التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المجمل

المجمَل:

قال أبو إسحاق الشيرازي: "المجمَل: هو ما لا يعقل معناه من لفظه ويفتقر في معرفة المراد إلى غيره" .

وقال إمام الحرمين الجويني: "المجمَل في اصطلاح الأصوليين: هو المبهم، والمبهم هو الذي لا يعقل معناه، ولا يدرك منه مقصود اللافظ ومبتغاه".

وأتى الآمدي ببعض التعريفات لأبي الحسين البصري وغيره وردها ثم رأى أن" الحق أن يقال: بأن المجمَل هو ما له دلالة على أحد أمرين، لا مزية لأحدهما على الآخر بالنسبة إليه".

أما ابن الحاجب: فقد ذكر أن" المجمَل هو ما لم تتضح دلالته".

ما نراه في هذه التعريفات أن مآل هذه التعريفات واحد تقريبًا؛ فكلها تقوم على أن اللفظ لم يكن واضحًا في الدلالة على المعنى المراد. وقد جاء ابن الحاجب بما أدّى الغرض مما أراده هؤلاء العلماء في تعريف المجمَل.

لذا فمن الممكن أن نعرّفه بأنه" اللفظ الذي دلّ على المعنى المراد دلالة غير واضحة" وإنما قلنا ذلك؛ لأن الدلالة واقعة، فهو لفظ له دلالة وإن كان مجملًا، ولكنها دلالة غير متضحة، لما يكتنفه من الغموض بما تسبب عنه الإجمال .

والمجمل عند السلف هو:" ما لا يكفي وحده في العمل"، كقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) ، فإن المأمور به صدقة تكون مطهرة مزكية لهم، وهذا إنما يعرف ببيان الرسول - صلى الله عليه وسلم.

والمجمل في اصطلاح الأصوليين هو: "ما احتمل معنيين أو أكثر من غير ترجح لواحد منهما أو منها على غيره". 

مثال المجمل: القرء إذ هو متردد بين الحيض والطهر. 

حكم المجمل:

حكمه التوقف فيه حتى يتبين المراد منه، فلا يجوز العمل بأحد احتمالاته إلا بدليل خارجي صحيح، فهو محتاج إلى البيان .

وفي ضوء تعريف المجمَل، وما يذكره العلماء من موجَبه وموارده: يمكن أن نقرر أن حكم المجمَل هو: اعتقادُ حقية المراد منه، وعدمُ العمل به حتى يرد بيان المراد منه، وطلبُ البيان من المُجْمِل واستفساره ليبيّنه.

قال شمس الأئمة السرخسي في ذلك: "وحكمه - يعني المجمَل - اعتقاد الحقية فيما هو المراد، والتوقف فيه إلى أن يتبين بيان المُجْمِل، ثم استفسارُه ليبينه" .

أما السعد التفتازاني: فلم يعرض لمسألة اعتقاد الحقية والتوقف فيما هو المراد، وكأنه اعتبرهما من المسلّمات، واكتفى بذكر الاستفسار، وطلب البيان فقال:" وحكم المجمَل الاستفسار وطلب البيان من المجمِل"

المجمل واقع في الكتاب والسنة، فمنه ما يقع في حرف، نحو الواو في قوله تعالى: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) ، فإنه يحتمل أن تكون عاطفة أو مستأنفة، ويقع في اسم، وفي غير ذلك.

قد يكون اللفظ مجملاً من وجه، واضحًا من وجه آخر، كقوله تعالى: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ). فإنه واضح في إيتاء الحق، مجمل في مقداره لاحتماله النصف أو أقل أو أكثر.

البيان:

وفي هذه المسألة ثلاث أبحاث:

معنى البيان، طرق البيان، حكم تأخير البيان عن وقت الحاجة.

معنى البيان:

البيان: هو المبين. ويطلق على ما حصل به التبيين: وهو الدليل، والمراد به: كل ما يزيل الإشكال، فيدخل فيه التقييد، والتخصيص، والنسخ، والتأويل. ويطلق البيان على كل إيضاح، سواء تقدمه خفاء وإجمال أم لا؛ فالبيان تارة يكون ابتداء، ويكون تارة بعد إجمال.

طرق البيان:

يحصل البيان بقول من الله سبحانه أو من رسوله - صلى الله عليه وسلم. ويحصل بفعله - صلى الله عليه وسلم - وبكتابته، وإشارته، وإقراره، وسكوته، وتركه.

والقاعدة الكلية فيما يحصل به البيان:أنه يحصل بكل مقيد من جهة الشرع، فتتناول القاعدة ما سبق ذكره من طرق البيان وغيره، وذلك من وجوه:

منها: الترك. مثل أن يترك - صلى الله عليه وسلم - فعلاً قد أمر به، أو قد سبق منه فعله فيكون تركه له مبينًا لعدم وجوبه، كصلاته - صلى الله عليه وسلم - التراويح جماعة في رمضان، ثم إنه تركها خشية أن تفرض عليهم؛ فدل على عدم وجوبها.

ويتعلق بطرق البيان أمران:

الأمر الأول: يجوز أن يكون البيان أضعف رتبة لا دلالة من المبين، فيجوز بيان المتواتر بالآحاد.

الأمر الثاني: لا يشترط في البيان أن يعلمه جميع المكلفين الموجودين في وقته، بل يجوز أن يجهله بعضهم.

حكم تأخير البيان عن وقت الحاجة:

لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأن ذلك يؤدي إلى التكليف بما لا يطاق وهو ممتنع شرعًا. هذا مذهب العلماء، وجوزه من أجاء التكليف بالمحال إلا أنه وافق على عدم وقوعه.

أما تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة فهو جائز وواقع عند الجمهور.

ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: (فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ)، و «ثم» للتراخي، فدلت على تراخي البيان عن وقت الخطاب.

وكذلك فإن كثيرًا من النصوص العامة ورد تخصيصها بعدها.

إذا علم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز فلا بد أن يفهم هذا على وجهه الصحيح، إذ إن الحاجة قد تدعو إلى تعجيل بيان الواجبات والمحرمات من العقائد والأعمال، وقد تدعو الحاجة إلى تأخير هذا البيان.

ومن الأمثلة على مشروعية تأخير البيان لأجل الحاجة:

١- أن المبلغ لا يمكنه أن يخاطب الناس جميعًا ابتداء، فعليه أن يبلغ من يستطيع تبليغه.

٢- أن المبلغ لا يمكنه مخاطبة الناس بجميع الواجبات جملة، بل يبلغ بحسب الطاقة والإمكان على سبيل التدريج، فيبدأ بالأهم ويؤخر غيره. وكذلك إذا ضاق عليه الوقت.

وهذا التأخير في البيان لبعض الواجبات لا ينفي قيام الحاجة التي هي سبب وجوب البيان، بل الحاجة قائمة إلا أن حصول الوجوب والعقاب على الترك ممتنع لوجود المزاحم الموجب للعجز. وهذا كالدين على المعسر، أو كالجمعة على المعذور.

٣- أن يكون في الإمهال وتأخير البيان من المصلحة ما ليس في المبادرة؛ إذ البيان إنما يجب على الوجه الذي يحصل به المقصود.

فيكون تأخير البيان هو البيان المأمور به، ويكون هو الواجب أو المستحب، مثل: تأخير النبي - صلى الله عليه وسلم - البيان للأعرابي المسيء صلاته إلى المرة الثالثة.

وإنما يجب التعجيل إذا خيف الفوت بأن يترك الواجب المؤقت حتى يخرج عن وقته ونحو ذلك.

فائدة:

أ- كل ما وجب بيانه فالتعريض فيه حرام؛ لأنه كتمان وتدليس، ويدخل في هذا: الإقرار بالحق، والشهادة، والفتيا، والحديث، والقضاء.

ب- وكل ما حرم بيانه فالتعريض فيه جائز بل واجب إذا أمكن ووجب الخطاب.

جـ- وإن جاز بيانه وكتمانه: فحيث كانت المصلحة في كتمانه فالتعريض فيه مستحب، وحيث كانت المصلحة في إظهاره وبيانه فالتعريض مكروه والإظهار مستحب.

وإن تساوت المصلحة في كتمانه وإظهاره جاز التعريض والتصريح.


أنواع المجمَل:

لقد كان من نتيجة استقراء العلماء لموارد المجمَل، أن ردوها إلى أسباب ثلاثة:

الأول: نقل اللفظ من معناه الظاهر في اللغة، إلى معنًى شرعي جديد.

الثاني: تزاحم المعاني، وانسداد باب ترجيح واحد منها على غيره.

الثالث: غرابة اللفظ.

وتبعًا لهذه الأسباب في موارد الإجمال، كان المجمَل على ثلاثة أنواع، وفيما يلي بيان ذلك:

النوع الأول: هو ما كان إجماله بسبب نقل اللفظ من معناه اللغوي الظاهر، إلى معنًى خاص غيرِ معلوم أراده الشارع من جديد. 

وهذا في نظرنا أغزر أنواع المجمل وجودًا؛ فكثير من المسميات أعطاها الشارع بعد الإسلام معنًى جديدًا وفقَ منهج الشريعة الجديدة؛ وذلك كالصلاة، والزكاة، وغيرهما من الألفاظ التي لها في العربية قبل الوضع الشرعي مدلول معين، وجاء الإسلام فأعطاها مدلولًا جديدًا خاصًّا، كساها نوعًا من الإجمال، ما كان من الممكن بيانه وتفصيله بالبحث أو الاجتهاد، وإنما تكفلت ببيانه السنّة القولية أو الفعلية  (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)

فالصلاة في اللغة - على ما يقوله جماهير أهل اللغة والفقه - الدعاء. وجاء الإسلام فأطلقها على العبادة المخصوصة، وإن كانت الصلة لم تنقطع بين المعنى اللغوي - وهو الدعاء - وبين المعنى الجديد.وأشار القرآن إلى كيفية الصلاة إجمالًا، فجاء في ذلك قول الله جلّ ذكره: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا). وكان لا بد من البيان: والذي أجمل هو الذي يبين. وما أجمله الله في كتابه شاء أن يكون بيانه من نبيه محمد ﵊ فتكفلت السنّة قولًا وعملًا ببيان ما تدعو الحاجة إلى بيانه، من عدد ما فرض من الصلوات، ومواقيتها، وعدد ركعاتها، وشروطها وواجباتها، وسننها … ليقوم بها المكلَّف فيكون مؤديًا ممتثلًا، خارجًا من العهدة.

أما الزكاة: فهي في اللغة النماء، يقال: زرع زاكٍ ومال زاكٍ: أي نامٍ بيّن الزكاء. وقد زكا الزرع، وزكت الأرض، وأزكت.

وترد أيضًا بمعنى التطهير ومنه قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) وجاء الإسلام ليعطي للزكاة معنًى جديدًا خاصًّا وهو: إعطاء جزء من النصاب إلى فقير ونحوه، غير متصف بمانع شرعي يمنع من الصرف إليه.

وكما تطلق الزكاة على الإعطاء المذكور: تطلق على الطائفة من المال المزكَّى بها، فهي من الأسماء المشتركة بين المال المُخرَج والفعل. وهذا لا يمنع أن الصلة واضحة بين المعنى اللغوي، والمعنى الجديد الذي أراده الشارع.

وقد ذكر العلماء أن الزكاة تطلق في الشرع بالاعتبارين معًا، وهما: النماء، والتطهير.إذا كان القرآن قد جاء بذلك كله، إنه لم يبين بالتفصيل حد المكلَّف بالزكاة، وما هو النصاب الذي تجب فيه الزكاة، ولا المقدار الواجب دفعه، وما هي مواقيتها وعددها. حتى جاءت السنّة بالبيان لكل ذلك.

وقد روى العلماء في تفصيل ما أجمله الكتاب عددًا من الأحاديث الصحيحة مما كتبه رسول الله ﷺ إلى عمَّاله على الصدقات، أو مما حدَّث به أصحابه.

مدى بيان السنّة للمجمل من الأحكام:

وبعد أن اقتصرنا في التمثيل على ذكر الصلاة، والزكاة، رغبة في البُعد عن التطويل، تجدر الإشارة إلى أن كثيرًا من نصوص الكتاب المتعلقة بالأحكام التكليفية، قد جاءت في إطار مجمل، وما لم يبيّنه نص قرآني آخر، بيّنته السنّة وفصّلت أحكامه.

وهذا يشمل - فيما يشمل - أحكام العبادات، والمعاملات، والجنايات، ونظام البيوت، وأحكام الجهاد والسِّير؛ من حرب وسلم، وعلاقات دولية، إلى غير ذلك من الأحكام، مما يرى مبثوثًا في مظانه من كتب الأصول والفروع.

فالحج مثلًا: ورد مجملًا مفروضًا على من يجد السبيل وذلك بقوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) فبيّنت السنّة السبيل، وأنه الزاد والراحلة. كما أخبر الرسول الكريم بمواقيت الحج وأعماله، ومراتب تلك الأعمال وما سوى ذلك …

وقال ﵊ فيما رواه مسلم عن جابر: "لتأخذوا عني مناسككم" وفي حجته ﵇ التي روى حديثها مسلم وأبو داود خير تفصيل وأفضل بيان 

النوع الثاني من أنواع المجمَل: هو ما يكون إجماله بسبب تعدد المعاني المتساوية وتزاحمها على اللفظ، وانتفاء القرينة التي ترجح أحد هذه المعاني.

وذلك كالمشترك الذي انسدّ باب الترجيح فيه علمًا بأن اللفظ في المشترك موضوع لأكثر من معنى؛ كما في لفظ (عين) مثلًا الموضوعة للباصرة وللعين الجارية … إلخ 

هذا النوع من المجمَل، الذي يقوم على تساوي المعاني وانسداد باب الترجيح: لا مكان له في نصوص الأحكام من كتاب الله، أو سنة رسوله المبيِّنة عن الله ما أراد فكثير من المسائل التي تبدو مستعصية أو مثار اختلاف عند الاستنباط، يمكن أن يتبين وجه الحق فيها - ولو بغلبة الظن - عن طريق الإحاطة بما يتعلق بها من السنة، التي أدّت وظيفة البيان.

على أن البيان كما - أسلفنا - قد يكون شافيًا، فيصبح النص مفسَّرًا غنيًا عن أي إيضاح، فلا حاجة تدعو إلى أي تأمُّل أو اجتهاد. وقد لا يكون شافيًا، فيصبح المجمَل مشكلًا

وعندها نكون أمام غموض نسبي مرده دخول اللفظ في أشكاله واختلاف وجهات النظر عند المستنبطين. ويمكن الكشف عن هذا الغموض بالبحث والاجتهاد، والاستعانة بالقرائن التي تؤدي إلى ترجيح معنى من المعاني المرادة من ذلك النص.

وفي هذه الحال وأمثالها: حسبُ الباحث ما آل إليه الأمر من زوال الخفاء الذي يتسم به المجمَل، والذي لا ينكشف إلا ببيان من قبل المجمِل نفسه، والانتقالُ إلى خفاء نسبي يمكن أن يزول بالبحث والتأمُّل.

والنتيجة التي يمكن أن نخلص إليها هي: أنه سواء أكان البيان شافيًا، أم غير شاف: فهذا لا يتعارض مع المقرر المتفق عليه، بأن السنن - قوليةً وعمليةً وتقريرية - قد استوفت وظيفة البيان للكتاب، بحيث لا يبقى مجال للقول بوجود مشترك مثلًا قد انسدّ باب الترجيح فيه، الأمر الذي يدعو إلى وقف العمل به.

النوع الثالث من أنواع المجمَل: هو ما يكون إجماله ناشئًا عن غرابة اللفظ في المعنى الذي استعمل فيه.

مثال ذلك من الكتاب لفظ "الهَلوع" في قوله تعالى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا). فإن المراد به الحريص الجزوع؛ من الهلع: وهو الحرص، أو الجزع وقلة الصبر. قال الزمخشري: (الهلع: سرعة الجزع عند مس المكروه، وسرعة المنع عند مسِّ الخير، من قولهم: ناقة هلواع: سريعة السير).

المصدر

محمد أديب الصالح "تفسير النصوص في الفقه الإسلامي" 
محمد حسين الجيزاني "معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة"