تفسير قول الله تعالى: (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ). سورة البقرة، الآية: ١٢
التحرير والتنوير - ابن عاشور
التحرير والتنوير - ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾
رَدٌّ عَلَيْهِمْ في غُرُورِهِمْ وحَصْرِهِمْ أنْفُسَهم في الصَّلاحِ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِطَرِيقٍ مِن طُرُقِ القَصْرِ هو أبْلَغُ فِيهِ مِنَ الطَّرِيقِ الَّذِي قالُوهُ لِأنَّ تَعْرِيفَ المُسْنَدِ يُفِيدُ قَصْرَ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ فَيُفِيدُ قَوْلُهُ ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ﴾ قَصْرَ الإفْسادِ عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ لا يُوجَدُ في غَيْرِهِمْ وذَلِكَ يَنْفِي حَصْرَهم أنْفُسَهم في الإصْلاحِ ويَنْقُضُهُ وهو جارٍ عَلى قانُونِ النَّقْضِ وعَلى أُسْلُوبِ القَصْرِ الحاصِلِ بِتَعْرِيفِ الجِنْسِ وإنْ كانَ الرَّدُّ قَدْ يَكْفِي فِيهِ أنْ يُقالَ إنَّهم مُفْسِدُونَ بِدُونِ صِيغَةِ قَصْرٍ، إلّا أنَّهُ قَصَرَ لِيُفِيدَ ادِّعاءَ نَفْيِ الإفْسادِ عَنْ غَيْرِهِمْ. وقَدْ يُفِيدُ ذَلِكَ أنَّ المُنافِقِينَ لَيْسُوا مِمَّنْ يَنْتَظِمُ في عِدادِ المُصْلِحِينَ لِأنَّ شَأْنَ المُفْسِدِ عُرْفًا أنْ لا يَكُونَ مُصْلِحًا إذِ الإفْسادُ هَيِّنُ الحُصُولِ وإنَّما يَصُدُّ عَنْهُ الوازِعُ فَإذا خَلَعَ المَرْءُ عَنْهُ الوازِعَ وأخَذَ في الإفْسادِ هانَ عَلَيْهِ الإفْسادُ ثُمَّ تَكَرَّرَ حَتّى يُصْبِحَ سَجِيَّةً ودَأْبًا لا يَكادُ يُفارِقُ مَوْصُوفَهُ.
وحَرْفُ ألا لِلتَّنْبِيهِ إعْلانًا لِوَصْفِهِمْ بِالإفْسادِ.
وقَدْ أكَّدَ قَصْرَ الفَسادِ عَلَيْهِمْ بِضَمِيرِ الفَصْلِ أيْضًا - كَما أكَّدَ بِهِ القَصْرَ في قَوْلِهِ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا ودُخُولُ (إنَّ) عَلى الجُمْلَةِ وقَرْنُها بِألا المُفِيدَةِ لِلتَّنْبِيهِ وذَلِكَ مِنَ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ وتَقْوِيَتِهِ دَلالَةً عَلى سَخَطِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ فَإنَّ أدَواتِ الِاسْتِفْتاحِ مِثْلَ: ”ألا“، ”وأما“ لَمّا كانَ شَأْنُها أنْ يُنَبَّهَ بِها السّامِعُونَ دَلَّتْ عَلى الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ وإشاعَتِهِ وإعْلانِهِ، فَلا جَرَمَ أنْ تَدُلَّ عَلى أبْلَغِيَّةِ ما تَضَمَّنَهُ الخَبَرُ مِن مَدْحٍ أوْ ذَمٍّ أوْ غَيْرِهِما، ويَدُلُّ ذَلِكَ أيْضًا عَلى كَمالِ ظُهُورِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ لِلْعِيانِ لِأنَّ أدَواتِ التَّنْبِيهِ شارَكَتْ أسْماءَ الإشارَةِ في تَنْبِيهِ المُخاطَبِ.
وقَوْلُهُ ﴿ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ مَحْمَلُهُ مَحْمَلُ قَوْلِهِ تَعالى قَبْلَهُ (﴿وما يُخادِعُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ٩]) فَإنَّ أفْعالَهُمُ الَّتِي يَبْتَهِجُونَ بِها ويَزْعُمُونَها مُنْتَهى الحِذْقِ والفِطْنَةِ وخِدْمَةِ المَصْلَحَةِ الخالِصَةِ آيِلَةٌ إلى فَسادٍ عامٍّ لا مَحالَةَ إلّا أنَّهم لَمْ يَهْتَدُوا إلى ذَلِكَ لِخَفائِهِ ولِلْغِشاوَةِ الَّتِي أُلْقِيَتْ عَلى قُلُوبِهِمْ مِن أثَرِ النِّفاقِ ومُخالَطَةِ عُظَماءِ أهْلِهِ، فَإنَّ حالَ القَرِينِ وسَخافَةَ المَذْهَبِ تَطْمِسُ عَلى العُقُولِ النَّيِّرَةِ وتَخِفُّ بِالأحْلامِ الرّاجِحَةِ حَتّى تَرى حَسَنًا ما لَيْسَ بِالحَسَنِ. ومَوْقِعُ حَرْفِ الِاسْتِدْراكِ هُنا لِأنَّ الكَلامَ دَفْعٌ لِما أثْبَتُوهُ لِأنْفُسِهِمْ مِنَ الخُلُوصِ لِلْإصْلاحِ، فَرَفَعَ ذَلِكَ التَّوَهُّمَ بِحَرْفِ الِاسْتِدْراكِ.
الدر المصون - السمين الحلبي
الدر المصون للسمين الحلبي - السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {ألا إِنَّهُمْ هُمُ المفسدون} : الآية. «ألا» حرف تنبيه واستفتاح، وليست مركبةً مِنْ همزةِ الاستفهام ولا النافيةِ، بل هي بسيطةٌ، ولكنها لفظٌ مشتركٌ بين التنبيه والاستفتاح، فتدخلُ على الجملة اسميةً كانت أو فعلية، وبين العَرْض والتخصيص، فتختصُّ بالأفعال لفظاً أو تقديراً، وتكون النافيةَ للجنس دَخَلَتْ عليها همزةُ الاستفهام، ولها أحكامٌ تقدَّم بعضها عند قوله {لاَ رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 2] ، وتكونُ للتمني فتجري مَجْرى «ليت» في بعض أحكامِها. وأجاز بعضُهم أن تكون جواباً بمعنى بلى، يقول القائل: لم يقم زيد، فتقول: ألا، بمعنى بلى قد قام، وهو غريب.
و «إنهم» «إنَّ» واسمُها، و «هم» تَحْتمل ثلاثةَ أوجه، أحدها: أن تكون تأكيداً لاسم «إنَّ» لأنَّ الضميرَ المنفصلَ المرفوعَ يجوز أن يؤكَّد به جميعُ ضروبِ الضميرِ المتصلِ، وأن تكون فصلاً، وأن تكونَ مبتدأ و «المفسدون» خبره، وهما خيرٌ ل «إنَّ» ، وعلى القَولَيْن الأَوَّلَيْن يكونُ «المفسدون» وحده خبراً لإِنَّ. وجيء في هذه الجملة بضروبٍ من التأكيد، منها: الاستفتاحُ والتنبيه والتأكيدُ بإنَّ وبالإِتيانِ وبالتأكيدِ أو الفصلِ بالضميرِ وبالتعريفِ في الخبر مبالغةً في الردِّ عليهم فيما ادَّعَوه من قولهم: إنما نحن مصلحون، لأنهم أَخْرجوا الجوابَ جملةً اسمية مؤكَّدة بإنما، لِيَدُلُّوا بذلك على ثبوتِ الوصفِ لهم فردَّ الله عليهم بأبلَغَ وآكدَ مِمَّا ادَّعَوه.
قوله تعالى: {ولكن لاَّ يَشْعُرُونَ} الواوُ عاطفةٌ لهذه الجملةِ على ما قبلها و «لكن» معناها الاستدراكُ، وهو معنىً لا يفارقها، وتكون/ عاطفةً في المفردات، ولا تكون إلا بين ضِدَّيْن أو نقيضَيْن، وفي الخلافين خلافٌ، نحو: «ما قام زيدٌ لكن خرج بكر» ، واستدلَّ بعضُهم على ذلك بقولِ طرفة:
190 - ولستُ بحَلاَّلِ التِّلاعِ لِبَيْتِهِ ... ولكن متى يَسْترفدِ القومُ أَرْفِدِ
فقوله:: متى يسترفدِ القوم أرفدِ «ليس ضداً ولا نقيضاً لما قبله، ولكنه خلافُه. قال بعضهم: وهذا لا دليلَ فيه على المُدَّعَى، لأنَّ قولَه:» لستُ بحلاَّل التِّلاعِ لبيته «كنايةٌ عن نفي البخلِ أي: لا أَحُلُّ التلاعَ لأجلِ البخلِ، وقوله:» متى يسترفد القوم أرفد «كنايةٌ عن الكرم، فكأنه قال: لست بخيلاً ولكن كريماً، فهي هنا واقعةٌ بين ضِدَّيْنِ. ولا تعملُ مخفَّفةً خلافاً ليونس، ولها أحكامٌ كثيرة.
ومعنى الاستدراكِ في هذه الآيةِ يحتاجُ إلى فَضْلِ تأمُّلٍ ونَظَر، وذلك أنهم لَمَّا نُهُوا عن اتخاذِ مثلِ ما كانوا يتعاطَوْنه من الإِفساد فقابلوا ذلك بأنهم مصلحون في ذلك، وأخبر تعالى بأنهم هم المفسدون، كانوا حقيقين بأن يَعْلَموا أن ذلك كما أخبر تعالى وأنهم لا يَدَّعُون أنهم مصلحون، فاستدرك عليهم هذا المعنى الذي فاتَهم من عدمِ الشعورِ بذلك، ومثلُه قولك:» زيدٌ جاهلٌ ولكن لا يعلم «، وذلك أنه من حيث اتصف بالجهل، وصار الجهلُ وصفاً قائماً به كان ينبغي أن يَعْلَمَ بهذا الوصفِ من نفسه، لأن الإِنسانَ ينبغي له أن يعلم ما اشتملَتْ عليه نفسُه من الصفات فاستدركْتَ عليه أن هذا الوصفَ القائمَ به لا يعلمه مبالغةً في جَهْله.
ومفعول» يَشْعرون «محذوف: إمَّا حذفَ اختصار، أي: لا يشعرون بأنهم مفسدون، وإمَّا حذفَ اقتصار، وهو الأحسنُ، أي ليس لهم شعورٌ البتة.
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني
إنّ
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
إن وأن
* إِنَّ، أَنَّ:
ينصبان الاسم ويرفعان الخبر، والفرق بينهما أنّ «إِنَّ» يكون ما بعده جملة مستقلة، و «أَنَّ» يكون ما بعده في حكم مفرد يقع موقع مرفوع ومنصوب ومجرور، نحو: أعجبني أَنَّك تخرج، وعلمت أَنَّكَ تخرج، وتعجّبت من أَنَّك تخرج. وإذا أدخل عليه «ما» يبطل عمله، ويقتضي إثبات الحكم للمذكور وصرفه عمّا عداه، نحو: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة : 28] تنبيها على أنّ النجاسة التامة هي حاصلة للمختص بالشرك، وقوله عزّ وجل: ﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ [البقرة : 173] أي: ما حرّم ذلك إلا تنبيها على أنّ أعظم المحرمات من المطعومات في أصل الشرع هو هذه المذكورات.
* وأَنْ على أربعة أوجه:
الداخلة على المعدومين من الفعل الماضي أو المستقبل، ويكون ما بعده في تقدير مصدر، وينصب المستقبل نحو: أعجبني أن تخرج وأن خرجت.
والمخفّفة من الثقيلة نحو: أعجبني أن زيدا منطلق.
والمؤكّدة ل «لمّا» نحو: ﴿فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ﴾ [يوسف : 96] .
والمفسّرة لما يكون بمعنى القول، نحو: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا﴾ [ص : 6] أي: قالوا: امشوا.
* وكذلك «إِنْ» على أربعة أوجه:
للشرط نحو: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ﴾ [المائدة : 118] ،
والمخفّفة من الثقيلة ويلزمها اللام نحو: ﴿إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا﴾ [الفرقان : 42] ،
والنافية، وأكثر ما يجيء يتعقّبه «إلا» ، نحو: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾ [الجاثية : 32] ، ﴿إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر : 25] ، ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود : 54] .
والمؤكّدة ل «ما» النافية، نحو: ما إن يخرج زيد.
فسد
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
فسد
الفَسَادُ: خروج الشيء عن الاعتدال، قليلا كان الخروج عنه أو كثيرا، ويضادّه الصّلاح، ويستعمل ذلك في النّفس، والبدن، والأشياء الخارجة عن الاستقامة، يقال: فَسَدَ فَسَاداً وفُسُوداً(١) ، وأَفْسَدَهُ غيره. قال تعالى: ﴿لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ [المؤمنون : 71] ، ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء : 22] ، ﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم : 41] ، ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ﴾ [البقرة : 205] ، ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة : 11] ، ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة : 12] ، ﴿لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة : 205] ، ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها﴾ [النمل : 34] ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس : 81] ، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة : 220] .
(١) انظر: الأفعال 4/ 18.
شعر
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
شعر
الشَّعْرُ معروف، وجمعه أَشْعَارٌ قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها﴾ [النحل : 80] ، وشَعَرْتُ: أصبت الشَّعْرَ، ومنه استعير: شَعَرْتُ كذا، أي علمت علما في الدّقّة كإصابة الشَّعر، وسمّي الشَّاعِرُ شاعرا لفطنته ودقّة معرفته، فَالشِّعْرُ في الأصل اسم للعلم الدّقيق في قولهم: ليت شعري، وصار في التّعارف اسما للموزون المقفّى من الكلام، والشَّاعِرُ للمختصّ بصناعته، وقوله تعالى حكاية عن الكفّار: ﴿بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ﴾ [الأنبياء : 5] ، وقوله: ﴿لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات : 36] ، ﴿شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ﴾ [الطور : 30] ، وكثير من المفسّرين حملوه على أنهم رموه بكونه آتيا بشعر منظوم مقفّى، حتى تأوّلوا ما جاء في القرآن من كلّ لفظ يشبه الموزون من نحو: ﴿وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ [سبأ : 13] ، وقوله: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد : 1] . وقال بعض المحصّلين: لم يقصدوا هذا المقصد فيما رموه به، وذلك أنه ظاهر من الكلام أنّه ليس على أساليب الشّعر، ولا يخفى ذلك على الأغتام(١) من العجم فضلا عن بلغاء العرب، وإنما رموه بالكذب، فإنّ الشعر يعبّر به عن الكذب، والشَّاعِرُ: الكاذب حتى سمّى قوم الأدلة الكاذبة الشّعريّة، ولهذا قال تعالى في وصف عامّة الشّعراء: ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ﴾ [الشعراء : 224] ، إلى آخر السّورة، ولكون الشِّعْرِ مقرّ الكذب قيل: أحسن الشّعر أكذبه. وقال بعض الحكماء: لم ير متديّن صادق اللهجة مفلقا في شعره. والْمَشَاعِرُ: الحواسّ، وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات : 2] ، ونحو ذلك، معناه: لا تدركونه بالحواسّ، ولو في كثير ممّا جاء فيه لا يَشْعُرُونَ
: لا يعقلون، لم يكن يجوز، إذ كان كثير ممّا لا يكون محسوسا قد يكون معقولا.
ومَشَاعِرُ الحَجِّ: معالمه الظاهرة للحواسّ، والواحد مشعر، ويقال: شَعَائِرُ الحجّ، الواحد: شَعِيرَةٌ، قال تعالى: ﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج : 32] ، وقال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ﴾ [البقرة : 198] ، ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة : 2] ، أي: ما يهدى إلى بيت الله، وسمّي بذلك لأنها تُشْعَرُ، أي: تُعَلَّمُ بأن تُدمى بِشَعِيرَةٍ، أي: حديدة يُشعر بها.
والشِّعَارُ: الثّوب الذي يلي الجسد لمماسّته الشَّعَرَ، والشِّعَارُ أيضا ما يشعر به الإنسان نفسه في الحرب، أي: يعلّم. وأَشْعَرَهُ الحبّ، نحو: ألبسه، والْأَشْعَرُ: الطّويل الشعر، وما استدار بالحافر من الشّعر، وداهية شَعْرَاءُ(٢) ، كقولهم: داهية وبراء، والشَّعْرَاءُ: ذباب الكلب لملازمته شعره، والشَّعِيرُ: الحبّ المعروف، والشِّعْرَى: نجم، وتخصيصه في قوله: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى﴾ [النجم : 49] ، لكونها معبودة لقوم منهم.
(١) الغتمة: العجمة في المنطق، من الغتم، وهو الأخذ بالنفس. وتقول: بقيت بين ثلّة أغتام، كأنهم ثلة أغنام. انظر: أساس البلاغة ص 320، وذكر هذا الكلام الراغب في مقدمة تفسيره ص 108.
(٢) انظر: المجمل 2/ 505، والجمهرة 2/ 342، وأساس البلاغة ص 236، والغريب المصنف.