معاني الباء
وللباء اثنا عشر معنى:
أحدها: الاستعانة، نحو: "كتبت بالقالم".
"الباء" دالة على آلة الفعل وأداته التي يحصل بها معناه، فهي الواسطة بين الفاعل ومفعوله المعنوي؛ ولذلك تسمى "باء الآلة"؛ ومثلها؛ نجرت بالقدوم. وذكر الزمخشري قولين في باء البسملة؛ أحدهما: أن الباء فيها للآلة مجازا؛ لأن الفعل لا يتأتى على أتم وجه وأكمله إلا بالاستعانة بالله. والثاني: أن الباء فيها للمصاحبة، وذلك تحاشيا من سوء الأدب مع الله -عز وجل- أن يجعل آلة ولو مجازا. التصريح: ٢/ ١٢.
والثاني: التعدية، نحو: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} أي: أذهبه.
أي: يستعان بها غالبا في تعدية الفعل إلى مفعوله كما تعديه همزة النقل؛ ولذلك تسمى "باء النقل"، وأكثر ما تعدي الفعل القاصر، كمثال المصنف، ومن ورودها مع الفعل المتعدي قوله تعالى: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} والأصل: دفع بعض الناس بعضا.
أوجه القراءات: قرئت: أذهب الله نورهم. موطن الشاهد: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} .
وجه الاستشهاد: مجيء "الباء" مفيدة معنى التعدية.
رد العلماء بهذه الآية على المبرد والسهيلي اللذين زعما أن بين التعدية بالهمزة والتعدية بالباء فرقا، شرح التصريح: ٢/ ١٢.
والثالث: التعويض، كـ"بعتك هذا بهذا".
هي الداخلة على الأعواض والأثمان، حسا أو معنى، والعوض: دفع شيء في مقابلة شيء آخر؛ ولذلك تسمى باء المقابلة، ومثل المؤلف للعوض الحسي، أما المعنوي؛ فنحو: قابلت إحسانه بالشكر والدعاء، وجعل من هذا النوع قوله تعالى: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} خلاف للمعتزلة؛ لأن دخول الجنة، قد يكون بالعوض، وقد يكون فضلا من الله وإحسانا. وحملت الباء في قوله صلى الله عليه وسلم: "لن يدخل أحدكم الجنة بعمله" على أنها للسببية؛ ليدل على أن العمل ليس سببا موجبا لدخول الجنة. وهذا ينفي التعارض بين الحديث والآية.
مغني اللبيب: ١٤١، والتصريح: ٢/ ١٢.
والرابع الإلصاق، نحو: "أمسكت بزيد".
الإلصاق هو: مطلق التعليق، وهذا المعنى أصل معانيها لا يفارقها، يؤيد هذا قول سيبويه: "وإنما هي للإلصاق والاختلاط ... وما اتسع من هذا في الكلام فهذا أصله".
وهو إما حقيقي، كمثال المصنف، أو مجازي؛ نحو: مررت بمحمد، أي: جعلت مروري بمكان يقرب من مكانه. المغني: ١٣٧-١٣٨.
معناه: قبضت على شيء من جسمه، أو مما يتصل به من ثوب أو نحوه، وهذا أبلغ من أمسكت زيدا؛ لأنه يفيد منعه من الانصراف بأي وجه كان.
والخامس: التبعيض، نحو: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ}، أي: منها.
أثبت مجيء الباء للتبعيض الأصمعي، والفارسي، والقتبي، وابن مالك والكوفيون، واستدلوا بالآية التي تلاها المؤلف، وبقوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} وعلى هذا بنى الشافعي مذهبه في أن الواجب في الوضوء مسح بعض الرأس. انظر شرح التصريح: ٢/ ١٣.
موطن الشاهد: {يَشْرَبُ بِهَا}. وجه الاستشهاد: مجيء "الباء" مفيدة معنى التبعيض في الآية الكريمة؛ لأن المعنى: يشرب منها، كما بين المؤلف في المتن.
والسادس: المصاحبة، نحو: {وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ}، أي: معه.
المصاحبة: انضمام شيء إلى آخر انضماما يقتضي تلازمهما فيما يقع عليهما أو منهما، وعلامتها: أن يصلح في موضعها "مع"، ويغني عنها وعن مصحوبها الحال. موطن الشاهد: {دَخَلُوا بِالْكُفْرِ}. وجه الاستشهاد: مجيء "الباء" مفيدة معنى المصاحبة؛ لأن معنى وقد دخلوا بالكفر؛ أي: معه؛ أو كافرين المعنى.
والسابع: المجاوزة، نحو: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا}، أي: عنه.
أي: التي يصلح في مكانها "من". قيل: ويختص هذا المعنى بالسؤال، كما مثل المصنف، وبدليل {يَسْأَلونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ} وقيل: لا يختص بذلك بدليل قوله تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ} ، أي: عنه شرح التصريح: ٢/ ١٣.
موطن الشاهد {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا}. وجه الاستشهاد: مجيء "الباء" مفيدة معنى المجاوزة؛ لأن المعنى: فاسأل عنه خبيرا.
والثامن: الظرفية، نحو: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ}، أي: فيه، ونحو: {نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ}.
هي التي يصلح في مكانها "في"، والظرفية مكانية وزمانية.
موطن الشاهد: {بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ}. وجه الاستشهاد: مجيء "الباء" مفيدة معنى الظرفية المكانية؛ والتقدير: وما كنت فيه، كما في المتن.
موطن الشاهد: {نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ}. وجه الاستشهاد: مجيء "الباء" مفيدة معنى الظرفية الزمانية؛ والتقدير: نجيناهم فيه.
والتاسع: البدل، كقول بعضهم: "ما يسرني أني شهدت بدرا بالعقبة"، أي: بدلها.
القول للصحابي الجليل، رافع بن خديج، وفي الحديث: "ما يسرني بها حمر النعم" أي: بدلها.
والعاشر: الاستعلاء، نحو: {مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ}، أي: على قنطار.
سورة آل عمران، الآية: ٧٥. موطن الشاهد: {تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ}. وجه الاستشهاد: مجيء "الباء" مفيدة معنى الاستعلاء؛ لأن المعنى -كما جاء في المتن: على قنطار. ومن أدلة أنه يحسن في موضعها "على" قوله تعالى: {هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ} شرح التصريح: ٢/ ١٣.
والحادي عشر: السببية، نحو:{فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ}.
سورة المائدة، الآية: ١٣. موطن الشاهد: {بِمَا نَقْضِهِمْ}. وجه الاستشهاد: مجيء "الباء"مفيدة معنى السببية؛ لأن المعنى: لعناهم بسبب نقضهم ميثاقهم؛ وهي غير الداخلة على آلة الفعل "باء الاستعانة" خلافا لابن مالك الذي أدرجهما في بعضهما.
والثاني عشر: التأكيد، وهي الزائدة نحو: {وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا}، ونحو: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}، ونحو: "بحسبك درهم"، ونحو: "زيد ليس بقائم".
وتزاد الباء في الحال المنفي عاملها، وفي التوكيد بالنفس والعين كقوله تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} وفي هاتين الحالتين خلاف.
مغني اللبيب: ١٤٤ وما بعدها.
سورة النساء، الآية: ٧٩. موطن الشاهد: {كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} .
وجه الاستشهاد: مجيء "الباء" زائدة مفيدة معنى التوكيد؛ وزيدت -هنا- مع الفاعل؛ لأن المعنى: كفى الله شهيدا.
سورة البقرة، الآية: ١٩٥. موطن الشاهد: {لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ} .
وجه الاستشهاد: مجيء "الباء" زائدة مفيدة معنى التوكيد؛ وقد زيدت -هنا- مع المفعول؛ لأن المعنى: لا تلقوا أيديكم.
زيادة الباء في المثال الأول مع المبتدأ مع لفظ حسب، وفي المثال الثاني مع خبر "ليس". توجيه: تأتي الباء للقسم وهي أصل أحرفه، وتستعمل في القسم الاستعطافي، وهو المؤكد بجملة طلبية؛ نحو: بالله هل قام زيد، أي أسألك بالله مستحلفا، وغير الاستعطافي، وهو المؤكد بجملة خبرية؛ نحو: بالله لتفعلن، وللغاية؛ نحو: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي} أي: إلي. وقيل: ضمن "أحسن" معنى لطف؛ وللتعدية؛ نحو: بأبي أنت وأمي، أي فداك أبي وأمي.
مغني اللبيب: ١٣٧، همع الهوامع: ٢/ ٢١، التصريح: ٢/ ١٣.