التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير سورة البقرة، الآية: ٢٢

تفسير قول الله تعالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ). سورة البقرة، الآية: ٢٢

التحرير و التنوير - ابن عاشور

التحرير والتنوير - ابن عاشور (١٣٩٣ هـ) ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ يَتَعَيَّنُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِلرَّبِّ لِأنَّ مَساقَها مَساقُ قَوْلِهِ ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] والمَقْصُودُ الإيماءُ إلى سَبَبٍ آخَرَ لِاسْتِحْقاقِهِ العِبادَةَ وإفْرادِهِ بِها، فَإنَّهُ لَمّا أوْجَبَ عِبادَتَهُ أنَّهُ خالِقُ النّاسِ كُلِّهِمْ أُتْبِعَ ذَلِكَ بِصِفَةٍ أُخْرى تَقْتَضِي عِبادَتَهم إيّاهُ وحْدَهُ، وهي نِعَمُهُ المُسْتَمِرَّةُ عَلَيْهِمْ مَعَ ما فِيها مِن دَلائِلِ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ فَإنَّهُ مَكَّنَ لَهم سُبُلَ العَيْشِ وأوَّلُها المَكانُ الصّالِحُ لِلِاسْتِقْرارِ عَلَيْهِ بِدُونِ لُغُوبٍ فَجَعَلَهُ كالفِراشِ لَهم، ومِن إحاطَةِ هَذا القَرارِ بِالهَواءِ النّافِعِ لِحَياتِهِمْ والَّذِي هو غِذاءُ الرُّوحِ الحَيَوانِيِّ، وذَلِكَ ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿والسَّماءَ بِناءً﴾ وبِكَوْنِ تِلْكَ الكُرَةِ الهَوائِيَّةِ واقِيَةَ النّاسِ مِن إضْرارِ طَبَقاتٍ فَوْقَها مُتَناهِيَةٍ في العُلُوِّ، مِن زَمْهَرِيرٍ أوْ عَناصِرَ غَرِيبَةٍ قاتِلَةٍ خانِقَةٍ، فالكُرَةُ الهَوائِيَّةُ جُعِلَتْ فَوْقَ هَذا العالَمِ فَهي كالبِناءِ لَهُ ونَفْعُها كَنَفْعِ البِناءِ فَشُبِّهَتْ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ وبِأنْ أخْرَجَ لِلنّاسِ ما فِيهِ إقامَةُ أوَدِ حَياتِهِمْ بِاجْتِماعِ ماءِ السَّماءِ مَعَ قُوَّةِ الأرْضِ وهو الثِّمارُ. والمُرادُ بِالسَّماءِ هُنا إطْلاقُها العُرْفِيُّ عِنْدَ العَرَبِ وهو ما يَبْدُو لِلنّاظِرِ كالقُبَّةِ الزَّرْقاءِ وهو كُرَةُ الهَواءِ المُحِيطِ بِالأرْضِ كَما هو المُرادُ في قَوْلِهِ ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٩] وهَذا هو المُرادُ الغالِبُ إذا أُطْلِقَ السَّماءُ بِالإفْرادِ دُونَ الجَمْعِ. ومَعْنى جَعَلَ الأرْضَ فِراشًا أنَّها كالفِراشِ في التَّمَكُّنِ مِنَ الِاسْتِقْرارِ والِاضْطِجاعِ عَلَيْها، وهو أخَصُّ أحْوالِ الِاسْتِقْرارِ. والمَعْنى أنَّهُ جَعَلَها مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ شِدَّةِ الصُّخُورِ بِحَيْثُ تُؤْلِمُ جِلْدَ الإنْسانِ وبَيْنَ رَخاوَةِ الحَمْأةِ بِحَيْثُ يَتَزَحْزَحُ الكائِنُ فَوْقَها ويَسُوخُ فِيها، وتِلْكَ مِنَّةٌ عَظِيمَةٌ. وأمّا وجْهُ شَبَهِ السَّماءِ بِالبِناءِ فَهو أنَّ الكُرَةَ الهَوائِيَّةَ جَعَلَها اللَّهُ حاجِزَةً بَيْنَ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ وبَيْنَ الكُرَةِ الأثِيرِيَّةِ. 

فَهي كالبِناءِ فِيما يُرادُ لَهُ البِناءُ وهو الوِقايَةُ مِنَ الأضْرارِ النّازِلَةِ، فَإنَّ لِلْكُرَةِ الهَوائِيَّةِ دَفْعًا لِأضْرارٍ أظْهَرُها دَفْعُ ضَرَرِ طُغْيانِ مِياهِ البِحارِ عَلى الأرْضِ، ودَفْعُ أضْرارِ بُلُوغِ أهْوِيَةٍ تَنْدَفِعُ عَنْ بَعْضِ الكَواكِبِ إلَيْنا وتَلْطِيفُها حَتّى تَخْتَلِطَ بِالهَواءِ أوْ صَدُّ الهَواءِ إيّاها عَنّا مَعَ ما في مُشابَهَةِ الكُرَةِ الهَوائِيَّةِ لِهَيْئَةِ القُبَّةِ، والقُبَّةُ بَيْتٌ مَن أدَمٍ مُقَبَّبٍ وتُسَمّى بِناءً والبِناءُ في كَلامِ العَرَبِ ما يُرْفَعُ سُمْكُهُ عَلى الأرْضِ لِلْوِقايَةِ سَواءً كانَ مِن حَجَرٍ أوْ مِن أدَمٍ أوْ مِن شَعْرٍ، ومِنهُ قَوْلُهم: بَنى عَلى امْرَأتِهِ، إذا تَزَوَّجَ، لِأنَّ المُتَزَوِّجَ يَجْعَلُ بَيْتًا يَسْكُنُ فِيهِ مَعَ امْرَأتِهِ وقَدِ اشْتَهَرَ إطْلاقُ البِناءِ مَن أدَمٍ ولِذَلِكَ سَمُّوا الأدَمَ الَّذِي تُبْنى مِنهُ القِبابُ مَبْناةً بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِها، وهَذا كَقَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢] فَإنْ قُلْتَ يَقْتَضِي كَلامُكَ هَذا أنَّ الِامْتِنانَ بِجَعْلِ السَّماءِ كالبِناءِ لِوِقايَةِ النّاسِ مِن قَبِيلِ المُعْجِزاتِ العِلْمِيَّةِ الَّتِي أشَرْتَ إلَيْها في المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ وذَلِكَ لا يُدْرِكُهُ إلّا الأجْيالُ الَّتِي حَدَثَتْ بَعْدَ زَمانِ النُّزُولِ فَماذا يَكُونُ حَظُّ المُسْلِمِينَ وغَيْرِهِمُ الَّذِينَ نَزَلَتْ بَيْنَهُمُ الآيَةُ ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] في عِدَّةِ أجْيالٍ، فَإنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ لَمْ يَكُونُوا يَشْعُرُونَ بِأنَّ لِلسَّماءِ خاصِّيَّةَ البِناءِ في الوِقايَةِ، وغايَةُ ما كانُوا يَتَخَيَّلُونَهُ أنَّ السَّماءَ تُشْبِهُ سَقْفَ القُبَّةِ كَما قالَتِ الأعْرابِيَّةُ حِينَ سُئِلَتْ عَنْ مَعْرِفَةِ النُّجُومِ: أيَجْهَلُ أحَدٌ خَرَزاتٍ مُعَلَّقَةً في سَقْفِهِ. فَتَتَمَخَّضُ الآيَةُ لِإفادَةِ العِبْرَةِ بِذَلِكَ الخَلْقِ البَدِيعِ؛ إلّا أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَظٌّ مِنَ الِامْتِنانِ الَّذِي أفادَهُ قَوْلُهُ: لَكم، فَهَلْ نَخُصُّ تَعَلُّقَهُ بِفِعْلِ ”جَعَلَ“ المُصَرَّحِ بِهِ دُونَ تَعَلُّقِهِ بِالفِعْلِ المَطْوِيِّ تَحْتَ واوِ العَطْفِ، أوْ بِجَعْلِهِ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: فِراشًا فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿والسَّماءَ بِناءً﴾ مَعْطُوفًا عَلى مَعْمُولِ فِعْلِ الجَعْلِ المُجَرَّدِ عَنِ التَّقْيِيدِ بِالمُتَعَلِّقِ. قُلْتُ: هَذا يُفْضِي إلى التَّحَكُّمِ في تَعَلُّقِ قَوْلِهِ: لَكم تَحَكُّمًا لا يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ لِلسّامِعِ بَلِ الوَجْهُ أنْ يُجْعَلَ ”لَكم“ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ (جَعَلَ) ويَكْفِي في الِامْتِنانِ بِخَلْقِ السَّماءِ إشْعارُ السّامِعِينَ لِهَذِهِ الآيَةِ بِأنَّ في خَلْقِ السَّماءِ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ ما في إقامَةِ البِناءِ مِنَ الفَوائِدِ عَلى الإجْمالِ لِيَفْرِضَهُ السّامِعُونَ عَلى مِقْدارِ قَرائِحِهِمْ وأفْهامِهِمْ ثُمَّ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ في قابِلِ الأجْيالِ. وحُذِفَ ”لَكم“ عِنْدَ ذِكْرِ السَّماءِ إيجازًا لِأنَّ ذِكْرَهُ في قَوْلِهِ ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا﴾ دَلِيلٌ عَلَيْهِ. و(جَعَلَ) إنْ كانَتْ بِمَعْنى أوْجَدَ فَحَمْلُ الِامْتِنانِ هو إنْ كانَتا عَلى هَذِهِ الحالَةِ، وإنْ كانَتْ بِمَعْنى صَيَّرَ فَهي دالَّةٌ عَلى أنَّ الأرْضَ والسَّماءَ قَدِ انْتَقَلَتا مِن حالٍ إلى حالٍ حَتّى صارَتا كَما هُما. وصارَ أظْهَرَ في مَعْنى الِانْتِقالِ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ، وقَواعِدُ عِلْمِ طَبَقاتِ الأرْضِ ”الجِيُولُوجْيا“ تُؤْذِنُ بِهَذا الوَجْهِ الثّانِي فَيَكُونُ في الآيَةِ مِنَّتانِ وعِبْرَتانِ في جَعْلِهِما عَلى ما رَأيْنا، وفي الأطْوارِ الَّتِي انْتَقَلَتا فِيهِما بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وإذْنِهِ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ [الأنبياء: ٣٠] إلى قَوْلِهِ ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٢] وقَدِ امْتَنَّ اللَّهُ وضَرَبَ العِبْرَةَ بِأقْرَبِ الأشْياءِ وأظْهَرِها لِسائِرِ النّاسِ حاضِرِهِمْ وبادِيهِمْ وبِأوَّلِ الأشْياءِ في شُرُوطِ هَذِهِ الحَياةِ. وفِيهِما أنْفَعُ الأشْياءِ وهُما الهَواءُ والماءُ النّابِعُ مِنَ الأرْضِ، وفِيهِما كانَتْ أوَّلُ مَنافِعِ البَشَرِ، وفي تَخْصِيصِ الأرْضِ والسَّماءِ بِالذِّكْرِ نُكْتَةٌ أُخْرى وهي التَّمْهِيدُ لِما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ إلَخْ. وابْتَدَأ بِالأرْضِ لِأنَّها أوَّلُ ما يَخْطُرُ بِبالِ المُعْتَبِرِ ثُمَّ بِالسَّماءِ لِأنَّهُ بَعْدَ أنْ يَنْظُرَ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَنْظُرُ إلى ما يُحِيطُ بِهِ. وقَوْلُهُ ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ﴾ إلَخْ هَذا امْتِنانٌ بِما يَلْحَقُ الإيجادَ مِمّا يَحْفَظُهُ مِنَ الِاخْتِلالِ وهو خِلْفَةٌ لِما تُتْلِفُهُ الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ والعَمَلُ العَصَبِيُّ والدِّماغِيُّ مِنَ القُوَّةِ البَدَنِيَّةِ لِيَدُومَ قِوامُ البَدَنِ بِالغِذاءِ، وأصْلُ الغِذاءِ هو ما يَخْرُجُ مِنَ الأرْضِ، وإنَّما تُخْرِجُ الأرْضُ النَّباتَ بِنُزُولِ الماءِ عَلَيْها مِنَ السَّماءِ أيْ مِنَ السَّحابِ والطَّبَقاتِ العُلْيا. واعْلَمْ أنَّ كَوْنَ الماءِ نازِلًا مِنَ السَّماءِ هو أنَّ تَكَوُّنَهُ يَكُونُ في طَبَقاتِ الجَوِّ مِن آثارِ البُخارِ الَّذِي في الجَوِّ، فَإنَّ الجَوَّ مُمْتَلِئٌ دائِمًا بِالأبْخِرَةِ الصّاعِدَةِ إلَيْهِ بِواسِطَةِ حَرارَةِ الشَّمْسِ مِن مِياهِ البِحارِ والأنْهارِ ومِن نَداوَةِ الأرْضِ ومِنَ النَّباتِ، ولِهَذا نَجِدُ الإناءَ المَمْلُوءَ ماءً فارِغًا بَعْدَ أيّامٍ إذا تُرِكَ مَكْشُوفًا لِلْهَواءِ فَإذا بَلَغَ البُخارُ أقْطارَ الجَوِّ العالِيَةَ بَرَدَ بِبُرُودَتِها وخاصَّةً في فَصْلِ الشِّتاءِ، فَإذا بَرَدَ مالَ إلى التَّمَيُّعِ، فَيَصِيرُ سَحابًا ثُمَّ يَمْكُثُ قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا بِحَسَبِ التَّناسُبِ بَيْنَ بُرُودَةِ الطَّبَقاتِ الجَوِّيَّةِ والحَرارَةِ البُخارِيَّةِ فَإذا زادَتِ البُرُودَةُ عَلَيْهِ انْقَبَضَ السَّحابُ وثَقُلَ وتَمَيَّعَ فَتَجْتَمِعُ فِيهِ الفَقاقِيعُ المائِيَّةُ وتَثْقُلُ عَلَيْهِ فَتُنْزِلُ مَطَرًا وهو ما أشارَ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ويُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ [الرعد: ١٢] وكَذَلِكَ إذا تَعَرَّضَ السَّحابُ لِلرِّيحِ الآتِيَةِ مِن جِهَةِ البَحْرِ وهي رِيحٌ نَدِيَّةٌ ارْتَفَعَ الهَواءُ إلى أعْلى الجَوِّ فَبَرَدَ فَصارَ مائِعًا، ورُبَّما كانَ السَّحابُ قَلِيلًا فَساقَتْ إلَيْهِ الرِّيحُ سَحابًا آخَرَ فانْضَمَّ أحَدُهُما لِلْآخَرِ ونَزَّلا مَطَرًا، ولِهَذا غَلَبَ المَطَرُ بَعْدَ هُبُوبِ الرِّيحِ البَحْرِيَّةِ، وفي الحَدِيثِ «إذا أنْشَأتْ بِحْرِيَّةً ثُمَّ تَشاءَمَتْ فَتِلْكَ عَيْنٌ غُدَيْقَةٌ» . ومِنَ القَواعِدِ أنَّ الحَرارَةَ وقِلَّةَ الضَّغْطِ يَزِيدانِ في صُعُودِ البُخارِ وفي انْبِساطِهِ، والبُرُودَةَ وكَثْرَةَ الضَّغْطِ يُصَيِّرانِ البُخارَ مائِعًا وقَدْ جُرِّبَ أنَّ صُعُودَ البُخارِ يَزْدادُ بِقَدْرِ قُرْبِ الجِهَةِ مِن خَطِّ الِاسْتِواءِ ويَنْقُصُ بِقَدْرِ بُعْدِهِ عَنْهُ، وإلى بَعْضِ هَذا يُشِيرُ ما ورَدَ في الحَدِيثِ «أنَّ المَطَرَ يَنْزِلُ مِن صَخْرَةٍ تَحْتَ العَرْشِ» فَإنَّ العَرْشَ هو اسْمٌ لِسَماءٍ مِنَ السَّماواتِ، والصَّخْرَةُ تَقْرِيبٌ لِمَكانٍ ذِي بُرُودَةٍ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ المَطَرَ تُنْشِئُهُ البُرُودَةُ فَيَتَمَيَّعُ السَّحابُ فَكانَتِ البُرُودَةُ هي لِقاحُ المَطَرِ. و(مِنَ) الَّتِي في قَوْلِهِ ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ لَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ إذْ لَيْسَ التَّبْعِيضُ مُناسِبًا لِمَقامِ الِامْتِنانِ، بَلْ إمّا لِبَيانِ الرِّزْقِ المُخْرَجِ - وتَقْدِيمُ البَيانِ عَلى المُبَيَّنِ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ - وإمّا زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ تَعَلُّقِ الإخْراجِ بِالثَّمَراتِ. 

 * * * 

 ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أتَتِ الفاءُ لِتَرْتِيبِ هاتِهِ الجُمْلَةِ عَلى الكَلامِ السّابِقِ وهو مُتَرَتِّبٌ عَلى الأمْرِ بِالعِبادَةِ، و”لا“ ناهِيَةٌ، والفِعْلُ مَجْزُومٌ، ولَيْسَتْ نافِيَةً حَتّى يَكُونَ الفِعْلُ مَنصُوبًا في جَوابِ الأمْرِ مِن قَوْلِهِ ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] والمُرادُ هُنا تَسَبُّبُهُ الخاصُّ وهو حُصُولُهُ عَنْ دَلِيلٍ يُوجِبُهُ وهو أنَّ الَّذِي أمَرَكم بِعِبادَتِهِ هو المُسْتَحِقُّ لِلْإفْرادِ بِها فَهو أخَصُّ مِن مُطْلَقِ ضِدِّ العِبادَةِ؛ لِأنَّ ضِدَّ العِبادَةَ عَدَمُ العِبادَةِ. ولَكِنْ لَمّا كانَ الإشْراكُ لِلْمَعْبُودِ في العِبادَةِ يُشْبِهُ تَرْكَ العِبادَةِ جُعِلَ تَرْكُ الإشْراكِ مُساوِيًا لِنَقِيضِ العِبادَةِ لِأنَّ الإشْراكَ ما هو إلّا تَرْكٌ لِعِبادَةِ اللَّهِ في أوْقاتِ تَعْظِيمِ شُرَكائِهِمْ. والنِّدُّ بِكَسْرِ النُّونِ المُساوِي والمُماثِلُ في أمْرٍ مِن مَجْدٍ أوْ حَرْبٍ، وزادَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ مُناوِئًا أيْ مُعادِيًا، وكَأنَّهم نَظَرُوا إلى اشْتِقاقِهِ مِن نَدَّ إذا نَفَرَ وعانَدَ. 

ولَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ لِجَوازِ كَوْنِهِ اسْمًا جامِدًا، وأظُنُّ أنَّ وجْهَ دَلالَةِ النِّدِّ عَلى المُناوَأةِ والمُضادَّةِ أنَّها مِن لَوازِمِ المُماثَلَةِ عُرْفًا عِنْدَ العَرَبِ، شَأْنُ المِثْلِ عِنْدَهم أنْ يُنافِسَ مُماثِلَهُ ويُزاحِمَهُ في مُرادِهِ فَتَحْصُلُ المُضادَّةُ. ونَظِيرُهُ في عَكْسِهِ تَسْمِيَتُهُمُ المُماثِلَ قَرِيعًا، فَإنَّ القَرِيعَ هو الَّذِي يُقارِعُ ويُضارِبُ. ولَمّا كانَ أحَدٌ لا يَتَصَدّى لِمُقارَعَةِ مَن هو فَوْقَهُ لِخَشْيَتِهِ ولا مَن هو دُونَهُ لِاحْتِقارِهِ كانَتِ المُقارَعَةُ مُسْتَلْزِمَةً لِلْمُماثِلَةِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهم قِرْنٌ لِلْمُحارِبِ المُكافِئِ في الشَّجاعَةِ. ويُقالُ جَعَلَ لَهُ نِدًّا، إذا سَوّى غَيْرَهُ بِهِ. والمَعْنى: لا تُثْبِتُوا لِلَّهِ أنْدادًا تَجْعَلُونَها جَعْلًا وهي لَيْسَتْ أنْدادًا؛ وسَمّاها أنْدادًا تَعْرِيضًا بِزَعْمِهِمْ لِأنَّ حالَ العَرَبِ في عِبادَتِهِمْ لَها كَحالِ مَن يُسَوِّي بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَها وإنْ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: إنَّ الآلِهَةَ شُفَعاءُ، ويَقُولُونَ: ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ، وجَعَلُوا اللَّهَ خالِقَ الآلِهَةِ فَقالُوا في التَّلْبِيَةِ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، لَكِنَّهم لَمّا عَبَدُوها، ونَسُوا بِعِبادَتِها والسَّعْيِ إلَيْها والنُّذُورِ عِنْدَها وإقامَةِ المَواسِمِ حَوْلَها عِبادَةَ اللَّهِ، أصْبَحَ عَمَلُهم عَمَلَ مَن يَعْتَقِدُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَها وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ العِبْرَةَ بِالفِعْلِ لا بِالقَوْلِ. وفي ذَلِكَ مَعْنًى مِنَ التَّعْرِيضِ بِهِمْ ورَمْيِهِمْ بِاضْطِرابِ الحالِ ومُناقِضَةِ الأقْوالِ لِلْأفْعالِ. وقَوْلُهُ ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، ومَفْعُولُ تَعْلَمُونَ مَتْرُوكٌ لِأنَّ الفِعْلَ لَمْ يُقْصَدْ تَعْلِيقُهُ بِمَفْعُولٍ، بَلْ قُصِدَ إثْباتُهُ لِفاعِلِهِ فَقَطْ فَنُزِّلَ الفِعْلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، والمَعْنى: وأنْتُمْ ذَوُوا عِلْمٍ. والمُرادُ بِالعِلْمِ هُنا العَقْلُ التّامُّ، وهو رُجْحانُ الرَّأْيِ المُقابَلُ عِنْدَهم بِالجَهْلِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] وقَدْ جَعَلَتْ هاتِهِ الحالُ مَحَطَّ النَّهْيِ والنَّفْيِ تَمْلِيحًا في الكَلامِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ التَّوْبِيخِ وإثارَةِ الهِمَّةِ، فَإنَّهُ أثْبَتَ لَهم عِلْمًا ورَجاحَةَ الرَّأْيِ لِيُثِيرَ هِمَّتَهم ويَلْفِتَ بَصائِرَهم إلى دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ، ونَهاهم عَنِ اتِّخاذِ الآلِهَةِ أوْ نَفى ذَلِكَ مَعَ تَلَبُّسِهِمْ بِهِ وجَعَلَهُ لا يَجْتَمِعُ مَعَ العِلْمِ تَوْبِيخًا لَهم عَلى ما أهْمَلُوا مِن مَواهِبِ عُقُولِهِمْ وأضاعُوا مِن سَلامَةِ مَدارِكِهِمْ. وهَذا مَنزَعٌ تَهْذِيبِيٌّ عَظِيمٌ: أنْ يَعْمِدَ المُرَبِّي فَيَجْمَعَ لِمَن يُرَبِّيهِ بَيْنَ ما يَدُلُّ عَلى بَقِيَّةِ كَمالٍ فِيهِ حَتّى لا يَقْتُلَ هِمَّتَهُ بِاليَأْسِ مِن كَمالِهِ فَإنَّهُ إذا ساءَتْ ظُنُونُهُ في نَفْسِهِ خارَتْ عَزِيمَتُهُ وذَهَبَتْ مَواهِبُهُ، ويَأْتِي بِما يَدُلُّ عَلى نَقائِضَ فِيهِ لِيَطْلُبَ الكَمالَ فَلا يَسْتَرِيحُ مِنَ الكَدِّ في طَلَبِ العُلا والكَمالِ. وقَدْ أوْمَأ قَوْلُهُ ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إلى أنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ لا نِدَّ لَهُ ولَكِنَّهم تَعامَوْا وتَناسَوْا فَقالُوا: إلّا شَرِيكًا هو لَكَ.

الدر المصون - السمين الحلبي

الدر المصون للسمين الحلبي - السمين الحلبي (٧٥٦ هـ) 

قوله تعالى: {الذي جَعَلَ لَكُمُ} : «الذي» تحتملُ النصبَ والرفعَ. فالنصبُ من خمسةِ أوجهٍ، أظهرُها: أن يكونَ نصبُه على القطع. 

الثاني: أنه نعتٌ لربكم.

الثالث: أنه بدلٌ منه.

الرابع: أنه مفعول «تتقون» وبه بدأ أبو البقاء.

الخامس: أنه نعتُ النعت أي: الموصولُ الأول، لكن المختارَ أن النعتَ لا يُنْعَتُ/ بل إنْ جاء ما يُوهم ذلك جُعِلَ نعتاً للأول، إلا أَنْ يمنَع مانعٌ فيكونَ نعتاً للنعت نحو قولهم: «يا أيُّها الفارسُ ذو الجُمَّة» ، فذو الجُمَّة نعتٌ للفارس لا ل «أيّ» لأنها لا تُنْعَتُ إلاَّ بما تقدَّم ذِكْرُه. 

والرفعُ من وجهين: أحدهما وهو الأصح أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي: هو الذي جَعَلَ. 

والثاني أنه مبتدأٌ وخبرُه قولُه بعد ذلك: «فلا تَجْعَلُوا» وهذا فيه نظرٌ من وجهين، أحدُهما: أنَّ صلتَه ماضِيةٌ فلم يُشْبِهِ الشرطَ فلا تُزَادُ في خبرِهِ الفاءُ، الثاني: عدمُ الرابط إلا أن يقالَ بمذهبِ الأَخفش وهو أَنْ يُجْعَلَ الربطُ مكرَّرَ الاسم الظاهر إذا كان بمعناه نحو: «زيدٌ قام أبو عبد الله» ، إذا كان أبو عبد الله كنيةً لزيد، وكذلك هنا أقامَ الجلالة مُقامَ الضميرِ كأنه قال: الذي جعل لكم فلا تَجْعلوا له أنداداً. 

 و «جَعَل» فيها وجهان، أحدُهما: أن تكونَ بمعنى صَيَّر فتتعدَّى لمفعولين فيكونُ «الأرضُ» مفعولاً أولَ، و «فراشاً» مفعولاً ثانياً. 

الثاني: أن تكونَ بمعنى «خَلَقَ» فتتعدَّى لواحد وهو «الأرضَ» ويكونُ «فراشاً» حالاً. «والسماء بِنَآءً» عطف على «الأرض فراشاً» على التقديرين المتقددِّمين، و «لكم» متعلِّق بالجَعْل أي لأجلكم. والفراشُ ما يُوْطَأُ ويُقْعَدُ عليه. والبِنَاءُ مصدرُ بَنَيْتُ، وإنما قُلِبت الياءُ همزةً لتطرُّفها بعد ألفٍ زائدةٍ، وقد يُرادُ به المفعولُ. و «أَنْزل» عطفٌ على «جَعَلَ» ، و «من السماء» متعلِّقٌ به، وهي لابتداءِ الغاية. ويجوز أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أن يكونَ حالاً مِنْ «ما» لأنَّ صفة النكرة إذا قُدِّمَتْ عليها نُصِبَتْ حالاً، وحينئذٍ معناها التبعيضُ، وثَمَّ مضافٌ محذوفٌ، أي: من مِياه السماءِ ماءً. وأصل ماء مَوَه بدليل قولهم: «ماهَتِ الرَّكِيَّةُ تَمُوه» وفي جَمْعه: مياه وأَمْواه، وفي تصغيرِه: مُوَيْه، فتحرَّكتِ الياءُ وانفتح ما قبلها فقُلبت ألفاً، فاجتمع حرفان خَفِيَّان: الألفُ والهاءُ، فَأَبْدَلوا من الهاءِ أختَها وهي الهمزةُ لأنها أَجْلَدُ منها. وقوله: «فَأَخْرَجَ» عطفٌ على «أَنْزَل» مُرَتَّبٌ عليه، و «به» متعلِّقٌ بِه، والباءُ فيه للسببية. و «من الثمرات» متعلقٌ به أيضاً، ومِنْ هنا للتبعيضِ. وأَبْعَدَ مَنْ جَعَلها زائدةً لوجهين، 

أحدُهما: زيادتُها في الواجبِ، وكَونُ المجرور بها معرفةً، وهذا لا يقولُ به بصريٌّ ولا كوفيٌّ إلا أبا الحسن الأخفش. 

والثاني: أن يكونَ جميعُ الثمراتِ رزقاً لنا، وهذا يخالف الواقعَ، إذ كثيرٌ من الثمرات ليس رزقاً. وجعلها الزمخشري لبيانِ الجنسِ، وفيه نظرٌ، إذ لم يتقدَّمْ ما يُبَيِّنُ هذا، وكأنه يعني أنه بيانٌ لرزقاً من حيث المعنى، و «رزقاً» ظاهرُه أنه مفعولٌ به، ناصبُه «أَخْرَجَ» . ويجوز أن يكونَ «من الثمرات» في موضع المفعول به، والتقديرُ: فأخرجَ ببعض الماء بعضَ الثمرات. وفي «رزقاً» حينئذ وجهان أحدُهما: أن يكونَ حالاً على أنَّ الرزقَ بمعنى المرزوقِ، كالطِّحْنِ والرِّعْي. 

والثاني: أن يكونَ مصدراً مَنْصُوباً على المفعولِ مِنْ أجلِه، وفيه شروطُ النصبِ موجودةٌ. وإنما نَكَّر «ماء» و «رزقاً» ليفيدَ التبعيضَ، لأنَّ المعنى: وأنزل من السماءِ بعض ماءٍ فَاَخْرَجَ به بعضَ الثمراتِ بعضَ رزقٍ لكم، إذ ليس جميعُ رزقِهم هو بعضَ الثمراتِ، إنَّما ذلك بعضُ رزقِهم. وأجاز أبو البقاء أن يكونَ «من الثمراتِ» حالاً مِنْ «رزقاً» لأنه لو تأخَّر لكان نعتاً، فعلى هذا يتعلَّقُ بمحذوفٍ، وجعلَ الزمخشري «من الثمرات» واقعاً موقعَ الثمر أو الثمار، يَعْني مِمَّا نابَ جمعُ قلةٍ عن جمعِ الكثرة، نحو: {كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ} [الدخان: 25] و {ثَلاَثَةَ قرواء} [البقرة: 228] . ولا حاجةَ تدعو إلى هذا لأنَّ جَمْعَ السلامةِ المحلَّى بأَلْ التي للعمومِ يقعُ للكثرةِ، فلا فرقَ إذاً بين الثمراتِ والثمار، ولذلكَ ردَّ المحققونَ قولَ مَنْ ردَّ على حسان بن ثابت رضي الله عنه:

 265 - لَنَا الجَفَنَاتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ في الضُّحى ... وأسيافُنا يَقْطُرْنَ من نَجْدةٍ دَما 

 قالوا: كان ينبغي أن يقولَ: الجِفان: وسيوفُنا، لأنه أمدحُ، وليس بصحيحٍ لما ذَكَرْتُ لك. و «لكم» يَحْتملُ التعلُّقَ ب «أَخْرَج» ، ويَحْتملُ التعلُّقَ بمحذوفٍ، على أن يكونَ صفةً ل «رِزْقاً» ، هذا إنْ أريد بالرزقِ المرزوقُ، وإنْ أُريد به المصدرُ فيحتملُ أن تكونَ الكافُ في «لكم» مفعولاً بالمصدرِ واللامُ مقويةً له، نحو: «ضربت ابني تأديباً له» أي: تأديبَه. قولُه تعالى: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً} الفاءُ للتسبُّب، تَسَبَّبَ عن إيجادِ هذه الآياتِ الباهرة النهيُ عن اتخاذِكم الأندادَ. و «لا» ناهية و «تَجْعلوا» مجزومٌ بها، علامةُ جَزْمِه حَذْفُ النونِ، وهي هنا بمعنى تُصَيِّروا. وأجازَ أبو البقاء أن تكونَ بمعنى تُسَمُّوا. وعلى القولين فيتعدَّى لاثنين أولُهما: أنداداً، وثانيهما: الجارُّ والمجرورُ قبلَه، وهو واجبُ التقديمِ. و «أنداداً» جمع نِدّ، وقال أبو البقاء: «أَنْدَاداً جمعُ نِد ونَديد» وفي جَعْلَه جمعَ نديد نظرٌ، لأن أَفْعالاً لا يُحْفظ في فَعيل بمعنى فاعل، نحو: شَريف وأَشَرْاف ولا يُقاسُ عليه. والنِّدُّ: المقاوِمُ المضاهي، سواء كان [مثلاً] أو ضِدَّاً أو خلافاً وقيل: هو/ الضدُّ عن أبي عبيدة، وقيل: الكُفْء والمِثْل، قال حسان:

 266 - أَتَهْجُوه ولستَ له بِنِدٍّ ... فشرُّكما لخيركما الفِداءُ 

 أي: لستَ له بكُفْءٍ، وقد رُوِي ذلك، وقال آخر:

267 - نَحْمَدُ الله ولا نِدَّ له ... عندَه الخيرُ وما شاءَ فَعَلْ

وقال الزمخشري: «النِّدُ المِثْل، ولا يُقال إلا للنِّدِّ المخالف، قال جرير: 

 268 - أَتَيْماً تَجْعَلونَ إليَّ نِدَّاً ... وما تَيْمٌ لذي حَسَبٍ نَدِيدُ 

 ونادَدْتُ الرجلَ خالَفْتُه ونافَرْتُه مِنْ: نَدَّ يَنِدُّ نُدُوداً أي نَفَر» . انتهى، ويقال «نَديدة» على المبالغة، قال لبيد: 

 269 - لِكيلا يكونَ السَّنْدَرِيُّ نديدتي ... وأَجْعَلُ أَقْواماً عُموماً عَماعِمَا 

 وأمَّا النَّدُّ بفتح النون فهو التل المرتفعُ، والنَّدُّ الطِّيب أيضاً، ليس بعربي. وهذه الجملةُ متعلقةٌ من حيث المعنى بقوله: «اعبدُوا» ، لأنَّ أصلَ العبادةِ التوحيدُ، ويجوز أن يتعلَّقَ ب «الذي» إذا جعلتَه خبرَ مبتدأ محذوفٍ، أي هو الذي جعل لكم هذه الآياتِ العظيمةَ والدلائلَ النَّيِّرة الشاهدَةَ بالوَحْدانية فلا تَجْعلوا له أنداداً. وقال الزمخشري: «يتعلَّق ب» لعلَّكم «على أن ينتصِبَ» تجعلوا «انتصابَ {فَأَطَّلِعَ} [غافر: 37] في قراءةِ حَفْص، أي: خلقكم لكي تَتَّقوا وتخافوا عقابَه فلا تُشَبِّهوه بخَلْقه، فعلى قولِه: تكون» لا «نافيةً، والفعلُ بعدها منصوبٌ بإضمارِ» أَنْ «في جوابِ الترجِّي، وهذا لا يُجيزه البصريون، وسيأتي تأويلُ» فأطَّلِع «ونظائِرِه في موضعِه إنْ شاء الله تعالى. قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} جملةٌ من مبتدأ وخبرٍ في محلِّ نصب على الحال، ومفعولُ العِلْم متروكٌ لأنَّ المعنى: وأنتم من أهلِ العِلم، أو حُذِف اختصاراً أي: وأنتم تعلمونَ بُطْلانَ ذلك. والاسمُ من» أنتم «قيلَ: أَنْ، والتاءُ حرفُ خطاب يتغيَّرُ بحَسبِ المخاطب. وقيل: بل التاءُ هي الاسمُ وأَنْ عمادٌ قبلها. وقيل: بل هو ضميرٌ برُمَّتِه وهو ضميرُ رفعٍ منفصلٌ، وحكمُ ميمِه بالنسبة إلى السكونِ والحركةِ والإِشباعِ والاختلاسِ حكمُ ميم هم، وقد تقدَّم جميعُ ذلكَ.

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني
جعل

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

جعل

جَعَلَ: لفظ عام في الأفعال كلها، وهو أعمّ من فعل وصنع وسائر أخواتها، ويتصرّف على خمسة أوجه: الأول: يجري مجرى صار وطفق فلا يتعدّى، نجو جعل زيد يقول كذا(١) ، قال الشاعر:

93- فقد جعلت قلوص بني سهيل ... من الأكوار مرتعها قريب(٢)

والثاني: يجري مجرى أوجد، فيتعدّى إلى مفعول واحد نحو قوله عزّ وجل: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام : 1] ، ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [النحل : 78] .

والثالث: في إيجاد شيء من شيء وتكوينه منه، نحو: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً﴾ [النحل : 72] ، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً﴾ [النحل : 81] ، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا﴾ [الزخرف : 10] .

والرابع: في تصيير الشيء على حالة دون حالة، نحو: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً﴾ [البقرة : 22] ، وقوله: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا﴾ [النحل : 81] ، ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾ [نوح : 16] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف : 3] .

والخامس: الحكم بالشيء على الشيء، حقا كان أو باطلا، فأمّا الحقّ فنحو قوله تعالى: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص : 7] ، وأمّا الباطل فنحو قوله عزّ وجل: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً﴾ [الأنعام : 136] ، ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ﴾ [النحل : 57] ، ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر : 91] .

والجِعَالَة الجُعَالَة: خرقة ينزّل بها القدر، والجُعْل والجَعَالَة والجَعِيلَة: ما يجعل للإنسان بفعله فهو أعمّ من الأجرة والثواب، وكلب مُجْعِل، كناية عن طلب السفاد، والجُعَل: دويبة.

(١) وهذا الباب نقل السيوطي جلّه في الإتقان 2/ 210.

(٢) البيت لرجل من بحتر بن عتود، وهو في الخزانة 9/ 352، ومغني اللبيب ص 310، وشفاء العليل بشرح التسهيل 1/ 345، والأشموني 1/ 259.

أرض

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

أرض

الأرض: الجرم المقابل للسماء، وجمعه أرضون، ولا تجيء مجموعةً في القرآن(١) ، ويعبّر بها عن أسفل الشيء، كما يعبر بالسماء عن أعلاه. قال الشاعر في صفة فرس:

12- وأحمر كالديباج أمّا سماؤه ... فريّا، وأمّا أرضه فمحول(٢)

وقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الحديد : 17] عبارة عن كلّ تكوين بعد إفساد وعودٍ بعد بدء، ولذلك قال بعض المفسرين(٣) : يعني به تليين القلوب بعد قساوتها.

ويقال: أرض أريضة، أي: حسنة النبت(٤) ، وتأرّض النبت: تمكّن على الأرض فكثر، وتأرّض الجدي: إذا تناول نبت الأرض، والأَرَضَة: الدودة التي تقع في الخشب من الأرض(٥) ، يقال: أُرِضَتِ الخشبة فهي مأروضة.

(١) انظر: المجمل 1/ 92.

(٢) البيت لطفيل الغنوي، وهو في ملحقات شعره ص 62، وشمس العلوم 1/ 72. وعجزه في المجمل 1/ 92.

(٣) وهذا قول صالح المري كما أخرجه عنه ابن المبارك في الزهد ص 88.

(٤) انظر: المجمل 2/ 92، والعين 7/ 55.

(٥) راجع اللسان (أرض) 7/ 113، والعين 7/ 56.

وقال الزمخشري: يقال: هو أفسد من الأرضة. راجع أساس البلاغة ص 5.

فرش

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

فرش

الفَرْشُ: بسط الثّياب، ويقال لِلْمَفْرُوشِ: فَرْشٌ وفِرَاشٌ. قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً﴾ [البقرة : 22] ، أي: ذلّلها ولم يجعلها ناتئة لا يمكن الاستقرار عليها، والفِرَاشُ جمعه: فُرُشٌ. قال: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة : 34] ، ﴿فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن : 54] . والفَرْشُ: ما يُفْرَشُ من الأنعام، أي: يركب، قال تعالى: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشاً﴾ [الأنعام : 142] ، وكنّي بِالْفِرَاشِ عن كلّ واحد من الزّوجين، فقال النبيّ ﷺ: «الولد للفراش»(١) وفلان كريم المَفَارِشِ(٢) ، أي: النّساء. وأَفْرَشَ الرّجل صاحبه، أي: اغتابه وأساء القول فيه، وأَفْرَشَ عنه: أقلع، والفَرَاشُ: طير معروف، قال: ﴿كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة : 4] ، وبه شبّه فَرَاشَةُ القفل، والْفَرَاشَةُ: الماء القليل في الإناء.

(١) قال رسول الله ﷺ: «الولد للفراش، وللعاهر الحجر» . جزء من حديث أخرجه البخاري في الأحكام 13/ 152.

ومسلم في الرضاع (1457) .

(٢) انظر: الجمهرة 2/ 345، والمجمل 3/ 715.

سما

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

سما

سَمَاءُ كلّ شيء: أعلاه، قال الشاعر في وصف فرس:

244- وأحمر كالدّيباج أمّا سَمَاؤُهُ ... فريّا وأمّا أرضه فمحول(١)

قال بعضهم: كلّ سماء بالإضافة إلى ما دونها فسماء، وبالإضافة إلى ما فوقها فأرض إلّا السّماء العليا فإنها سماء بلا أرض، وحمل على هذا قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق : 12] ، وسمّي المطر سَمَاءً لخروجه منها، قال بعضهم: إنما سمّي سماء ما لم يقع بالأرض اعتبارا بما تقدّم، وسمّي النّبات سَمَاءً، إمّا لكونه من المطر الذي هو سماء، وإمّا لارتفاعه عن الأرض. والسماء المقابل للأرض مؤنّثة، وقد تذكّر، ويستعمل للواحد والجمع، لقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾ [البقرة : 29] ، وقد يقال في جمعها: سَمَوَاتٍ. قال: ﴿خَلْقِ السَّماواتِ﴾ [الزمر : 5] ، ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ﴾ [المؤمنون : 86] ، وقال: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل : 18] ، فذكّر، وقال: ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق : 1] ، ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار : 1] ، فأنّث، ووجه ذلك أنها كالنّخل في الشجر، وما يجري مجراه من أسماء الجنس الذي يذكّر ويؤنّث، ويخبر عنه بلفظ الواحد والجمع، والسماء الذي هو المطر يذكّر، ويجمع على أسمية. والسَّمَاوَةُ الشّخص العالي، قال الشاعر:

245- سماوة الهلال حتى احقوقفا(٢)

وسَمَا لي(٣) : شخص، وسَمَا الفحل على الشّول سَمَاوَةَ(٤) لتخلله إيّاها، والِاسْمُ: ما يعرف به ذات الشيء، وأصله سِمْوٌ، بدلالة قولهم: أسماء وسُمَيٌّ، وأصله من السُّمُوِّ وهو الذي به رفع ذكر الْمُسَمَّى فيعرف به، قال الله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ [الفاتحة : 1] ، وقال: ﴿ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها﴾ [هود : 41] ، ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل : 30] ، ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ﴾ [البقرة : 31] ، أي: الألفاظ والمعاني مفرداتها ومركّباتها. وبيان ذلك أنّ الاسم يستعمل على ضربين: أحدهما: بحسب الوضع الاصطلاحيّ، وذلك هو في المخبر عنه نحو: رجل وفرس.

والثاني: بحسب الوضع الأوّليّ.

ويقال ذلك للأنواع الثلاثة المخبر عنه، والخبر عنه، والرّابط بينهما المسمّى بالحرف، وهذا هو المراد بالآية، لأنّ آدم عليه السلام كما علم الاسم علم الفعل، والحرف، ولا يعرف الإنسان الاسم فيكون عارفا لمسمّاه إذا عرض عليه المسمّى، إلا إذا عرف ذاته. ألا ترى أنّا لو علمنا أَسَامِيَ أشياء بالهنديّة، أو بالرّوميّة، ولم نعرف صورة ما له تلك الأسماء لم نعرف الْمُسَمَّيَاتِ إذا شاهدناها بمعرفتنا الأسماء المجرّدة، بل كنّا عارفين بأصوات مجرّدة، فثبت أنّ معرفة الأسماء لا تحصل إلا بمعرفة المسمّى، وحصول صورته في الضّمير، فإذا المراد بقوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة : 31] ، الأنواع الثلاثة من الكلام وصور المسمّيات في ذواتها، وقوله: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ [يوسف : 40] ، فمعناه أنّ الأسماء التي تذكرونها ليس لها مسمّيات، وإنما هي أسماء على غير مسمّى إذ كان حقيقة ما يعتقدون في الأصنام بحسب تلك الأسماء غير موجود فيها، وقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد : 33] ، فليس المراد أن يذكروا أساميها نحو اللّات والعزّى، وإنما المعنى إظهار تحقيق ما تدعونه إلها، وأنه هل يوجد معاني تلك الأسماء فيها، ولهذا قال بعده: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الرعد : 33] ، وقوله: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن : 78] ، أي: البركة والنّعمة الفائضة في صفاته إذا اعتبرت، وذلك نحو: الكريم والعليم والباري، والرّحمن الرّحيم، وقال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى : 1] ، ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ [الأعراف : 180] ، وقوله: ﴿اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم : 7] ، ﴿لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى﴾ [النجم : 27] ، أي: يقولون للملائكة بنات الله، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم : 65] ، أي: نظيرا له يستحقّ اسمه، وموصوفا يستحقّ صفته على التّحقيق، وليس المعنى هل تجد من يتسمّى باسمه إذ كان كثير من أسمائه قد يطلق على غيره، لكن ليس معناه إذا استعمل فيه كما كان معناه إذا استعمل في غيره.

(١) البيت تقدّم في مادة (أرض) ، وهو في اللسان (سما) .

(٢) الرجز للعجاج، وهو في ديوانه ص 496، واللسان (سما) . وقد تقدّم برقم 119.

(٣) في اللسان: سما لي شخص فلان: ارتفع حتى استثبتّه.

(٤) قال ابن منظور: وسما الفحل سماوة: تطاول على شوله وسطا. اللسان (سما) .

بنى

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

بنى

يقال: بَنَيْتُ أَبْنِي بِنَاءً وبِنْيَةً وبِنًى. قال عزّ وجلّ: ﴿وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً﴾ [النبأ : 12] . والبِنَاء: اسم لما يبنى بناء، قال تعالى: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر : 20] ، والبَنِيَّة يعبر بها عن بيت الله تعالى(١) . قال تعالى: ﴿وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات : 47] ، ﴿وَالسَّماءِ وَما بَناها﴾ [الشمس : 5] ، والبُنيان واحد لا جمع، لقوله تعالى: ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة : 110] ، وقال: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف : 4] ، قالُوا: ﴿ابْنُوا لَهُ بُنْياناً﴾ [الصافات : 97] ، وقال بعضهم: بُنْيَان جمع بُنْيَانَة، فهو مثل: شعير وشعيرة، وتمر وتمرة، ونخل ونخلة، وهذا النحو من الجمع يصح تذكيره وتأنيثه.

و (ابْنُ) أصله: بنو، لقولهم في الجمع: أَبْنَاء، وفي التصغير: بُنَيّ، قال تعالى: ﴿يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ﴾ [يوسف : 5] ، ﴿يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات : 102] ، ﴿يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان : 13] ، يا بنيّ لا تعبد الشيطان، وسماه بذلك لكونه بناء للأب، فإنّ الأب هو الذي بناه وجعله الله بناء في إيجاده، ويقال لكلّ ما يحصل من جهة شيء أو من تربيته، أو بتفقده أو كثرة خدمته له أو قيامه بأمره: هو ابنه، نحو: فلان ابن الحرب، وابن السبيل للمسافر، وابن الليل، وابن العلم، قال الشاعر:

68- أولاك بنو خير وشرّ كليهما(٢) وفلان ابن بطنه وابن فرجه: إذا كان همّه مصروفا إليهما، وابن يومه: إذا لم يتفكّر في غده. قال تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وَقالَتِ النَّصارى: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة : 30] .

وقال تعالى: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود : 45] ، ﴿إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ [يوسف : 81] ، وجمع ابْن: أَبْنَاء وبَنُون، قال عزّ وجل: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل : 72] ، وقال عزّ وجلّ: ﴿يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ﴾ [يوسف : 67] ، ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف : 31] ، ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف : 27] ، ويقال في مؤنث ابن: ابْنَة وبِنْت، وقوله تعالى: ﴿هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود : 78] ، وقوله: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ [هود : 79] ، فقد قيل: خاطب بذلك أكابر القوم وعرض عليهم بناته(٣) لا أهل قريته كلهم، فإنه محال أن يعرض بنات له قليلة على الجمّ الغفير، وقيل: بل أشار بالبنات إلى نساء أمته، وسماهنّ بنات له لكون كلّ نبيّ بمنزلة الأب لأمته، بل لكونه أكبر وأجل الأبوين لهم كما تقدّم في ذكر الأب، وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ﴾ [النحل : 57] ، هو قولهم عن الله: إنّ الملائكة بنات الله.

(١) العين 8/ 382.

(٢) هذا شطر بيت، وعجزه: جميعا ومعروف ألمّ ومنكر

ونسبه الجاحظ للعتبي، واسمه محمد بن عبد الله وهو وهم ولم يعلّق عليه المحقق هارون، والبيت في الحيوان 2/ 89، [استدراك] والصناعتين ص 59.

والصحيح أنّ البيت لمسافع بن حذيفة العبسي، وهو في شرح الحماسة للتبريزي 3/ 24، والخزانة 5/ 71، ومثلث البطليوسي 1/ 340.

(٣) وهذا قول حذيفة بن اليمان فيما أخرجه عنه ابن أبي حاتم. وانظر: الدر المنثور 4/ 458.

خرج

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

خرج

خَرَجَ خُرُوجاً: برز من مقرّه أو حاله، سواء كان مقرّه دارا، أو بلدا، أو ثوبا، وسواء كان حاله حالة في نفسه، أو في أسبابه الخارجة، قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص : 21] ، وقال تعالى: ﴿فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ﴾ [الأعراف : 13] ، وقال: ﴿وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها﴾ [فصلت : 47](١) ، ﴿فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر : 11] ، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها﴾ [المائدة : 37] ، والإِخْرَاجُ أكثر ما يقال في الأعيان، نحو: ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون : 35] ، وقال عزّ وجلّ: ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنفال : 5] ، ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً﴾ [الإسراء : 13] ، وقال تعالى: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام : 93] ، وقال: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ [النمل : 56] ، ويقال في التّكوين الذي هو من فعل الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ [النحل : 78] ، ﴿فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى﴾ [طه : 53] ، وقال تعالى: ﴿يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ﴾ [الزمر : 21] ، والتَّخْرِيجُ أكثر ما يقال في العلوم والصّناعات، وقيل لما يخرج من الأرض ومن وكر الحيوان ونحو ذلك: خَرْج وخَرَاج، قال الله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ [المؤمنون : 72] ، فإضافته إلى الله تعالى تنبيه أنه هو الذي ألزمه وأوجبه، والخرج أعمّ من الخراج، وجعل الخرج بإزاء الدّخل، وقال تعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً﴾ [الكهف : 94] ، والخراج مختصّ في الغالب بالضّريبة على الأرض، وقيل: العبد يؤدّي خرجه، أي: غلّته، والرّعيّة تؤدّي إلى الأمير الخراج، والخَرْج أيضا من السحاب، وجمعه خُرُوج، وقيل: «الخراج بالضّمان»(٢) ، أي: ما يخرج من مال البائع فهو بإزاء ما سقط عنه من ضمان المبيع، والخارجيّ: الذي يخرج بذاته عن أحوال أقرانه، ويقال ذلك تارة على سبيل المدح إذا خرج إلى منزلة من هو أعلى منه، وتارة يقال على سبيل الذّمّ إذا خرج إلى منزلة من هو أدنى منه، وعلى هذا يقال: فلان ليس بإنسان تارة على المدح كما قال الشاعر:

138- فلست بإنسيّ ولكن لملأك ... تنزّل من جوّ السماء يصوب(٣)

وتارة على الذّمّ نحو: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ﴾ [الفرقان : 44] ، والخَرَج: لونان من بياض وسواد، ويقال: ظليم أَخْرَجُ، ونعامة خَرْجَاء، وأرض مُخَرَّجَة(٤) : ذات لونين، لكون النبات منها في مكان دون مكان، والخَوَارِج لكونهم خارجين عن طاعة الإمام.

(١) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب وشعبة عن عاصم بالإفراد ثمرة، وقرأ الباقون ثَمَراتٍ بالجمع. انظر: الإتحاف ص 382.

(٢) الحديث رواه أحمد 6/ 48 وأبو داود في البيوع برقم (3058) والترمذي برقم (1258) وحسنه عن عائشة مرفوعا،.

والنسائي 7/ 254، وابن ماجة (2242) ، والحاكم 2/ 15. انظر: كشف الخفاء 1/ 376، والتلخيص الحبير 3/ 22.

(٣) البيت لعلقمة بن عبدة من مفضليته التي مطلعها: طحا بك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشّباب عصر حان مشيب

وهو في المفضليات ص 394.

(٤) انظر: اللسان (خرج) .

ثمر

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

ثمر

الثَّمَرُ اسم لكلّ ما يتطعم من أحمال الشجر، الواحدة ثَمَرَة، والجمع: ثِمَار وثَمَرَات، كقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ﴾ [البقرة : 22] ، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ﴾ [النحل : 67] ، وقوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ [الأنعام : 99] ، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ [الرعد : 3] ، والثَّمَر قيل: هو الثِّمَار، وقيل: هو جمعه، ويكنّى به عن المال المستفاد، وعلى ذلك حمل ابن عباس (وكان له ثمر)(١) [الكهف : 34] ويقال: ثَمَّرَ الله ماله، ويقال لكلّ نفع يصدر عن شيء: ثَمَرَة كقولك: ثمرة العلم العمل الصالح، وثمرة العمل الصالح الجنّة(٢) ، وثمرة السوط عقدة أطرافها تشبيها بالثمر في الهيئة، والتدلي عنه كتدلي الثمر عن الشجر، والثَّمِيرَة من اللبن: ما تحبّب من الزبد تشبيها بالثمر في الهيئة وفي التحصيل من اللبن.

(١) انظر: الدرّ المنثور 5/ 390، وهي قراءة ابن عباس من القراءات الشاذة. وقال مجاهد: ما كان في القرآن من ثمر فهو مال، وما كان من ثمر فهو من الثمار. انظر: اللسان (ثمر) .

(٢) انظر مجمع البلاغة للمؤلف 1/ 44.

رزق

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

رزق

الرِّزْقُ يقال للعطاء الجاري تارة، دنيويّا كان أم أخرويّا، وللنّصيب تارة، ولما يصل إلى الجوف ويتغذّى به تارة(١) ، يقال: أعطى السّلطان رِزْقَ الجند، ورُزِقْتُ علما، قال: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المنافقون : 10] ، أي: من المال والجاه والعلم، وكذلك قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة : 3] ، ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة : 172] ، وقوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة : 82] ، أي: وتجعلون نصيبكم من النّعمة تحرّي الكذب.

وقوله: ﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات : 22] ، قيل: عني به المطر الذي به حياة الحيوان(٢) . وقيل: هو كقوله: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ [المؤمنون : 18] ، وقيل: تنبيه أنّ الحظوظ بالمقادير، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف : 19] ، أي: بطعام يتغذّى به. وقوله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقاً لِلْعِبادِ﴾ [ق : 10-11] ، قيل: عني به الأغذية، ويمكن أن يحمل على العموم فيما يؤكل ويلبس ويستعمل، وكلّ ذلك ممّا يخرج من الأرضين، وقد قيّضه الله بما ينزّله من السماء من الماء، وقال في العطاء الأخرويّ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران : 169] ، أي: يفيض الله عليهم النّعم الأخروية، وكذلك قوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم : 62] ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ﴾ [الذاريات : 58] ، فهذا محمول على العموم.

والرَّازِقُ يقال لخالق الرّزق، ومعطيه، والمسبّب له، وهو الله تعالى(٣) ، ويقال ذلك للإنسان الذي يصير سببا في وصول الرّزق. والرَّزَّاقُ لا يقال إلّا لله تعالى، وقوله: ﴿وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ [الحجر : 20] ، أي: بسبب في رزقه، ولا مدخل لكم فيه، وقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل : 73] ، أي: ليسوا بسبب في رزق بوجه من الوجوه، وسبب من الأسباب. ويقال: ارْتَزَقَ الجند: أخذوا أرزاقهم، والرَّزْقَةُ: ما يعطونه دُفْعة واحدة.

(١) وردّه الرازي في تفسيره 2/ 30.

(٢) وهو قول الضحاك، انظر: الدر المنثور 7/ 619.

(٣) انظر: الأسماء والصفات ص 86.

ندد

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

ندد

نَدِيدُ الشيءِ: مُشارِكه في جَوْهَره، وذلك ضربٌ من المُماثلة، فإنّ المِثْل يقال في أيِّ مشاركةٍ كانتْ، فكلّ نِدٍّ مثلٌ، وليس كلّ مثلٍ نِدّاً، ويقال: نِدُّهُ ونَدِيدُهُ ونَدِيدَتُهُ، قال تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً﴾ [البقرة : 22] ، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً﴾ [البقرة : 165] ، ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً﴾ [فصلت : 9] وقرئ: (يوم التَّنَادِّ) [غافر : 32](١) أي: يَنِدُّ بعضُهم من بعض. نحو: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [عبس : 34] .

(١) وهي قراءة شاذة، قرأ بها ابن عباس والضحاك والأعرج وأبو صالح بتشديد الدال. انظر: البصائر 5/ 31.

علم

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ

علم

العِلْمُ: إدراك الشيء بحقيقته، وذلك ضربان: أحدهما: إدراك ذات الشيء.

والثاني: الحكم على الشيء بوجود شيء هو موجود له، أو نفي شيء هو منفيّ عنه.

فالأوّل: هو المتعدّي إلى مفعول واحد نحو: ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال : 60] .

والثاني: المتعدّي إلى مفعولين، نحو قوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ﴾ [الممتحنة : 10] ، وقوله: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ إلى قوله: لا عِلْمَ لَنا(١) فإشارة إلى أنّ عقولهم طاشت. والعِلْمُ من وجه ضربان: نظريّ وعمليّ.

فالنّظريّ: ما إذا علم فقد كمل، نحو: العلم بموجودات العالَم.

والعمليّ: ما لا يتمّ إلا بأن يعمل كالعلم بالعبادات.

ومن وجه آخر ضربان: عقليّ وسمعيّ، وأَعْلَمْتُهُ وعَلَّمْتُهُ في الأصل واحد، إلّا أنّ الإعلام اختصّ بما كان بإخبار سريع، والتَّعْلِيمُ اختصّ بما يكون بتكرير وتكثير حتى يحصل منه أثر في نفس المُتَعَلِّمِ. قال بعضهم: التَّعْلِيمُ: تنبيه النّفس لتصوّر المعاني، والتَّعَلُّمُ: تنبّه النّفس لتصوّر ذلك، وربّما استعمل في معنى الإِعْلَامِ إذا كان فيه تكرير، نحو: ﴿أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ [الحجرات : 16] ، فمن التَّعْلِيمُ قوله: الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ [الرحمن : 1-2] ، ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق : 4] ، ﴿وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ [الأنعام : 91] ، ﴿عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل : 16] ، ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة : 129] ، ونحو ذلك. وقوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة : 31] ، فتَعْلِيمُهُ الأسماء: هو أن جعل له قوّة بها نطق ووضع أسماء الأشياء وذلك بإلقائه في روعه وكَتعلِيمِهِ الحيوانات كلّ واحد منها فعلا يتعاطاه، وصوتا يتحرّاه قال: ﴿وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾ [الكهف : 65] ، ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ [الكهف : 66] ، قيل: عنى به العِلْمَ الخاصّ الخفيّ على البشر الذي يرونه ما لم يعرّفهم الله منكرا، بدلالة ما رآه موسى منه لمّا تبعه فأنكره حتى عرّفه سببه، قيل: وعلى هذا العلم في قوله: ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ﴾ [النمل : 40] ، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ [المجادلة : 11] ، فتنبيه منه تعالى على تفاوت منازل العلوم وتفاوت أربابها. وأما قوله: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف : 76] ، فَعَلِيمٌ يصحّ أن يكون إشارة إلى الإنسان الذي فوق آخر، ويكون تخصيص لفظ العليم الذي هو للمبالغة تنبيها أنه بالإضافة إلى الأوّل عليم وإن لم يكن بالإضافة إلى من فوقه كذلك، ويجوز أن يكون قوله: عَلِيمٌ عبارة عن الله تعالى وإن جاء لفظه منكّرا، إذ كان الموصوف في الحقيقة بالعليم هو تبارك وتعالى، فيكون قوله: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف : 76] ، إشارة إلى الجماعة بأسرهم لا إلى كلّ واحد بانفراده، وعلى الأوّل يكون إشارة إلى كلّ واحد بانفراده. وقوله: ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة : 109] ، فيه إشارة إلى أنه لا يخفى عليه خافية.

وقوله: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن : 26-27] ، فيه إشارة أنّ لله تعالى علما يخصّ به أولياءه، والعَالِمُ في وصف الله هو الّذي لا يخفى عليه شيء كما قال: ﴿لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ﴾ [الحاقة : 18] ، وذلك لا يصحّ إلا في وصفه تعالى. والعَلَمُ: الأثر الذي يُعْلَمُ به الشيء كعلم الطّريق وعلم الجيش، وسمّي الجبل علما لذلك، وجمعه أَعْلَامٌ، وقرئ: (وإنّه لَعَلَمٌ للسّاعة)(٢) وقال: ﴿وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ [الشورى : 32] ، وفي أخرى: ﴿وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ [الرحمن : 24] . والشّقّ في الشّفة العليا عَلَمٌ، وعلم الثّوب، ويقال: فلان عَلَمٌ، أي: مشهور يشبّه بعلم الجيش. وأَعْلَمْتُ كذا: جعلت له علما، ومَعَالِمُ الطّريق والدّين، الواحد مَعْلَمٌ، وفلان معلم للخير، والعُلَّامُ: الحنّاء وهو منه، والعالَمُ: اسم للفلك وما يحويه من الجواهر والأعراض، وهو في الأصل اسم لما يعلم به كالطابع والخاتم لما يطبع به ويختم به، وجعل بناؤه على هذه الصّيغة لكونه كالآلة، والعَالَمُ آلة في الدّلالة على صانعه، ولهذا أحالنا تعالى عليه في معرفة وحدانيّته، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف : 185] ، وأمّا جمعه فلأنّ من كلّ نوع من هذه قد يسمّى عالما، فيقال: عالم الإنسان، وعالم الماء، وعالم النّار، وأيضا قد روي: (إنّ لله بضعة عشر ألف عالم)(٣) ، وأمّا جمعه جمع السّلامة فلكون النّاس في جملتهم، والإنسان إذا شارك غيره في اللّفظ غلب حكمه، وقيل: إنما جمع هذا الجمع لأنه عني به أصناف الخلائق من الملائكة والجنّ والإنس دون غيرها. وقد روي هذا عن ابن عبّاس(٤) . وقال جعفر بن محمد: عني به النّاس وجعل كلّ واحد منهم عالما(٥) ، وقال(٦) : العَالَمُ عالمان الكبير وهو الفلك بما فيه، والصّغير وهو الإنسان لأنه مخلوق على هيئة العالم، وقد أوجد الله تعالى فيه كلّ ما هو موجود في العالم الكبير، قال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [الفاتحة : 1] ، وقوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ [البقرة : 47] ، قيل: أراد عالمي زمانهم. وقيل: أراد فضلاء زمانهم الذين يجري كلّ واحد منهم مجرى كلّ عالم لما أعطاهم ومكّنهم منه، وتسميتهم بذلك كتسمية إبراهيم عليه السلام بأمّة في قوله: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ [النحل : 120] ، وقوله: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ [الحجر : 70] .

(١) الآية: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا سورة المائدة: آية 109.

(٢) سورة الزخرف: آية 61، وهي قراءة شاذة، قرأ بها الأعمش. انظر: الإتحاف ص 386.

(٣) أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله تعالى: رَبِّ الْعالَمِينَ قال: الإنس عالم، والجن عالم، وما سوى ذلك ثمانية عشر ألف عالم من الملائكة.

وأخرج أبو الشيخ وأبو نعيم في الحلية عن وهب قال: إنّ لله عزّ وجل ثمانية عشر ألف عالم. الدنيا منها عالم واحد. انظر: الدر المنثور 1/ 34.

(٤) انظر: البصائر 4/ 95، والدر المنثور 1/ 34.

(٥) انظر: البصائر 4/ 95.

(٦) انظر تفصيل النشأتين ص 78.