تفسير قول الله تعالى: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ). سورة البقرة، الآية: ١٥
التحرير والتنوير — ابن عاشور
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾
لَمْ تُعْطَفْ هاتِهِ الجُمْلَةُ عَلى ما قَبْلَها لِأنَّها جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، وذَلِكَ أنَّ السّامِعَ لِحِكايَةِ قَوْلِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ: آمَنّا، وقَوْلِهِمْ لِشَياطِينِهِمْ: إنّا مَعَكم إلَخْ. يَقُولُ: لَقَدْ راجَتْ حِيلَتُهم عَلى المُسْلِمِينَ الغافِلِينَ عَنْ كَيْدِهِمْ، وهَلْ يَتَفَطَّنُ مُتَفَطِّنٌ في المُسْلِمِينَ لِأحْوالِهِمْ فَيُجازِيهِمْ عَلى اسْتِهْزائِهِمْ، أوْ هَلْ يَرُدُّ لَهم ما رامُوا مِنَ المُسْلِمِينَ، ومَنِ الَّذِي يَتَوَلّى مُقابَلَةَ صُنْعِهِمْ ؟ فَكانَ لِلِاسْتِئْنافِ بِقَوْلِهِ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ غايَةُ الفَخامَةِ والجَزالَةِ. وهو أيْضًا واقِعٌ مَوْقِعَ الِاعْتِراضِ، والأكْثَرُ في الِاعْتِراضِ تَرْكُ العاطِفِ. وذِكْرُ: يَسْتَهْزِئُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ مُجازاةٌ عَلى اسْتِهْزائِهِمْ. ولِأجَلِ اعْتِبارِ الِاسْتِئْنافِ قُدِّمَ اسْمُ اللَّهِ تَعالى عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ. ولَمْ يَقُلْ يَسْتَهْزِئُ اللَّهُ بِهِمْ، لِأنَّ مِمّا يَجُولُ في خاطِرِ السّائِلِ أنْ يَقُولَ: مَنِ الَّذِي يَتَوَلّى مُقابَلَةَ سُوءِ صَنِيعِهِمْ فَأُعْلِمَ أنَّ الَّذِي يَتَوَلّى ذَلِكَ هو رَبُّ العِزَّةِ تَعالى. وفي ذَلِكَ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ المُنْتَصِرِ لَهم وهُمُ المُؤْمِنُونَ كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨] فَتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ هُنا لِإفادَةِ تَقَوِّي الحُكْمِ لا مَحالَةَ، ثُمَّ يُفِيدُ مَعَ ذَلِكَ قَصْرُ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ فَإنَّهُ لَمّا كانَ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في سِياقِ الإيجابِ يَأْتِي لِتَقَوِّي الحُكْمِ ويَأْتِي لِلْقَصْرِ عَلى رَأْيِ الشَّيْخِ عَبْدِ القاهِرِ وصاحِبِ الكَشّافِ كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ [المزمل: ٢٠] في سُورَةِ المُزَّمِّلِ، كانَ الجَمْعُ بَيْنَ قَصْدِ التَّقَوِّي وقَصْدِ التَّخْصِيصِ جائِزًا في مَقاصِدِ الكَلامِ البَلِيغِ، وقَدْ جَوَّزَهُ في الكَشّافِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ [الجن: ١٣] في سُورَةِ الجِنِّ؛ لِأنَّ ما يُراعِيهِ البَلِيغُ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ لا يَتْرُكُ حَمْلَ الكَلامِ البَلِيغِ عَلَيْهِ فَكَيْفَ بِأبْلَغِ كَلامٍ، ولِذَلِكَ يُقالُ النُّكَتُ لا تَتَزاحَمُ.
كانَ المُنافِقُونَ يَغُرُّهم ما يَرَوْنَ مِن صَفْحِ النَّبِيءِ ﷺ عَنْهم وإعْراضِ المُؤْمِنِينَ عَنِ التَّنازُلِ لَهم فَيَحْسَبُونَ رَواجَ حِيلَتِهِمْ ونِفاقِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] فَقالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨] فَتَقْدِيمُ اسْمِ الجَلالَةِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ لا لِقَصْدِ التَّقَوِّي إذْ لا مُقْتَضى لَهُ.
وفِعْلُ (يَسْتَهْزِئُ) المُسْنَدُ إلى اللَّهِ لَيْسَ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ لِأنَّ المُرادَ هُنا أنَّهُ يَفْعَلُ بِهِمْ في الدُّنْيا ما يُسَمّى بِالِاسْتِهْزاءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ﴾ ولَمْ يَقَعِ اسْتِهْزاءٌ حَقِيقِيٌّ في الدُّنْيا فَهو إمّا تَمْثِيلٌ لِمُعامَلَةِ اللَّهِ إيّاهم في مُقابَلَةِ اسْتِهْزائِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ، بِما يُشْبِهُ فِعْلَ المُسْتَهْزِئِ بِهِمْ وذَلِكَ بِالإمْلاءِ لَهم حَتّى يَظُنُّوا أنَّهم سَلِمُوا مِنَ المُؤاخَذَةِ عَلى اسْتِهْزائِهِمْ فَيَظُنُّوا أنَّ اللَّهَ راضٍ عَنْهم أوْ أنَّ أصْنامَهم نَفَعُوهم حَتّى إذا نَزَلَ بِهِمْ عَذابُ الدُّنْيا مِنَ القَتْلِ والفَضْحِ عَلِمُوا خِلافَ ما تَوَهَّمُوا فَكانَ ذَلِكَ كَهَيْئَةِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ. والمُضارِعُ في قَوْلِهِ (يَسْتَهْزِئُ) لِزَمَنِ الحالِ.
ولا يُحْمَلُ عَلى اتِّصافِ اللَّهِ بِالِاسْتِهْزاءِ حَقِيقَةً عِنْدَ الأشاعِرَةِ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنَ اللَّهِ مَعْنى الِاسْتِهْزاءِ في الدُّنْيا، ويُحَسِّنُ هَذا التَّمْثِيلَ ما فِيهِ مِنَ المُشاكَلَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ﴿يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ حَقِيقَةً يَوْمَ القِيامَةِ بِأنْ يَأْمُرَ بِالِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ في المَوْقِفِ وهو نَوْعٌ مِنَ العِقابِ فَيَكُونُ المُضارِعُ في يَسْتَهْزِئُ لِلِاسْتِقْبالِ، وإلى هَذا المَعْنى نَحا ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ في نَقْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ جَزاءُ اسْتِهْزائِهِمْ مِنَ العَذابِ أوْ نَحْوِهِ مِنَ الإذْلالِ والتَّحْقِيرِ والمَعْنى: (يُذِلُّهم) وعَبَّرَ عَنْهُ بِالِاسْتِهْزاءِ مَجازًا ومُشاكَلَةً، أوْ مُرادًا بِهِ مَآلُ الِاسْتِهْزاءِ مِن رُجُوعِ الوَبالِ عَلَيْهِمْ.
وهَذا كُلُّهُ - وإنْ جازَ - فَقَدْ عَيَّنَهُ هُنا جُمْهُورُ العُلَماءِ مِنَ المُفَسِّرِينَ كَما نَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ والقُرْطُبِيُّ وعَيَّنَهُ الفَخْرُ الرّازِيُّ والبَيْضاوِيُّ وعَيَّنَهُ المُعْتَزِلَةُ أيْضًا لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ لا يَلِيقُ إسْنادُهُ إلى اللَّهِ حَقِيقَةً لِأنَّهُ فِعْلٌ قَبِيحٌ يُنَزَّهُ اللَّهَ تَعالى عَنْهُ كَما في الكَشّافِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى المُتَعارَفِ بَيْنَ النّاسِ.
وجِيءَ في حِكايَةِ كَلامِهِمْ بِالمُسْنَدِ الِاسْمِيِّ في قَوْلِهِمْ ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] لِإفادَةِ كَلامِهِمْ مَعْنى دَوامِ صُدُورِ الِاسْتِهْزاءِ مِنهم وثَباتِهِ بِحَيْثُ لا يُحَوَّلُونَ عَنْهُ.
وجِيءَ في قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ بِإفادَةِ التَّجَدُّدِ مِنَ الفِعْلِ المُضارِعِ؛ أيْ تَجَدُّدِ إمْلاءِ اللَّهِ لَهم زَمانًا إلى أنْ يَأْخُذَهُمُ العَذابُ، لِيَعْلَمَ المُسْلِمُونَ أنَّ ما عَلَيْهِ أهْلُ النِّفاقِ مِنَ النِّعْمَةِ إنَّما هو إمْلاءٌ وإنْ طالَ كَما قالَ تَعالى ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٧]
* * *
﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
يَتَعَيَّنُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ ويَمُدُّ فِعْلٌ مُشْتَقٌّ مِنَ المَدَدِ وهو الزِّيادَةُ، يُقالُ مَدَّهُ إذا زادَهُ وهو الأصْلُ في الِاشْتِقاقِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى الهَمْزَةِ لِأنَّهُ مُتَعَدٍّ، ودَلِيلُهُ أنَّهم ضَمُّوا العَيْنَ في المُضارِعِ عَلى قِياسِ المُضاعَفِ المُتَعَدِّي، وقَدْ يَقُولُونَ: (أمَدَّهُ) بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ عَلى تَقْدِيرِ: جَعَلَهُ ذا مَدَدٍ ثُمَّ غَلَبَ اسْتِعْمالُ مَدَّ في الزِّيادَةِ في ذاتِ المَفْعُولِ نَحْوُ مَدَّ لَهُ في عُمُرِهِ، ومَدَّ الأرْضَ أيْ مَطَّطَها وأطالَها، وغَلَبَ اسْتِعْمالُ أمَدَّ المَهْمُوزِ في الزِّيادَةِ لِلْمَفْعُولِ مِن أشْياءَ يَحْتاجُها نَحْوُ أمَدَّهُ بِجَيْشٍ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] وإنَّما اسْتُعْمِلَ هَذا في مَوْضِعِ الآخَرِ عَلى الأصْلِ فَلِذَلِكَ قِيلَ: لا فَرْقَ بَيْنَهُما في الِاسْتِعْمالِ، وقِيلَ: يَخْتَصُّ أمَدَّ المَهْمُوزُ بِالخَيْرِ نَحْوُ ﴿أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ [النمل: ٣٦] ﴿أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ﴾ [المؤمنون: ٥٥]، ويَخْتَصُّ مَدَّ بِغَيْرِ الخَيْرِ ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ في كِتابِ الحُجَّةِ، ونَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ حَبِيبٍ، إلّا المُعَدّى بِاللّامِ فَإنَّهُ خاصٌّ بِالزِّيادَةِ في العُمُرِ والإمْهالِ فِيهِ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ وغَيْرِهِ - خِلافًا لِبَعْضِ اللُّغَوِيِّينَ - فاسْتَغْنَوْا بِذِكْرِ اللّامِ المُؤْذِنَةِ بِأنَّ ذَلِكَ لِلنَّفْعِ ولِلْأجَلِ بِسُكُونِ الجِيمِ عَنِ التَّفْرِقَةِ بِالهَمْزِ رُجُوعًا لِلْأصْلِ لِئَلّا يَجْمَعُوا بَيْنَ ما يَقْتَضِي التَّعْدِيَةَ - وهو الهَمْزَةُ - وبَيْنَ ما يَقْتَضِي القُصُورَ - وهو لامُ الجَرِّ - وكُلُّ هَذا مِن تَأْثِيرِ الأمْثِلَةِ عَلى النّاظِرِينَ، وهي طَرِيقَةٌ لَهم في كَثِيرٍ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي يَتَفَرَّعُ مَعْناها الوَضْعِيُّ إلى مَعانٍ جُزْئِيَّةٍ لَهُ أوْ مُقَيَّدَةٍ أوْ مَجازِيَّةٍ أنْ يَخُصُّوا بَعْضَ لُغاتِهِ أوْ بَعْضَ أحْوالِهِ بِبَعْضِ تِلْكَ المَعانِي جَرْيًا وراءَ التَّنْصِيصِ في الكَلامِ ودَفْعِ اللَّبْسِ بِقَدْرِ الإمْكانِ.
وهَذا مِن دَقائِقِ اسْتِعْمالِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، فَلا يُقالُ: إنَّ دَعْوى اخْتِصاصِ بَعْضِ الِاسْتِعْمالاتِ بِبَعْضِ المَعانِي هي دَعْوى اشْتِراكٍ أوْ دَعْوى مَجازٍ وكِلاهُما خِلافُ الأصْلِ كَما أوْرَدَ عَبْدُ الحَكِيمِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ التَّخْصِيصَ - كَما عَلِمْتَ - اصْطِلاحٌ في الِاسْتِعْمالِ لا تَعَدُّدُ وضْعٍ ولا اسْتِعْمالٌ في غَيْرِ المَعْنى المَوْضُوعِ لَهُ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهم: فَرَقَ وفَرَّقَ، ووَعَدَ وأوْعَدَ، ونَشَدَ وأنْشَدَ، ونَزَّلَ المُضاعَفُ وأنْزَلَ، وقَوْلُهُمِ: العِثارُ مَصْدَرُ عَثَرَ إذْ أُرِيدَ بِالفِعْلِ الحَقِيقَةُ، والعُثُورُ مَصْدَرُ عَثَرَ إذْ أُرِيدَ بِالفِعْلِ المَجازُ وهو الِاطِّلاعُ، وقَدْ فَرَّقَتِ العَرَبُ في مَصادِرِ الفِعْلِ الواحِدِ وفي جُمُوعِ الِاسْمِ الواحِدِ لِاخْتِلافِ القُيُودِ.
وتَعْدِيَةُ فِعْلِ (يَمُدُّ) إلى ضَمِيرِهِمُ الدّالِّ عَلى أدَبٍ أوْ ذَوْقٍ - مَعَ أنَّ المَدَّ إنَّما يَتَعَدّى إلى الطُّغْيانِ - جاءَتْ عَلى طَرِيقَةِ الإجْمالِ الَّذِي يَعْقُبُهُ التَّفْصِيلُ لِيَتَمَكَّنَ التَّفْصِيلُ في ذِهْنِ السّامِعِ مِثْلُ طَرِيقَةِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ، وجَعَلَ الزَّجّاجُ والواحِدِيُّ أصْلَهُ: ويَمُدُّ لَهم في طُغْيانِهِمْ، فَحَذَفَ لامَ الجَرِّ واتَّصَلَ الفِعْلُ بِالمَجْرُورِ عَلى طَرِيقَةِ نَزْعِ الخافِضِ ولَيْسَ بِذَلِكَ.
والطُّغْيانُ مَصْدَرٌ بِوَزْنِ الغُفْرانِ والشُّكْرانِ، وهو مُبالَغَةٌ في الطَّغْيِ وهو الإفْراطُ في الشَّرِّ والكِبْرِ، وتَعْلِيقُ فِعْلِ يَمُدُّهم هُنا بِضَمِيرِ الذَّواتِ تَعْلِيقٌ إجْمالِيٍّ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ ﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ لامٍ مَحْذُوفَةٍ أيْ يَمُدُّ لَهم في طُغْيانِهِمْ أيْ يُمْهِلُهم، فَيَكُونُ نَحْوَ بَعْضِ ما فُسِّرَ بِهِ قَوْلُهُ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ والواحِدِيِّ وفِيهِ بُعْدٌ. والعَمَهُ انْطِماسُ البَصِيرَةِ وتَحَيُّرُ الرَّأْيِ، وفِعْلُهُ عَمِهَ فَهو عامِهٌ وأعْمَهُ.
وإسْنادُ المَدِّ في الطُّغْيانِ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ”ويَمُدُّهم“ إسْنادُ خَلْقٍ وتَكْوِينٍ مَنُوطٍ بِأسْبابِ التَّكْوِينِ عَلى سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى في حُصُولِ المُسَبَّباتِ عِنْدَ أسْبابِها. فالنِّفاقُ إذا دَخَلَ القُلُوبَ، كانَ مِن آثارِهِ أنْ لا يَنْقَطِعَ عَنْها، ولَمّا كانَ مِن شَأْنِ وصْفِ النِّفاقِ أنْ تُنْمِي عَنْهُ الرَّذائِلُ الَّتِي قَدَّمْنا بَيانَها كانَ تَكْوِينُها في نُفُوسِهِمْ مُتَوَلِّدًا مِن أسْبابٍ شَتّى في طِباعِهِمْ مُتَسَلْسِلًا مِنِ ارْتِباطِ المُسَبَّباتِ بِأسْبابِها وهي شَتّى ومُتَفَرِّعَةٌ، وذَلِكَ بِخُلُقٍ خاصٍّ بِهِمْ مُباشَرَةً، ولَكِنَّ اللَّهَ حَرَمَهم تَوْفِيقَهُ الَّذِي يَقْلَعُهم عَنْ تِلْكَ الجِبِلَّةِ بِمُحارَبَةِ نُفُوسِهِمْ، فَكانَ حِرْمانُهُ إيّاهُمُ التَّوْفِيقَ مُقْتَضِيًا اسْتِمْرارَ طُغْيانِهِمْ وتَزايُدَهُ بِالرُّسُوخِ، فَإسْنادُ ازْدِيادِهِ إلى اللَّهِ لِأنَّهُ خالِقُ النُّظُمِ الَّتِي هي أسْبابُ ازْدِيادِهِ، وهَذا يُعَدُّ مِنَ الحَقِيقَةِ العَقْلِيَّةِ الشّائِعَةِ ولَيْسَ مِنَ المَجازِ لِعَدَمِ مُلاحَظَةِ خَلْقِ الأسْبابِ بِحَسَبِ ما تَعارَفَهُ النّاسُ مِن إسْنادِ ما خَفِيَ فاعِلُهُ إلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ الخالِقُ لِلْأسْبابِ الأصْلِيَّةِ والجاعِلُ لِنَوامِيسِها بِكَيْفِيَّةٍ لا يَعْلَمُ النّاسُ سِرَّها ولا شاهَدُوا مَن تُسْنَدُ إلَيْهِ عَلى الحَقِيقَةِ غَيْرَهُ وهَذا بِخِلافِ نَحْوِ: بَنى الأمِيرُ المَدِينَةَ، لاسِيَّما بَعْدَ التَّصْرِيحِ بِالإسْنادِ إلَيْهِ في الكَلامِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لِلْبِناءِ عَلى عُرْفِ النّاسِ مَجالٌ، وهَذا بِخِلافِ نَحْوِ يَزِيدُكَ وجْهُهُ حُسْنًا وسَرَّتْنِي رُؤْيَتُكَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ - وإنْ كانَ في الواقِعِ مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى - إلّا أنَّهُ غَيْرُ مُلْتَفَتٍ إلَيْهِ في العُرْفِ، فَلِذَلِكَ قالَ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ: إنَّهُ مِنَ المَجازِ الَّذِي لا حَقِيقَةَ لَهُ.
وإنَّما أضافَ الطُّغْيانَ لِضَمِيرِ المُنافِقِينَ ولَمْ يَقُلْ: في الطُّغْيانِ، بِتَعْرِيفِ الجِنْسِ كَما قالَ في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ [الأعراف: ٢٠٢] إشارَةً إلى تَفْظِيعِ شَأْنِ هَذا الطُّغْيانِ وغَرابَتِهِ في بابِهِ وأنَّهُمُ اخْتَصُّوا بِهِ حَتّى صارَ يُعْرَفُ بِإضافَتِهِ إلَيْهِمْ.
والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَمُدُّهم) . و(يَعْمَهُونَ) جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ.
الدر المصون — السمين الحلبي
الدر المصون — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
﴿ٱللَّهُ یَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَیَمُدُّهُمۡ فِی طُغۡیَـٰنِهِمۡ یَعۡمَهُونَ﴾ [البقرة ١٥]
قولُه تعالى: {الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} : «اللهُ» رفعٌ بالابتداء و «يَسْتَهْزىء» جملةٌ فعليةٌ في محلِّ خبرِه، و «بهم» متعلقٌ به، ولا محلَّ لهذه الجملة لاستئنافِها، «وَيَمُدُّهم» في محلِّ رفع أيضاً لعطفِه على الخبر وهو يستهزىء، و «يَعْمَهُوْن» في محلِّ الحالِ مِن المفعولِ في «يَمُدُّهم» أو من الضميرِ في «طغيانهم» وجاءت الحالُ من المضافِ إليه لأنَّ المضاف مصدرٌ. و «في طغيانهم» يَحتمُل أن يتعلَّقَ بيَمُدُّهم أَو بيَعْمَهون، وقُدِّم عليه، إلا إذا جُعِل «يَعْمَهون» حالاً من الضميرِ في «طُغْيانهم» فلا يتعلَّق به حينئذ لفسادِ المعنى.
وقد مَنَع أبو البقاء أن يكونَ «في طُغيانهم» و «يَعْمَهون» حالَيْن من الضميرِ في «يَمُدُّهُمْ» ، مُعَلِّلاً ذلك بأنَّ العاملَ الواحدَ لا يعملُ في حالين، وهذا على رأي مَنْ مَنَعَ مِنْ ذلك، وأمَّا مَنْ يُجيزُ تعدُّدَ الحالِ مع عدمِ تعدُّدِ صاحبِها فيُجيز ذلك؛ إلاَّ أنَّه في هذه الآية ينبغي أن يَمْنَعَ ذلك لا لِما ذكره أبو البقاء، بل لأنَّ المعنى يأبى جَعْلَ هذا الجارُّ والمجرورِ حالاً، إذ المعنى مُنْصَبٌّ على أنه متعلِّقٌ بأحدِ الفعلينِ، أعني يَمُدُّهُمْ أو يَعْمَهُونَ، لا بمحذوفٍ على أنه حالٌ.
والمشهورُ فتحُ الياءِ من «يَمُدُّهم» ، وقُرئ شاذاً بِضمِّها، فقيل: الثلاثي والرباعي بِمعنى واحدٍ، تقول: مَدَّة وأَمَدَّه بكذا، وقيل: مَدَّه إذا زاده من جنسه، وأَمَدَّه إذا زادَه من غير جنسِه، وقيل: مَدَّه في الشرِّ، كقوله تعالى: {وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب مَدّاً} [مريم: 79] ، وَأَمَدَّه في الخير، كقوله: {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ} [نوح: 12] ، {وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ} [الطور: 22] ، {أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ} [آل عمران: 124] ، إلا أنَّه يُعَكِّر على هذين الفرقين أنه قرئ: {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغي} [الأعراف: 202] باللغتين، ويمكن أن يُجَاب عنه بما ذكره الفارسي في توجيهِ ضَمِّ الياء أنه بمنزلةِ قولِهِ تعالى: {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ} [آل عمران: 21] {فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى} [الليل: 10] ، يعني أبو علي رحمه الله تعالى بذلك أنه على سبيل التهكم.
وقال الزمخشري: «فإنْ قُلْتَ: لِمَ زعمت أنه من المَدَدِ دون المَدِّ في العُمْرِ والإِملاءِ والإِمهالِ؟ قلت: كفاك دليلاً على ذلك قراءةُ ابنِ كثير وابنِ محيصن:» ويُمِدُّهم «وقراءةُ نافعِ» «وإخوانُهم يُمِدُّونهم» على أنَّ الذي بمعنى أمهله إنما هو «مَدَّ له» باللام كأَمْلى له «.
والاستهزاءُ لغةً: السُّخْرِيةُ واللعبُ: يقال: هَزِئَ به، واستَهْزَأَ قال:
199 - قد هَزِئَتْ مني أمُّ طَيْسَلَهْ ... قالَتْ: أراه مُعْدِماً لا مالَ لَهْ
وقيل: أصلُه الانتقامُ، وأنشدَ:
20 - 0- قد استهْزَؤوا منا بألفَيْ مُدَجَّجٍ ... سَراتُهُمُ وَسْطَ الصَّحاصِحِ جُثَّمُ
فعلى هذا القولِ الثاني نسبةُ الاستهزاءِ إليه تعالى على ظاهِرها، وأمَّا على القولِ الأولِ فلا بُدَّ من تأويل ذلك.
فقيل: المعنى يُجازيهم على استهزائهم، فَسَمَّى العقوبةَ باسم الذنبِ/ ليزدوجَ الكلامُ، ومنه: {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [الشورى: 40] ، {فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ} [البقرة: 194] . وقال عمرو ابن كلثوم:
201 - ألا لا يَجْهَلَنْ أَحدٌ علينا ... فَنَجْهَلَ فوقَ جَهْلِ الجاهِلينا
وأصلُ المَدَدِ: الزيادةُ. والطغيانُ: مصدر طغى يَطْغَى طِغْياناً وطُغْياناً بكسر الطاء وضمِّها، ولامُ طغى قيل: ياءٌ وقيل: واو، يقال: طَغيْتُ وطغَوْتُ، وأصلُ المادة مجاوَزَةُ الحَدِّ ومنه: طَغَى الماءُ. والعَمَهُ: التردُّدُ والتحيُّرُ، وهو قريبٌ من العَمَى، إلا أن بينهما عموماً وخصوصاً، لأن العَمَى يُطلق على ذهاب ضوء العين وعلى الخطأ في الرأي، والعَمَهُ لا يُطلق إلا على الخطأ في الرأي، يقال: عَمِهَ يَعْمَهُ عَمَهاً وَعَمَهاناً فهو عَمِهٌ وعامِهٌ.
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني
أله
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
أله
الله: قيل: أصله إله فحذفت همزته، وأدخل عليها الألف واللام، فخصّ بالباري تعالى، ولتخصصه به قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم : 65] . وإله جعلوه اسما لكل معبود لهم، وكذا اللات، وسمّوا الشمس إِلَاهَة(١) لاتخاذهم إياها معبودا.
وأَلَهَ فلان يَأْلُهُ الآلهة: عبد، وقيل: تَأَلَّهَ.
فالإله على هذا هو المعبود(٢) . وقيل: هو من: أَلِهَ، أي: تحيّر، وتسميته بذلك إشارة إلى ما قال أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه: (كلّ دون صفاته تحبير الصفات، وضلّ هناك تصاريف اللغات) وذلك أنّ العبد إذا تفكّر في صفاته تحيّر فيها، ولهذا روي: «تفكّروا في آلاء الله ولا تفكّروا في الله»(٣) .
وقيل: أصله: ولاه، فأبدل من الواو همزة، وتسميته بذلك لكون كل مخلوق والها نحوه، إمّا بالتسخير فقط كالجمادات والحيوانات، وإمّا بالتسخير والإرادة معا كبعض الناس، ومن هذا الوجه قال بعض الحكماء: الله محبوب الأشياء كلها(٤) ، وعليه دلّ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء : 44] .
وقيل: أصله من: لاه يلوه لياها، أي: احتجب. قالوا: وذلك إشارة إلى ما قال تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ﴾ [الأنعام : 103] ، والمشار إليه بالباطن في قوله: ﴿وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ﴾ [الحديد : 3] . وإِلَهٌ حقّه ألا يجمع، إذ لا معبود سواه، لكن العرب لاعتقادهم أنّ هاهنا معبودات جمعوه، فقالوا: الآلهة. قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا﴾ [الأنبياء : 43] ، وقال: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف : 127] وقرئ: (وإلاهتك)(٥) أي: عبادتك. ولاه أنت، أي: لله، وحذف إحدى اللامين.
«اللهم» قيل: معناه: يا الله، فأبدل من الياء في أوله الميمان في آخره(٦) ، وخصّ بدعاء الله، وقيل: تقديره: يا الله أمّنا بخير(٧) ، مركّب تركيب حيّهلا.
(١) وقال في ذلك ابن مالك في مثلّثه: والشمس سمّاها صدوق النبأة ... إلاهة واضممه للإضراب
(٢) وفي ذلك يقول الفقيه محمد سيد بن أبت اليعقوبي الشنقيطي رحمه الله: الله مشتق وقيل: مرتجل ... وهو أعرف المعرّفات جل
أله أي: عبد، أو من الأله ... وهو اعتماد الخلق أو من الوله
أو المحجّب عن العيان ... من: لاهت العروس في البنيان
أو أله الحيران من قول العرب ... أو من: ألهت، أي: سكنت للأرب.
(٣) الحديث رواه أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس بلفظ: «تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله» ورواه ابن أبي شيبة في كتاب العرش ص 59 من قوله عن ابن عباس بلفظ: «تفكروا في كل شيء ولا تتفكروا في الله» .
وجاء أحاديث كثيرة بمعناها قال العجلوني: وأسانيدها ضعيفة لكن اجتماعها يكسبه قوة، ومعناه صحيح.
راجع: كشف الخفاء 1/ 311، والنهاية في غريب الحديث 1/ 63.
(٤) انظر: عمدة الحفاظ: (أله) .
(٥) وبها قرأ عليّ بن أبي طالب وابن عباس والضحاك، وهي قراءة شاذة، راجع: القرطبي 7/ 262.
(٦) وهذا قول الخليل رحمه الله، انظر: اللسان (أله) ، ومعاني الفراء 1/ 203، والغريبين للهروي 1/ 79.
(٧) وهذا قول الفراء، ذكره في معاني القرآن 1/ 203.
هزؤ
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
هزؤ
الهُزْءُ: مزح في خفية، وقد يقال لما هو كالمزح، فممّا قصد به المزح قوله: ﴿اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً﴾ [المائدة : 58] ، ﴿وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً﴾ [الجاثية : 9] ، ﴿وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً﴾ [الفرقان : 41] ، ﴿وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً﴾ [الأنبياء : 36] ، ﴿أَتَتَّخِذُنا هُزُواً﴾ [البقرة : 67] ، ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً﴾ [البقرة : 231] ، فقد عظّم تبكيتهم، ونبّه على خبثهم من حيث إنه وصفهم بعد العلم بها، والوقوف على صحّتها بأنهم يَهْزَءُونَ بها، يقال: هَزِئْتُ به، واسْتَهْزَأْتُ، والاسْتِهْزَاءُ: ارتياد الْهُزُؤِ وإن كان قد يعبّر به عن تعاطي الهزؤ، كالاستجابة في كونها ارتيادا للإجابة، وإن كان قد يجري مجرى الإجابة. قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ﴾ [التوبة : 65] ، ﴿وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ [هود : 8] ، ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ [الحجر : 11] ، ﴿إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها﴾ [النساء : 140] ، ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الأنعام : 10] والِاسْتِهْزَاءُ من الله في الحقيقة لا يصحّ، كما لا يصحّ من الله اللهو واللّعب، تعالى الله عنه. وقوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة : 15] أي: يجازيهم جزاء الهزؤ.
ومعناه: أنه أمهلهم مدّة ثمّ أخذهم مغافصة(١) ، فسمّى إمهاله إيّاهم استهزاء من حيث إنهم اغترّوا به اغترارهم بالهزؤ، فيكون ذلك كالاستدراج من حيث لا يعلمون، أو لأنهم استهزءوا فعرف ذلك منهم، فصار كأنه يهزأ بهم كما قيل: من خدعك وفطنت له ولم تعرّفه فاحترزت منه فقد خدعته. وقد روي: [أنّ الْمُسْتَهْزِئِينَ في الدّنيا يفتح لهم باب من الجنّة فيسرعون نحوه فإذا انتهوا إليه سدّ عليهم فذلك قوله: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين : 34](٢) وعلى هذه الوجوه قوله عزّ وجلّ: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة : 79] .
(١) غافص الرجل مغافصة وغفاصا: أخذه على غرّة بمساءة. اللسان (غفص) .
(٢) عن ابن عباس في قوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ في الآخرة، يفتح لهم باب في جهنم من الجنة، ثم يقال لهم: تعالوا، فيقبلون يسبحون في النار، والمؤمنون على الأرائك ينظرون إليهم، فإذا انتهوا إلى الباب سدّ عنهم فيضحك المؤمنون منهم. أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ص 616.
مد
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
مد
أصل المَدّ: الجرّ، ومنه: المُدّة للوقت الممتدّ، ومِدَّةُ الجرحِ، ومَدَّ النّهرُ، ومَدَّهُ نهرٌ آخر، ومَدَدْتُ عيني إلى كذا. قال تعالى: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ
الآية [طه : 131] . ومَدَدْتُهُ في غيّه، ومَدَدْتُ الإبلَ: سقيتها المَدِيدَ، وهو بزر ودقيق يخلطان بماء، وأَمْدَدْتُ الجيشَ بِمَدَدٍ، والإنسانَ بطعامٍ. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ﴾ [الفرقان : 45] .
وأكثر ما جاء الإمْدَادُ في المحبوب والمدُّ في المكروه نحو: ﴿وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الطور : 22] ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ﴾ [المؤمنون : 55] ، ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ﴾ [نوح : 12] ، ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ﴾ الآية [آل عمران : 125] ، ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ﴾ [النمل : 36] ، ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا﴾ [مريم : 79] ، ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة : 15] ، ﴿وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِ﴾ [الأعراف : 202] ، ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان : 27] فمن قولهم: مَدَّهُ نهرٌ آخرُ، وليس هو مما ذكرناه من الإمدادِ والمدِّ المحبوبِ والمكروهِ، وإنما هو من قولهم: مَدَدْتُ الدّواةَ أَمُدُّهَا(١) ، وقوله: ﴿وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ [الكهف : 109] والمُدُّ من المكاييل معروف.
(١) قال السرقسطي: مددت الدّواة مدّا، وأمددتها: جعلت فيها المداد. الأفعال 4/ 138.
طغى
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
طغى
طَغَوْتُ وطَغَيْتُ(١) طَغَوَاناً وطُغْيَاناً، وأَطْغَاهُ كذا: حمله على الطُّغْيَانِ، وذلك تجاوز الحدّ في العصيان. قال تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى﴾ [النازعات : 17] ، ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق : 6] ، وقال: ﴿قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى﴾ [طه : 45] ، ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه : 81] ، وقال تعالى: ﴿فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً﴾ [الكهف : 80] ، ﴿فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة : 15] ، ﴿إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً﴾ [الإسراء : 60] ، ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ [ص : 55] ، ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ﴾ [ق : 27] ، والطَّغْوَى الاسمُ منه. قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ [الشمس : 11] ، تنبيها أنهم لم يصدّقوا إذا خوّفوا بعقوبة طُغْيَانِهِمْ.
وقوله: ﴿هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى﴾ [النجم : 52] ، تنبيها أنّ الطُّغْيَان لا يخلّص الإنسان، فقد كان قوم نوح أَطْغَى منهم فأهلكوا. وقوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ﴾ [الحاقة : 11] ، فاستعير الطُّغْيَانُ فيه لتجاوز الماء الحدّ، وقوله: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة : 5] ، فإشارة إلى الطّوفان المعبّر عنه بقوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ﴾ [الحاقة : 11] ، والطَّاغُوتُ عبارةٌ عن كلِّ متعدٍّ، وكلِّ معبود من دون الله، ويستعمل في الواحد والجمع. قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ [البقرة : 256] ، ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [الزمر : 17] ، ﴿أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة : 257] ، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء : 60] ، فعبارة عن كلّ متعدّ، ولما تقدّم سمّي السّاحر، والكاهن، والمارد من الجنّ، والصارف عن طريق الخير طاغوتا، ووزنه فيما قيل: فعلوت، نحو: جبروت وملكوت، وقيل: أصله: طَغَوُوتُ، ولكن قلب لام الفعل نحو صاعقة وصاقعة، ثم قلب الواو ألفا لتحرّكه وانفتاح ما قبله.
(١) انظر: اللسان (طغا) ، وعمدة الحفاظ: طغا.
عمه
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
عمه
الْعَمَهُ: التّردُّدُ في الأمر من التّحيّر. يقال: عَمَهَ فهو عَمِهٌ وعَامِهٌ(١) ، وجمعه عُمَّهٌ. قال تعالى: ﴿فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف : 186] ، ﴿فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة : 15] ، وقال تعالى: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النمل : 4] .
(١) قال السرقسطي: يقال: عمه فلان في الأرض، وعمه عمها وعموها وعمهانا: إذا تردّد لا يدري أين يتوجه فهو عامه وعمه. انظر: الأفعال 1/ 293.