لا تَعْجَبُوا مِن بِلَي غَلالَتِهِ ∗∗∗ قَدْ زَرَّ أزْرارَهُ عَلى القَمَرِ
فَإنَّ الضَّمِيرَ لَمْ يُذْكَرْ لِيُبْنى عَلَيْهِ التَّشْبِيهُ، بَلْ جاءَ التَّشْبِيهُ عَقِبَهُ.
والصُّمُّ والبُكْمُ والعُمْيُ جَمْعُ أصَمَّ وأعْمى وأبْكَمَ وهم مَنِ اتَّصَفَ بِالصَّمَمِ والبَكَمِ والعَمى. فالصَّمَمُ انْعِدامُ إحْساسِ السَّمْعِ عَمَّنْ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ سَمِيعًا، والبَكَمُ انْعِدامُ النُّطْقِ عَمَّنْ مِن شَأْنِهِ النُّطْقُ، والعَمى انْعِدامُ البَصَرِ عَمَّنْ مِن شَأْنِهِ الإبْصارُ.
وقَوْلُهُ ﴿فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ لِأنَّ مَنِ اعْتَراهُ هَذِهِ الصِّفاتُ انْعَدَمَ مِنهُ الفَهْمُ والإفْهامُ وتَعَذَّرَ طَمَعُ رُجُوعِهِ إلى رُشْدٍ أوْ صَوابٍ.
والرُّجُوعُ الِانْصِرافُ مِن مَكانِ حُلُولٍ ثانٍ إلى مَكانِ حُلُولٍ أوَّلٍ وهو هُنا مَجازٌ في الإقْلاعِ عَنِ الكُفْرِ.
الدر المصون — السمين الحلبي
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
﴿صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡیࣱ فَهُمۡ لَا یَرۡجِعُونَ﴾ [البقرة ١٨]
الجمهورُ على رَفْعِها على أنها خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ، ويَجيء فيه الخلافُ المشهورُ في تعدُّدِ الخبرِ، فَمَنْ أجازَ ذلك حَمَلَ الآيةَ عليه من غير تأويلٍ، ومَنْ مَنَعَ ذلك قال: هذه الأخبارُ وإن تعدَّدَتْ لفظاً فهي متَّحِدَةٌ معنًى، لأنَّ المعنى: هم غيرُ قائلين للحقِّ بسبب عَماهم وصَمَمِهم، فيكون من باب: «هذا حُلوٌ حامِضٌ» أي مُزٌّ، و «هو أَعْسَرُ يَسَرٌ» أي أَضْبَطُ، وقول الشاعر:
223 - ينامُ بإحدى مُقْلَتَيْهِ ويتَّقي ... بأخرى المَنايا فهو يَقْظانُ هاجِعُ
أي: متحرِّزٌ، أو يقدَّر لكلِّ خبرٍ مبتدأً تقديرُه: هم صُمٌّ، هم بُكْم، هم عُمْي، والمعنى على أنهم جامعون لهذه الأوصافِ الثلاثة، ولولا ذلك لجاز أن تكونَ هذه الآيةُ من باب ما تعدَّدَ فيه الخبرُ لِتعدُّدِ المبتدأ، نحو قولِك: الزيدونَ فقهاءُ شعراءُ كاتبون، فإنه يَحْتمل أن يكونَ المعنى أن بعضَهم فقهاءُ، وبعضَهم شعراء وبعضَهم كاتبون، وأنَّهم ليسوا جامعين لهذه الأوصاف الثلاثة، بل بعضُهم اختصَّ بالفقه، والبعضُ الآخر بالشعرِ، والآخرُ بالكتابة.
وقُرئ بنصبها، وفيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه حالٌ، وفيه قولان، أحدُهما: هو حالٌ من الضميرِ المنصوبِ في «تَرَكَهم» ، والثاني من المرفوع في «لا يُبْصرون» . والثاني: النَصبُ على الذَمِّ، كقولِه: {حَمَّالَةَ الحطب} [المسد: 4] . وقول الآخر:
224 - سَقَوْني النَّسْءَ ثم تَكَنَّفوني ... عُدَاةَ اللهِ مِنْ كَذِبٍ وزُورِ
أي: أَذُمُّ عُداةَ اللهِ. الثالث: أن يكونَ منصوباً بتَرَكَ أي: تَرَكهم صُمَّاً بُكْماً عُمْياً.
والصَّمَمُ داءٌ يمنعُ من السَّماع، وأصلُه من الصَّلابة، يقال: «قناةٌ صَمَّاء» أي صُلبة، وقيل: أصلُه من الانسدادِ، ومنه: صَمَمْتُ القارورةَ أي: سَدَدْتُها. والبَكَم داءٌ يمنع الكلامَ، وقيل: هو عدمُ الفَهْمِ، وقيل: الأبكم مَنْ وُلِد أخرسَ.
وقولُه: {فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} جملةٌ خبريةٌ معطوفةٌ على الجملةِ الخبريةِ قبلها، وقيل: بل الأُولى دعاءٌ عليهم بالصَّمَم، ولا حاجةَ إلى ذلك. وقال أبو البقاء: «وقيل: فهم لا يَرْجِعُون حالٌ، وهو خطأٌ، لأن الفاء تُرَتِّبُ، والأحوالُ لا ترتيبَ فيها» . و «رَجَعَ» يكونُ قاصراً ومتعدياً باعتبَارَيْنِ، وهُذَيْل تقول: أَرْجَعَهُ غيرُهُ فإذا كان بمعنى «عاد» كان لازماً، وإذا كان بمعنى أعاد كان متعدياً، والآية الكريمةُ تحتمل التقديرينِ، فإنْ جَعَلْنَاه متعدياً فالمفعولُ محذوفٌ، تقديرُهُ: لاَ يَرْجِعُون جواباً، مثلُ قوله: {إِنَّهُ على رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} [الطارق: 8] . وَزَعَمَ بعضُهم أنه يُضَمَّن معنى صار، فيرفعُ الاسم وينصِبُ الخبر، وجَعَل منه قولَه عليه السلام: «لا تَرْجِعوا بعدي كُفَّاراً يضربُ بعضُكم رِقابَ بعض» ، ومَنْ مَنَعَ جريانِهِ مَجْرى «صار» جَعَلَ المنصوبَ حالاً.
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني
صمم
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
صمم
الصَّمَمُ: فقدانُ حاسّة السّمع، وبه يوصف من لا يُصغِي إلى الحقّ ولا يقبله. قال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة : 18] ، وقال: ﴿صُمًّا وَعُمْياناً﴾ [الفرقان : 73] ، ﴿وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ﴾ [هود : 24] ، وقال: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾ [المائدة : 71] ، وشبّه ما لا صوت له به، ولذلك قيل: صَمَّتْ حَصَاةٌ بِدَمٍ(١) ، أي: كثر الدّم حتى لو ألقي فيه حصاة لم تسمع لها حركة، وضربة صِمَّاءُ. ومنه: الصِّمَّةُ للشّجاع الذي يُصِمُّ بالضّربة، وصَمَمْتُ القارورةَ: شددت فاها تشبيها بالأَصَمِّ الذي شدّ أذنه، وصَمَّمَ في الأمر: مضى فيه غير مصغ إلى من يردعه، كأنه أَصَمُّ، والصَّمَّانُ: أرض غليظة، واشتمالُ الصَّمَّاءِ: ما لا يبدو منه شيءٌ.
(١) انظر الأمثال ص 346، ومجمع الأمثال 1/ 393، والمستقصى 2/ 142.
بكم
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
بكم
قال عزّ وجلّ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ [البقرة : 18] ، جمع أَبْكَم، وهو الذي يولد أخرس، فكلّ أبكم أخرس، وليس كل أخرس أبكم، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ [النحل : 76] ، ويقال: بَكِمَ عن الكلام: إذا ضعف عنه لضعف عقله، فصار كالأبكم.
عمى
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
عمى
العَمَى يقال في افتقاد البصر والبصيرة، ويقال في الأوّل: أَعْمَى، وفي الثاني: أَعْمَى وعَمٍ، وعلى الأوّل قوله: ﴿أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى﴾ [عبس : 2] ، وعلى الثاني ما ورد من ذمّ العَمَى في القرآن نحو قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة : 18] ، وقوله: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ [المائدة : 71] ، بل لم يعدّ افتقاد البصر في جنب افتقاد البصيرة عَمًى حتى قال: ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج : 46] ، وعلى هذا قوله: ﴿الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ [الكهف : 101] ، وقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ﴾ [الفتح : 17] ، وجمع أَعْمَى عُمْيٌ وعُمْيَانٌ. قال تعالى: ﴿بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة : 171] ، ﴿صُمًّا وَعُمْياناً﴾ [الفرقان : 73] ، وقوله: ﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء : 72] ، فالأوّل اسم الفاعل، والثاني قيل: هو مثله، وقيل: هو أفعل من كذا، الذي للتّفضيل لأنّ ذلك من فقدان البصيرة، ويصحّ أن يقال فيه: ما أفعله، وهو أفعل من كذا، ومنهم من حمل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى﴾ [الإسراء : 72] ، على عمى البصيرة والثاني على عمى البصر، وإلى هذا ذهب أبو عمرو(١) ، فأمال الأولى لمّا كان من عمى القلب، وترك الإمالة في الثاني لما كان اسما، والاسم أبعد من الإمالة.
قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت : 44] ، ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ﴾ [الأعراف : 64] ، وقوله: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى﴾ [طه : 124] ، ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا﴾ [الإسراء : 97] ، فيحتمل لعمى البصر والبصيرة جميعا. وَعَمِيَ عليه، أي: اشتبه حتى صار بالإضافة إليه كالأعمى قال: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ﴾ [القصص : 66] ، ﴿وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ [هود : 28] .
والعَمَاءُ: السّحاب، والعَمَاءُ: الجهالة، وعلى الثاني حمل بعضهم ما روي أنه [قيل: أين كان ربّنا قبل أن خلق السماء والأرض؟ قال: في عماء تحته عماء وفوقه عماء](٢) ، قال: إنّ ذلك إشارة إلى أنّ تلك حالة تجهل، ولا يمكن الوقوف عليها، والعَمِيَّةُ: الجهل، والْمَعَامِي: الأغفال من الأرض التي لا أثر بها.
(١) هو أبو عمرو بن العلاء توفي سنة 154. انظر: ترجمته في بغية الوعاة 2/ 231، وانظر: قول أبي عمرو هذا في البصائر 4/ 103.
قال الدمياطي: وقرأ أبو عمرو بإمالة الأول محضة بكونه ليس أفعل تفضيل، وفتح الثاني لأنه للتفضيل، ولذا عطف عليه: و (أضلّ) . انظر: الإتحاف ص 285.
وهو عكس ما قاله الراغب.
(٢) الحديث عن أبي رزين العقيلي قال: قلت: يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: «كان في عماء ما تحته هواء، وما فوقه هواء، وخلق عرشه على الماء» . أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن، وقال ابن العربي: قد رويناه من طرقه، وهو صحيح سندا ومتنا.
انظر: عارضة الأحوذي 11/ 273، وأخرجه أحمد في المسند 4/ 11، وابن ماجة 1/ 64.
رجع
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
رجع
الرُّجُوعُ: العود إلى ما كان منه البدء، أو تقدير البدء مكانا كان أو فعلا، أو قولا، وبذاته كان رجوعه، أو بجزء من أجزائه، أو بفعل من أفعاله. فَالرُّجُوعُ: العود، والرَّجْعُ: الإعادة، والرَّجْعَةُ والرِّجْعَةُ في الطّلاق، وفي العود إلى الدّنيا بعد الممات، ويقال: فلان يؤمن بِالرَّجْعَةِ.
والرِّجَاعُ: مختصّ برجوع الطّير بعد قطاعها(١) .
فمن الرّجوع قوله تعالى: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [المنافقون : 8] ، ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ﴾ [يوسف : 63] ، ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف : 150] ، ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ [النور : 28] ، ويقال: رَجَعْتُ عن كذا رَجْعاً، ورَجَعْتُ الجواب(٢) نحو قوله: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة : 83] ، وقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ [المائدة : 48] ، وقوله: ﴿إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ [العلق : 8] ، وقوله تعالى: ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ [الأنعام : 164] ، يصحّ أن يكون من الرُّجُوعِ، كقوله: ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(٣) ، ويصحّ أن يكون من الرّجع، كقوله: ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(٤) ، وقد قرئ: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ(٥) بفتح التّاء وضمّها، وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف : 168] ، أي: يرجعون عن الذّنب، وقوله: ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء : 95] ، أي: حرّمنا عليهم أن يتوبوا ويرجعوا عن الذّنب، تنبيها أنه لا توبة بعد الموت كما قال: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً﴾ [الحديد : 13] ، وقوله: ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل : 35] ، فمن الرّجوع، أو من رجع الجواب، كقوله: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ [سبأ : 31] ، وقوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل : 28] ، فمن رجع الجواب لا غير، وكذا قوله: ﴿فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل : 35] ، وقوله: ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق : 11] ، أي: المطر(٦) ، وسمّي رجعا لردّ الهواء ما تناوله من الماء، وسمي الغدير رَجْعاً إمّا لتسميته بالمطر الذي فيه، وإمّا لِتَرَاجُعِ أمواجه وتردّده في مكانه. ويقال: ليس لكلامه مَرْجُوعٌ، أي: جواب. ودابة لها مرجوع: يمكن بيعها بعد الاستعمال، وناقة رَاجِعٌ: تردّ ماء الفحل فلا تقبله، وأَرْجَعَ يده إلى سيفه ليستلّه، والارْتِجَاعُ: الاسترداد، وارْتَجَعَ إبلا إذا باع الذّكور واشترى إناثا، فاعتبر فيه معنى الرّجع تقديرا، وإن لم يحصل فيه ذلك عينا، واسْتَرْجَعَ فلان إذا قال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون. والتَّرْجِيعُ: ترديد الصّوت باللّحن في القراءة وفي الغناء، وتكرير قول مرّتين فصاعدا، ومنه: التَّرْجِيعُ في الأذان(٧) . والرَّجِيعُ: كناية عن أذى البطن للإنسان والدّابّة، وهو من الرُّجُوعِ، ويكون بمعنى الفاعل، أو من الرَّجْعِ ويكون بمعنى المفعول، وجبّة رَجِيعٌ، أعيدت بعد نقضها، ومن الدابّة: ما رَجَعْتَهُ من سفر إلى سفر(٨) ، والأنثى رَجِيعَةٌ. وقد يقال: دابّة رَجِيعٌ، ورجْعُ سفر: كناية عن النّضو(٩) ، والرَّجِيعُ من الكلام: المردود إلى صاحبه أو المكرّر.
(١) انظر: المجمل 2/ 422.
(٢) قال ابن منظور: ورجعان الكتاب: جوابه، يقال: رجع إليّ الجواب يرجع رجعا ورجعانا. انظر: اللسان (رجع) .
(٣) سورة البقرة: آية 28، وهي قراءة يعقوب، وما جاء منه إذا كان من رجوع الآخرة بفتح حروف المضارعة وكسر الجيم. راجع: إرشاد المبتدي وتذكرة المنتهي ص 215.
(٤) وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وعاصم وأبي جعفر. انظر: الإتحاف ص 131، والآية رقمها 281 من سورة البقرة.
(٥) سورة البقرة: آية 281.
قرأ تُرْجَعُونَ يعقوب وأبو عمرو، والباقون ترجعون انظر: إرشاد المبتدي ص 215، والإتحاف ص 131.
(٦) قال ابن عباس في الآية: المطر بعد المطر. انظر: الدر المنثور 8/ 476.
(٧) قيل: هو تقارب ضروب الحركات في الصوت، وقد حكى عبد الله بن المغفّل ترجيعه بمدّ الصوت في القراءة، نحو آء آء آء. انظر: اللسان (رجع) ، والنهاية 2/ 202، ومعالم السنن 1/ 153.
(٨) قال ابن فارس: والرّجيع من الدواب: ما رجعته من سفر إلى سفر. انظر: المجمل 2/ 422.
(٩) النّضو: البعير المهزول.