تفسير قول الله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ). سورة البقرة، الآية: ١١
التحرير والتنوير - ابن عاشور
التحرير والتنوير - ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ يَظْهَرُ لِي أنَّ جُمْلَةَ وإذا قِيلَ لَهم عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ إخْبارٌ عَنْ بَعْضِ عَجِيبِ أحْوالِهِمْ، ومِن تِلْكَ الأحْوالِ أنَّهم قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ في حِينِ أنَّهم مُفْسِدُونَ فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى أقْرَبِ الجُمَلِ المُلِظَّةِ لِأحْوالِهِمْ وإنْ كانَ ذَلِكَ آيِلًا في المَعْنى إلى كَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى الصِّلَةِ في قَوْلِهِ ﴿مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] و”إذا“ هُنا لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ ولَيْسَتْ مُتَضَمِّنَةً مَعْنى الشَّرْطِ كَما أنَّها هُنا لِلْماضِي ولَيْسَتْ لِلْمُسْتَقْبَلِ وذَلِكَ كَثِيرٌ فِيها كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] الآيَةَ.
ومِن نُكَتِ القُرْآنِ المَغْفُولِ عَنْها تَقْيِيدُ هَذا الفِعْلِ بِالظَّرْفِ فَإنَّ الَّذِي يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ أنَّ مَحَلَّ المَذَمَّةِ هو أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ مَعَ كَوْنِهِمْ مُفْسِدِينَ، ولَكِنْ عِنْدَ التَّأمُّلِ يَظْهَرُ أنَّ هَذا القَوْلَ يَكُونُ قائِلُوهُ أجْدَرَ بِالمَذَمَّةِ حِينَ يَقُولُونَهُ في جَوابِ مَن يَقُولُ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ فَإنَّ هَذا الجَوابَ الصّادِرَ مِنَ المُفْسِدِينَ لا يَنْشَأُ إلّا عَنْ مَرَضِ القَلْبِ وأفَنِ الرَّأْيِ، لِأنَّ شَأْنَ الفَسادِ أنْ لا يَخْفى ولَئِنْ خَفِيَ فالتَّصْمِيمُ عَلَيْهِ واعْتِقادُ أنَّهُ صَلاحٌ بَعْدَ الإيقاظِ إلَيْهِ والمَوْعِظَةِ، إفْراطٌ في الغَباوَةِ أوِ المُكابَرَةِ وجَهْلٌ فَوْقَ جَهْلٍ.
وعِنْدِي أنَّ هَذا هو المُقْتَضِي لِتَقْدِيمِ الظَّرْفِ عَلى جُمْلَةِ قالُوا. . .، لِأنَّهُ أهَمُّ إذْ هو مَحَلُّ التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ، ونُكَتُ الإعْجازِ لا تَتَناهى.
والقائِلُ لَهم ﴿لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ بَعْضُ مَن وقَفَ عَلى حالِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَهُمُ اطِّلاعٌ عَلى شُؤُونِهِمْ لِقَرابَةٍ أوْ صُحْبَةٍ، فَيُخْلِصُونَ لَهُمُ النَّصِيحَةَ والمَوْعِظَةَ رَجاءَ إيمانِهِمْ ويَسْتُرُونَ عَلَيْهِمْ خَشْيَةً عَلَيْهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ وعِلْمًا بِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ يُغْضِي عَنْ زَلّاتِهِمْ كَما أشارَ إلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ.
وفِي جَوابِهِمْ بِقَوْلِهِمْ ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ما يُفِيدُ أنَّ الَّذِينَ قالُوا لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ كانُوا جازِمِينَ بِأنَّهم مُفْسِدُونَ لِأنَّ ذَلِكَ مُقْتَضى حَرْفِ ”إنَّما“ كَما سَيَأْتِي ويَدُلُّ لِذَلِكَ عِنْدِي بِناءُ فِعْلِ قِيلَ لِلْمَجْهُولِ بِحَسَبِ ما يَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ [البقرة: ١٤] ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ القائِلُ لَهُمُ اللَّهُ والرَّسُولُ إذْ لَوْ نَزَلَ الوَحْيُ وبَلَّغَ إلى مُعَيَّنِينَ مِنهم لَعُلِمَ كُفْرُهم ولَوْ نَزَلَ مُجْمَلًا كَما تَنْزِلُ مَواعِظُ القُرْآنِ لَمْ يَسْتَقِمْ جَوابُهم بِقَوْلِهِمْ إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ.
وقَدْ عَنَّ لِي في بَيانِ إيقاعِهِمُ الفَسادَ أنَّهُ مَراتِبٌ: أوَّلُها إفْسادُهم أنْفُسَهم بِالإصْرارِ عَلى تِلْكَ الأدْواءِ القَلْبِيَّةِ الَّتِي أشَرْنا إلَيْها فِيما مَضى وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ المَذامِّ ويَتَوَلَّدُ مِنَ المَفاسِدِ.
الثّانِيَةُ: إفْسادُهُمُ النّاسَ بِبَثِّ تِلْكَ الصِّفاتِ، والدَّعْوَةِ إلَيْها، وإفْسادُهم أبْناءَهم وعِيالَهم في اقْتِدائِهِمْ بِهِمْ في مَساوِيهِمْ كَما قالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ [نوح: ٢٧] الثّالِثَةُ: إفْسادُهم بِالأفْعالِ الَّتِي يَنْشَأُ عَنْها فَسادُ المُجْتَمَعِ، كَإلْقاءِ النَّمِيمَةِ والعَداوَةِ وتَسْعِيرِ الفِتَنِ وتَأْلِيبِ الأحْزابِ عَلى المُسْلِمِينَ وإحْداثِ العَقَباتِ في طَرِيقِ المُصْلِحِينَ.
والإفْسادُ فِعْلُ ما بِهِ الفَسادُ والهَمْزَةُ فِيهِ لِلْجَعْلِ أيْ جَعْلِ الأشْياءِ فاسِدَةً في الأرْضِ.
والفَسادُ أصْلُهُ اسْتِحالَةُ مَنفَعَةِ الشَّيْءِ النّافِعِ إلى مَضَرَّةٍ بِهِ أوْ بِغَيْرِهِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى وُجُودِ الشَّيْءِ مُشْتَمِلًا عَلى مَضَرَّةٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَفْعٌ مِن قَبْلُ، يُقالُ: فَسَدَ الشَّيْءُ بَعْدَ أنْ كانَ صالِحًا ويُقالُ: فاسِدٌ إذا وُجِدَ فاسِدًا مِن أوَّلِ وهْلَةٍ، وكَذَلِكَ يُقالُ: أفْسَدَ إذا عَمَدَ إلى شَيْءٍ صالِحٍ فَأزالَ صَلاحَهُ، ويُقالُ: أفْسَدَ إذا أوْجَدَ فَسادًا مِن أوَّلِ الأمْرِ.
والأظْهَرُ أنَّ الفَسادَ مَوْضُوعٌ لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ مِنَ المَعْنَيَيْنِ ولَيْسَ مِنَ الوَضْعِ المُشْتَرَكِ، فَلَيْسَ إطْلاقُهُ عَلَيْهِما كَما هُنا مِن قَبِيلِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرِكِ في مَعْنَيَيْهِ.
فالإفْسادُ في الأرْضِ مِنهُ تَصْيِيرُ الأشْياءِ الصّالِحَةِ مُضِرَّةً كالغِشِّ في الأطْعِمَةِ، ومِنهُ إزالَةُ الأشْياءِ النّافِعَةِ كالحَرْقِ والقَتْلِ لِلْبَراءِ، ومِنهُ إفْسادُ الأنْظِمَةِ كالفِتَنِ والجَوْرِ، ومِنهُ إفْسادُ المَساعِي كَتَكْثِيرِ الجَهْلِ وتَعْلِيمِ الدَّعارَةِ وتَحْسِينِ الكُفْرِ ومُناوَأةِ الصّالِحِينَ المُصْلِحِينَ، ولَعَلَّ المُنافِقِينَ قَدْ أخَذُوا مِن ضُرُوبِ الإفْسادِ بِالجَمِيعِ، فَلِذَلِكَ حُذِفَ مُتَعَلِّقُ تُفْسِدُوا تَأْكِيدًا لِلْعُمُومِ المُسْتَفادِ مِن وُقُوعِ الفِعْلِ في حَيِّزِ النَّفْيِ.
وذِكْرُ المَحَلِّ الَّذِي أفْسَدُوا ما يَحْتَوِي عَلَيْهِ وهو الأرْضُ لِتَفْظِيعِ فَسادِهِمْ بِأنَّهُ مَبْثُوثٌ في هَذِهِ الأرْضِ لِأنَّ وُقُوعَهُ في رُقْعَةٍ مِنها تَشْوِيهٌ لِمَجْمُوعِها. والمُرادُ بِالأرْضِ هَذِهِ الكُرَةُ الأرْضِيَّةُ بِما تَحْتَوِي عَلَيْهِ مِنَ الأشْياءِ القابِلَةِ لِلْإفْسادِ مِنَ النّاسِ والحَيَوانِ والنَّباتِ وسائِرِ الأنْظِمَةِ والنَّوامِيسِ الَّتِي وضَعَها اللَّهُ تَعالى لَها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ جَوابٌ بِالنَّقْضِ فَإنَّ الإصْلاحَ ضِدُّ الإفْسادِ، أيْ جَعْلِ الشَّيْءِ صالِحًا، والصَّلاحُ ضِدُّ الفَسادِ يُقالُ: صَلَحَ بَعْدَ أنْ كانَ فاسِدًا، ويُقالُ: صَلَحَ بِمَعْنى وُجِدَ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ صالِحًا فَهو مَوْضُوعٌ لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ كَما قُلْنا. وجاءُوا بِإنَّما المُفِيدَةِ لِلْقَصْرِ بِاتِّفاقِ أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ والتَّفْسِيرِ ولا اعْتِدادَ بِمُخالِفِهِ شُذُوذًا في ذَلِكَ. وأفادَ إنَّما هُنا قَصْرَ المَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ رَدًّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ لَهم: لا تُفْسِدُوا، لِأنَّ القائِلَ أثْبَتَ لَهم وصْفَ الفَسادِ إمّا بِاعْتِقادِ أنَّهم لَيْسُوا مِنَ الصَّلاحِ في شَيْءٍ أوْ بِاعْتِقادِ أنَّهم قَدْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وفاسِدًا، فَرَدُّوا عَلَيْهِمْ بِقَصْرِ القَلْبِ، ولَيْسَ هو قَصْرًا حَقِيقِيًّا لِأنَّ قَصْرَ المَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ لا يَكُونُ حَقِيقِيًّا ولِأنَّ حَرْفَ إنَّما يَخْتَصُّ بِقَصْرِ القَلْبِ كَما في دَلائِلِ الإعْجازِ، واخْتِيرَ في كَلامِهِمْ حَرْفُ إنَّما لِأنَّهُ يُخاطَبُ بِهِ مُخاطَبٌ مُصِرٌّ عَلى الخَطَأِ كَما في دَلائِلِ الإعْجازِ وجُعِلَتْ جُمْلَةُ القَصْرِ اسْمِيَّةً لِتُفِيدَ أنَّهم جَعَلُوا اتِّصافَهم بِالإصْلاحِ أمْرًا ثابِتًا دائِمًا، إذْ مِن خُصُوصِيّاتِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ إفادَةُ الدَّوامِ.
الدر المصون - السمين الحلبي
الدر المصون للسمين الحلبي - السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض} : الآية. «إذا» ظرفُ زمنٍ مستقبل ويلزمُها معنى الشرطِ غالباً، ولا تكونُ إلا في الأمرِ المحقق أو المرجَّحِ وقوعُه فلذلك لم تَجْزم إلا في شعر لمخالفتِها أدواتِ الشَرط، فإنها للأمر المحتمل، ومن الجزم قولُه:
182 - تَرفعُ لي خِنْدِفٌ واللهُ يَرْفَعُ لي ... ناراً إذا خَمَدَتْ نيرانُهم تَقِدِ وقال آخر:
183 - واستَغْنِ ما أغناك ربُّك بالغِنى ... تُصِبْكَ خَصَاصةٌ فَتَجَمَّلِ
وقول الآخر:
184 - إذا قَصُرَتْ أسيافُنا كان وصلُها ... خُطانا إلى أعدائِنا فَنُضَارِبِ
فقوله: «فَنُضَارِبِ» مجزومٌ لعطفِه على محلِّ قولِه «كان وصلُها» . وقال الفرزدق:
185 - فقام أبو ليلى إليه ابنُ ظَالمٍ ... وكان إذا ما يَسْلُلِ السيفَ يَضْرِبِ
وقد تكونُ للزمنِ الماضي ك «إذ» ، كما قد تكون إذْ للمستقبل ك «إذا» ، وتكون للمفاجأة أيضاً، وهل هي حينئذٍ باقيةٌ على زمانيتها أو صارَتْ/ ظرفَ مكانٍ أو حرفاً؟ ثلاثةُ أقوال، أصحُّها الأولُ استصحاباً للحالِ، وهل تتصرَّف أم لا؟ الظاهرُ عدمُ تَصَرُّفِها، واستدلَّ مَنْ زعم تصرُّفها بقولِه تعالى في قراءة مَنْ قرأ: {إِذَا وَقَعَتِ الواقعة لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةً رَّافِعَةً إِذَا رُجَّتِ الأرض رَجّاً} [الواقعة: 1-4] بنصب {خَافِضَةً رَّافِعَةً} ، فَجَعَلَ «إذا» الأولى مبتدأ والثانيةَ خبرَها، التقديرُ: وَقْتُ وقوعِ الواقعة وقتُ رَجِّ الأرض، وبقوله: {حتى إِذَا جَآءُوهَا} [الزمر: 71] {حتى إِذَا كُنتُمْ} [يونس: 22] ، فجعلَ «حتى» حرفَ جر و «إذا» مجرورةً بها، وسيأتي تحقيقُ ذلك في مواضِعِه. ولا تُضافُ إلا إلى الجملِ الفعليةِ خلافاً للأخفش.
وقولُه تعالى: «قيل» فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمفعولِ، وأصلُه: قُولَ كضُرِبَ فاستُثْقِلت الكسرةُ على الواو، فَنُقِلَت إلى القافِ بعد سَلْبِ حركتِها، فَسَكَنَتَ الواوُ بعد كسرةٍ فقُلِبت ياءً، وهذه أفصحُ اللغاتِ، وفيه لغةٌ ثانية وهي الإِشمامُ، والإِشمامُ عبارةٌ عن جَعْلِ الضمةِ بين الضمِ والكسرِ، ولغةٌ ثالثةٌ وهي إخلاصُ الضم، نحو: قُوْلَ وبُوعَ، قال الشاعر:
186 - ليت وهل يَنْفَع شيئاً ليتُ ... ليت شباباً بُوْعَ فاشتريْتُ
وقال آخر:
187 - حُوكَتْ على نِيْرَيْنِ إذ تُحاكُ ... تَخْتَبِطَ الشَّوْكَ ولا تُشَاكُ
وقال الأخفش: «ويجوزُ» قُيْل «بضم القافِ والياءُ» يعني مع الياء لا أنَّ الياءَ تضمُّ أيضاً. وتجيءُ هذه اللغاتُ الثلاثُ في اختار وانقاد ورَدَّ وحَبَّ ونحوها، فتقول: اختير بالكسرِ والإِشمامِ واختُور، وكذلك انقيد وانقُود ورُدَّ ورِدَّ، وأنشدوا:
188 - وما حِلَّ مِنْ جَهْلٍ حُبا حُلَمائِنا ... ولا قائِلُ المعروفِ فينا يُعنَّفُ بكسر حاء «حِلَّ» وقرئ: «ولو رِدُّوا» بكسر الراء، والقاعدةُ فيما لم يُسَمَّ فاعلُه أن يُضَمَّ أولُ الفعلِ مطلقاً، فإن كان ماضياً كُسِر ما قبلَ آخرهِ لفظاً نحو: ضُرِب أو تقديراً نحو: قِيلَ واخْتِير، وإن كان مضارعاً فُتح لفظاً نحو يُضْرَبُ أو تقديراً نحو: يُقال ويُختار، وقد يُضَمُّ ثاني الماضي أيضاً إذا افتُتح بتاءِ مطاوعةٍ نحو تُدُحْرج الحجرُ، وثالثهُ إن افتُتح بهمزةِ وصل نحو: انطُلِق بزيدٍ.
واعلم أن شرطَ جوازِ اللغاتِ الثلاث في قيل وغيض ونحوِهما أَلاَّ يُلْبِسَ، فإن أَلْبس عُمِل بمقتضى عَدمِ اللَّبْس، هكذا قال بعضُهم، وإن كان سيبويه قد أطلقَ جوازَ ذلك، وأشمَّ الكسائي: {قيل} [البقرة: 11] ، {وغيض} [هود: 44] {وجيء} [الزمر: 69] ، {وحيل بينهم} [سبأ: 54] ، {وسيق الذين} [الزمر: 71] ، {وسيىء بهم} [هود: 77] ، {وسيئت وجوهُ} [الملك: 27] ، وافقه هشام في الجميع، وابنُ ذكوان في «حيل» وما بعدها، ونافع في «سيئ» و «سيئَتْ» والباقون بإخلاصِ الكسرِ في الجميع. والإِشمامُ له معانٍ أربعةٌ في اصطلاح القرَّاء سيأتي ذلكَ في «يوسف» إن شاء الله تعالى عند {مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا} [يوسف: 11] فإنه أليقُ به.
و «لهم» جارٌّ ومجرور متعلِّق بقيل، واللامُ للتبليغ، و «لا» حرفُ نهي تَجْزِمُ فعلاً واحداً، «تُفْسِدوا» مجزومٌ بها، علامةُ جَزْمِه حذفُ النون لأنه من الأمثلةِ الخمسةِ، و «في الأرضِ» متعلّقٌ به، والقائمُ مقامَ الفاعل هو الجملةُ من قوله «لا تُفْسِدوا» لأنه هو المقولُ في المعنى، واختاره أبو القاسم الزمخشري، والتقديرُ: وإذا قيل لهم هذا الكلامُ أو هذا اللفظُ، فهو من باب الإِسنادِ اللفظي. وقيل: القائمُ مقام الفاعلِ مضمرٌ تقديرُه: وإذا قيل لهم [قولٌ] هو، ويُفَسِّر هذا المضمَر سياقُ الكلامِ كما فسَّره في قولِه: {حتى تَوَارَتْ بالحجاب} [ص: 32] والمعنى: «وإذا قيل لهم قولٌ سَديدٌ» فَأُضْمِر هذا القولُ الموصوفُ، وجاءَتِ الجملةُ بعده مفسرةً فلا موضعَ لها من الإِعراب، قال: «فإذا أَمْكَنَ الإِسنادُ المعنويُّ لم يُعْدَل إلى اللفظي، وقد أمكن ذلك بما تقدَّم» وهذا القولُ سبقه إليه أبو البقاء فإنه قال: «والمفعولُ القائمُ مقامَ الفاعل مصدرٌ وهو القولُ وأُضْمر لأنَّ الجملة بعد تفسِّره، ولا يجوزُ أن يكونَ» لا تُفْسِدوا «قائماً مقامَ الفاعلِ لأنَّ الجملة لا تكون فاعلةً فلا تقومُ مقامَ الفاعل» . انتهى. وقد تقدَّم جوابُ ذلك مِنْ أنَّ المعنى: وإذا قيل لهم هذا اللفظُ، ولا يجوزُ أن يكونَ «لهم» قائماً مقامَ الفاعلِ إلا في رأي الكوفيين والأخفشِ، إذ يجوزُ عندهم إقامةُ غيرِ المفعولِ به مع وجودِه. وتلخَّص مِنْ هذا أنَّ جملةَ قولِه: «لا تُفْسدوا» في محلِّ رفعٍ على قولِ الزمخشري، ولا محلَّ لها على قول أبي البقاء ومَنْ تبعه. والجملةُ من قوله: «قيل» وما في حيِّزِه في محلِّ خَفْض بإضافةِ الظرفِ إليه. والعاملُ في «إذا» جوابُها عند الجمهور وهو «قالوا» ، والتقدير: قالوا إنما نحن مصلحون وقتَ القائل لهم لا تُفْسدوا، وقال بعضهم: «والذي نختاره أنَّ الجملةَ/ التي بعدَها وتليها ناصبةٌ لها، وأنَّ ما بعدها ليس في محلِّ خفض بالإِضافةِ لأنها أداةُ شرط، فحكمُها حكمُ الظروفِ التي يُجازى بها، فكما أنك إذا قلتَ:» متى تقمْ أقمْ «كان» متى «منصوباً بفعلِ الشرط فكذلك» إذا «.
قال هذا القائل: «والذي يُفْسد مذهبَ الجمهور جوازُ قولِك:» إذا قمت فعمورٌ قائمٌ «، ووقوعُ» إذا «الفجائية جواباً لها، وما بعد الفاء وإذا الفجائية لا يَعْمل ما بعدهما فيما قبلهما. وهو اعتراضٌ ظاهر.
وقوله: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} » إنَّ «حرفٌ مكفوفٌ ب» ما «الزائدة عن العمل، ولذلك تليها الجملةُ مطلقاً، وهي تفيدُ الحصرَ عند بعضِهم. وأَبْعَدَ مَنْ زعم أن» إنما «مركبة من» إنَّ «التي للإِثبات و» ما «التي للنفي، وأنَّ بالتركيب حدث معنىً يفيد الحصرَ. واعلم أنَّ» إنَّ «وأخواتِها إذا ولِيَتْها» ما «الزائدةُ بَطَلَ عملُها وذهب اختصاصُها بالأسماء كما مرَّ، إلا» ليت «فإنه يجُوز فيها الوجهان سماعاً، وأنشدوا قولَ النابغة:
189 - قالتْ ألا ليتما هذا الحمامَُ لنا ... إلى حمامتِنا ونصفَُهُ فَقَدِ
برفع» الحمام «ونصبه، فأمَّا إعمالُها فلبقاءِ اختصاصِها، وأمَّا إهمالُها فلحَمْلِها على أخواتها، على أنه قد رُوي عن سيبويه في البيت أنها معملةٌ على رواية الرفع أيضاً بأن تَجْعل» ما «موصولةً بمعنى الذي، كالتي في قوله تعالى: {إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ} [طه: 69] و» هذا «خبرُ مبتدأ محذوف هو العائدُ، و» الحَمام «نعتٌ ل» هذا «و» لنا «خبر لليت، وحُذِف العائدُ وإنْ لم تَطُلْ الصلةُ، والتقدير: ألا ليت الذي هو هذا الحمامُ كائنٌ لنا، وهذا أَوْلى من أن يُدَّعَى إهمالُها، لأن المقتضَى للإِعمال -وهو الاختصاصُ- باقٍ. وزعم بعضُهم أن» ما «الزائدةَ إذا اتصلت بإنَّ وأخواتِها جاز الإِعمالُ في الجميع.
و» نحن «مبتدأ، وهو ضميرٌ مرفوعٌ منفصلٌ للمتكلم، ومن معه، أو المعظِّمِ نفسه، و» مصلحون «خبرُه، والجملةُ في محلِّ نصبٍ لأنها محكيةٌ بقالوا. والجملة الشرطيةُ وهي قولُه:» وإذا قيلَ لهم «عطفٌ على صلة مَنْ، وهي» يقولُ «، أي: ومن الناس مَنْ يقول، ومن الناس مَنْ إذا قيل لهم لا تُفْسِدوا في الأرض قالوا:. وقيل: يجوز أَنْ تكونَ مستأْنفةً، وعلى هذين القولين فلا محلَّ لها من الإِعراب لما تقدم، ولكنها جزءُ كلامٍ على القولِ الأول وكلامٌ مستقل على القول الثاني، وأجازَ الزمخشري وأبو البقاء أن تكون معطوفةً على» يَكْذِبُون «الواقع خبراً ل» كانوا «، فيكونَ محلُّها النصبَ. وردَّ بعضُهم عليهما بأنَّ هذا الذي أجازاه على أحدِ وَجْهَي» ما «مِنْ قوله {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} خطأٌ، وهو أن تكونَ موصولةً بمعنى الذي، إذ لا عائدَ فيها يعود على» ما «الموصولةِ، وكذلك إذا جُعِلت مصدريةً فإنها تفتقرُ إلى العائد عند الأخفش وابن السراج. والجوابُ عن هذا أنهما لا يُجيزان ذلك إلا وهما يعتقدان أن» ما «موصولةٌ حرفيةٌ، وأمّا مذهبُ الأخفش وابن السراجِ فلا يلزمهما القولُ به، ولكنه يُشْكِل على أبي البقاء وحدَه فإنه يستضعف كونَ» ما «مصدريةً كما تقدم.
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني
إذا
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
إذا
إذا يعبّر به عن كلّ زمان مستقبل، وقد يضمّن معنى الشرط فيجزم به، وذلك في الشعر أكثر، و «إذ» يعبر به عن الزمان الماضي، ولا يجازى به إلا إذا ضمّ إليه «ما» نحو:
11- إذ ما أتيت على الرّسول فقل له(١)
(١) الشطر للصحابي العباس بن مرداس من قصيدة قالها في غزوة حنين يخاطب النبيّ ﷺ، وعجزه: حقاً عليك إذا اطمأنّ المجلس
والبيت في شواهد سيبويه 1/ 432، وشرح الأبيات لابن السيرافي 2/ 93، والمقتضب 2/ 46، والروض الأنف 2/ 298، وخزانة الأدب 9/ 29.
قول
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
قول
القَوْلُ والقِيلُ واحد. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء : 122] ، والقَوْلُ يستعمل على أوجه: أظهرها أن يكون للمركّب من الحروف المبرز بالنّطق، مفردا كان أو جملة، فالمفرد كقولك: زيد، وخرج. والمركّب، زيد منطلق، وهل خرج عمرو، ونحو ذلك، وقد يستعمل الجزء الواحد من الأنواع الثلاثة أعني: الاسم والفعل والأداة قَوْلًا، كما قد تسمّى القصيدة والخطبة ونحوهما قَوْلًا.
الثاني: يقال للمتصوّر في النّفس قبل الإبراز باللفظ: قَوْلٌ، فيقال: في نفسي قول لم أظهره. قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ﴾ [المجادلة : 8] . فجعل ما في اعتقادهم قولا.
الثالث: للاعتقاد نحو فلان يقول بقول أبي حنيفة.
الرابع: يقال للدّلالة على الشيء نحو قول الشاعر:
377- امتلأ الحوض وقَالَ قطني(١)
الخامس: يقال للعناية الصادقة بالشيء، كقولك: فلان يَقُولُ بكذا.
السادس: يستعمله المنطقيّون دون غيرهم في معنى الحدّ، فيقولون: قَوْلُ الجوهر كذا، وقَوْلُ العرض كذا، أي: حدّهما.
السابع: في الإلهام نحو: ﴿قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾ [الكهف : 86] فإنّ ذلك لم يكن بخطاب ورد عليه فيما روي وذكر، بل كان ذلك إلهاما فسماه قولا. وقيل في قوله: ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت : 11] إنّ ذلك كان بتسخير من الله تعالى لا بخطاب ظاهر ورد عليهما، وكذا قوله تعالى: ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً﴾ [الأنبياء : 69] ، وقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران : 167] فذكر أفواههم تنبيها على أن ذلك كذب مقول، لا عن صحّة اعتقاد كما ذكر في الكتابة باليد(٢) ، فقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة : 79] ، وقوله: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس : 7] أي: علم الله تعالى بهم وكلمته عليهم كما قال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ [الأعراف : 137] وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس : 96] وقوله: ﴿ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم : 34] فإنما سمّاه قول الحقّ تنبيها على ما قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران : 59](٣) إلى قوله: ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
وتسميته قولا كتسميته كلمة في قوله: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ﴾ [النساء : 171] وقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات : 8] أي: لفي أمر من البعث، فسمّاه قولا، فإنّ الْمَقُولَ فيه يسمّى قولا، كما أنّ المذكور يسمّى ذكرا وقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة : 40-41] فقد نسب القول إلى الرّسول، وذلك أنّ القول الصادر إليك عن الرّسول يبلّغه إليك عن مرسل له، فيصحّ أن تنسبه تارة إلى الرّسول، وتارة إلى المرسل، وكلاهما صحيح. فإن قيل: فهل يصحّ على هذا أن ينسب الشّعر والخطبة إلى راويهما كما تنسبهما إلى صانعهما؟ قيل: يصحّ أن يقال للشّعر: هو قَوْلُ الراوي. ولا يصحّ أن يقال هو: شعره وخطبته، لأنّ الشّعر يقع على القول إذا كان على صورة مخصوصة، وتلك الصّورة ليس للرّاوي فيها شيء. والقول هو قول الرّاوي كما هو قول المرويّ عنه. وقوله تعالى: ﴿إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة : 156] لم يرد به القول المنطقيّ فقط بل أراد ذلك إذا كان معه اعتقاد وعمل. ويقال للّسان: الْمِقْوَلُ، ورجل مِقْوَلٌ: منطيق، وقَوَّالٌ وقَوَّالَةٌ كذلك. والْقَيْلُ: الملك من ملوك حمير سمّوه بذلك لكونه معتمدا على قوله ومقتدى به، ولكونه مُتَقَيِّلًا لأبيه. ويقال: تَقَيَّلَ فلان أباه، وعلى هذا النّحو سمّوا الملك بعد الملك تبّعا، وأصله من الواو، لقولهم في جمعه: أَقْوَالٌ نحو: ميت وأموات، والأصل قَيِّلٌ نحو: ميْت، أصله: ميّت فخفّف. وإذا قيل: أَقْيَالٌ فذلك نحو: أعياد، وتقيّل أباه نحو: تعبّد، واقْتَالَ قَوْلًا: قال ما اجترّ به إلى نفسه خيرا أو شرّا. ويقال ذلك في معنى احتكم قال الشاعر:
378- تأبى حكومة الْمُقْتَالُ(٤)
والقَالُ والقَالَةُ: ما ينشر من القول. قال الخليل: يوضع القَالُ موضع القَائِلِ(٥) . فيقال: أنا قَالُ كذا، أي: قَائِلُهُ.
(١) الرجز لم يعرف قائله، وتتمته: مهلا رويدا قد ملأت بطني
وهو في اللسان (قول) ، والخصائص 1/ 23، والمحكم 6/ 347.
(٢) النقل هذا حرفيا في البصائر 4/ 304.
(٣) الآية إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
(٤) البيت: ولمثل الذي جمعت من العدّة ... تأبى حكومة المقتال
وهو للأعشى من قصيدة يمدح بها الأسود بن المنذر اللخمي، ومطلعها: ما بكاء الكبير بالأطلال ... وسؤالي فهل تردّ سؤالي
وهو في ديوانه ص 168، واللسان (قال) ، والمعاني الكبير 2/ 924.
(٥) وعبارة الخليل: والقالة تكون في موضع القائلة، كما قال بشار: (أنا قالها) .
أي: قائلها. انظر: العين 5/ 213.
فسد
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
فسد
الفَسَادُ: خروج الشيء عن الاعتدال، قليلا كان الخروج عنه أو كثيرا، ويضادّه الصّلاح، ويستعمل ذلك في النّفس، والبدن، والأشياء الخارجة عن الاستقامة، يقال: فَسَدَ فَسَاداً وفُسُوداً(١) ، وأَفْسَدَهُ غيره. قال تعالى: ﴿لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ [المؤمنون : 71] ، ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء : 22] ، ﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم : 41] ، ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ﴾ [البقرة : 205] ، ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة : 11] ، ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة : 12] ، ﴿لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة : 205] ، ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها﴾ [النمل : 34] ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس : 81] ، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة : 220] .
(١) انظر: الأفعال 4/ 18.
أرض
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
أرض
الأرض: الجرم المقابل للسماء، وجمعه أرضون، ولا تجيء مجموعةً في القرآن(١) ، ويعبّر بها عن أسفل الشيء، كما يعبر بالسماء عن أعلاه. قال الشاعر في صفة فرس:
12- وأحمر كالديباج أمّا سماؤه ... فريّا، وأمّا أرضه فمحول(٢)
وقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الحديد : 17] عبارة عن كلّ تكوين بعد إفساد وعودٍ بعد بدء، ولذلك قال بعض المفسرين(٣) : يعني به تليين القلوب بعد قساوتها.
ويقال: أرض أريضة، أي: حسنة النبت(٤) ، وتأرّض النبت: تمكّن على الأرض فكثر، وتأرّض الجدي: إذا تناول نبت الأرض، والأَرَضَة: الدودة التي تقع في الخشب من الأرض(٥) ، يقال: أُرِضَتِ الخشبة فهي مأروضة.
(١) انظر: المجمل 1/ 92.
(٢) البيت لطفيل الغنوي، وهو في ملحقات شعره ص 62، وشمس العلوم 1/ 72. وعجزه في المجمل 1/ 92.
(٣) وهذا قول صالح المري كما أخرجه عنه ابن المبارك في الزهد ص 88.
(٤) انظر: المجمل 2/ 92، والعين 7/ 55.
(٥) راجع اللسان (أرض) 7/ 113، والعين 7/ 56.
وقال الزمخشري: يقال: هو أفسد من الأرضة. راجع أساس البلاغة ص 5.
نحن
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
نحن
نَحْنُ عبارة عن المتكلِّم إذا أَخْبَرَ عن نفسه مع غيره، وما وَرَدَ في القرآن من إِخبار الله تعالى عن نفسه بقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف : 3] فقد قيل: هو إخبار عن نفسه وحده، لكن يُخَرَّجُ ذلك مَخْرَجَ الإِخبار المُلوكيّ.
وقال بعضُ العلماء: إنّ الله تعالى يذكر مثلَ هذه الألفاظ إذا كان الفعل المذكور بعده يفعله بواسطة بعضِ ملائكته، أو بعض أوليائه، فيكون «نحن» عبارة عنه تعالى وعنهم، وذلك كالوحي، ونُصْرة المؤمنين، وإِهلاك الكافرين، ونحو ذلك مما يتولَّاه الملائكةُ المذكورونَ بقوله: ﴿فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً﴾ [النازعات : 5] وعلى هذا قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ [الواقعة : 85] يعني: وَقْتَ المُحْتَضَرِ حين يَشْهَدُهُ الرُّسُلُ المذكورون في قوله: ﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [النحل : 28] وقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر : 9] لمّا كان بوِساطة القلم واللَّوح وجبريل.
صلح
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
صلح
الصَّلَاحُ: ضدّ الفساد، وهما مختصّان في أكثر الاستعمال بالأفعال، وقوبل في القرآن تارة بالفساد، وتارة بالسّيّئة. قال تعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً﴾ [التوبة : 102] ، ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها﴾ [الأعراف : 56] ، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾ [البقرة : 82] ، في مواضع كثيرة. والصُّلْحُ يختصّ بإزالة النّفار بين الناس، يقال منه: اصْطَلَحُوا وتَصَالَحُوا، قال: ﴿أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء : 128] ، ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا﴾ [النساء : 129] ، ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ [الحجرات : 9] ، ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات : 10] ، وإِصْلَاحُ اللهِ تعالى الإنسانَ يكون تارة بخلقه إيّاه صَالِحاً، وتارة بإزالة ما فيه من فساد بعد وجوده، وتارة يكون بالحكم له بالصَّلَاحِ. قال تعالى: ﴿وَأَصْلَحَ بالَهُمْ﴾ [محمد : 2] ، ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ﴾ [الأحزاب : 71] ، ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف : 15] ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس : 81] ، أي: المفسد يضادّ الله في فعله، فإنّه يفسد والله تعالى يتحرّى في جميع أفعاله الصَّلَاحَ، فهو إذا لا يُصْلِحُ عملَه، وصَالِحٌ: اسم للنّبيّ عليه السلام. قال تعالى: ﴿يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا﴾ [هود : 62] .