التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير سورة البقرة، الآية: ١٧

تفسير قول الله تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ). سورة البقرة، الآية: ١٧

التحرير والتنوير - ابن عاشور

التحرير والتنوير - ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)

﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾

أعْقَبَتْ تَفاصِيلَ صِفاتِهِمْ بِتَصْوِيرِ مَجْمُوعِها في صُورَةٍ واحِدَةٍ، بِتَشْبِيهِ حالِهِمْ بِهَيْئَةٍ مَحْسُوسَةٍ وهَذِهِ طَرِيقَةُ تَشْبِيهِ التَّمْثِيلِ، إلْحاقًا لِتِلْكَ الأحْوالِ المَعْقُولَةِ بِالأشْياءِ المَحْسُوسَةِ، لِأنَّ النَّفْسَ إلى المَحْسُوسِ أمِيلُ.

وإتْمامًا لِلْبَيانِ بِجَمْعِ المُتَفَرِّقاتِ في السَّمْعِ، المِطالَةُ في اللَّفْظِ، في صُورَةٍ واحِدَةٍ لِأنَّ لِلْإجْمالِ بَعْدَ التَّفْصِيلِ وقْعًا مِن نُفُوسِ السّامِعِينَ. وتَقْرِيرُ الجَمْعِ ما تَقَدَّمَ في الذِّهْنِ بِصُورَةٍ تُخالِفُ ما صُوِّرَ سالِفًا لِأنَّ تَجَدُّدَ الصُّورَةِ عِنْدَ النَّفْسِ أحَبُّ مِن تَكَرُّرِها.

قالَ في الكَشّافِ: ولِضَرْبِ العَرَبِ الأمْثالَ واسْتِحْضارِ العُلَماءِ المَثَلَ والنَّظائِرَ شَأْنٌ لَيْسَ بِالخَفِيِّ في إبْرازِ خَبِيّاتِ المَعانِي ورَفْعِ الأسْتارِ عَنِ الحَقائِقِ حَتّى تُرِيَكَ المُتَخَيَّلَ في صُورَةِ المُحَقَّقِ والمُتَوَهَّمَ في مَعْرِضِ المُتَيَقَّنِ والغائِبَ كالمَشاهَدِ.

واسْتِدْلالًا عَلى ما يَتَضَمَّنُهُ مَجْمُوعُ تِلْكَ الصِّفاتِ مِن سُوءِ الحالَةِ وخَيْبَةِ السَّعْيِ وفَسادِ العاقِبَةِ، فَمِن فَوائِدِ التَّشْبِيهِ قَصْدُ تَفْظِيعِ المُشَبَّهِ. وتَقْرِيبًا لِما في أحْوالِهِمْ في الدِّينِ مِنَ التَّضادِّ والتَّخالُفِ بَيْنَ ظاهِرٍ جَمِيلٍ وباطِنٍ قَبِيحٍ بِصِفَةِ حالٍ عَجِيبَةٍ مِن أحْوالِ العالَمِ، فَإنَّ مِن فائِدَةِ التَّشْبِيهِ إظْهارَ إمْكانِ المُشَبَّهِ، وتَنْظِيرَ غَرائِبِهِ بِمِثْلِها في المُشَبَّهِ بِهِ.

قالَ في الكَشّافِ: ولِأمْرٍ ما أكْثَرَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ المُبِينِ أمْثالَهُ وفَشَتْ في كَلامِ رَسُولِهِ ﷺ وكَلامِ الأنْبِياءِ والحُكَماءِ، قالَ تَعالى ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] اهـ.

والتَّمْثِيلُ مَنزَعٌ جَلِيلٌ بَدِيعٌ مِن مَنازِعِ البُلَغاءِ لا يَبْلُغُ إلى مَحاسِنِهِ غَيْرُ خاصَّتِهِمْ. وهو هُنا مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ لا مِنَ الِاسْتِعارَةِ لِأنَّ فِيهِ ذِكْرَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ وأداةِ التَّشْبِيهِ وهي لَفْظُ ”مَثَلٍ“ .

فَجُمْلَةُ ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ واقِعَةٌ مِنَ الجُمَلِ الماضِيَةِ مَوْقِعَ البَيانِ والتَّقْرِيرِ والفَذْلَكَةِ، فَكانَ بَيْنَها وبَيْنَ ما قَبْلَها كَمالُ الِاتِّصالِ، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ، والحالَةُ الَّتِي وقَعَ تَمْثِيلُها سَيَجِيءُ بَيانُها في آخِرِ تَفْسِيرِ الآيَةِ.

وأصْلُ المَثَلِ بِفَتْحَتَيْنِ هو النَّظِيرُ والمُشابِهُ، ويُقالُ أيْضًا: مِثْلُ بِكَسْرِ المِيمِ وسُكُونِ الثّاءِ ويُقالُ مَثِيلٌ كَما يُقالُ شِبْهٌ وشَبَهٌ وشَبِيهٌ، وبَدَلٌ وبِدْلٌ، وبَدِيلٌ، ولا رابِعَ لِهَذِهِ الكَلِماتِ في مَجِيءِ فَعَلٍ وفِعْلٍ وفَعِيلٍ بِمَعْنًى واحِدٍ.

وقَدِ اخْتَصَّ لَفْظُ المَثَلِ ”بِفَتْحَتَيْنِ“ بِإطْلاقِهِ عَلى الحالِ الغَرِيبَةِ الشَّأْنِ؛ لِأنَّها بِحَيْثُ تُمَثِّلُ لِلنّاسِ وتُوَضِّحُ وتُشَبِّهُ سَواءٌ شُبِّهَتْ كَما هُنا، أمْ لَمْ تُشَبَّهْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥] وبِإطْلاقِهِ عَلى قَوْلٍ يَصْدُرُ في حالٍ غَرِيبَةٍ فَيُحْفَظُ ويَشِيعُ بَيْنَ النّاسِ لِبَلاغَةٍ وإبْداعٍ فِيهِ، فَلا يَزالُ النّاسُ يَذْكُرُونَ الحالَ الَّتِي قِيلَ فِيها ذَلِكَ القَوْلُ تَبَعًا لِذِكْرِهِ، وكَمْ مِن حالَةٍ عَجِيبَةٍ حَدَثَتْ ونُسِيَتْ لِأنَّها لَمْ يَصْدُرْ فِيها مِن قَوْلٍ بَلِيغٍ ما يَجْعَلُها مَذْكُورَةً تَبَعًا لِذِكْرِهِ فَيُسَمّى مَثَلًا، وأمْثالُ العَرَبِ بابٌ مِن أبْوابِ بَلاغَتِهِمْ وقَدْ خُصَّتْ بِالتَّأْلِيفِ، ويُعَرِّفُونَهُ بِأنَّهُ قَوْلٌ شُبِّهَ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ، وسَأذْكُرُهُ قَرِيبًا.

فالظّاهِرُ أنَّ إطْلاقَ المَثَلِ عَلى القَوْلِ البَدِيعِ السّائِرِ بَيْنَ النّاسِ الصّادِرِ مِن قائِلِهِ في حالَةٍ عَجِيبَةٍ هو إطْلاقٌ مُرَتَّبٌ عَلى إطْلاقِ اسْمِ المَثَلِ عَلى الحالِ العَجِيبَةِ، وأنَّهم لا يَكادُونَ يَضْرِبُونَ مَثَلًا ولا يَرَوْنَهُ أهْلًا لِلتَّسْيِيرِ وجَدِيرًا بِالتَّداوُلِ إلّا قَوْلًا فِيهِ بَلاغَةٌ وخُصُوصِيَّةٌ في فَصاحَةِ لَفْظٍ وإيجازِهِ ووَفْرَةِ مَعْنًى، فالمَثَلُ قَوْلٌ عَزِيزٌ لَيْسَ في مُتَعارَفِ الأقْوالِ العامَّةِ، بَلْ هو مِن أقْوالِ فُحُولِ البَلاغَةِ، فَلِذَلِكَ وُصِفَ بِالغَرابَةِ أيِ العِزَّةِ مِثْلُ قَوْلِهِمُ: الصَّيْفُ ضَيَّعْتِ اللَّبَنَ، وقَوْلِهِمْ: لا يُطاعُ لِقَصِيرٍ أمْرٌ، وسَتَعْرِفُ وجْهَ ذَلِكَ.

ولَمّا شاعَ إطْلاقُ لَفْظِ المَثَلِ بِالتَّحْرِيكِ عَلى الحالَةِ العَجِيبَةِ الشَّأْنِ جَعَلَ البُلَغاءُ إذا أرادُوا تَشْبِيهَ حالَةٍ مُرَكَّبَةٍ بِحالَةِ مُرَكَّبَةٍ أعَنى وصْفَيْنِ مُنْتَزَعَيْنِ مِن مُتَعَدِّدٍ أتَوْا في جانِبِ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ مَعًا أوْ في جانِبِ أحَدِهِما بِلَفْظِ المَثَلِ، وأدْخَلُوا الكافَ ونَحْوَها مِن حُرُوفِ التَّشْبِيهِ عَلى المُشَبَّهِ بِهِ مِنهُما ولا يُطْلِقُونَ ذَلِكَ عَلى التَّشْبِيهِ البَسِيطِ فَلا يَقُولُونَ مَثَلُ فُلانٍ كَمَثَلِ الأسَدِ، وقَلَّما شَبَّهُوا حالًا مُرَكَّبَةً بِحالٍ مُرَكَّبَةٍ مُقْتَصِرِينَ عَلى الكافِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ﴾ [الرعد: ١٤] بَلْ يَذْكُرُونَ لَفْظَ المَثَلِ في الجانِبَيْنِ غالِبًا نَحْوَ الآيَةِ هُنا، ورُبَّما ذَكَرُوا لَفْظَ المَثَلِ في أحَدِ الجانِبَيْنِ كَقَوْلِهِ ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ [يونس: ٢٤] الآيَةَ وذَلِكَ لِيَتَبادَرَ لِلسّامِعِ أنَّ المَقْصُودَ تَشْبِيهُ حالَةٍ بِحالَةٍ لا ذاتٍ بِذاتٍ ولا حالَةٍ بِذاتٍ، فَصارَ لَفْظُ المَثَلِ في تَشْبِيهِ الهَيْئَةِ مَنسِيًّا مِن أصْلِ وضْعِهِ ومُسْتَعْمَلًا في مَعْنى الحالَةِ فَلِذَلِكَ لا يَسْتَغْنُونَ عَنِ الإتْيانِ بِحَرْفِ التَّشْبِيهِ حَتّى مَعَ وُجُودِ لَفْظِ المَثَلِ، فَصارَتِ الكافُ في قَوْلِهِ تَعالى (كَمَثَلِ) دالَّةً عَلى التَّشْبِيهِ ولَيْسَتُ زائِدَةً كَما زَعَمَهُ الرَّضِيُّ في شَرْحِ الحاجِبِيَّةِ، وتَبِعَهُ عَبْدُ الحَكِيمِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة: ١٩] وُقُوفًا مَعَ أصْلِ الوَضْعِ وإغْضاءً عَنِ الِاسْتِعْمالِ، ألا تَرى كَيْفَ اسْتُغْنِيَ عَنْ إعادَةِ لَفْظِ المَثَلِ عِنْدَ العَطْفِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة: ١٩] ولَمْ يُسْتَغْنَ عَنِ الكافِ.

ومِن أجْلِ إطْلاقِ لَفْظِ المَثَلِ اقْتَبَسَ عُلَماءُ البَيانِ مُصْطَلَحَهم في تَسْمِيَةِ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ بِتَشْبِيهِ التَّمْثِيلِ وتَسْمِيَةِ اسْتِعْمالِ المُرَكَّبِ الدّالِّ عَلى هَيْئَةٍ مُنْتَزَعَةٍ مِن مُتَعَدِّدٍ في غَيْرِ ما وُضِعَ لَهُ مَجْمُوعَةً بِعَلاقَةِ المُشابِهَةِ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً، وقَدْ تَقَدَّمَ الإلْمامُ بِشَيْءٍ مِنهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] وإنَّنِي تَتَبَّعْتُ كَلامَهم فَوَجَدْتُ التَّشْبِيهَ التَّمْثِيلِيَّ يَعْتَرِيهِ ما يَعْتَرِي التَّشْبِيهَ المُفْرَدَ فَيَجِيءُ في أرْبَعَةِ أقْسامٍ: الأوَّلُ ما صُرِّحَ فِيهِ بِأداةِ التَّشْبِيهِ أوْ حُذِفَتْ مِنهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] إذا قَدَّرْنا أُولَئِكَ كالَّذِينَ اشْتَرَوْا كَما قَدَّمْنا.

الثّانِي ما كانَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ المُصَرِّحَةِ بِأنْ يَذْكُرُوا اللَّفْظَ الدّالَّ بِالمُطابَقَةِ عَلى الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها ويُحْذَفُ ما يَدُلُّ عَلى الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ نَحْوُ المَثّالِ المَشْهُورِ وهو قَوْلُهم: إنِّي أراكَ تُقَدِّمُ رِجْلًا وتُؤَخِّرُ أُخْرى. الثّالِثُ: تَمْثِيلِيَّةٌ مَكْنِيَّةٌ وهي أنْ تُشَبَّهَ هَيْئَةٌ بِهَيْئَةٍ ولا يُذْكَرُ اللَّفْظُ الدّالُّ عَلى الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها، بَلْ يُرْمَزُ إلَيْهِ بِما هو لازِمٌ مُشْتَهِرٌ مِن لَوازِمِهِ، وقَدْ كُنْتُ أعُدُّ مِثالًا لِهَذا النَّوْعِ خُصُوصَ الأمْثالِ المَعْرُوفَةِ بِهَذا اللَّقَبِ نَحْوَ: ”الصَّيْفُ ضَيَّعْتِ اللَّبَنَ“ و”بِيَدِي لا بَيْدَ عَمْرٍو“ ونَحْوِها مِنَ الأمْثالِ فَإنَّها ألْفاظٌ قِيلَتْ عِنْدَ أحْوالٍ واشْتَهَرَتْ وسارَتْ حَتّى صارَ ذِكْرُها يُنْبِئُ بِتِلْكَ الأحْوالِ الَّتِي قِيلَتْ عِنْدَها وإنْ لَمْ يُذْكَرِ اللَّفْظُ الدّالُّ عَلى الحالَةِ، ومُوجِبُ شُهْرَتِها سَيَأْتِي. ثُمَّ لَمْ يَحْضُرْنِي مِثالٌ لِلْمَكْنِيَّةِ التَّمْثِيلِيَّةِ مِن غَيْرِ بابِ الأمْثالِ حَتّى كانَ يَوْمُ حَضَرْتُ فِيهِ جِنازَةً، فَلَمّا دَفَنُوا المَيِّتَ وفَرَغُوا مِن مُواراتِهِ التُّرابَ ضَجَّ أُناسٌ بِقَوْلِهِمْ: اللَّهُمَّ لا عَيْشَ إلّا عَيْشُ الآخِرَةِ فاغْفِرْ لِلْأنْصارِ والمُهاجِرَةِ، فَقُلْتُ إنَّ الَّذِينَ سَنُّوا هَذِهِ المَقالَةَ في مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ ما أرادُوا إلّا تَنْظِيرَ هَيْئَةِ حَفْرِهِمْ لِلْمَيِّتِ بِهَيْئَةِ الَّذِينَ كانُوا يَحْفِرُونَ الخَنْدَقَ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ إذْ كانُوا يُكَرِّرُونَ هَذِهِ المَقالَةَ كَما ورَدَ في كُتُبِ السُّنَّةِ قَصْدًا مِن هَذا التَّنْظِيرِ أنْ يَكُونَ حَفْرُهم ذَلِكَ شَبِيهًا بِحَفْرِ الخَنْدَقِ في غَزْوَةِ الأحْزابِ بِجامِعِ رَجاءِ القَبُولِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى فَلَمْ يَذْكُرُوا ما يَدُلُّ عَلى المُشَبَّهِ بِهِ ولَكِنَّهم طَوَوْهُ ورَمَزُوا إلَيْهِ بِما هو مِن لَوازِمِهِ الَّتِي عُرِفَ بِها وهو قَوْلُ النَّبِيءِ تِلْكَ المَقالَةَ، ثُمَّ ظَفِرْتُ بِقَوْلِ أحْمَدَ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الأنْدَلُسِيِّ:

وقُلْ لِمَن لامَ في التَّصابِي خَلِّ قَلِيلًا عَنِ الطَّرِيقِ

فَرَأيْتُهُ مِن بابِ التَّمْثِيلِيَّةِ المَكْنِيَّةِ، فَإنَّهُ حَذَفَ المُشَبَّهَ بِهِ - وهو حالُ المُتَعَرِّضِ لِسائِرٍ في طَرِيقِهِ يَسُدُّهُ عَلَيْهِ ويَمْنَعُهُ المُرُورَ بِهِ - وأتى بِشَيْءٍ مِن لَوازِمِ هَذِهِ الحالَةِ وهو قَوْلُ السّائِرِ لِلْمُتَعَرِّضِ:

خَلِّ عَنِ الطَّرِيقِ. رابِعُها تَمْثِيلِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ كَقَوْلِ أبِي عَطاءٍ السِّنْدِيِّ:

ذَكَرْتُكِ والخَطِّيُّ يَخْطُرُ بَيْنَنا ∗∗∗ وقَدْ نَهِلَتْ مِنِّي المُثَقَّفَةُ السُّمَرُ

فَأثْبَتَ النَّهَلَ لِلرِّماحِ تَشْبِيهًا لَها بِحالَةِ النّاهِلِ فِيما تُصِيبُهُ مِن دِماءِ الجَرْحى المَرَّةَ بَعْدَ الأُخْرى كَأنَّها لا يَرْوِيها ما تُصِيبُهُ أوَّلًا ثُمَّ أتى بِنَهِلَتْ عَلى وجْهِ التَّبَعِيَّةِ، ومِن هَذا القِسْمِ عِنْدَ التَّفْتَزانِيِّ الِاسْتِعارَةُ في (عَلى) مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ هُناكَ.

فَأمّا المَثَلُ الَّذِي هو قَوْلٌ شُبِّهَ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ، وهو الَّذِي وعَدْتُ بِذِكْرِهِ آنِفًا فَمَعْنى تَشْبِيهِ مَضْرِبِهِ بِمَوْرِدِهِ أنْ تَحْصُلَ حالَةٌ لَها شَبَهٌ بِالحالَةِ الَّتِي صَدَرَ فِيها ذَلِكَ القَوْلُ فَيَسْتَحْضِرُ المُتَكَلِّمُ تِلْكَ الحالَةَ الَّتِي صَدَرَ فِيها القَوْلُ ويُشَبِّهُ بِها الحالَةَ الَّتِي عَرَضَتْ ويَنْطِقُ بِالقَوْلِ الَّذِي كانَ صَدَرَ في أثْناءِ الحالَةِ المُشَبَّهِ بِها لِيُذَكِّرَ السّامِعَ بِتِلْكَ الحالَةِ، وبِأنَّ حالَةَ اليَوْمِ شَبِيهَةٌ بِها، ويُجْعَلُ عَلامَةَ ذِكْرِ ذَلِكَ القَوْلِ الَّذِي قِيلَ في تِلْكَ الحالَةِ.

وإذا حَقَّقْتِ التَّأمُّلَ وجَدْتَ هَذا العَمَلَ مِن قَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ المَكْنِيَّةِ لِأجْلِ كَوْنِ تِلْكَ الألْفاظِ المُسَمّاةِ بِالأمْثالِ قَدْ سارَتْ ونُقِلَتْ بَيْنَ البُلَغاءِ في تِلْكَ الحَوادِثِ فَكانَتْ مِن لَوازِمِ الحالاتِ المُشَبَّهِ بِها لا مَحالَةَ لِمُقارَنَتِها لَها في أذْهانِ النّاسِ فَهي لَوازِمُ عُرْفِيَّةٌ لَها بَيْنَ أهْلِ الأدَبِ فَصارَتْ مِن رَوادِفِ أحْوالِها، وكانَ ذِكْرُ تِلْكَ الأمْثالِ رَمْزًا إلى اعْتِبارِ الحالاتِ الَّتِي قِيلَتْ فِيها، ومِن أجْلِ ذَلِكَ امْتَنَعَ تَغْيِيرُها عَنْ ألْفاظِها الوارِدَةِ بِها لِأنَّها إذا غُيِّرَتْ لَمْ تَبْقَ عَلى ألْفاظِها المَحْفُوظَةِ المَعْهُودَةِ فَيَزُولُ اقْتِرانُها في الأذْهانِ بِصُوَرِ الحَوادِثِ الَّتِي قِيلَتْ فِيها فَلَمْ يَعُدْ ذَكَرُها رَمْزًا لِلْحالِ المُشَبَّهِ بِهِ الَّتِي هي مِن رَوادِفِها لا مَحالَةَ، وفي هَذا ما يُغْنِي عَنْ تَطَلُّبِ الوَجْهِ في احْتِراسِ العَرَبِ مِن تَغْيِيرِ الأمْثالِ حَتّى يَسْلَمُوا مِنَ الحَيْرَةِ في الحُكْمِ بَيْنَ صاحِبِ الكَشّافِ وصاحِبِ المِفْتاحِ؛ إذْ جَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ سَبَبَ مَنعِ الأمْثالِ مِنَ التَّغْيِيرِ ما فِيها مِنَ الغَرابَةِ فَقالَ: ولَمْ يَضْرِبُوا مَثَلًا ولا رَأوْهُ أهْلًا لِلتَّسْيِيرِ، ولا جَدِيرًا بِالتَّداوُلِ إلّا قَوْلًا فِيهِ غَرابَةٌ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، ومِن ثَمَّ حُوفِظَ عَلَيْهِ وحُمِيَ مِنَ التَّغْيِيرِ فَتَرَدَّدَ شُرّاحُهُ في مُرادِهِ مِنَ الغَرابَةِ، وقالَ الطِّيبِيُّ: الغَرابَةُ غُمُوضُ الكَلامِ ونُدْرَتُهُ، وذَلِكَ إمّا أنْ يَكُونَ بِحَسَبِ المَعْنى وإمّا أنْ يَكُونَ بِحَسَبِ اللَّفْظِ، أمّا الأوَّلُ فَكَأنْ يُرى عَلَيْهِ أثَرُ التَّناقُضِ وما هو بِتَناقُضٍ نَحْوُ قَوْلِ الحَكَمِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ: رُبَّ رَمْيَةٍ مِن غَيْرِ رامٍ. أيْ رُبَّ رَمْيَةٍ مُصِيبَةٍ مِن غَيْرِ رامٍ: أيْ عارِفٍ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] إذْ جَعَلَ القَتْلَ حَياةً. وأمّا الثّانِي بِأنْ يَكُونَ فِيهِ ألْفاظٌ غَرِيبَةٌ لا تَسْتَعْمِلُها العامَّةُ نَحْوُ قَوْلِ الحُبابِ بْنِ المُنْذِرِ

أنا جُذَيْلُها المُحَكَّكُ وعُذَيْقُها المُرَجَّبُ

أوْ فِيهِ حَذْفٌ وإضْمارٌ نَحْوُ رَمْيَةٍ مِن غَيْرِ رامٍ. أوْ فِيهِ مُشاكَلَةٌ نَحْوُ: كَما تَدِينُ تُدانُ. أرادَ كَما تَفْعَلُ تُجازى. وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الغَرابَةَ بِالبَلاغَةِ والفَصاحَةِ حَتّى صارَتْ عَجِيبَةً، وعِنْدِي أنَّهُ ما أرادَ بِالغَرابَةِ إلّا أنْ يَكُونَ قَوْلًا بَدِيعًا خاصِّيًّا إذِ الغَرِيبُ مُقابِلُ المَأْلُوفِ والغَرابَةُ عَدَمُ الإلْفِ - يُرِيدُ عَدَمَ الإلْفِ بِهِ في رِفْعَةِ الشَّأْنِ - .

وأمّا صاحِبُ المِفْتاحِ فَجَعَلَ مَنعَها مِنَ التَّغْيِيرِ لِوُرُودِها عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ فَقالَ: ثُمَّ إنَّ التَّشْبِيهَ التَّمْثِيلِيَّ مَتى شاعَ واشْتَهَرَ اسْتِعْمالُهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ صارَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ المَثَلُ لا غَيْرَ اهـ.

وإلى طَرِيقَتِهِ مالَ التَّفْتَزانِيُّ والسَّيِّدُ. وقَدْ عَلِمْتَ سِرَّها وشَرْحَها فِيما بَيَّنّاهُ. ولِوُرُودِ الأمْثالِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ لا تُغَيَّرُ عَنْ لَفْظِها الَّذِي ورَدَ في الأصْلِ تَذْكِيرًا وتَأْنِيثًا وغَيْرَهُما. فَمَعْنى قَوْلِهِمْ في تَعْرِيفِ المَثَلِ بِهَذا الإطْلاقِ: قَوْلٌ شُبِّهَ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ أنَّ مَضْرِبَهُ هو الحالَةُ المُشَبَّهَةُ سُمِّيَتْ مَضْرِبًا لِأنَّها بِمَنزِلَةِ مَكانِ ضَرْبِ ذَلِكَ القَوْلِ أيْ وضْعِهِ أيِ النُّطْقِ بِهِ يُقالُ: ضُرِبَ المَثَلُ أيْ شُبِّهَ ومُثِّلَ، قالَ تَعالى ﴿أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ [البقرة: ٢٦] وأمّا مَوْرِدُهُ فَهو الحالَةُ المُشَبَّهُ بِها وهي الَّتِي ورَدَ ذَلِكَ القَوْلُ أيْ صَدَرَ عِنْدَ حُدُوثِها، سُمِّيَتْ مَوْرِدًا لِأنَّها بِمَنزِلَةِ مَكانِ الماءِ الَّذِي يَرِدُهُ المُسْتَقُونَ، ويُقالُ: الأمْثالُ السّائِرَةُ أيِ الفاشِيَّةُ الَّتِي يَتَناقَلُها النّاسُ ويَتَداوَلُونَها في مُخْتَلَفِ القَبائِلِ والبُلْدانِ فَكَأنَّها تَسِيرُ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ. و﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ مُفْرَدٌ مُرادٌ بِهِ مُشَبَّهٌ واحِدٌ لِأنَّ مُسْتَوْقِدَ النّارِ واحِدٌ ولا مَعْنى لِاجْتِماعِ جَماعَةٍ عَلى اسْتِيقادِ نارٍ، ولا يَرِيبَكَ كَوْنُ حالَةِ المُشَبَّهِ حالَةَ جَماعَةِ المُنافِقِينَ، كَأنَّ تَشْبِيهَ الهَيْئَةِ بِالهَيْئَةِ إنَّما يَتَعَلَّقُ بِتَصْوِيرِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ بِها لا بِكَوْنِها عَلى وزْنِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ فَإنَّ المُرادَ تَشْبِيهُ حالِ المُنافِقِينَ في ظُهُورِ أثَرِ الإيمانِ ونُورِهِ - مَعَ تَعَقُّبِهِ بِالضَّلالَةِ ودَوامِهِ - بِحالِ مَنِ اسْتَوْقَدَ نارًا. واسْتَوْقَدَ بِمَعْنى أوْقَدَ فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ كَما هُما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] وقَوْلُهُمُ: اسْتَبانَ الأمْرُ وهَذا كَقَوْلِ بَعْضِ بَنِي بَوْلانَ مِن طَيٍّ في الحَماسَةِ.

نَسْتَوْقِدُ النَّبْلَ بِالحَضِيضِ ونَصْـ ∗∗∗ ــطادُ نُفُوسًا بُنَتْ عَلى الكَرَمِ

أرادَ وقُودًا يَقَعُ عِنْدَ الرَّمْيِ بِشِدَّةٍ. وكَذَلِكَ في الآيَةِ لِإيرادِ تَمْثِيلِ حالِ المُنافِقِينَ في إظْهارِ الإيمانِ بِحالِ طالِبِ الوَقُودِ بَلْ هو حالُ المَوْقِدِ.

* * *

وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ مُفَرَّعٌ عَلى اسْتَوْقَدَ. ولَمّا: حَرْفٌ يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ شَيْءٍ عِنْدَ وُقُوعِ غَيْرِهِ، فَوُقُوعُ جَوابِها مُقارِنٌ لِوُقُوعِ شَرْطِها، وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِمْ: حَرْفُ وُجُودٍ لِوُجُودٍ؛ أيْ حَرْفٌ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الجَوابِ لِوُجُودِ شَرْطِها أيْ أنْ يَكُونَ جَوابُها كالمَعْلُولِ لِوُجُودِ شَرْطِها سَواءً كانَ مِن تَرَتُّبِ المَعْلُولِ عَلى العِلَّةِ أوْ كانَ مِن تَرَتُّبِ المُسَبِّبِ العُرْفِيِّ عَلى السَّبَبِ أمْ كانَ مِن تَرَتُّبِ المُقارَنِ عَلى مُقارَنَةِ المُهَيَّأِ، والمُقارَنُ الحاصِلُ عَلى سَبِيلِ المُصادَفَةِ، وكُلُّها اسْتِعْمالاتٌ وارِدَةٌ في كَلامِ العَرَبِ وفي القُرْآنِ.

مِثالُ تُرَتِّبِ المَعْلُولِ عَلى العِلَّةِ: ”لَمّا تَعَفَّنَتْ أخْلاطُهُ حُمَّ“، والمُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ [هود: ٧٧] وقَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:

لَمّا رَأيْتُ نِساءَنا يَفْحَصْنَ بِالمَعْزاءِ شَدّا

نازَلْتُ كَبْشَهُمُ ولَمْ ∗∗∗ أرَ مِن نِزالِ الكَبْشِ بُدّا

ومِثالُ المُقارَنِ المُهَيَّأِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى ∗∗∗ بِنا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي حِقافٍ عَقَنْقَلِ

هَصَرْتُ بِفَوْدَيْ رَأْسِها فَتَمايَلَتْ ∗∗∗ عَلَيَّ هَضِيمَ الكَشْحِ رَيّا المُخَلْخَلِ

ومِثالُ المُقارَنِ الحاصِلِ اتِّفاقًا ﴿لَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ [العنكبوت: ٣١] ﴿قالُوا سَلامًا﴾ [هود: ٦٩]، وقَوْلُهُ ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾ [يوسف: ٦٩] فَمَن ظَنَّ أنَّ ”لَمّا“ تُؤْذِنُ بِالسَّبَبِيَّةِ اغْتِرارًا بِقَوْلِهِمْ: وُجُودٌ لِوُجُودٍ - حَمْلًا لِلّامِ في عِبارَتِهِمْ عَلى التَّعْلِيلِ - فَقَدِ ارْتَكَبَ شَطَطًا ولَمْ يَجِدْ مِن كَلامِ الأئِمَّةِ فَرَطًا. و”أضاءَ“ يَجِيءُ مُتَعَدِّيًا وهو الأصْلُ لِأنَّ مُجَرَّدَهُ: ضاءَ فَتَكُونُ حِينَئِذٍ هَمْزَتُهُ لِلتَّعْدِيَةِ كَقَوْلِ أبِي الطَّمَحانِ القَيْنِيِّ:

أضاءَتْ لَهم أحْسابُهم ووُجُوهم ∗∗∗ دُجى اللَّيْلِ حَتّى ثَقَّبَ الجِزْعَ ثاقِبُهْ

ويَجِيءُ قاصِرًا بِمَعْنى ضاءَ فَهَمْزَتُهُ لِلصَّيْرُورَةِ أيْ صارَ ذا ضَوْءٍ فَيُساوِي ضاءَ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ يَصِفُ البَرْقَ:

يُضِيءُ سَناهُ أوْ مَصابِيحَ راهِبٍ ∗∗∗ أمالَ السَّلِيطُ بِالذُّبالِ المُفَتَّلِ

والآيَةُ تَحْتَمِلُهُما أيْ فَلَمّا أضاءَتِ النّارُ الجِهاتِ الَّتِي حَوْلَهُ وهو مَعْنى ارْتِفاعِ شُعاعِها وسُطُوعِ لَهَبِها، فَيَكُونُ ما حَوْلَهُ مَوْصُولًا مَفْعُولًا لِأضاءَتْ وهو المُتَبادَرُ.

وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مِن ”أضاءَ القاصِرِ“ أيْ أضاءَتِ النّارُ أيِ اشْتَعَلَتْ وكَثُرَ ضَوْءُها في نَفْسِها، ويَكُونُ ما حَوْلَهُ عَلى هَذا ظَرْفًا لِلنّارِ أيْ حَصَلَ ضَوْءُ النّارِ حَوْلَها غَيْرَ بَعِيدٍ عَنْها. وحَوْلَهُ ظَرْفٌ لِلْمَكانِ القَرِيبِ ولا يَلْزَمُ أنْ يُرادَ بِهِ الإحاطَةُ فَحَوْلَهُ هُنا بِمَعْنى لَدَيْهِ ومَن تَوَهَّمَ أنَّ ﴿ما حَوْلَهُ﴾ يَقْتَضِي ذَلِكَ وقَعَ في مُشْكِلاتٍ لَمْ يَجِدْ مِنها مَخْلَصًا إلّا بِعَناءٍ.

وجَمْعُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ ﴿بِنُورِهِمْ﴾ مَعَ كَوْنِهِ بِلَصْقِ الضَّمِيرِ المُفْرَدِ في قَوْلِهِ ﴿ما حَوْلَهُ﴾ مُراعاةً لِلْحالِ المُشَبَّهَةِ وهي حالُ المُنافِقِينَ لا لِلْحالِ المُشَبَّهِ بِها؛ وهي حالُ المُسْتَوْقِدِ الواحِدِ عَلى وجْهٍ بَدِيعٍ في الرُّجُوعِ إلى الغَرَضِ الأصْلِيِّ وهو انْطِماسُ نُورِ الإيمانِ مِنهم، فَهو عائِدٌ إلى المُنافِقِينَ لا إلى الَّذِي، قَرِيبًا مِن رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ فَأشْبَهَ تَجْرِيدَ الِاسْتِعارَةِ المُفْرَدَةِ وهو مِنَ التَّفْنِينِ كَقَوْلِ طَرَفَةَ:

وفِي الحَيِّ أحَوى يَنْفُضُ المَرْدَ شادِنٌ ∗∗∗ مُظاهِرُ سِمْطَيْ لُؤْلُؤٍ وزَبَرْجَدِ

وهَذا رُجُوعٌ بَدِيعٌ، وقَرِيبٌ مِنهُ الرُّجُوعُ الواقِعُ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ في قَوْلِهِ الآتِي ﴿واللَّهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩] وحُسْنُهُ أنَّ التَّمْثِيلَ جَمَعَ بَيْنَ ذِكْرِ المُشَبَّهِ وذِكْرِ المُشَبَّهِ بِهِ فالمُتَكَلِّمُ بِالخِيارِ في مُراعاةِ كِلَيْهِما لِأنَّ الوَصْفَ لَهُما فَيَكُونُ ذَلِكَ البَعْضُ نَوْعًا واحِدًا في المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ، فَما ثَبَتَ لِلْمُشَبَّهِ بِهِ يُلاحَظُ كالثّابِتِ لِلْمُشَبَّهِ. وهَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ جَوابَ (لَمّا) فَيَكُونُ جَمْعُ ضَمائِرِ ﴿بِنُورِهِمْ وتَرَكَهُمْ﴾ إخْراجًا لِلْكَلامِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ إذْ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَقُولَ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِ وتَرَكَهُ، ولِذَلِكَ اخْتِيرَ هُنا لَفْظُ النُّورِ عِوَضًا عَنِ النّارِ المُبْتَدَأِ بِهِ، لِلتَّنْبِيهِ عَلى الِانْتِقالِ مِنَ التَّمْثِيلِ إلى الحَقِيقَةِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ اللَّهَ أذْهَبَ نُورَ الإيمانِ مِن قُلُوبِ المُنافِقِينَ، فَهَذا إيجازٌ بَدِيعٌ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا أضاءَتْ ذَهَبَ اللَّهُ بِنارِهِ فَكَذَلِكَ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وهو أُسْلُوبٌ لا عَهْدَ لِلْعَرَبِ بِمِثْلِهِ فَهو مِن أسالِيبِ الإعْجازِ. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٤] فَقَوْلُهُ أُرْسِلْتُمْ حِكايَةٌ لِخِطابِ أقْوامِ الرُّسُلِ في جَوابِ سُؤالِ مُحَمَّدٍ ﷺ قَوْمَهُ بِقَوْلِهِ ﴿أوَلَوْ جِئْتُكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٤] وبِهَذا يَكُونُ ما في هَذِهِ الآيَةِ مُوافِقًا لِما في الآيَةِ بَعْدَها مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩] إذْ يَتَعَيَّنُ رُجُوعُهُ لِبَعْضِ المُشَبَّهِ بِهِ دُونَ المُشَبَّهِ. وجَوَّزَ صاحِبُ الكَشّافِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ اسْتِئْنافًا ويَكُونُ التَّمْثِيلُ قَدِ انْتَهى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ﴾ ويَكُونُ جَوابُ لَمّا مَحْذُوفًا دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ المُسْتَأْنَفَةُ وهو قَرِيبٌ مِمّا ذَكَرْتُهُ إلّا أنَّ الِاعْتِبارَ مُخْتَلِفٌ.

ومَعْنى ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾: أطْفَأ نارَهم فَعَبَّرَ بِالنُّورِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِيقادِ، وأسْنَدَ إذْهابَهُ إلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ حَصَلَ بِلا سَبَبٍ مِن رِيحٍ أوْ مَطَرٍ أوْ إطْفاءِ مُطْفِئٍ، والعَرَبُ والنّاسُ يُسْنِدُونَ الأمْرَ الَّذِي لَمْ يَتَّضِحْ سَبَبُهُ لِاسْمِ اللَّهِ تَعالى كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] وذَهَبَ المُعَدّى بِالباءِ أبْلَغُ مِن أذْهَبَ المُعَدّى بِالهَمْزَةِ وهاتِهِ المُبالَغَةُ في التَّعْدِيَةِ بِالباءِ نَشَأتْ مِن أصْلِ الوَضْعِ؛ لِأنَّ أصْلَ ذَهَبَ بِهِ أنْ يَدُلَّ عَلى أنَّهُما ذَهَبا مُتَلازِمَيْنِ فَهو أشَدُّ في تَحْقِيقِ ذَهابِ المُصاحِبِ كَقَوْلِهِ ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٥] وأذْهَبَهُ جَعَلَهُ ذاهِبًا بِأمْرِهِ أوْ إرْسالِهِ، فَلَمّا كانَ الَّذِي يُرِيدُ إذْهابَ شَخْصٍ إذْهابًا لا شَكَّ فِيهِ يَتَوَلّى حِراسَةَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ حَتّى يُوقِنَ بِحُصُولِ امْتِثالِ أمْرِهِ صارَ (ذَهَبَ بِهِ) مُفِيدًا مَعْنى أذْهَبَهُ، ثُمَّ تُنُوسِيَ ذَلِكَ بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ فَقالُوا ذَهَبَ بِهِ ونَحْوَهُ، ولَوْ لَمْ يُصاحِبْهُ في ذَهابِهِ كَقَوْلِهِ ﴿يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وقَوْلِهِ ﴿وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ﴾ [يوسف: ١٠٠] ثُمَّ جُعْلِتِ الهَمْزَةُ لِمُجَرَّدِ التَّعْدِيَةِ في الِاسْتِعْمالِ فَيَقُولُونَ: ذَهَبَ القِمارُ بِمالِ فُلانٍ ولا يُرِيدُونَ أنَّهُ ذَهَبَ مَعَهُ. ولَكِنَّهم تَحَفَّظُوا ألّا يَسْتَعْمِلُوا ذَلِكَ إلّا في مَقامِ تَأْكِيدِ الإذْهابِ فَبَقِيَتِ المُبالَغَةُ فِيهِ. وضَمِيرُ المُفْرَدِ في قَوْلِهِ وما حَوْلَهُ مُراعاةً لِلْحالِ المُشَبَّهَةِ.

واخْتِيارُ لَفْظِ النُّورِ في قَوْلِهِ ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ دُونَ الضَّوْءِ ودُونَ النّارِ لِأنَّ لَفْظَ النُّورِ أنْسَبُ؛ لِأنَّ الَّذِي يُشْبِهُ النّارَ مِنَ الحالَةِ المُشَبَّهَةِ هو مَظاهِرُ الإسْلامِ الَّتِي يُظْهِرُونَها، وقَدْ شاعَ التَّعْبِيرُ عَنِ الإسْلامِ بِالنُّورِ في القُرْآنِ فَصارَ اخْتِيارُ لَفْظِ النُّورِ هُنا بِمَنزِلَةِ تَجْرِيدِ الِاسْتِعارَةِ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِالحالِ المُشَبَّهَةِ، وعَبَّرَ عَمّا يُقابِلُهُ في الحالِ المُشَبَّهِ بِها بِلَفْظٍ يَصْلُحُ لَهُما أوْ هو بِالمُشَبَّهِ أنْسَبُ في اصْطِلاحِ المُتَكَلِّمِ كَما قَدَّمْنا الإشارَةَ إلَيْهِ في وجْهِ جَمْعِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ بِنُورِهِمْ

* * *

﴿وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾

هَذِهِ الجُمْلَةُ تَتَضَمَّنُ تَقْرِيرًا لِمَضْمُونِ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ لِأنَّ مَن ذَهَبَ نُورُهُ بَقِيَ في ظُلْمَةٍ لا يُبْصِرُ، والقَصْدُ مِنهُ زِيادَةُ إيضاحِ الحالَةِ الَّتِي صارُوا إلَيْها، فَإنَّ لِلدَّلالَةِ الصَّرِيحَةِ مِنَ الِارْتِسامِ في ذِهْنِ السّامِعِ ما لَيْسَ لِلدَّلالَةِ الضِّمْنِيَّةِ فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ يُفِيدُ أنَّهم لَمّا اسْتَوْقَدُوا نارًا فانْطَفَأتِ انْعَدَمَتِ الفائِدَةُ وخابَتِ المَساعِي، ولَكِنْ قَدْ يَذْهَلُ السّامِعُ عَمّا صارُوا إلَيْهِ عِنْدَ هاتِهِ الحالَةِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ تَذْكِيرًا بِذَلِكَ وتَنْبِيهًا إلَيْهِ.

فَإنَّهم لا يَقْصِدُونَ مِنَ البَيانِ إلّا شِدَّةَ تَصْوِيرِ المَعانِي ولِذَلِكَ يُطْنِبُونَ ويُشَبِّهُونَ ويُمَثِّلُونَ ويَصِفُونَ المَعْرِفَةَ ويَأْتُونَ بِالحالِ ويُعَدِّدُونَ الأخْبارَ والصِّفاتِ فَهَذا إطْنابٌ بَدِيعٌ كَما في قَوْلِ طَرَفَةَ:

نَدامايَ بِيضٌ كالنُّجُومِ وقَيْنَةٌ تَرُوحُ إلَيْنا بَيْنَ بُرْدٍ ومَجْسَدِ

فَإنَّ قَوْلَهُ تَرُوحُ إلَيْنا إلَخْ لا يُفِيدُ أكْثَرَ مِن تَصْوِيرِ حالَةِ القَيْنَةِ وتَحْسِينِ مُنادَمَتِها. وتُفِيدُ هَذِهِ الجُمْلَةُ أيْضًا أنَّهم لَمْ يَعُودُوا إلى الِاسْتِنارَةِ مِن بُعْدٍ، عَلى ما في قَوْلِهِ (وتَرَكَهم) مِن إفادَةِ تَحْقِيرِهِمْ، وما في جَمْعِ (ظُلُماتٍ) مِن إفادَةِ شِدَّةِ الظُّلْمَةِ وهي فائِدَةٌ زائِدَةٌ عَلى ما اسْتُفِيدَ ضِمْنًا مِن جُمْلَةِ ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ وما يَقْتَضِيهِ جَمْعُ ظُلُماتٍ مِن تَقْدِيرِ تَشْبِيهاتٍ ثَلاثَةٍ لِضَلالاتٍ ثَلاثٍ مِن ضَلالاتِهِمْ كَما سَيَأْتِي.

وبِهَذا الِاعْتِبارِ الزّائِدِ عَلى تَقْرِيرِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ قَبْلَها عُطِفَتْ عَلى الجُمْلَةِ ولَمْ تُفْصَلْ.

وحَقِيقَةُ التَّرْكِ مُفارَقَةُ أحَدٍ شَيْئًا كانَ مُقارِنًا لَهُ في مَوْضِعٍ وإبْقاءُهُ في ذَلِكَ الوَضْعِ. وكَثِيرًا ما يَذْكُرُونَ الحالَ الَّتِي تَرَكَ الفاعِلُ المَفْعُولَ عَلَيْها، وفي هَذا الِاسْتِعْمالِ يَكْثُرُ أنْ يَكُونَ مَجازًا عَنْ مَعْنى صَيَّرَ أوْ جَعَلَ. قالَ النّابِغَةُ:

فَلا تَتْرُكَنِّي بِالوَعِيدِ كَأنَّنِي ∗∗∗ إلى النّاسِ مَطْلِيٌّ بِهِ القارُ أجْرَبُ

أيْ لا تُصَيِّرَنِّي بِهَذِهِ المُشابَهَةِ. وقَوْلُ عَنْتَرَةَ:

جادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةِ ∗∗∗ فَتَرَكْنَ كُلَّ قَرارَةٍ كالدِّرْهَمِ

يُرِيدُ صَيَّرْنَ، والأكْثَرُ أنْ يُكْنى بِهِ في هَذا الِاسْتِعْمالِ عَنِ الزَّهادَةِ في مَفْعُولِهِ كَما في بَيْتِ النّابِغَةِ، أوْ عَنْ تَحْقِيرِهِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ.

والفَرْقُ بَيْنَ ما يُعْتَبَرُ فِيهِ مَعْنى صَيَّرَ حَتّى يَكُونَ مَنصُوبُهُ الثّانِي مَفْعُولًا، وما يُعْتَبَرُ المَنصُوبُ الثّانِي مَعَهُ حالًا، أنَّهُ إنْ كانَ القَصْدُ إلى الإخْبارِ بِالتَّخْلِيَةِ والتَّنَحِّي عَنْهُ فالمَنصُوبُ الثّانِي حالٌ وإنْ كانَ القَصْدُ أوَّلًا إلى ذَلِكَ المَنصُوبِ الثّانِي وهو مَحَلُّ الفائِدَةِ، فالمَنصُوبُ الثّانِي مَفْعُولٌ وهو في مَعْنى الخَبَرِ فَلا يَحْتَمِلُ واحِدٌ مِنهُما غَيْرَ ذَلِكَ مَعْنًى وإنِ احْتَمَلَهُ لَفْظًا.

وجَمْعُ ظُلُماتٍ لِقَصْدِ بَيانِ شِدَّةِ الظُّلْمَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣] وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «الظُّلْمُ ظُلُماتٌ يَوْمَ القِيامَةِ» فَإنَّ الكَثْرَةَ لَمّا كانَتْ في العُرْفِ سَبَبَ القُوَّةِ أطْلَقُوها عَلى مُطْلَقِ القُوَّةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ تَعَدُّدٌ ولا كَثْرَةٌ مِثْلُ لَفْظِ ”كَثِيرٍ“ كَما يَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٤] في سُورَةِ الفُرْقانِ، ومِنهُ ذِكْرُ ضَمِيرِ الجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ، لِلْواحِدِ، وضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ ومَعَهُ غَيْرُهُ لِلتَّعْظِيمِ، وصِيغَةُ الجَمْعِ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ، قِيلَ لَمْ يَرِدْ في القُرْآنِ ذِكْرُ الظَّلَمَةِ مُفْرَدًا، ولَعَلَّ لَفْظَ ظُلُماتٍ أشْهَرُ إطْلاقًا في فَصِيحِ الكَلامِ وسَيَأْتِي بَيانُ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] في سُورَةِ الأنْعامِ بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر: ٦] فَإنَّ التَّعَدُّدَ مَقْصُودٌ بِقَرِينَةِ وصْفِهِ بِثَلاثٍ. ولَكِنَّ بَلاغَةَ القُرْآنِ وكَلامِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ لا تَسْمَحُ بِاسْتِعْمالِ جَمْعٍ غَيْرِ مُرادٍ بِهِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ عَلى لَفْظِهِ المُفْرَدِ، ويَتَعَيَّنُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ جَمْعَ ظُلُماتٍ أُشِيرَ بِهِ إلى أحْوالٍ مِن أحْوالِ المُنافِقِينَ كُلُّ حالَةٍ مِنها تَصْلُحُ لِأنْ تُشَبَّهَ بِالظُّلْمَةِ، وتِلْكَ هي: حالَةُ الكُفْرِ، وحالَةُ الكَذِبِ، وحالَةُ الِاسْتِهْزاءِ بِالمُؤْمِنِينَ، وما يَتْبَعُ تِلْكَ الأحْوالَ مِن آثارِ النِّفاقِ. وهَذا التَّمْثِيلُ تَمْثِيلٌ لِحالِ المُنافِقِينَ في تَرَدُّدِهِمْ بَيْنَ مَظاهِرِ الإيمانِ وبَواطِنِ الكُفْرِ، فَوَجْهُ الشَّبَهِ هو ظُهُورُ أمْرٍ نافِعٍ ثُمَّ انْعِدامُهُ قَبْلَ الِانْتِفاعِ بِهِ، فَإنَّ في إظْهارِهِمُ الإسْلامَ مَعَ المُؤْمِنِينَ صُورَةٌ مِن حُسْنِ الإيمانِ وبَشاشَتِهِ لِأنَّ لِلْإسْلامِ نُورًا وبَرَكَةً، ثُمَّ لا يَلْبَثُونَ أنْ يَرْجِعُوا عِنْدَ خُلُوِّهِمْ بِشَياطِينِهِمْ فَيَزُولُ عَنْهم ذَلِكَ ويَرْجِعُوا في ظُلْمَةِ الكُفْرِ أشَدَّ مِمّا كانُوا عَلَيْهِ لِأنَّهم كانُوا في كُفْرٍ فَصارُوا في كُفْرٍ وكَذِبٍ وما يَتَفَرَّعُ عَنِ النِّفاقِ مِنَ المَذامِّ، فَإنَّ الَّذِي يَسْتَوْقِدُ النّارَ في الظَّلامِ يَتَطَلَّبُ رُؤْيَةَ الأشْياءِ، فَإذا انْطَفَأتِ النّارُ صارَ أشَدَّ حَيْرَةً مِنهُ في أوَّلِ الأمْرِ لِأنَّ ضَوْءَ النّارِ قَدْ عَوَّدَ بَصَرَهُ، فَيَظْهَرُ أثَرُ الظُّلْمَةِ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ أقْوى ويَرْسَخُ الكُفْرُ فِيهِمْ. وبِهَذا تَظْهَرُ نُكْتَةُ البَيانِ بِجُمْلَةِ لا يُبْصِرُونَ لِتَصْوِيرِ حالِ مَنِ انْطَفَأ نُورُهُ بَعْدَ أنِ اسْتَضاءَ بِهِ.

ومَفْعُولُ (لا يُبْصِرُونَ) مَحْذُوفٌ لِقَصْدِ عُمُومِ نَفْيِ المُبْصَراتِ، فَنُزِّلَ الفِعْلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ ولا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ كَأنَّهُ قِيلَ: لا إحْساسَ بَصَرٍ لَهم، كَقَوْلِ البُحْتُرِيِّ:

شَجْوُ حُسّادِهِ وغَيْظُ عِداهُ ∗∗∗ أنْ يَرى مُبْصِرٌ ويَسْمَعَ واعِ

وقَدْ أُجْمِلَ وجْهُ الشَّبَهِ في تَشْبِيهِ حالِ المُنافِقِينَ اعْتِمادًا عَلى فِطْنَةِ السّامِعِ لِأنَّهُ يَمْخَضُهُ مِن مَجْمُوعِ ما تَقَدَّمَ مِن شَرْحِ حالِهِمُ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] إلَخْ، ومِمّا يَتَضَمَّنُهُ المَثَلانِ مِنَ الإشارَةِ إلى وُجُوهِ المُشابَهَةِ بَيْنَ أجْزاءِ أحْوالِهِمْ وأجْزاءِ الحالَةِ المُشَبَّهِ بِها. فَإنَّ إظْهارَهُمُ الإيمانَ بِقَوْلِهِمْ ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] وقَوْلِهِمْ ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١] وقَوْلِهِمْ عِنْدَ لِقاءِ المُؤْمِنِينَ آمَنّا أحْوالٌ ومَظاهِرُ حَسَنَةٌ تَلُوحُ عَلى المُنافِقِينَ حِينَما يَحْضُرُونَ مَجْلِسَ النَّبِيءِ ﷺ وحِينَما يَتَظاهَرُونَ بِالإسْلامِ والصَّلاةِ والصَّدَقَةِ مَعَ المُسْلِمِينَ ويَصْدُرُ مِنهم طَيِّبُ القَوْلِ وقَوِيمُ السُّلُوكِ وتُشْرِقُ عَلَيْهِمُ الأنْوارُ النَّبَوِيَّةُ فَيَكادُ نُورُ الإيمانِ يَخْتَرِقُ إلى نُفُوسِهِمْ ولَكِنْ سُرْعانَ ما يَعْقُبُ تِلْكَ الحالَةَ الطَّيِّبَةَ حالَةٌ تُضادُها عِنْدَ انْفِضاضِهِمْ عَنْ تِلْكَ المَجالِسِ الزَّكِيَّةِ وخُلُوصِهِمْ إلى بِطانَتِهِمْ مِن كُبَرائِهِمْ أوْ مِن أتْباعِهِمْ فَتُعاوِدُهُمُ الأحْوالُ الذَّمِيمَةُ مِن مُزاوَلَةِ الكُفْرَ وخِداعِ المُؤْمِنِينَ والحِقْدِ عَلَيْهِمْ والِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ ووَصْفِهِمْ بِالسَّفَهِ. مُثِّلَ ذَلِكَ التَّظاهُرُ وذَلِكَ الِانْقِلابُ بِحالِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا ثُمَّ ذَهَبَ عَنْهُ نُورُها.

ومِن بَدائِعِ هَذا التَّمْثِيلِ أنَّهُ مَعَ ما فِيهِ مِن تَرْكِيبِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها ومُقابَلَتِها لِلْهَيْئَةِ المُرَكَّبَةِ مِن حالِهِمْ هو قابِلٌ لِتَحْلِيلِهِ بِتَشْبِيهاتٍ مُفْرَدَةٍ لِكُلِّ جُزْءٍ مِن هَيْئَةِ أحْوالِهِمْ بِجُزْءٍ مُفْرَدٍ مِنَ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها، فَشُبِّهَ اسْتِماعُهُمُ القُرْآنَ بِاسْتِيقادِ النّارِ، ويَتَضَمَّنُ تَشْبِيهَ القُرْآنِ في إرْشادِ النّاسِ إلى الخَيْرِ والحَقِّ بِالنّارِ في إضاءَةِ المَسالِكِ لِلسّالِكِينَ، وشُبِّهَ رُجُوعُهم إلى كُفْرِهِمْ بِذَهابِ نُورِ النّارِ، وشُبِّهَ كَفْرُهم بِالظُّلُماتِ، ويُشَبَّهُونَ بِقَوْمٍ انْقَطَعَ إبْصارُهم.

الدر المصون - السمين الحلبي

الدر المصون للسمين الحلبي - السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)

﴿مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِی ٱسۡتَوۡقَدَ نَارࣰا فَلَمَّاۤ أَضَاۤءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِی ظُلُمَـٰتࣲ لَّا یُبۡصِرُونَ﴾ [البقرة ١٧]

قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً} : «مثلُهم» مبتدأ و «كمثل» : جارٌّ ومجرور خبره، فيتعلَّقُ بمحذوف على قاعدةِ الباب، ولا مبالاة بخلافِ مَنْ يقول: إن كافَ التشبيه لا تتعلَّق بشيء، والتقديرُ مَثَلُهم مستقر كمثل وأجاز أبو البقاء وابنُ عطية أن تكونَ الكافُ اسماً هي الخبرُ، ونظَّره بقول الشاعر: 207 - أَتَنْتَهُون ولن ينهى ذوي شَطَط ... كالطَّعْن يَذْهَبُ فيه الزيتُ والفُتُل

وهذا مذهبُ الأخفش: يُجيز أَنْ تكونَ الكافُ اسماً مطلقاً. وأمّا مذهب سيبويه فلا يُجيز ذلك إلا في شعر، وأمَّا تنظيرُه بالبيتِ فليس كما قال، لأنَّا في البيت نضطُّر إلى جَعْلِها اسماً لكونِها فاعلةً، بخلاف الآية. والذي ينبغي أن يقال: إنَّ كافَ التشبيه لها ثلاثةُ أحوال: حالٌ يتعيَّن فيها أَنْ تكونَ اسماً، وهي ما إذا كانت فاعلةً أو مجرورةً بحرفٍ أو إضافةٍ. مثالُ الفاعل: «أتنتهون ولن يَنْهى» البيت، ومثالُ جَرِّها بحرفٍ قولُ امرئ القيس:

208 - وَرُحْنا بكابْنِ الماء يُجْنَبُ وَسْطَنا ... تَصَوَّبُ فيه العينُ طوراً وتَرْتقي

وقولُه:

209 - وَزَعْتُ بكالهَراوةِ أَعْوَجِيٍّ ... إذا جَرَت الرياحُ لها وِثابا

ومثالُ جَرِّها بالإِضافة قولُه:

210 - فَصُيِّروا مثلَ كعَصْفٍ مأكولْ .. . . . . .

وحالٌ يتعيَّن أن تكونَ فيها حرفاًَ، وهي: الواقعةُ صلةً، نحو: جاء الذي كزيدٍٍ، لأنَّ جَعْلَها اسماً يستلزمُ حَذْفَ عائدِ مبتدأٍ من غير طولِ الصلةِ، وهو ممتنعٌ عند البصريين، وحالٌ يجوز فيها الأمران وهي ما عدا ذلك نحو: زيد كعمرو. وأَبْعَدَ مَنْ زعم أنها زائدةٌ في الآية الكريمة، أي: مَثَلُهم مثلُ الذي، ونظَّره بقوله: «فَصُيِّروا مثل كعصف» كأنه جعل المِثْل والمَثَل بمعنى واحدٍ، والوجهُ أَنَّ المَثَلَ هنا بمعنى القصةِ، والتقديرُ: صفتُهم وقصتُهم كقصةِ المستوقِدِ فليست زائدةً على هذا التأويلِ، ولكن المَثَلَ بالفتح في الأصل بمعنى مِثْل ومثيل نحو: شِبْه وشَبَه وشَبيه. وقيل: بل هي في الأصل الصفةُ، وأمَّا المَثَل في قوله: «ضَرَب مَثَلاً» فهو القولُ السائرُ الذي فيه غَرابةٌ من بعضِ الوجوهِ، ولذلك حُوفظ على لفظِه فلم يُغَيَّرْ، فيقال لكلِّ مَنْ فَرَّط في أمرٍ عَسِرْ تَدارُكُه: «الصيفَ ضَيّعْتِ اللبنَ» ، سواءٌ أكان المخاطب به مفرداً أم مثَنَّى أم مجموعاً أم مذكراً أم مؤنثاً، ليدلَّ بذلك على قَصْدٍ عليه.

و «الذي» في محلِّ خَفْضٍ بالإِضافة، وهو موصولٌ للمفردِ المذكرِ، ولكن المرادَ به هنا جَمْعٌ، ولذلك رُوعي معناه في قوله: {ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ} فأعاد الضمير عليه جمعاً، والأَوْلى أن يقال إن «الذي» وقع وصفاً لشيء يُفْهِم الجمعَ، ثم حُذِفَ ذلك الموصوفُ للدلالةِ عليه، والتقديرُ: مَثَلهم كَمَثَل الفريق الذي استوقد أو الجمعِ الذي استوقَدَ، ويكون قد رُوعي الوصفُ مرةً، فعادَ الضميرُ عليه مفرداً في قوله: «استوقد» و «حَوْلَه» ، والموصوفُ أخرى فعاد الضميرُ عليهِ مجموعاً في قوله: «بنورِهم، وتركَهم» .

ووهِم أبو البقاء فَجَعَل هذه الآيةَ من باب ما حُذِفَتْ منه النونُ تخفيفاً، وأن الأصلَ: الذين، ثم خُفِّف بالحذفِ، وكأنه جَعَلَه مثلَ قولِه تعالى في الآية الأخرى: {وَخُضْتُمْ كالذي خاضوا} [التوبة: 69] ، وقول الشاعر:

211 - وإنَّ الذي حانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهم ... هُمُ القومُ كلُّ القومِ يا أمَّ خالدِ

والأصل: كالذينَ خاضُوا، وإنَّ الذين حانَتْ. وهذا وَهْمٌ فاحش، لأنه لو كان من باب ما حُذِفَتْ منه النونُ لوجَبَ مطابقةُ الضميرِ جمعاً كما في قوله: «كالذي خاضوا» و «دماؤُهُمْ» ، فلمَّا قال تعالى: «استوقد» بلفظ الإِفراد تعيَّن أحدُ الأمرين المتقدِّمين: إمَّا جَعْلُه من باب وقوعِ المفردِ موقعَ الجمعِ لأن المرادَ به الجنسُ، أو أنه من باب ما وقع فيه صفةً لموصوف يُفْهِم الجَمْعَ.

وقال الزمخشري ما معناه: إنَّ هذه الآيةَ مثلُ قولِه تعالى: {كالذي خاضوا} /، واعتلَّ لتسويغِ ذلك بأَمْرين: أحدُهما أنَّ «الذي» لمَّا كانَ وُصْلَةً لوصفِ المعارفِ ناسَبَ حَذْفَ بعضِه لاستطالتِه، قال: «ولذلك نَهَكُوه بالحَذْفِ، فحذَفوا ياءَه ثم كَسْرَتَه ثم اقتصروا منه على اللامِ في أسماء الفاعِلِين والمفعولين» . والأمرُ الثاني: أنَّ جَمْعَه ليس بمنزلةِ جَمْعِ غيرِه بالواو والنون، إنما ذلك علامةٌ لزيادةِ الدلالةِ، ألا ترى أن سائرَ الموصولاتِ لَفْظُ الجمع والمفردِ فيهنَّ سواءٌ. وهذا القولُ فيه نَظَرٌ مِنْ وجهين، أحُدهما: أنَّ قول ظاهرٌ في جَعْلِ هذه الآيةِ من باب حَذْف نون «الذين» ، وفيه ما تقدَّم من أنه كان ينبغي أن يطابقَ الضميرَ جَمْعاً كما في الآية الأخرى التي نَظَّر بها. والوجهُ الثاني: أنه اعتقدَ كونَ أل الموصولةِ بقيةَ «الذي» ، وليس كذلك، بل أل الموصولةُ اسمٌ موصولٌ مستقل، أي: غيرُ مأخوذٍ من شيءٍ، على أن الراجحَ من جهةِ الدليلِ كونُ أل الموصولةِ حرفاً لا اسماً كما سيأتي. وليس لمرجِّحٍ أن يرجِّح قولَ الزمخشري بأنهم قالوا: إنَّ الميمَ في قولهم: «مُ الله» بقية ايمُن، فإذا انتهكوا ايمن بالحذف حتى صار على حرفٍ واحد فأولى أن يقال بذلك فما بقي على حرفين، لأن أل زائدةٌ على ماهِيَّةِ «الذي» فيكونون قد حَذَفوا جميعَ الاسم، وتركوا ذلك الزائدَ عليه بخلاف ميم ايمُن، وأيضاً فإنَّ القولَ بأنّ الميمَ بقيةُ أيمُن قولٌ ضعيف مردودٌ يأباه قولُ الجمهور.

وفي «الذي» لغاتٌ: أشهرُها ثبوتُ الياء ساكنةً. وقد تُشَدَّد مكسورةً مطلقاً، أو جاريةً بوجوهِ الإِعرابِ، كقوله:

212 - وليسَ المالُ فاعلَمْهُ بمالٍ ... وإنْ أرضاكَ إلا ِللَّذيِّ

يَنالُ به العَلاءَ ويَصْطَفيه ... لأقربِ أَقْرِبيه وللقَصِيِّ

فهذا يَحْتمل أنْ يكونَ مبنيًّا وأن يكونَ مُعْرباً، وقد تُحْذف ساكناً ما قبلها، كقولِ الآخر:

213 - فلم أَرَ بيْتاً كان أكثرَ بهجةً ... مِنَ اللذْ به من آلِ عَزَّةَ عامرُ

أو مكسوراً، كقوله:

214 - واللذِ لو شاء لكانَتْ بَرّاً ... أو جبلاً أَصَمَّ مُشَمْخِراً ومثلُ هذه اللغات في «التي» أيضاً، قال بعضُهم: «وقولُهم هذه لغاتٌ ليس جيداً لأنَّ هذه لم تَرِدْ إلا ضرورةً، فلا ينبغي أن تسمى لغات» .

واستوقَدَ استفْعَلَ بمعنى أفْعَلَ، نحو: استجاب بمعنى أَجاب، وهو رأي الأخفش، وعليه قولُ الشاعر:

215 - وداعٍ دعا يا مَنْ يُجيبُ إلى الندى ... فلم يَسْتَجِبْهُ عندَ ذاكَ مُجيبُ

أي: فلم يُجِبْه، وقيل: بل السينُ للطلب، ورُجِّحَ قولُ الأخفش بأنَّ كونَه للطلب يستدعي حَذفَ جملةٍ، ألا ترى أنَّ المعنى استدعَوْا ناراً فَأَوْقدوها، فلمَّا أضاءَتْ لأنّ الإِضاءةَ لا تَتَسَبَّبُ عن الطلبِ، إنما تُسَبَّبُ عن الإِيقاد.

والفاء في «فلمَّا» للسبب. وقرأ ابن السَّمَيْفَع: «كمثل الذين» بلفظِ الجمع، «استوقد» بالإِفراد، وهي مُشْكِلةٌ، وقد خَرَّجوها على أوجهٍ أضعفَ منها وهي التوهُّمُ، أي: كانه نطق بمَنْ، إذا أعاد ضميرَ المفرد على الجمع كقولهم: «ضربني وضربتُ قومَك» أي ضربني مَنْ، أو يعودُ على اسمِ فاعلٍ مفهومٍ من اسْتَوْقََد، والعائدُ على الموصولِ محذوفٌ، وإن لم يَكْمُلْ شرطُ الحذفِ، والتقدير: استوقدها مستوقدٌ لهم، وهذه القراءة تُقوِّي قولَ مَنْ يقولُ: إن أصلَ الذي: الذين، فَحُذِفَتِ النونُ.

و «لَمَّا» حرفُ وجوب لوجوب هذا مذهبُ سيبويه. وزعم الفارسي وتبعه أبو البقاء أنها ظرفٌ بمعنى حين، وأنَّ العاملَ فيها جوابُها، وقد رُدَّ عليه بأنها أُجيبت ب «ما» النافية وإذا الفجائية، قال تعالى: {فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً} [فاطر: 42] . وقال تعالى: {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 65] ، وما النافيةُ وإذا الفجائية لا يَعْمَلُ ما بعدهما فيما قبلهما فانتفى أَنْ تكونَ ظرفاً.

وتكون «لَمَّا» أيضاً جازمةً لفعلٍ واحد، ومعناها نفيُ الماضي المتصلِ بزمنِ الحال، ويجوزُ حَذْفُ مجزومها، قال الشاعر:

216 - فجِئْتُ قبورَهم بَدْءاً ولَمَّا ... فنادَيْتُ القبورَ فلم يُجِبْنَهْ

وتكونُ بمعنى إلا، قال تعالى: {وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الحياة الدنيا} [الزخرف: 35] في قراءة مَنْ قرأه.

و «أضاء» يكونُ لازماً ومتعدياً، فإن كان متعدياً ف «ما» مفعولٌ به، وهي موصولة، و «حولَه» ظرفُ مكانٍ ومخفوضٌ به، صلةٌ لها، ولا يَتَصَرَّفُ، وبمعناه: حَوال، قال الشاعر:

217 - وأنا أَمْشِي الدَّأَلَى حَوالَكا ... . . . . .

ويُثَنَّيان، قال عليه السلام: «اللهم حوالَيْنا» ، ويُجْمَعان على أَحْوال.

ويجوز أن تكونَ «ما» نكرةً موصوفةً، و «حولَه» صفتُها، وإن كان لازماً فالفاعلُ ضميرُ النار أيضاً، و «ما» زائدةٌ، و «حوله» منصوبٌ على الظرفِ العاملُ فيهِ «أضاء» . وأجاز الزمخشري أن تكون «ما» فاعلةً موصولةً أو نكرةً موصوفةً، وأُنِّثَ/ الفِعلُ على المعنى، والتقدير: فلمَّا أضاءَتِ الجهةُ التي حولَه أو جهةٌ حولَه.

وأجاز أبو البقاء فيها أيضاً أن تكونَ منصوبةً على الظرف، وهي حينئذٍ إمَّا بمعنى الذي أو نكرة موصوفة، التقدير: فلمَّا أضاءت النارُ المكانَ الذي حوله أو مكاناً حوله، فإنه قال: «يُقال: ضاءَتِ النارُ وأَضاءَتْ بمعنىً، فعلى هذا تكون» ما «ظرفاً وفي» ما «ثلاثةُ أوجهٍ أحدُها: أن تكونَ بمعنى الذي. والثاني: هي نكرة موصوفةٌ أي: مكاناً حوله، والثالث: هي زائدةٌ» انتهى.

وفي عبارتِه بعضُ مناقشةٍ، فإنه بَعْدَ حُكْمِه على «ما» بأنَّها ظرفيةٌ كيف يجوزُ فيها والحالةُ هذه أن تكونَ زائدةً، وإنما أراد: في «ما» هذه من حيث الجملةُ ثلاثةُ أوجهٍ: وقولُ الشاعر:

218 - أضاءَت لهم أحسابُهم ووجُوهُهم ... دجى الليلِ حتى نَظَّم الجَزْعَ ثاقِبُهْ

يَحْتمل التعدِّيَ واللزوم كالآية الكريمة. وقرأ ابن السَّمَيْفَع: ضاءَتْ ثلاثياً.

قولُه تعالى: {ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ} هذه الجملةُ الظاهرُ أنَّها جوابُ «لَمَّا» . وقال الزمخشري: «جوابُها محذوفٌ، تقديرُه: فلمَّا أضاءَتْ خَمَدَت» ، وجَعَل هذا أبلَغَ من ذِكْرِ الجواب، وجعلَ جملةَ قوله: {ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ} مستأنفة أو بدلاً من جملة التمثيل. وقد رَدَّ عليه بعضُهم هذا بوجْهَيْن أحدهما: أنَّ هذا تقديرٌ مع وجودِ ما يُغْني عنه فلا حاجةَ إليه، إذ التقديراتُ إنما تكونُ عند الضروراتِ. والثاني: أنه لا تُبْدَلُ الجملةُ الفعليةُ من الجملةِ الاسميةِ.

و «بنورهم» متعلِّقٌ ب «ذَهَبَ» ، والباءُ فيها للتعدية، وهي مرادِفَةٌ للهمزة في التعديةِ، هذا مذهبُ الجمهورِ، وزَعَمَ أبو العباس أنَّ بينهما فَرْقاً، وهو أن الباءَ يلزَمُ معها مصاحبةُ الفاعل للمفعولِ في ذلك الفعلِ الذي فَعَلَه به والهمزةُ لا يَلْزَمُ فيها ذلك. فإذا قلتَ: «ذهبْتُ بِزيد» فلا بد أن تكونَ قد صاحَبْتَه في الذهاب فذهبْتَ معه، وإذا قلت: «أَذْهَبْتَه» جاز أن يكونَ قد صَحِبْتَه وألاَّ يكونَ. وقد رَدَّ الجمهورُ على المبرِّد بهذه الآية لأنَّ مصاحَبَتَه تعالى لهم في الذهابِ مستحيلةٌ. ولكن قد أجاب أبو الحسنِ ابنُ عصفور عن هذا بأنه يجوزُ أن يكونَ تعالى قد أَسْنَدَ إلى نفسِه ذهاباً يليقُ به كما أَسْند إلى نفسِه المجي والإِتيان على معنى يليقُ به، وإنما يُرَدُّ عليه بقولِ الشاعر: 219 - ديارُ التي كانت ونحن على مِنى ... تَحِلُّ بنا لولا نَجاءُ الرَّكائِب

أي: تَجْعلنا حلالاً بعد أن كنا مُحْرِمين بالحَجّ، ولم تكن هي مُحْرِمةً حتى تصاحبَهم في الحِلّ، وكذا قولُ امرئ القيس:

220 - كُمَيْتٍ يَزِلُّ اللَّبْدُ عن حالِ مَتْنِه ... كما زَلَّتِ الصَّفْواءُ بالمُتَنَزَّلِ

الصَّفْوُ: الصخرة، وهي لم تصاحِبْ الذي تَزِلُّه.

والضميرُ في «بنورِهم» عائدٌ على معنى «الذي» كما تقدَّم، وقال بعضُهم: هو عائدٌ على مضافٍ محذوفٍ تقديرُه: كمثلِ أصحابِ الذي استوقدَ، واحتاج هذا القائلُ إلى هذا التقديرِ قال: «حتى يتطابقَ المشبَّهُ والمشبَّهُ به، لأنَّ المشبَّهَ جمعٌ، فلو لم يُقَدَّرْ هذا المضافُ وهو» أصحاب «لَزِم أن يُشَبِّه الجمعَ بالمفردِ وهو الذي استوقد» انتهى.

ولا أدري ما الذي حَمَلَ هذا القائلَ على مَنْعِ تشبيه الجمعِ بالمفردِ في صفةٍ جامعةٍ بينهما، وأيضاً فإنَّ المشبَّهَ المشبَّهَ به إنما هو القصتان، فلم يقع التشبيهُ إلا بين قصتين إحداهما مضافةٌ إلى جمع والأخرى إلى مفردٍ.

قولُه تعالى: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ} هذه جملةٌ معطوفةٌ على قوله «ذَهَبَ الله» . وأصل الترك: التخليةُ، ويُراد به التصييرُ، فيتعدَّى لاثنين على الصحيح، كقولِ الشاعر:

221 - أَمَرْتُكَ الخير فافعلْ ما أُمِرْتَ به ... فقد تَرَكْتُكَ ذا مال وذا نَشَبِ 

فإن قُلْنا: هو متعدٍّ لاثنين كان المفعولُ الأول هو الضميرَ، والمفعولُ الثاني «في ظلمات» و «لا يُبْصرون» حالٌ، وهي حالٌ مؤكدة لأنَّ مَنْ كان في ظلمة فهو لا يُبْصِرُ، وصاحبُ الحالِ: إمّا الضميرُ المنصوبُ أو المرفوعُ المستكنُّ في الجارِّ والمجرورِ. ولا يجوزُ أن يكونَ «في ظلمات» حالاً، و «لا يُبْصِرون» هو المفعولَ الثاني لأن المفعولَ الثاني خبرٌ في الأصل، والخبرُ لا يؤتَى به للتأكيد، وأنت إذا جعلت «في ظلمات» حالاً فُهِمَ منه عَدَمُ الإِبصارِ، فلم يُفِدْ قولُك بعد ذلك لا «يُبْصرون» إلا التأكيدَ، لكنَّ التأكيدَ ليس من شأن الإِخبار، بل من شأنِ الأحوال لأنها فَضَلاتٌ. ويؤيِّد ما ذكرتُ أن النَّحْويين لَمَّا أَعربُوا قولَ امرئ القيس:

222 - إذا ما بكى مِنْ خَلْفِها انصَرفَتْ له ... بشِقٍّ وشِقٍّ عندنا لم يُحَوَّلِ

أعربوا «شِق» مبتدأً و «عندنا» خبرَه، و «لم يُحَوَّل» جملةً حاليةً مؤكِّدةً، قالوا: وجاز الابتداءُ بالنكرةِ لأنه موضعُ تفصيل، وأبَوْا أن يَجْعلوا «لم يُحَوَّل» خبراً، و «عندنا» صفةً لشِق مُسَوِّغاً للابتداء به، قالوا: لأنه فُهم معناه من قوله: «عندنا» لأنه إذا كان عندَه عُلِم منه أنه لم يُحَوَّل، وقد أعربَه أبو البقاء كذلك، وهو مردودٌ بما ذكرْتُ لك.

ويجوز إذا جَعَلْنا «لا يُبْصِرون» هو المفعولَ الثانيَ أن يتعلَّقَ «في ظلمات» به أو ب «تَرَكهم» ، التقدير: «وتَرَكهم لا يُبْصرون في ظلماتٍ» . وإن كان «تَرَكَ» متعدياً لواحد كان «في ظلمات» متعلَّقاً بتَرَكَ، و «لا يُبْصرون» حالٌ مؤكِّدة ويجوز أن يكونَ «في ظلمات» حالاً من الضمير المنصوب في «تَرَكهم» ، فيتعلَّقَ بمحذوفٍ و «لا يُبْصرون» حالٌ أيضاً: إمَّا من الضميرِ المنصوب في «تَرَكَهم» فيكونُ له حالان/ ويجري فيه الخلافُ المتقدمُ، وإمَّا مِنَ الضميرِ المرفوعِ المستكنِّ في الجارِّ والمجرور قبلَه فتكونُ حالَيْنِ متداخلتين.

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني
مثل

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

مثل

أصل المُثُولِ: الانتصاب، والمُمَثَّلُ: المصوّر على مثال غيره، يقال: مَثُلَ الشيءُ.

أي: انتصب وتصوّر، ومنه قوله ﷺ: «من أحبّ أن يمثل له الرّجال فليتبوّأ مقعده من النّار»(١) .

والتِّمْثَالُ: الشيء المصوّر، وتَمَثَّلَ كذا: تصوّر. قال تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا﴾ [مريم : 17] والمَثَلُ عبارة عن قول في شيء يشبه قولا في شيء آخر بينهما مشابهة، ليبيّن أحدهما الآخر ويصوّره. نحو قولهم: الصّيف ضيّعت اللّبن(٢) فإن هذا القول يشبه قولك: أهملت وقت الإمكان أمرك. وعلى هذا الوجه ما ضرب الله تعالى من الأمثال، فقال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر : 21] ، وفي أخرى: ﴿وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ﴾ [العنكبوت : 43] . والمَثَلُ يقال على وجهين: أحدهما: بمعنى المثل. نحو: شبه وشبه، ونقض ونقض. قال بعضهم: وقد يعبّر بهما عن وصف الشيء(٣) . نحو قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الرعد : 35] . والثاني: عبارة عن المشابهة لغيره في معنى من المعاني أيّ معنى كان، وهو أعمّ الألفاظ الموضوعة للمشابهة، وذلك أنّ النّدّ يقال فيما يشارك في الجوهر فقط، والشّبه يقال فيما يشارك في الكيفيّة فقط، والمساوي يقال فيما يشارك في الكمّيّة فقط، والشّكل يقال فيما يشاركه في القدر والمساحة فقط، والمِثْلَ عامّ في جميع ذلك، ولهذا لمّا أراد الله تعالى نفي التّشبيه من كلّ وجه خصّه بالذّكر فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى : 11] وأما الجمع بين الكاف والمثل فقد قيل: ذلك لتأكيد النّفي تنبيها على أنه لا يصحّ استعمال المثل ولا الكاف، فنفى ب (ليس) الأمرين جميعا. وقيل: المِثْلُ هاهنا هو بمعنى الصّفة، ومعناه: ليس كصفته صفة، تنبيها على أنه وإن وصف بكثير ممّا يوصف به البشر فليس تلك الصّفات له على حسب ما يستعمل في البشر، وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى﴾ [النحل : 60] أي: لهم الصّفات الذّميمة وله الصّفات العلى. وقد منع الله تعالى عن ضرب الأمثال بقوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ﴾ [النحل : 74] ثم نبّه أنه قد يضرب لنفسه المثل، ولا يجوز لنا أن نقتدي به، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل : 74] ثمّ ضرب لنفسه مثلا فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً﴾ الآية [النحل : 75] ، وفي هذا تنبيه أنه لا يجوز أن نصفه بصفة مما يوصف به البشر إلا بما وصف به نفسه، وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ﴾ الآية [الجمعة : 5] ، أي: هم في جهلهم بمضمون حقائق التّوراة كالحمار في جهله بما على ظهره من الأسفار، وقوله: ﴿وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف : 176] فإنه شبّهه بملازمته واتّباعه هواه وقلّة مزايلته له بالكلب الذي لا يزايل اللهث على جميع الأحوال. وقوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً﴾ [البقرة : 17] ، فإنه شبّه من آتاه الله تعالى ضربا من الهداية والمعارف، فأضاعه ولم يتوصّل به إلى ما رشّح له من نعيم الأبد بمن استوقد نارا في ظلمة، فلمّا أضاءت له ضيّعها ونكس فعاد في الظّلمة، وقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً﴾ [البقرة : 171] فإنه قصد تشبيه المدعوّ بالغنم، فأجمل وراعى مقابلة المعنى دون مقابلة الألفاظ، وبسط الكلام: مثل راعي الذين كفروا والّذين كفروا كمثل الّذي ينعق بالغنم، ومثل الغنم التي لا تسمع إلّا دعاء ونداء. وعلى هذا النحو قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة : 261] ومثله قوله: ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ﴾ [آل عمران : 117] وعلى هذا النحو ما جاء من أمثاله. والمِثَالُ: مقابلة شيء بشيء هو نظيره، أو وضع شيء مّا ليحتذى به فيما يفعل، والْمُثْلَةُ: نقمة تنزل بالإنسان فيجعل مثالا يرتدع به غيره، وذلك كالنّكال، وجمعه مُثُلَاتٌ ومَثُلَاتٌ، وقد قرئ: ﴿مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ﴾ [الرعد : 6] ، و (الْمَثْلَاتُ)(٤) بإسكان الثّاء على التّخفيف. نحو: عَضُدٍ وعَضْدٍ، وقد أَمْثَلَ السّلطان فلانا: إذا نكّل به، والأَمْثلُ يعبّر به عن الأشبه بالأفاضل، والأقرب إلى الخير، وأَمَاثِلُ القومِ: كناية عن خيارهم، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً﴾ [طه : 104] ، وقال: ﴿وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى﴾ [طه : 63] أي: الأشبه بالفضيلة، وهي تأنيث الأمثل.

(١) عن ابن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ: «من أحبّ أن يمثل له عباد الله قياما فليتبوأ مقعده من النار» أخرجه أحمد 4/ 91، وأبو داود برقم (5229) ، والترمذي، وقال: حديث حسن (انظر: عارضة الأحوذي 10/ 213) .

(٢) المثل يضرب لمن يطلب شيئا قد فوّته على نفسه.

وقال المبرد: أصل المثل كان لامرأة، وإنما يضرب لكل واحد على ما جرى في الأصل، فإذا قلته للرجل فإنما معناه: أنت عندي بمنزلة التي قيل لها هذا. انظر: مجمع الأمثال 2/ 68، والمقتضب 2/ 143.

(٣) انظر ص 732 في الحاشية.

(٤) وهي لغة بني تميم. وهي قراءة شاذة قرأ بها الأعمش.

انظر: تفسير القرطبي 9/ 285، وإعراب القرآن للنحاس 2/ 166، ومعاني الفراء 2/ 59.


وقد

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

وقد

يقال: وَقَدَتِ النارُ تَقِدُ وُقُوداً ووَقْداً، والوَقُودُ يقال للحطب المجعول للوُقُودِ، ولما حصل من اللهب. قال تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾ [البقرة : 24] ، ﴿أُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ [آل عمران : 10] ، ﴿النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ﴾ [البروج : 5] واستَوْقَدْتُ النارَ: إذا ترشّحتُ لإِيقَادِهَا، وأَوْقَدْتُهَا. قال تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً﴾ [البقرة : 17] ، ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾ [الرعد : 17] ، ﴿فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ﴾ [القصص : 38] ، ﴿نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ [الهمزة : 6] ومنه: وَقْدَةُ الصّيفِ أشدُّ حرّاً(١) ، واتَّقَدَ فلانٌ غضبا. ويستعار وَقَدَ واتَّقَدَ للحرب كاستعارة النّار والاشتعال، ونحو ذلك لها. قال تعالى: ﴿كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة : 64] وقد يستعار ذلك للتّلألؤ، فيقال: اتَّقَدَ الجوهرُ والذّهبُ.

(١) وقدة الحر: أشدّه. اللسان: (وقد) .

نور

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

نور

النّور: الضّوء المنتشر الذي يعين على الإبصار، وذلك ضربان دنيويّ، وأخرويّ، فالدّنيويّ ضربان: ضرب معقول بعين البصيرة، وهو ما انتشر من الأمور الإلهية كنور العقل ونور القرآن. ومحسوس بعين البصر، وهو ما انتشر من الأجسام النّيّرة كالقمرين والنّجوم والنّيّرات.

فمن النّور الإلهي قوله تعالى: ﴿قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة : 15] ، وقال: ﴿وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها﴾ [الأنعام : 122] ، وقال: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا﴾ [الشورى : 52] وقال: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر : 22] ، وقال: ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ [النور : 35] ، ومن المحسوس الذي بعين البصر نحو قوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً﴾ [يونس : 5] وتخصيص الشّمس بالضّوء، والقمر بالنّور من حيث إنّ الضّوء أخصّ من النّور، قال: ﴿وَقَمَراً مُنِيراً﴾ [الفرقان : 61] أي: ذا نور. ومما هو عامّ فيهما قوله: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام : 1] ، وقوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد : 28] ، ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ [الزمر : 69] ومن النّور الأخرويّ قوله: ﴿يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الحديد : 12] ، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا﴾ [التحريم : 8] ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد : 13] ، ﴿فَالْتَمِسُوا نُوراً﴾ [الحديد : 13] ، ويقال: أنار الله كذا، ونَوَّرَه، وسمّى الله تعالى نفسه نورا من حيث إنه هو المُنَوِّر، قال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور : 35] وتسميته تعالى بذلك لمبالغة فعله.

والنَّارُ تقال للهيب الذي يبدو للحاسّة، قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة : 71] ، وقال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً﴾ [البقرة : 17] ، وللحرارة المجرّدة، ولنار جهنّم المذكورة في قوله: ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحج : 72] ، ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾ [البقرة : 24] ، ﴿نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ [الهمزة : 6] وقد ذكر ذلك في غير موضع. ولنار الحرب المذكورة في قوله: ﴿كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ﴾ [المائدة : 64] ، وقال بعضهم: النّار والنّور من أصل واحد، وكثيرا ما يتلازمان لكن النار متاع للمقوين في الدّنيا، والنّور متاع لهم في الآخرة، ولأجل ذلك استعمل في النّور الاقتباس، فقال: ﴿نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد : 13] وتنوّرت نارا: أبصرتها، والمَنَارَة(١) : مفعلة من النّور، أو من النار كمنارة السّراج، أو ما يؤذّن عليه، ومَنَارُ الأرض: أعلامها، والنَّوَار: النّفور من الرّيبة، وقد نَارَتِ المرأة تَنُور نَوْراً ونَوَاراً، ونَوْرُ الشّجر ونُوَّارُهُ تشبيها بالنّور، والنَّوْرُ: ما يتّخذ للوشم. يقال: نَوَّرَت المرأة يدها، وتسميته بذلك لكونه مظهرا لنور العضو.

(١) انظر العين 8/ 276. 

ضوأ

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

ضوأ

الضَّوْءُ: ما انتشر من الأجسام النّيّرة، ويقال: ضَاءَتِ النارُ، وأَضَاءَتْ، وأَضَاءَهَا غيرُها. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ﴾ [البقرة : 17] ، ﴿كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ [البقرة : 20] ، ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ [النور : 35] ، ﴿يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ﴾ [القصص : 71] ، وسَمَّى كُتُبَهُ المُهْتَدَى بها ضِيَاءً في نحو قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء : 48] .

حول

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

حول

أصل الحَوْل تغيّر الشيء وانفصاله عن غيره، وباعتبار التّغيّر قيل: حَالَ الشيء يَحُولُ حُؤُولًا، واستحال: تهيّأ لأن يحول، وباعتبار الانفصال قيل: حَالَ بيني وبينك كذا، وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال : 24] ، فإشارة إلى ما قيل في وصفه: (يا مقلّب القلوب والأبصار)(١) ، وهو أن يلقي في قلب الإنسان ما يصرفه عن مراده لحكمة تقتضي ذلك، وقيل: على ذلك وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ [سبأ : 54] ، وقال بعضهم في قوله: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال : 24] ، هو أن يهلكه، أو يردّه إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا(٢) ، وحَوَّلْتُ الشيء فَتَحَوَّلَ: غيّرته، إمّا بالذات، وإمّا بالحكم والقول، ومنه: أَحَلْتُ على فلان بالدّين. وقولك: حوّلت الكتاب هو أن تنقل صورة ما فيه إلى غيره من غير إزالة الصّورة الأولى، وفي المثل(٣) : لو كان ذا حيلة لتحوّل، وقوله عزّ وجلّ: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ [الكهف : 108] ، أي: تحوّلا.

والحَوْلُ: السّنة، اعتبارا بانقلابها ودوران الشّمس في مطالعها ومغاربها، قال الله تعالى: ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ [البقرة : 233] ، وقوله عزّ وجلّ: ﴿مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ﴾ [البقرة : 240] . ومنه: حَالَتِ السّنة تَحُولُ، وحَالَتِ الدّار: تغيّرت، وأَحَالَتْ وأَحْوَلَتْ: أتى عليها الحول(٤) ، نحو: أعامت وأشهرت، وأَحَال فلان بمكان كذا: أقام به حولا، وحَالَتِ النّاقة تَحُولُ حِيَالًا: إذا لم تحمل(٥) ، وذلك لتغيّر ما جرت به عادتها، والحالُ: لما يختصّ به الإنسان وغيره من أموره المتغيّرة في نفسه وجسمه وقنيته، والحول: ما له من القوّة في أحد هذه الأصول الثّلاثة، ومنه قيل: لا حول ولا قوّة إلّا بالله، وحَوْلُ الشيء: جانبه الذي يمكنه أن يحوّل إليه، قال عزّ وجلّ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ [غافر : 7] ، والحِيلَة والحُوَيْلَة: ما يتوصّل به إلى حالة ما في خفية، وأكثر استعمالها فيما في تعاطيه خبث، وقد تستعمل فيما فيه حكمة، ولهذا قيل في وصف الله عزّ وجلّ: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ﴾ [الرعد : 13] ، أي: الوصول في خفية من النّاس إلى ما فيه حكمة، وعلى هذا النّحو وصف بالمكر والكيد لا على الوجه المذموم، تعالى الله عن القبيح. والحيلة من الحول، ولكن قلبت واوها ياء لانكسار ما قبلها، ومنه قيل: رجل حُوَلٌ(٦) ، وأمّا المُحَال: فهو ما جمع فيه بين المتناقضين، وذلك يوجد في المقال، نحو أن يقال: جسم واحد في مكانين في حالة واحدة، واستحال الشيء: صار محالا، فهو مُسْتَحِيل. أي: آخذ في أن يصير محالا، والحِوَلَاء: لما يخرج مع الولد(٧) . ولا أفعل كذا ما أرزمت أمّ حائل(٨) ، وهي الأنثى من أولاد النّاقة إذا تحوّلت عن حال الاشتباه فبان أنها أنثى، ويقال للذّكر بإزائها: سقب. والحال تستعمل في اللّغة للصّفة التي عليها الموصوف، وفي تعارف أهل المنطق لكيفيّة سريعة الزّوال، نحو: حرارة وبرودة، ويبوسة ورطوبة عارضة.

(١) الحديث عن أنس قال: كان النبيّ ﷺ يكثر أن يقول: يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك. أخرجه أحمد 3/ 112.

(٢) انظر غرائب التفسير وعجائب التأويل 1/ 438.

(٣) الأمثال لأبي عبيد ص 337، ومجمع الأمثال 2/ 175.

(٤) انظر: المجمل 1/ 258.

(٥) انظر: المجمل 1/ 258.

(٦) في اللسان: ورجل حول وحولة، مثل همزة: محتال شديد الاحتيال.

(٧) قال ابن منظور: والحولاء والحولاء من الناقة كالمشيمة للمرأة. اللسان (حول) والغريب المصنف ورقة 27، نسخة تركيا.

(٨) انظر: اللسان (حول) 11/ 189، والمجمل 1/ 258.


ذهب

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

ذهب

الذَّهَبُ معروف، وربما قيل ذَهَبَةٌ، ورجل ذَهِبٌ: رأى معدن الذّهب فدهش، وشيء مُذَهَّبٌ: جعل عليه الذّهب، وكميت مُذْهَبٌ: علت حمرته صفرة، كأنّ عليها ذهبا، والذَّهَابُ: المضيّ، يقال: ذَهَبَ بالشيء وأَذْهَبَهُ، ويستعمل ذلك في الأعيان والمعاني، قال الله تعالى: ﴿وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي﴾ [الصافات : 99] ، ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ [هود : 74] ، ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر : 8] ، كناية عن الموت، وقال: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم : 19] ، وقال: ﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر : 34] ، وقال: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب : 33] ، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء : 19] ، أي: لتفوزوا بشيء من المهر، أو غير ذلك مما أعطيتموهنّ وقوله: ﴿وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال : 46] ، وقال: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة : 17] ، ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ [البقرة : 20] ، لَيَقُولَنَّ: ﴿ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي﴾ [هود : 10] .

ترك

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

ترك

تَرْكُ الشيء: رفضه قصدا واختيارا، أو قهرا واضطرارا، فمن الأول: ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف : 99] ، وقوله: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً﴾ [الدخان : 24] ، ومن الثاني: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ﴾ [الدخان : 25] ، ومنه: تَرِكَة فلان لما يخلفه بعد موته، وقد يقال في كل فعل ينتهي به إلى حالة ما تركته كذا، أو يجري مجرى جعلته كذا، نحو: تركت فلانا وحيدا. والتَّرِيكَة أصله: البيض المتروك في مفازته، ويسمى بيضة الحديد بها كتسميتهم إياها بالبيضة.

ظلم

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

ظلم

الظُّلْمَةُ: عدمُ النّور، وجمعها: ظُلُمَاتٌ. قال تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍ﴾ [النور : 40] ، ﴿ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ [النور : 40] ، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [النمل : 63] ، ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام : 1] ، ويعبّر بها عن الجهل والشّرك والفسق، كما يعبّر بالنّور عن أضدادها.

قال الله تعالى: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة : 257] ، ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم : 5] ، ﴿فَنادى فِي الظُّلُماتِ﴾ [الأنبياء : 87] ، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ﴾ [الأنعام : 122] ، هو كقوله: ﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمى﴾ [الرعد : 19] ، وقوله في سورة الأنعام: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ﴾ [الأنعام : 39] ، فقوله: فِي الظُّلُماتِ

هاهنا موضوع موضع العمى في قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة : 18] ، وقوله: ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر : 6] ، أي: البطن والرّحم والمشيمة، وَأَظْلَمَ فلانُ: حصل في ظُلْمَةٍ. قال تعالى: ﴿فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس : 37] ، وَالظُّلْمُ عند أهل اللّغة وكثير من العلماء: وضع الشيء في غير موضعه المختصّ به، إمّا بنقصان أو بزيادة، وإمّا بعدول عن وقته أو مكانه، ومن هذا يقال: ظَلَمْتُ السِّقَاءَ: إذا تناولته في غير وقته، ويسمّى ذلك اللّبن الظَّلِيمَ.

وظَلَمْتُ الأرضَ: حفرتها ولم تكن موضعا للحفر، وتلك الأرض يقال لها: المَظْلُومَةُ، والتّراب الّذي يخرج منها: ظَلِيمٌ. والظُّلْمُ يقال في مجاوزة الحقّ الذي يجري مجرى نقطة الدّائرة، ويقال فيما يكثر وفيما يقلّ من التّجاوز، ولهذا يستعمل في الذّنب الكبير، وفي الذّنب الصّغير، ولذلك قيل لآدم في تعدّيه ظالم(١) ، وفي إبليس ظالم، وإن كان بين الظُّلْمَيْنِ بون بعيد. قال بعض الحكماء: الظُّلْمُ ثلاثةٌ: الأوّل: ظُلْمٌ بين الإنسان وبين الله تعالى، وأعظمه: الكفر والشّرك والنّفاق، ولذلك قال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان : 13] ، وإيّاه قصد بقوله: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود : 18] ، ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ [الإنسان : 31] ، في آي كثيرة، وقال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ [الزمر : 32] ، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ [الأنعام : 93] .

والثاني: ظُلْمٌ بينه وبين الناس، وإيّاه قصد بقوله: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ إلى قوله: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(٢) ، وبقوله: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى : 42] ، وبقوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً﴾ [الإسراء : 33] .

والثالث: ظُلْمٌ بينه وبين نفسه، وإيّاه قصد بقوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر : 32] ، وقوله: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [النمل : 44] ، ﴿إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء : 64] ، ﴿فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة : 35] ، أي: من الظَّالِمِينَ أنفسهم، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة : 231] .

وكلّ هذه الثّلاثة في الحقيقة ظُلْمٌ للنّفس، فإنّ الإنسان في أوّل ما يهمّ بالظُّلْمِ فقد ظَلَمَ نفسه، فإذا الظَّالِمُ أبدا مبتدئ في الظُّلْمِ، ولهذا قال تعالى في غير موضع: ﴿ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل : 33] ، ﴿وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة : 57] ، وقوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام : 82] ، فقد قيل: هو الشّرك، بدلالة أنه لمّا نزلت هذه الآية شقّ ذلك على أصحاب النبيّ عليه السلام، وقال لهم: «ألم تروا إلى قوله: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ»(٣) ، وقوله: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ [الكهف : 33] ، أي: لم تنقص، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [الزمر : 47] ، فإنه يتناول الأنواع الثّلاثة من الظُّلْمِ، فما أحد كان منه ظُلْمٌ مّا في الدّنيا إلّا ولو حصل له ما في الأرض ومثله معه لكان يفتدي به، وقوله: ﴿هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى﴾ [النجم : 52] ، تنبيها أنّ الظُّلْمَ لا يغني ولا يجدي ولا يخلّص بل يردي بدلالة قوم نوح. وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ﴾ [غافر : 31] ، وفي موضع: ﴿وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق : 29] ، وتخصيص أحدهما بالإرادة مع لفظ العباد، والآخر بلفظ الظَّلَّامِ للعبيد يختصّ بما بعد هذا الكتاب(٤) . والظَّلِيمُ: ذَكَرُ النعامِ، وقيل: إنّما سمّي بذلك لاعتقادهم أنه مَظْلُومٌ، للمعنى الذي أشار إليه الشاعر:

307- فصرت كالهيق عدا يبتغي ... قرنا فلم يرجع بأذنين(٥)

والظَّلْمُ: ماء الأسنان. قال الخليل(٦) : لقيته أوّل ذي ظَلَمٍ، أو ذي ظَلَمَةٍ، أي: أوّل شيء سدّ بصرك، قال: ولا يشتقّ منه فعل، ولقيته أدنى ظَلَمٍ كذلك.

(١) وذلك في قوله تعالى: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ سورة البقرة: آية 35.

وقوله: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا﴾ [الأعراف : 23] ولا يقال ذلك إلا مع الآية دون الإطلاق.

(٢) الآية: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ 162.


بصر

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

بصر

البَصَر يقال للجارحة الناظرة، نحو قوله تعالى: ﴿كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ [النحل : 77] ، ووَ إِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ [الأحزاب : 10] ، وللقوّة التي فيها، ويقال لقوة القلب المدركة: بَصِيرَة وبَصَر، نحو قوله تعالى: ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق : 22] ، وقال: ﴿ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى﴾ [النجم : 17] ، وجمع البصر أَبْصَار، وجمع البصيرة بَصَائِر، قال تعالى: ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ﴾ [الأحقاف : 26] ، ولا يكاد يقال للجارحة بصيرة، ويقال من الأوّل: أبصرت، ومن الثاني: أبصرته وبصرت به(١) ، وقلّما يقال بصرت في الحاسة إذا لم تضامّه رؤية القلب، وقال تعالى في الأبصار: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾ [مريم : 42] ، وقال: ﴿رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا﴾ [السجدة : 12] ، ﴿وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ [يونس : 43] ، ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات : 179] ، ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ [طه : 96] ومنه: أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف : 108] أي: على معرفة وتحقق. وقوله: ﴿بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة : 14] أي: تبصره فتشهد له، وعليه من جوارحه بصيرة تبصره فتشهد له وعليه يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ﴾ [النور : 24] . والضرير يقال له: بصير على سبيل العكس، والأولى أنّ ذلك يقال لما له من قوة بصيرة القلب لا لما قالوه، ولهذا لا يقال له: مبصر وباصر، وقوله عزّ وجل: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ﴾ [الأنعام : 103] حمله كثير من المفسرين على الجارحة، وقيل: ذلك إشارة إلى ذلك وإلى الأوهام والأفهام، كما قال أمير المؤمنين رضي الله عنه: (التوحيد أن لا تتوهمه)(٢) وقال: (كلّ ما أدركته فهو غيره) .

والبَاصِرَة عبارة عن الجارحة الناظرة، يقال: رأيته لمحا باصرا(٣) ، أي: نظرا بتحديق، قال عزّ وجل: ﴿فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً﴾ [النمل : 13] ، ﴿وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء : 12] أي: مضيئة للأبصار وكذلك قوله عزّ وجلّ: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء : 59] ، وقيل: معناه صار أهله بصراء نحو قولهم: رجل مخبث(٤) ومضعف، أي: أهله خبثاء وضعفاء، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ﴾ [القصص : 43] أي: جعلناها عبرة لهم، وقوله: ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات : 179] أي: انظر حتى ترى ويرون، وقوله عزّ وجل: ﴿وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت : 38] أي: طالبين للبصيرة.

ويصحّ أن يستعار الاسْتِبْصَار للإِبْصَار، نحو استعارة الاستجابة للإجابة، وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً﴾ [ق : 7-8] أي: تبصيرا وتبيانا. يقال: بَصَّرْتُهُ تبصيرا وتبصرة، كما يقال: قدّمته تقديما وتقدمة، وذكّرته تذكيرا وتذكرة، قال تعالى: وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً يُبَصَّرُونَهُمْ [المعارج : 10-11] أي: يجعلون بصراء بآثارهم، يقال: بصَّرَ الجرو: تعرّض للإبصار لفتحه العين(٥) . والبَصْرَة: حجارة رخوة تلمع كأنّها تبصر، أو سمّيت بذلك لأنّ لها ضوءا تبصر به من بعد.

ويقال له بِصْرٌ، والبَصِيرَة: قطعة من الدّم تلمع، والترس اللامع، والبُصْرُ: الناحية، والبَصِيرَةُ ما بين شقتي الثوب، والمزادة ونحوها التي يبصر منها، ثم يقال: بصرتُ الثوب والأديم: إذا خطت ذلك الموضع منه.

(١) انظر: الأفعال 4/ 69.

(٢) انظر تفسير الرازي 1/ 281.

(٣) في المثل: لأرينّك لمحا باصرا، يضرب في التوعد. المستقصى 2/ 237.

(٤) قال ابن منظور: والمخبث: الذي أصحابه وأعوانه خبثاء، وهو مثل قولهم: فلان ضعيف مضعف وقويّ مقو.

(٥) وفي اللسان: وبصّر الجرو تبصيرا: فتح عينه.


زيادة

إعراب القرآن للدرويش  محيي الدين درويش (١٤٠٣ هـ)

* الإعراب:

(أُولئِكَ) اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ (الَّذِينَ) خبر أولئك (اشْتَرَوُا) فعل ماض مبني على الضم المقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين والواو فاعل (الضَّلالَةَ) مفعول به (بِالْهُدى) الجار والمجرور متعلقان باشتروا والجملة لا محل لها من الإعراب لأنها صلة الموصول (فَما) الفاء حرف للعطف مع التعقيب وما نافية (رَبِحَتْ) فعل ماض والتاء تاء التأنيث الساكنة (تِجارَتُهُمْ) فاعل ربحت (وَما) الواو عاطفة وما نافية (كانُوا) كان فعل ماض ناقص والواو اسمها (مُهْتَدِينَ) خبرها وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم (مَثَلُهُمْ) مبتدأ (كَمَثَلِ) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مثلهم أو الكاف اسم بمعنى مثل خبر ومثل مضاف اليه (الَّذِي) اسم موصول في محل جر بالاضافة (اسْتَوْقَدَ) فعل ماض مبني على الفتح بمعنى أوقد وهي استفعل بمعنى أفعل ومثله أجاب واستجاب، وأخلف واستخلف والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو وجملة استوقد لا محل لها من الإعراب لأنها صلة الموصول واستعمل الذي في موضع الذين ولذلك قال فيما بعد: «بنورهم» (ناراً)

مفعول به، وجملة مثلهم مستأنفة مسوقة لضرب المثل لحال المنافقين الذين اشتروا الضلالة بالهدى استحضارا للصورة ورفعا للأستار عن الحقائق (فَلَمَّا) الفاء حرف عطف ولما ظرف بمعنى حين متضمن معنى الشرط وقيل: هي حرف وجوب لوجوب وسماها ابن هشام رابطة (أَضاءَتْ) فعل ماض والتاء تاء التأنيث الساكنة والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي (ما) اسم موصول بمعنى المكان مفعول به (حَوْلَهُ) ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة ما وزعم بعض اللغويين أن أضاء فعل لازم فيتعيّن أن تكون ما زائدة أي أضاءت حوله (ذَهَبَ اللَّهُ) فعل وفاعل والجملة لا محل لها من الإعراب لأنها جواب شرط غير جازم (بِنُورِهِمْ) الجار والمجرور متعلقان بذهب (وَتَرَكَهُمْ) فعل ماض وفاعل مستتر فيه جوازا ومفعول به أول (فِي ظُلُماتٍ) الجار والمجرور في موضع المفعول الثاني لتركهم (لا) نافية (يُبْصِرُونَ) فعل مضارع مرفوع والواو فاعل والجملة في موضع نصب على الحال المؤكدة لأن من كان في الظلمة لا يبصر.

* البلاغة:

في هاتين الآيتين من فنون البلاغة ما تضيق عنه الصحف وسنحاول تلخيص هذه الفنون:

1- الاستعارة التصريحية الترشيحية والمعنى اختاروا واستبدلوا وقرينة الاستعارة الضلالة ثم رشح لهذه الاستعارة بقوله: فما ربحت تجارتهم فأسند الربح إلى التجارة فالمستعار منه الذي هو الشراء رشّح لفظي الربح والتجارة للاستعارة لما بين الشراء والربح من الملاءمة، والترشيح هو أن يبرز المجاز في صورة الحقيقة ثم يحكم عليه ببعض أوصاف الحقيقة فينضاف مجاز إلى مجاز ومن ذلك قول حميدة بنت النعمان بن بشير: ؟؟ بكى الخزّ من روح وأنكر جلده ... وعجّت عجيجا من جذام المطارف

؟؟ فد أقامت الخز مقام شخص حين باشر روحا بكى من عدم ملاءمته بقولها: وأنكر جلده ثم زادت في ترشيح المجاز بقولها:

وعجّت أي صاحت مطارف الخز من قبيلة روح هذا وهي قبيلة جذام ومعنى البيت ان روحا وقبيلته جذام لا يصلح لهم لباس الخز ومطارفه لأنهم لا عادة لهم بذلك فكنى عنهم بما كنى في البيت.

2- الفرق بين اشتروا واستبدلوا من وجهين:

ا- ان الاستبدال لا يكون شراء إلا إذا كان فيه فائدة يقصدها المستبدل منه سواء كانت حقيقية أم وهمية.

ب- ان الشراء يكون بين متبايعين بخلاف الاستبدال فاذا أخذت ثوبا من ثيابك بدل آخر يقال: انك استبدلت ثوبا بثوب فالمعنى الذي تؤدي إليه الآية أن أولئك القوم اختاروا الضلالة على الهدى لفائدة لهم بإزائها يعتقدون الحصول عليها من الناس فهو معاوضة بين طرفين يقصد بها الربح وهذا هو معنى الاشتراء ومثلهما البيع والابتياع ولا يؤديه مطلق الاستبدال، إذا عرفت هذا أدركت السرّ في اختيار اشتروا على استبدلوا، وتبينت أن القرآن وهو أعلى درج البلاغة لا يختار لفظا على لفظ من شأنه أن يقوم مقامه إلا لحكمة في ذلك، وخصوصية لا توجد في غيره.

3- التتميم في قوله: «وما كانوا مهتدين» وحدّه أن يأتي في الكلام كلمة أو كلام إذا طرح منه نقص معناه في ذاته أو في صفاته أو لزيادة حسنة فقوله: «وما كانوا مهتدين» تتميم لما تقدّم أفاد بأنهم ضالون في جميع ما يتعاطونه من عمل.

4- التشبيه التمثيلي: في قوله: «مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم» وحقيقة التشبيه التمثيلي أن يكون وجه الشبه فيه صورة منتزعة من متعدّد أي أن حال المنافقين في نفاقهم وإظهارهم خلاف ما يسترونه من كفر كحال الذي استوقد نارا ليستضيء بها ثم انطفأت فلم يعد يبصر شيئا، وهكذا يبدو لك أن التشبيه التمثيلي يعمل عمل السحر في تأليف المتباينين، ويريك للمعاني المتمثلة بالأوهام شبها في الأشخاص الماثلة وينطق لك الأخرس ويعطيك البيان من الأعجم ويريك الحياة في الجماد، ويجعل الشيء قريبا بعيدا، ومن أمثلته في الشعر قول بشار:

كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه

فقد شبّه ثوران النقع المنعقد فوق الرؤوس والسيوف المتلاحمة فيه أثناء الحرب بالليل الأسود البهيم تتهاوى فيه الكواكب، وتتساقط الشهب وقول أبي تمام يصف الربيع:

يا صاحبيّ تقصّيا نظريكما ... تريا وجوه الأرض كيف تصوّر

تريا نهارا مشمسا قد شابه ... زهر الربا فكأنما هو مقمر

شبه النهار المشمس في الروض البهي المكلل بالأزاهير بالليل المقمر الساجي.

5- المخالفة بين الضميرين فقد وحد الضمير في استوقد وحوله نظرا إلى جانب اللفظ لأن المنافقين كلهم على قول واحد وفعل واحد، وأما رعاية جانب المعنى في (بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ)

فلكون المقام تقبيح أحوالهم وبيان ذاتهم وضلالهم فاثبات الحكم لكل فرد منهم واقع.

6- مراعاة النظير: وهو فن يعرف عند علماء البلاغة بالتناسب والائتلاف وحدّه أن يجمع المتكلم بين أمر وما يناسبه مع إلغاء ذكر التضادّ لتخرج المطابقة وهي هنا في ذكر الضوء والنور والسرّ في ذكر النور مع أن السياق يقتضي أن يقول بضوئهم مقابل أضاءت هو أن الضوء فيه دلالة على الزيادة فلو قال بضوئهم لأوهم الذهاب بالزيادة وبقاء ما يسمى نورا والغرض هو إزالة النور عنهم رأسا وطمسه أصلا ويؤكد هذا المعنى أنه قال ذهب بنورهم ولم يقل: أذهب نورهم والفرق بينهما أن معنى أذهبه أزاله وجعله ذاهبا ومعنى ذهب به استصحبه ومضى به معه والغرض إفادة أنه لم يبق مطمع في عودة ذلك النور إليهم بالكلية إذ لو قيل: أذهب الله نورهم ربما كان يتوهم أنه إنما أذهب عنهم النور وبقي هو معهم فربما عوضهم بدل ما فاتهم فلما قال: ذهب الله بنورهم كان ذلك حسما وانقطاعا لمادة الاطماع من حصولهم على أي خير لهم أو منهم وهذا من أسمى ما يصل إليه البيان وقد تعلق ابن الرومي بأهداب هذه البلاغة حين قال في وصف العنب الرّازقيّ:

لم يبق منه وهج الحرور ... إلّا ضياء في ظروف نور

فجعل ماء العنب ضوءا لأنه أشد توهّجا وأكثر لألاء من قشره الذي هو بمثابة نور يصون ذلك الضوء ويحفظه فما أبرع ابن الرومي في اقتباسه.

* الفوائد:

1- لكاف التشبيه ثلاث حالات:

آ- يتعيّن أن تكون اسما وهي ما إذا كانت خبرا أو فاعلا أو مفعولا أو مجرورة بحرف أو إضافة كما تقدم في الآية وكقول أبي الطيب:

وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ... ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا

ب- يتعين أن تكون حرفا وهي الواقعة صلة للموصول.

ج- يجوز فيها الأمران فيما عدا ذلك وسيأتي المزيد من بحث الكاف في هذا الكتاب.

2- ترك: في الأصل بمعنى طرح وخلّى فيتعدّى لواحد وقد يتضمن معنى التصيير فيتعدّى لاثنين.