(وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ). سورة البقرة، الآية: ٥٨
التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ عَطْفُ ﴿وظَلَّلْنا﴾ عَلى ﴿بَعَثْناكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦] وتَعْقِيبُ ذِكْرِ الوَحْشَةِ بِذِكْرِ جائِزَةٍ شَأْنُ الرَّحِيمِ في تَرْبِيَةِ عَبْدِهِ، والظّاهِرُ أنَّ تَظْلِيلَ الغَمامِ ونُزُولَ المَنِّ والسَّلْوى كانَ قَبْلَ سُؤالِهِمْ رُؤْيَةَ اللَّهِ جَهْرَةً لِأنَّ التَّوْراةَ ذَكَرَتْ نُزُولَ المَنِّ والسَّلْوى حِينَ دُخُولِهِمْ في بَرِّيَّةِ سِينَ بَيْنَ إيلِيمَ وسِينا في اليَوْمِ الثّانِيَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ الثّانِي مِن خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ حِينَ اشْتاقُوا أكْلَ الخُبْزِ واللَّحْمِ لِأنَّهم في رِحْلَتِهِمْ ما كانُوا يَطْبُخُونَ بَلِ الظّاهِرُ أنَّهم كانُوا يَقْتاتُونَ مِن ألْبانِ مَواشِيهِمُ الَّتِي أخْرَجُوها مَعَهم ومِمّا تُنْبِتُهُ الأرْضُ. وأمّا تَظْلِيلُهم بِالغَمامِ فالظّاهِرُ أنَّهُ وقَعَ بَعْدَ أنْ سَألُوا رُؤْيَةَ اللَّهِ لِأنَّ تَظْلِيلَ الغَمامِ وقَعَ بَعْدَ أنْ نَصَبَ لَهم مُوسى خَيْمَةَ الِاجْتِماعِ مَحَلَّ القَرابِينِ ومَحَلَّ مُناجاةِ مُوسى وقِبْلَةَ الدّاعِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في بَرِّيَّةِ سِينا فَلَمّا تَمَّتِ الخَيْمَةُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ مِن خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ غَطَّتْ سَحابَةٌ خَيْمَةَ الشَّهادَةِ ومَتى ارْتَفَعَتِ السَّحابَةُ عَنِ الخَيْمَةِ فَذَلِكَ إذْنٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِالرَّحِيلِ فَإذا حَلَّتِ السَّحابَةُ حَلُّوا إلَخْ. كَذا تَقُولُ كُتُبُهم.
فَلَمّا سَألَ بَنُو إسْرائِيلَ الخُبْزَ واللَّحْمَ كانَ المَنُّ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ في الصَّباحِ والسَّلْوى تَسْقُطُ عَلَيْهِمْ في المَساءِ بِمِقْدارِ ما يَكْفِي جَمِيعَهم لِيَوْمِهِ أوْ لَيْلَتِهِ إلّا يَوْمَ الجُمْعَةِ فَيَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِنهُما ضِعْفُ الكِمِّيَّةِ لِأنَّ في السَّبْتِ انْقِطاعَ النُّزُولِ.
والمَنُّ مادَّةٌ صَمْغِيَّةٌ جَوِّيَّةٌ يَنْزِلُ عَلى شَجَرِ البادِيَةِ شِبْهُ الدَّقِيقِ المَبْلُولِ، فِيهِ حَلاوَةٌ إلى الحُمُوضَةِ ولَوْنُهُ إلى الصُّفْرَةِ ويَكْثُرُ بِوادِي تِرْكِسْتانَ، وقَدْ يَنْزِلُ بِقِلَّةٍ غَيْرِها ولَمْ يَكُنْ يُعْرَفُ قَبْلُ في بَرِّيَّةِ سِينا. وقَدْ وصَفَتْهُ التَّوْراةُ بِأنَّهُ دَقِيقٌ مِثْلَ القُشُورِ يَسْقُطُ نَدًى كالجَلِيدِ عَلى الأرْضِ وهو مِثْلُ بِزْرِ الكُزْبَرَةِ أبْيَضُ وطَعْمُهُ كَرُقاقٍ بِعَسَلٍ، وسَمَّتْهُ بَنُو إسْرائِيلَ مَنًّا، وقَدْ أُمِرُوا أنْ لا يُبْقُوا مِنهُ لِلصَّباحِ لِأنَّهُ يَتَوَلَّدُ فِيهِ دُودٌ، وأنْ يَلْتَقِطُوهُ قَبْلَ أنْ تَحْمى الشَّمْسُ لِأنَّها تُذِيبُهُ فَكانُوا إذا التَقَطُوهُ طَحَنُوهُ بِالرَّحا أوْ دَقُّوهُ بِالهاوُنِ وطَبَخُوهُ في القُدُورِ وعَمِلُوهُ مِلّاتٍ وكانَ طَعْمُهُ كَطَعْمِ قَطائِفَ بِزَيْتٍ وأنَّهم أكَلُوهُ أرْبَعِينَ سَنَةً حَتّى جاءُوا إلى طَرَفِ أرْضِ كَنْعانَ؛ يُرِيدُ إلى حَبْرُونَ.
وأمّا السَّلْوى فَهي اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٌّ واحِدَتُهُ سَلْواةٌ وقِيلَ لا واحِدَ لَهُ وقِيلَ واحِدُهُ وجَمْعُهُ سَواءٌ وهو طائِرٌ بَرِّيٌّ لَذِيذُ اللَّحْمِ سَهْلُ الصَّيْدِ كانَتْ تَسُوقُهُ لَهم رِيحُ الجَنُوبِ كُلَّ مَساءٍ فَيُمْسِكُونَهُ قَبْضًا ويُسَمّى هَذا الطّائِرُ أيْضًا السُّمانى بِضَمِّ السِّينِ وفَتْحِ المِيمِ مُخَفَّفَةً بَعْدَها ألِفٌ فَنُونٌ مَقْصُورٌ كَحُبارى. وهو أيْضًا اسْمٌ يَقَعُ لِلْواحِدِ والجَمْعِ، وقِيلَ هو الجَمْعُ وأمّا المُفْرَدُ فَهو سُماناةٌ.
وقَوْلُهُ ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ لِأنَّ المُخاطَبِينَ حِينَ نُزُولِ القُرْآنِ لَمْ يُؤْمَرُوا بِذَلِكَ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ مِن بَقِيَّةِ الخَبَرِ عَنْ أسْلافِهِمْ.
وقَوْلُهُ ﴿وما ظَلَمُونا﴾ قَدَّرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ مَعْطُوفًا عَلى مُقَدَّرٍ أيْ ”فَظَلَمُوا“ وقَرَّرَهُ شارِحُوهُ بِأنَّ ”ما ظَلَمُونا“ نَفْيٌ لِظُلْمٍ مُتَعَلِّقٍ بِمَفْعُولٍ مُعَيَّنٍ وهو ضَمِيرُ الجَلالَةِ وهَذا النَّفْيُ يُفِيدُ في المَقامِ الخِطابِيِّ أنَّ هُنالِكَ ظُلْمًا مُتَعَلِّقًا بِغَيْرِ هَذا المَنصُوبِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنِ الظُّلْمُ واقِعًا لَنُفِيَ مُطْلَقًا بِأنْ يُقالَ (وما ظَلَمُوا) . ولَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ وأنَّهُ إنَّما قُدِّرَ في الكَشّافِ الفِعْلُ المَحْذُوفُ مُقْتَرِنًا بِالفاءِ لِأنَّ الفاءَ في عَطْفِ الجُمَلِ تُفِيدُ مَعَ التَّرْتِيبِ والتَّعْقِيبِ مَعْنى السَّبَبِيَّةِ غالِبًا، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ مُتَسَبِّبَةً عَنِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها؛ فَشَبَّهَ وُقُوعَ ظُلْمِهِمْ حِينَ كَفَرُوا النِّعْمَةَ عَقِبَ الإحْسانِ بِتَرَتُّبِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ في الحُصُولِ بِلا رَيْثٍ وبِدُونِ مُراقَبَةِ ذَلِكَ الإحْسانِ حَتّى كَأنَّهم يَأْتُونَ بِالظُّلْمِ جَزاءً لِلنِّعْمَةِ. ورَمَزَ إلى لَفْظِ المُشَبَّهِ بِهِ بِرَدِيفِهِ وهو فاءُ السَّبَبِيَّةِ وقَرِينَةُ ذَلِكَ ما يَعْلَمُهُ السّامِعُ مِن أنَّ الظُّلْمَ لا يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ مُسَبَّبًا عَنِ الإنْعامِ عَلى حَدِّ قَوْلِكَ (أحْسَنْتُ إلى فُلانٍ فَأساءَ إلَيَّ) . وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] أيْ تَجْعَلُونَ شُكْرَ رِزْقِكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ فالفاءُ مَجازٌ لِغَيْرِ التَّرَتُّبِ عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِكَ: أنْعَمْتُ عَلَيْهِ فَكَفَرَ. ولَكَ أنْ تَقُولَ إنَّ أصْلَ مَعْنى الفاءِ العاطِفَةِ التَّرْتِيبُ والتَّعْقِيبُ لا غَيْرَ وهو المَعْنى المُلازِمُ لَها في جَمِيعِ مَواقِعِ اسْتِعْمالِها فَإنَّ الِاطِّرادَ مِن عَلاماتِ الحَقِيقَةِ. وأمّا التَّرَتُّبُ أيِ السَّبَبِيَّةُ فَأمْرٌ عارِضٌ لَها فَهو مِنَ المَجازِ أوْ مِن مُسْتَتْبَعاتِ التَّراكِيبِ ألا تَرى أنَّهُ يُوجَدُ تارَةً ويَتَخَلَّفُ أُخْرى فَإنَّهُ مَفْقُودٌ في عَطْفِ المُفْرَداتِ نَحْوَ جاءَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو. وفي كَثِيرٍ مِن عَطْفِ الجُمَلِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ [ق: ٢٢] فَلِذَلِكَ كانَ مَعْنى السَّبَبِيَّةِ حَيْثُما اسْتُفِيدَ مُحْتاجًا إلى القَرائِنِ فَإنْ لَمْ تَتَطَلَّبْ لَهُ عَلاقَةً قُلْتَ: هو مِن مُسْتَتْبَعاتِ تَراكِيبٍ بِقَرِينَةِ المَقامِ وإنْ تَطَلَّبْتَ لَهُ عَلاقَةً - وهي لا تَعُوزُكُ - قُلْتَ: هو مَجازٌ لِأنَّ أكْثَرَ الأُمُورِ الحاصِلَةِ عَقِبَ غَيْرِها يَكُونُ مُوجِبُ التَّعْقِيبِ فِيها هو السَّبَبِيَّةَ ولَوْ عُرْفًا ولَوِ ادِّعاءً فَلَيْسَ خُرُوجُ الفاءِ عَنِ التَّرَتُّبِ هو المَجازَ بَلِ الأمْرُ بِالعَكْسِ.
ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ حَقِيقَةَ الفاءِ العاطِفَةِ هو التَّرْتِيبُ والتَّعْقِيبُ فَقَطْ؛ أنَّ بَعْضَ البَيانِيِّينَ جَعَلُوا قَوْلَهُ تَعالى ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا﴾ [القصص: ٨] اللّامُ فِيهِ مُسْتَعارَةٌ لِمَعْنى فاءِ التَّعْقِيبِ أيْ فَكانَ لَهم عَدُوًّا فَجَعَلُوا الفاءَ حَقِيقَةً في التَّعْقِيبِ ولَوْ كانَتْ لِلتَّرْتِيبِ لَساوَتِ اللّامَ فَلَمْ تَسْتَقِمِ الِاسْتِعارَةُ فَيَكُونُ الوَجْهُ الحامِلُ لِلزَّمَخْشَرِيِّ عَلى تَقْدِيرِ المَحْذُوفِ مُقْتَرِنًا بِالفاءِ هو أنَّهُ رَأى عَطْفَ الظُّلْمِ عَلى ﴿وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ﴾ وما بَعْدَهُ بِالواوِ، ولا يَحْسُنُ لِعَدَمِ الجِهَةِ الجامِعَةِ بَيْنَ الِامْتِنانِ والذَّمِّ. والمُناسَبَةُ شَرْطٌ في قَبُولِ الوَصْلِ بِالواوِ بِخِلافِ العَطْفِ بِالفاءِ، فَتَعَيَّنَ إمّا تَقْدِيرُ ظَلَمُوا مُسْتَأْنَفًا بِدُونِ عَطْفٍ، وظاهَرٌ أنَّهُ لَيْسَ هُنالِكَ مَعْنًى عَلى الِاسْتِئْنافِ وإمّا رَبْطُ ظَلَمُوا بِعاطِفٍ سِوى الواوِ ولَيْسَ يَصْلُحُ هُنا غَيْرُ الفاءِ لِأنَّ المَعْطُوفَ حَصَلَ عَقِبَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَكانَ ذَلِكَ التَّعاقُبُ في الخارِجِ مُغْنِيًا عَنِ الجِهَةِ الجامِعَةِ ولِذَلِكَ كانَتِ الفاءُ لا تَسْتَدْعِي قُوَّةَ مُناسَبَةٍ كَمُناسَبَةِ الواوِ ولَكِنْ مُناسِبَةً في الخَيالِ فَقَطْ وقَدْ وُجِدَتْ هُنا لِأنَّ كَوْنَ المَعْطُوفِ حَصَلَ في الخارِجِ عَقِبَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ مِمّا يَجْعَلُهُ حاضِرًا في خَيالِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ عَنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وأمّا قُبْحُ نَحْوِ قَوْلِكَ: جاءَ زَيْدٌ فَصاحَ الدِّيكُ فَلِقِلَّةِ جَدْوى هَذا الخَبَرِ ألا تَراهُ يَصِيرُ حَسَنًا لَوْ أرَدْتَ بِقَوْلِكَ فَصاحَ الدِّيكُ مَعْنى التَّوْقِيتِ بِالفَجْرِ فَبِهَذا ظَهَرَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ طَرِيقٌ لِرَبْطِ الظُّلْمِ المُقَدَّرِ بِالفِعْلَيْنِ قَبْلَهُ إلّا الفاءُ.
وفِي ذَلِكَ الإخْبارِ والرَّبْطِ والتَّصَدِّي لِبَيانِهِ مَعَ غَرابَةِ هَذا التَّعْقِيبِ تَعْرِيضٌ بِمَذَمَّتِهِمْ إذْ قابَلُوا الإحْسانَ بِالكُفْرانِ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِغَباوَتِهِمْ إذْ صَدَفُوا عَنِ الشُّكْرِ كَأنَّهم يَنْكُونَ بِالمُنْعِمِ وهم إنَّما يُوقِعُونَ النِّكايَةَ بِأنْفُسِهِمْ، هَذا تَفْصِيلُ ما يُقالُ عَلى تَقْدِيرِ صاحِبِ الكَشّافِ.
والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنْ لا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ وأنَّ جُمْلَةَ ﴿وما ظَلَمُونا﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها لِأنَّها مِثْلُها في أنَّها مِن أحْوالِ بَنِي إسْرائِيلَ ومَثارُ ذِكْرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ هو ما تَضَمَّنَتْهُ بَعْضُ الجُمَلِ الَّتِي سَبَقَتْ مِن أنَّ ظُلْمًا قَدْ حَصَلَ مِنهم مِن قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ [البقرة: ٥١] وقَوْلِهِ ﴿إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ﴾ [البقرة: ٥٤] وما تَضَمَّنَهُ قَوْلُكم ﴿فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥] الدّالُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ عَذابٌ جَرُّوهُ إلى أنْفُسِهِمْ فَأتى بِهَذِهِ الجُمْلَةِ كالفَذْلَكَةِ لِما تَضَمَّنَتْهُ الجُمَلُ السّابِقَةُ نَظِيرَ قَوْلِهِ (وما يُخادِعُونَ إلّا أنْفُسَهم) عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٩]، ونَظِيرَ قَوْلِهِ ﴿وظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [سبإ: ١٩] بَعْدَ الكَلامِ السّابِقِ وهو قَوْلُهُ ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرًى ظاهِرَةً﴾ [سبإ: ١٨] الآيَةَ. وغَيَّرَ الأُسْلُوبَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ إذِ انْتَقَلَ مِن خِطابِ بَنِي إسْرائِيلَ إلى الحَدِيثِ عَنْهم بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ لِقَصْدِ الِاتِّعاظِ بِحالِهِمْ وتَعْرِيضًا بِأنَّهم مُتَمادُونَ عَلى غَيِّهِمْ ولَيْسُوا مُسْتَفِيقِينَ مِن ضَلالِهِمْ فَهم بِحَيْثُ لا يُقِرُّونَ بِأنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم.
وهَذا الظُّلْمُ الَّذِي قُدِّرَ في نَظْمِ الآيَةِ هو ضَجَرُهم مِن مُداوَمَةِ أكْلِ المَنِّ والسَّلْوى الَّذِي سَيَأْتِي ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١] الآيَةَ. فَكانَ قَوْلُهُ ﴿وما ظَلَمُونا﴾ تَمْهِيدًا لَهُ وتَعْجِيلًا بِتَسْجِيلِ قِلَّةِ شُكْرِهِمْ عَلى نِعَمِ اللَّهِ وعِنايَتِهِ بِهِمْ إذْ كانَتْ شَكِيمَتُهم لَمْ تُلَيِّنْها الزَّواجِرُ ولا المَكارِمُ.
وقَوْلُهُ ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ قَدَّمَ فِيهِ المَفْعُولَ لِلْقَصْرِ وقَدْ حَصَلَ القَصْرُ أوَّلًا بِمُجَرَّدِ الجَمْعِ بَيْنَ النَّفْيِ والإثْباتِ ثُمَّ أُكِّدَ بِالتَّقْدِيمِ لِأنَّ حالَهم كَحالِ مَن يَنْكِي غَيْرَهُ كَما قِيلَ: يَفْعَلُ الجاهِلُ بِنَفْسِهِ ما يَفْعَلُ العَدُوُّ بِعَدُوِّهِ.
الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام} : تقديرُه: وجَعَلْنا الغَمَامَ يُظَلِّلُكُمْ، قال أبو البقاء: «ولا يكونُ كقولِك:» ظَلَّلْتُ زيداً يُظَلُّ «لأن ذلك يقتضي أن يكونَ الغمامُ مستوراً بظِلٍّ آخَرَ» وقيل: التقديرُ: بالغَمامِ، وهذا تفسيرُ معنىً لا إعرابٍ، لأنَّ حَذْفَ حرفِ الجرِّ لا ينقاسُ.
والغَمامُ: السَّحابُ لأنه يَغُمُّ وجهَ السماء، أي يستُرُها، وكلُّ مستورٍ مغموم أي مُغَطَّى، وقيل: الغمامُ: السحابُ الأبيضُ خاصةً، ومثلُه الغَيْمُ والغَيْن بالميم والنونِ، وفي الحديثِ «إنه لَيُغَانُ على قَلْبِي» ، وواحدتُه غَمامةٌ فهو اسمُ جنسٍ.
والمَنُّ قيل: هو التَّرَّنْجِبين والطَّرَّنْجِيِِن بالتاء والطاء، وقيل: هو مصدرٌ يعني به جميعَ ما منَّ الله تعالى به على بني إسرائيل من النِّعَمِ، وكذلك قِيل في السَّلْوى، إنها مصدرٌ أيضاً، أي: إنَّ لهم بذلك التَّسَلِّيَ، نقلَه الراغبُ، والمَنُّ أيضاً مِقْدارٌ يُوزَنُ به، وهذا يجوزُ إبدالُ نونِه الأخيرةِ حرفَ علَّة، فيقالُ: «مَنا» مثلَ عَصا، وتثنيتُه مَنَوان، وجمعُه أمْناء. والسَّلْوى المشهورُ أنها السمانى بتخفيفِ الميمِ، طائرٌ معروف. والمَنُّ لا واحدَ له من لفظِه، والسَّلْوى مفردُها سَلْواة، وأنشدوا:
47 - 9- وإني لَتَعْروني لِذِكْراكِ سَلْوَةٌ ... كما انتفضَ السَّلْواةُ مِنْ بَلَلِ القَطْرِ
فيكونُ عندَهم من باب: قمح وقمحة، وقيل: «سَلْوى» مفردٌ وجمعُها سَلاوى، قاله الكسائي، وقيل: سَلْوى يُستعمل للواحدِ والجمعِ، كدَقَلى وشُكاعى وقيل: السَّلْوى: العَسَلُ، قال الهذلي:
480 - وقاسَمَها بالله جَهْداً لأنتمُ ... أَلَذُّ من السَّلْوَى إذا ما نَشُورُها
وغَلَّطه ابنُ عطية، وادَّعَى الإِجماعَ على أن السَّلْوى طائر، وهذا غيرُ مُرْضٍ من القاضي أبي محمد، فإن أئمةَ اللغةِ نقلوا أن السلوى العَسَلُ، ولم يُغْلِّطوا هذا الشاعرَ، بل يستشهدونَ بقولِه.
قوله: «كُلُوا» هذا على إضمار القَوْلِ، أي: وقُلْنَا لهم: كُلوا: وإضمارُ القولِ كثيرٌ في لسانِهم، ومنه: {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم} [الرعد: 23-24] أي: يقولونَ سلامٌ، «والذينَ اتَّخَذوا من دونِهِ أولياءَ ما نعبدُهم إلا» أي: يقولون ذلك، «وأمَّا الذين اسْوَدَّتْ وجوهُهم أَكَفَرْتم أي: فيُقال لهم ذلك وقد تقدَّم القولُ في» كل «وتصريفِه.
قوله: {مِن طَيِّبَاتِ} » مِنْ «لابتداءِ الغايةِ أو للتبعيضِ، وقال أبو البقاء:» أو لبيانِ الجنسِ والمفعولُ محذوفٌ أي: كُلوا شيئاً من طيبات «وهذا غيرُ مُرْضٍ، لأنه كيف يُبَيَّنُ شيءٌ ثم يُحْذَفُ؟
قوله: {مَا رَزَقْنَاكُمْ} يجوزُ في» ما «أن تكونَ بمعنى الذي، وما بعدها صلةٌ لها والعائدُ محذوفٌ، أي: رزقناكموه، وأن تكونَ نكرةً موصوفةً. فالجملةُ لا محلَّ لها على الأولِ ومحلُّها الجرُّ على الثاني، والكلامُ في العائدِ كما تقدَّم، وأن تكونَ مصدريةً والجملةُ صلتُها، ولم يُحْتَجْ إلى عائدٍ على ما عُرِفَ قبلَ ذلك، ويكونُ هذا المصدرُ واقعاً موقعَ المفعولِ، أي: مِنْ طيباتِ مَرْزُوقِنا.
قوله تعالى: {أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} » أنفسَهم «مفعولٌ مقدَّمٌ، و» يَظْلِمُون «في محلِّ النصْبِ لكونِه خبرَ» كانوا «، وقُدِّم المفعولُ إيذاناً باختصاصِ الظلم بهم وأنَّه لا يتعدَّاهم. والاستدراكُ في» لكنْ «واضحٌ. ولا بُدَّ من حَذْفِ جملةٍ قبل قوله {وَمَا ظَلَمُونَا} ، فقدَّره ابنُ عطية: فَعَصَوْا ولم يقابلوا النِّعَمَ بالشكر. وقال الزمخشري:» تقديرُه: فَطَلمُونا بأَنْ كفروا هذه النِّعَمَ وما ظلمونا، فاختصرَ الكلامَ بحذْفِه لدلالةِ {وَمَا ظَلَمُونَا} عليه.
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
حسن
الحُسْنُ: عبارة عن كلّ مبهج مرغوب فيه، وذلك ثلاثة أضرب: مستحسن من جهة العقل.
ومستحسن من جهة الهوى.
ومستحسن من جهة الحسّ.
والحسنةُ يعبّر عنها عن كلّ ما يسرّ من نعمة تنال الإنسان في نفسه وبدنه وأحواله، والسيئة تضادّها. وهما من الألفاظ المشتركة، كالحيوان، الواقع على أنواع مختلفة كالفرس والإنسان وغيرهما، فقوله تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا: ﴿هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء : 78] ، أي: خصب وسعة وظفر، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ أي: جدب وضيق وخيبة(١) ، يَقُولُوا: هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء : 78] ، وقال تعالى: فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا: ﴿لَنا هذِهِ﴾ [الأعراف : 131] ، وقوله تعالى: ﴿ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النساء : 79] ، أي: من ثواب، ﴿وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ [النساء : 79] ، أي: من عقاب. والفرق بين الحسن والحسنة والحسنى أنّ الحَسَنَ يقال في الأعيان والأحداث، وكذلك الحَسَنَة إذا كانت وصفا، وإذا كانت اسما فمتعارف في الأحداث، والحُسْنَى لا يقال إلا في الأحداث دون الأعيان، والحسن أكثر ما يقال في تعارف العامة في المستحسن بالبصر، يقال: رجل حَسَنٌ وحُسَّان، وامرأة حَسْنَاء وحُسَّانَة، وأكثر ما جاء في القرآن من الحسن فللمستحسن من جهة البصيرة، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر : 18] ، أي: الأبعد عن الشبهة، كما قال ﷺ: «إذا شككت في شيء فدع».
وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [البقرة : 83] ، أي: كلمة حسنة، وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً﴾ [العنكبوت : 8] ، وقوله عزّ وجل: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة : 52] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة : 50] ، إن قيل: حكمه حسن لمن يوقن ولمن لا يوقن فلم خصّ؟
قيل: القصد إلى ظهور حسنه والاطلاع عليه، وذلك يظهر لمن تزكّى واطلع على حكمة الله تعالى دون الجهلة.
والإحسان يقال على وجهين: أحدهما: الإنعام على الغير، يقال: أحسن إلى فلان.
والثاني: إحسان في فعله، وذلك إذا علم علما حسنا، أو عمل عملا حسنا، وعلى هذا قول أمير المؤمنين: (الناس أبناء ما يحسنون) أي: منسوبون إلى ما يعلمون وما يعملونه من الأفعال الحسنة.
قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة : 7] ، والإحسان أعمّ من الإنعام. قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء : 7] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ﴾ [النحل : 90] ، فالإحسان فوق العدل، وذاك أنّ العدل هو أن يعطي ما عليه، ويأخذ أقلّ مما له، والإحسان أن يعطي أكثر مما عليه، ويأخذ أقلّ ممّا له.
فالإحسان زائد على العدل، فتحرّي العدل واجب، وتحرّي الإحسان ندب وتطوّع، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء : 125] ، وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ﴾ [البقرة : 178] ، ولذلك عظّم الله تعالى ثواب المحسنين، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت : 69] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة : 195] ، وقال تعالى: ﴿ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة : 91] ، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ [النحل : 30] .