التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير سورة البقرة، الآية: ٢١

تفسير قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). سورة البقرة، الآية: ٢١

التحرير والتنوير - ابن عاشور

التحرير والتنوير - ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)

﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ ثَنى بِهِ العِنانَ إلى مَوْعِظَةِ كُلِّ فَرِيقٍ مِنَ الفِرَقِ الأرْبَعِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها مَوْعِظَةً تَلِيقُ بِحالِهِ بَعْدَ أنْ قَضى حَقَّ وصْفِ كُلِّ فَرِيقٍ مِنهم بِخِلالِهِ، ومُثِّلَثْ حالُ كُلِّ فَرِيقٍ وضُرِبَتْ لَهُ أمْثالُهُ، فَإنَّهُ لَمّا اسْتَوْفى أحْوالًا لِلْمُؤْمِنِينَ وأضْدادِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ لا جَرَمَ تَهَيَّأ المَقامُ لِخِطابِ عُمُومِهِمْ بِما يَنْفَعُهم إرْشادًا لَهم ورَحْمَةً بِهِمْ لِأنَّهُ لا يَرْضى لَهُمُ الضَّلالَ ولَمْ يَكُنْ ما ذُكِرَ آنِفًا مِن سُوءِ صُنْعِهِمْ حائِلًا دُونَ إعادَةِ إرْشادِهِمْ والإقْبالِ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ، فَفِيهِ تَأْنِيسٌ لِأنْفُسِهِمْ بَعْدَ أنْ هَدَّدَهم ولامَهم وذَمَّ صُنْعَهم لِيَعْلَمُوا أنَّ الإغْلاظَ عَلَيْهِمْ لَيْسَ إلّا حِرْصًا عَلى صَلاحِهِمْ وأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْهم كَما يَفْعَلُهُ المُرَبِّي النّاصِحُ حِينَ يَزْجُرُ أوْ يُوَبِّخُ فَيُرى انْكِسارُ نَفْسِ مُرَبّاهُ فَيَجْبُرُ خاطِرَهُ بِكَلِمَةٍ لَيِّنَةٍ لِيُرِيَهُ أنَّهُ إنَّما أساءَ إلَيْهِ اسْتِصْلاحًا وحُبًّا لِخَيْرِهِ فَلَمْ يَتْرُكْ مِن رَحْمَتِهِ لِخَلْقِهِ حَتّى في حالِ عُتُوِّهِمْ وضَلالِهِمْ وفي حالِ حَمْلِهِمْ إلى مَصالِحِهِمْ.

وبَعْدُ فَهَذا الِاسْتِئْناسُ وجَبْرُ الخَواطِرِ يَزْدادُ بِهِ المُحْسِنُونَ إحْسانًا ويَنْكَفُّ بِهِ المُجْرِمُونَ عَنْ سُوءِ صُنْعِهِمْ فَيَأْخُذُ كُلُّ فَرِيقٍ مِنَ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِيما سَلَفَ حَظَّهُ مِنهُ.

فالمَقْصُودُ بِالنِّداءِ مِن قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ الإقْبالُ عَلى مَوْعِظَةِ نَبْذِ الشِّرْكِ وذَلِكَ هو غالِبُ اصْطِلاحِ القُرْآنِ في الخِطابِ بِـ ”﴿يا أيُّها النّاسُ﴾“، وقَرِينَةُ ذَلِكَ هُنا قَوْلُهُ ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] وافْتَتَحَ الخِطابَ بِالنِّداءِ تَنْوِيهًا بِهِ. ويا حَرْفٌ لِلنِّداءِ وهو أكْثَرُ حُرُوفِ النِّداءِ اسْتِعْمالًا، فَهو أصْلُ حُرُوفِ النِّداءِ، ولِذَلِكَ لا يُقَدَّرُ غَيْرُهُ عِنْدَ حَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ، ولِكَوْنِهِ أصْلًا كانَ مُشْتَرِكًا لِنِداءِ القَرِيبِ والبَعِيدِ كَما في القامُوسِ. قالَ الرَّضِيُّ: في شَرْحِ الكافِيَةِ: إنَّ اسْتِعْمالَ يا في القَرِيبِ والبَعِيدِ عَلى السَّواءِ ودَعْوى المَجازِ في أحَدِهِما أوِ التَّأْوِيلِ خِلافُ الأصْلِ.

وهُوَ يُرِيدُ بِذَلِكَ الرَّدَّ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ إذْ قالَ في الكَشّافِ: ويا حَرْفٌ وُضِعَ في أصْلِهِ لِنِداءِ البَعِيدِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في مُناداةِ مَن سَها أوْ غَفَلَ وإنْ قَرُبَ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ مَن بَعُدَ، وكَذَلِكَ فَعَلَ في كِتابِ المُفَصَّلِ.

وأيٌّ في الأصْلِ نَكِرَةٌ تَدُلُّ عَلى فَرْدٍ مِن جِنْسِ اسْمٍ يَتَّصِلُ بِها بِطَرِيقِ الإضافَةِ، نَحْوُ ”أيُّ رَجُلٍ“ أوْ بِطَرِيقِ الإبْدالِ نَحْوُ ”يا أيُّها الرَّجُلُ“، ومِنهُ ما في الِاخْتِصاصِ كَقَوْلِكَ لِجَلِيسِكَ: أنا كَفَيْتُ مُهِمَّكَ أيُّها الجالِسُ عِنْدَكَ، وقَدْ يُنادُونَ المُنادى بِاسْمِ جِنْسِهِ أوْ بِوَصْفِهِ لِأنَّهُ طَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ أوْ لِأنَّهُ أشْمَلُ لِإحْضارِهِ كَما هُنا، فَرُبَّما يُؤْتى بِالمُنادى حِينَئِذٍ نَكِرَةً مَقْصُودَةً أوْ غَيْرَ مَقْصُودَةٍ، ورُبَّما يَأْتُونَ بِاسْمِ الجِنْسِ أوِ الوَصْفِ مُعَرَّفًا بِاللّامِ الجِنْسِيَّةِ إشارَةً إلى تَطَرُّقِ التَّعْرِيفِ إلَيْهِ عَلى الجُمْلَةِ تَفَنُّنًا، فَجَرى اسْتِعْمالُهم أنْ يَأْتُوا حِينَئِذٍ مَعَ اللّامِ بِاسْمِ إشارَةٍ إغْراقًا في تَعْرِيفِهِ ويَفْصِلُوا بَيْنَ حَرْفِ النِّداءِ والِاسْمِ المُنادى حِينَئِذٍ بِكَلِمَةِ ”أيْ“ وهو تَرْكِيبٌ غَيْرُ جارٍ عَلى قِياسِ اللُّغَةِ، ولَعَلَّهُ مِن بَقايا اسْتِعْمالٍ عَتِيقٍ.

وقَدِ اخْتَصَرُوا اسْمَ الإشارَةِ فَأبْقَوْا ”ها“ التَّنْبِيهِيَّةَ وحَذَفُوا اسْمَ الإشارَةِ، فَأصْلُ يا أيُّها النّاسُ يا أيُّهَؤُلاءِ، وقَدْ صَرَّحُوا بِذَلِكَ في بَعْضِ كَلامِهِمْ كَقَوْلِ الشّاعِرِ الَّذِي لا نَعْرِفُهُ.

أيُّهَذانِ كُلا زادَيْكُما ورُبَّما أرادُوا نِداءَ المَجْهُولِ الحاضِرِ الذّاتِ أيْضًا بِما يَدُلُّ عَلى طَرِيقِ إحْضارِهِ مِن حالَةٍ قائِمَةٍ بِهِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ فَرْدًا مِن جِنْسٍ فَتَوَصَّلُوا لِذَلِكَ بِاسْمِ المَوْصُولِ الدّالِّ عَلى الحالَةِ بِصِلَتِهِ والدّالِّ عَلى الجِنْسِيَّةِ لِأنَّ المَوْصُولَ يَأْتِي لِما تَأْتِي لَهُ اللّامُ فَيُقْحِمُونَ أيًّا كَذَلِكَ نَحْوَ ﴿يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحجر: ٦] والنّاسُ تَقَدَّمَ الكَلامُ في اشْتِقاقِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ﴾ [البقرة: ٨] وهو اسْمُ جَمْعٍ نُودِيَ هُنا وعُرِّفَ بِألْ. يَشْمَلُ كُلَّ أفْرادِ مُسَمّاهُ لِأنَّ الجُمُوعَ المُعَرَّفَةَ بِاللّامِ لِلْعُمُومِ ما لَمْ يَتَحَقَّقْ عَهْدٌ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، واحْتِمالُها العَهْدَ ضَعِيفٌ إذِ الشَّأْنُ عَهْدُ الأفْرادِ فَلِذَلِكَ كانَتْ في العُمُومِ أنَصَّ مِن عُمُومِ المُفْرَدِ المُحَلّى بِألْ.

فَإنْ نَظَرْتَ إلى صُورَةِ الخِطابِ فَهو إنَّما واجَهَ بِهِ ناسًا سامِعِينَ فَعُمُومُهُ لِمَن لَمْ يَحْضُرْ وقْتَ سَماعِ هَذِهِ الآيَةِ ولِمَن سَيُوجَدُ مِن بَعْدُ يَكُونُ بِقَرِينَةِ عُمُومِ التَّكْلِيفِ وعَدَمِ قَصْدِ تَخْصِيصِ الحاضِرِينَ، وذَلِكَ أمْرٌ قَدْ تَواتَرَ نَقْلًا ومَعْنًى، فَلا جَرَمَ أنْ يَعُمَّ الجَمِيعَ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى القِياسِ، وإنْ نَظَرْتَ إلى أنَّ هَذا مِن أضْرُبِ الخِطابِ الَّذِي لا يَكُونُ لِمُعَيَّنٍ فَيُتْرَكُ فِيهِ التَّعْيِينُ لِيَعُمَّ كُلَّ مَن يَصْلُحُ لِلْمُخاطَبَةِ بِذَلِكَ، وهَذا شَأْنُ الخِطابِ الصّادِرِ مِنَ الدُّعاةِ والأُمَراءِ والمُؤَلِّفِينَ في كُتُبِهِمْ مِن نَحْوِ قَوْلِهِمْ: يا قَوْمُ، ويا فَتى، وأنْتَ تَرى، وبِهَذا تَعْلَمُ، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَما ظَنُّكَ بِخِطابِ الرُّسُلِ وخِطابٍ هو نازِلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى كانَ ذَلِكَ عامًّا لِكُلِّ مَن يَشْمَلُهُ اللَّفْظُ مِن غَيْرِ اسْتِعانَةٍ بِدَلِيلٍ آخَرَ.

وهَذا هو تَحْقِيقُ المَسْألَةِ الَّتِي يَفْرِضُها الأُصُولِيُّونَ ويُعَبِّرُونَ عَنْها بِخِطابِ المُشافَهَةِ والمُواجَهَةِ هَلْ يَعُمُّ أمْ لا. والجُمْهُورُ وإنْ قالُوا إنَّهُ يَتَناوَلُ المَوْجُودِينَ دُونَ مَن بَعْدَهم بِناءً عَلى أنَّ ذَلِكَ هو مُقْتَضى المُخاطَبَةِ حَتّى قالَ العَضُدُ إنَّ إنْكارَ ذَلِكَ مُكابَرَةٌ. وبَحَثَ فِيهِ التَّفْتَزانِيُّ، فَهم قالُوا: إنَّ شُمُولَ الحُكْمِ لِمَن يَأْتِي بَعْدَهم هو مِمّا تَواتَرَ مِن عُمُومِ البِعْثَةِ، وأنَّ أحْكامَها شامِلَةٌ لِلْخَلْقِ في جَمِيعِ العُصُورِ كَما أشارَ إلَيْهِ البَيْضاوِيُّ.

قُلْتُ: الظّاهِرُ أنَّ خِطاباتِ التَّشْرِيعِ ونَحْوَها غَيْرُ جارِيَةٍ عَلى المَعْرُوفِ في تَوَجُّهِ الخِطابِ في أصْلِ اللُّغاتِ لِأنَّ المُشَرِّعَ لا يَقْصِدُ لِفَرِيقٍ مُعَيَّنٍ، وكَذَلِكَ خِطابُ الخُلَفاءِ والوُلاةِ في الظَّهائِرِ والتَّقالِيدِ، فَقَرِينَةُ عَدَمِ قَصْدِ الحاضِرِينَ ثابِتَةٌ واضِحَةٌ، غايَةُ ما في البابِ أنَّ تَعَلُّقَهُ بِالحاضِرِينَ تَعَلُّقٌ أصْلِيٌّ إلْزامِيٌّ وتَعَلُّقَهُ بِالَّذِينَ يَأْتُونَ مِن بَعْدُ تَعَلُّقٌ مَعْنَوِيٌّ إعْلامِيٌّ عَلى نَحْوِ ما تَقَرَّرَ في تَعَلُّقِ الأمْرِ في عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ، فَنَفْرِضُ مِثْلَهُ في تَوَجُّهِ الخِطابِ.

والعِبادَةُ في الأصْلِ التَّذَلُّلُ والخُضُوعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] ولَمّا كانَ التَّذَلُّلُ والخُضُوعُ إنَّما يَحْصُلُ عَنْ صِدْقِ اليَقِينِ كانَ الإيمانُ بِاللَّهِ وتَوْحِيدُهُ بِالإلَهِيَّةِ مَبْدَأ العِبادَةِ لِأنَّ مَن أشْرَكَ مَعَ المُسْتَحِقِّ ما لَيْسَ بِمُسْتَحِقٍّ فَقَدْ تَباعَدَ عَنِ التَّذَلُّلِ والخُضُوعِ لَهُ. فالمُخاطَبُ بِالأمْرِ بِالعِبادَةِ المُشْرِكُونَ مِنَ العَرَبِ والدَّهْرِيُّونَ مِنهم وأهْلُ الكِتابِ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ بِما عَلَيْهِ مِن واجِبِ العِبادَةِ مِن إثْباتِ الخالِقِ ومِن تَوْحِيدِهِ، ومِنَ الإيمانِ بِالرَّسُولِ، والإسْلامِ لِلدِّينِ والِامْتِثالِ لِما شَرَعَهُ إلى ما وراءَ ذَلِكَ كُلِّهِ حَتّى مُنْتَهى العِبادَةِ ولَوْ بِالدَّوامِ والمُواظَبَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ مَعَهُ فَإنَّهم مَشْمُولُونَ لِلْخِطابِ عَلى ما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، فالمَأْمُورِيَّةُ هو القَدْرُ المُشْتَرَكُ حَتّى لا يَلْزَمَ اسْتِعْمالُ المُشْتَرَكِ في مَعانِيهِ عِنْدَ مَن يَأْتِي ذَلِكَ الِاسْتِعْمالَ، وإنْ كُنّا لا نَأْباهُ إذا صَلَحَ لَهُ السِّياقُ بِدَلِيلِ تَفْرِيعِ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ [البقرة: ٢٢] عَلى قَوْلِهِ ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ الآيَةَ. فَلَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ حُجَّةٌ لِلْقَوْلِ بِخِطابِ الكُفّارِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ لِأنَّ الأمْرَ بِالعِبادَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ إنَّما يُعْنى بِهِ الإيمانُ والتَّوْحِيدُ وتَصْدِيقُ الرَّسُولِ، وخِطابُهم بِذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وهي مَسْألَةٌ سَمِجَةٌ.

وقَدْ مَضى القَوْلُ في مَعْنى الرَّبِّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] في سُورَةِ الفاتِحَةِ. ووَجْهُ العُدُولِ عَنْ غَيْرِ طَرِيقِ الإضافَةِ مِن طُرُقِ التَّعْرِيفِ نَحْوُ العَلَمِيَّةِ إذْ لَمْ يَقُلِ اعْبُدُوا اللَّهَ، لِأنَّ في الإتْيانِ بِلَفْظِ الرَّبِّ إيذانًا بِأحَقِّيَّةِ الأمْرِ بِعِبادَتِهِ فَإنَّ المُدَبِّرَ لِأُمُورِ الخَلْقِ هو جَدِيرٌ بِالعِبادَةِ لِأنَّ فِيها مَعْنى الشُّكْرِ وإظْهارَ الِاحْتِياجِ.

وإفْرادُ اسْمِ الرَّبِّ دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ رَبُّ جَمِيعِ الخَلْقِ وهو اللَّهُ تَعالى إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ رَبٌّ يَسْتَحِقُّ هَذا الِاسْمَ بِالإفْرادِ والإضافَةِ إلى جَمِيعِ النّاسِ إلّا اللَّهُ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ وإنْ أشْرَكُوا مَعَ اللَّهِ آلِهَةً إلّا أنَّ بَعْضَ القَبائِلِ كانَ لَها مَزِيدُ اخْتِصاصٍ بِبَعْضِ الأصْنامِ، كَما كانَ لِثَقِيفٍ مَزِيدُ اخْتِصاصٍ بِاللّاتِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ وتَبِعَهُمُ الأوْسُ والخَزْرَجُ كَما سَيَأْتِي في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ﴾ [البقرة: ١٥٨] في هَذِهِ السُّورَةِ، فالعُدُولُ إلى الإضافَةِ هُنا لِأنَّها أخْصَرُ طَرِيقٍ في الدَّلالَةِ عَلى هَذا المَقْصِدِ، فَهي أخْصَرُ مِنَ المَوْصُولِ، فَلَوْ أُرِيدَ غَيْرُ اللَّهِ لَقِيلَ: اعْبُدُوا أرْبابَكم. فَلا جَرَمَ كانَ قَوْلُهُ ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ صَرِيحًا في أنَّهُ دَعْوَةٌ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ فَقَوْلُهُ ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ زِيادَةُ بَيانٍ لِمُوجِبِ العِبادَةِ، أوْ زِيادَةُ بَيانٍ لِما اقْتَضَتْهُ الإضافَةُ مِن تَضَمُّنِ مَعْنى الِاخْتِصاصِ بِأحَقِّيَّةِ العِبادَةِ.

وقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ يُفِيدُ تَذْكِيرَ الدَّهْرِيِّينَ مِنَ المُخاطَبِينَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم إنَّما خَلَقَهم آباؤُهم فَقالُوا ﴿نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] فَكانَ قَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ تَذْكِيرًا لَهم بِأنَّ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ لابُدَّ أنْ يَنْتَهُوا إلى أبٍ أوَّلٍ فَهو مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى. ولَعَلَّ هَذا هو وجْهُ التَّأْكِيدِ بِزِيادَةِ حَرْفِ مِن في قَوْلِهِ ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ الَّذِي يُمْكِنُ الِاسْتِغْناءُ عَنْهُ بِالِاقْتِصارِ عَلى ”قَبْلِكم“، لِأنَّ مِن في الأصْلِ لِلِابْتِداءِ فَهي تُشِيرُ إلى أوَّلِ المَوْصُوفِينَ بِالقَبْلِيَّةِ فَذِكْرُها هُنا اسْتِرْواحٌ لِأصْلِ مَعْناها مَعَ مَعْنى التَّأْكِيدِ الغالِبِ عَلَيْها إذا وقَعَتْ مَعَ ”قَبْلُ“ و”بَعْدُ“ . والخَلْقُ أصْلُهُ الإيجادُ عَلى تَقْدِيرٍ وتَسْوِيَةٍ ومِنهُ ”خَلَقَ الأدِيمَ إذا هَيَّأهُ لِيَقْطَعَهُ ويَخْرُزَهُ“ قالَ جُبَيْرٌ في هَرَمِ بْنِ سِنانٍ:

ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْـ ـضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي

وأُطْلِقَ الخَلْقُ في القُرْآنِ وكَلامِ الشَّرِيعَةِ عَلى إيجادِ الأشْياءِ المَعْدُومَةِ فَهو إخْراجُ الأشْياءِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ إخْراجًا لا صَنْعَةَ فِيهِ لِلْبَشَرِ، فَإنَّ إيجادَ البَشَرِ بِصَنْعَتِهِمْ أشْياءَ إنَّما هو تَصْوِيرُها بِتَرْكِيبِ مُتَفَرِّقِ أجْزائِها وتَقْدِيرِ مَقادِيرَ مَطْلُوبَةٍ مِنها كَصانِعِ الخَزَفِ، فالخَلْقُ وإيجادُ العَوالِمِ وأجْناسِ المَوْجُوداتِ وأنْواعِها وتَوَلُّدِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ بِما أوْدَعَتِ الخِلْقَةُ الإلَهِيَّةُ فِيها مِن نِظامِ الإيجادِ مِثْلِ تَكْوِينِ الأجِنَّةِ في الحَيَوانِ في بُطُونِهِ وبَيْضِهِ، وتَكْوِينِ الزَّرْعِ في حُبُوبِ الزَّرِّيعَةِ، وتَكْوِينِ الماءِ في الأسْحِبَةِ فَذَلِكَ كُلُّهُ خَلْقٌ وهو مِن تَكْوِينِ اللَّهِ تَعالى ولا عِبْرَةَ بِما قَدْ يُقارِنُ بَعْضَ ذَلِكَ الإيجادِ مِن عِلاجِ النّاسِ كالتَّزْوِيجِ وإلْقاءِ الحَبِّ والنَّوى في الأرْضِ لِلْإنْباتِ، فالإيجادُ الَّذِي هو الإخْراجُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ بِدُونِ عَمَلٍ بَشَرِيٍّ خُصَّ بِاسْمِ الخَلْقِ في اصْطِلاحِ الشَّرْعِ، لِأنَّ لَفْظَ الخَلْقِ هو أقْرَبُ الألْفاظِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ دَلالَةً عَلى مَعْنى الإيجادِ مِنَ العَدَمِ الَّذِي هو صِفَةُ اللَّهِ تَعالى، وصارَ ذَلِكَ مَدْلُولَ مادَّةِ خَلَقَ في اصْطِلاحِ أهْلِ الإسْلامِ، فَلِذَلِكَ خُصَّ إطْلاقُهُ في لِسانِ الإسْلامِ بِاللَّهِ تَعالى ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] وقالَ ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣] وخُصَّ اسْمُ الخالِقِ بِهِ تَعالى فَلا يُطْلَقُ عَلى غَيْرِهِ، ولَوْ أطْلَقَهُ أحَدٌ عَلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى بِناءً عَلى الحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ لَكانَ إطْلاقُهُ عَجْرَفَةً، فَيَجِبُ أنْ يُنَبَّهَ عَلى تَرْكِهِ. وقالَ الغَزالِيُّ في المَقْصِدِ الأسْنَي: لا حَظَّ لِلْعَبْدِ في اسْمِهِ تَعالى الخالِقِ إلّا بِوَجْهٍ مِنَ المَجازِ بَعِيدٍ، فَإذا بَلَغَ في سِياسَةِ نَفْسِهِ وسِياسَةِ الخَلْقِ مَبْلَغًا يَنْفَرِدُ فِيهِ بِاسْتِنْباطِ أُمُورٍ لَمْ يُسْبَقْ إلَيْها ويَقْدِرُ مَعَ ذَلِكَ عَلى فِعْلِها كانَ كالمُخْتَرِعِ لِما لَمْ يَكُنْ لَهُ وُجُودٌ مِن قَبْلُ فَيَجُوزُ إطْلاقُ الِاسْمِ أيِ الخالِقِ عَلَيْهِ مَجازًا اهـ.

فَجَعَلَ جَوازَ إطْلاقِ فِعْلِ الخَلْقِ عَلى اخْتِراعِ بَعْضِ العِبادِ مَشْرُوطًا بِهَذِهِ الحالَةِ النّادِرَةِ، ومَعَ ذَلِكَ جَعَلَهُ مَجازًا بَعِيدًا، فَما حَكاهُ اللَّهُ في القُرْآنِ مِن قَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩] وقَوْلِ اللَّهِ تَعالى ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠] فَإنَّ ذَلِكَ مُراعى فِيهِ أصْلُ الإطْلاقِ اللُّغَوِيِّ قَبْلَ غَلَبَةِ اسْتِعْمالِ مادَّةِ خَلَقَ في الخَلْقِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ تَعالى. ثُمَّ تَخْصِيصُ تِلْكَ المادَّةِ بِتَكْوِينِ اللَّهِ تَعالى المَوْجُوداتِ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] وجُمْلَةُ ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِاعْبُدُوا، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ أيْ أمَرْتُكم بِعِبادَتِهِ لِرَجاءٍ مِنكم أنْ تَتَّقُوا.

ولَعَلَّ حَرْفٌ يَدُلُّ عَلى الرَّجاءِ. والرَّجاءُ هو الإخْبارُ عَنْ تَهَيُّئِ وُقُوعِ أمْرٍ في المُسْتَقْبَلِ وُقُوعًا مُؤَكَّدًا. فَتَبَيَّنَ أنَّ لَعَلَّ حَرْفٌ مَدْلُولُهُ خَبَرِيٌّ لِأنَّها إخْبارٌ عَنْ تَأكُّدِ حُصُولِ الشَّيْءِ ومَعْناها مُرَكَّبٌ مِن رَجاءِ المُتَكَلِّمِ في المُخاطَبِ وهو مَعْنًى جُزْئِيٌّ حَرْفِيٌّ، وقَدْ شاعَ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ وأهْلِ العُلُومِ الحَيْرَةُ في مَحْمَلِ لَعَلَّ الواقِعَةِ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ مَعْنى التَّرَجِّي يَقْتَضِي عَدَمَ الجَزْمِ بِوُقُوعِ المَرْجُوِّ عِنْدَ المُتَكَلِّمِ، فَلِلشَّكِّ جانِبٌ في مَعْناها حَتّى قالَ الجَوْهَرِيُّ لَعَلَّ كَلِمَةُ شَكٍّ، وهَذا لا يُناسِبُ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى بِأحْوالِ الأشْياءِ قَبْلَ وُقُوعِها، ولِأنَّها قَدْ ورَدَتْ في أخْبارٍ مَعَ عَدَمِ حُصُولِ المَرْجُوِّ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٠] مَعَ أنَّهم لَمْ يَتَذَكَّرُوا كَما بَيَّنَتْهُ الآياتُ مِن بَعْدُ.

ولَهم في تَأْوِيلِ لَعَلَّ الواقِعَةِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى وُجُوهٌ: أحَدُها قالَ سِيبَوَيْهِ لَعَلَّ عَلى بابِها والتَّرَجِّي أوِ التَّوَقُّعُ إنَّما هو في حَيِّزِ المُخاطَبِينَ اهـ. يَعْنِي أنَّها لِلْإخْبارِ بِأنَّ المُخاطَبَ يَكُونُ مَرْجُوًّا، واخْتارَهُ الرَّضِيُّ قائِلًا: لِأنَّ الأصْلَ أنْ لا تَخْرُجَ عَنْ مَعْناها بِالكُلِّيَّةِ.

وأقُولُ: لا يَعْنِي سِيبَوَيْهِ أنَّ ذَلِكَ مَعْنًى أُصِّلَ لَها ولَكِنَّهُ يَعْنِي أنَّها مَجازٌ قَرِيبٌ مِن مَعْنى الحَقِيقَةِ لِوُقُوعِ التَّعْجِيزِ في أحَدِ جُزْأيِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ لِأنَّ الرَّجاءَ يَقْتَضِي راجِيًا ومَرْجُوًّا مِنهُ، فَحَرْفُ الرَّجاءِ دالٌّ عَلى مَعْنى فِعْلِ الرَّجاءِ إلّا أنَّهُ مَعْنًى جُزْئِيٌّ، وكُلٌّ مِنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ مَدْلُولٌ لِمَعْنى الفِعْلِ بِالِالتِزامِ، فَإذا دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلى تَعْطِيلِ دَلالَةِ حَرْفِ الرَّجاءِ عَلى فاعِلِ الرَّجاءِ لَمْ يَكُنْ في الحَرْفِ أوِ الفِعْلِ تَمَجُّزٌ، إذِ المَجازُ إنَّما يَتَطَرَّقُ لِلْمَدْلُولاتِ اللُّغَوِيَّةِ لا العَقْلِيَّةِ وكَذَلِكَ إذا لَمْ يَحْصُلِ الفِعْلُ المَرْجُوُّ.

ثانِيها أنَّ لَعَلَّ لِلْإطْماعِ تَقُولُ لِلْقاصِدِ: لَعَلَّكَ تَنالُ بُغْيَتَكَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ جاءَتْ عَلى سَبِيلِ الإطْماعِ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ. والإطْماعُ أيْضًا مَعْنًى مَجازِيٌّ لِلرَّجاءِ لِأنَّ الرَّجاءَ يَلْزَمُهُ التَّقْرِيبُ، والتَّقْرِيبُ يَسْتَلْزِمُ الإطْماعَ، فالإطْماعُ لازَمٌ بِمَرْتَبَتَيْنِ.

ثالِثُها أنَّها لِلتَّعْلِيلِ بِمَعْنى كَيْ، قالَهُ قُطْرُبٌ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وابْنُ الأنْبارِيِّ؛ وأحْسَبُ أنَّ مُرادَهم هَذا المَعْنى في المَواقِعِ الَّتِي لا يَظْهَرُ فِيها مَعْنى الرَّجاءِ، فَلا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ أنَّهُ لا يَطَّرِدُ في نَحْوِ قَوْلِهِ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] لِصِحَّةِ مَعْنى الرَّجاءِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُخاطَبِ. ولا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ أيْضًا أنَّهُ إثْباتُ مَعْنًى في (لَعَلَّ) لا يُوجَدُ لَهُ شاهِدٌ مِن كَلامِ العَرَبِ، وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلًا مُتَفَرِّعًا عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَها لِلْإطْماعِ فَقالَ: ”ولِأنَّهُ إطْماعٌ مِن كِرِيمٍ إذا أُطْمِعَ فَعَلَ قالَ“ مَن قالَ: إنَّ لَعَلَّ بِمَعْنى كَيْ يَعْنِيَ فَهو مَعْنًى مَجازِيٌّ ناشِئٌ عَنْ مَجازٍ آخَرَ، فَهو مِن تَرْكِيبِ المَجازِ عَلى اللُّزُومِ بِثَلاثِ مَراتِبَ.

رابِعُها ما ذَهَبَ إلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّها اسْتِعارَةٌ فَقالَ: ولَعَلَّ واقِعَةٌ في الآيَةِ مَوْقِعَ المَجازِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ عِبادَهُ لِيَتَعَبَّدَهم، ووَضَعَ في أيْدِيهِمْ زِمامَ الِاخْتِيارِ وأرادَ مِنهُمُ الخَيْرَ والتَّقْوى، فَهم في صُورَةِ المَرْجُوِّ مِنهم أنْ يَتَّقُوا لِيَتَرَجَّحَ أمْرُهم، وهم مُخْتارُونَ بَيْنَ الطّاعَةِ والعِصْيانِ كَما تَرَجَّحَتْ حالُ المُرْتَجِي بَيْنَ أنْ يَفْعَلَ وأنْ لا يَفْعَلَ. ومِصْداقُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] وإنَّما يُبْلى ويُخْتَبَرُ مَن تَخْفى عَنْهُ العَواقِبُ، ولَكِنْ شَبَّهَ بِالِاخْتِبارِ بِناءَ أمْرِهِمْ عَلى الِاخْتِيارِ. فَكَلامُ الكَشّافِ يَجْعَلُ لَعَلَّ في كَلامِهِ تَعالى اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً لِأنَّهُ جَعَلَها تَشْبِيهَ هَيْئَةٍ مُرَكَّبَةٍ مِن شَأْنِ المُرِيدِ والمُرادِ مِنهُ والإرادَةِ بِحالٍ مُرَكَّبَةٍ مِنَ الرّاجِي والمَرْجُوِّ مِنهُ والرَّجاءِ فاسْتُعِيرَ المُرَكَّبُ المَوْضُوعُ لِلرَّجاءِ لِمَعْنى المُرَكَّبِ الدّالِّ عَلى الإرادَةِ.

وعِنْدِي وجْهٌ آخَرُ مُسْتَقِلٌّ وهو أنَّ لَعَلَّ الواقِعَةَ في مَقامِ تَعْلِيلِ أمْرٍ أوْ نَهْيٍ لَها اسْتِعْمالٌ يُغايِرُ اسْتِعْمالَ لَعَلَّ المُسْتَأْنَفَةَ في الكَلامِ سَواءٌ وقَعَتْ في كَلامِ اللَّهِ أمْ في غَيْرِهِ، فَإذا قُلْتَ: افْتَقِدْ فُلانًا لَعَلَّكَ تَنْصَحُهُ كانَ إخْبارًا بِاقْتِرابِ وُقُوعِ الشَّيْءِ وأنَّهُ في حَيِّزِ الإمْكانِ إنْ تَمَّ ما عُلِّقَ عَلَيْهِ، فَأمّا اقْتِضاؤُهُ عَدَمَ جَزْمِ المُتَكَلِّمِ بِالحُصُولِ فَذَلِكَ مَعْنًى التِزامِيٌّ أغْلَبِيٌّ قَدْ يُعْلَمُ انْتِفاؤُهُ بِالقَرِينَةِ، وذَلِكَ الِانْتِفاءُ في كَلامِ اللَّهِ أوَقَعُ، فاعْتِقادُنا بِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ لَمْ يَقَعْ أوْ لا يَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ هو القَرِينَةُ عَلى تَعْطِيلِ هَذا المَعْنى الِالتِزامِيِّ دُونَ احْتِياجٍ إلى التَّأْوِيلِ في مَعْنى الرَّجاءِ الَّذِي تُفِيدُهُ لَعَلَّ حَتّى يَكُونَ مَجازًا أوِ اسْتِعارَةً لِأنَّ لَعَلَّ إنَّما أُتِيَ بِها لِأنَّ المَقامَ يَقْتَضِي مَعْنى الرَّجاءِ فالتِزامُ تَأْوِيلِ هَذِهِ الدِّلالَةِ في كُلِّ مَوْضِعٍ في القُرْآنِ تَعْطِيلٌ لِمَعْنى الرَّجاءِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ، والجَماعَةُ لَجَئُوا إلى التَّأْوِيلِ لِأنَّهم نَظَرُوا إلى لَعَلَّ بِنَظَرٍ مُتَّحِدٍ في مَواقِعِ اسْتِعْمالِها بِخِلافِ لَعَلَّ المُسْتَأْنَفَةِ فَإنَّها أقْرَبُ إلى إنْشاءِ الرَّجاءِ مِنها إلى الإخْبارِ بِهِ. وعَلى كُلٍّ فَمَعْنى لَعَلَّ غَيْرُ مَعْنى أفْعالِ المُقارَبَةِ. والتَّقْوى هي الحَذَرُ مِمّا يُكْرَهُ، وشاعَتْ عِنْدَ العَرَبِ والمُتَدَيِّنِينَ في أسْبابِها، وهو حُصُولُ صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي يَجْمَعُها التَّدَيُّنُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ولَمّا كانَتِ التَّقْوى نَتِيجَةَ العِبادَةِ جُعِلَ رَجاؤُها أثَرًا لِلْأمْرِ بِالعِبادَةِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] فالمَعْنى اعْبُدُوا رَبَّكم رَجاءَ أنْ تَتَّقُوا فَتُصْبِحُوا كامِلِينَ مُتَّقِينَ، فَإنَّ التَّقْوى هي الغايَةُ مِنَ العِبادَةِ فَرَجاءُ حُصُولِها عِنْدَ الأمْرِ بِالعِبادَةِ وعِنْدَ عِبادَةِ العابِدِ أوْ عِنْدَ إرادَةِ الخَلْقِ والتَّكْوِينِ واضِحُ الفائِدَةِ.

الدر المصون - السمين الحلبي

الدر المصون للسمين الحلبي - السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)

قوله تعالى {يَاأَيُّهَا الناس اعبدوا رَبَّكُمُ} . . «يا» حرف نداء وهي أم الباب، وزعم بعضُهم أنها اسمُ فعلٍ، وقد تُحْذَفُ نحو: {يُوسُفُ أَعْرِضْ} [يوسف: 29] وينادى بها المندوبُ والمستغاثُ، قال الشيخ: «وعلى كثرة وقوع النداءِ في القرآن لمَ يَقَعْ نداءٌ إلا بها» . قلت: زَعَمَ بعضُهم أنَّ قراءةَ {أَمَنْ هُوَ قَانِتٌ} [الزمر: 9] بتخفيف الميم أنَّ الهمزةَ فيه للنداءِ وهو غريبٌ. وقد يُراد بها مجردُّ التنبيه فيليها الجملُ الاسمية والفعلية، قال تعالى: {أَلاَ يا اسْجُدوا} [النمل: 25] بتخفيف أَلا، وقال الشاعر:

256 - ألا يا اسْقِياني قبلَ غارةِ سِنْجالِ ... . . وقال الآخر:

257 - يا لعنةُ اللهِ والأقوامِ كُلِّهمِ ... والصالحينَ على سِمْعانَ من جارِ

و «أيّ» اسمُ منادى في محل نصب، ولكنه بُني على الضمِّ لأنه مفردٌ معرفةٌ. وزعم الأخفشُ أنَّها هنا موصولةٌ، وأنَّ المرفوعَ بعدها خبرُ مبتدأ مضمرٍ، والجملة صلةٌ، والتقديرُ: يا الذين هم الناسُ، والصحيح الأول، والمرفوع بعدها صفةٌ لها يلزم رَفْعُه، ولا يجوزُ نَصْبُه على المحلِّ، خلافاً للمازني، و «ها» زائدةٌ للتنبيه لازمةٌ لها، والمشهورُ فتحُ هائِها. ويجوزُ ضَمُّها إتباعاً للياء، وقد قرأ عامر بذلك في بعض المواضع نحو: {أيُّهُ المؤمنون} [النور: 31] ، والمرسُوم يساعده.

ولا يجوزُ وَصْفُ «أيّ» هذه إلا بما فيه الألفُ واللامُ، أو بموصولٍ هما فيه، أو باسم إشارة نحو: {ياأيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر} [الحجر: 6] ، وقال الشاعر:

258 - ألا أيُّهذا النابِحُ السِّيدَ إنني ... على نَأْيها مُسْتَبْسِلٌ مِنْ ورائِها

ول «أيّ» معانٍ أُخَرُ كالاستفهام والشرطِ وكونِها موصولةً ونكرةً موصوفةً وصفةً لنكرةٍ وحالاً لمعرفةٍ.

و «الناسُ» صفةٌ لأي، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ حَسْبما تقدَّم من الخلاف. و «اعبدوا رَبَّكُمُ» جملةٌ أمرية لا محلَّ لها لأنها ابتدائيةٌ.

قولُه تعالى: {الذي خَلَقَكُمْ} فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرُها: نصبهُ على النعتِ لِرَّبكم. الثاني: نصبُه على القَطْع. الثالثُ: رَفْعُه على القطعِ أيضاً، وقد تقدَّم معناه.

قوله تعالى: {والذين مِن قَبْلِكُمْ} محلُّه النصبُ لعطفِه على المنصوبِ في «خَلَقَكم» ، و «مِنْ قبلكم» صِلةُ الذين، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ على ما تقرَّر، و «مِنْ» لابتداء الغاية. واستشكلَ بعضُهم وقوعَ «مِنْ قبلكم» صلةً من حيث إنَّ كلَّ ما جاز أن يُخْبَرَ به جاز أن يَقَعَ صلةً، و «مِنْ قبلكم» ناقصٌ ليس في الإِخبار به عن الأعيان فائدةٌ إلا بتأويل، فكذلك الصلةُ، قال: «وتأويلُه أنَّ ظرفَ الزمانِ إذا وُصِفَ صَحَّ الإِخبارُ والوصلُ به تقول: نحن في يومٍ طَيِّبٍ، فيكون التقديرُ هنا والله أعلم: والذين كانوا من زمان قبلَ زمانكم» . / وقال أبو البقاء: «التقدير: والذين خَلَقَهم من قبلِ خَلْقِكم، فَحَذَفَ الخَلْقَ وأقام الضميرَ مُقامَه» .

وقرأ زيدٌ بنُ علي: «والذين مَن قَبْلِكُمْ» بفتح الميم. قال الزمخشري: ووجهُها على إشكالِها أن يقالَ: أَقْحَمَ الموصولَ الثاني بين الأول وصلتِه تأكيداً، كما أقحم جرير في قوله:

259 - يَا تَيْمَ تَيْمَ عَدِيٍّ لا أبَالكُمُ ... . . . . . 

تَيْماً الثاني بين الأولِ وما أُضيفَ إليه، وكإقحامِهم لمَ الإِضافة بين المضافِ والمضاف إليه في نحو: لا أبالكَ، قيل: «هذا الذي قاله مذهبٌ لبعضِهم ومنه قولُه:

260 - من النَفَر اللاءِ الذين إذا هُمُ ... يَهابُ اللِّئامُ حَلْقَةَ البابِ قَعْقَعُوا فإذا وجوابُها صلةُ» اللاء «، ولا صلة للذين لأنه توكيدٌ للأول.

إلا أنَّ بعضَهم يَرُّدُّ هذا القولَ ويجعلُه فاسداً، مِنْ جهةِ أنه لا يُؤكَّدُ الحرفُ إلا بإعادةِ ما اتصل به فالوصولُ أَوْلَى بذلك، وخَرَّجَ الآية والبيتَ على أنَّ» مَنْ قبلكم «صلةٌ للموصولِ الثاني، والموصولُ الثاني وصلتُه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، والمبتدأُ وخبرُه صلةُ الأول، والتقديرُ: والذينَ هُمْ قبلكم، وكذا البيتُ، تَجْعَلُ» إذا «وجوابَها صلةً للذين، والذين خبرٌ لمبتدأ محذوف، وذلك المبتدأُ وخبرُه صلةٌ لِلاَّءِ، ولا يَخْفَى ما في هذا من التعسُّفِ.

والخَلْق يقال باعتبارين، وأحدهما: الإِبداع والاختراع، وهذه الصفةُ ينفردُ بها الباري تعالى. والثاني: التقديرُ: قال زهير:

261 - ولأَنْتَ تَفْري ما خَلَقْتَ وبَعْ ... ضُ القومِ يَخْلُقُ ثم لاَ يَفْري

وقال الحَّجاج:» ما خلقْتُ إلاَّ فَرَيْتُ ولا وَعَدْتُ إلا وَفَيْتُ «.

وهذه الصفةُ لا يختصُّ بها اللهُ تعالى، وقد غَلِط أبو عبد الله البصري في أنه لا يُطْلق اسمُ الخالقِ على الله تعالى، قال: لأنه مُحَالٌ، وذلك أن التقدير والتسويةَ في حق الله تعالى ممتنعان، لأنهما عبارةٌ عن التفكُّر والظنِّ، وكأنه لم يسمع قوله تعالى: {هُوَ الله الخالق البارىء} [الحشر: 24] {الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62] . وكأنه لم يعلم أنَّ الخَلْقَ يكون عبارةً عن الإِنشاءِ والاختراع.

قولُه تعالى:» لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ «لعلَّ واسمُها وخبرُها، وإذا وَرَدَ ذلك في كلام الله تعالى، فللناسِ فيه ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُها: أنَّ» لَعَلَّ «على بابها من الترجِّي والإِطماع، ولكنْ بالنسبةِ إلى المخاطَبين، أي: لعلَّكم تتقون على رجائِِكم وطمعِكم، وكذا قال سيبويه في قوله تعالى: {لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ} أي: اذهبا على رجائكما. والثاني: أنها للتعليل، أي اعبدوا ربَّكم لكي تتقوا، وبه قال قطرب والطبري وغيرُهما وأنشدوا:

26 - 2- وقُلْتُمْ لنا كُفُّوا الحروبَ لَعَلَّنا ... نَكُفُّ ووَثَّقْتُمْ لنا كلَّ مَوْثِقِ

فلمّا كَفَفْنَا الحربَ كانَتْ عهودُكُمْ ... كَلَمْعِ سَرابٍ في المَلاَ مُتَألِّقِ

أي: لكي نَكُفَّ الحربَ، ولو كانت» لعلَّ «للترجي لم يقلْ: وَوَثَّقْتُمْ لنا كلَّ مَوْثِقِ. والثالث: أنها للتعرُّض/ للشيء، كأنه قيل: افعلوا ذلك متعرِّضين لأَِنَّ تتَّقوا. وهذه الجملةُ على كلِّ قولٍ متعلقةٌ من جهةِ المعنى باعبُدوا، أي: اعبدوه على رجائِكم التقوى، أو لتتقوا، أو متعرِّضين للتقوى، وإليه مالَ المهدوي وأبو البقاء.

وقال ابن عطية: «يتَّجِهُ تعلًُّقُها ب» خَلَقَكم «، أنَّ كلَّ مولودٍ يُولد على الفطرةِ فهو بحيِثُ يُرْجى أَنْ يكونَ مُتَّقِياً، إلاَّ أنَّ المهدويَّ مَنَع من ذلك، قال:» لأنَّ مَنْ ذَرأَه الله لجهنَّم لم يَخْلُقْه ليتَّقِيَ «ولم يَذْكر الزمخشري غيرَ تعلُّقِها ب» خَلَقَكُمْ «، ثم رتَّب على ذلك سؤالين، أحدُهما: أنه كما خَلَقَ المخاطبين لعلهم يتقون كذلك خَلَقَ الذين مِنْ قبلهم لذلك، فلِمَ خَصَّ المخاطبينَ بذلك دونَ مَنْ قَبلهم؟ وأجابَ عنه بأنَّه لَم يَقْصُرْه عليهم بل غلَّبَ المخاطبين على الغائبين في اللفظِ، والمعنى على إرادةِ الجميع. السؤالُ الثانِي: هَلاَّ قيل» تعبدونَ «لأجلِ اعبدوا، أو اتقوا لمكانِ» تَتَّقُون «ليتجاوبَ طَرفا النَّظْم، وأجابَ بأنَّ التقوى ليست غيرَ العبادةِ، حتى يؤدِّيَ ذلك إلى تنافُرِ النظم، وإنما التقوى قُصارى أمرِ العابدِ وأقصى جُهْدِه. قال الشيخ:» وأمَّا قولُه: ليتجاوبَ طرفاً النَظْم فليس بشيء، لأنه لا يمكن هنا تجاوبُ طَرَفَي النظْمِ، إذ نَظْمُ اللفظ: اعبدوا ربَّكم لعلكم تعبدُون، أو اتقوا ربكم لعلكم تتقون، وهذا بعيدٌ في المعنى، إذ هو مثل: اضربْ زيداً لعلك تَضْربُه، واقصدْ خالداً لعلك تَقْصِدُه، ولا يَخْفَى ما في ذلك من غَثاثةِ اللفظِ وفسادِ المعنى «. والذي يظهرُ به صحتُه أن يكونَ» لعلكم تتقون «متعلقاً بقولِه:» اعبدوا «، فالذي نُودوا لأجلهِ هو الأمرُ بالعبادة، فناسَبَ أن يتعلَّقَ بها ذلك، وأتى بالموصولِ وصلتِه على سبيل التوضيحِ أو المدحِ الذي تعلَّقت به العبادةُ، فلم يُجَأ بالموصولِ لَيُحَدِّثَ عنه، بل جاءَ في ضمنِ المقصودِ بالعبادةِ، فلم يكُنْ يتعلَّقُ به دونَ المقصودِ. قلت: وهذا واضحٌ.

وفي» لعلَّ «لغاتٌ كثيرةٌ، وقد يُجَرُّ بها، قال: 263 - لَعلَّ اللهِ فَضَّلَكُمْ علينا ... بشيء أنَّ أمَّكُمُ شَرِيمُ

ولا تنصِبُ الاسمين على الصحيح، وقد تَدْخُلُ» أَنْ «في خبرها حَمْلاً على» عسى «، قال:

264 - لَعَلَّكَ يوماً أن تُلِمَّ مُلِمَّةٌ ... . . . .

وقد تأتي للاستفهامِ والتعليلِ كما تقدَّم، ولكنَّ أصلَها أن تكونَ للترجِّي والطمعِ في المحبوباتِ والإِشفاق في المكروهات كعسى، وفيها كلامٌ أطولُ من هذا يأتي مفصَّلاً في غضونِ هذا الكتابِ إنْ شاء الله تعالى.

وأصلُ تَتَّقُون: تَوْتَقِيُون لأنه من الوقاية، فأُبْدِلَتْ الواوُ تاء قبل تاء الافتعالِ، وأُدْغِمَتْ فيها، وقد تقدَّم ذلك في {لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2] ، ثم اسْتُثْقِلَت الضمةُ على الياء فَقُدِّرَتْ، فَسَكَنَتْ الياءُ والواوُ بعدَها، فحُذِفَتِ الياءُ لالتقاءِ الساكنين، وضُمَّت القافُ لتجانِسَها، فوزنُه الآن: تَفْتَعُونَ. وهذه الجملةُ أعني» لعلكم تتقونَ «لا يجوزُ أن تكونَ حَالاً لأنها طلبيةٌ، وإن كانَتْ عبارةُ بعضِهم تُوهم ذلك. ومفعولُ تَتَّقون محذوفٌ أي» تَتَّقون «الشِرْك أو النارَ.

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني
ناس

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

نوس

النَّاس قيل: أصله أُنَاس، فحذف فاؤه لمّا أدخل عليه الألف واللام، وقيل: قلب من نسي، وأصله إنسيان على إفعلان، وقيل: أصله من: نَاسَ يَنُوس: إذا اضطرب، ونِسْتُ الإبل: سقتها، وقيل: ذو نواس: ملك كان ينوس على ظهره ذؤابة فسمّي بذلك، وتصغيره على هذا نويس. قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس : 1] [والناس قد يذكر ويراد به الفضلاء دون من يتناوله اسم الناس تجوّزا، وذلك إذا اعتبر معنى الإنسانيّة، وهو وجود العقل، والذّكر، وسائر الأخلاق الحميدة، والمعاني المختصّة به، فإنّ كلّ شيء عدم فعله المختصّ به لا يكاد يستحقّ اسمه كاليد، فإنّها إذا عدمت فعلها الخاصّ بها فإطلاق اليد عليها كإطلاقها على يد السّرير ورجله، فقوله: ﴿آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ﴾ [البقرة : 13] أي: كما يفعل من وجد فيه معنى الإنسانيّة، ولم يقصد بالإنسان عينا واحدا بل قصد المعنى، وكذا قوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ [النساء : 54] أي: من وجد فيه معنى الإنسانيّة أيّ إنسان كان، وربّما قصد به النّوع كما هو، وعلى هذا قوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ(١)(٢).

(١) قيل في الآية إنّ المراد بالناس هو النبي ﷺ، وقيل: العرب. انظر: الدر المنثور 2/ 566.

(٢) ما بين [] نقله الزركشي في البرهان 2/ 227.

عبد

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

عبد

العُبُودِيَّةُ: إظهار التّذلّل، والعِبَادَةُ أبلغُ منها، لأنها غاية التّذلّل، ولا يستحقّها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى، ولهذا قال: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء : 23] .

والعِبَادَةُ ضربان: عِبَادَةٌ بالتّسخير، وهو كما ذكرناه في السّجود.

وعِبَادَةٌ بالاختيار، وهي لذوي النّطق، وهي المأمور بها في نحو قوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة : 21] ، ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النساء : 36] .

والعَبْدُ يقال على أربعة أضرب: الأوّل: عَبْدٌ بحكم الشّرع، وهو الإنسان الذي يصحّ بيعه وابتياعه، نحو: ﴿الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة : 178] ، و﴿عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ [النحل : 75] .

الثاني: عَبْدٌ بالإيجاد، وذلك ليس إلّا لله، وإيّاه قصد بقوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً﴾ [مريم : 93] .

والثالث: عَبْدٌ بالعِبَادَةِ والخدمة، والناس في هذا ضربان: عبد لله مخلص، وهو المقصود بقوله: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ﴾ [ص : 41] ، ﴿إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً﴾ [الإسراء : 3] ، ﴿نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان : 1] ، ﴿عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ﴾ [الكهف : 1] ، ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر : 42] ، ﴿كُونُوا عِباداً لِي﴾ [آل عمران : 79] ، ﴿إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر : 40] ، ﴿وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [مريم : 61] ، ﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾ [الفرقان : 63] ، ﴿فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا﴾ [الدخان : 23] ، ﴿فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا﴾ [الكهف : 65] .

وعَبْدٌ للدّنيا وأعراضها، وهو المعتكف على خدمتها ومراعاتها، وإيّاه قصد النّبي عليه الصلاة والسلام بقوله: «تعس عَبْدُ الدّرهمِ، تعس عَبْدُ الدّينار»(١) ، وعلى هذا النحو يصحّ أن يقال: ليس كلّ إنسان عَبْداً لله، فإنّ العَبْدَ على هذا بمعنى العَابِدِ، لكن العَبْدَ أبلغ من العَابِدِ، والناس كلّهم عِبَادُ الله بل الأشياء كلّها كذلك، لكن بعضها بالتّسخير وبعضها بالاختيار، وجمع العَبْدِ الذي هو مُسترَقٌّ: عَبِيدٌ، وقيل: عِبِدَّى(٢) ، وجمع العَبْدِ الذي هو العَابِدُ عِبَادٌ، فالعَبِيدُ إذا أضيف إلى الله أعمّ من العِبَادِ. ولهذا قال: ﴿وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق : 29] ، فنبّه أنه لا يظلم من يختصّ بِعِبَادَتِهِ ومن انتسب إلى غيره من الّذين تسمّوا بِعَبْدِ الشمس وعَبْدِ اللّات ونحو ذلك.

ويقال: طريق مُعَبَّدٌ، أي: مذلّل بالوطء، وبعير مُعَبَّدٌ: مذلّل بالقطران، وعَبَّدتُ فلاناً: إذا ذلّلته، وإذا اتّخذته عَبْداً. قال تعالى: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [الشعراء : 22]. 

(١) أخرجه البخاري في كتاب الرقائق 7/ 175.

(٢) في اللسان: ومن الجمع: عبدان، وعبدان، وعبدّان.

رب

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

رب

الرَّبُّ في الأصل: التربية، وهو إنشاء الشيء حالا فحالا إلى حدّ التمام، يقال رَبَّهُ، وربّاه ورَبَّبَهُ. وقيل: (لأن يربّني رجل من قريش أحبّ إليّ من أن يربّني رجل من هوازن)(١) . فالرّبّ مصدر مستعار للفاعل، ولا يقال الرّبّ مطلقا إلا لله تعالى المتكفّل بمصلحة الموجودات، نحو قوله: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ : 15] .

وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً﴾ [آل عمران : 80] أي: آلهة، وتزعمون أنهم الباري مسبّب الأسباب، والمتولّي لمصالح العباد، وبالإضافة يقال له ولغيره، نحو قوله: رَبِّ الْعالَمِينَ [الفاتحة : 1] ، و﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات : 126] ، ويقال: رَبُّ الدّار، ورَبُّ الفرس لصاحبهما، وعلى ذلك قول الله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف : 42] ، وقوله تعالى: ﴿ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ﴾ [يوسف : 50] ، وقوله: ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ﴾ [يوسف : 23] ، قيل: عنى به الله تعالى، وقيل: عنى به الملك الذي ربّاه(٢) ، والأوّل أليق بقوله. والرَّبَّانِيُّ قيل: منسوب إلى الرّبّان، ولفظ فعلان من: فعل يبنى نحو: عطشان وسكران، وقلّما يبنى من فعل، وقد جاء نعسان. وقيل: هو منسوب إلى الرّبّ الذي هو المصدر، وهو الذي يربّ العلم كالحكيم، وقيل: منسوب إليه، ومعناه، يربّ نفسه بالعلم، وكلاهما في التحقيق متلازمان، لأنّ من ربّ نفسه بالعلم فقد ربّ العلم، ومن ربّ العلم فقد ربّ نفسه به. وقيل: هو منسوب إلى الرّبّ، أي: الله تعالى، فالرّبّانيّ كقولهم: إلهيّ، وزيادة النون فيه كزيادته في قولهم: لحيانيّ، وجسمانيّ(٣) . قال عليّ رضي الله عنه: (أنا ربّانيّ هذه الأمّة) والجمع ربّانيّون. قال تعالى: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ﴾ [المائدة : 63] ، ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران : 79] ، وقيل: ربّانيّ لفظ في الأصل سريانيّ، وأخلق بذلك(٤) ، فقلّما يوجد في كلامهم، وقوله تعالى: ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران : 146] ، فالرِّبِّيُّ كالرّبّانيّ. والرّبوبيّة مصدر، يقال في الله عزّ وجلّ، والرِّبَابَة تقال في غيره، وجمع الرّبّ أرْبابٌ، قال تعالى: ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف : 39] ، ولم يكن من حقّ الرّبّ أن يجمع إذ كان إطلاقه لا يتناول إلّا الله تعالى، لكن أتى بلفظ الجمع فيه على حسب اعتقاداتهم، لا على ما عليه ذات الشيء في نفسه، والرّبّ لا يقال في التّعارف إلّا في الله، وجمعه أربّة، وربوب، قال الشاعر:

173- كانت أربّتهم بهز وغرّهم ... عقد الجوار وكانوا معشرا غدرا(٥)

وقال آخر:

174- وكنت امرأ أفضت إليك ربابتي ... وقبلك ربّتني فضعت ربوب(٦)

ويقال للعقد في موالاة الغير: الرِّبَابَةُ، ولما يجمع فيه القدح ربابة، واختصّ الرّابّ والرّابّة بأحد الزّوجين إذا تولّى تربية الولد من زوج كان قبله، والرّبيب والرّبيبة بذلك الولد، قال تعالى: ﴿وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء : 23] ، وربّبت الأديم بالسّمن، والدّواء بالعسل، وسقاء مربوب، قال الشاعر:

175- فكوني له كالسّمن ربّت بالأدم(٧)

والرَّبَابُ: السّحاب، سمّي بذلك لأنّه يربّ النبات، وبهذا النّظر سمّي المطر درّا، وشبّه السّحاب باللّقوح. وأَرَبَّتِ السّحابة: دامت، وحقيقته أنها صارت ذات تربية، وتصوّر فيه معنى الإقامة فقيل: أَرَبَّ فلانٌ بمكان كذا تشبيها بإقامة الرّباب، وَ «رُبَّ» لاستقلال الشيء، ولما يكون وقتا بعد وقت، نحو: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحجر : 2] .


(١) هذا من حديث صفوان بن أمية لأبي سفيان يوم حنين قالها لما انهزم الناس أول المعركة من المسلمين انظر: الروض الأنف 4/ 124، والنهاية لابن الأثير 2/ 180.

(٢) وهو قول أكثر المفسرين، ويرجّحه قوله: «أكرمي مثواه» .

(٣) راجع: تفسير القرطبي 4/ 122، وعمدة الحفاظ: ربّ.

(٤) قال السمين: فقد اختار غير المختار. عمدة الحفاظ: ربّ.

(٥) البيت لأبي ذؤيب الهذلي، وهو في ديوان الهذليين 1/ 44، والمجمل 2/ 371، واللسان (ربب) .

قال ابن فارس: والمعاهدون أربة. وبهز: حيّ من سليم.

(٦) البيت لعلقمة بن عبدة، وهو في ديوانه ص 43، والمجمل 2/ 371، واللسان (ربب) ، والمفضليات ص 394.

ومطلع القصيدة: طحا بك قلب في الحسان ... بعيد الشباب عصر حان مشيب

(٧) هذا عجز بيت لعمرو بن شأس، يخاطب امرأته، وكانت تؤذي ابنه عرارا، فقال لها: فإنّ عرارا إن يكن غير واضح ... فإني أحبّ الجون ذا المنكب الغمم

فإن كنت مني، أو تريدين صحبتي ... فكوني له كالسّمن ربّ له بالأدم

أراد بالأدم النحي، يقول لزوجته: كوني له كسمن ربّ أديمه، أي: طلي بربّ التمر. انظر: اللسان (ربب) ، والتمثيل والمحاضرة ص 282، وسمط اللآلئ 2/ 803.


خلق

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

خلق

الخَلْقُ أصله: التقدير المستقيم، ويستعمل في إبداع الشّيء من غير أصل ولا احتذاء، قال: ﴿خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام : 1] ، أي: أبدعهما، بدلالة قوله: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة : 117] ، ويستعمل في إيجاد الشيء من الشيء نحو: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [النساء : 1] ، ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [النحل : 4] ، ﴿خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ﴾ [المؤمنون : 12] ، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ [الأعراف : 11] ، ﴿خَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ﴾ [الرحمن : 15] ، وليس الخَلْقُ الذي هو الإبداع إلّا لله تعالى، ولهذا قال في الفصل بينه تعالى وبين غيره: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل : 17] ، وأمّا الذي يكون بالاستحالة، فقد جعله الله تعالى لغيره في بعض الأحوال، كعيسى حيث قال: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ [المائدة : 110] ، والخلق لا يستعمل في كافّة النّاس إلا على وجهين: أحدهما في معنى التّقدير كقول الشاعر:

149- فلأنت تفري ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثمّ لا يفري(١)

والثاني: في الكذب نحو قوله: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾ [العنكبوت : 17] ، إن قيل: قوله تعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ [المؤمنون : 14] ، يدلّ على أنّه يصحّ أن يوصف غيره بالخلق؟ قيل: إنّ ذلك معناه: أحسن المقدّرين، أو يكون على تقدير ما كانوا يعتقدون ويزعمون أنّ غير الله يبدع، فكأنه قيل: فاحسب أنّ هاهنا مبدعين وموجدين، فالله أحسنهم إيجادا على ما يعتقدون، كما قال: ﴿خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ [الرعد : 16] ، ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء : 119] ، فقد قيل: إشارة إلى ما يشوّهونه من الخلقة بالخصاء، ونتف اللّحية، وما يجري مجراه، وقيل معناه: يغيّرون حكمه، وقوله: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم : 30] ، فإشارة إلى ما قدّره وقضاه، وقيل معنى: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ نهي، أي: لا تغيّروا خلقة الله، وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ [الشعراء : 166] ، فكناية عن فروج النساء(٢) . وكلّ موضع استعمل الخلق في وصف الكلام فالمراد به الكذب، ومن هذا الوجه امتنع كثير من النّاس من إطلاق لفظ الخلق على القرآن(٣) ، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء : 137] ، وقوله: ﴿ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص : 7] ، [والخلق يقال في معنى المخلوق، والخَلْقُ والخُلْقُ في الأصل واحد، كالشّرب والشّرب، والصّرم والصّرم، لكن خصّ الخلق بالهيئات والأشكال والصّور المدركة بالبصر، وخصّ الخلق بالقوى والسّجايا المدركة بالبصيرة](٤) . قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم : 4] ، وقرئ: إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ(٥) . والْخَلَاقُ: ما اكتسبه الإنسان من الفضيلة بخلقه، قال تعالى: ﴿ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة : 102] ، وفلان خليق بكذا، أي: كأنّه مخلوق فيه، ذلك كقولك: مجبول على كذا، أو مدعوّ إليه من جهة الخلق. وخَلَقَ الثوبُ وأَخْلَقَ، وثوب خَلَقٌ ومُخْلَق وأخلاق، نحو حبل أرمام وأرمات، وتصوّر من خَلُوقَة الثوب الملامسة، فقيل: جبل أَخْلَق، وصخرة خَلْقَاء، وخَلَقْتُ الثوب: ملّسته، واخلولق السحاب منه، أو من قولهم: هو خليق بكذا، والخلوق: ضرب من الطّيب.

(١) البيت لزهير من قصيدة مطلعها: لمن الديار بقنّة الحجر ... أقوين من حجج ومن شهر

وهو في ديوانه ص 29، وديوان الأدب 2/ 123.

(٢) قال مجاهد في الآية: تركتم أقبال النساء إلى أدبار الرجال وأدبار النساء. راجع: الدر المنثور 6/ 317.

(٣) قال السمين: قوله هذا يشعر بأن لا مانع من إطلاق الخلق على القرآن إلا ذلك، وليس الأمر كذلك، بل القرآن كلامه غير مخلوق. انظر عمدة الحفاظ: خلق.

(٤) ما بين القوسين ذكره المؤلف في الذريعة ص 39.

(٥) سورة الشعراء: آية 137، وبها قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وأبو جعفر والكسائي. انظر: الإتحاف ص 333.


قبل

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

قبل

قَبْلُ يستعمل في التّقدّم المتّصل والمنفصل، ويضادّه بعد، وقيل: يستعملان في التّقدّم المتّصل، ويضادّهما دبر ودبر. هذا في الأصل وإن كان قد يتجوّز في كلّ واحد منهما.

(فَقَبْلُ) يستعمل على أوجه: الأوّل: في المكان بحسب الإضافة، فيقول الخارج من أصبهان إلى مكّة: بغداد قبل الكوفة، ويقول الخارج من مكّة إلى أصبهان: الكوفة قبل بغداد.

الثاني: في الزّمان نحو: زمان عبد الملك قبل المنصور، قال: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة : 91] .

الثالث: في المنزلة نحو: عبد الملك قبل الحجّاج.

الرابع: في الترتيب الصّناعيّ. نحو تعلّم الهجاء قبل تعلّم الخطّ، وقوله: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [الأنبياء : 6] ، وقوله: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها﴾ [طه : 130] ، ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ﴾ [النمل : 39] ، ﴿أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحديد : 16] ، فكلّ إشارة إلى التّقدّم الزّمانيّ. والقُبُلُ والدّبر يكنّى بهما عن السّوأتين، والإِقْبَالُ: التّوجّه نحو الْقُبُلِ، كَالاسْتِقْبَالِ. قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ﴾ [الصافات : 50] ، ﴿وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ [يوسف : 71] ، ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ﴾ [الذاريات : 29] ، والقَابِلُ: الذي يَسْتَقْبِلُ الدّلو من البئر فيأخذه، والْقَابِلَةُ: التي تَقْبَلُ الولد عند الولادة، وقَبِلْتُ عذره وتوبته وغيره، وتَقَبَّلْتُهُ كذلك. قال: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ﴾ [البقرة : 123] ، ﴿وَقابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر : 3] ، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [الشورى : 25] .

والتَّقَبُّلُ: قَبُولُ الشيء على وجه يقتضي ثوابا كالهديّة ونحوها. قال تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ [الأحقاف : 16] ، وقوله: ﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة : 27] ، تنبيه أن ليس كل عبادة مُتَقَبَّلَةً، بل إنّما يتقبّل إذا كان على وجه مخصوص. قال تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ [آل عمران : 35] . وقيل للكفالة: قُبَالَةٌ فإنّ الكفالة هي أوكد تَقَبُّلٍ، وقوله: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ [آل عمران : 35] ، فباعتبار معنى الكفالة، وسمّي العهد المكتوب: قُبَالَةً، وقوله: ﴿فَتَقَبَّلَها﴾ [آل عمران : 37] ، قيل: معناه قبلها، وقيل: معناه تكفّل بها، ويقول الله تعالى: كلّفتني أعظم كفالة في الحقيقة وإنما قيل: ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ﴾ [آل عمران : 37] ، ولم يقل بتقبّل للجمع بين الأمرين: التَّقَبُّلِ الذي هو التّرقّي في القَبُولِ، والقَبُولِ الذي يقتضي الرّضا والإثابة(١) . وقيل: القَبُولُ هو من قولهم: فلان عليه قبول: إذا أحبّه من رآه، وقوله: ﴿كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ [الأنعام : 111](٢) قيل: هو جمع قَابِلٍ، ومعناه: مُقَابِلٌ لحواسهم، وكذلك قال مجاهد: جماعة جماعة(٣) ، فيكون جمع قَبِيلٍ، وكذلك قوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا﴾ [الكهف : 55] ومن قرأ قبلا(٤) فمعناه: عيانا(٥) . والقَبِيلُ: جمع قَبِيلَةٍ، وهي الجماعة المجتمعة التي يقبل بعضها على بعض. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ﴾ [الحجرات : 13] ، ﴿وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء : 92] ، أي: جماعة جماعة.

وقيل: معناه كفيلا. من قولهم: قَبلْتُ فلانا وتَقَبَّلْتُ به، أي: تكفّلت به، وقيل مُقَابَلَةً، أي: معاينة، ويقال: فلان لا يعرف قَبِيلًا من دبير(٦) ، أي: ما أَقْبَلَتْ به المرأة من غزلها وما أدبرت به.

والمُقَابَلَةُ والتَّقَابُلُ: أن يُقْبِلَ بعضهم على بعض، إمّا بالذّات، وإمّا بالعناية والتّوفّر والمودّة. قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ [الواقعة : 16] ، ﴿إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الحجر : 47] ، ولي قِبَلَ فلانٍ كذا، كقولك: عنده. قال تعالى: وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ(٧) [الحاقة : 9] ، ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ [المعارج : 36] ، ويستعار ذلك للقوّة والقدرة على الْمُقَابَلَةِ، أي: المجازاة، فيقال: لا قِبَلَ لي بكذا، أي: لا يمكنني أن أُقَابِلَهُ، قال: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها﴾ [النمل : 37] ، أي: لا طاقة لهم على اسْتِقْبَالِهَا ودفاعها، والقِبْلةُ في الأصل اسم للحالة التي عليها الْمُقَابِلُ نحو: الجلسة والقعدة، وفي التّعارف صار اسما للمكان الْمُقَابَلِ المتوجّهِ إليه للصلاة.

نحو: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ [البقرة : 144] ، والقَبُولُ: ريح الصّبا، وتسميتها بذلك لِاسْتِقْبَالِهَا القِبْلَةَ، وقَبِيلَةُ الرأس: موصل الشّؤن.

وشاة مُقَابلَةٌ: قطع من قِبَلِ أذنها، وقِبَالُ النّعلِ: زمامها، وقد قَابَلْتُهَا: جعلت لها قِبالا، والقَبَلُ: الفحج(٨) ، والقُبْلَةُ: خرزة يزعم السّاحر أنه يُقْبِلُ بالإنسان على وجه الآخر، ومنه: القُبْلَةُ، وجمعها قُبَلٌ، وقَبَّلْتُهُ تَقْبِيلًا.

(١) انظر: البصائر 4/ 235.

(٢) هذه قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب وعاصم. انظر: الإتحاف ص 215.

(٣) انظر: البصائر 4/ 235، والدر المنثور 3/ 341.

(٤) وهي قراءة نافع وابن عامر وأبي جعفر. انظر: الإتحاف ص 215.

(٥) قال شيخنا أحمد بن محمد حامد الحسين الشنقيطي: وجا قبل وفق اقتدار، وقد أتى ... لردف عيان لكن القاف تكسر

وفي النوع فاضمم قافه جامعا له ... وذلك في الصاوي إذا كنت تنظر

(٦) انظر: أساس البلاغة (دبر) ، واللسان (دبر) .

(٧) وهي قراءة أبي عمرو والكسائي ويعقوب. الإتحاف ص 422.

(٨) وهو تباعد ما بين الرجلين. انظر المجمل 3/ 742.

لعل

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

لعل

لَعَلَّ: طمع وإشفاق، وذكر بعض المفسّرين أنّ «لَعَلَّ» من الله واجب، وفسّر في كثير من المواضع ب «كي» ، وقالوا: إنّ الطّمع والإشفاق لا يصحّ على الله تعالى، و «لعلّ» وإن كان طمعا فإن ذلك يقتضي في كلامهم تارة طمع المخاطب، وتارة طمع غيرهما. فقوله تعالى فيما ذكر عن قوم فرعون: ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ [الشعراء : 40] فذلك طمع منهم، وقوله في فرعون: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ [طه : 44] فإطماع لموسى عليه السلام مع هرون، ومعناه: فقولا له قولا ليّنا راجيين أن يتذكّر أو يخشى.

وقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ﴾ [هود : 12] أي: يظنّ بك الناس ذلك، وعلى ذلك قوله: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف : 6] ، وقال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال : 45] أي: اذكروا الله راجين الفلاح، كما قال في صفة المؤمنين: ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ﴾ [الإسراء : 57](١) .

(١) الزركشي في البرهان 4/ 393، ومادة «لعل» نقلها كلها.

وقى

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

وقى

الوِقَايَةُ: حفظُ الشيءِ ممّا يؤذيه ويضرّه.

يقال: وَقَيْتُ الشيءَ أَقِيهِ وِقَايَةً ووِقَاءً. قال تعالى: ﴿فَوَقاهُمُ اللَّهُ﴾ [الإنسان : 11] ، ﴿وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان : 56] ، ﴿وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ﴾ [الرعد : 34] ، ﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ﴾ [الرعد : 37] ، ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً﴾ [التحريم : 6] والتَّقْوَى جعل النّفس في وِقَايَةٍ مما يخاف، هذا تحقيقه، ثمّ يسمّى الخوف تارة تَقْوًى، والتَّقْوَى خوفاً حسب تسمية مقتضى الشيء بمقتضيه والمقتضي بمقتضاه، وصار التَّقْوَى في تعارف الشّرع حفظ النّفس عمّا يؤثم، وذلك بترك المحظور، ويتمّ ذلك بترك بعض المباحات لما روي: «الحلال بيّن، والحرام بيّن، ومن رتع حول الحمى فحقيق أن يقع فيه»(١) قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف : 35] ، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [النحل : 128] ، ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً﴾ [الزمر : 73] ولجعل التَّقْوَى منازل قال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة : 281] ، و﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء : 1] ، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ﴾ [النور : 52] ، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ﴾ [النساء : 1] ، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران : 102] . وتخصيص كلّ واحد من هذه الألفاظ له ما بعد هذا الكتاب.

ويقال: اتَّقَى فلانٌ بكذا: إذا جعله وِقَايَةً لنفسه، وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [الزمر : 24] تنبيه على شدّة ما ينالهم، وأنّ أجدر شيء يَتَّقُونَ به من العذاب يوم القيامة هو وجوههم، فصار ذلك كقوله: ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم : 50] ، ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر : 48] .

(١) الحديث تقدّم في مادة (بغى) .