تفسير قول الله تعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). سورة البقرة، الآية: ٢٥
التحرير والتنوير - ابن عاشور
التحرير والتنوير - ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾
فِي الكَشّافِ: مِن عادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ في كِتابِهِ أنْ يَذْكُرَ التَّرْغِيبَ مَعَ التَّرْهِيبِ ويَشْفَعَ البِشارَةَ بِالإنْذارِ إرادَةَ التَّنْشِيطِ لِاكْتِسابِ ما يُزْلِفُ والتَّثْبِيطِ عَنِ اقْتِرافِ ما يُتْلِفُ، فَلَمّا ذَكَرَ الكُفّارَ وأعْمالَهم وأوْعَدَهم بِالعِقابِ قَفّاهُ بِبِشارَةِ عِبادِهِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ التَّصْدِيقِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ اهـ.
وجَعَلَ جُمْلَةَ (وبَشِّرِ) مَعْطُوفَةً عَلى مَجْمُوعِ الجُمَلِ المَسُوقَةِ لِبَيانِ وصْفِ عِقابِ الكافِرِينَ يَعْنِي جَمِيعَ الَّذِي فُصِّلَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ﴾ [البقرة: ٢٣] إلى قَوْلِهِ ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤] فَعَطَفَ مَجْمُوعَ أخْبارٍ عَنْ ثَوابِ المُؤْمِنِينَ عَلى مَجْمُوعِ أخْبارٍ عَنْ عِقابِ الكافِرِينَ والمُناسِبَةُ واضِحَةٌ مُسَوِّغَةٌ لِعَطْفِ المَجْمُوعِ عَلى المَجْمُوعِ، ولَيْسَ هو عَطْفًا لِجُمْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ عَلى جُمْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ الَّذِي يُطْلَبُ مَعَهُ التَّناسُبُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ في الخَبَرِيَّةِ والإنْشائِيَّةِ، ونَظِّرْهُ بِقَوْلِكَ: زَيْدٌ يُعاقَبُ بِالقَيْدِ والإرْهاقِ وبَشِّرْ عَمْرًا بِالعَفْوِ والإطْلاقِ. وجَعَلَ السَّيِّدُ الجُرْجانِيُّ لِهَذا النَّوْعِ مِنَ العَطْفِ لَقَبَ عَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ لِأنَّ المَعْطُوفَ لَيْسَ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ بَلْ طائِفَةٌ مِنَ الجُمَلِ عَلى طائِفَةٍ أُخْرى، ونَظِيرُهُ في المُفْرَداتِ ما قِيلَ: إنَّ الواوَ الأُولى والواوَ الثّالِثَةَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ﴾ [الحديد: ٣] لَيْسَتا مِثْلَ الواوِ الثّانِيَةِ لِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما لِإفادَةِ الجَمْعِ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ المُتَقابِلَتَيْنِ، وأمّا الثّانِيَةُ فَلِعِطْفِ مَجْمُوعِ الصِّفَتَيْنِ المُتَقابِلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَها عَلى مَجْمُوعِ الصِّفَتَيْنِ المُتَقابِلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَها، ولَوِ اعْتُبِرَ عَطْفُ الظّاهِرِ وحْدَهُ عَلى إحْدى السّابِقَتَيْنِ لَمْ يَكُنْ هُناكَ تُناسِبٌ. هَذا حاصِلُهُ، وهو يُرِيدُ أنَّ الواوَ عاطِفَةٌ جُمْلَةً ذاتَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وخَبَرَيْنِ عَلى جُمْلَةٍ ذاتِ مُبْتَدَأٍ مَلْفُوظٍ بِهِ وخَبَرَيْنِ، فالتَّقْدِيرُ: وهو الظّاهِرُ والباطِنُ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ المُبْتَدَأ فِيها مُقَدَّرٌ لِإغْناءِ حَرْفِ العَطْفِ عَنْهُ بَلْ هو مَحْذُوفٌ لِلْقَرِينَةِ أوِ المُناسَبَةِ في عَطْفِ جُمْلَةِ الظّاهِرِ والباطِنِ عَلى جُمْلَةِ الأوَّلِ والآخِرِ.
إنَّهُما صِفَتانِ مُتَقابِلَتانِ ثَبَتَتا لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ هو الَّذِي ثَبَتَتْ لَهُ صِفَتانِ مُتَقابِلَتانِ أُخْرَيانِ.
قالَ السَّيِّدُ: ولَمْ يَذْكُرْ صاحِبُ المِفْتاحِ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ فَتَحَيَّرَ الجامِدُونَ عَلى كَلامِهِ في هَذا المَقامِ وتَوَهَّمُوا أنَّ مُرادَ صاحِبِ الكَشّافِ هُنا عَطْفُ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ وأنَّ الخَبَرَ المُتَقَدِّمَ مُضَمَّنٌ مَعْنى الطَّلَبِ أوْ بِالعَكْسِ لِتَتَناسَبَ الجُمْلَتانِ، مَعَ أنَّ عِبارَةَ الكَشّافِ صَرِيحَةٌ في غَيْرِ ذَلِكَ، وقَصَدَ السَّيِّدُ مِن ذَلِكَ إبْطالَ فَهْمٍ فَهِمَهُ سَعْدُ الدِّينِ مِن كَلامِ الكَشّافِ وأوْدَعَهُ في شَرْحِهِ المُطَوَّلِ عَلى التَّلْخِيصِ. وجَوَّزَ صاحِبُ الكَشّافِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (وبَشِّرِ) مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: (فاتَّقُوا) الَّذِي هو جَوابُ الشَّرْطِ، فَيَكُونُ لَهُ حُكْمُ الجَوابِ أيْضًا، وذَلِكَ لِأنَّ الشَّرْطَ وهو (﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤]) سَبَبٌ لَهُما لِأنَّهم إذا عَجَزُوا عَنِ المُعارَضَةِ فَقَدْ ظَهَرَ صِدْقُ النَّبِيءِ فَحَقَّ اتِّقاءُ النّارِ وهو الإنْذارُ لِمَن دامَ عَلى كُفْرِهِ وحَقَّتِ البِشارَةُ لِلَّذِينَ آمَنُوا. وإنَّما كانَ المَعْطُوفُ عَلى الجَوابِ مُخالِفًا لَهُ لِأنَّ الآيَةَ سِيقَتْ مَساقَ خِطابٍ لِلْكافِرِينَ عَلى لِسانِ النَّبِيءِ فَلَمّا أُرِيدَ تَرَتُّبُ الإنْذارِ لَهم والبِشارَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ جُعِلَ الجَوابُ خِطابًا لَهم مُباشَرَةً لِأنَّهُمُ المُبْتَدَأُ بِخِطابِهِمْ، وخِطابًا لِلنَّبِيِّ لِيُخاطِبَ المُؤْمِنِينَ إذْ لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِينَ ذِكْرٌ في هَذا الخِطابِ فَلَمْ يَكُنْ طَرِيقٌ لِخِطابِهِمْ إلّا الإرْسالُ إلَيْهِمْ.
وقَدِ اسْتُضْعِفَ هَذا الوَجْهُ بِأنَّ عُلَماءَ النَّحْوِ قَرَّرُوا امْتِناعَ عَطْفِ أمْرٍ مُخاطَبٍ عَلى أمْرٍ مُخاطَبٍ إلّا إذا اقْتَرَنَ بِالنِّداءِ نَحْوَ: يا زَيْدُ واكْتُبْ يا عَمْرُو، وهَذا لا نِداءَ فِيهِ.
وجَوَّزَ صاحِبُ المِفْتاحِ أنَّ (بَشِّرِ) مَعْطُوفٌ عَلى ”قُلْ“ مُقَدَّرًا قَبْلَ ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا﴾ [البقرة: ٢١] وقالَ القَزْوِينِيُّ في الإيضاحِ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدِّرٍ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤] أيْ فَأنْذِرِ الَّذِينَ كَفَرُوا. وكُلُّ ذَلِكَ تَكَلُّفٌ لا داعِيَ إلَيْهِ إلّا الوُقُوفُ عِنْدَ ظاهِرِ كَلامِ النُّحاةِ، مَعَ أنَّ صاحِبَ الكَشّافِ لَمْ يَعْبَأْ بِهِ قالَ عَبْدُ الحَكِيمِ لِأنَّ مَنعَ النُّحاةِ إذا انْتَفَتْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى تَغايُرِ المُخاطَبِينَ، والنِّداءُ ضَرْبٌ مِنَ القَرِينَةِ نَحْوُ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف: ٢٩] اهـ.
يُرِيدُ أنَّ كُلَّ ما يَدُلُّ عَلى المُرادِ بِالخِطابِ فَهو كافٍ، وإنَّما خَصَّ النُّحاةُ النِّداءَ لِأنَّهُ أظْهَرُ قَرِينَةً، واخْتِلافُ الأمْرَيْنِ هُنا بِعَلامَةِ الجَمْعِ والإفْرادِ دالٌّ عَلى المُرادِ، وأيًّا ما كانَ فَقَدْ رُوعِيَ في الجُمَلِ المَعْطُوفَةِ ما يُقابِلُ ما في الجُمَلِ المَعْطُوفِ عَلَيْها، فَقُوبِلَ الإنْذارُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿فاتَّقُوا النّارَ﴾ [البقرة: ٢٤] بِالتَّبْشِيرِ، وقُوبِلَ (النّاسُ) المُرادُ بِهِ المُشْرِكُونَ بِالَّذِينَ آمَنُوا، وقُوبِلَ (النّارُ) بِالجَنَّةِ، فَحَصَلَ ثَلاثَةُ طِباقاتٍ. والتَّبْشِيرُ الإخْبارُ بِالأمْرِ المَحْبُوبِ، فَهو أخَصُّ مِنَ الخَبَرِ. وقَيَّدَ بَعْضُ العُلَماءِ مَعْنى التَّبْشِيرِ بِأنْ يَكُونَ المُخْبَرُ - بِالفَتْحِ - غَيْرَ عالِمٍ بِذَلِكَ الخَبَرِ، والحَقُّ أنَّهُ يَكْفِي عَدَمُ تَحَقُّقِ المُخْبِرِ - بِالكَسْرِ - عِلْمَ المُخْبَرِ - بِالفَتْحِ - فَإنَّ المُخْبِرَ - بِالكَسْرِ - لا يَلْزَمُهُ البَحْثُ عَنْ عِلْمِ المُخاطَبِ، فَإذا تَحَقَّقَ المُخْبِرُ عِلْمَ المُخاطَبِ لَمْ يَصِحَّ الإخْبارُ إلّا إذا اسْتُعْمِلَ الخَبَرُ في لازِمِ الفائِدَةِ أوْ في تَوْبِيخٍ ونَحْوِهِ.
والصّالِحاتُ جَمْعُ صالِحَةٍ وهي الفِعْلَةُ الحَسَنَةُ فَأصْلُها صِفَةٌ جَرَتْ مَجْرى الأسْماءِ لِأنَّهم يَقُولُونَ صالِحَةٌ وحَسَنَةٌ ولا يُقَدِّرُونَ مَوْصُوفًا مَحْذُوفًا، قالَ الحُطَيْئَةُ:
كَيْفَ الهِجاءُ وما تَنْفَكُّ صالِحَةٌ مِن آلِ لَأْمٍ بِظَهْرِ الغَيْبِ تَأْتِينا
وكَأنَّ ذَلِكَ هو وجْهُ تَأْنِيثِها لِلنَّقْلِ مِنَ الوَصْفِيَّةِ لِلِاسْمِيَّةِ، والتَّعْرِيفُ هُنا لِلِاسْتِغْراقِ وهو اسْتِغْراقٌ عُرْفِيٌّ يُحَدَّدُ مِقْدارُهُ بِالتَّكْلِيفِ والِاسْتِطاعَةِ والأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ مِثْلِ كَوْنِ اجْتِنابِ الكَبائِرِ يَغْفِرُ الصَّغائِرَ فَيَجْعَلُها كالعَدَمِ. فَإنْ قُلْتَ لِماذا لَمْ يَقُلْ: وعَمِلُوا الصّالِحَةَ بِالإفْرادِ فَقَدْ قالُوا إنَّ اسْتِغْراقَ المُفْرَدِ أشْمَلُ مِنِ اسْتِغْراقِ المَجْمُوعِ، قُلْتُ: تِلْكَ عِبارَةٌ سَرَتْ إلَيْهِمْ مِن كَلامِ صاحِبِ الكَشّافِ في هَذا المَوْضِعِ مِن تَفْسِيرِهِ إذْ قالَ إذا دَخَلَتْ لامُ الجِنْسِ عَلى المُفْرَدِ كانَ صالِحًا لِأنْ يُرادَ بِهِ الجِنْسُ إلى أنْ يُحاطَ بِهِ وأنْ يُرادَ بِهِ بَعْضُهُ إلى الواحِدِ مِنهُ، وإذا دَخَلَتْ عَلى المَجْمُوعِ صَلُحَ أنْ يُرادَ بِهِ جَمِيعُ الجِنْسِ وأنْ يُرادَ بِهِ بَعْضُهُ لا إلى الواحِدِ مِنهُ اهـ. فاعْتَمَدَها صاحِبُ المِفْتاحِ وتَناقَلَها العُلَماءُ ولَمْ يَفْصِلُوا بَيانَها.
ولَعَلَّ سائِلًا يَسْألُ عَنْ وجْهِ إتْيانِ العَرَبِ بِالجُمُوعِ بَعْدَ ”ألِ“ الِاسْتِغْراقِيَّةِ إذا كانَ المُفْرَدُ مُغْنِيًا غِناءَها فَأقُولُ: إنَّ ”ألِ“ المُعَرِّفَةَ تَأْتِي لِلْعَهْدِ وتَأْتِي لِلْجِنْسِ مُرادًا بِهِ الماهِيَّةُ ولِلْجِنْسِ مُرادًا بِهِ جَمِيعُ أفْرادِهِ الَّتِي لا قَرارَ لَهُ في غَيْرِها، فَإذا أرادُوا مِنها الِاسْتِغْراقَ نَظَرُوا فَإنْ وجَدُوا قَرِينَةَ الِاسْتِغْراقِ ظاهِرَةً مِن لَفْظٍ أوْ سِياقٍ نَحْوِ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧] ﴿وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: ١١٩] ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ [الحاقة: ١٧] اقْتَنَعُوا بِصِيغَةِ المُفْرَدِ لِأنَّهُ الأصْلُ الأخَفُّ، وإنْ رَأوْا قَرِينَةَ الِاسْتِغْراقِ خَفِيَّةً أوْ مَفْقُودَةً عَدَلُوا إلى صِيغَةِ الجَمْعِ لِدَلالَةِ الصِّيغَةِ عَلى عِدَّةِ أفْرادٍ لا عَلى فَرْدٍ واحِدٍ. ولَمّا كانَ تَعْرِيفُ العَهْدِ لا يُتَوَجَّهُ إلى عَدَدٍ مِنَ الأفْرادِ غالِبًا تَعَيَّنَ أنَّ تَعْرِيفَها لِلِاسْتِغْراقِ نَحْوُ ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ الحَدِيثَ عَلى مُحْسِنٍ خاصٍّ، نَحْوُ قَوْلِها ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢] لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ الحَدِيثَ عَنْ خائِنٍ مُعَيَّنٍ تَعْنِي نَفْسَها فَيَصِيرُ الجَمْعُ في هَذِهِ المَواطِنِ قَرِينَةً عَلى قَصْدِ الِاسْتِغْراقِ. وانْتَصَبَ (الصّالِحاتِ) عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِـ (عَمِلُوا) عَلى المَعْرُوفِ مِن كَلامِ أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ. وزَعَمَ ابْنُ هِشامٍ في البابِ السّادِسِ مِن مُغْنِي اللَّبِيبِ أنَّ مَفْعُولَ الفِعْلِ إذا كانَ لا يُوجَدُ إلّا بِوُجُودِ فِعْلِهِ كانَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لا مَفْعُولًا بِهِ، فَنَحْوُ ﴿عَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ ونَحْوُ ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ﴾ [العنكبوت: ٤٤] كَذَلِكَ، واعْتَضَدَ لِذَلِكَ بِأنَّ ابْنَ الحاجِبِ في شَرْحِ المُفَصَّلِ زَعَمَ أنَّ المَفْعُولَ المُطْلَقَ يَكُونُ جُمْلَةً نَحْوَ: قالَ زَيْدٌ عَمْرٌو مُنْطَلِقٌ. وكَلامُ ابْنِ هِشامٍ خَطَأٌ وكَلامُ ابْنِ الحاجِبِ مِثْلُهُ، وقَدْ رَدَّهُ ابْنُ هِشامٍ نَفْسُهُ. والصَّوابُ أنَّ المَفْعُولَ المُطْلَقَ هو مَصْدَرُ فِعْلِهِ أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ.
والجَنّاتُ جَمْعُ جَنَّةٍ، والجَنَّةُ في الأصْلِ فِعْلَةٌ مِن جَنَّهُ إذا سَتَرَهُ، نَقَلُوهُ لِلْمَكانِ الَّذِي تَكاثَرَتْ أشْجارُهُ والتَفَّ بَعْضُها بِبَعْضٍ حَتّى كَثُرَ ظِلُّها، وذَلِكَ مِن وسائِلِ التَّنَعُّمِ والتَّرَفُّهِ عِنْدَ البَشَرِ قاطِبَةً لاسِيَّما في بَلَدٍ تَغْلُبُ عَلَيْهِ الحَرارَةُ كَبِلادِ العَرَبِ، قالَ تَعالى ﴿وجَنّاتٍ ألْفافًا﴾ [النبإ: ١٦] والجَرْيُ حَقِيقَتُهُ سُرْعَةٌ شَدِيدَةٌ في المَشْيِ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى سَيْلِ الماءِ سَيْلًا مُتَكَرِّرًا مُتَعاقِبًا، وأحْسَنُ الماءِ ما كانَ جارِيًا غَيْرَ قارٍّ لِأنَّهُ يَكُونُ بِذَلِكَ جَدِيدًا كُلَّما اغْتَرَفَ مِنهُ شارِبٌ أوِ اغْتَسَلَ مُغْتَسِلٌ.
والأنْهارُ جَمْعُ نَهَرٍ بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِها والفَتْحُ أفْصَحُ والنَّهْرُ الأُخْدُودُ الجارِي فِيهِ الماءُ عَلى الأرْضِ وهو مُشْتَقٌّ مِن مادَّةِ نَهَرَ الدّالَّةِ عَلى الِانْشِقاقِ والِاتِّساعِ، ويَكُونُ كَبِيرًا وصَغِيرًا. وأكْمَلُ مَحاسِنِ الجَنّاتِ جَرَيانُ المِياهِ في خِلالِها وذَلِكَ شَيْءٌ اجْتَمَعَ البَشَرُ كُلُّهم عَلى أنَّهُ مِن أنْفَسِ المَناظِرِ لِأنَّ في الماءِ طَبِيعَةَ الحَياةِ، ولِأنَّ النّاظِرَ يَرى مَنظَرًا بَدِيعًا وشَيْئًا لَذِيذًا.
وأوْدَعَ في النُّفُوسِ حُبَّ ذَلِكَ، فَإمّا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أعَدَّ نَعِيمَ الصّالِحِينَ في الجَنَّةِ عَلى نَحْوِ ما ألِفَتْهُ أرْواحُهم في هَذا العالَمِ فَإنَّ لِلْإلْفِ تَمَكُّنًا مِنَ النُّفُوسِ والأرْواحِ بِمُرُورِها عَلى هَذا العالَمِ _ عالَمِ المادَّةِ - اكْتَسَبَتْ مَعارِفَ ومَأْلُوفاتٍ لَمْ تَزَلْ تَحِنُّ إلَيْها وتَعُدُّها غايَةَ المُنى، ولِذا أعَدَّ اللَّهُ لَها النَّعِيمَ الدّائِمَ في تِلْكَ الصُّوَرِ، وإمّا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى حَبَّبَ إلى الأرْواحِ هاتِهِ الأشْياءَ في الدُّنْيا لِأنَّها عَلى نَحْوِ ما ألِفَتْهُ في العَوالِمِ العُلْيا قَبْلَ نُزُولِها لِلْأبْدانِ لِإلْفِها بِذَلِكَ في عالَمِ المِثالِ، وسَبَبُ نُفْرَتِها مِن أشْكالٍ مُنْحَرِفَةٍ وذَواتٍ بَشِعَةٍ عَدَمُ إلْفِها بِأمْثالِها في عَوالِمِها.
والوَجْهُ الأوَّلُ الَّذِي ظَهَرَ لِي أراهُ أقْوى في تَعْلِيلِ مَجِيءِ لَذّاتِ الجَنَّةِ عَلى صُوَرِ اللَّذّاتِ المَعْرُوفَةِ في الدُّنْيا، وسَيَنْفَعُنا ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ ومَعْنى (﴿مِن تَحْتِها﴾) مِن أسْفَلِها والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الجَنّاتِ بِاعْتِبارِ مَجْمُوعِها المُشْتَمِلِ عَلى الأشْجارِ والأرْضِ النّابِتَةِ فِيها، ويَجُوزُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى الجَنّاتِ بِاعْتِبارِ الأشْجارِ لِأنَّها أهَمُّ ما في الجَنّاتِ، وهَذا القَيْدُ لِمُجَرَّدِ الكَشْفِ فَإنَّ الأنْهارَ لا تَكُونُ إلّا كَذَلِكَ ويُفِيدُ هَذا القَيْدُ تَصْوِيرَ حالِ الأنْهارِ لِزِيادَةِ تَحْسِينِ وصْفِ الجَنّاتِ كَقَوْلِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
شُجَّتْ بِذِي شَبَمٍ مِن ماءِ مَحْنِيَّةٍ ∗∗∗ صافٍ بِأبْطَحَ أضْحى وهْوَ مَشْمُولُ
البَيْتَيْنِ. وقَدْ أوْرَدَ صاحِبُ الكَشّافِ تَوْجِيهًا لِتَعْرِيفِ الأنْهارِ ومُخالَفَتِها لِتَنْكِيرِ جَنّاتٍ إمّا بِأنْ يُرادَ تَعْرِيفُ الجِنْسِ فَيَكُونُ كالنَّكِرَةِ، وإمّا بِأنْ يُرادَ مِنَ التَّعْرِيفِ العَهْدُ إلّا أنَّهُ عَهْدٌ تَقْدِيرِيٌّ لِأنَّ الجَنّاتِ لَمّا ذُكِرَتِ اسْتُحْضِرَ لِذِهْنِ السّامِعِ لَوازِمُها ومُقارَناتُها فَساغَ لِلْمُتَكَلِّمِ أنْ يُشِيرَ إلى ذَلِكَ المَعْهُودِ فَجِيءَ بِاللّامِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ أوْ يُرادُ أنْهارُها فَعُوِّضَ التَّعْرِيفُ بِاللّامِ مِن تَعْرِيفِ الإضافَةِ، يُرِيدُ أنَّ المُتَكَلِّمَ في مِثْلِ هَذا المَقامِ في حَيْرَةٍ بَيْنَ أنْ يَأْتِيَ بِالأنْهارِ مُعَرَّفَةً بِالإضافَةِ لِلْجَنّاتِ وبَيْنَ أنْ يُعَرِّفَها بِألِ العَهْدِيَّةِ عَهْدًا تَقْدِيرِيًّا، واخْتِيرَ الثّانِي تَفادِيًا مِن كُلْفَةِ الإضافَةِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأنْهارَ نِعْمَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ جَدِيرَةٌ بِأنْ لا يَكُونَ التَّنَعُّمُ بِها تَبَعًا لِلتَّنَعُّمِ بِالجَنّاتِ ولَيْسَ مُرادُهُ أنَّ ألْ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ عَلى طَرِيقَةِ نُحاةِ الكُوفَةِ لِأنَّهُ قَدْ أباهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٣٩] وإنَّما أرادَ أنَّ الإضافَةَ واللّامَ مُتَعاقِبَتانِ هُنا ولَيْسَ ذَلِكَ صالِحًا في كُلِّ مَوْضِعٍ، عَلى أنِّي أرى مَذْهَبَ الكُوفِيِّينَ مَقْبُولًا وأنَّهم ما أرادُوا إلّا بَيانَ حاصِلِ المَعْنى مِن ذَلِكَ التَّعْرِيفِ، فَإنَّ تَقْدِيرَ المُضافِ إلَيْهِ هو الَّذِي جَعَلَ المُضافَ المَذْكُورَ كالمَعْهُودِ فَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ لامُ التَّعْرِيفِ العَهْدِيِّ.
وعِنْدِي أنَّ الدّاعِيَ إلى التَّعْرِيفِ هو التَّفَنُّنُ لِئَلّا يُعادَ التَّنْكِيرُ مَرَّةً ثانِيَةً فَخُولِفَ بَيْنَهُما في اللَّفْظِ اقْتِناعًا بِسُورَةِ التَّعْرِيفِ.
وقَوْلُهُ ﴿مِن تَحْتِها﴾ يَظْهَرُ أنَّهُ قَيْدٌ كاشِفٌ قُصِدَ مِنهُ زِيادَةُ إحْضارِ حالَةِ جَرْيِ الأنْهارِ إذِ الأنْهارُ لا تَكُونُ في بَعْضِ الأحْوالِ تَجْرِي مِن فَوْقُ، فَهَذا الوَصْفُ جِيءَ بِهِ لِتَصْوِيرِ الحالَةِ لِلسّامِعِ لِقَصْدِ التَّرْغِيبِ، وهَذا مِن مَقاصِدِ البُلَغاءِ إذْ لَيْسَ البَلِيغُ يَقْتَصِرُ عَلى مُجَرَّدِ الإفْهامِ، وقَرِيبٌ مِن هَذا قَوْلُ النّابِغَةِ يَصِفُ فَرَسَ الصّائِدِ وكِلابَهُ.
مِن حِسِّ أطْلَسَ تَسْعى تَحْتَهُ شِرَعٌ ∗∗∗ كَأنَّ أحْناكَها السُّفْلى مَآشِيرُ
والتَّحْتُ اسْمٌ لِجِهَةِ المَكانِ الأسْفَلِ وهو ضِدُّ الأعْلى.
ولِكُلِّ مَكانِ عُلُوٌّ وسُفْلٌ، ولا يَقْتَضِي ذَلِكَ ارْتِفاعَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ التَّحْتُ عَلى التَّحْتِ بَلْ غايَةُ مَدْلُولِهِ أنَّهُ بِجِهَةِ سُفْلِهِ، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ ﴿وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١] فَلا حاجَةَ إلى تَأْوِيلِ الجَنَّةِ هُنا بِالأشْجارِ لِتَصْحِيحِ التَّحْتِ ولا إلى غَيْرِهِ مِنَ التَّكَلُّفاتِ.
* * *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما رُزِقُوا مِنها مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ وأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا ولَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وهم فِيها خالِدُونَ﴾
جُمْلَةُ ﴿كُلَّما رُزِقُوا﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً ثانِيَةً لِـ (جَنّاتٍ) ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا عَنْ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وهو ضَمِيرُ الَّذِينَ آمَنُوا فَتَكُونَ جُمْلَةً ابْتِدائِيَّةً الغَرَضُ مِنها بَيانُ شَأْنٍ آخَرَ مِن شُئُونِ الَّذِينَ آمَنُوا، ولِكَمالِ الِاتِّصالِ بَيْنَها وبِينَ جُمْلَةِ ﴿أنَّ لَهم جَنّاتٍ﴾ فُصِلَتْ عَنْها كَما تُفْصَلُ الأخْبارُ المُتَعَدِّدَةُ.
وكُلَّما ظَرْفُ زَمانٍ لِأنَّ ”كُلَّ“ أُضِيفَتْ إلى ”ما“ الظَّرْفِيَّةِ المَصْدَرِيَّةِ فَصارَتْ لِاسْتِغْراقِ الأزْمانِ المُقَيَّدَةِ بِصِلَةِ ما المَصْدَرِيَّةِ وقَدْ أُشْرِبَتْ مَعْنى الشَّرْطِ، لِذَلِكَ فَإنَّ الشَّرْطَ لَيْسَ إلّا تَعْلِيقًا عَلى الأزْمانِ مُقَيَّدَةً بِمَدْلُولِ فِعْلِ الشَّرْطِ، ولِذَلِكَ خَرَجَتْ كَثِيرٌ مِن كَلِماتِ العُمُومِ إلى مَعْنى الشَّرْطِ عِنْدَ اقْتِرانِها بِما الظَّرْفِيَّةِ نَحْوِ كَيْفَما وحَيْثُما وأنَّما وأيْنَما ومَتى وما ومَهْما. والنّاصِبُ لِكُلَّما الجَوابُ لِأنَّ الشَّرْطِيَّةَ طارِئَةٌ عَلَيْها طَرَيانًا غَيْرَ مُطَّرِدٍ بِخِلافِ مَهْما وأخَواتِها.
وإذْ كانَتْ كُلَّما نَصًّا في عُمُومِ الأزْمانِ تَعَيَّنَ أنَّ قَوْلَهُ (مِن قَبْلُ) المَبْنِيَّ عَلى الضَّمِّ هو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ ظاهِرِ التَّقْدِيرِ أيْ مِن قَبْلِ هَذِهِ المَرَّةِ فَيَقْتَضِي أنَّ ذَلِكَ دَيْدَنُ صِفاتِ ثَمَراتِهِمْ أنْ تَأْتِيَهم في صُوَرِ ما قُدِّمَ إلَيْهِمْ في المَرَّةِ السّابِقَةِ. وهَذا إمّا أنْ يَكُونَ حِكايَةً لِصِفَةِ ثِمارِ الجَنَّةِ ولَيْسَ فِيهِ قَصْدُ امْتِنانٍ خاصٍّ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ ثِمارَ الجَنَّةِ مُتَّحِدَةُ الصُّورَةِ مُخْتَلِفَةُ الطُّعُومِ. ووَجْهُ ذَلِكَ واللَّهُ أعْلَمُ أنَّ اخْتِلافَ الأشْكالِ في الدُّنْيا نَشَأ مِنِ اخْتِلافِ الأمْزِجَةِ والتَّراكِيبِ فَأمّا مَوْجُوداتُ الآخِرَةِ فَإنَّها عَناصِرُ الأشْياءِ فَلا يَعْتَوِرُها الشَّكْلُ وإنَّما يَجِيءُ في شَكْلٍ واحِدٍ وهو الشَّكْلُ العُنْصُرِيُّ. ويَحْتَمِلُ أنَّ في ذَلِكَ تَعْجِيبًا لَهم والشَّيْءُ العَجِيبُ لَذِيذُ الوَقْعِ عِنْدَ النُّفُوسِ ولِذَلِكَ يَرْغَبُ النّاسُ في مُشاهَدَةِ العَجائِبِ والنَّوادِرِ. وهَذا الِاحْتِمالُ هو الأظْهَرُ مِنَ السِّياقِ. ويَحْتَمِلُ أنَّ كَلَّما لِعُمُومِ غَيْرِ الزَّمَنِ الأوَّلِ فَهو عامٌّ مُرادٌ بِهِ الخُصُوصُ بِالقَرِينَةِ، ومَعْنى (مِن قَبْلُ) في المَرَّةِ الأُولى مِن دُخُولِ الجَنَّةِ.
ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن حَمَلَ قَوْلَهُ (مِن قَبْلُ) عَلى تَقْدِيرِ مِن قَبْلِ دُخُولِ الجَنَّةِ أيْ هَذا الَّذِي رُزِقْناهُ في الدُّنْيا، ووَجْهُهُ في الكَشّافِ بِأنَّ الإنْسانَ بِالمَأْلُوفِ آنَسُ وهو بَعِيدٌ لِاقْتِضائِهِ أنْ يَكُونَ عُمُومُ كُلَّما مُرادًا بِهِ خُصُوصُ الإتْيانِ بِهِ في المَرَّةِ الأُولى في الجَنَّةِ ولِأنَّهُ يَقْتَضِي اخْتِلافَ الطَّعْمِ واخْتِلافَ الأشْكالِ وهَذا أضْعَفُ في التَّعْجِيبِ، ولِأنَّ مِن أهْلِ الجَنَّةِ مَن لا يَعْرِفُ جَمِيعَ أصْنافِ الثِّمارِ فَيَقْتَضِي تَحْدِيدَ الأصْنافِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ ﴿وأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ ظاهِرٌ في أنَّ التَّشابُهَ بَيْنَ المَأْتِيِّ بِهِ لا بَيْنَهُ وبَيْنَ ثِمارِ الدُّنْيا. ثُمَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِنِعْمَةِ التَّأنُّسِ بِالأزْواجِ ونَزَّهَ النِّساءَ عَنْ عَوارِضِ نِساءِ الدُّنْيا مِمّا تَشْمَئِزُّ مِنهُ النَّفْسُ لَوْلا النِّسْيانُ فَجَمَعَ لَهم سُبْحانَهُ اللَّذّاتِ عَلى نَحْوِ ما ألِفُوهُ فَكانَتْ نِعْمَةً عَلى نِعْمَةٍ.
والأزْواجُ جَمْعُ زَوْجٍ يُقالُ لِلذَّكَرِ والأُنْثى لِأنَّهُ جَعَلَ الآخَرَ بَعْدَ أنْ كانَ مُنْفَرِدًا زَوْجًا، وقَدْ يُقالُ لِلْأُنْثى زَوْجَةً بِالتّاءِ ووَرَدَ ذَلِكَ في حَدِيثِ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ في البُخارِيِّ «إنِّي لَأعْلَمُ أنَّها زَوْجَتُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ» يَعْنِي عائِشَةَ وقالَ الفَرَزْدَقُ:
وإنَّ الَّذِي يَسْعى لِيُفْسِدَ زَوْجَتِي كَساعٍ إلى أُسْدِ الشَّرى يَسْتَمِيلُها
وقَوْلُهُ ﴿وهم فِيها خالِدُونَ﴾ احْتِراسٌ مِن تَوَهُّمِ الِانْقِطاعِ بِما تَعَوَّدُوا مِنِ انْقِطاعِ اللَّذّاتِ في الدُّنْيا لِأنَّ جَمِيعَ اللَّذّاتِ في الدُّنْيا مُعَرَّضَةٌ لِلزَّوالِ، وذَلِكَ يُنَغِّصُها عِنْدَ المُنْعَمِ عَلَيْهِ كَما قالَ أبُو الطَّيِّبِ:
أشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي في سُرُورٍ ∗∗∗ تَحَقَّقَ عَنْهُ صاحِبُهُ انْتِقالا
وقَوْلُهُ ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ هو بِزِنَةِ الإفْرادِ، وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ مُطَهَّراتٍ كَما قُرِئَ بِذَلِكَ ولَكِنَّ العَرَبَ تَعْدِلُ عَنِ الجَمْعِ مَعَ التَّأْنِيثِ كَثِيرًا لِثِقْلِهِما لِأنَّ التَّأْنِيثَ خِلافُ المَأْلُوفِ والجَمْعُ كَذَلِكَ، فَإذا اجْتَمَعا تَفادَوْا عَنِ الجَمْعِ بِالإفْرادِ وهو كَثِيرٌ شائِعٌ في كَلامِهِمْ لا يَحْتاجُ لِلِاسْتِشْهادِ.
الدر المصون - السمين الحلبي
الدر المصون للسمين الحلبي - السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قولُه تعالى: {وَبَشِّرِ الذين آمَنُواْ} : هذه الجملةُ معطوفةٌ على ما قبلها، عَطَفَ جملةَ ثوابِ المؤمنين على جملةِ عقابِ الكافرين، وجاز ذلك لأنَّ مذهبَ سيبويه وهو الصحيح أنه لا يُشْتَرَطُ في عطفِ الجملِ التوافُقُ معنىً، بل تُعْطَفُ الطلبيةُ على الخبريةِ وبالعكس، بدليلِ قولِهِ: 285 - تُناغي غَزالاً عند بابِ ابنِ عامرٍ ... وَكَحِّلْ أماقِيكَ الحسانَ بإِثْمِدِ
وقول امرئ القيس:
28 - 6- وإنَّ شفائي عَبْرَةٌ مُهْرَاقَةٌ ... وهل عند رَسْمٍ دارسٍ مِنْ مُعَوَّلِ
وأجاز الزمخشري وأبو البقاء أن يكونَ عطفاً على «فاتقوا» ليَعْطِفَ أمراً على أمر. وهذا قد رَدَّهُ الشيخ بأنَّ «فاتَّقُوا» جوابُ الشرط، فالمعطوفُ يكون جواباً لأنَّ حكمَه حكمُه، ولكنه لا يَصِحُّ لأنَّ تبشيرَه للمؤمنين لا يترتَّبُ على قولِهِ: فإنْ لَمْ تَفْعَلوا.
وقرئ: «وبُشِّرَ» ماضياً مبنياً للمفعولِ. وقال الزمخشري: «وهو عطف على أُعِدَّت» . قيل: «وهذا لا يتأتَّى على إعرابِ» أُعِدَّتْ «حالاً لأنها لا تَصْلُحُ للحاليَّةِ» .
والبِشارةُ: أولُ خبرٍ من خيرٍ أو شرٍّ، قالوا: لأنَّ أثرَها يَظْهَرُ في البَشَرة وهي ظاهِرُ جلدِ الإِنسان، وأنشدوا:
287 - يُبَشِّرُني الغُرابُ بِبَيْنِ أهلي ... فقُلْتُ له: ثَكِلْتُكَ مِنْ بشيرِ وقال آخر:
288 - وبَشَّرْتَنِي يا سَعْدُ أَنَّ أَحِبَّتِي ... جَفَوْنِي وأنَّ الوُدَّ موعدُهُ الحَشْرُ
وهذا رأي سيبويه، إلا أن الأكثرَ استعمالُها في الخير، وإن اسْتُعْمِلَتْ في الشرِّ فبقَيْدٍ، كقولِهِ تعالى: {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ} [آل عمران: 21] وإن أُطْلِقَتْ كانت للخير، وظاهرُ كلامِ الزمخشري أنها تختصُّ بالخَيْرِ، لأنه تَأَوَّلَ مثلَ: {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ} على العكسِ في الكلامِ الذي يُقْصَدُ به الزيادةُ في غَيْظِ المُسْتَهْزَأ به وتألُّمِهِ. والفعلُ منها: بَشَرَ وبَشَّر مخففاً ومثقلاً، كقولَه: «بَشَرْتُ عيالي» البيت، والتثقيلُ للتكثيرِ بالنسبة إلى المُبَشِّرِ به. وقد قرئ المضارعُ مخففاً ومشدداً، وأمَّا الماضي فَلَمْ يُقْرَأْ به إلا مثقَّلاً نحو: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ} [هود: 71] وفيه لغةٌ أخرى: أَبْشَرَ مثل أَكْرَمَ، وأنكر أبو حاتم التخفيفَ، وليس بصوابٍ لمجيء مضارعِهِ. وبمعنى البِشارة: البُشور والتَبْشير والإِبْشَار، وإن اختَلَفَتْ أفعالُها، والبِشارَةُ أيضاً الجَمالُ، والبَشير: الجميلُ، وتباشير الفجرِ أوائلُهُ.
[وقرأ زيدٌ بنُ علي رضي الله عنهما «وبُشِّرَ» : ماضياً مبنياً للمفعول قال الزمخشري: «عطفاً على» أُعِدَّت «انتهى. وهو غلط لأن المعطوف عليه [مِن] الصلة، ولا راجعَ على الموصولِ من هذه الجملةِ فلا يَصِحُّ أن يكونَ عطفاً على أُعِدَّت] .
وفاعلُ» بَشِّرْ «: إِمَّا ضميرُ الرسولِ عليه السلام، وهو الواضحُ، وإمَّا كلُّ مَنْ تَصِحُّ منه البشارةُ. وكونُ صلةِ» الذين «فعلاً ماضياً دونَ كونِهِ اسمَ فاعلٍ دليلٌ على أَنْ يستحقَّ التبشيرَ بفضلِ الله مَنْ وَقَعَ منه الإِيمانُ وتَحَقَّقَ به وبالأعمالِ الصالحةِ.
والصالحاتُ جمعُ صالحة وهي من الصفاتِ التي جَرَتْ مَجْرى الأسماءِ في إيلائِها العواملَ، قال:
289 - كيفَ الهجاءُ وما تَنْفَكُّ صالِحَةٌ ... مِنْ آلِ لأَْمٍ بظهرِ الغَيْبِ تَأْتِينِي
وعلامةُ نصبِه الكسرةُ لأنه من بابِ جَمْعِ المؤنث السالم نيابةً عن الفتحةِ التي هي أصلُ النصبِ.
قولُه تعالى: {أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ} جناتٍ اسمُ أنَّ، و «لهم» خبرٌ مقدمٌ، ولا يجوز تقديمُ خبرِ «أنَّ» وأخواتِها إلا ظرفاً أو حرفَ جَرٍّ، وأنَّ وما في حَيِّزها في محلِّ جَرّ عند الخليل والكسائي ونصبٍ عند سيبويهِ والفراء، لأن الأصلَ «: وبَشِّرِ الذين آمنوا بأنَّ لهم، فحُذِفَ حرفُ الجر مع أَنَّ، وهو حَذْفٌ مُطَّردٌ معها ومع» أَنْ «الناصبة للمضارعِ، بشرط أَمْنِ اللَّبْسِ، بسبب طولهما بالصلة، فلما حُذِفَ حرفُ الجرّ جرى الخلافُ المذكورُ، فالخليل والكسائي يقولان: كأنَّ الحرفَ موجودٌ فالجرُّ باقٍ، واستدلَّ الأخفشُ لهما بقولِ الشاعر:
290 - وما زُرْتُ ليلى أنْ تَكُونَ حبيبةً ... إليَّ لا دَيْنٍ بها أنا طالِبُهْ
فَعَطْفُ» دَيْنٍ «بالجرِّ على محلِّ» أن تكون «يبيِّنُ كونَها مجرورةً، قيل: ويَحْتملُ أن يكونَ من بابِ عَطْفِ التوهُّم فلا دليلَ فيه. والفراء وسيبويه يقولان: وَجَدْناهم إذا حذفوا حرفَ الجر نَصَبُوا، كقولِهِ:
291 - تَمُرُّونَ الديارَ وَلَمْ تَعُوجوا ... كلامُكُمُ عليَّ إذاً حَرَامُ
أي بالديار، ولا يجوزُ الجرُّ إلا في نادرِ شعرٍ، كقولِهِ:
292 - إذا قيلَ: أيُّ الناسِ شرُّ قبيلةٍ ... أَشَارتْ كليبٍ بالأَكفِّ الأصابعُ
أي: إلى كُلَيْبٍ، وقولِ الآخر:
293 -. . . . . . . ... حتى تَبَذَّخَ فارتقى الأَعْلامِ
أي: إلى الأعلام.
والجَنَّةُ: البُسْتَانُ، وقيل: الأرضُ ذاتُ الشجرِ، سُمِّيَتْ بذلك لسَتْرِها مَنْ فيها، ومنه: الجنين لاستتارِه، والمِجَنُّ: التُرْس، وكذلك» الجُنَّة «لأنه يَسْتُر صاحبَه، والجِنَّة لاستتارِهم عن أعينِ الناسِ.
قوله: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار} هذه الجملةُ في مَحَلِّ نصبٍ لأنها صفةٌ لجنَّات، و» تَجْرِي «مرفوعٌ لتجرُّدِهِ من الناصبِ والجازمِ، وعلامةُ رفعِه ضمةٌ مقدرةٌ في الياءِ استثقالاً، وكذلك تُقَدَّرُ في كلِّ فعلٍ معتلٍ نحو: يَدْعو ويَخْشَى إلاَّ أَنَّها في الألِفِ تُقَدَّرُ تعذُّراً.
والأنهارُ جمع نَهْر بالفتح، وهي اللغة العالية، وفيه تسكينُ الهاءِ، ولكن» أَفْعال «لا ينقاسُ في فَعْل الساكنِ العينِ بل يُحْفظ نحو: أَفْراخ وأَزْنَاد وأَفراد.
والنهرُ دونَ البحرِ وفوقَ الجدولِ، وهل هو مجرى الماءِ أو الماءُ الجاري نفسُه؟ والأولُ أظهرُ، لأنه مشتقٌّ من نَهَرْت أي: وسَّعْتُ، قال قيس بن الخطيم يصفُ طعنةِ:
294 - مَلَكْتُ بها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها ... . . . . . . .
أي وَسَّعْتُ، ومنه: النهارُ لاتساعِ ضوئِهِ، وإنَّما أُطْلِقَ على الماءِ مجازاً إطلاقاً للمحلِّ على الحالِّ.
و {مِن تَحْتِهَا} متعلقٌ بتجري، و» تحت «مكانٌ لا يَتَصَرَّفُ، وهو نقيضُ» فوق «، إذا أُضيفا أُعْرِبَا، وإذا قُطِعَا بُنِيَا على الضم. و» مِنْ «لابتداءِ الغايةِ وقيل: زائدةٌ، وقيل: بمعنى في، وهما ضعيفان.
واعلمْ أنه إذا قيل بأنَّ الجَنَّة هي الأرضُ ذاتُ الشجرِ فلا بُدَّ من حَذْفِ مضافٍ، أي: من تحتِ عَذْقِها أو أشجارِها.
وإن قيل بأنها الشجرُ نفسَه فلا حاجةَ إلى ذلك. وإذا قيل بأنَّ الأنهارَ اسمٌ للماءِ الجاري فنسبةُ الجَرْيِ إليه حقيقةٌ. وإنْ قيلَ بأنه اسمٌ للأُخْدُودِ الذي يَجْرِي فيه فنسبةُ الجَرْي إليه مجازٌ كقول مهلهل:
295 - نُبِّئْتُ أنَّ النارَ بعدكَ أُوْقِدَتْ ... واسْتَبَّ بعدَك يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ
قال الشيخ: «وقد ناقضَ ابنُ عطيةَ كلامَهُ هنا فإنه قال:» والأنهار: المياهُ في مجارِيها المتطاولةِ الواسعةِ «ثم قال:» نَسَبَ الجَرْيَ إلى النهر، وإنما يَجري الماءُ وحدَه توسُّعاً وتجوُّزاً، كما قال تعالى: {وَسْئَلِ القرية} [يوسف: 82] ، وكما قال: نُبِّئْتُ أنَّ النار. البيت «.
والألف واللامُ في» الأنهار «للجنس، وقيل: للعَهْدِ لِذِكْرِها في سورة القتال. وقال الزمخشري:» يجوزُ أَنْ تَكونَ عوضاً من الضمير كقوله: {واشتعل الرأس شَيْباً} [مريم: 4] أي: أنهارُها «، بمعنى أنَّ الأصلَ: واشتعلَ رأسي، فَعَوَّض» أل «عن ياء المتكلم، وهذا ليس مذهب البصريين، بل قال به بعض الكوفيين، وهو مردودٌ بأنه لو كانت» أل «عوضاً من الضمير لَما جُمع بينهما، وقد جُمع بينهما، قال النابغة:
296 - رَحِيبٌ قِطابُ الجَيْبِ منها رفيقةٌ ... بجَسِّ الندامى بَضَّةُ المُتَجَرِّدِ
[فقال: الجيبِ منها] ، وأمَّا ما وَرَدَ وظاهرُه ذلك فيأتي تأويله في موضِعِه.
قوله تعالى: {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ} تقدَّم الكلامُ في» كُلَّما «، والعاملُ فيها هنا:» قالوا «، و» منها «متعلِّق ب» رُزِقوا «، و» مِنْ «لابتداء الغاية وكذلك» مِنْ ثمرةٍ «لأنها بَدَلٌ من قولِه» منها «بدَلُ اشتمالٍ بإعادةِ العاملِ، وإنما قُلْنَا بدلُ اشتمالٍ، لأنه لا يتعلَّقُ حرفان بمعنىً واحدٍ بعاملٍ واحدٍ إلا على سبيلِ البدليةِ أو العطفِ. وأجاز الزمخشري أن تكونَ» مِنْ «للبيانِ، كقولِك: رأيت منكَ أسداً. وفيه نظرٌ، لأنَّ مِنْ شرطِ ذلك أن يَحُلَّ مَحَلَّها موصولٌ وأن يكونَ ما قبلَها مُحَلَّى بأل الجنسية، وأيضاً فليس قبلَها شيءٌ يَتَبَيَّنُ بها، وكونُها بياناً لِما بعدها بعيدٌ جداً وهو غيرُ المصطلح.
و» رِزْقاً «مفعولٌ ثانٍ ل» رُزِقوا «وهو بمعنى» مَرْزوقٍ «، وكونُه مصدراً بعيدٌ لقولِه: {هذا الذي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً} والمصدرُ لا يؤتى به متشابهاً، وإنما يُؤْتى بالمرزوق كذلك.
قوله:» قالوا: هذا الذي رُزِقْنا مِنْ قبلُ «» قالوا «هو العاملُ في» كلما «كما تقدَّم، و {هذا الذي رُزِقْنَا} مبتدأ وخبرٌ في محلِّ نصبٍ بالقول، وعائدُ الموصولِ محذوفٌ لاستكمالِهِ الشروطَ، أي: رُزِقْناه. و» مِنْ قَبلُ «متعلِّقٌ به. و» مِنْ «لابتداءِ الغايةِ، ولَمَّا قُطِعَتْ» قبلُ «بُنِيَتْ، وإنما بُنِيَتْ على الضَّمةِ لأنها حركةٌ لم تكنْ لها حالَ إعرابها.
واختُلِفَ في هذه الجملةِ، فقيل: لا محلَّ لها مِنَ الإِعرابِ لأنَّها استئنافيةٌ، كأن قيل لَمَّا وُصِفَت الجناتُ: ما حالُها؟ فقيل: كلما رُزِقوا قالوا. وقيل: لَهَا محلٌّ، ثم اختُلِفَ فيه فقيل: رفعٌ على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ، واختُلِفَ في ذلك المبتدأ، فقيل: ضميرُ الجنات أي هي كلما. وقيل: ضميرُ الذين آمنوا أي: هم كلما رُزقوا قالوا ذلك. وقيل: محلًّها نصبٌ على الحالِ وصاحبُها: إمَّا الذينَ آمنوا وإمَّا جنات، وجازَ ذلك وإنْ كان نكرةً لأنها تَخَصَّصَتْ بالصفةِ، وعلى هذين تكونُ حالاً مقدَّرةً لأن وقتَ البشارةِ بالجناتِ لم يكونوا مرزوقينَ ذلك. وقيل: مَحَلُّهَا َنَصْبٌ على أنها صفةٌ لجنات أيضاً.
قوله: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً} الظاهرُ أنها جملةٌ مستأنفةٌ. وقال الزمخشري فيها: «هو كقولِكَ: فلانٌ أَحْسِنْ بفلان، ونِعْمَ ما فعل، ورأى من الرأي كذا، وكان صواباً، ومنه: {وجعلوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً وكذلك يَفْعَلُونَ} [النمل: 34] وما أشْبَه ذلك من الجملِ التي تُساق في الكلام معترضةً فلا محلَّ لها للتقرير» . قلت: يعني بكونها معترضةً أي بين أحوالِ أهل الجنة، فإنَّ بعدها: {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ} ، وإذا كانت معترضةً فلا محلَّ لها أيضاً. وقيل: هي عطفٌ على «قالوا» ، وقيل: محلُّها النصبُ على الحالِ، وصاحبُها فاعلُ «قالوا» أي: قالوا هذا الكلامَ في هذه الحالِ، ولا بُدَّ من تقديرِ «قد» قبل الفعلِ أي: وقد أُتوا، وأصلُ أُتُوا: أُتِيُوا مثل: ضُرِبوا، فَأُعِلَّ كنظائرِه. وقرئ: وأتَوا مبنياً للفاعل، والضميرُ للوِلْدان والخَدَمْ للتصريحِ بهم في غير موضع. والضميرُ في «به» يعودُ على المرزوق الذي هو الثمرات، كما أنَّ «هذا» إشارةٌ إليه. وقال الزمخشري: «يعودُ إلى المرزوق في الدنيا والآخرة لأنَّ قولَه: {هذا الذي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} انطوى تحته ذِكْرُ ما رُزِقوه في الدارَيْن. ونظيرُ ذلك قولُه تعالى: {إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فالله أولى بِهِمَا} [النساء: 135] أي: بجنسَي الغنيّ والفقيرِ المدلولِ عليهما بقولِه: غنياً أو فقيراً» . انتهى.
قلت: يَعْني بقولِه: «انطوى تحتَه ذِكْرُ ما رُزِقوه في الدارَيْن» أنه لمَّا كان التقديرُ: مثل الذي رُزِقْناه كان قدِ انطوى على المرزوقَيْنِ معاً كما أنَّ قولَكَ: «زيدٌ مثل ُ حاتم» مُنْطَوٍ على زَيد وحاتم. قال الشيخ: «وما قالَه غيرُ ظاهر، لأنَّ الظاهر عَوْدُه على المرزوق في الآخرةِ فقط، لأنه هو المُحَدَّثُ عنه، والمشبَّهُ بالذي رُزقوه من قبلُ، لا سيما إذا فسَّرْتَ القبلِيَّةَ بما في الجنة، فإنه يتعيَّن عَوْدُه على المَرزوق في الجنةِ فقط، وكذلك إذا أَعْرَبْتَ الجملةَ حالاً، إذْ يَصيرُ التقديرُ: قالوا: هذا [مثلُ] الذي رُزقنا من قبل وقد أُتُوا به [متشابهاً] ، لأنَّ الحاملَ لهم على هذا القول كَونُه أُتُوا به متشابهاً وعلى تقديرِ أن يكونَ معطوفاً على» قالوا «لا يَصِحُّ عَوْدُهُ على المرزوقِ في الدارَيْنِ لأنَّ الإِتيانَ إذ ذاك يستحيل أن يكونَ ماضياً معنًى، لأنَّ العاملَ في» كلما «وما في حَيِّزها يتعيَّنُ هنا أن يكونَ مستقبلَ المعنى، لأنها لا تَخْلُو من معنى الشرط، وعلى تقديرِ كونها مستأنفةً لا يظهرُ ذلك أيضاً لأنَّ هذه الجملَ مُحَدَّثٌ بها عن الجنة وأحوالِها» .
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني
بشر
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
بشر
البَشَرَة: ظاهر الجلد، والأدمة: باطنه، كذا قال عامّة الأدباء، وقال أبو زيد بعكس ذلك(١) ، وغلّطه أبو العباس وغيره، وجمعها: بَشَرٌ وأَبْشَارٌ، وعبّر عن الإنسان بالبَشَر اعتبارا بظهور جلده من الشعر، بخلاف الحيوانات التي عليها الصوف أو الشعر أو الوبر، واستوى في لفظ البشر الواحد والجمع، وثني فقال تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ﴾ [المؤمنون : 47] .
وخصّ في القرآن كلّ موضع اعتبر من الإنسان جثته وظاهره بلفظ البشر، نحو: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً﴾ [الفرقان : 54] ، وقال عزّ وجل: ﴿إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ﴾ [ص : 71] ، ولمّا أراد الكفار الغضّ من الأنبياء اعتبروا ذلك فقالوا: ﴿إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر : 25] ، وقال تعالى: ﴿أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ﴾ [القمر : 24] ، ﴿ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [يس : 15] ، ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ [المؤمنون : 47] ، ﴿فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ [التغابن : 6] ، وعلى هذا قال: ﴿إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف : 110] ، تنبيها أنّ الناس يتساوون في البشرية، وإنما يتفاضلون بما يختصون به من المعارف الجليلة والأعمال الجميلة، ولذلك قال بعده: ﴿يُوحى إِلَيَّ﴾ [الكهف : 110] ، تنبيها أني بذلك تميّزت عنكم. وقال تعالى: ﴿لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [مريم : 20] فخصّ لفظ البشر، وقوله: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا﴾ [مريم : 17] فعبارة عن الملائكة، ونبّه أنه تشبّح لها وتراءى لها بصورة بشر، وقوله تعالى: ﴿ما هذا بَشَراً﴾ [يوسف : 31] فإعظام له وإجلال وأنه أشرف وأكرم من أن يكون جوهره جوهر البشر.
وبَشَرْتُ الأديم: أصبت بشرته، نحو: أنفته ورجلته، ومنه: بَشَرَ الجراد الأرض إذا أكلته، والمباشرة: الإفضاء بالبشرتين، وكنّي بها عن الجماع في قوله: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ﴾ [البقرة : 187] ، وقال تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة : 187] .
وفلان مُؤْدَم مُبْشَر(٢) ، أصله من قولهم: أَبْشَرَهُ الله وآدمه، أي: جعل له بشرة وأدمة محمودة، ثم عبّر بذلك عن الكامل الذي يجمع بين الفضيلتين الظاهرة والباطنة.
وقيل معناه: جمع لين الأدمة وخشونة البشرة، وأَبْشَرْتُ الرجل وبَشَّرْتُهُ وبَشَرْتُهُ: أخبرته بسارّ بسط بشرة وجهه، وذلك أنّ النفس إذا سرّت انتشر الدم فيها انتشار الماء في الشجر، وبين هذه الألفاظ فروق، فإنّ بشرته عامّ، وأبشرته نحو: أحمدته، وبشّرته على التكثير، وأبشر يكون لازما ومتعديا، يقال: بَشَرْتُهُ فَأَبْشَرَ، أي: اسْتَبْشَرَ، وأَبْشَرْتُهُ، وقرئ: ﴿يُبَشِّرُكَ﴾ [آل عمران : 39] ويبشرك(٣) ويبشرك(٤) ، قال الله عزّ وجلّ: لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ قالَ: أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قالُوا: بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ [الحجر : 53-54] .
واستبشر: إذا وجد ما يبشّره من الفرح، قال تعالى: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [آل عمران : 170] ، ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ [آل عمران : 171] ، وقال تعالى: ﴿وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الحجر : 67] . ويقال للخبر السارّ: البِشارة والبُشْرَى، قال تعالى: ﴿هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس : 64] ، وقال تعالى: ﴿لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان : 22] ، وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى [هود : 69] ، ﴿يا بُشْرى هذا غُلامٌ﴾ [يوسف : 19] ، ﴿وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى﴾ [الأنفال : 10] .
والبشير: المُبَشِّر، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً﴾ [يوسف : 96] ، ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ [الزمر : 17] ، ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ [الروم : 46] ، أي: تبشّر بالمطر.
وقال ﷺ: «انقطع الوحي ولم يبق إلا المبشّرات، وهي الرؤيا الصالحة، يراها المؤمن أو ترى له»(٥) وقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ [يس : 11] ، وقال: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران : 21] ، ﴿بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ﴾ [النساء : 138] ، ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة : 3] فاستعارة ذلك تنبيه أنّ أسرّ ما يسمعونه الخبر بما ينالهم من العذاب، وذلك نحو قول الشاعر:
54- تحيّة بينهم ضرب وجيع(٦)
ويصحّ أن يكون على ذلك قوله تعالى: قُلْ: ﴿تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [إبراهيم : 30] ، وقال عزّ وجل: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [الزخرف : 17] .
ويقال: أَبشرَ، أي: وجد بشارة، نحو: أبقل وأمحل، ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت : 30] ، وأبشرت الأرض: حسن طلوع نبتها، ومنه قول ابن مسعود رضي الله عنه: (من أحبّ القرآن فليبشر)(٧) أي: فليسرّ. قال الفرّاء: إذا ثقّل فمن البشرى، وإذا خفّف فمن السرور يقال: بَشَرْتُهُ فَبَشَرَ، نحو: جبرته فجبر، وقال سيبويه(٨) : فَأَبْشَرَ، قال ابن قتيبة(٩) : هو من بشرت، الأديم، إذا رقّقت وجهه، قال: ومعناه فليضمّر نفسه، كما روي: «إنّ وراءنا عقبة لا يقطعها إلا الضّمر من الرّجال»(١٠) ، وعلى الأول قول الشاعر:
55- فأعنهم وابشر بما بشروا به ... وإذا هم نزلوا بضنك فانزل(١١) وتَبَاشِير الوجه وبِشْرُهُ: ما يبدو من سروره، وتباشير الصبح: ما يبدو من أوائله.
وتباشير النخيل: ما يبدو من رطبه، ويسمّى ما يعطى المبشّر: بُشْرَى وبشَارَة.
(١) ذكر قوله الأزهري في تهذيبه 11/ 360، والذي غلّطه ثعلب.
(٢) قال ابن منظور: وفي الصحاح: فلان مؤدم مبشر: إذا كان كاملا من الرجال.
(٣) وهي قراءة حمزة والكسائي بفتح الياء وإسكان الباء وضم الشين.
(٤) وهي قراءة شاذة، وانظر الحجة للقراء السبعة 3/ 42.
(٥) الحديث صحيح أخرجه البخاري 2/ 331، ومسلم (479) وفيه «ذهبت النبوة وبقيت المبشّرات» ، وأخرجه ابن ماجة 1/ 1283، وانظر: شرح السنة 12/ 204.
(٦) هذا عجز بيت لعمرو بن معديكرب، وصدره: وخيل قد دلفت لها بخيل
وهو في البصائر 2/ 201، وخزانة الأدب 9/ 252، وديوانه ص 149، والممتع ص 260، والخصائص 1/ 368.
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة 6/ 133 وانظره: في الغريبين 1/ 180، واللسان (بشر) ، والنهاية 1/ 129.
(٨) الكتاب 2/ 235.
(٩) في غريب الحديث 2/ 234.
(١٠) راجع: اللسان (بشر) 4/ 60. الحديث أخرجه ابن مردويه والطبراني عن أبي الدرداء سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ أمامكم عقبة كؤدا لا يجوزها المثقلون، فأنا أريد أن أتخفف لتلك العقبة» وإسناده صحيح. راجع: الدر المنثور 8/ 523، والترغيب والترهيب 4/ 85. وأسباب ورود الحديث 2/ 42 وأخرجه البزار بلفظ: «إن بين أيديكم عقبة» .
(١١) البيت لعبد قيس بن خفاف وهو شاعر جاهلي كان يعاصر حاتم طيئ.
والبيت في المفضليات ص 384، والأصمعيات ص 230، واللسان (بشر) ، وتهذيب إصلاح المنطق 1/ 89، ومعاني الفراء 1/ 212.
أمن
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
أمن
أصل الأَمْن: طمأنينة النفس وزوال الخوف، والأَمْنُ والأَمَانَةُ والأَمَانُ في الأصل مصادر، ويجعل الأمان تارة اسما للحالة التي يكون عليها الإنسان في الأمن، وتارة اسما لما يؤمن عليه الإنسان، نحو قوله تعالى: ﴿وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ﴾ [الأنفال : 27] ، أي: ما ائتمنتم عليه، وقوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأحزاب : 72] قيل: هي كلمة التوحيد، وقيل: العدالة(١) ، وقيل: حروف التهجي، وقيل: العقل، وهو صحيح فإنّ العقل هو الذي بحصوله يتحصل معرفة التوحيد، وتجري العدالة وتعلم حروف التهجي، بل بحصوله تعلّم كل ما في طوق البشر تعلّمه، وفعل ما في طوقهم من الجميل فعله، وبه فضّل على كثير ممّن خلقه.
وقوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً﴾ [آل عمران : 97] أي: آمنا من النار، وقيل: من بلايا الدنيا التي تصيب من قال فيهم: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [التوبة : 55] .
ومنهم من قال: لفظه خبر ومعناه أمر، وقيل: يأمن الاصطلام(٢) ، وقيل: آمن في حكم الله، وذلك كقولك: هذا حلال وهذا حرام، أي: في حكم الله.
والمعنى: لا يجب أن يقتصّ منه ولا يقتل فيه إلا أن يخرج، وعلى هذه الوجوه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت : 67] . وقال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ [البقرة : 125] . وقوله: ﴿أَمَنَةً نُعاساً﴾ [آل عمران : 154] أي: أمنا، وقيل: هي جمع كالكتبة. وفي حديث نزول المسيح: «وتقع الأمنة في الأرض»(٣) .
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة : 6] أي: منزله الذي فيه أمنه.
* وآمَنَ:
إنما يقال على وجهين:
- أحدهما متعديا بنفسه، يقال: آمنته، أي: جعلت له الأمن، ومنه قيل لله: مؤمن.
- والثاني: غير متعدّ، ومعناه: صار ذا أمن.
والإِيمان يستعمل تارة اسما للشريعة التي جاء بها محمّد عليه الصلاة والسلام، وعلى ذلك: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ [المائدة : 69] ، ويوصف به كلّ من دخل في شريعته مقرّا بالله وبنبوته. قيل: وعلى هذا قال تعالى: ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف : 106] .
وتارة يستعمل على سبيل المدح، ويراد به إذعان النفس للحق على سبيل التصديق، وذلك باجتماع ثلاثة أشياء: تحقيق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بحسب ذلك بالجوارح، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد : 19] .
ويقال لكلّ واحد من الاعتقاد والقول الصدق والعمل الصالح: إيمان. قال تعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾ [البقرة : 143] أي: صلاتكم، وجعل الحياء وإماطة الأذى من الإيمان(٤) .
قال تعالى: ﴿وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ﴾ [يوسف : 17] قيل: معناه: بمصدق لنا، إلا أنّ الإيمان هو التصديق الذي معه أمن، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء : 51] فذلك مذكور على سبيل الذم لهم، وأنه قد حصل لهم الأمن بما لا يقع به الأمن، إذ ليس من شأن القلب- ما لم يكن مطبوعا عليه- أن يطمئن إلى الباطل، وإنما ذلك كقوله: ﴿مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل : 106] ، وهذا كما يقال: إيمانه الكفر، وتحيته الضرب، ونحو ذلك.
وجعل النبيّ ﷺ أصل الإيمان ستة أشياء في خبر جبريل حيث سأله فقال: ما الإيمان؟ والخبر معروف(٥) .
ويقال: رجل أَمْنَةٌ وأَمَنَةٌ: يثق بكل أحد، وأَمِينٌ وأَمَانٌ يؤمن به. والأَمُون: الناقة يؤمن فتورها وعثورها.
(١) راجع الأقوال في هذه الآية في الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي 6/ 669.
(٢) الاصطلام: الاستئصال، واصطلم القوم: أبيدوا.
(٣) هذا جزء من حديث طويل وفيه: «ثمّ تقع الأمنة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، وتلعب الصبيان بالحيّات لا تضرّهم» . والحديث أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود برقم (4324) وابن جرير وابن حبان عن أبي هريرة، وقال ابن كثير بعد ذكر إسناده: وهذا إسناد جيد قوي. انظر: الدر المنثور 2/ 736، والفتن الملاحم لابن كثير 1/ 105.
(٤) كما قال عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه مسلم وغيره: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، وأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» .
(٥) وقد أخرجه البخاري ومسلم قال: «أن تؤمن بالله وحده وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد الموت والجنة والنار، وبالقدر خيره وشره» ، راجع البخاري 1/ 106، ومسلم (9) في الإيمان، وشرح السنة 1/ 9.
عمل
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
عمل
العَمَلُ: كلّ فعل يكون من الحيوان بقصد، فهو أخصّ من الفعل(١) ، لأنّ الفعل قد ينسب إلى الحيوانات التي يقع منها فعل بغير قصد، وقد ينسب إلى الجمادات، والعَمَلُ قلّما ينسب إلى ذلك، ولم يستعمل العَمَلُ في الحيوانات إلّا في قولهم: البقر العَوَامِلُ، والعَمَلُ يستعمل في الأَعْمَالِ الصالحة والسّيّئة، قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾ [البقرة : 277] ، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ﴾ [النساء : 124] ، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء : 123] ، ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ [التحريم : 11] ، وأشباه ذلك. إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ [هود : 46] ، وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ(٢) ، وقوله تعالى: ﴿وَالْعامِلِينَ عَلَيْها﴾ [التوبة : 60] : هم المتولّون على الصّدقة، والعَمَالَةُ: أجرته، وعَامِلُ الرُّمْحِ: ما يلي السّنان، والْيَعْمُلَةُ: مشتقّة من الْعَمَلِ(٣) .
(١) قال أبو هلال العسكري: والفرق بين الفعل والعمل: أنّ العمل إيجاد الأثر في الشيء. يقال: فلان يعمل الطين خزفا، ويعمل الخوص زنبيلا، والأديم سقاء. ولا يقال: يفعل ذلك، لأنّ فعل الشيء عبارة عمّا وجد في حال كان قبلها مقدورا، سواء كان عن سبب أو لا. انظر: الفروق اللغوية ص 109- 110.
(٢) في المطبوعة والمخطوطات: والذين يعملون السيئات لهم عذاب شديد وهذا خطأ والصحيح ما أثبتناه، وهي الآية 10 من سورة فاطر. والظاهر أن الخطأ من المؤلف نفسه لأنه استشهد به في مادة (عمل) . [استدراك]
(٣) اليعملة: الناقة.
صلح
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
صلح
الصَّلَاحُ: ضدّ الفساد، وهما مختصّان في أكثر الاستعمال بالأفعال، وقوبل في القرآن تارة بالفساد، وتارة بالسّيّئة. قال تعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً﴾ [التوبة : 102] ، ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها﴾ [الأعراف : 56] ، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾ [البقرة : 82] ، في مواضع كثيرة. والصُّلْحُ يختصّ بإزالة النّفار بين الناس، يقال منه: اصْطَلَحُوا وتَصَالَحُوا، قال: ﴿أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء : 128] ، ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا﴾ [النساء : 129] ، ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ [الحجرات : 9] ، ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات : 10] ، وإِصْلَاحُ اللهِ تعالى الإنسانَ يكون تارة بخلقه إيّاه صَالِحاً، وتارة بإزالة ما فيه من فساد بعد وجوده، وتارة يكون بالحكم له بالصَّلَاحِ. قال تعالى: ﴿وَأَصْلَحَ بالَهُمْ﴾ [محمد : 2] ، ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ﴾ [الأحزاب : 71] ، ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف : 15] ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس : 81] ، أي: المفسد يضادّ الله في فعله، فإنّه يفسد والله تعالى يتحرّى في جميع أفعاله الصَّلَاحَ، فهو إذا لا يُصْلِحُ عملَه، وصَالِحٌ: اسم للنّبيّ عليه السلام. قال تعالى: ﴿يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا﴾ [هود : 62] .
جن
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
جن
أصل الجِنِّ: ستر الشيء عن الحاسة، يقال: جَنَّه الليل وأَجَنَّهُ وجَنَّ عليه، فَجَنَّهُ: ستره، وأَجَنَّه جعل له ما يجنّه، كقولك: قبرته وأقبرته، وسقيته وأسقيته، وجَنَّ عليه كذا: ستر عليه، قال عزّ وجل: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً﴾ [الأنعام : 76] ، والجَنَان: القلب، لكونه مستورا عن الحاسة، والمِجَنُّ والمِجَنَّة: الترس الذي يجنّ صاحبه. قال عزّ وجل: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المجادلة : 16] ، وفي الحديث: «الصّوم جنّة»(١) . والجَنَّةُ: كلّ بستان ذي شجر يستر بأشجاره الأرض، قال عزّ وجل: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ﴾ [سبأ : 15] ، ﴿وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ : 16] ، ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ [الكهف : 39] ، قيل: وقد تسمى الأشجار الساترة جَنَّة، وعلى ذلك حمل قول الشاعر:
98- من النّواضح تسقي جنّة سحقا(٢)
وسميت الجنّة إمّا تشبيها بالجنّة في الأرض- وإن كان بينهما بون-، وإمّا لستره نعمها عنّا المشار إليها بقوله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة : 17] . قال ابن عباس رضي الله عنه: إنما قال: جَنَّاتٍ(٣) بلفظ الجمع لكون الجنان سبعا: جنة الفردوس، وعدن، وجنة النعيم، ودار الخلد، وجنة المأوى، ودار السلام، وعليّين.
والجنين: الولد ما دام في بطن أمه، وجمعه: أَجِنَّة. قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ [النجم : 32] ، وذلك فعيل في معنى مفعول، والجنين القبر(٤) ، وذلك فعيل في معنى فاعل. والجِنّ يقال على وجهين: أحدهما للروحانيين المستترة عن الحواس كلها بإزاء الإنس، فعلى هذا تدخل فيه الملائكة والشياطين، فكلّ ملائكة جنّ، وليس كلّ جنّ ملائكة، وعلى هذا قال أبو صالح(٥) : الملائكة كلها جنّ، وقيل: بل الجن بعض الروحانيين، وذلك أنّ الروحانيين ثلاثة:
- أخيار: وهم الملائكة.
- وأشرار: وهم الشياطين.
- وأوساط فيهم أخيار وأشرار: وهم الجن، ويدلّ على ذلك قوله تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ إلى قوله: وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ [الجن : 1-14] .
والجِنَّة: جماعة الجن. قال تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس : 6] ، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً﴾ [الصافات : 158] . والجِنَّة: الجنون، وقال تعالى: ﴿ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبأ : 46] أي: جنون.
والجُنون: حائل بين النفس والعقل، وجُنَّ فلان قيل: أصابه الجن، وبني فعله كبناء الأدواء نحو: زكم ولقي(٦) وحمّ، وقيل: أصيب جنانه، وقيل: حيل بين نفسه وعقله، فجن عقله بذلك وقوله تعالى: ﴿مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان : 14] ، أي: ضامّة من يعلمه من الجن، وكذلك قوله تعالى: أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ [الصافات : 36] ، وقيل:
99- جنّ التلاع والآفاق(٧)
أي: كثر عشبها حتى صارت كأنها مجنونة، وقوله تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر : 27] فنوع من الجنّ، وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّها جَانٌّ﴾ [النمل : 10] ، قيل: ضرب من الحيّات.
(١) الحديث يروى: «الصيام جنّة» وهو صحيح متفق عليه. وأخرجه مالك في الموطأ، باب جامع الصيام، انظر: تنوير الحوالك 1/ 287، وفتح الباري 4/ 87، ومسلم رقم (1151) ، وانظر: شرح السنة للبغوي 6/ 225.
(٢) هذا عجز بيت، وصدره: كأنّ عينيّ في غربي مقتّلة
وهو لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص 40، والمجمل 1/ 175.
(٣) وذلك في قوله تعالى: كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا الكهف: 107.
(٤) قال ابن فارس: والجنين: المقبور، وكذا في اللسان، والجنن: القبر لستره الميت.
(٥) عبد الله بن صالح، أبو صالح المصري، كاتب الليث، صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة، شيخ الكلبي، يروي عن ابن عباس، وفيه ضعف. مات سنة 122 هـ. انظر: تقريب التهذيب ص 308.
(٦) أي: أصابته اللقوة، وهو داء في الوجه يعوجّ منه الشّدق.
(٧) البيت بتمامه: فإذا جادت الدّجى وضعوا القدح ... وجنّ التلاع والآفاق
وهو للأعشى في ديوانه ص 129.
جرى
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
جرى
الجَرْي: المرّ السريع، وأصله كمرّ الماء، ولما يجري بجريه. يقال: جَرَى يَجْرِي جِرْيَة وجَرَيَاناً. قال عزّ وجل: ﴿وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف : 51] ، وقال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ﴾ [الكهف : 31] ، وقال: ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ﴾ [الروم : 46] ، وقال تعالى: ﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ [الغاشية : 12] ، وقال: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾ [الحاقة : 11] ، أي: السفينة التي تجري في البحر، وجمعها: جَوَارٍ، قال عزّ وجلّ: ﴿وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ﴾ [الرحمن : 24] ، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ [الشورى : 32] ، ويقال للحوصلة: جِرِّيَّة(١) ، إمّا لانتهاء الطعام إليها في جريه، أو لأنها مجرى الطعام.
والإِجْرِيَّا: العادة التي يجري عليها الإنسان، والجَرِيُّ: الوكيل والرسول الجاري في الأمر، وهو أخصّ من لفظ الرسول والوكيل، وقد جَرَيْتُ جَرْياً. وقوله عليه السلام: «لا يستجرينّكم الشّيطان»(٢) يصح أن يدّعى فيه معنى الأصل.
أي: لا يحملنّكم أن تجروا في ائتماره وطاعته، ويصح أن تجعله من الجري، أي: الرسول والوكيل(٣) . ومعناه: لا تتولوا وكالة الشيطان ورسالته، وذلك إشارة إلى نحو قوله عزّ وجل: ﴿فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ [النساء : 76] ، وقال عزّ وجل: ﴿إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ﴾ [آل عمران : 175] .
(١) انظر: المجمل 1/ 185.
(٢) الحديث عن مطرّف قال: قال أبي: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ، فقلنا: أنت سيدنا فقال: «السيّد الله عزّ وجل» ، قلنا: وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا، قال: «فقولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرينّكم الشيطان» أخرجه أبو داود. انظر: معالم السنن 4/ 112، وأحمد في المسند 3/ 241، والبيهقي في الأسماء والصفات ص 39.
(٣) راجع: معالم السنن للخطابي 4/ 112.
تحت
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
تحت
تَحْت مقابل لفوق، قال تعالى: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة : 66] ، وقوله تعالى: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ [الحج : 23] ، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ [يونس : 9] ، ﴿فَناداها مِنْ تَحْتِها﴾ [مريم : 24] ، ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت : 55] . و «تحت» : يستعمل في المنفصل، و «أسفل» في المتصل، يقال: المال تحته، وأسفله أغلظ من أعلاه، وفي الحديث: «لا تقوم الساعة حتى يظهر التُّحُوت»(١) أي: الأراذل من الناس. وقيل: بل ذلك إشارة إلى ما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق : 3-4] .
(١) الحديث تمامه: «لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والبخل، ويخوّن الأمين، ويؤتمن الخائن، وتهلك الوعول، وتظهر التحوت» قالوا: يا رسول الله، وما الوعول والتحوت؟ قال: «الوعول: وجوه الناس وأشرافهم، والتحوت: الذين كانوا تحت أقدام الناس لا يعلم بهم» أخرجه الطبراني في الأوسط 1/ 420 انظر فتح الباري 13/ 15 باب ظهور الفتن، ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن الحارث، وهو ثقة، وأخرجه أبو عبيد في غريب الحديث 3/ 125.
نهر
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
نهر
النَّهْرُ: مَجْرَى الماءِ الفَائِضِ، وجمْعُه: أَنْهَارٌ، قال تعالى: ﴿وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً﴾ [الكهف : 33] ، ﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلًا﴾ [النحل : 15] وجعل اللهُ تعالى ذلك مثلا لما يَدِرُّ من فَيْضِهِ وفَضْلِهِ في الجنَّة على الناس. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [القمر : 54] ، ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً﴾ [نوح : 12] ، ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ [المائدة : 119] .
والنّهر: السّعة تشبيها بنهر الماء، ومنه: أَنْهَرْتُ الدَّمَ. أي: أسلته إسالة، وأَنْهَرَ الماء: جرى، ونَهْرٌ نَهِرٌ: كثير الماء، قال أبو ذؤيب:
453- أقامت به فابتنت خيمة ... على قصب وفرات نهر(١)
والنهارُ: الوقت الذي ينتشر فيه الضّوء، وهو في الشرع: ما بين طلوع الفجر إلى وقت غروب الشمس، وفي الأصل ما بين طلوع الشمس إلى غروبها. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان : 62] وقال: ﴿أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً﴾ [يونس : 24] وقابل به البيات في قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً﴾ [يونس : 50] ورجل نَهِرٌ: صاحب نهار، والنهار: فرخ الحبارى، والمنهرة: فضاء بين البيوت كالموضع الذي تلقى فيه الكناسة، والنَّهْرُ والانتهارُ: الزّجر بمغالظة، يقال: نَهَرَهُ وانتهره، قال: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما﴾ [الإسراء : 23] ، ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى : 10] .
(١) البيت في ديوان الهذليين 1/ 146، وشرح أشعار الهذليين 1/ 112، وتهذيب إصلاح المنطق 1/ 130.
رزق
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
رزق
الرِّزْقُ يقال للعطاء الجاري تارة، دنيويّا كان أم أخرويّا، وللنّصيب تارة، ولما يصل إلى الجوف ويتغذّى به تارة(١) ، يقال: أعطى السّلطان رِزْقَ الجند، ورُزِقْتُ علما، قال: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المنافقون : 10] ، أي: من المال والجاه والعلم، وكذلك قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة : 3] ، ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة : 172] ، وقوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة : 82] ، أي: وتجعلون نصيبكم من النّعمة تحرّي الكذب.
وقوله: ﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات : 22] ، قيل: عني به المطر الذي به حياة الحيوان(٢) . وقيل: هو كقوله: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ [المؤمنون : 18] ، وقيل: تنبيه أنّ الحظوظ بالمقادير، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف : 19] ، أي: بطعام يتغذّى به. وقوله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقاً لِلْعِبادِ﴾ [ق : 10-11] ، قيل: عني به الأغذية، ويمكن أن يحمل على العموم فيما يؤكل ويلبس ويستعمل، وكلّ ذلك ممّا يخرج من الأرضين، وقد قيّضه الله بما ينزّله من السماء من الماء، وقال في العطاء الأخرويّ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران : 169] ، أي: يفيض الله عليهم النّعم الأخروية، وكذلك قوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم : 62] ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ﴾ [الذاريات : 58] ، فهذا محمول على العموم.
والرَّازِقُ يقال لخالق الرّزق، ومعطيه، والمسبّب له، وهو الله تعالى(٣) ، ويقال ذلك للإنسان الذي يصير سببا في وصول الرّزق. والرَّزَّاقُ لا يقال إلّا لله تعالى، وقوله: ﴿وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ [الحجر : 20] ، أي: بسبب في رزقه، ولا مدخل لكم فيه، وقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل : 73] ، أي: ليسوا بسبب في رزق بوجه من الوجوه، وسبب من الأسباب. ويقال: ارْتَزَقَ الجند: أخذوا أرزاقهم، والرَّزْقَةُ: ما يعطونه دُفْعة واحدة.
(١) وردّه الرازي في تفسيره 2/ 30.
(٢) وهو قول الضحاك، انظر: الدر المنثور 7/ 619.
(٣) انظر: الأسماء والصفات ص 86.
ثمر
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
ثمر
الثَّمَرُ اسم لكلّ ما يتطعم من أحمال الشجر، الواحدة ثَمَرَة، والجمع: ثِمَار وثَمَرَات، كقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ﴾ [البقرة : 22] ، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ﴾ [النحل : 67] ، وقوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ [الأنعام : 99] ، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ [الرعد : 3] ، والثَّمَر قيل: هو الثِّمَار، وقيل: هو جمعه، ويكنّى به عن المال المستفاد، وعلى ذلك حمل ابن عباس (وكان له ثمر)(١) [الكهف : 34] ويقال: ثَمَّرَ الله ماله، ويقال لكلّ نفع يصدر عن شيء: ثَمَرَة كقولك: ثمرة العلم العمل الصالح، وثمرة العمل الصالح الجنّة(٢) ، وثمرة السوط عقدة أطرافها تشبيها بالثمر في الهيئة، والتدلي عنه كتدلي الثمر عن الشجر، والثَّمِيرَة من اللبن: ما تحبّب من الزبد تشبيها بالثمر في الهيئة وفي التحصيل من اللبن.
(١) انظر: الدرّ المنثور 5/ 390، وهي قراءة ابن عباس من القراءات الشاذة. وقال مجاهد: ما كان في القرآن من ثمر فهو مال، وما كان من ثمر فهو من الثمار. انظر: اللسان (ثمر) .
(٢) انظر مجمع البلاغة للمؤلف 1/ 44.
قول
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
قول
القَوْلُ والقِيلُ واحد. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء : 122] ، والقَوْلُ يستعمل على أوجه: أظهرها أن يكون للمركّب من الحروف المبرز بالنّطق، مفردا كان أو جملة، فالمفرد كقولك: زيد، وخرج. والمركّب، زيد منطلق، وهل خرج عمرو، ونحو ذلك، وقد يستعمل الجزء الواحد من الأنواع الثلاثة أعني: الاسم والفعل والأداة قَوْلًا، كما قد تسمّى القصيدة والخطبة ونحوهما قَوْلًا.
الثاني: يقال للمتصوّر في النّفس قبل الإبراز باللفظ: قَوْلٌ، فيقال: في نفسي قول لم أظهره. قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ﴾ [المجادلة : 8] . فجعل ما في اعتقادهم قولا.
الثالث: للاعتقاد نحو فلان يقول بقول أبي حنيفة.
الرابع: يقال للدّلالة على الشيء نحو قول الشاعر:
377- امتلأ الحوض وقَالَ قطني(١)
الخامس: يقال للعناية الصادقة بالشيء، كقولك: فلان يَقُولُ بكذا.
السادس: يستعمله المنطقيّون دون غيرهم في معنى الحدّ، فيقولون: قَوْلُ الجوهر كذا، وقَوْلُ العرض كذا، أي: حدّهما.
السابع: في الإلهام نحو: ﴿قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾ [الكهف : 86] فإنّ ذلك لم يكن بخطاب ورد عليه فيما روي وذكر، بل كان ذلك إلهاما فسماه قولا. وقيل في قوله: ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت : 11] إنّ ذلك كان بتسخير من الله تعالى لا بخطاب ظاهر ورد عليهما، وكذا قوله تعالى: ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً﴾ [الأنبياء : 69] ، وقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران : 167] فذكر أفواههم تنبيها على أن ذلك كذب مقول، لا عن صحّة اعتقاد كما ذكر في الكتابة باليد(٢) ، فقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة : 79] ، وقوله: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس : 7] أي: علم الله تعالى بهم وكلمته عليهم كما قال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ [الأعراف : 137] وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس : 96] وقوله: ﴿ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم : 34] فإنما سمّاه قول الحقّ تنبيها على ما قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران : 59](٣) إلى قوله: ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
وتسميته قولا كتسميته كلمة في قوله: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ﴾ [النساء : 171] وقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات : 8] أي: لفي أمر من البعث، فسمّاه قولا، فإنّ الْمَقُولَ فيه يسمّى قولا، كما أنّ المذكور يسمّى ذكرا وقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة : 40-41] فقد نسب القول إلى الرّسول، وذلك أنّ القول الصادر إليك عن الرّسول يبلّغه إليك عن مرسل له، فيصحّ أن تنسبه تارة إلى الرّسول، وتارة إلى المرسل، وكلاهما صحيح. فإن قيل: فهل يصحّ على هذا أن ينسب الشّعر والخطبة إلى راويهما كما تنسبهما إلى صانعهما؟ قيل: يصحّ أن يقال للشّعر: هو قَوْلُ الراوي. ولا يصحّ أن يقال هو: شعره وخطبته، لأنّ الشّعر يقع على القول إذا كان على صورة مخصوصة، وتلك الصّورة ليس للرّاوي فيها شيء. والقول هو قول الرّاوي كما هو قول المرويّ عنه. وقوله تعالى: ﴿إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة : 156] لم يرد به القول المنطقيّ فقط بل أراد ذلك إذا كان معه اعتقاد وعمل. ويقال للّسان: الْمِقْوَلُ، ورجل مِقْوَلٌ: منطيق، وقَوَّالٌ وقَوَّالَةٌ كذلك. والْقَيْلُ: الملك من ملوك حمير سمّوه بذلك لكونه معتمدا على قوله ومقتدى به، ولكونه مُتَقَيِّلًا لأبيه. ويقال: تَقَيَّلَ فلان أباه، وعلى هذا النّحو سمّوا الملك بعد الملك تبّعا، وأصله من الواو، لقولهم في جمعه: أَقْوَالٌ نحو: ميت وأموات، والأصل قَيِّلٌ نحو: ميْت، أصله: ميّت فخفّف. وإذا قيل: أَقْيَالٌ فذلك نحو: أعياد، وتقيّل أباه نحو: تعبّد، واقْتَالَ قَوْلًا: قال ما اجترّ به إلى نفسه خيرا أو شرّا. ويقال ذلك في معنى احتكم قال الشاعر:
378- تأبى حكومة الْمُقْتَالُ(٤)
والقَالُ والقَالَةُ: ما ينشر من القول. قال الخليل: يوضع القَالُ موضع القَائِلِ(٥) . فيقال: أنا قَالُ كذا، أي: قَائِلُهُ.
(١) الرجز لم يعرف قائله، وتتمته: مهلا رويدا قد ملأت بطني
وهو في اللسان (قول) ، والخصائص 1/ 23، والمحكم 6/ 347.
(٢) النقل هذا حرفيا في البصائر 4/ 304.
(٣) الآية إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
(٤) البيت: ولمثل الذي جمعت من العدّة ... تأبى حكومة المقتال
وهو للأعشى من قصيدة يمدح بها الأسود بن المنذر اللخمي، ومطلعها: ما بكاء الكبير بالأطلال ... وسؤالي فهل تردّ سؤالي
وهو في ديوانه ص 168، واللسان (قال) ، والمعاني الكبير 2/ 924.
(٥) وعبارة الخليل: والقالة تكون في موضع القائلة، كما قال بشار: (أنا قالها) .
أي: قائلها. انظر: العين 5/ 213.
ذا
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
ذو
ذو على وجهين:
أحدهما: يتوصّل به إلى الوصف بأسماء الأجناس والأنواع، ويضاف إلى الظاهر دون المضمر، ويثنّى ويجمع، ويقال في المؤنّث: ذات، وفي التثنية: ذواتا، وفي الجمع: ذوات، ولا يستعمل شيء منها إلّا مضافا، قال: ﴿وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ﴾ [البقرة : 251] ، وقال: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى﴾ [النجم : 6] ، ﴿وَذِي الْقُرْبى﴾ [البقرة : 83] ، ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود : 3] ، ﴿ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى﴾ [البقرة : 177] ، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال : 43] ، ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ﴾ [الكهف : 18] ، ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال : 7] ، وقال: ﴿ذَواتا أَفْنانٍ﴾ [الرحمن : 48] .
وقد استعار أصحاب المعاني الذّات، فجعلوها عبارة عن عين الشيء، جوهرا كان أو عرضا، واستعملوها مفردة ومضافة إلى المضمر بالألف واللام، وأجروها مجرى النّفس والخاصّة، فقالوا: ذاته، ونفسه وخاصّته، وليس ذلك من كلام العرب[[انظر ما كتبناه في ذلك في تحقيقنا كتاب (وضح البرهان في مشكلات القرآن) للنيسابوري عند قوله تعالى: حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ سورة يس: آية 39.]] .
والثاني في لفظ ذو: لغة لطيّئ، يستعملونه استعمال الذي، ويجعل في الرفع، والنصب والجرّ، والجمع، والتأنيث على لفظ واحد[[وفي ذلك قال ابن مالك في ألفيته: ومن وما وأل تساوي ما ذكر ... وهكذا (ذو) عند طيئ شهر]] ، نحو:
171- وبئري ذو حفرت وذو طويت[[هذا عجز بيت، وشطره: فإنّ الماء ماء أبي وجدّي
وهو لسنان بن فحل الطائي.
والبيت في الفرائد الجديدة للسيوطي 1/ 184، وشفاء العليل في إيضاح التسهيل 1/ 227، وشرح المفصل 3/ 147، والأمالي الشجرية 2/ 306.]]
أي: التي حفرت والتي طويت .
وأما (ذا) في (هذا) فإشارة إلى شيء محسوس، أو معقول، ويقال في المؤنّث: ذه وذي وتا، فيقال: هذه وهذي، وهاتا، ولا تثنّى منهنّ إلّا هاتا، فيقال: هاتان.
قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء : 62] ، ﴿هذا ما تُوعَدُونَ﴾ [ص : 53] ، ﴿هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الذاريات : 14] ، ﴿إِنْ هذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه : 63] ، إلى غير ذلك ؛ هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ [الطور : 14] ، ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن : 43] .
ويقال بإزاء هذا في المستبعد بالشخص أو بالمنزلة: (ذَاكَ) و (ذلك) قال تعالى: الم ذلِكَ الْكِتابُ [البقرة : 1-2] ، ﴿ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ﴾ [الكهف : 17] ، ﴿ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى﴾ [الأنعام : 131] ، إلى غير ذلك.
وقولهم: (ماذا) يستعمل على وجهين: أحدهما. أن يكون (ما) مع (ذا) بمنزلة اسم واحد، والآخر: أن يكون (ذا) بمنزلة (الذي) ، فالأوّل نحو قولهم: عمّاذا تسأل؟ فلم تحذف الألف منه لمّا لم يكن ما بنفسه للاستفهام، بل كان مع ذا اسما واحدا، وعلى هذا قول الشاعر:
172- دعي ماذا علمت سأتّقيه[[هذا شطر بيت، وعجزه: ولكن بالمغيّب نبئيني
وهو من شواهد سيبويه 1/ 405، ولم يعرف قائله، وهو في الخزانة 6/ 142، واللسان (ذا) ، وهمع الهوامع 1/ 84.]]
أي: دعي شيئا علمته.
وقوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ [البقرة : 219] ، فإنّ من قرأ: قُلِ الْعَفْوَ[[وبها قرأ جميع القراء إلا أبا عمرو. انظر: الإتحاف ص 157.]] بالنّصب فإنّه جعل الاسمين بمنزلة اسم واحد، كأنّه قال: أيّ شيء ينفقون؟ ومن قرأ: قُلِ الْعَفْوُ[[وهي قراءة أبي عمرو.]] بالرّفع، فإنّ (ذا) بمنزلة الذي، وما للاستفهام أي: ما الذي ينفقون؟ وعلى هذا قوله تعالى: ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ؟ قالُوا: ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النحل : 24] ، و (أساطير) بالرّفع والنصب[[وقراءة الرفع هي الصحيحة المتواترة. وبها قرأ القرّاء العشر، أمّا قراءة النصب فهي شاذة.]] .
(١) انظر ما كتبناه في ذلك في تحقيقنا كتاب (وضح البرهان في مشكلات القرآن) للنيسابوري عند قوله تعالى: حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ سورة يس: آية 39.
(٢) وفي ذلك قال ابن مالك في ألفيته: ومن وما وأل تساوي ما ذكر ... وهكذا (ذو) عند طيئ شهر
(٣) هذا عجز بيت، وشطره: فإنّ الماء ماء أبي وجدّي
وهو لسنان بن فحل الطائي.
والبيت في الفرائد الجديدة للسيوطي 1/ 184، وشفاء العليل في إيضاح التسهيل 1/ 227، وشرح المفصل 3/ 147، والأمالي الشجرية 2/ 306.
(٤) هذا شطر بيت، وعجزه: ولكن بالمغيّب نبئيني
وهو من شواهد سيبويه 1/ 405، ولم يعرف قائله، وهو في الخزانة 6/ 142، واللسان (ذا) ، وهمع الهوامع 1/ 84.
(٥) وبها قرأ جميع القراء إلا أبا عمرو. انظر: الإتحاف ص 157.
(٦) وهي قراءة أبي عمرو.
(٧) وقراءة الرفع هي الصحيحة المتواترة. وبها قرأ القرّاء العشر، أمّا قراءة النصب فهي شاذة.
قبل
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
قبل
قَبْلُ يستعمل في التّقدّم المتّصل والمنفصل، ويضادّه بعد، وقيل: يستعملان في التّقدّم المتّصل، ويضادّهما دبر ودبر. هذا في الأصل وإن كان قد يتجوّز في كلّ واحد منهما.
(فَقَبْلُ) يستعمل على أوجه: الأوّل: في المكان بحسب الإضافة، فيقول الخارج من أصبهان إلى مكّة: بغداد قبل الكوفة، ويقول الخارج من مكّة إلى أصبهان: الكوفة قبل بغداد.
الثاني: في الزّمان نحو: زمان عبد الملك قبل المنصور، قال: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة : 91] .
الثالث: في المنزلة نحو: عبد الملك قبل الحجّاج.
الرابع: في الترتيب الصّناعيّ. نحو تعلّم الهجاء قبل تعلّم الخطّ، وقوله: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [الأنبياء : 6] ، وقوله: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها﴾ [طه : 130] ، ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ﴾ [النمل : 39] ، ﴿أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحديد : 16] ، فكلّ إشارة إلى التّقدّم الزّمانيّ. والقُبُلُ والدّبر يكنّى بهما عن السّوأتين، والإِقْبَالُ: التّوجّه نحو الْقُبُلِ، كَالاسْتِقْبَالِ. قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ﴾ [الصافات : 50] ، ﴿وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ [يوسف : 71] ، ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ﴾ [الذاريات : 29] ، والقَابِلُ: الذي يَسْتَقْبِلُ الدّلو من البئر فيأخذه، والْقَابِلَةُ: التي تَقْبَلُ الولد عند الولادة، وقَبِلْتُ عذره وتوبته وغيره، وتَقَبَّلْتُهُ كذلك. قال: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ﴾ [البقرة : 123] ، ﴿وَقابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر : 3] ، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [الشورى : 25] .
والتَّقَبُّلُ: قَبُولُ الشيء على وجه يقتضي ثوابا كالهديّة ونحوها. قال تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ [الأحقاف : 16] ، وقوله: ﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة : 27] ، تنبيه أن ليس كل عبادة مُتَقَبَّلَةً، بل إنّما يتقبّل إذا كان على وجه مخصوص. قال تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ [آل عمران : 35] . وقيل للكفالة: قُبَالَةٌ فإنّ الكفالة هي أوكد تَقَبُّلٍ، وقوله: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ [آل عمران : 35] ، فباعتبار معنى الكفالة، وسمّي العهد المكتوب: قُبَالَةً، وقوله: ﴿فَتَقَبَّلَها﴾ [آل عمران : 37] ، قيل: معناه قبلها، وقيل: معناه تكفّل بها، ويقول الله تعالى: كلّفتني أعظم كفالة في الحقيقة وإنما قيل: ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ﴾ [آل عمران : 37] ، ولم يقل بتقبّل للجمع بين الأمرين: التَّقَبُّلِ الذي هو التّرقّي في القَبُولِ، والقَبُولِ الذي يقتضي الرّضا والإثابة(١) . وقيل: القَبُولُ هو من قولهم: فلان عليه قبول: إذا أحبّه من رآه، وقوله: ﴿كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ [الأنعام : 111](٢) قيل: هو جمع قَابِلٍ، ومعناه: مُقَابِلٌ لحواسهم، وكذلك قال مجاهد: جماعة جماعة(٣) ، فيكون جمع قَبِيلٍ، وكذلك قوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا﴾ [الكهف : 55] ومن قرأ قبلا(٤) فمعناه: عيانا(٥) . والقَبِيلُ: جمع قَبِيلَةٍ، وهي الجماعة المجتمعة التي يقبل بعضها على بعض. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ﴾ [الحجرات : 13] ، ﴿وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء : 92] ، أي: جماعة جماعة.
وقيل: معناه كفيلا. من قولهم: قَبلْتُ فلانا وتَقَبَّلْتُ به، أي: تكفّلت به، وقيل مُقَابَلَةً، أي: معاينة، ويقال: فلان لا يعرف قَبِيلًا من دبير(٦) ، أي: ما أَقْبَلَتْ به المرأة من غزلها وما أدبرت به.
والمُقَابَلَةُ والتَّقَابُلُ: أن يُقْبِلَ بعضهم على بعض، إمّا بالذّات، وإمّا بالعناية والتّوفّر والمودّة. قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ [الواقعة : 16] ، ﴿إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الحجر : 47] ، ولي قِبَلَ فلانٍ كذا، كقولك: عنده. قال تعالى: وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ(٧) [الحاقة : 9] ، ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ [المعارج : 36] ، ويستعار ذلك للقوّة والقدرة على الْمُقَابَلَةِ، أي: المجازاة، فيقال: لا قِبَلَ لي بكذا، أي: لا يمكنني أن أُقَابِلَهُ، قال: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها﴾ [النمل : 37] ، أي: لا طاقة لهم على اسْتِقْبَالِهَا ودفاعها، والقِبْلةُ في الأصل اسم للحالة التي عليها الْمُقَابِلُ نحو: الجلسة والقعدة، وفي التّعارف صار اسما للمكان الْمُقَابَلِ المتوجّهِ إليه للصلاة.
نحو: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ [البقرة : 144] ، والقَبُولُ: ريح الصّبا، وتسميتها بذلك لِاسْتِقْبَالِهَا القِبْلَةَ، وقَبِيلَةُ الرأس: موصل الشّؤن.
وشاة مُقَابلَةٌ: قطع من قِبَلِ أذنها، وقِبَالُ النّعلِ: زمامها، وقد قَابَلْتُهَا: جعلت لها قِبالا، والقَبَلُ: الفحج(٨) ، والقُبْلَةُ: خرزة يزعم السّاحر أنه يُقْبِلُ بالإنسان على وجه الآخر، ومنه: القُبْلَةُ، وجمعها قُبَلٌ، وقَبَّلْتُهُ تَقْبِيلًا.
(١) انظر: البصائر 4/ 235.
(٢) هذه قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب وعاصم. انظر: الإتحاف ص 215.
(٣) انظر: البصائر 4/ 235، والدر المنثور 3/ 341.
(٤) وهي قراءة نافع وابن عامر وأبي جعفر. انظر: الإتحاف ص 215.
(٥) قال شيخنا أحمد بن محمد حامد الحسين الشنقيطي: وجا قبل وفق اقتدار، وقد أتى ... لردف عيان لكن القاف تكسر
وفي النوع فاضمم قافه جامعا له ... وذلك في الصاوي إذا كنت تنظر
(٦) انظر: أساس البلاغة (دبر) ، واللسان (دبر) .
(٧) وهي قراءة أبي عمرو والكسائي ويعقوب. الإتحاف ص 422.
(٨) وهو تباعد ما بين الرجلين. انظر المجمل 3/ 742.
أتى
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
أتى
الإتيان: مجيء بسهولة، ومنه قيل للسيل المارّ على وجهه: أَتِيّ وأَتَاوِيّ(١) ، وبه شبّه الغريب فقيل: أتاويّ(٢) .
والإتيان يقال للمجيء بالذات وبالأمر وبالتدبير، ويقال في الخير وفي الشر وفي الأعيان والأعراض، نحو قوله تعالى: ﴿إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ [الأنعام : 40] ، وقوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل : 1] ، وقوله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ﴾ [النحل : 26] ، أي: بالأمر والتدبير، نحو: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر : 22] ، وعلى هذا النحو قول الشاعر:
5- أتيت المروءة من بابها(٣)
فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها [النمل : 37] ، وقوله: ﴿لا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى﴾ [التوبة : 54] ، أي: لا يتعاطون، وقوله: ﴿يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ﴾ [النساء : 15] ، وفي قراءة عبد الله: (تأتي الفاحشة)(٤) فاستعمال الإتيان منها كاستعمال المجيء في قوله: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا﴾ [مريم : 27] .
يقال: أتيته وأتوته(٥) ، ويقال للسقاء إذا مخض وجاء زبده: قد جاء أتوه، وتحقيقه: جاء ما من شأنه أن يأتي منه، فهو مصدر في معنى الفاعل.
وهذه أرض كثيرة الإتاء أي: الرّيع، وقوله تعالى: ﴿مَأْتِيًّا﴾ [مريم : 61] مفعول من أتيته.
قال بعضهم(٦) : معناه: آتيا، فجعل المفعول فاعلًا، وليس كذلك بل يقال: أتيت الأمر وأتاني الأمر، ويقال: أتيته بكذا وآتيته كذا. قال تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً﴾ [البقرة : 25] ، وقال: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها﴾ [النمل : 37] ، وقال: ﴿وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً﴾ [النساء : 54] . [وكلّ موضع ذكر في وصف الكتاب «آتينا» فهو أبلغ من كلّ موضع ذكر فيه «أوتوا» ، لأنّ «أوتوا» قد يقال إذا أوتي من لم يكن منه قبول، وآتيناهم يقال فيمن كان منه قبول](٧) .
وقوله تعالى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف : 96] وقرأه حمزة موصولة(٨) . أي: جيئوني.
والإِيتاء: الإعطاء، [وخصّ دفع الصدقة في القرآن بالإيتاء] نحو: ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ﴾ [البقرة : 277] ، ﴿وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ﴾ [الأنبياء : 73] ، ووَ لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً [البقرة : 229] ، ووَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ [البقرة : 247] .
(١) قال ابن منظور: والأتيّ: النهر يسوقه الرجل إلى أرضه. وسيل أتيّ وأتاويّ: لا يدرى من أين أتى، وقال اللحياني: أي: أتى ولبّس مطره علينا.
(٢) وقال في اللسان: بل السيل مشبّه بالرّجل لأنه غريب مثله، راجع 14/ 15.
(٣) هذا عجز بيت للأعشى وقبله: وكأسٍ شربت على لذةٍ ... وأخرى تداويت منها بها
لكي يعلم الناس أني امرؤ ... أتيت المروءة من بابها
وليس في ديوانه- طبع دار صادر، بل في ديوانه- طبع مصر ص 173، وخاص الخاص ص 99، والعجز في بصائر ذوي التمييز 2/ 43.
(٤) وهي قراءة شاذة قرأ بها ابن مسعود.
(٥) قال ابن مالك: وأتوت مثل أتيت فقل بها ... ومحوت خطّ السطر ثم محيته
(٦) والذي قال هذا ابن قتيبة وأبو نصر الحدادي، وذكره ابن فارس بقوله: وزعم ناس، كأنّه يضعّفه.
راجع: تأويل مشكل القرآن ص 298، والمدخل لعلم تفسير كتاب الله ص 269، والصاحبي ص 367، وكذا الزمخشري في تفسيره راجع الكشاف 2/ 2/ 415.
(٧) نقل هذه الفائدة السيوطي في الإتقان 1/ 256 عن المؤلف.
(٨) وكذا قرأها أبو بكر من طريق العليمي وأبي حمدون. ا. هـ. راجع: الإتحاف ص 295.
شبه
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
شبه
الشِّبْهُ والشَّبَهُ والشَّبِيهُ: حقيقتها في المماثلة من جهة الكيفيّة، كاللّون والطّعم، وكالعدالة والظّلم، والشُّبْهَةُ: هو أن لا يتميّز أحد الشّيئين من الآخر لما بينهما من التّشابه، عينا كان أو معنى، قال: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً﴾ [البقرة : 25] ، أي: يشبه بعضه بعضا لونا لا طعما وحقيقة، وقيل: متماثلا في الكمال والجودة، وقرئ قوله: ﴿مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ [الأنعام : 99] ، وقرئ: ﴿مُتَشابِهاً﴾ [الأنعام : 141] ، جميعا، ومعناهما متقاربان. وقال: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ [البقرة : 70] ، على لفظ الماضي، فجعل لفظه مذكّرا، و (تَشَّابَهُ)(١) أي: تتشابه علينا على الإدغام، وقوله: ﴿تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة : 118] ، أي: في الغيّ والجهالة، قال: ﴿آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ [آل عمران : 7] .
والْمُتَشَابِهُ من القرآن: ما أشكل تفسيره لمشابهته بغيره، إمّا من حيث اللّفظ، أو من حيث المعنى، فقال الفقهاء: الْمُتَشَابِهُ: ما لا ينبئ ظاهره عن مراده(٢) ، [وحقيقة ذلك أنّ الآيات عند اعتبار بعضها ببعض ثلاثة أضرب: محكم على الإطلاق، ومُتَشَابِهٌ على الإطلاق، ومحكم من وجه متشابه من وجه. فالمتشابه في الجملة ثلاثة أضرب: متشابه من جهة اللّفظ فقط، ومتشابه من جهة المعنى فقط، ومتشابه من جهتهما.
والمتشابه من جهة اللّفظ ضربان: أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة، وذلك إمّا من جهة غرابته نحو: الأبّ(٣) ، ويزفّون(٤) ، وإمّا من جهة مشاركة في اللّفظ كاليد والعين. والثاني يرجع إلى جملة الكلام المركّب، وذلك ثلاثة أضرب: ضرب لاختصار الكلام نحو: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء : 3] .
وضرب لبسط الكلام نحو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى : 11] ، لأنه لو قيل: ليس مثله شيء كان أظهر للسامع.
وضرب لنظم الكلام نحو: ﴿أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً﴾ [الكهف : 1-2] ، تقديره: الكتاب قيّما ولم يجعل له عوجا، وقوله: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ إلى قوله: لَوْ تَزَيَّلُوا(٥) . والمتشابه من جهة المعنى: أوصاف الله تعالى، وأوصاف يوم القيامة، فإنّ تلك الصّفات لا تتصوّر لنا إذ كان لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسّه، أو لم يكن من جنس ما نحسّه. والمتشابه من جهة المعنى واللّفظ جميعا خمسة أضرب: الأوّل: من جهة الكمّيّة كالعموم والخصوص نحو: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة : 5] .
والثاني: من جهة الكيفيّة كالوجوب والنّدب، نحو: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء : 3] . والثالث: من جهة الزّمان كالنّاسخ والمنسوخ، نحو: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران : 102] .
والرّابع: من جهة المكان والأمور الّتي نزلت فيها، نحو: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها﴾ [البقرة : 189] ، وقوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة : 37] ، فإنّ من لا يعرف عادتهم في الجاهليّة يتعذّر عليه معرفة تفسير هذه الآية.
والخامس: من جهة الشّروط التي بها يصحّ الفعل، أو يفسد كشروط الصلاة والنكاح. وهذه الجملة إذا تصوّرت علم أنّ كلّ ما ذكره المفسّرون في تفسير المتشابه لا يخرج عن هذه التقاسيم، نحو قول من قال: المتشابه الم [البقرة : 1] ، وقول قتادة: المحكم: النّاسخ، والْمُتَشَابِهُ: المنسوخ(٦) ، وقول الأصمّ(٧) : المحكم: ما أجمع على تأويله، والْمُتَشَابِهُ: ما اختلف فيه. ثمّ جميع المتشابه على ثلاثة أضرب: ضرب لا سبيل للوقوف عليه، كوقت السّاعة، وخروج دابّة الأرض، وكيفيّة الدّابّة ونحو ذلك. وضرب للإنسان سبيل إلى معرفته، كالألفاظ الغريبة والأحكام الغلقة. وضرب متردّد بين الأمرين يجوز أن يختصّ بمعرفة حقيقته بعض الرّاسخين في العلم، ويخفى على من دونهم، وهو الضّرب المشار إليه بقوله عليه السلام في عليّ رضي الله عنه: «اللهمّ فقّهه في الدّين وعلّمه التّأويل»(٨) ، وقوله لابن عبّاس مثل ذلك(٩) . وإذ عرفت هذه الجملة علم أنّ الوقف على قوله: ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران : 7] ، ووصله بقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران : 7] جائز، وأنّ لكلّ واحد منهما وجها حسبما دلّ عليه التّفصيل المتقدّم(١٠) . وقوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً﴾ [الزمر : 23] ، فإنّه يعني ما يشبه بعضه بعضا في الأحكام، والحكمة واستقامة النّظم. وقوله: وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ(١١) أي: مثّل لهم من حسبوه إيّاه، والشَّبَهُ من الجواهر: ما يشبه لونه لون الذّهب.
(١) وهي قراءة شاذة، قرأ بها الأعرج.
(٢) انظر: بصائر ذوي التمييز 3/ 293، والتعريفات للجرجاني ص 200.
(٣) الأبّ: الكلأ، وقيل: الأبّ من المرعى للدواب، كالفاكهة للإنسان. انظر: اللسان (أبّ) .
(٤) يزفّون أي: يسرعون، وأصله من: زفيف النعامة، وهو ابتداء عدوها. انظر: اللسان (زفّ) .
(٥) الآية: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ، لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً سورة الفتح: آية 25.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 48.
(٧) عبد الرحمن بن كيسان، أبو بكر الأصم المعتزلي، له تفسير عجيب، ينقل عنه الرازي. انظر لسان الميزان 3/ 427.
(٨) لم أجده، لكن جاء عن عليّ رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن لأقضي بينهم، فقلت: يا رسول الله لا علم لي بالقضاء، فضرب بيده على صدري، وقال: «اللهم اهد قلبه، وسدد لسانه» . أخرجه النسائي في تهذيب خصائص عليّ بن أبي طالب ص 43، وهو ضعيف.
(٩) الحديث عن ابن عباس أنّ النبي ﷺ دخل الخلاء، فوضعت له وضوءا، قال: «من وضع هذا» ؟ فأخبر فقال: «اللهم فقهه في الدين» . أخرجه البخاري في باب وضع الماء عند الخلاء 1/ 224.
وقال ابن حجر: وهذه اللفظة اشتهرت على الألسنة: «اللهم فقهه في الدين، وعلّمه التأويل» حتى نسبها بعضهم للصحيحين ولم يصب، والحديث عند أحمد بهذا اللفظ، وعند الطبراني من وجهين آخرين. انظر فتح الباري 7/ 100 فضائل ابن عباس، ومسند أحمد 1/ 266، ومجمع الزوائد 9/ 279.
(١٠) ما بين [] نقله السيوطي بطوله في الإتقان 2/ 6.
(١١) سورة النساء: آية 157. وقد نقل أكثر هذا الباب الفيروزآبادي حرفيا في البصائر 3/ 294- 297.
زوج
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
زوج
يقال لكلّ واحد من القرينين من الذّكر والأنثى في الحيوانات الْمُتَزَاوِجَةُ زَوْجٌ، ولكلّ قرينين فيها وفي غيرها زوج، كالخفّ والنّعل، ولكلّ ما يقترن بآخر مماثلا له أو مضادّ زوج. قال تعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ [القيامة : 39] ، وقال: ﴿وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة : 35] ، وزَوْجَةٌ لغة رديئة، وجمعها زَوْجَاتٌ، قال الشاعر:
214- فبكا بناتي شجوهنّ وزوجتي(١)
وجمع الزّوج أَزْوَاجٌ. وقوله: ﴿هُمْ وَأَزْواجُهُمْ﴾ [يس : 56] ، ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾ [الصافات : 22] ، أي: أقرانهم المقتدين بهم في أفعالهم، وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ [الحجر : 88] ، أي: أشباها وأقرانا. وقوله: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ﴾ [يس : 36] ، ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات : 49] ، فتنبيه أنّ الأشياء كلّها مركّبة من جوهر وعرض، ومادّة وصورة، وأن لا شيء يتعرّى من تركيب يقتضي كونه مصنوعا، وأنه لا بدّ له من صانع تنبيها أنه تعالى هو الفرد، وقوله: ﴿خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات : 49] ، فبيّن أنّ كلّ ما في العالم زوج من حيث إنّ له ضدّا، أو مثلا ما، أو تركيبا مّا، بل لا ينفكّ بوجه من تركيب، وإنما ذكر هاهنا زوجين تنبيها أنّ الشيء- وإن لم يكن له ضدّ، ولا مثل- فإنه لا ينفكّ من تركيب جوهر وعرض، وذلك زوجان، وقوله: ﴿أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى﴾ [طه : 53] ، أي: أنواعا متشابهة، وكذلك قوله: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقمان : 10] ، ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ [الأنعام : 143] ، أي: أصناف. وقوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً﴾ [الواقعة : 7] ، أي: قرناء ثلاثا، وهم الذين فسّرهم بما بعد(٢) . وقوله: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير : 7] ، فقد قيل: معناه: قرن كلّ شيعة بمن شايعهم في الجنّة والنار، نحو: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾ [الصافات : 22] ، وقيل: قرنت الأرواح بأجسادها حسبما نبّه عليه قوله في أحد التّفسيرين: ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر : 27-28] ، أي: صاحبك. وقيل: قرنت النّفوس بأعمالها حسبما نبّه قوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ [آل عمران : 30] ، وقوله: ﴿وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان : 54] ، أي: قرنّاهم بهنّ، ولم يجئ في القرآن زوّجناهم حورا، كما يقال زوّجته امرأة، تنبيها أن ذلك لا يكون على حسب المتعارف فيما بيننا من المناكحة.
(١) هذا شطر بيت، وعجزه: والأقربون ثم إليّ تصدّعوا وهو لعبدة بن الطبيب في المفضليات ص 148، والأضداد لابن الأنباري ص 374، وربيع الأبرار 4/ 181.
(٢) فسّرهم بقوله تعالى: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ.
طهر
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
طهر
يقال: طَهُرَتِ المرأةُ طُهْراً وطَهَارَةً، وطَهَرَتْ(١) ، والفتح أقيس، لأنها خلاف طمثت، ولأنه يقال: طَاهِرَةٌ، وطَاهِرٌ، مثل: قائمة وقائم، وقاعدة وقاعد. والطَّهَارَةُ ضربان: طَهَارَةُ جسمٍ، وطَهَارَةُ نفسٍ، وحمل عليهما عامّة الآيات. يقال: طَهَّرْتُهُ فَطَهُرَ، وتَطَهَّرَ، وَاطَّهَّرَ فهو طَاهِرٌ ومُتَطَهِّرٌ. قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة : 6] ، أي: استعملوا الماء، أو ما يقوم مقامه، قال: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة : 222] ، فدلّ باللّفظين على أنه لا يجوز وطؤهنّ إلّا بعد الطَّهَارَةِ والتَّطْهِيرِ(٢) ، ويؤكّد قراءة من قرأ: حَتَّى يَطْهُرْنَ(٣) أي: يفعلن الطَّهَارَةَ التي هي الغسل. قال تعالى: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة : 222] ، أي: التاركين للذنب والعاملين للصّلاح، وقال: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة : 108] ، ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف : 82] ، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة : 108] ، فإنه يعني تَطْهِيرَ النّفسِ، ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران : 55] ، أي: مخرجك من جملتهم ومنزّهك أن تفعل فعلهم وعلى هذا: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب : 33] ، ﴿وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ﴾ [آل عمران : 42] ، ﴿ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ [البقرة : 232] ، ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ﴾ [الأحزاب : 53] ، ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة : 79] ، أي: إنه لا يبلغ حقائق معرفته إلّا من طَهَّرَ نفسه وتنقّى من درن الفساد(٤) . وقوله: ﴿إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف : 82] ، فإنهم قالوا ذلك على سبيل التّهكّم حيث قال لهم: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود : 78] ، وقوله تعالى: لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ [النساء : 57، البقرة : 25] ، أي: مُطَهَّرَاتٌ من درن الدّنيا وأنجاسها(٥) ، وقيل: من الأخلاق السّيّئة بدلالة قوله: ﴿عُرُباً أَتْراباً﴾ [الواقعة : 37] ، وقوله في صفة القرآن: ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عبس : 14] ، وقوله: ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر : 4] ، قيل: معناه نفسك فنقّها من المعايب، وقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج : 26] ، وقوله: ﴿وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ﴾ [البقرة : 125] ، فحثّ على تَطْهِيرِ الكعبة من نجاسة الأوثان. وقال بعضهم: في ذلك حثّ على تَطْهِيرِ القلبِ لدخول السّكينة فيه المذكورة في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح : 4] ، والطَّهُورُ قد يكون مصدرا فيما حكى سيبويه(٦) في قولهم: تَطَهَّرْتُ طَهُوراً، وتَوَضَّأْتُ وَضُوءاً، فهذا مصدر على فَعُولٍ، ومثله وَقَدْتُ وَقُوداً، ويكون اسما غير مصدر كالفَطُورِ في كونه اسما لما يفطر به، ونحو ذلك: الوَجُور والسَّعُوط والذَّرُور(٧) ، ويكون صفة كالرّسول ونحو ذلك من الصّفات، وعلى هذا وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً [الإنسان : 21] ، تنبيها أنه بخلاف ما ذكره في قوله: ﴿وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم : 16] ، ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً﴾ [الفرقان : 48] . قال أصحاب الشّافعيّ رضي الله عنه: الطَّهُورُ بمعنى المُطَهِّرِ، وذلك لا يصحّ من حيث اللّفظ لأنّ فَعُولا لا يُبْنَى من أَفْعَلَ وفَعَّلَ، وإنما يبنى ذلك من فَعُلَ(٨) .
وقيل: إنّ ذلك اقتضى التَّطْهِيرَ من حيث المعنى، وذلك أنّ الطَّاهِرَ ضربان: ضربٌ لا يتعدّاه الطَّهَارَةُ كطَهَارَةِ الثّوبِ، فإنه طَاهِرٌ غيرُ مُطَهَّرٍ به، وضرب يتعدّاه، فيجعل غيره طَاهِراً به، فوصف الله تعالى الماء بأنّه طهور تنبيها على هذا المعنى.
(١) الفعل مثلّث العين، يقال: طهر، وطهر، وطهر. انظر: الأفعال 3/ 273.
(٢) وهذا مذهب الشافعي. انظر: أحكام القرآن لإلكيا الهرّاسي 1/ 137.
(٣) وهي قراءة شعبة وحمزة والكسائي وخلف. انظر: الإتحاف ص 157.
(٤) راجع: روح المعاني 27/ 154.
(٥) قال قتادة: طهرهنّ الله من كل بول وغائط، وقذر، ومآثم. الدر المنثور 1/ 98.
(٦) الكتاب 4/ 42.
(٧) السّعوط: كل شيء صببته في الأنف، والوجور: في الفم ومثله النّشوق، واللّدود. راجع في ذلك المخصص 5/ 101- 102، وتصحيح الفصيح 1/ 155 والحجة للفارسي 2/ 323، وما بين [] مأخوذ من الحجة للفارسي.
(٨) قال أبو بكر ابن العربي: إنّي تأملته من طريق العربية فوجدت فيها مطلعا شريفا، وهو أنّ بناء (فعول) للمبالغة، إلا أنّ المبالغة قد تكون في الفعل المتعدي، كما قال الشاعر: ضروب بنصل السيف سوق سمائها
وقد تكون في الفعل القاصر، كما قال الشاعر: نؤوم الضّحى لم تنتطق عن تفضّل
فوصفه الأول بالمبالغة في الضرب، وهو فعل يتعدّى، ووصفها الثاني بالمبالغة في النوم، وهو فعل لا يتعدّى، وإنما تؤخذ طهورية الماء لغيره من الحسن نظافة، ومن الشرع طهارة.
وقد يأتي بناء (فعول) لوجه آخر، وهو العبارة به عن آلة الفعل لا عن الفعل، كقولنا: وقود وسحور، فإنه عبارة عن الحطب، وعن الطعام المتسحّر به، وكذلك وصف الماء بأنه طهور يكون بفتح الطاء خبرا عن الآلة التي يتطهر بها.
فإذا ضممت الفاء في الوقود والسحور والطهور عاد إلى الفعل، وكان خبرا عنه فثبت بهذا أنّ اسم الفعول يكون بناء للمبالغة، ويكون خبرا عن الآلة، وبعد هذا يقف البيان به عن المبالغة، أو عن الآلة على الدليل، مثاله قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً وقوله ﷺ: «وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» . راجع: أحكام القرآن 3/ 1417.
خلد
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
خلد
الخُلُود: هو تبرّي الشيء من اعتراض الفساد، وبقاؤه على الحالة التي هو عليها، وكلّ ما يتباطأ عنه التغيير والفساد تصفه العرب بالخلود، كقولهم للأثافي: خوالد، وذلك لطول مكثها لا لدوام بقائها. يقال: خَلَدَ يَخْلُدُ خُلُودا(١) ، قال تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء : 129] ، والخَلْدُ: اسم للجزء الذي يبقى من الإنسان على حالته، فلا يستحيل ما دام الإنسان حيّا استحالة سائر أجزائه(٢) ، وأصل المُخَلَّد: الذي يبقى مدّة طويلة ومنه قيل: رجل مُخَلَّد لمن أبطأ عنه الشيب، ودابة مُخَلَّدَة: هي التي تبقى ثناياها حتى تخرج رباعيتها، ثم استعير للمبقيّ دائما. والخُلُودُ في الجنّة: بقاء الأشياء على الحالة التي عليها من غير اعتراض الفساد عليها، قال تعالى: ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة : 82] ، ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة : 39] ، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها﴾ [النساء : 93] ، وقوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة : 17] ، قيل: مبقون بحالتهم لا يعتريهم استحالة، وقيل: مقرّطون بخلدة، والخَلَدَة: ضرب من القرطة(٣) ، وإِخلادُ الشيء: جعله مبقى، والحكم عليه بكونه مبقى، وعلى هذا قوله سبحانه: ﴿وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف : 176] ، أي: ركن إليها ظانّا أنه يخلد فيها.
(١) انظر: الأفعال 1/ 443.
(٢) انظر: البصائر 2/ 558.
(٣) القرطة والأقراط والقراط جمع: قرط، وهو نوع من حليّ الأذن، وهذا قول ابن قتيبة في غريب القرآن ص 447.