التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سورة البقرة، الآية: ٤٣

(وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ). سورة البقرة، الآية: ٤٣

التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿وَأَقِیمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرۡكَعُوا۟ مَعَ ٱلرَّ ٰ⁠كِعِینَ﴾ [البقرة ٤٣]
﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾
أمَرَ بِالتَّلَبُّسِ بِشِعارِ الإسْلامِ عَقِبَ الأمْرِ بِاعْتِقادِ عَقِيدَةِ الإسْلامِ فَقَوْلُهُ ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ﴾ [البقرة: ٤١] الآيَةَ. راجِعٌ إلى الإيمانِ بِالنَّبِيءِ ﷺ وما هو وسِيلَةُ ذَلِكَ وما هو غايَتُهُ فالوَسِيلَةُ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ٤٧] إلى ﴿فارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] والمَقْصِدُ ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ٤١] والغايَةُ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ وقَدْ تَخَلَّلَ ذَلِكَ نَهْيٌ عَنْ مَفاسِدَ تَصُدُّهم عَنِ المَأْمُوراتِ مُناسِباتٍ لِلْأوامِرِ. فَقَوْلُهُ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ إلَخْ أمْرٌ بِأعْظَمِ القَواعِدِ الإسْلامِيَّةِ بَعْدَ الإيمانِ والنُّطْقِ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِإجابَتِهِمْ وامْتِثالِهِمْ لِلْأوامِرِ السّالِفَةِ وأنَّهم كَمُلَتْ لَهُمُ الأُمُورُ المَطْلُوبَةُ.
وفِي هَذا الأمْرِ تَعْرِيضٌ بِالمُنافِقِينَ، ذَلِكَ أنَّ الإيمانَ عَقْدٌ قَلْبِيٌّ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ إلّا النُّطْقُ، والنُّطْقُ اللِّسانِيُّ أمْرٌ سَهْلٌ قَدْ يَقْتَحِمُهُ مَن لَمْ يَعْتَقِدْ إذا لَمْ يَكُنْ ذا غُلُوٍّ في دِينِهِ فَلا يَتَحَرَّجُ أنْ يَنْطِقَ بِكَلامٍ يُخالِفُ الدِّينَ إذا كانَ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ مَدْلُولَهُ كَما قالَ تَعالى ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ [البقرة: ١٤] الآيَةَ، فَلِذَلِكَ أُمِرُوا بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ لِأنَّ الأوْلى عَمَلٌ يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ الخالِقِ والسُّجُودِ إلَيْهِ وخَلْعِ الآلِهَةِ. ومِثْلَ هَذا الفِعْلِ لا يَفْعَلُهُ المُشْرِكُ لِأنَّهُ يَغِيظُ آلِهَتَهُ بِالفِعْلِ وبِقَوْلِ (اللَّهُ أكْبَرُ) ولا يَفْعَلُهُ الكِتابِيُّ لِأنَّهُ يُخالِفُ عِبادَتَهُ. ولِأنَّ الزَّكاةَ إنْفاقُ المالِ وهُوَ عَزِيزٌ عَلى النَّفْسِ فَلا يَبْذُلُهُ المَرْءُ في غَيْرِ ما يَنْفَعُهُ إلّا عَنِ اعْتِقادِ نَفْعٍ أُخْرَوِيٍّ لا سِيَّما إذا كانَ ذَلِكَ المالُ يُنْفَقُ عَلى العَدُوِّ في الدِّينِ، فَلِذَلِكَ عَقَّبَ الأمْرَ بِالإيمانِ بِالأمْرِ بِإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ لِأنَّهُما لا يَتَجَشَّمُهُما إلّا مُؤْمِنٌ صادِقٌ.
ولِذَلِكَ جاءَ في المُنافِقِينَ ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ [النساء: ١٤٢] وقَوْلُهُ ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٥] وفي الصَّحِيحِ «أنَّ صَلاةَ العِشاءِ أثْقَلُ صَلاةٍ عَلى المُنافِقِينَ» .
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ لِمالِكٍ عَلى قَتْلِ مَن يَمْتَنِعُ مِن أداءِ الصَّلاةِ مَعَ تَحَقُّقِ أنَّهُ لَمْ يُؤَدِّها مِن أوَّلِ وقْتِ صَلاةٍ مِنَ الصَّلَواتِ إلى خُرُوجِهِ إذا كانَ وقْتًا مُتَّفَقًا بَيْنَ عُلَماءِ الإسْلامِ، لِأنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ الِامْتِناعَ مَعَ عَدَمِ العُذْرِ دَلِيلًا عَلى انْتِفاءِ إيمانِهِ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ مُصَرِّحًا بِالإيمانِ، قالَ مالِكٌ إنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا جَمْعًا بَيْنَ الأدِلَّةِ ومَنعًا لِذَرِيعَةِ خَرْمِ المِلَّةِ. ويُوشِكُ أنْ يَكُونَ هَذا دَلِيلًا لِمَن قالُوا بِأنَّ تارِكَ الصَّلاةِ كافِرٌ لَوْلا الأدِلَّةُ المُعارِضَةُ.
وفِيها دَلِيلٌ لِما فَعَلَ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن قِتالِ مانِعِي الزَّكاةِ وإطْلاقِ اسْمِ المُرْتَدِّينَ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ الصَّلاةَ والزَّكاةَ أمارَةَ صِدْقِ الإيمانِ إذْ قالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ ولِهَذا قالَ أبُو بَكْرٍ لَمّا راجَعَهُ عُمَرُ في عَزْمِهِ عَلى قِتالِ أهْلِ الرِّدَّةِ حِينَ مَنَعُوا إعْطاءَ الزَّكاةِ وقالَ لَهُ: «كَيْفَ تُقاتِلُهم وقَدْ قالُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لِأُقاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ فَإنَّ الزَّكاةَ حَقُّ المالِ»، فَحَصَلَ مِن عِبارَتِهِ عَلى إيجازِها جَوابٌ عَنْ دَلِيلِ عُمَرَ.
وقَوْلُهُ ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ تَأْكِيدٌ لِمَعْنى الصَّلاةِ لِأنَّ لِلْيَهُودِ صَلاةً لا رُكُوعَ فِيها فَلِكَيْ لا يَقُولُوا إنَّنا نُقِيمُ صَلاتَنا دَفَعَ هَذا التَّوَهُّمَ بِقَوْلِهِ ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ والرُّكُوعُ طَأْطَأةُ وانْحِناءُ الظَّهْرِ لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ أوِ التَّبْجِيلِ. وقَدْ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ لِبَعْضِ كُبَرائِهِمْ. قالَ الأعْشى:
إذا ما أتانا أبُو مالِكٍ رَكَعْنا لَهُ وخَلَعْنا العِمامَةْ

ورُوِيَ سَجَدْنا لَهُ وخَلَعْنا العَمارا، والعَمارُ هو العِمامَةُ.
وقَوْلُهُ ﴿مَعَ الرّاكِعِينَ﴾، إيماءٌ إلى وُجُوبِ مُماثَلَةِ المُسْلِمِينَ في أداءِ شَعائِرِ الإسْلامِ المَفْرُوضَةِ فالمُرادُ بِالرّاكِعِينَ المُسْلِمُونَ وفِيهِ إشارَةٌ إلى الإتْيانِ بِالصَّلاةِ بِأرْكانِها وشَرائِطِها.

الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ
... 
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
قوم
يقال: قَامَ يَقُومُ قِياماً، فهو قَائِمٌ، وجمعه: قِيامٌ، وأَقَامَهُ غيره. وأَقَامَ بالمكان إِقَامَةً، والْقِيَامُ على أضرب: قيام بالشّخص، إمّا بتسخير أو اختيار، وقيام للشيء هو المراعاة للشيء والحفظ له، وقيام هو على العزم على الشيء، فمن القِيَامِ بالتّسخير قوله تعالى: ﴿مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود : 100] ، وقوله: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها﴾ [الحشر : 5] ، ومن القِيَامِ الذي هو بالاختيار قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً﴾ [الزمر : 9] . وقوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران : 191] ، وقوله: ﴿الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ﴾ [النساء : 34] ، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً﴾ [الفرقان : 64] . والقِيَامُ في الآيتين جمع قائم. ومن المراعاة للشيء قوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة : 8] ، ﴿قائِماً بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران : 18] ، وقوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد : 33] أي: حافظ لها. وقوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ [آل عمران : 113] ، وقوله: ﴿إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً﴾ [آل عمران : 75] أي: ثابتا على طلبه. ومن القِيَامِ الذي هو العزم قوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة : 6] ، وقوله: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [المائدة : 55] أي: يديمون فعلها ويحافظون عليها. والقِيَامُ والقِوَامُ: اسم لما يقوم به الشيء.
أي: يثبت، كالعماد والسّناد: لما يعمد ويسند به، كقوله: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً﴾ [النساء : 5] ، أي: جعلها ممّا يمسككم. وقوله: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ﴾ [المائدة : 97] أي: قِوَاما لهم يقوم به معاشهم ومعادهم.
قال الأصمّ: قائما لا ينسخ، وقرئ: قيما بمعنى قياما، وليس قول من قال: جمع قيمة بشيء. ويقال: قَامَ كذا، وثبت، وركز بمعنى. وقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة : 125] ، وقَامَ فلان مَقَامَ فلان: إذا ناب عنه. قال: ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ﴾ [المائدة : 107] . وقوله: ﴿دِيناً قِيَماً﴾ [الأنعام : 161] ، أي: ثابتا مُقَوِّماً لأمور معاشهم ومعادهم. وقرئ: قيما مخفّفا من قيام. وقيل: هو وصف، نحو: قوم عدى، ومكان سوى، ولحم زيم(٣) ، وماء روى، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [يوسف : 40] ، وقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً﴾ [الكهف : 1-2] ، وقوله: ﴿وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة : 5] فَالْقَيِّمَةُ هاهنا اسم للأمّة القائمة بالقسط المشار إليهم بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران : 110] ، وقوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ﴾ [النساء : 135] ، يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ [البينة : 2-3] فقد أشار بقوله: صُحُفاً مُطَهَّرَةً إلى القرآن، وبقوله: ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة : 3] إلى ما فيه من معاني كتب الله تعالى، فإنّ القرآن مجمع ثمرة كتب الله تعالى المتقدّمة. وقوله: ﴿اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة : 255] أي: القائم الحافظ لكلّ شيء، والمعطى له ما به قِوَامُهُ، وذلك هو المعنى المذكور في قوله: ﴿الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه : 50] ، وفي قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد : 33] . وبناء قَيُّومٍ: فيعول، وقَيَّامٌ: فيعال. نحو: ديّون وديّان، والقِيامَةُ: عبارة عن قيام الساعة المذكور في قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [الروم : 12] ، ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [المطففين : 6] ، ﴿وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً﴾ [الكهف : 36] ، والْقِيَامَةُ أصلها ما يكون من الإنسان من القيام دُفْعَةً واحدة، أدخل فيها الهاء تنبيها على وقوعها دُفْعَة، والمَقامُ يكون مصدرا، واسم مكان القيام، وزمانه. نحو: ﴿إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي﴾ [يونس : 71] ، ﴿ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم : 14] ، ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن : 46] ، ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة : 125] ، ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ﴾ [آل عمران : 97] ، وقوله: ﴿وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان : 26] ، ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ﴾ [الدخان : 51] ، ﴿خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم : 73] ، وقال: ﴿وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات : 164] ، وقال: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ﴾ [النمل : 39] قال الأخفش: في قوله قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ [النمل : 39] : إنّ المَقَامَ المقعد، فهذا إن أراد أنّ المقام والمقعد بالذّات شيء واحد، وإنما يختلفان بنسبته إلى الفاعل كالصّعود والحدور فصحيح، وإن أراد أنّ معنى المقام معنى المقعد فذلك بعيد، فإنه يسمى المكان الواحد مرّة مقاما إذا اعتبر بقيامه، ومقعدا إذا اعتبر بقعوده، وقيل: المَقَامَةُ: الجماعة، قال الشاعر:
379- وفيهم مَقَامَاتٌ حسان وجوههم وإنما ذلك في الحقيقة اسم للمكان وإن جعل اسما لأصحابه. نحو قول الشاعر:
380- واستبّ بعدك يا كليب المجلس
فسمّى المستبّين المجلس. والاسْتِقَامَةُ يقال في الطريق الذي يكون على خطّ مستو، وبه شبّه طريق المحقّ. نحو: ﴿اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة : 6] ، ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً﴾ [الأنعام : 153] ، ﴿إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود : 56] . واسْتِقَامَةُ الإنسان: لزومه المنهج المستقيم. نحو قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت : 30] وقال: ﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود : 112] ، ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ [فصلت : 6] والْإِقَامَةُ في المكان: الثبات. وإِقَامَةُ الشيء: توفية حقّه، وقال: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة : 68] أي: توفّون حقوقهما بالعلم والعمل، وكذلك قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة : 66] ولم يأمر تعالى بالصلاة حيثما أمر، ولا مدح بها حيثما مدح إلّا بلفظ الإقامة، تنبيها أنّ المقصود منها توفية شرائطها لا الإتيان بهيئاتها، نحو: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة : 43] ، في غير موضع وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ [النساء : 162] .
وقوله: ﴿وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ [النساء : 142] فإنّ هذا من القيام لا من الإقامة، وأمّا قوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ [إبراهيم : 40] أي: وفّقني لتوفية شرائطها، وقوله: ﴿فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ [التوبة : 11] فقد قيل: عني به إقامتها بالإقرار بوجوبها لا بأدائها، والمُقَامُ يقال للمصدر، والمكان، والزّمان، والمفعول، لكن الوارد في القرآن هو المصدر نحو قوله: ﴿إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً﴾ [الفرقان : 66] ، والمُقَامةُ: الإقامة، قال: ﴿الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر : 35] نحو: ﴿دارُ الْخُلْدِ﴾ [فصلت : 28] ، و﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة : 72] وقوله: ﴿لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب : 13] ، من قام، أي: لا مستقرّ لكم، وقد قرئ: لا مُقامَ لَكُمْ من: أَقَامَ. ويعبّر بالإقامة عن الدوام. نحو: ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود : 39] ، وقرئ: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ[الدخان : 51] ، أي: في مكان تدوم إقامتهم فيه، وتَقْوِيمُ الشيء: تثقيفه، قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين : 4] وذلك إشارة إلى ما خصّ به الإنسان من بين الحيوان من العقل والفهم، وانتصاب القامة الدّالّة على استيلائه على كلّ ما في هذا العالم، وتَقْوِيمُ السّلعة: بيان قيمتها. والقَوْمُ: جماعة الرّجال في الأصل دون النّساء، ولذلك قال: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ الآية [الحجرات : 11] ، قال الشاعر:
381- أقوم آل حصن أم نساء
وفي عامّة القرآن أريدوا به والنّساء جميعا، وحقيقته للرّجال لما نبّه عليه قوله: ﴿الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ الآية [النساء : 34] .

بصائر ذوي التمييز — الفيروزآبادى (٨١٧ هـ)
الاقامة
وقد وردت فى القرآن على ستَّة أَوجهٍ:
الأَوّل: بمعنى الإِتمام {وَأَقِيمُوا الصَلاَة} أَى أَتمّوها بحقوقها وحدودها.
الثانى: بمعنى استقبال القبلة: {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} أَى استقبلوها بها القبلة.
الثالث: بمعنى الإِخلاص فى الدّيانَة: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً} أَى أَخْلِص.
الرّابع: بمعنى عمل الفرائض، وشرائع الكِتاب: {أَقَامُواْ التوراة} أَى عمِلوا بها.
الخامس: بمعنى التسوية، والعمارة: {جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ} أَى سوّاه وعَمَره.
السّادس: بمعنى الاستقرار فى الوطن: {يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ} .