تفسير قول الله تعالى: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ۚ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ). سورة البقرة، الآية: ١٩
التحرير والتنوير - ابن عاشور
التحرير والتنوير - ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ﴾
عَطْفٌ عَلى التَّمْثِيلِ السّابِقِ وهو قَوْلُهُ ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] أُعِيدَ تَشْبِيهُ حالِهِمْ بِتَمْثِيلٍ آخَرَ وبِمُراعاةِ أوْصافٍ أُخْرى فَهو تَمْثِيلٌ لِحالِ المُنافِقِينَ المُخْتَلِطَةِ بَيْنَ جَواذِبَ ودَوافِعَ - حِينَ يُجاذِبُ نُفُوسَهم جاذِبُ الخَيْرِ عِنْدَ سَماعِ مَواعِظِ القُرْآنِ وإرْشادِهِ، وجاذِبُ الشَّرِّ مِن أعْراقِ النُّفُوسِ والسُّخْرِيَةِ بِالمُسْلِمِينَ - بِحالِ صَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ اخْتَلَطَتْ فِيهِ غُيُوثٌ وأنْوارٌ ومُزْعِجاتٌ وأكْدارٌ، جاءَ عَلى طَرِيقَةِ بُلَغاءِ العَرَبِ في التَّفَنُّنِ في التَّشْبِيهِ وهم يَتَنافَسُونَ فِيهِ لاسِيَّما التَّمْثِيلِيُّ مِنهُ وهي طَرِيقَةٌ تَدُلُّ عَلى تَمَكُّنِ الواصِفِ مِنَ التَّوْصِيفِ والتَّوَسُّعِ فِيهِ.
وقَدِ اسْتَقْرَيْتُ مِنِ اسْتِعْمالِهِمْ فَرَأيْتُهم قَدْ يَسْلُكُونَ طَرِيقَةَ عَطْفِ تَشْبِيهٍ عَلى تَشْبِيهٍ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ في مُعَلَّقَتِهِ:
أصاحِ تَرى بَرْقًا أُرِيكَ ومِيضَهُ كَلَمْعِ اليَدَيْنِ في حَبِيٍّ مُكَلَّلِ
يُضِيءُ سَناهُ أوْ مَصابِيحِ راهِبٍ ∗∗∗ أمالَ السَّلِيطُ بِالذُّبالِ المُفَتَّلِ
وقَوْلِ لَبِيدٍ في مُعَلَّقَتِهِ يَصِفُ راحِلَتَهُ:
فَلَها هِبابٌ في الزِّمامِ كَأنَّها ∗∗∗ صَهْباءُ خَفَّ مَعَ الجَنُوبِ جِهامُها
أوْ مُلْمِعٍ وسَقَتْ لِأحْقَبَ لاحَهُ ∗∗∗ طَرْدُ الفُحُولِ وضَرْبُها وكِدامُها
وكَثُرَ أنْ يَكُونَ العَطْفُ في نَحْوِهِ بَأوْ دُونَ الواوِ، وأوْ مَوْضُوعَةٌ لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ أوِ الأشْياءِ فَيَتَوَلَّدُ مِنها مَعْنى التَّسْوِيَةِ، ورُبَّما سَلَكُوا في إعادَةِ التَّشْبِيهِ مَسْلَكَ الِاسْتِفْهامِ بِالهَمْزَةِ أيْ لِتَخْتارَ التَّشْبِيهَ بِهَذا أمْ بِذَلِكَ، وذَلِكَ كَقَوْلِ لَبِيدٍ عَقِبَ البَيْتَيْنِ السّابِقِ ذِكْرُهُما:
أفَتِلْكَ أمْ وحْشِيَّةٌ مَسْبُوعَةٌ ∗∗∗ خَذَلَتْ وهادِيَةُ الصِّوارِ قِوامُها
وقالَ ذُو الرُّمَّةِ في تَشْبِيهِ سَيْرِ ناقَتِهِ الحَثِيثِ:
وثْبَ المُسَحَّجُ مِن عاناتِ مُعَقُلَةٍ ∗∗∗ كَأنَّهُ مُسْتَبانُ الشَّكِّ أوْ جَنِبُ
ثُمَّ قالَ:
أذاكَ أمْ نَمِشٌ بِالوَشْيِ أكْرُعُهُ ∗∗∗ مُسَفَّعُ الخَدِّ غادٍ ناشِعٌ شَبَبُ
ثُمَّ قالَ:
أذاكَ أمْ خاضِبٌ بِالسِّيِّ مَرْتَعُهُ ∗∗∗ أبُو ثَلاثِينَ أمْسى وهْوَ مُنْقَلِبُ
ورُبَّما عَطَفُوا بِالواوِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] الآيَةَ ثُمَّ قالَ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [النحل: ٧٦] الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩] ﴿ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ﴾ [فاطر: ٢٠] ﴿ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ﴾ [فاطر: ٢١] الآيَةَ. بَلْ ورُبَّما جَمَعُوا بِلا عَطْفٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٥] وهَذِهِ تَفَنُّناتٌ جَمِيلَةٌ في الكَلامِ البَلِيغِ، فَما ظَنُّكَ بِها إذا وقَعَتْ في التَّشْبِيهِ التَّمْثِيلِيِّ، فَإنَّهُ لِعِزَّتِهِ مُفْرَدًا تَعِزُّ اسْتِطاعَةُ تَكْرِيرِهِ.
وأوْ عَطَفَتْ لَفْظَ صَيِّبٍ عَلى الَّذِي اسْتَوْقَدَ بِتَقْدِيرِ ”مَثَلِ“ بَيْنِ الكافِ وصَيِّبٍ. وإعادَةُ حَرْفِ التَّشْبِيهِ مَعَ حَرْفِ العَطْفِ المُغْنِي عَنْ إعادَةِ العامِلِ، وهَذا التَّكْرِيرُ مُسْتَعْمَلٌ في كَلامِهِمْ وحُسْنُهُ هُنا أنَّ فِيهِ إشارَةً إلى اخْتِلافِ الحالَيْنِ المُشَبَّهَيْنِ كَما سَنُبَيِّنُهُ، وهم في الغالِبِ لا يُكَرِّرُونَهُ في العَطْفِ.
والتَّمْثِيلُ هُنا لِحالِ المُنافِقِينَ حِينَ حُضُورِهِمْ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وسَماعِهِمُ القُرْآنَ وما فِيهِ مِن آيِ الوَعِيدِ لِأمْثالِهِمْ وآيِ البِشارَةِ، فالغَرَضُ مِن هَذا التَّمْثِيلِ تَمْثِيلُ حالَةٍ مُغايِرَةٍ لِلْحالَةِ الَّتِي مُثِّلَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ [البقرة: ١٧] بِنَوْعِ إطْلاقٍ وتَقْيِيدٍ.
فَقَوْلُهُ ﴿أوْ كَصَيِّبٍ﴾ تَقْدِيرُهُ أوْ كَفَرِيقٍ ذِي صَيْبٍ أيْ كَقَوْمٍ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ [البقرة: ١٧] دَلَّ عَلى تَقْدِيرِ قَوْمٍ قَوْلُهُ ﴿يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ وقَوْلُهُ ﴿يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾ الآيَةَ. لِأنَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ عَوْدُهُ إلى المُنافِقِينَ فَلا يَجِيءُ فِيهِ ما جازَ في قَوْلِهِ ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] إلَخْ. فَشُبِّهَتْ حالُ المُنافِقِينَ بِحالِ قَوْمٍ سائِرِينَ في لَيْلٍ بِأرْضِ قَوْمٍ أصابَها الغَيْثُ وكانَ أهْلُها كانِّينَ في مَساكِنِهِمْ كَما عُلِمَ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ ﴿كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ﴾ فَذَلِكَ الغَيْثُ نَفَعَ أهْلَ الأرْضِ ولَمْ يُصِبْهم مِمّا اتَّصَلَ بِهِ مِنَ الرَّعْدِ والصَّواعِقِ ضُرٌّ ولَمْ يَنْفَعِ المارِّينَ بِها وأضَرَّ بِهِمْ ما اتَّصَلَ بِهِ مِنَ الظُّلُماتِ والرَّعْدِ والبَرْقِ، فالصَّيِّبُ مُسْتَعارٌ لِلْقُرْآنِ وهُدى الإسْلامِ وتَشْبِيهُهُ بِالغَيْثِ وارِدٌ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدى كَمَثَلِ الغَيْثِ أصابَ أرْضًا فَكانَ مِنها نَقِيَّةٌ» إلَخْ. وفي القُرْآنِ ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠] ولا تَجِدُ حالَةً صالِحَةً لِتَمْثِيلِ هَيْئَةِ اخْتِلاطِ نَفْعٍ وضُرٍّ مِثْلَ حالَةِ المَطَرِ والسَّحابِ وهو مِن بَدِيعِ التَّمْثِيلِ القُرْآنِيِّ، ومِنهُ أخَذَ أبُو الطَّيِّبِ قَوْلَهُ:
فَتًى كالسَّحابِ الجَوْنِ يُرْجى ويُتَّقى ∗∗∗ يَرَجّى الحَيا مِنهُ وتُخْشى الصَّواعِقُ
والظُّلُماتُ مُسْتَعارٌ لِما يَعْتَرِي الكافِرِينَ مِنَ الوَحْشَةِ عِنْدَ سَماعِهِ كَما تَعْتَرِي السّائِرَ في اللَّيْلِ وحْشَةُ الغَيْمِ لِأنَّهُ يَحْجُبُ عَنْهُ ضَوْءَ النُّجُومِ والقَمَرِ.
والرَّعْدُ لِقَوارِعِ القُرْآنِ وزَواجِرِهِ. والبَرْقُ لِظُهُورِ أنْوارِ هَدْيِهِ مِن خِلالِ الزَّواجِرِ، فَظَهَرَ أنَّ هَذا المُرَكَّبَ التَّمْثِيلِيَّ صالِحٌ لِاعْتِباراتِ تَفْرِيقِ التَّشْبِيهِ وهو أعْلى التَّمْثِيلِ.
والصَّيِّبُ فَيْعَلٌ مِن صابَ يُصُوبُ صَوْبًا إذا نَزَلَ بِشِدَّةٍ، قالَ المَرْزُوقِيُّ إنَّ ياءَهُ لِلنَّقْلِ مِنَ المَصْدَرِيَّةِ إلى الإسْمِيَّةِ فَهو وصْفٌ لِلْمَطَرِ بِشِدَّةِ الظُّلْمَةِ الحاصِلَةِ مِن كَثافَةِ السَّحابِ ومِن ظَلامِ اللَّيْلِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ لَيْسَ بِقَيْدٍ لِلصَّيِّبِ وإنَّما هو وصْفٌ كاشِفٌ جِيءَ بِهِ لِزِيادَةِ اسْتِحْضارِ صُورَةِ الصَّيِّبِ في هَذا التَّمْثِيلِ إذِ المَقامُ مَقامُ إطْنابٍ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِن عَلِ
إذْ قَدْ عَلِمَ السّامِعُ أنَّ السَّيْلَ لا يَحُطُّ جُلْمُودَ صَخْرٍ إلّا مِن أعْلى ولَكِنَّهُ أرادَ التَّصْوِيرَ، وكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقَوْلِهِ ﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧١] وقالَ تَعالى ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] والسَّماءُ تُطْلَقُ عَلى الجَوِّ المُرْتَفِعِ فَوْقَنا الَّذِي نَخالُهُ قُبَّةً زَرْقاءَ، وعَلى الهَواءِ المُرْتَفِعِ قالَ تَعالى ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤] وتُطْلَقُ عَلى السَّحابِ، وتُطْلَقُ عَلى المَطَرِ نَفْسِهِ، فَفي الحَدِيثِ: خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إثْرَ سَماءٍ إلَخْ، ولَمّا كانَ تَكَوُّنُ المَطَرِ مِنَ الطَّبَقَةِ الزَّمْهَرِيرِيَّةِ المُرْتَفِعَةِ في الجَوِّ جُعِلَ ابْتِداؤُهُ مِنَ السَّماءِ وتَكَرَّرَ ذَلِكَ في القُرْآنِ.
ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ تَقْيِيدًا لِلصَّيِّبِ إمّا بِمَعْنى: مِن جَمِيعِ أقْطارِ الجَوِّ إذا قُلْنا: إنَّ التَّعْرِيفَ في السَّماءِ لِلِاسْتِغْراقِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ في الكَشّافِ عَلى بُعْدٍ فِيهِ إذْ لَمْ يُعْهَدُ دُخُولُ لامِ الِاسْتِغْراقِ إلّا عَلى اسْمٍ كُلِّيٍّ ذِي أفْرادٍ دُونَ اسْمِ كُلٍّ ذِي أجْزاءٍ فَيَحْتاجُ لِتَنْزِيلِ الأجْزاءِ مَنزِلَةَ أفْرادِ الجِنْسِ - ولا يُعْرَفُ لَهُ نَظِيرٌ في الِاسْتِعْمالِ - فالَّذِي يَظْهَرُ لِي - إنْ جَعَلْنا قَوْلَهُ ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ قَيْدًا لِلصَّيِّبِ - أنَّ المُرادَ مِنَ السَّماءِ أعْلى الِارْتِفاعِ، والمَطَرُ إذا كانَ مِن سَمْتٍ مُقابِلٍ وكانَ عالِيًا كانَ أدْوَمَ، بِخِلافِ الَّذِي يَكُونُ مِن جَوانِبِ الجَوِّ ويَكُونُ قَرِيبًا مِنَ الأرْضِ غَيْرَ مُرْتَفِعٍ.
وضَمِيرُ ”فِيهِ“ عائِدٌ إلى صَيِّبٍ، والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ بِمَعْنى مَعَهُ، والظُّلُماتُ مَضى القَوْلُ فِيهِ آنِفًا، والمُرادُ بِالظُّلُماتِ ظَلامُ اللَّيْلِ أيْ كَسَحابٍ في لَوْنِهِ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وسَحابَةُ اللَّيْلِ أشَدُّ مَطَرًا وبَرْقًا وتُسَمّى سارِيَةً. والرَّعْدُ أصْواتٌ تَنْشَأُ في السَّحابِ.
والبَرْقُ لامِعٌ نارِيٌّ مُضِيءٌ يَظْهَرُ في السَّحابِ، والرَّعْدُ والبَرْقُ يَنْشَآنِ في السَّحابِ مِن أثَرٍ كَهْرَبائِيٍّ يَكُونُ في السَّحابِ، فَإذا تَكاثَفَتْ سَحابَتانِ في الجَوِّ إحْداهُما كَهْرَباؤُها أقْوى مِن كَهْرَباءِ الأُخْرى وتَحاكَّتا جَذَبَتِ الأقْوى مِنهُما الأضْعَفَ فَحَدَثَ بِذَلِكَ انْشِقاقٌ في الهَواءِ بِشِدَّةٍ وسُرْعَةٍ فَحَدَثَ صَوْتٌ قَوِيٌّ هو المُسَمّى الرَّعْدَ، وهو فَرْقَعَةٌ هَوائِيَّةٌ مِن فِعْلِ الكَهْرَباءِ، ويَحْصُلُ عِنْدَ ذَلِكَ التِقاءُ الكَهْرَباءَيْنِ، وذَلِكَ يُسَبِّبُ انْقِداحَ البَرْقِ.
وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ الصَّيِّبَ تَشْبِيهٌ لِلْقُرْآنِ وأنَّ الظُّلُماتِ والرَّعْدَ والبَرْقَ تَشْبِيهٌ لِنَوازِعِ الوَعِيدِ بِأنَّها تَسُرُّ أقْوامًا وهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالغَيْثِ وتَسُوءُ المُسافِرِينَ غَيْرَ أهْلِ تِلْكَ الدّارِ، فَكَذَلِكَ الآياتُ تَسُرُّ المُؤْمِنِينَ إذْ يَجِدُونَ أنْفُسَهم ناجِينَ مِن أنْ تَحِقَّ عَلَيْهِمْ، وتَسُوءُ المُنافِقِينَ إذْ يَجِدُونَها مُنْطَبِقَةً عَلى أحْوالِهِمْ.
* * *
﴿يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ المَوْتِ واللَّهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ﴾ ﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهم كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
الأظْهَرُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ يَجْعَلُونَ حالًا اتَّضَحَ بِها المَقْصُودُ مِنَ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها؛ لِأنَّها كانَتْ مُجْمَلَةً، وأمّا جُمْلَةُ ﴿يَكادُ البَرْقُ﴾ فَيَجُوزُ كَوْنُها حالًا مِن ضَمِيرِ ”يَجْعَلُونَ“ لِأنَّ بِها كَمالَ إيضاحِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها، ويَجُوزُ كَوْنُها اسْتِئْنافًا لِبَيانِ حالِ الفَرِيقِ عِنْدَ البَرْقِ نَشَأ عَنْ بَيانِ حالِهِمْ عِنْدَ الرَّعْدِ. وجُمْلَةُ ﴿كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ﴾ حالٌ مِنَ البَرْقِ أوْ مِن ضَمِيرِ أبْصارِهِمْ لا غَيْرَ، وفي هَذا تَشْبِيهٌ لِجَزَعِ المُنافِقِينَ مِن آياتِ الوَعِيدِ بِما يَعْتَرِي القائِمَ تَحْتَ السَّماءِ حِينَ الرَّعْدِ والبَرْقِ والظُّلُماتِ فَهو يَخْشى اسْتِكاكَ سَمْعِهِ ويَخْشى الصَّواعِقَ حَذَرَ المَوْتِ ويُعَشِّيهِ البَرْقُ حِينَ يَلْمَعُ بِإضاءَةٍ شَدِيدَةٍ ويُعَمِّي عَلَيْهِ الطَّرِيقَ بَعْدَ انْقِطاعِ لَمَعانِهِ. وقَوْلُهُ ﴿كُلَّما أضاءَ لَهُمْ﴾ تَمْثِيلٌ لِحالِ حَيْرَةِ المُنافِقِينَ بِحالِ حَيْرَةِ السّائِرِينَ في اللَّيْلِ المُظْلِمِ المُرْعِدِ المُبْرِقِ.
وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ﴾ اعْتِراضٌ لِلتَّذْكِيرِ بِأنَّ المَقْصُودَ التَّمْثِيلُ لِحالِ المُنافِقِينَ في كُفْرِهِمْ لا لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ في التَّمْثِيلِ. وقَوْلُهُ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ رُجُوعٌ إلى وعِيدِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ هُمُ المَقْصُودُ مِنَ التَّمْثِيلِ، فالضَّمائِرُ الَّتِي في جُمْلَةِ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ راجِعَةٌ إلى أصْلِ الكَلامِ، وتَوْزِيعُ الضَّمائِرِ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ.
فَعَبَّرَ عَنْ زَواجِرِ القُرْآنِ بِالصَّواعِقِ وعَنِ انْحِطاطِ قُلُوبِ المُنافِقِينَ وهي البَصائِرُ عَنْ قَرارِ نُورِ الإيمانِ فِيها بِخَطْفِ البَرْقِ لِلْأبْصارِ، وإلى نَحْوٍ مِن هَذا يُشِيرُ كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ نَقْلًا عَنْ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وهو مَجازٌ شائِعٌ، يُقالُ: فُلانٌ يَرْعُدُ ويَبْرُقُ، عَلى أنَّ بِناءَهُ هُنا عَلى المَجازِ السّابِقِ يَزِيدُهُ قَبُولًا، وعَبَّرَ عَمّا يَحْصُلُ لِلْمُنافِقِينَ مِنَ الشَّكِّ في صِحَّةِ اعْتِقادِهِمْ بِمَشْيِ السّارِي في ظُلْمَةٍ إذا أضاءَ لَهُ البَرْقُ، وعَنْ إقْلاعِهِمْ عَنْ ذَلِكَ الشَّكِّ حِينَ رُجُوعِهِمْ إلى كُفْرِهِمْ بِوُقُوفِ الماشِي عِنْدَ انْقِطاعِ البَرْقِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ، وخَلَّلَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِتَهْدِيدٍ لا يُناسِبُ إلّا المُشَبَّهِينَ وهو ما أفادَهُ الِاعْتِراضُ بِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ﴾ وقَوْلِهِ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ فَجاءَ بِهَذِهِ الجُمَلِ الحالِيَّةِ والمُسْتَأْنَفَةِ تَنْبِيهًا عَلى وجْهِ الشَّبَهِ وتَقْرِيرًا لِقُوَّةِ مُشابَهَةِ الزَّواجِرِ وآياتِ الهُدى والإيمانِ بِالرَّعْدِ والبَرْقِ في حُصُولِ أثَرَيِ النَّفْعِ والضُّرِّ عَنْهُما مَعَ تَفَنُّنٍ في البَلاغَةِ وطَرائِقِ الحَقِيقَةِ والمَجازِ.
وجَعَلَ في الكَشّافِ الجُمَلَ الثَّلاثَ مُسْتَأْنَفًا بَعْضَها عَنْ بَعْضٍ بِأنْ تَكُونَ الأُولى اسْتِئْنافًا عَنْ جُمْلَةِ ﴿أوْ كَصَيِّبٍ﴾ والثّانِيَةُ وهي ﴿يَكادُ البَرْقُ﴾ مُسْتَأْنَفَةً عَنْ جُمْلَةِ (يَجْعَلُونَ) لِأنَّ الصَّواعِقَ تَسْتَلْزِمُ البَرْقَ، والثّالِثَةُ وهي ﴿كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا﴾ مُسْتَأْنَفَةً عَنْ قَوْلِهِ ﴿يَكادُ البَرْقُ﴾ والمَعْنى عَلَيْهِ ضَعِيفٌ وهو في بَعْضِها أضْعَفُ مِنهُ في بَعْضٍ كَما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا.
والجَعْلُ والأصابِعُ مُسْتَعْمَلانِ في حَقِيقَتِهِما عَلى قَوْلِ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ لِأنَّ الجَعْلَ هو هُنا بِمَعْنى النَّوْطِ، والظَّرْفِيَّةُ لا تَقْتَضِي الإحاطَةَ فَجَعْلُ بَعْضِ الإصْبَعِ في الأُذُنِ هو جَعْلٌ لِلْإصْبَعِ، فَتَمَثُّلُ بَعْضِ عُلَماءِ البَيانِ بِهَذِهِ الآيَةِ لِلْمَجازِ الَّذِي عَلاقَتُهُ الجُزْئِيَّةُ تَسامُحٌ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهُ صاحِبُ الكَشّافِ بِقَوْلِهِ: هَذا مِنَ الِاتِّساعاتِ في اللُّغَةِ الَّتِي لا يَكادُ الحاصِرُ يَحْصُرُها كَقَوْلِهِ ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ [المائدة: ٣٨] ومِنهُ قَوْلُكَ مَسَحْتُ بِالمِندِيلِ، ودَخَلْتُ البَلَدَ، وقِيلَ: ذَلِكَ مَجازٌ في الأصابِعِ، وقِيلَ: مَجازٌ في الجَعْلِ: ولِمَن شاءَ أنْ يَجْعَلَهُ مَجازًا في الظَّرْفِيَّةِ فَتَكُونُ تَبَعِيَّةً لِكَلِمَةِ ”في“ . و(مِن) في قَوْلِهِ ﴿مِنَ الصَّواعِقِ﴾ لِلتَّعْلِيلِ أيْ لِأجْلِ الصَّواعِقِ إذِ الصَّواعِقُ هي عِلَّةُ جَعْلِ الأصابِعِ في الآذانِ ولا ضَيْرَ في كَوْنِ الجَعْلِ لِاتِّقائِها حَتّى يُقالَ يَلْزَمُ تَقْدِيرُ مُضافٍ نَحْوَ تَرْكٍ واتِّقاءٍ إذْ لا داعِيَ إلَيْهِ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهم: ”سَقاهُ مِنَ العَيْمَةِ“ بِفَتْحِ العَيْنِ وسُكُونِ الياءِ وهي شَهْوَةُ اللَّبَنِ لِأنَّ العَيْمَةَ سَبَبُ السَّقْيِ والمَقْصُودُ زَوالُها إذِ المَفْعُولُ لِأجْلِهِ هو الباعِثُ وُجُودُهُ عَلى الفِعْلِ سَواءً كانَ مَعَ ذَلِكَ غايَةً لِلْفِعْلِ وهو الغالِبُ أمْ لَمْ يَكُنْ كَما هُنا.
والصَّواعِقُ جَمْعُ صاعِقَةٍ وهي نارٌ تَنْدَفِعُ مِن كَهْرَبائِيَّةِ الأسْحِبَةِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. وقَوْلُهُ ﴿حَذَرَ المَوْتِ﴾ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ وهو هُنا عِلَّةٌ وغايَةٌ مَعًا.
ومِن بَدِيعِ هَذا التَّمْثِيلِ أنَّهُ مَعَ ما احْتَوى عَلَيْهِ مِن مَجْمُوعِ الهَيْئَةِ المُرَكَّبَةِ المُشَبَّهِ بِها حالُ المُنافِقِينَ حِينَ مُنازَعَةِ الجَواذِبِ لِنُفُوسِهِمْ مِن جَواذِبِ الِاهْتِداءِ وتَرْقُبِها ما يُفاضُ عَلى نُفُوسِهِمْ مِن قَبُولِ دَعْوَةِ النَّبِيءِ وإرْشادِهِ مَعَ جَواذِبِ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ وذَبِّهِمْ عَنْ أنْفُسِهِمْ أنْ يَعْلَقَ بِها ذَلِكَ الإرْشادُ حِينَما يَخْلُونَ إلى شَياطِينِهِمْ، هو مَعَ ذَلِكَ قابِلٌ لِتَفْرِيقِ التَّشْبِيهِ في مُفْرَداتِهِ إلى تَشابِيهَ مُفْرَدَةٍ بِأنْ يُشَبَّهَ كُلُّ جُزْءٍ مِن مَجْمُوعِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ لِجُزْءٍ مِن مَجْمُوعِ هَيْئَةِ قَوْمٍ أصابَهم صَيِّبٌ مَعَهُ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وصَواعِقُ لا يُطِيقُونَ سَماعَ قَصْفِها ويَخْشَوْنَ المَوْتَ مِنها وبَرْقٌ شَدِيدٌ يَكادُ يَذْهَبُ بِأبْصارِهِمْ، وهم في حَيْرَةٍ بَيْنَ السَّيْرِ وتَرْكِهِ. وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ﴾ اعْتِراضٌ راجِعٌ لِلْمُنافِقِينَ إذْ قَدْ حَقَّ عَلَيْهِمُ التَّمَثُّلُ واتَّضَحَ مِنهُ حالُهم فَآنَ أنْ يُنَبَّهَ عَلى وعِيدِهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ، وفي هَذا رُجُوعٌ إلى أصْلِ الغَرَضِ كالرُّجُوعِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهُمْ﴾ [البقرة: ١٧] إلَخْ كَما تَقَدَّمَ، إلّا أنَّهُ هُنا وقَعَ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ.
والإحاطَةُ اسْتِعارَةٌ لِلْقُدْرَةِ الكامِلَةِ شُبِّهَتِ القُدْرَةُ الَّتِي لا يَفُوتُها المَقْدُورُ بِإحاطَةِ المُحِيطِ بِالمُحاطِ عَلى طَرِيقَةِ التَّبَعِيَّةِ أوِ التَّمْثِيلِيَّةِ، وإنْ لَمْ يَذْكُرْ جَمِيعَ ما يَدُلُّ عَلى جَمِيعِ المُرَكَّبِ الدّالِّ عَلى الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ بِها، وقَدِ اسْتُعْمِلَ هَذا الخَبَرُ في لازِمِهِ وهو أنَّهُ لا يُفْلِتُهم وأنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلى سُوءِ صُنْعِهِمْ.
والخَطْفُ الأخْذُ بِسُرْعَةٍ. و”كُلَّما“ كَلِمَةٌ تُفِيدُ عُمُومَ مَدْخُولِها، وما كافَّةٌ لِكُلٍّ عَنِ الإضافَةِ أوْ هي مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، فالعُمُومُ فِيها مُسْتَفادٌ مِن كَلِمَةِ كُلٍّ.
وذِكْرُ ”كُلَّما“ في جانِبِ الإضاءَةِ و”إذا“ في جانِبِ الإظْلامِ لِدَلالَةِ كُلَّما عَلى حِرْصِهِمْ عَلى المَشْيِ وأنَّهم يَتَرَصَّدُونَ الإضاءَةَ، فَلا يُفِيتُونَ زَمَنًا مِن أزْمانِ حُصُولِها لِيَتَبَيَّنُوا الطَّرِيقَ في سَيْرِهِمْ لِشِدَّةِ الظُّلْمَةِ. وأضاءَ فِعْلٌ يُسْتَعْمَلُ قاصِرًا ومُتَعَدِّيًا بِاخْتِلافِ المَعْنى كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ﴾ [البقرة: ١٧] وأظْلَمَ يُسْتَعْمَلُ قاصِرًا كَثِيرًا ويُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا قَلِيلًا والظّاهِرُ أنَّ أضاءَ هُنا مُتَعَدٍّ، فَمَفْعُولُ أضاءَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ مَشَوْا عَلَيْهِ، وتَقْدِيرُهُ المَمْشى أوِ الطَّرِيقُ؛ أيْ أضاءَ لَهُمُ البَرْقُ الطَّرِيقَ وكَذَلِكَ أظْلَمَ أيْ وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمُ البَرْقُ الطَّرِيقَ بِأنْ أمْسَكَ ومِيضَهُ فَإسْنادُ الإظْلامِ إلى البَرْقِ مَجازٌ لِأنَّهُ تَسَبَّبَ في الإظْلامِ. ومَعْنى القِيامِ عَدَمُ المَشْيِ أيِ الوُقُوفُ في المَوْضِعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ مَفْعُولُ شاءَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الجَوابِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ شَأْنُ فِعْلِ المَشِيئَةِ والإرادَةِ ونَحْوِهِما إذا وقَعَ مُتَّصِلًا بِما يَصْلُحُ لِأنْ يَدُلَّ عَلى مَفْعُولِهِ مِثْلَ وُقُوعِهِ صِلَةً لِمَوْصُولٍ يَحْتاجُ إلى خَبَرٍ نَحْوَ: ما شاءَ اللَّهُ كانَ أيْ: ما شاءَ كَوْنَهُ كانَ، ومِثْلَ وُقُوعِهِ شَرْطًا لِلَوْ لِظُهُورِ أنَّ الجَوابَ هو دَلِيلُ المَفْعُولِ. وكَذَلِكَ إذا كانَ في الكَلامِ السّابِقِ قَبْلَ فِعْلِ المَشِيئَةِ ما يَدُلُّ عَلى مَفْعُولِ الفِعْلِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦] ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٧] قالَ الشَّيْخُ في دَلائِلِ الإعْجازِ: إنَّ البَلاغَةَ في أنْ يُجاءَ بِهِ كَذَلِكَ مَحْذُوفًا وقَدْ يَتَّفِقُ في بَعْضِهِ أنْ يَكُونَ إظْهارُ المَفْعُولِ هو الأحْسَنَ، وذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِ الشّاعِرِ هو إسْحاقُ الخُرَيْمِيُّ مَوْلى بَنِي خُرَيْمٍ مِن شُعَراءِ عَصْرِ الرَّشِيدِ يَرْثِي أبا الهَيْذامِ الخُرَيْمِيَّ حَفِيدَهُ ابْنَ ابْنِ عِمارَةَ.
ولَوْ شِئْتُ أنْ أبْكِي دَمًا لَبَكَيْتُهُ عَلَيْهِ ولَكِنْ ساحَةُ الصَّبْرِ أوْسَعُ
وسَبَبُ حُسْنِهِ أنَّهُ كَأنَّهُ بِدْعٌ عَجِيبٌ أنْ يَشاءَ الإنْسانُ أنْ يَبْكِيَ دَمًا، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ كانَ الأوْلى أنْ يُصَرِّحَ بِذِكْرِهِ لِيُقَرِّرَهُ في نَفْسِ السّامِعِ إلَخْ كَلامِهِ. وتَبِعَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، وزادَ عَلَيْهِ أنَّهم لا يَحْذِفُونَ في الشَّيْءِ المُسْتَغْرَبِ إذْ قالَ: لا يَكادُونَ يُبْرِزُونَ المَفْعُولَ إلّا في الشَّيْءِ المُسْتَغْرَبِ إلَخْ. وهو مُؤَوَّلٌ بِأنَّ مُرادَهُ أنَّ عَدَمَ الحَذْفِ حِينَئِذٍ يَكُونُ كَثِيرًا.
وعِنْدِي أنَّ الحَذْفَ هو الأصْلُ لِأجْلِ الإيجازِ فالبَلِيغُ تارَةً يَسْتَغْنِي بِالجَوابِ فَيَقْصِدُ البَيانَ بَعْدَ الإبْهامِ، وهَذا هو الغالِبُ في كَلامِ العَرَبِ، قالَ طَرَفَةُ:
وإنْ شِئْتَ لَمْ تُرْقِلْ وإنْ شِئْتَ أرْقَلَتْ
وتارَةً يُبَيِّنُ بِذِكْرِ الشَّرْطِ أساسَ الإضْمارِ في الجَوابِ نَحْوَ البَيْتِ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ﴾ [الأنبياء: ١٧] ويَحْسُنُ ذَلِكَ إذا كانَ في المَفْعُولِ غَرابَةٌ فَيَكُونُ ذِكْرُهُ لِابْتِداءِ تَقْرِيرِهِ كَما في بَيْتِ الخُرَيْمِيِّ والإيجازُ حاصِلٌ عَلى كُلِّ حالٍ لِأنَّ فِيهِ حَذْفًا إمّا مِنَ الأوَّلِ أوْ مِنَ الثّانِي. وقَدْ يُوهِمُ كَلامُ أئِمَّةِ المَعانِي أنَّ المَفْعُولَ الغَرِيبَ يَجِبُ ذِكْرُهُ ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ [فصلت: ١٤] فَإنَّ إنْزالَ المَلائِكَةِ أمْرٌ غَرِيبٌ قالَ أبُو العَلاءِ المَعَرِّيُّ.
وإنْ شِئْتَ فازْعُمْ أنَّ مَن فَوْقَ ظَهْرِها ∗∗∗ عَبِيدُكَ واسْتَشْهِدْ إلَهَكَ يَشْهَدِ
فَإنَّ زَعْمَ ذَلِكَ زَعْمٌ غَرِيبٌ.
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ ظاهِرُهُ أنْ يَعُودُوا إلى أصْحابِ الصَّيِّبِ المُشَبَّهِ بِحالِهِمْ حالُ المُنافِقِينَ؛ لِأنَّ الإخْبارَ بِإمْكانِ إتْلافِ الأسْماعِ والأبْصارِ يُناسِبُ أهْلَ الصَّيِّبِ المُشَبَّهِ بِحالِهِمْ بِمُقْتَضى قَوْلِهِ ﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾ وقَوْلِهِ ﴿يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ والمَقْصُودُ أنَّ الرَّعْدَ والبَرْقَ الواقِعَيْنِ في الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها هُما رَعْدٌ وبَرْقٌ بَلَغا مُنْتَهى قُوَّةِ جِنْسَيْهِما بِحَيْثُ لا يَمْنَعُ قَصِيفُ الرَّعْدِ مِن إتْلافِ أسْماعِ سامِعِيهِ ولا يَمْنَعُ ومِيضُ البَرْقِ مِن إتْلافِ أبْصارِ ناظِرِيهِ إلّا مَشِيئَةُ اللَّهِ عَدَمَ وُقُوعِ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ. وفائِدَةُ ذِكْرِ هَذا في الحالَةِ المُشَبَّهَةِ بِها أنْ يَسْرِيَ نَظِيرُهُ في الحالَةِ المُشَبَّهَةِ وهي حالَةُ المُنافِقِينَ فَهم عَلى وشْكِ انْعِدامِ الِانْتِفاعِ بِأسْماعِهِمْ وأبْصارِهِمُ انْعِدامًا تامًّا مِن كَثْرَةِ عِنادِهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ، إلّا أنَّ اللَّهَ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ اسْتِدْراجًا لَهم وإمْلاءً لِيَزْدادُوا إثْمًا أوْ تَلَوُّمًا لَهم وإعْذارًا لَعَلَّ مِنهم مَن يَثُوبُ إلى الهُدى، وقَدْ صِيغَ هَذا المَعْنى في هَذا الأُسْلُوبِ لِما فِيهِ مِنَ التَّوْجِيهِ بِالتَّهْدِيدِ لَهم أنْ يُذْهِبَ اللَّهُ سَمْعَهم وأبْصارَهم مِن نِفاقِهِمْ إنْ لَمْ يَبْتَدِرُوا الإقْلاعَ عَنِ النِّفاقِ، وذَلِكَ يَكُونُ لَهُ وقْعُ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ كَما وقَعَ لِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ لَمّا قَرَأ عَلَيْهِ النَّبِيءُ ﷺ ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] فَلَيْسَ المَقْصُودُ مِنِ اجْتِلابِ ”لَوْ“ في هَذا الشَّرْطِ إفادَةَ ما تَقْتَضِيهِ ”لَوْ“ مِنَ الِامْتِناعِ لِأنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ الإعْلامَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى ذَلِكَ بَلِ المَقْصُودُ إفادَةُ لازِمِ الِامْتِناعِ وهو أنَّ أسْبابَ إذْهابِ البَرْقِ والرَّعْدِ أبْصارَهُمُ الواقِعَيْنِ في التَّمْثِيلِ مُتَوَفِّرَةٌ وهي كُفْرانُ النِّعْمَةِ الحاصِلَةِ مِنهُما إذْ إنَّما رُزِقُوهُما لِلتَّبَصُّرِ في الآياتِ الكَوْنِيَّةِ وسَماعِ الآياتِ الشَّرْعِيَّةِ، فَلَمّا أعْرَضُوا عَنِ الأمْرَيْنِ كانُوا أحْرِياءَ بِسَلْبِ النِّعْمَةِ، إلّا أنَّ اللَّهَ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ إمْهالًا لَهم وإقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، فَكانَتْ لَوْ مُسْتَعْمَلَةً مَجازًا مُرْسَلًا في مُجَرَّدِ التَّعْلِيقِ إظْهارًا لَتَوَفُّرِ الأسْبابِ لَوْلا وُجُودُ المانِعِ عَلى حَدِّ قَوْلِ أُبَيِّ بْنِ سُلْمى بْنِ رَبِيعَةَ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ يَصِفُ فَرَسَهُ.
ولَوْ طارَ ذُو حافِرٍ قَبْلَها ∗∗∗ لَطارَتْ ولَكِنَّهُ لَمْ يَطِرْ
أيْ تَوَفَّرَ فِيها سَبَبُ الطَّيَرانِ. فالمَعْنى: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ بِزِيادَةِ ما في البَرْقِ والرَّعْدِ مِنَ القُوَّةِ فَيُفِيدُ بُلُوغَ الرَّعْدِ والبَرْقِ قُرْبَ غايَةِ القُوَّةِ.
ويَكُونُ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مَوْقِعٌ عَجِيبٌ. وقَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَذْيِيلٌ، وفِيهِ تَرْشِيحٌ لِلتَّوْجِيهِ المَقْصُودِ لِلتَّهْدِيدِ زِيادَةً في تَذْكِيرِهِمْ وإبْلاغًا لَهم وقَطْعًا لِمَعْذِرَتِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
الدر المصون - السمين الحلبي
الدر المصون للسمين الحلبي - السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
﴿أَوۡ كَصَیِّبࣲ مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ فِیهِ ظُلُمَـٰتࣱ وَرَعۡدࣱ وَبَرۡقࣱ یَجۡعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمۡ فِیۤ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَ ٰعِقِ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِۚ وَٱللَّهُ مُحِیطُۢ بِٱلۡكَـٰفِرِینَ﴾ [البقرة ١٩]
قولُه تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السمآء} : في «أو» خمسة أقوال، أظهرهُا: أنها للتفصيلِ بمعنى أنَّ الناظرينَ في حالِ هؤلاء منهم مَنْ يُشَبِّهُهُمْ بحال المستوقدِ الذي هذه صفتُهُ، ومنهم مَنْ يُشَبِّهُهُمْ بأصحاب صَيِّبٍ هذه صفتُه. الثاني: أنها للإِبهام، أي: إن الله أَبْهَم على عباده تشبيهَهم بهؤلاء أو بهؤلاء، الثالث: أنها للشَّكِّ، بمعنى أن الناظر يَشُكُّ في تشبيههم. الرابع: أنها للإِباحة. الخامس: أنها للتخيير، أي: أًُبيح للناس أن يشبِّهوهم بكذا أو بكذا، وخُيِّروا في ذلك. وزاد الكوفيون فيها معنيين آخرين، أحدُهما: كونُها بمعنى الواو وأنشدوا:
225 - جاء الخلافةَ أو كانَتْ له قَدَراً ... كما أتى ربَّه موسى على قَدَرِ
والثاني: كونُها بمعنى بل، وأنشدوا:
226 - بَدَتْ مثلَ قَرْن الشمسِ في رَوْنَقِ الضُّحَى ... وصورتِها أَوْ أَنْتَ في العينِ أَمْلَحُ
أي: بل أنت.
و «كصيبٍ» معطوفٌ على «كَمَثَل» ، فهو في محلِّ رفع، ولا بُدَّ من حذف مضافَيْنِ، ليصِحَّ المعنى، التقدير: أو كمثل ذَوي صَيِّب، ولذلك رَجَعَ عليه ضميرُ الجمع في قوله: {يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ في آذَانِهِم} لأنَّ المعنى على تشبيهِهم بأصحاب الصيِّب لا بالصيِّب نفسِه. والصيِّبُ: المطر: سُمِّي بذلك لنزولِهِ، يقال: صابَ يصُوبُ إذا نَزَلَ، قال:
227 - فلسْتُ لإِنسِيٍّ ولكن لِمَلأَكٍ ... تَنَزَّلَ من جوِّ السماءِ يَصُوبُ
وقال آخر:
228 - فلا تَعْدِلي بيني وبينَ مُغَمَّرٍ ... سَقَتْكِ رَوايا المُزْنِ حيثُ تَصُوبُ
واختُلف في وزن صَيِّب: فمذهبُ البصريين أنه «فَيْعِل» ، والأصلُ: صَيْوبٍ فَأُدْغِمَ كميِّت وهيِّن والأصلُ: مَيْوِت وهَيْوِن. وقال بعض الكوفيين: وزنه فَعِيل، والأصل «صَويب بزنة طَويل، قال النحاس:» وهذا خطأٌ لأنه كانَ ينبغي أن يَصِحَّ ولا يُعَلَّ كطويل «وكذا قال أبو البقاء. وقيل وزنه: فَعْيِل فقُلِب وأُدْغِم.
واعلم أنه إذا قيل بأن الجملةَ من قوله: {ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ} استئنافيةٌ ومن قوله {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} أنها من وصف المنافقين كانتا/ جملتي اعتراضٍ بين المتعاطفَين، أعني قوله: كمثل وكصيّب، وهي مسألةُ خلاف منعها الفارسي وقد رُدَّ عليه بقول الشاعر:
229 - لَعَمْرُكَ والخُطوبُ مُغَيِّراتٌ ... وفي طولِ المُعَاشَرَةِ التَّقالي
لقد بالَيْتُ مَظْعَنَ أمِّ أَوْفَى ... ولكنْ أمُّ أَوفَى لا تُبالي
فَفَصَلَ بين القسمِ وهو قولُهُ:» لَعَمْرُك «وبين جوابِهِ وهو قولُهُ:» لقد بالَيْت «بجملتين، إحداهما:» والخطوبُ مغيِّرات «والثانيةُ:» وفي طولِ المعاشرةِ التقالي « [قولُه:] » مِن السماءِ «يَحْتمل وجهينِ، أحدُهما أَن يكونَ متعلقاً ب» صَيِّب «لأنه يعملُ عملَ الفعلِ، التقديرُ: كمطرٍ يصوبُ من السماء، و» مِنْ «لابتداء الغاية. والثاني: أن يكونَ في محلِّ جر صفةً لصيِّب، فيتعلَّقَ بمحذوف، وتكونُ» مِنْ «للتبعيض، ولا بُدَّ حينئذٍ من حذفِ مضافٍ، تقديرهُ: كصيِّب كائنٍ من أمطارِ السماءِ.
والسماءُ: كلُّ ما عَلاَك من سقف ونحوه، مشتقةٌ من السُّمُوِّ، وهو الارتفاعُ والأصل: سَماوٌ، وإنما قُلِبَتِ الواوُ هَمْزَةً لوقوعِها طرفاً بعد ألفٍ زائدةٍ، وهو بدلٌ مطَّرد، نحو: كِساء ورِدَاء، بخلافِ نحو: سِقاية وشَقاوة، لعدم تطرُّفِ حرفِ العلة، ولذلك لَمَّا دَخلت عليها تاءُ التأنيث صَحَّتْ نحو: سَماوة، قال الشاعر: 230 - طيَّ الليالي زُلَفاً فَزُلَفَا ... سَماوَةَ الهلالِ حتى احْقَوْقَفَا
والسماءُ مؤنث، وقد تُذَكَّر، وأنشدوا:
231 - فلو رَفَعَ السماءُ إليه قوماً ... لَحِقْنَا بالسماءِ مَعَ السحابِ
فأعاد الضميرَ مِنْ قوله: «إليه» على السماءِ مذكَّراً، ويُجْمع على سَماوات وأَسْمِيَة وسُمِيَّ، والأصل: فُعول، إلا أنه أُعِلَّ إعلالَ عُصِيّ بقلب الواوين يائين وهو قلبٌ مطَّرد في الجمع، ويَقِلُّ في المفرد نحو: عتا عُتِيَّا، كما شَذَّ التصحيحُ في الجمع، قالوا: «إنكم تنظرون في نُحُوٍّ كثيرةٍ» ، وجُمِعَ أيضاً على سَمَاء، ولكن مفردَه سَماوة، فيكونُ من باب تَمْرة وتمر، ويدلُّ على ذلك قولُه:
232 -. . . . . . . . . . . . فوق سَبْعِ سَمَائِيا
ووجهُ الدلالة أنه مُيِّزَ به «سبع» ، ولا تُمَيَّز هي وأخواتُها إلا بجمعٍ مجرور.
قولهُ تعالَى: «فيه ظلماتٌ وَرَعْدٌ وبَرْقٌ» يَحْتمل أربعةَ أوجه، أحدها: أَنْ يكونَ صفةً ل «صَيِّب» . الثاني: أن يكونَ حالاً منه، وإنْ كان نكرةً لتخصُّصِهِ: إِمَّا بالعملِ في الجار بعدَه، أو بصفةٍ بالجارِ بعده. الثالث: أن يكونَ حالاً من الضميرِ المستكنِّ في «مِن السماء» إذا قيل إنه صفةٌ لصيِّب، فيتعلَّقُ في التقادير الثلاثة بمحذوفٍ، إلاَّ أنه على القولِ الأولِ في محلِّ جرٍّ لكونه صفةً لمجرورٍ، وعلى القولين الأخيرين في محلِّ نَصْبٍ على الحالِ. و «ظلماتٌ» على جميع هذه الأقوال فاعلٌ به لأنَّ الجارَّ والمجرورَ والظرفَ متى اعتمدا على موصوفٍ أو ذي حال أو ذي خبرٍ أو على نفي أو استفهام عمِلاَ عَمَلَ الفِعْلِ، والأخفش يُعْمِلهما مطلقاً كالوصف، وسيأتي تحريرُ ذلك. الرابعُ: أن يكونَ خبراً مقدَّماً و «ظلماتٌ» مبتدأ، والجملةُ تحتمل وجهين: الجرَّ على أنها صِفَةٌ لصيِّب. والثاني: النصبُ على الحال، وصاحِبُ الحال يُحْتمل أن يكونَ «كصيِّب» وإن كان نكرةً لتخصيصهِ بما تقدَّمه، وأن يكونَ الضميرَ المستكنَّ في «مِنْ السماء» إذا جُعِلَ وصفاً لصيِّب، والضمير في «فيه» ضميرُ الصَيِّب «.
واعلم أنَّ جَعْلَ الجارَّ صفةً أو حالاً، ورفعَ» ظلماتٌ «على الفاعلية به أَرْجَحُ مِنْ جَعْلِ» فيه ظلماتٌ «جملةً برأسِها في محلِّ صفةٍ أو حالٍ، لأنَّ الجارَّ أقربُ إلى المفردِ من الجملة، وأصلُ الصفةِ والحال أن يكونا مفرَدَيْنِ.
» وَرَعْدٌ وبَرْقٌ «معطوفانِ على ظُلُماتٌ» بالاعتبارين المتقدمين، وهما في الأصل مصدران تقول: رَعَدت السماء تَرْعُدُ رَعْداً وَبَرَقَتْ بَرْقاً، قال أبو البقاء: «وهما على ذلك [مُوَحَّدَتان] هنا» ، يعني على المصدريَّة، ويجوز أن يكونا بمعنى الراعِد والبارِق نحو: رجل عَدْلٌ، والظاهرُ أنهما في الآية ليس المرادُ بهما المصدرَ بل جُعِلاَ اسماً للهزِّ واللمعَانِ، وهو مقصودٌ الآيةِ، ولا حاجةَ حينئذٍ إلى جَعْلِهِمَا بمعنى اسمِ فاعل.
قولُه تعالى: {يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ في آذَانِهِم} هذه الجملةُ الظاهرُ أنها لا محلَّ لها لاستئنافِها، كأنه قيل: ما حالُهم؟ فقيل: يَجْعَلون. وقيل: بل لها محلٌّ، ثم اختُلِفَ فيه، فقيل: جَرٌّ لأنها صفةٌ للمجرور، أي: أصحابُ صيِّب جاعلين، والضميرُ محذوفٌ، أو نابَتْ الألفُ واللام منابَه، تقديرُهُ: يَجْعَلُونَ أصابعهم في آذانهم من الصواعق منه أو من صواعِقِه. وقيل: محلُّها نصبٌ على الحال من الضمير «فيه» . والكلامُ في العائدِ كما تَقَدَّم، والجَعْلُ هنا بمعنى الإِلقاء، ويكونُ بمعنى الخَلْق فيتعدَّى لواحِدٍ، ويكون بمعنى صيَّر أو سَمَّى فيتعدَّى لاثنين، ويكون للشروع فيعملُ عَمَلَ عسى.
وأصابِعُهم جمعُ إصْبَع، وفيها عشرُ لغاتٍ، بتثليث الهمزة مع تثليث الباء، والعاشرة: أُصْبوع بضمِّ الهمزة. والواوُ في «يَجْعلون» تعود للمضاف المحذوف كما تقدم إيضاحُهُ. واعلمْ أنَّه إذا حُذِفَ المضافُ جاز فيه اعتباران، أحدهما: أن يُلْتفت إليه، والثاني ألاَّ يُلْتَفَتَ إليه، وقد جُمِع الأمران في قوله تعالى: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} [الأعراف: 4] ، التقدير: وكم من أهل قرية فلم يُرَاعِه في قوله: {أَهْلَكْنَاهَا [فَجَآءَهَا} ] وراعاه في قوله: {أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} /. و {في آذَانِهِم مِّنَ الصواعق} كلاهما متعلقٌ بالجَعْل، و «مِنْ» معناها التعليل. والصواعِقُ: جمع صاعقة، وهي الصيحة الشديدة من صوت الرعد يكون معها القطعة من النار، ويقال: ساعِقة بالسين، وصاقِعة بتقديمِ القاف وأنشد:
233 - ألم تَرَ أنَّ المجرمين أصابَهُمْ ... صواقِعُ، لا بل هُنَّ فوق الصواقِعِ
ومثلُه قول الآخر:
23 - 4- يَحْكُمُونَ بالمَصْقُولَةِ القواطِعِ ... تَشَقُّقَ اليدَيْنِ بِالصَّواقِعِ
وهي قراءةُ الحسن، قالَ النحاسَ: «وهي لغةُ تميم وبعض بني ربيعة» فيُحتمل أن تكونَ صاقِعَة مقلوبةً من صاعِقَة، ويُحْتَمَل ألاَّ تكونَ، وهو الأظهرُ لثبوتها لغةً مستقلةً كما تقدَّم، ويقال: صَعْقَة أيضاً، وقد قَرَأَ بها الكسائي في الذاريات، يقال: صُعِقَ زيدٌ وأَصْعَقَهُ غيرُه: قال:
235 - تَرى النُّعَراتِ الزُرْقَ تَحْتَ لَبَانِهِ ... أُحادَ وَمَثْنَى أصْعَقَتْهَا صواهِلُهْ
قولُه تعالى: «حَذَرَ الموت» فيه وجهان، أظهرهُما: أنه مفعولٌ من أجله ناصبُه «يَجْعلون» ولا يَضُرُّ تعدُّدُ المفعولِ مِنْ أجْله، لأنَّ الفعلَ يُعَلِّل بعِلَلٍ.
الثاني: أنه منصوبٌ على المصدرِ وعامِلُهُ محذوفٌ تقديرُهُ: يَحْذَرُونَ حَذَراً مثلَ حَذَرِ الموت، والحَذَرُ والحِذار مصدران لحَذرِ أي: خافَ خوفاً شديداً.
واعلم أنَّ المفعولَ مِنْ أجله بالنسبةِ إلى نَصْبِهِ وجرِّه بالحرف على ثلاثةِ أقسام: قسم يكثُر نصبُه وهو ما كان غَيْرَ مُعَرَّفٍ بأل مضافٍ نحو: جِئْت إكراماً لك، وقسم عكسُه، وهو ما كان معرَّفاً بأل. ومِنْ مجيئه منصوباً قولُ الشاعر:
236 - لا أَقْعُدُ الجُبْنَ عن الهَيْجَاءِ ... ولو توالَتْ زُمَرُ الأعداءِ وقسم يستوي فيه الأمران وهو المضافُ كالآيةِ الكريمة، ويكونُ معرفةً ونكرةً، وقد جَمَعَ حاتِم الطائيُّ الأمرينِ في قوله:
237 - وَأَغْفِرُ عوراءَ الكريمِ ادِّخَارَهُ ... وأُعْرِضُ عن شَتْمِ اللئيمِ تَكَرُّمَا
و «حَذَرَ الموت» مصدرٌ مضافٌ إلى المفعول، وفاعلُه محذوفٌ، وهو أحدُ المواضِعِ التي يجوزُ فيها حذفُ الفاعلِ وحدَه، [والثاني: فِعْلُ ما لم يُسَمَّ فاعلُهُ، والثالث: فاعل أَفْعَل في التعجب على الصحيح، وما عدا هذه لا يجوز فيه حذفُ الفاعلِ وحدَه] خلافاً للكوفيين. والموتُ ضدُّ الحياة يقال: مات يموت ويَمات، قال الشاعر:
238 - بُنَيَّتي سَيِّدَةَ البناتِ ... عِيشي ولا يُؤْمَنُ أن تَماتي
وعلى هذه اللغة قُرِئَ: مِتْنَا ومِتُّ بكسر الميم كخِفْنَا وخِفْت، فوزنُ ماتَ على اللغةِ الأولى: فَعَل بفتح العينِ، وعلى الثانية: فَعِل بكسرِها، والمُوات بالضمِّ الموتُ أيضاً، وبالفتح: ما لا رُوحَ فيهِ، والمَوَتان بالتحريك ضد الحَيَوان، ومنه قولُهم «اشْتَرِ المَوَتانِ ولا تَشْتَرِ الحَيَوان» ، أي: اشتر الأَرَضِين ولا تَشْترِ الرقيق فإنه في مَعْرِضِ الهلاك. والمُوتان بضمِّ الميم: وقوعُ الموتِ في الماشية، ومُوِّت فلانٌ بالتشديد للمبالغة، قال: 239 - فَعُرْوَةُ مات موتاً مستريحاً ... فها أنا ذا أُمَوَّتُ كلَّ يومِ
والمُسْتميتُ: الأمرُ المُسْتَرْسِلُ، قال رؤبة:
240 - وزَبَدُ البَحْرِ له كَتِيتُ ... والليلُ فوق الماء مُسْتَمِيتُ
قولُه تعالى: «والله محيطٌ بالكافرين» جملةٌ من مبتدأ وخبرٍ، وأصلُ مُحِيط: مُحْوِط، لأنه من حاطَ يَحُوطُ فأُعِلَّ كإعلال نَسْتعين. والإِحاطةُ: حَصْرُ الشيء مِنْ جميعِ جهاتِهِ، وهو هنا عبارةٌ عن كونِهِم تحت قَهْرِهِ، ولا يَفُوتونه. وقيل: ثمَّ مضافٌ محذوفٌ، أي عقابُهُ محيطٌ بهم. وهذه الجملةُ قال الزمخشري: «هي اعتراضٌ لا محلَّ لها من الإِعراب» . كأنه يَعْني بذلك أنَّ جملَةَ قولِه: يَجْعلون أصابِعَهم، وجملةَ قوله: «يكاد البرق» شيءٌ واحدٌ، لأنَّهما من قصةٍ واحدةٍ فوقَعَ ما بينهما اعتراضاً.
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني
صوب
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
صوب
الصَّوَابُ يقال على وجهين: أحدهما: باعتبار الشيء في نفسه، فيقال: هذا صَوَابٌ: إذا كان في نفسه محمودا ومرضيّا، بحسب مقتضى العقل والشّرع، نحو قولك: تَحَرِّي العدلِ صَوَابٌ، والكَرَمُ صَوَابٌ. والثاني: يقال باعتبار القاصد إذا أدرك المقصود بحسب ما يقصده، فيقال: أَصَابَ كذا، أي: وجد ما طلب، كقولك: أَصَابَهُ السّهمُ، وذلك على أضرب: الأوّل: أن يقصد ما يحسن قصده فيفعله، وذلك هو الصَّوَابُ التّامُّ المحمودُ به الإنسان.
والثاني: أن يقصد ما يحسن فعله، فيتأتّى منه غيره لتقديره بعد اجتهاده أنّه صَوَابٌ، وذلك هو المراد بقوله عليه السلام: «كلّ مجتهد مُصِيبٌ»(١) ، وروي «المجتهد مُصِيبٌ وإن أخطأ فهذا له أجر»(٢) كما روي: «من اجتهد فَأَصَابَ فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر»(٣) .
والثالث: أن يقصد صَوَاباً، فيتأتّى منه خطأ لعارض من خارج، نحو من يقصد رمي صيد، فَأَصَابَ إنسانا، فهذا معذور.
والرّابع: أن يقصد ما يقبح فعله، ولكن يقع منه خلاف ما يقصده، فيقال: أخطأ في قصده، وأَصَابَ الذي قصده، أي: وجده، والصَّوْبُ: الإِصَابَةُ: يقال: صَابَهُ وأَصَابَهُ، وجُعِلَ الصَّوْبُ لنزول المطر إذا كان بقدر ما ينفع، وإلى هذا القدر من المطر أشار بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾ [المؤمنون : 18] ، قال الشاعر:
285- فسقى ديارك غير مفسدها ... صَوْبُ الرّبيعِ ودِيمَةٌ تهمي(٤)
والصَّيِّبُ: السّحابُ المختصّ بالصَّوْبِ، وهو فيعل من: صَابَ يَصُوبُ. قال الشاعر:
286- فكأنما صَابَتْ عليه سحابة(٥) وقوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة : 19] ، قيل: هو السّحاب، وقيل: هو المطر، وتسميته به كتسميته بالسّحاب، وأَصَابَ السّهمَ: إذا وصل إلى المرمى بالصَّوَابِ، والمُصِيبَةُ أصلها في الرّمية، ثم اختصّت بالنّائبة نحو: ﴿أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها﴾ [آل عمران : 165] ، ﴿فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [النساء : 62] ، ﴿وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ﴾ [آل عمران : 166] ، ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى : 30] ، وأصاب: جاء في الخير والشّرّ. قال تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ [التوبة : 50] ، ﴿وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء : 73] ، ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ﴾ [النور : 43] ، ﴿فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ [الروم : 48] ، قال: الإِصَابَةُ في الخير اعتبارا بالصَّوْبِ، أي: بالمطر، وفي الشّرّ اعتبارا بِإِصَابَةِ السّهمِ، وكلاهما يرجعان إلى أصل.
(١) هذه قاعدة فقهية، وليست حديثا. وهي ظاهر قول مالك وأبي حنيفة.
ومعناها: كلّ مجتهد في الفروع التي لا قاطع فيها مصيب في اجتهاده، وليست على إطلاقها، إذ لا يجوز أن يقال: كلّ مجتهد في الأصول الكلامية- أي: العقائد الدينية- مصيب، لأنّ ذلك يؤدي إلى تصويب أهل الضلالة من النصارى القائلين بالتثليث، والثنوية من المجوس في قولهم بالأصلين للعالم: النور والظلمة، والكفار في نفيهم التوحيد، وبعثة الرسل، والمعاد في الآخرة. انظر: لطائف الإشارات شرح منظومة الورقات في الأصول ص 59، واللمع ص 358.
(٢) المرويّ في ذلك عن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد» متفق عليه: البخاري 13/ 318 كتاب الاعتصام، مسلم (1342) كتاب الأقضية.
(٣) المرويّ في ذلك عن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد» متفق عليه: البخاري 13/ 318 كتاب الاعتصام، مسلم (1342) كتاب الأقضية.
(٤) البيت لطرفة بن العبد، في ديوانه ص 88، والبصائر 3/ 448.
(٥) هذا شطر بيت، وعجزه: صواعقها لطيرهنّ دبيب
وهو لعلقمة بن عبدة من مفضليته التي مطلعها: طحا بك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب
وهو في المفضليات ص 395، واللسان (صوب) .
سما
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
سما
سَمَاءُ كلّ شيء: أعلاه، قال الشاعر في وصف فرس:
244- وأحمر كالدّيباج أمّا سَمَاؤُهُ ... فريّا وأمّا أرضه فمحول(١)
قال بعضهم: كلّ سماء بالإضافة إلى ما دونها فسماء، وبالإضافة إلى ما فوقها فأرض إلّا السّماء العليا فإنها سماء بلا أرض، وحمل على هذا قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق : 12] ، وسمّي المطر سَمَاءً لخروجه منها، قال بعضهم: إنما سمّي سماء ما لم يقع بالأرض اعتبارا بما تقدّم، وسمّي النّبات سَمَاءً، إمّا لكونه من المطر الذي هو سماء، وإمّا لارتفاعه عن الأرض. والسماء المقابل للأرض مؤنّثة، وقد تذكّر، ويستعمل للواحد والجمع، لقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾ [البقرة : 29] ، وقد يقال في جمعها: سَمَوَاتٍ. قال: ﴿خَلْقِ السَّماواتِ﴾ [الزمر : 5] ، ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ﴾ [المؤمنون : 86] ، وقال: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل : 18] ، فذكّر، وقال: ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق : 1] ، ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار : 1] ، فأنّث، ووجه ذلك أنها كالنّخل في الشجر، وما يجري مجراه من أسماء الجنس الذي يذكّر ويؤنّث، ويخبر عنه بلفظ الواحد والجمع، والسماء الذي هو المطر يذكّر، ويجمع على أسمية. والسَّمَاوَةُ الشّخص العالي، قال الشاعر:
245- سماوة الهلال حتى احقوقفا(٢)
وسَمَا لي(٣) : شخص، وسَمَا الفحل على الشّول سَمَاوَةَ(٤) لتخلله إيّاها، والِاسْمُ: ما يعرف به ذات الشيء، وأصله سِمْوٌ، بدلالة قولهم: أسماء وسُمَيٌّ، وأصله من السُّمُوِّ وهو الذي به رفع ذكر الْمُسَمَّى فيعرف به، قال الله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ [الفاتحة : 1] ، وقال: ﴿ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها﴾ [هود : 41] ، ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل : 30] ، ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ﴾ [البقرة : 31] ، أي: الألفاظ والمعاني مفرداتها ومركّباتها. وبيان ذلك أنّ الاسم يستعمل على ضربين: أحدهما: بحسب الوضع الاصطلاحيّ، وذلك هو في المخبر عنه نحو: رجل وفرس.
والثاني: بحسب الوضع الأوّليّ.
ويقال ذلك للأنواع الثلاثة المخبر عنه، والخبر عنه، والرّابط بينهما المسمّى بالحرف، وهذا هو المراد بالآية، لأنّ آدم عليه السلام كما علم الاسم علم الفعل، والحرف، ولا يعرف الإنسان الاسم فيكون عارفا لمسمّاه إذا عرض عليه المسمّى، إلا إذا عرف ذاته. ألا ترى أنّا لو علمنا أَسَامِيَ أشياء بالهنديّة، أو بالرّوميّة، ولم نعرف صورة ما له تلك الأسماء لم نعرف الْمُسَمَّيَاتِ إذا شاهدناها بمعرفتنا الأسماء المجرّدة، بل كنّا عارفين بأصوات مجرّدة، فثبت أنّ معرفة الأسماء لا تحصل إلا بمعرفة المسمّى، وحصول صورته في الضّمير، فإذا المراد بقوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة : 31] ، الأنواع الثلاثة من الكلام وصور المسمّيات في ذواتها، وقوله: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ [يوسف : 40] ، فمعناه أنّ الأسماء التي تذكرونها ليس لها مسمّيات، وإنما هي أسماء على غير مسمّى إذ كان حقيقة ما يعتقدون في الأصنام بحسب تلك الأسماء غير موجود فيها، وقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد : 33] ، فليس المراد أن يذكروا أساميها نحو اللّات والعزّى، وإنما المعنى إظهار تحقيق ما تدعونه إلها، وأنه هل يوجد معاني تلك الأسماء فيها، ولهذا قال بعده: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الرعد : 33] ، وقوله: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن : 78] ، أي: البركة والنّعمة الفائضة في صفاته إذا اعتبرت، وذلك نحو: الكريم والعليم والباري، والرّحمن الرّحيم، وقال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى : 1] ، ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ [الأعراف : 180] ، وقوله: ﴿اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم : 7] ، ﴿لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى﴾ [النجم : 27] ، أي: يقولون للملائكة بنات الله، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم : 65] ، أي: نظيرا له يستحقّ اسمه، وموصوفا يستحقّ صفته على التّحقيق، وليس المعنى هل تجد من يتسمّى باسمه إذ كان كثير من أسمائه قد يطلق على غيره، لكن ليس معناه إذا استعمل فيه كما كان معناه إذا استعمل في غيره.
(١) البيت تقدّم في مادة (أرض) ، وهو في اللسان (سما) .
(٢) الرجز للعجاج، وهو في ديوانه ص 496، واللسان (سما) . وقد تقدّم برقم 119.
(٣) في اللسان: سما لي شخص فلان: ارتفع حتى استثبتّه.
(٤) قال ابن منظور: وسما الفحل سماوة: تطاول على شوله وسطا. اللسان (سما) .
ظلم
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
ظلم
الظُّلْمَةُ: عدمُ النّور، وجمعها: ظُلُمَاتٌ. قال تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍ﴾ [النور : 40] ، ﴿ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ [النور : 40] ، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [النمل : 63] ، ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام : 1] ، ويعبّر بها عن الجهل والشّرك والفسق، كما يعبّر بالنّور عن أضدادها.
قال الله تعالى: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة : 257] ، ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم : 5] ، ﴿فَنادى فِي الظُّلُماتِ﴾ [الأنبياء : 87] ، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ﴾ [الأنعام : 122] ، هو كقوله: ﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمى﴾ [الرعد : 19] ، وقوله في سورة الأنعام: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ﴾ [الأنعام : 39] ، فقوله: فِي الظُّلُماتِ
هاهنا موضوع موضع العمى في قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة : 18] ، وقوله: ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر : 6] ، أي: البطن والرّحم والمشيمة، وَأَظْلَمَ فلانُ: حصل في ظُلْمَةٍ. قال تعالى: ﴿فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس : 37] ، وَالظُّلْمُ عند أهل اللّغة وكثير من العلماء: وضع الشيء في غير موضعه المختصّ به، إمّا بنقصان أو بزيادة، وإمّا بعدول عن وقته أو مكانه، ومن هذا يقال: ظَلَمْتُ السِّقَاءَ: إذا تناولته في غير وقته، ويسمّى ذلك اللّبن الظَّلِيمَ.
وظَلَمْتُ الأرضَ: حفرتها ولم تكن موضعا للحفر، وتلك الأرض يقال لها: المَظْلُومَةُ، والتّراب الّذي يخرج منها: ظَلِيمٌ. والظُّلْمُ يقال في مجاوزة الحقّ الذي يجري مجرى نقطة الدّائرة، ويقال فيما يكثر وفيما يقلّ من التّجاوز، ولهذا يستعمل في الذّنب الكبير، وفي الذّنب الصّغير، ولذلك قيل لآدم في تعدّيه ظالم(١) ، وفي إبليس ظالم، وإن كان بين الظُّلْمَيْنِ بون بعيد. قال بعض الحكماء: الظُّلْمُ ثلاثةٌ: الأوّل: ظُلْمٌ بين الإنسان وبين الله تعالى، وأعظمه: الكفر والشّرك والنّفاق، ولذلك قال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان : 13] ، وإيّاه قصد بقوله: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود : 18] ، ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ [الإنسان : 31] ، في آي كثيرة، وقال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ [الزمر : 32] ، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ [الأنعام : 93] .
والثاني: ظُلْمٌ بينه وبين الناس، وإيّاه قصد بقوله: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ إلى قوله: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(٢) ، وبقوله: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى : 42] ، وبقوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً﴾ [الإسراء : 33] .
والثالث: ظُلْمٌ بينه وبين نفسه، وإيّاه قصد بقوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر : 32] ، وقوله: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [النمل : 44] ، ﴿إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء : 64] ، ﴿فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة : 35] ، أي: من الظَّالِمِينَ أنفسهم، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة : 231] .
وكلّ هذه الثّلاثة في الحقيقة ظُلْمٌ للنّفس، فإنّ الإنسان في أوّل ما يهمّ بالظُّلْمِ فقد ظَلَمَ نفسه، فإذا الظَّالِمُ أبدا مبتدئ في الظُّلْمِ، ولهذا قال تعالى في غير موضع: ﴿ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل : 33] ، ﴿وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة : 57] ، وقوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام : 82] ، فقد قيل: هو الشّرك، بدلالة أنه لمّا نزلت هذه الآية شقّ ذلك على أصحاب النبيّ عليه السلام، وقال لهم: «ألم تروا إلى قوله: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ»(٣) ، وقوله: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ [الكهف : 33] ، أي: لم تنقص، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [الزمر : 47] ، فإنه يتناول الأنواع الثّلاثة من الظُّلْمِ، فما أحد كان منه ظُلْمٌ مّا في الدّنيا إلّا ولو حصل له ما في الأرض ومثله معه لكان يفتدي به، وقوله: ﴿هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى﴾ [النجم : 52] ، تنبيها أنّ الظُّلْمَ لا يغني ولا يجدي ولا يخلّص بل يردي بدلالة قوم نوح. وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ﴾ [غافر : 31] ، وفي موضع: ﴿وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق : 29] ، وتخصيص أحدهما بالإرادة مع لفظ العباد، والآخر بلفظ الظَّلَّامِ للعبيد يختصّ بما بعد هذا الكتاب(٤) . والظَّلِيمُ: ذَكَرُ النعامِ، وقيل: إنّما سمّي بذلك لاعتقادهم أنه مَظْلُومٌ، للمعنى الذي أشار إليه الشاعر:
307- فصرت كالهيق عدا يبتغي ... قرنا فلم يرجع بأذنين(٥)
والظَّلْمُ: ماء الأسنان. قال الخليل(٦) : لقيته أوّل ذي ظَلَمٍ، أو ذي ظَلَمَةٍ، أي: أوّل شيء سدّ بصرك، قال: ولا يشتقّ منه فعل، ولقيته أدنى ظَلَمٍ كذلك.
(١) وذلك في قوله تعالى: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ سورة البقرة: آية 35.
وقوله: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا﴾ [الأعراف : 23] ولا يقال ذلك إلا مع الآية دون الإطلاق.
(٢) الآية: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ 162.
رعد
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
رعد
الرَّعْدُ صوت السّحاب، وروي (أنه ملك يسوق السّحاب)(١) . وقيل رَعَدَتِ السّماءُ وبرقت، وأَرْعَدَتْ وأبرقت، ويكنّى بهما عن التّهدّد. ويقال: صلف تحت رَاعِدَةٍ(٢) : لمن يقول ولا يحقّق. والرِّعْدِيدُ: المضطرب جبنا، وقيل: أُرْعِدَتْ فرائصه خوفا(٣) .
(١) أخرجه أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي وغيرهم عن ابن عباس قال: أقبلت يهود إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم، إنا نسألك عن خمسة أشياء ...
ثم قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: ملك من ملائكة الله موكّل بالسحاب، بيده مخراق من نار، يزجر به السحاب، يسوقه حيث أمره الله ... إلخ. انظر: الدر المنثور 4/ 621، وعارضة الأحوذي 11/ 284 وقال الترمذي حسن غريب، ومسند أحمد 1/ 274.
(٢) هذا مثل يقال للذي يكثر الكلام ولا خير عنده. انظر: المجمل 2/ 385، والمستقصى 2/ 96.
(٣) راجع: المجمل 2/ 385.
برق
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
برق
البَرْقُ: لمعان السحاب، قال تعالى: ﴿فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [البقرة : 19] . يقال: بَرِقَ وأَبْرَقَ(١) ، وبَرَقَ يقال في كل ما يلمع، نحو: سيف بَارِقٌ، وبَرَقَ وبَرِقَ يقال في العين إذا اضطربت وجالت من خوف قال عزّ وجل: ﴿فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ [القيامة : 7] ، وقرئ: (برق)(٢) ، وتصوّر منه تارة اختلاف اللون فقيل البُرْقَة للأرض ذات حجارة مختلفة الألوان، والأبرق: الجبل فيه سواد وبياض، وسمّوا العين بَرْقَاء لذلك، وناقة بَرُوق: تلمع بذنبها، والبَرُوقَة: شجرة تخضر إذا رأت السحاب، وهي التي يقال فيها: أشكر من بروقة(٣) . وبَرَقَ طعامه بزيت: إذا جعل فيه قليلا يلمع منه، والبارقة والأُبَيْرِق: السيف، للمعانه، والبُرَاق، قيل: هو دابة ركبها النبيّ ﷺ لمّا عرج به، والله أعلم بكيفيته، والإِبْريق معروف، وتصوّر من البرق ما يظهر من تجويفه، وقيل: بَرَقَ فلان ورعد، وأَبْرَقَ وأرعد: إذا تهدّد.
(١) أجاز أبو عمر وأبو عبيدة: أبرق وأرعد ولم يجزه الأصمعي.
(٢) وهي قراءة نافع وأبي جعفر المدنيّين. راجع: الإتحاف ص 428.
(٣) راجع المثل في المجمل 1/ 121، وأساس البلاغة ص 20، ومجمع الأمثال 1/ 388.
جعل
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
جعل
جَعَلَ: لفظ عام في الأفعال كلها، وهو أعمّ من فعل وصنع وسائر أخواتها، ويتصرّف على خمسة أوجه: الأول: يجري مجرى صار وطفق فلا يتعدّى، نجو جعل زيد يقول كذا(١) ، قال الشاعر:
93- فقد جعلت قلوص بني سهيل ... من الأكوار مرتعها قريب(٢)
والثاني: يجري مجرى أوجد، فيتعدّى إلى مفعول واحد نحو قوله عزّ وجل: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام : 1] ، ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [النحل : 78] .
والثالث: في إيجاد شيء من شيء وتكوينه منه، نحو: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً﴾ [النحل : 72] ، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً﴾ [النحل : 81] ، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا﴾ [الزخرف : 10] .
والرابع: في تصيير الشيء على حالة دون حالة، نحو: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً﴾ [البقرة : 22] ، وقوله: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا﴾ [النحل : 81] ، ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾ [نوح : 16] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف : 3] .
والخامس: الحكم بالشيء على الشيء، حقا كان أو باطلا، فأمّا الحقّ فنحو قوله تعالى: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص : 7] ، وأمّا الباطل فنحو قوله عزّ وجل: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً﴾ [الأنعام : 136] ، ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ﴾ [النحل : 57] ، ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر : 91] .
والجِعَالَة الجُعَالَة: خرقة ينزّل بها القدر، والجُعْل والجَعَالَة والجَعِيلَة: ما يجعل للإنسان بفعله فهو أعمّ من الأجرة والثواب، وكلب مُجْعِل، كناية عن طلب السفاد، والجُعَل: دويبة.
(١) وهذا الباب نقل السيوطي جلّه في الإتقان 2/ 210.
(٢) البيت لرجل من بحتر بن عتود، وهو في الخزانة 9/ 352، ومغني اللبيب ص 310، وشفاء العليل بشرح التسهيل 1/ 345، والأشموني 1/ 259.
أصبع
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
أصبع
الإصبع(١) : اسم يقع على السلامي والظفر والأنملة والأطرة والبرجمة معا، ويستعار للأثر الحسيّ فيقال: لك على فلان إصبع(٢) ، كقولك: لك عليه يد.
(١) وقد نظم ابن مالك لغات الإصبع فقال: تثليث با إصبع مع شكل همزته ... بغير قيد مع الأصبوع قد نقلا [استدراك] انظر: التسهيل ص 35. وكان القياس أن تذكر في مادة صبغ لأن الهمزة زائدة.
(٢) وفي اللسان: يقال: فلان من الله عليه إصبع حسنة، أي: أثر نعمة حسنة، وعليه منك إصبع حسنة، أي: أثر حسن.
أذن
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
أذن
الأذن: الجارحة، وشبّه به من حيث الحلقة أذن القدر وغيرها، ويستعار لمن كثر استماعه وقوله لما يسمع، قال تعالى: وَيَقُولُونَ: هُوَ أُذُنٌ قُلْ: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ [التوبة : 61] أي: استماعه لما يعود بخيرٍ لكم، وقوله تعالى: ﴿وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً﴾ [الأنعام : 25] إشارة إلى جهلهم لا إلى عدم سمعهم.
وأَذِنَ: استمع، نحو قوله: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق : 2] ، ويستعمل ذلك في العلم الذي يتوصل إليه بالسماع، نحو قوله: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة : 279] .
والأُذن والأذان لما يسمع، ويعبّر بذلك عن العلم، إذ هو مبدأ كثيرٍ من العلم فينا، قال الله تعالى: ﴿ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة : 49] ، وقال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ [إبراهيم : 7] .
وأذنته بكذا وآذنته بمعنى.
والمُؤَذِّنُ: كل من يعلم بشيءٍ نداءً، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ [يوسف : 70] ، ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ [الأعراف : 44] ، ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج : 27] .
والأذين: المكان الذي يأتيه الأذان(١) ،
والإِذنُ في الشيء: إعلام بإجازته والرخصة فيه، نحو، ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء : 64] أي: بإرادته وأمره، وقوله: ﴿وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران : 166] ، وقوله: ﴿وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة : 102] ، ﴿وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة : 10] قيل: معناه: بعلمه، لكن بين العلم والإذن فرق، فإنّ الإذن أخصّ، ولا يكاد يستعمل إلا فيما فيه مشيئة به، راضياً منه الفعل أم لم يرض به(٢) ، فإنّ قوله: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [يونس : 100] فمعلوم أنّ فيه مشيئته وأمره، وقوله: ﴿وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة : 102] ففيه مشيئته من وجهٍ، وهو أنه لا خلاف أنّ الله تعالى أوجد في الإنسان قوة فيها إمكان قبول الضرب من جهة من يظلمه فيضرّه، ولم يجعله كالحجر الذي لا يوجعه الضرب، ولا خلاف أنّ إيجاد هذا الإمكان من فعل الله، فمن هذا الوجه يصح أن يقال: إنه بإذن الله ومشيئته يلحق الضرر من جهة الظالم، ولبسط هذا الكلام كتاب غير هذا(٣) .
والاستئذان: طلب الإذن، قال تعالى: ﴿إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة : 45] ، ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ﴾ [النور : 62] .
* و«إِذَنْ» جواب وجزاء،
ومعنى ذلك أنّه يقتضي جواباً أو تقدير جواب، ويتضمن ما يصحبه من الكلام جزاءً، ومتى صدّر به الكلام وتعقّبه فعل مضارع ينصبه لا محالة، نحو: إذن أخرج، ومتى تقدّمه كلام ثم تبعه فعل مضارع يجوز نصبه ورفعه(٤) أنا إذن أخرج وأخرج، ومتى تأخّر عن الفعل أو لم يكن معه الفعل المضارع لم يعمل، نحو: أنا أخرج إذن، قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ [النساء : 140] .
(١) انظر: المجمل 1/ 91، واللسان (أذن) 13/ 10.
(٢) في المخطوطة: ضامّه الفعل أم لم يضامه.
(٣) ومحل هذا كتب الكلام، وتفاسير القرآن المطولة، كشرح الفقه الأكبر للقاري، وتفسير الرازي.
(٤) قال ابن مالك في ألفيته: ونصبوا بإذن المستقبلا ... إن صدّرت والفعل بعد موصلا
أو قبله اليمين وانصب وارفعا ... إذا إذن من بعد عطفٍ وقعا
صعق
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
صعق
الصَّاعِقَةُ والصّاقعة يتقاربان، وهما الهدّة الكبيرة، إلّا أن الصّقع يقال في الأجسام الأرضيّة، والصَّعْقَ في الأجسام العُلويَّةِ. قال بعض أهل اللّغة: الصَّاعِقَةُ على ثلاثة أوجه:
1- الموت، كقوله: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر : 68] ، وقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ [النساء : 153] .
2- والعذاب، كقوله: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت : 13] .
3- والنار، كقوله: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ﴾ [الرعد : 13] . وما ذكره فهو أشياء حاصلة من الصَّاعِقَةِ، فإنّ الصَّاعِقَةَ هي الصّوت الشّديد من الجوّ، ثم يكون منها نار فقط، أو عذاب، أو موت، وهي في ذاتها شيء واحد، وهذه الأشياء تأثيرات منها.
حذر
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
حذر
الحَذَر: احتراز من مخيف، يقال: حَذِرَ حَذَراً، وحذرته، قال عزّ وجل: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ [الزمر : 9] ، وقرئ: وإنّا لجميع حَذِرُون، وحاذِرُونَ(١) ، وقال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران : 28] ، وقال عزّ وجل: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء : 71] ، أي: ما فيه الحذر من السلاح وغيره، وقوله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون : 4] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن : 14] ، وحَذَارِ، أي: احذر، نحو: مناع، أي: امنع.
(١) سورة الشعراء: آية 56. وقرأ حاذِرُونَ ابن ذكوان وهشام من طريق الداجوني، وعاصم وحمزة والكسائي وخلف، وقرأ الباقون حذرون. راجع: الإتحاف ص 232.
موت
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
موت
أنواع الموت بحسب أنواع الحياة: فالأوّل: ما هو بإزاء القوَّة النامية الموجودة في الإنسان والحيوانات والنّبات. نحو قوله تعالى: يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها [الروم : 19] ، ﴿وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً﴾ [ق : 11] .
الثاني: زوال القوّة الحاسَّة. قال: ﴿يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا﴾ [مريم : 23] ، ﴿أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم : 66] .
الثالث: زوال القوَّة العاقلة، وهي الجهالة.
نحو: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام : 122] ، وإيّاه قصد بقوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى﴾ [النمل : 80] .
الرابع: الحزن المكدِّر للحياة، وإيّاه قصد بقوله: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ
بِمَيِّتٍ [إبراهيم : 17] .
الخامس: المنامُ، فقيل: النّوم مَوْتٌ خفيف، والموت نوم ثقيل، وعلى هذا النحو سمّاهما الله تعالى توفِّيا. فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام : 60] ، ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾ [الزمر : 42] ، وقوله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ﴾ [آل عمران : 169] فقد قيل: نفي الموت هو عن أرواحهم فإنه نبّه على تنعّمهم، وقيل: نفى عنهم الحزن المذكور في قوله: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ﴾ [إبراهيم : 17] ، وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران : 185] فعبارة عن زوال القوّة الحيوانيَّة وإبانة الرُّوح عن الجسد، وقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر : 30] فقد قيل: معناه: ستموت، تنبيها أن لا بدّ لأحد من الموت كما قيل:
429- والموت حتم في رقاب العباد(١)
وقيل: بل الميّت هاهنا ليس بإشارة إلى إبانة الرُّوح عن الجسد، بل هو إشارة إلى ما يعتري الإنسان في كلّ حال من التّحلُّل والنَّقص، فإن البشر ما دام في الدّنيا يموت جزءا فجزءا، كما قال الشاعر:
430- يموت جزءا فجزءا(٢)
وقد عَبَّرَ قوم عن هذا المعنى بِالْمَائِتِ، وفصلوا بين الميّت والمائت، فقالوا: المائت هو المتحلّل، قال القاضي عليّ بن عبد العزيز(٣) : ليس في لغتنا مائت على حسب ما قالوه، والْمَيْتُ: مخفَّف عن الميِّت، وإنما يقال: موتٌ مائتٌ، كقولك: شِعْرٌ شَاعِرٌ، وسَيْلٌ سَائِلٌ، ويقال: بَلَدٌ مَيِّتٌ ومَيْتٌ، قال تعالى: ﴿فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [فاطر : 9] ، ﴿بَلْدَةً مَيْتاً﴾ [الزخرف : 11] وَالمَيْتةُ من الحَيوان: ما زال روحه بغير تذكية، قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة : 3] ، ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام : 145] والْمَوَتَانُ بإزاء الحيوان، وهي الأرض التي لم تَحْيَ للزَّرع، وأرض مَوات. ووقع في الإبل مَوَتَانٌ كثير، وناقة مُميتةٌ، ومُميتٌ: مات ولدها، وإِمَاتَةُ الخمر: كناية عن طَبْخها، والمُسْتَمِيتُ المتعرِّض للموت، قال الشاعر:
431- فأعطيت الجعالة مستميتا(٤)
والمَوْتَةُ: شِبه الجنون، كأنه من موْتِ العلم والعقل، ومنه: رجل مَوْتَانُ القلب، وامرأة مَوْتانةٌ.
(١) هذا عجز بيت، وقبله: شرّده الخوف وأزرى به ... كذاك من يكره حرّ الجلاد
منخرق الكفين يشكو الوجى ... تنكبه أطراف مرو حداد
قد كان في الموت له راحة ... والموت حتم في رقاب العباد
وهذه الأبيات كان زيد بن علي يتمثل بها، وهي في البيان والتبيين 4/ 58- 59، والشطر في عمدة الحفاظ (موت) ، وهي لمحمد بن عبد الله في زهر الآداب 1/ 39.
(٢) لم أجده.
(٣) القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني، كان قاضي القضاة بالري، وهو من الفقهاء الشافعية. وصاحب القصيدة الشهيرة التي يقول فيها: يقولون لي: فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلا عن موقف الذل أحجما
توفي سنة 366 هـ. انظر: أخباره في وفيات الأعيان 3/ 278، وطبقات الشافعية 3/ 459، ومعجم الأدباء 14/ 14.
(٤) هذا شطر بيت لشقيق بن سليك الأسدي، وعجزه: خفيف الحاذ من فتيان جرم
وهو في شرح الحماسة للتبريزي 2/ 142، وقد تقدّم في مادة (جعل) .
أله
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
أله
الله: قيل: أصله إله فحذفت همزته، وأدخل عليها الألف واللام، فخصّ بالباري تعالى، ولتخصصه به قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم : 65] . وإله جعلوه اسما لكل معبود لهم، وكذا اللات، وسمّوا الشمس إِلَاهَة(١) لاتخاذهم إياها معبودا.
وأَلَهَ فلان يَأْلُهُ الآلهة: عبد، وقيل: تَأَلَّهَ.
فالإله على هذا هو المعبود(٢) . وقيل: هو من: أَلِهَ، أي: تحيّر، وتسميته بذلك إشارة إلى ما قال أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه: (كلّ دون صفاته تحبير الصفات، وضلّ هناك تصاريف اللغات) وذلك أنّ العبد إذا تفكّر في صفاته تحيّر فيها، ولهذا روي: «تفكّروا في آلاء الله ولا تفكّروا في الله»(٣) .
وقيل: أصله: ولاه، فأبدل من الواو همزة، وتسميته بذلك لكون كل مخلوق والها نحوه، إمّا بالتسخير فقط كالجمادات والحيوانات، وإمّا بالتسخير والإرادة معا كبعض الناس، ومن هذا الوجه قال بعض الحكماء: الله محبوب الأشياء كلها(٤) ، وعليه دلّ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء : 44] .
وقيل: أصله من: لاه يلوه لياها، أي: احتجب. قالوا: وذلك إشارة إلى ما قال تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ﴾ [الأنعام : 103] ، والمشار إليه بالباطن في قوله: ﴿وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ﴾ [الحديد : 3] . وإِلَهٌ حقّه ألا يجمع، إذ لا معبود سواه، لكن العرب لاعتقادهم أنّ هاهنا معبودات جمعوه، فقالوا: الآلهة. قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا﴾ [الأنبياء : 43] ، وقال: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف : 127] وقرئ: (وإلاهتك)(٥) أي: عبادتك. ولاه أنت، أي: لله، وحذف إحدى اللامين.
«اللهم» قيل: معناه: يا الله، فأبدل من الياء في أوله الميمان في آخره(٦) ، وخصّ بدعاء الله، وقيل: تقديره: يا الله أمّنا بخير(٧) ، مركّب تركيب حيّهلا.
(١) وقال في ذلك ابن مالك في مثلّثه: والشمس سمّاها صدوق النبأة ... إلاهة واضممه للإضراب
(٢) وفي ذلك يقول الفقيه محمد سيد بن أبت اليعقوبي الشنقيطي رحمه الله: الله مشتق وقيل: مرتجل ... وهو أعرف المعرّفات جل
أله أي: عبد، أو من الأله ... وهو اعتماد الخلق أو من الوله
أو المحجّب عن العيان ... من: لاهت العروس في البنيان
أو أله الحيران من قول العرب ... أو من: ألهت، أي: سكنت للأرب.
(٣) الحديث رواه أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس بلفظ: «تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله» ورواه ابن أبي شيبة في كتاب العرش ص 59 من قوله عن ابن عباس بلفظ: «تفكروا في كل شيء ولا تتفكروا في الله» .
وجاء أحاديث كثيرة بمعناها قال العجلوني: وأسانيدها ضعيفة لكن اجتماعها يكسبه قوة، ومعناه صحيح.
راجع: كشف الخفاء 1/ 311، والنهاية في غريب الحديث 1/ 63.
(٤) انظر: عمدة الحفاظ: (أله) .
(٥) وبها قرأ عليّ بن أبي طالب وابن عباس والضحاك، وهي قراءة شاذة، راجع: القرطبي 7/ 262.
(٦) وهذا قول الخليل رحمه الله، انظر: اللسان (أله) ، ومعاني الفراء 1/ 203، والغريبين للهروي 1/ 79.
(٧) وهذا قول الفراء، ذكره في معاني القرآن 1/ 203.
حيط
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
حيط
الحائط: الجدار الذي يَحُوط بالمكان، والإحاطة تقال على وجهين: أحدهما: في الأجسام نحو: أَحَطْتُ بمكان كذا، أو تستعمل في الحفظ نحو: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت : 54] ، أي: حافظ له من جميع جهاته، وتستعمل في المنع نحو: ﴿إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف : 66] ، أي: إلّا أن تمنعوا، وقوله: ﴿أَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة : 81] ، فذلك أبلغ استعارة، وذاك أنّ الإنسان إذا ارتكب ذنبا واستمرّ عليه استجرّه إلى معاودة ما هو أعظم منه، فلا يزال يرتقي حتى يطبع على قلبه، فلا يمكنه أن يخرج عن تعاطيه.
والاحتياط: استعمال ما فيه الحياطة، أي: الحفظ.
والثاني: في العلم نحو قوله: ﴿أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [الطلاق : 12] ، وقوله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران : 120] ، وقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [هود : 92] . والإحاطة بالشيء علما هي أن تعلم وجوده وجنسه وقدره وكيفيّته، وغرضه المقصود به وبإيجاده، وما يكون به ومنه، وذلك ليس إلّا لله تعالى، وقال عزّ وجلّ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس : 39] ، فنفى ذلك عنهم. وقال صاحب موسى: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ [الكهف : 68] ، تنبيها أنّ الصّبر التّامّ إنّما يقع بعد إحاطة العلم بالشيء، وذلك صعب إلّا بفيض إلهيّ.
وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس : 22] ، فذلك إحاطة بالقدرة، وكذلك قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها﴾ [الفتح : 21] ، وعلى ذلك قوله: ﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ [هود : 84] .
كفر
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
كفر
الكُفْرُ في اللّغة: ستر الشيء، ووصف الليل بِالْكَافِرِ لستره الأشخاص، والزّرّاع لستره البذر في الأرض، وليس ذلك باسم لهما كما قال بعض أهل اللّغة لمّا سمع:
387- ألقت ذكاء يمينها في كافر(١)
والْكَافُورُ: اسم أكمام الثّمرة التي تَكْفُرُهَا، قال الشاعر:
388- كالكرم إذ نادى من الكَافُورِ(٢)
وكُفْرُ النّعمة وكُفْرَانُهَا: سترها بترك أداء شكرها، قال تعالى: ﴿فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ [الأنبياء : 94] . وأعظم الكُفْرِ: جحود الوحدانيّة أو الشريعة أو النّبوّة، والكُفْرَانُ في جحود النّعمة أكثر استعمالا، والكُفْرُ في الدّين أكثر، والكُفُورُ فيهما جميعا قال: ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُوراً﴾ [الإسراء : 99] ، ﴿فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً﴾ [الفرقان : 50] ويقال منهما: كَفَرَ فهو كَافِرٌ. قال في الكفران: ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل : 40] ، وقال: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة : 152] ، وقوله: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ [الشعراء : 19] أي: تحرّيت كفران نعمتي، وقال: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم : 7] ولمّا كان الكفران يقتضي جحود النّعمة صار يستعمل في الجحود، قال: ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة : 41] أي: جاحد له وساتر، والكَافِرُ على الإطلاق متعارف فيمن يجحد الوحدانيّة، أو النّبوّة، أو الشريعة، أو ثلاثتها، وقد يقال: كَفَرَ لمن أخلّ بالشّريعة، وترك ما لزمه من شكر الله عليه. قال: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ [الروم : 44] يدلّ على ذلك مقابلته بقوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم : 44] ، وقال: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ﴾ [النحل : 83] ، وقوله: ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة : 41] أي: لا تكونوا أئمّة في الكفر فيقتدى بكم، وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ [النور : 55] عني بالكافر السّاتر للحقّ، فلذلك جعله فاسقا، ومعلوم أنّ الكفر المطلق هو أعمّ من الفسق، ومعناه: من جحد حقّ الله فقد فسق عن أمر ربّه بظلمه. ولمّا جعل كلّ فعل محمود من الإيمان جعل كلّ فعل مذموم من الكفر، وقال في السّحر: ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة : 102] وقوله: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا، إلى قوله: كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة : 275-276](٣) وقال: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ إلى قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ [آل عمران : 97](٤) والكَفُورُ: المبالغ في كفران النعمة، وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ [الزخرف : 15] ، وقال: ﴿ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ : 17] إن قيل: كيف وصف الإنسان هاهنا بالكفور، ولم يرض بذلك حتى أدخل عليه إنّ، واللّام، وكلّ ذلك تأكيد، وقال في موضع وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ [الحجرات : 7] ، فقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف : 15] تنبيه على ما ينطوي عليه الإنسان من كفران النّعمة، وقلّة ما يقوم بأداء الشّكر، وعلى هذا قوله: ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ﴾ [عبس : 17] ولذلك قال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ : 13] ، وقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان : 3] تنبيه أنه عرّفه الطّريقين كما قال: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد : 10] فمن سالك سبيل الشّكر، ومن سالك سبيل الكفر، وقوله: ﴿وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ [الإسراء : 27] فمن الكفر، ونبّه بقوله: كانَ أنه لم يزل منذ وجد منطويا على الكفر. والْكَفَّارُ أبلغ من الكفور لقوله: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق : 24] وقال: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة : 276] ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر : 3] ، ﴿إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح : 27] وقد أجري الكفّار مجرى الكفور في قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم : 34] . والكُفَّارُ في جمع الكافر المضادّ للإيمان أكثر استعمالا كقوله: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح : 29] ، وقوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح : 29] .
والكَفَرَةُ في جمع كافر النّعمة أشدّ استعمالا، وفي قوله: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس : 42] ألا ترى أنه وصف الكفرة بالفجرة؟
والفجرة قد يقال للفسّاق من المسلمين. وقوله: ﴿جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ﴾ [القمر : 14] أي: من الأنبياء ومن يجري مجراهم ممّن بذلوا النّصح في أمر الله فلم يقبل منهم. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء : 137] قيل: عني بقوله إنهم آمنوا بموسى، ثمّ كفروا بمن بعده. والنصارى آمنوا بعيسى، ثمّ كفروا بمن بعده. وقيل: آمنوا بموسى ثم كفروا بموسى إذ لم يؤمنوا بغيره، وقيل: هو ما قال: وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي إلى قوله: ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران : 72](٥) ولم يرد أنّهم آمنوا مرّتين وكفروا مرّتين، بل ذلك إشارة إلى أحوال كثيرة. وقيل: كما يصعد الإنسان في الفضائل في ثلاث درجات ينعكس في الرّذائل في ثلاث درجات. والآية إشارة إلى ذلك، وقد بيّنته في كتاب «الذّريعة إلى مكارم الشّريعة»(٦) .
ويقال: كَفَرَ فلانٌ: إذا اعتقد الكفر، ويقال ذلك إذا أظهر الكفر وإن لم يعتقد، ولذلك قال: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ [النحل : 106] ويقال: كَفَرَ فلان بالشّيطان: إذا كفر بسببه، وقد يقال ذلك إذا آمن وخالف الشّيطان، كقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة : 256] وأَكْفَرَهُ إِكْفَاراً: حكم بكفره، وقد يعبّر عن التّبرّي بالكفر نحو: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ ...
الآية [العنكبوت : 25] ، وقوله تعالى: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم : 22] ، وقوله: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ﴾ [الحديد : 20] قيل: عنى بالكفّار الزّرّاع(٧) ، لأنّهم يغطّون البذر في التّراب ستر الكفّار حقّ الله تعالى بدلالة قوله: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح : 29] ولأنّ الكافر لا اختصاص له بذلك. وقيل: بل عنى الكفار، وخصّهم بكونهم معجبين بالدّنيا وزخارفها وراكنين إليها.
والْكَفَّارَةُ: ما يغطّي الإثم، ومنه: كَفَّارَةُ اليمين نحو قوله: ﴿ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة : 89] وكذلك كفّارة غيره من الآثام ككفارة القتل والظّهار. قال: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾ [المائدة : 89] والتَّكْفِيرُ: ستره وتغطيته حتى يصير بمنزلة ما لم يعمل، ويصحّ أن يكون أصله إزالة الكفر والكفران، نحو: التّمريض في كونه إزالة للمرض، وتقذية العين في إزالة القذى عنه، قال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ [المائدة : 65] ، ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النساء : 31] وإلى هذا المعنى أشار بقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود : 114] وقيل: صغار الحسنات لا تكفّر كبار السّيّئات، وقال: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ [آل عمران : 195] ، ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الزمر : 35] ويقال: كَفَرَتِ الشمس النّجومَ: سترتها، ويقال الْكَافِرُ للسّحاب الذي يغطّي الشمس والليل، قال الشاعر:
389- ألقت ذكاء يمينها في كافر(٨)
وتَكَفَّرَ في السّلاح. أي: تغطّى فيه، والْكَافُورُ: أكمام الثمرة. أي: التي تكفُرُ الثّمرةَ، قال الشاعر:
390- كالكرم إذ نادى من الكافور(٩)
والْكَافُورُ الذي هو من الطّيب. قال تعالى: ﴿كانَ مِزاجُها كافُوراً﴾ [الإنسان : 5] .
(١) هذا عجز بيت لثعلبة بن صعير المازني، وشطره: فتذكّرت ثقلا رثيدا بعد ما
وهو من مفضليته التي مطلعها: هل عند عمرة من بتات مسافر ... ذي حاجة متروّح أو باكر
والبيت في المفضليات ص 130، واللسان (كفر) ، والأفعال 2/ 174.
(٢) الرجز للعجاج، وهو في اللسان (كفر) ، وتهذيب اللغة 10/ 201.
(٣) الآية: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا، فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ، وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ، وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ.
(٤) الآية: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ.
(٥) قالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.
(٦) قال الراغب في كتاب «الذريعة» : وللإنسان مع كل فضيلة ورذيلة ثلاثة أحوال: إمّا أن يكون في ابتدائها، فيقال: هو عبدها وابنها، ولهذا قال بعضهم: من لم يخدم العلم لم يرعه. والثاني: أن يتوسطها فيقال: هو أخوها وصاحبها.
والثالث: أن ينتهي فيها بقدر وسعه، ويتصرف فيها كما أراد، فيقال: هو ربّها وسيدها. انظر: كتاب الذريعة إلى مكارم الشريعة ص 44.
(٧) وهذا قول ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن ص 454.
(٨) تقدم قريبا ص 714.
(٩) الشطر تقدّم قريبا ص 714.