التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاستفهام

الاستفهام:

تعريف الاستفهام:

هو طلَبُ الإِفْهامِ والإِعْلامِ لتَحْصِيلِ فائدةٍ مجهولةٍ لدَى الْمُستَفْهِم. وهو من أنواع الإِنشاء الطّلبي.

وقَد يُراد بِالاستفهام غيْرُ هذا المعنى الأصليّ له، ويُسْتَدلُّ على المعنى المراد بالقرائن القوليّة أو الحالية، كما سيأتي بيانه في "خروج الاستفهام عن أصل دلالته" إن شاء الله.

وظيفة الاستفهام:

وللاستفهام وظيفتان: طلب التصديق، وطلب التصور.

أولا: طلب التصديق:

طلب التصديق:

وهو الذي يسأل عن الجملة التي بعد أداة الاستفهام: أصادقة هي أم غير صادقة؛ فهو أَن تحكم عَلَيْهِ بِالنَّفْيِ أَو الْإِثْبَات ولذلك يجاب عنها بـ"نعم" أو "لا" ويستعمل في هذه الجملة حرفان:

الهمزة وهل.

وهذان الحرفان يتفقان في أشياء ويختلفان في أشياء؛ فهما يتفقان في دخولهما على الجملة بنوعيها: الاسمية والفعلية:

أزيد موجود؟ أسافر زيد؟

هل زيد موجود؟ هل سافر زيد؟

ويقول النحاة: إن الهمزة هي الأصل في الاستفهام، ومن ثَمَّ فهي تفترق عن "هل" باستعمالات خاصة:

أ- فهي تدخل على الجملة المثبتة، والجملة المنفية، أما "هل" فلا تستعمل إلا مع الجملة المثبتة:

تقول: أسافر زيد؟ ألم يسافر زيد؟

أزيد مسافر؟ أليس زيد مسافر؟

وتقول: هل سافر زيد؟ هل زيد مسافر؟

لكنك لا تقول: هل لم يسافر زيد؟ هل ليس زيد مسافرا؟

ب- وهي تدخل على الجملة الشرطية، ولا يصح ذلك مع "هل" تقول:

أإن نجح زيد تكافئه؟

ولا تقول: هل إن نجح زيد تكافئه؟

جـ- وهي تدخل على "إنَّ" ولا يصح ذلك مع "هل"، تقول:

أإنه لشاعر؟

ولا تقول: هل إنه لشاعر؟

د- إذا وقعت في جملة معطوفة تأخر عنها حرف العطف؛ لأن لها الصدارة كما يقولون. أما "هل" فتقع بعد حرف العطف، تقول:

حضر زيد أو حضر عمرو؟ أفحضر عمرو؟ أثُمَّ حضر عمرو؟

ومع "هل" تقول: وهل حضر عمرو؟ فهل حضر عمرو؟ ثم هل حضر عمرو؟

جواب الاستفهام:

لما كان الاستفهام "طلبا" فلا بد له من جواب، وجمل الجواب لا محل لها من الإعراب دائما. ونلفتك إلى ما يلي:

طلب التصديق يجاب عنه علي النحو الآتي:

أ- إذا كانت الجملة مثبتة يجاب عنها بـ"نعم" إثباتا، و"لا" نفيا:

أحضر زيد؟ هل حضر زيد؟ نعم، حضر زيد. لا، لم يحضر زيد.

أزيد حاضر؟ هل زيد حاضر؟ نعم، زيد حاضر. لا، ليس زيد حاضرا.

وتستعمل في الإجابة المثبتة أيضا كلمتا "أَجَلْ" و"إي" نقول: أجل، حضر زيد. أجل، زيد حاضر. إي، حضر زيد. إي، زيد حاضر.

وتقول في إعرابها: حرف جواب مبني على السكون لا محل له من الإعراب.

ب- إذا كانت الجملة منفية يجاب عنها بـ"بلى" إثباتا، و"نعم" نفيا:

ألم يحضر زيد؟ أليس زيد حاضرا؟

بلى، حضر زيد. بلى، زيد حاضر.

نعم، لم يحضر زيد. نعم، ليس زيد حاضرا


ثانيا: طلب التصوّر:

طلب التصور:

وتستخدم فيه الهمزة وبقية أدوات الاستفهام؛ لأنك هنا لا تسأل عن "صدق" الجملة المستفهم عنها، بل تسأل عن "تصور" المستفهم عنه. فالجملة التي تدخل عليها أدوات الاستفهام تتكون من أجزاء هي المسند والمسند إليه وأحد المتعلقات، وبضم هذه الأجزاء وإسناد بعضها إلى بعض تتكون الجملة التي تفيد حكمًا معينًا بهذا الضم أو بذاك الإسناد. وعندما تدخل هذه الأدوات على الجملة الخبرية يكون الاستفهام بها عن أحد أمرين؛ إما عن النسبة أي الإسناد أو الحكم المفاد من الجملة، ويُسمى تصديقًا، وإما عن أحد أجزاء الجملة ويسمى تصورًا؛ فالتصديق هو إدراك النسبة بين الشيئين ثبوتًا أو نفيًا، والتصور هو إدراك أحد أجزاء الجملة المسند أو المسند إليه أو أحد المتعلقات.

فالمراد بالتصور إدراك المفرد يعني لا يقع بعده إلا المفرد أو ما يُؤدي مؤدى المفرد. فتصور المسند إليه قولك: أدبس فى الإناء أم عسل، وتصور المسند قولك: أفى الخابية دبسك أم فى الزق. ويمكن التأويل على أن المسند الاستقرار الذى يتعلق به الظرف

جواب طلب التصور: 

لا يستعمل هنا حرف جواب، وإنما يجاب بتحديد المسئول عنه:

أحضر زيد أم عمرو؟ -زيد.

مَنْ حضر؟ -زيد.

متى حضر زيد؟ -يوم الجمعة.

... وهكذا.

- لا تستعمل "أم" مع "هل"، وإذا اضطررت إلى ذلك فعليك تكرار "هل" بعد أم.

- يستعمل الفعل المضارع المسبوق بالفاء في جواب الاستفهام، فتجري عليه الأحكام السابقة في جواب الأمر؛ إذ ينصب بأن مضمرة، تقول:

هل تجتهد فتنجح؟

الفاء: حرف عطف يفيد السببية، وتنجح فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبا، والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقدير أنت.

والمصدر المؤول معطوف على مصدر مؤول متوهم من الفعل السابق، والتقدير:

هل يكون منك اجتهاد فيكون لك نجاح؟



أقسام أدوات الاستفهام:

للاستفهام طائفةٌ من الأدوات، وهي تقع في ثلاثة أقسام:

القسم الأول: همزة الاستفهام، يُسْتَفْهَمُ بها عن التصوُّر والتصديق، وهي حرفٌ لا محل له من الإِعراب.

للهمزة حالتان:

١- أن تكون لطلب تصور المفرد ومعرفته، كطلب معرفة المسند إليه، أو المسند أو غيرهما فتقول: أمحمد مسافر أم محمود، إذا كنت تعتقد أن أحدهما مسافر، ولا تعلم عينه فتطلب تعيينه فتجاب بأنه محمود مثلا، وتقول: أمسافر محمود، أم مقيم؟ فتجاب بأنه مقيم مثلا. وهذه الهمزة لا يليها إلا المسئول سواء أكان:

أ- مسندا كما تقول: أبنيت الدار التي كنت أزمعت أن تبنيها؟ أفرغت من الكتاب الذي كنت تكتبه؟ تبدأ في مثل هذا بالفعل؛ لأنك متردد بين وجوده وانتفائه.

ب- أم مسند إليه نحو: أأنت ابتكرت هذه الخطبة؟ أأنت بنيت هذه الدار؟ تبدأ في هذا بالفاعل؛ لأنك لم تشك في الفعل أنه كان، وكيف يجول الشك بخاطرك وأنت ترى دارا مبنية، وتشير إلى خطبة مكتوبة، وإنما أنت تشك في الفاعل من هو، فلو قلت: أأنت أنشأت الخطبة التي كان في نفسك أن تكتمها، خرجت عن سنن التخاطب، وكذا لو قلت: أبنيت هذه الدار، أقلت هذا الشعر، تكون قد قلت ما لا يصح أن يقال لفساد أن تقول في شيء مشاهد نصب عينيك أموجود أم لا.

جـ- أم مفعولا نحو: أإياي تريد؟

د- أم حالا نحو: أمستبشرا جاء علي.

هـ- أم ظرفا نحو:

أبعد بني عمرو أسرّ بمقبل ... من العيش أو آسي على إثر مدبر

وهكذا قياس سائر المتعلقات.

التّصوّر: هو إدْراكُ المفرد، ويُطْلَبُ بالاستفهام عن التصّور إدْراكُ المسند إليه، أو إدْراكُ المسند، لتعيينه، ويكونُ الجوابُ بتعيينِ المسؤول عنه، مُسْنداً كان أو مُسنداً إليه. مثل:

* أضَرَبَ خالدٌ أَمْ أكل؟ والجواب: ضرب - أو - أَكل.

* أضُرِبَ زَيْدٌ أم عَمْروٌ؟ والجواب: عَمْرو - أو - زَيْدٌ.

* متى يُفْطِرُ الصّائم؟ والجواب: إذا غربتِ الشمس.

فهو طلب معرفة المسند إليه، أو المسند أو غيرهما فتقول: أمحمد مسافر أم محمود، إذا كنت تعتقد أن أحدهما مسافر، ولا تعلم عينه فتطلب تعيينه فتجاب بأنه محمود مثلا، وتقول: أمسافر محمود، أم مقيم؟ فتجاب بأنه مقيم مثلا. وهذه الهمزة لا يليها إلا المسئول سواء أكان:

أ- مسندا كما تقول: أبنيت الدار التي كنت أزمعت أن تبنيها؟ أفرغت من الكتاب الذي كنت تكتبه؟ تبدأ في مثل هذا بالفعل؛ لأنك متردد بين وجوده وانتفائه.

ب- أم مسند إليه نحو: أأنت ابتكرت هذه الخطبة؟ أأنت بنيت هذه الدار؟ تبدأ في هذا بالفاعل؛ لأنك لم تشك في الفعل أنه كان، وكيف يجول الشك بخاطرك وأنت ترى دارا مبنية، وتشير إلى خطبة مكتوبة، وإنما أنت تشك في الفاعل من هو، فلو قلت: أأنت أنشأت الخطبة التي كان في نفسك أن تكتمها، خرجت عن سنن التخاطب، وكذا لو قلت: أبنيت هذه الدار، أقلت هذا الشعر، تكون قد قلت ما لا يصح أن يقال لفساد أن تقول في شيء مشاهد نصب عينيك أموجود أم لا.

جـ- أم مفعولا نحو: أإياي تريد؟

د- أم حالا نحو: أمستبشرا جاء علي.

هـ- أم ظرفا نحو:

أبعد بني عمرو أسرّ بمقبل ... من العيش أو آسي على إثر مدبر

وهكذا قياس سائر المتعلقات.

تنبيه يجوز أن يذكر مع همزة التصور معادل بعد لفظ (أم) كما تقدم، ويجوز حذفه، نحو: أراغب أنت في إنجاز حاجتي، إذ تقديره: أم راغب عنها وكاره إنجازها.

التصديق: هو إدْراك النسبة الحكميّة بين المسند والْمُسْنَد إليه، يتردد العقل بين ثبوتها ونفيها. والكثير أن يكون ذلك بجملة فعلية نحو: أقدم صديقك؟ ويقل أن يكون بجملة اسمية نحو: أقادم صديقك؟ ويجاب في هذين بلا أو بنعم.

ويمتنع أن يذكر مع هذه معادل، فإن جاءت أم بعدها قدرت منقطعة بمعنى (بل) ، مثل:

* هل بُعِثَ خَاتم المرسلين؟ والجواب: نعم، بُعِث.

* هل ظهر المسيح الدجال؟ والجواب: لا، لم يظهر بَعْدُ.الأداة الأولى: همزة الاستفهام "أ" ويُسْتَفْهم بها كما سبَقَ بيانُه عن التصوّر والتصديق، وهي أصل أدواتِ الاستفهام كلّها.

ويرى "سيبويْهِ" أن العرب تركوا النُّطق بهمزة الاستفهام مع سائر أدوات الاستفهام لأنّهم أَمِنُوا الالتباس، فاكتسبَتْ هذه الأدواتُ معنى الاستفهام بالتداول.

قال ابن مالك في "المصباح": "ما عدا الهمزة نائبٌ عنها، ولكونه -أي: الاستفهام- طلبَ ارْتِسَام صورةِ ما في الخارج في الذهن، لزم أن لا يكون حقيقةً إلاَّ إذا صَدَرَ من شَاكٍّ مُصدِّقٍ بإمكان الإِعلام، فإنّ غير الشاكّ إذا استفهم يلزمُ منه تحصيل الحاصل، وإذا لم يُصدّقْ بإمكان الإِعلام انْتَفَتْ عنه فائدة الاستفهام".

* وتختصّ همزة الاستفهام عن سائر الأدوات بعدّة خصائص، هي الخصائص التالية:

١- جواز حَذْفِها وتقديرها ذهناً، مثل ما جاء في قول الله عزّ وجلّ في حكاية قول فرعون لسحرته بعْدَ أنْ غُلِبُوا وأعلَنُوا إيمانهم: {قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ ... }. أي: أآمنُتُمْ به؟

٢- أنَّها أداةٌ يُطْلَبُ بها التصوّر، ويُطْلبُ بها التصديق، كما سبق بيانه.

ويكْثرُ في طلب التصوّر بها أن يُذْكَر للمسْتَفْهَم عنه معادلٌ بعد "أم" وتسمَّى عندئذٍ همزة التسوية، مثل:

* أخالد بن الوليد فتح دمشق أم أبو عبيدة بن الجرّاح؟

* {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ الله} ؟.

* {ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} ؟.

* {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}. أي: سواءٌ عليهم إنذارُكَ وَعَدَمُه.

* ألَحْمَ عِجْلٍ أطْعَمْتنا؟

فإذا طُلِبَ بها التصديق (وهو إدراكُ النسبة الحكميّة في الجملة) امْتَنَع ذِكْرُ معادلٍ للمستفهم عنه بها، مثل:

* {أَأَمِنتُمْ مَّن فِي السمآء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأرض فَإِذَا هِيَ تَمُورُ}.

* {أَرَأَيْتَ الذي ينهى * عَبْداً إِذَا صلى}.

* {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى}.

* {أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ}.

٣- أَنَّها تَدْخُلُ على الإِثبات، وتدخل على النفي، مثل:

* أدَرَسْتَ مادَةَ التفسير؟

* ألَمْ نَشْرَحْ لكَ صَدْرك؟

* ... أَبَعْدَ بَنِي عَمْروٍ أُسَرُّ بِمُقْبِلٍ ... مِنَ الْعَيْشِ أَوْ آسَى عَلَى إِثْرِ مُدْبِرِ

٤- أنّها لا يَلِيها إلاّ المسؤول عنه، سواءٌ أكان مسنداً، أَمْ مُسْنداً إليه، أَمْ مفعولاً به، أم حالاً أم ظَرْفاً أم غير ذلك من متعلقات الفعل.

٥- أنّ لها تمامَ الصدارة، فتُقَدَّم في الجملة حتّى على حروف العطف، مثل:

* {أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ ... } ؟.

* {أَوَلَمْ يَسيرُواْ} ؟.

* {أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ ... } ؟.

أمّا سائر أدوات الاستفهام فتتأخَّرُ عن حروف العطف، وتتأخّر عن "أمْ" التي للإِضراب، مثل: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ؟ - فَأيْنَ تَذْهَبُونَ؟ - فأنى تُؤْفَكُونَ؟ - فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الفاسقون؟ - فَأَيُّ الفريقين أَحَقُّ بالأمن؟ - فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْن؟ - أَمَّن يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السواء؟}. إلى غير ذلك من خصائص ذكرها النحاة.

 


القسم الثاني: لفط "هَلْ"، يُستَفْهَمُ به عن التصديق فقط، وهو حرفٌ لا محل له من الإِعراب.

الأداة الثانية: كلمة "هل" وهي أداة يستفهم بها عن التصديق فقط، فلا يُذْكر مع الْمُسْتَفْهَمِ عنه بها معادل، بخلاف همزة الاستفهام، وهي "حرف" كالهمزة.

والأصل في كلمة "هل" أن تدخُلَ على جملة فعليّة، فِيَلِيَهَا فِعْلٌ لفظاً أَوْ تقديراً مثل:قول الله عزّ وجلّ:{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الملائكة أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ؟ ...}.

وقول الله عزّ وجلّ: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعمى والبصير أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظلمات والنور؟...}. وقول الله عزّ وجلّ: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى}. فإذا عُدِل عن الجملة الفعليّة فأدخلت "هل" على الجملة الاسمية، فذلك لنكتة يلاحظها الْبُلَغَاء، وهي جعل ما سيحصل كأنّه حاصل موجودٌ فعلاً، اهتماماً بشأنه، أو تأكيداً للرغبة بتحقُّقِ وُقُوعِهِ، مثل: قول الله عزّ وجلّ: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ} ؟. أي: فهل ستكونُونَ حقاً شَاكِرينَ، أو هو استفهام تضمّن معنى الحضّ على الشكر.

قول الله عزّ وجلّ بشأن الخمر والميسر، خطاباً للذين آمنوا: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضآء فِي الخمر والميسر وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصلاة فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} ؟! .أي: فَهَلْ سَتَنْتَهون، أو هو استفهامٌ تضمّن معنى الحضّ على الطاعة.

ولا تدخل أداة "هل" على: [النفي - والمضارع الذي للحال - والشّرط - حرف "إنّ" الذي ينصب الاسم ويرفع الخبر - وحرفِ العطف]. بخلاف الهمزة في كلّ ذلك.


القسم الثالث: ما يُسْتَفهَمُ به عن التَّصَوُّر فقط، وهي سائر أدوات الاستفهام، وهذه جميعُها أسماء، وهي: "مَنْ - مَا - أَيٌّ - كَمْ - كَيْفَ - أَيْنَ - أَنَّى - مَتَى - أَيَّانَ":


كلمة "مَنْ" وتأتي اسماً من أسماء الاستفهام، قالوا: ويُطْلَبُ بها تعيينُ أحد العقلاء، أو العلماء، 

مثل: قول الله تعالى: {قَالُواْ ياويلنا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا؟... } {...وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله... }. وقول الشاعر:

وَمَنْ ذَا الَّذِي تُرْضَى سَجَايَاهُ كُلُّهَا؟ ...كَفَى الْمَرْءَ نُبْلاً أَنْ تُعَدَّ مَعَايِبُه.

إعراب مَنْ: تعرب حسب موقعها في الجملة؛ فقد تكون في محل رفع أو نصب أو جر، مثل: مَن جاء؟ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ "والجملة الفعلية بعده خبر".

مَن خلقه كريم؟ مَن مبتدأ، وشبه الجملة متعلق بمحذوف خبر. من هذا؟ من اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع خبر مقدم، واسم الإشارة في محل رفع مبتدأ مؤخر "لأن الإجابة: هذا زيد".

من رأيت اليوم؟ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعول به "للفعل بعده".

أبو مَن هذا؟ أبو: خبر مقدم مرفوع بالواو لأنه من الأسماء الستة، من اسم استفهام مبني على السكون في محل جر مضاف إليه "واسم الإشارة مبتدأ مؤخر".


كلمة "ما" وتأتي اسماً من أسماء الاستفهام، ومعناها "أيُّ شيء؟ " وهي للاستفهام عن غير العقلاء، والمطلوب بها أحد أمور ثلاثة:

الأمر الأول: إيضاح الاسم وشرحه، مثل: ما النُّضار؟ وجوابه: الذهب. أو الخالِصُ من كلِّ شيء. ما اللُّجَيْن؟ وجوابه: الفضّة. {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ العالمين * قَالَ رَبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ المشرق والمغرب وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} في هذا النصّ نلاحظ أنّ سؤال فرعون عن ربّ العالمين هو سؤالٌ عن شرح الاسم، أي: ما معنَى "رَبّ العالمين". إنّه لا يجهل معنى كلمة "رَبّ" ولا معنى كلمة "العالمين" لكنّه سأل عن الاسم المؤلّف من "ربّ العالمين". فشرح له موسَى عليه السلام بقوله: "رَبُّ السَّمَاواتِ والأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا". فاتَّهَمَهُ فِرْعَوْنُ بالجنون، لأنَّه ذكر أنّ السَّمَاواتِ والأَرْض وما بينهما خاضعةٌ لسلطان رَبٍّ واحد، وهو يتصوَّرُ أنّ الكائنات يتحكَّمُ بها أربابُ مُتَعدِّدُون، وهو رَبُّ إِقليم مصر. فتنزّل موسى عليه السلام إلى مستوى إدْراك فرعون، فقال له ولِمَلَئِه: رَبُّ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِب وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ. أي: هو المتَصَرِّفُ بعمليّات الْخَلْق والتَّدْبِيرِ في هذِهِ الأَرْضِ من مَشْرِقِهَا إلَى مَغْرِبها، ومن ذلك حدود سلطانك في مصر يا فرعون. عندئذٍ اسْتكْبَر فرعونُ حِينَ فهم مراد موسَى عليه السلام، فقال له: {لَئِنِ اتخذت إلاها غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين}. أي: لَئِنْ اتَّخَذْتَ مَعْبُوداً غَيْرِي.

الأمر الثاني: بَيَانُ حقيقةِ الْمُسَمَّى، مثل: ما الْحَسَد؟. وجوابُه مثلاً: تَمَنِّي زَوالِ النعمة عن المحسود. ما الكِبْرُ؟. وجوابُه: "بَطَرُ الْحَقِّ وَغْمْطُ النّاس".

الأمر الثالث: بيان صفات المسؤول عنه وأحواله الخاصة أو العامة، مثل: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى}. أَنْ تَقُولَ لقادم عليكَ وأنت لا تعرف صفاته: مَا أَنْت؟ قول المتنبّي في مَدْح سيف الدولة:

لَيْتَ الْمَدَائِحَ تَسْتَوْفِي مَنَاقِبَهُ ... فَمَا كُلَيْبٌ وَأَهْلُ الأَعْصُرِ الأُوَلِ؟

أي: فَمَا صفاتُ كُلَيْب بجانبِ صفاتِهِ، وكان العربُ يقولون: أعزُّ من كليب بن وائل. ومَا صفاتُ الملُوكِ الأوّلين بجانب صفاته ومناقبه، ومرادُه التعظيم من مناقبه وصفاته، والتقليل من صفات السّابقين من سادَة العرب.

الإعراب: إعراب ما مثل من، فتقول:

ما جاء بك؟ مبتدأ والجملة الفعلية خبر.

ما في نيتك؟ مبتدأ وشبه الجملة متعلق بمحذوف خبر.

ما هذا؟ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع خبر مقدم "واسم الإشارة مبتدأ مؤخر".

ما فعلت اليوم؟ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعول به "للفعل بعده".

ملحوظة: نلاحظ أن إعراب "من وما" يجري على النحو الآتي:

١- إذا كان بعدهما جملة اسمية أو شبه جملة فهما مبتدأ.

٢- إذا كان بعدهما جملة فعلية فهما مبتدأ أو مفعول به.

٣- إذا كان بعدهما اسم فهما خبر مقدم.

وإذا كانت "ما" مسبوقة بحرف جر ألغيت ألفها وجوبا، فتقول:

لِمَ، بِمَ، عَمَّ ... فإذا وقفت عليها عوضت عن الألف المحذوفة هاء السكت، فتقول:

لمه، بمه، عمه.

لِمَ فعلت هذا؟

اللام حرف جر مبني على الكسر لا محل له من الإعراب.

ما اسم استفهام مبني على السكون على الألف المحذوفة، في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلق بالفعل الآتي


كلمة "ماذا" اسم استفهام يستفهم به عن غير العاقل، ويعرب بحسب موقعه من الكلام فإذا وليه فعل متعد لم يستوف مفعوله، اعرب مبنيا على السكون في محل نصب مفعول به، وأعرب مبتدأ في غير ذلك نحو قوله تعالى: قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [يونس ١٠١/ ١٠].ماذا: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.قال تعالى: إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ [الصافات ٨٥/ ٣٧].الفعل تعبدون فعل متعد لم يستوف مفعوله، لذا تكون (ماذا) مفعولا به مقدما لأن (ماذا) من الألفاظ التي لها الصدارة في الكلام.وهكذا في قوله تعالى: قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ [يوسف ٧١/ ١٢].وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [النحل ٢٤/ ١٦].وَقِيلَ لِلَّذِينَ أنفقوا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً [النحل ٣٠/ ١٦].وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [البقرة ٢١٩/ ٢].فالأفعال: تَفْقِدُونَ، أَنْزَلَ، يُنْفِقُونَ، أفعال متعدية لم تستوف مفاعيلها لذا تعرب (ماذا) مفعولا به مقدما لأن (ماذا) من الألفاظ التي لها الصدارة في الكلام

الإعراب: تستطيع أن تعرب ماذا على ثلاثة أوجه:

أ- أن تجعلها كلمة واحدة فتكون حسب موقعها من الإعراب، مثل: ماذا في يدك؟ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ "والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر".

ماذا فعلت؟ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعول به "للفعل الآتي" ... وهكذا.

ب- أن تجعل "ذا" زائدة لا محل لها من الإعراب، وتكون "ما" حسب موقعها من الكلام، فتقول:

ماذا في يدك؟

ما: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وذا زائدة، وشبه الجملة متعلق بمحذوف خبر في محل رفع.

جـ- أن تجعل "ذا" اسم موصول خبرا عن "ما"، فتقول:

ماذا في يدك؟

ما: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.

ذا: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر، والجار والمجرور متعلق بمحذوف صلة لا محل له من الإعراب.

هذا ما يقوله بعض النحاة والمعربين، ونرى ترك الوجه الثاني؛ إذ لا معنى للقول بزيادة "ذا". والأقرب إلى الدقة اللغوية الوجه الثالث؛ لأن "ماذا" تختلف عن "ما"؛ إذ لا يتساوى: "ماذا قرأت؟ " و"ما قرأت؟ "، وأرى السؤالين لا يطلبان إجابة واحدة؛ إذ السؤال بـ"ماذا"

أي: ما الذي؟ يطلب شيئا محددا معرفا. فتقول: قرأت كتاب النحو، أو قرأت الكتاب الذي اشتريته أمس. أما السؤال بـ"ما" وحدها فالأغلب أنها تطلب نكرة؛ ولذلك لا تستعمل "ماذا" مع اسم مفرد خبرا مقدما، فلا تقول:

- ماذا زيد؟

- ماذا هذا؟

بل تقول: ما زيد؟ ما هذا؟

والإجابة: زيد طبيب. هذا كتاب.

تنبيه: يشيع بين الناس استعمال ضمير الغائب بين "من وما" حين تقعان خبرا مقدما واسم مفرد يقع مبتدأ مؤخرا، وهو استعمال غير صحيح؛ إذ يقولون:

- من هو زيد؟ - من هي فاطمة؟ - من هم الخوارج؟

- ما هو النحو؟ - ما هي الكلمة؟

إذ لا تعرف العربية كل هذا، وليس لهذا الضمير هنا وظيفة؛ ولذلك يجب أن نقول:

من زيد؟ من فاطمة؟ من الخوارج؟

ما النحو؟ ما الكلمة؟

نعم، ويستخدم الضمير إذا جاء وحده بعدهما، فتقول:

من أنت؟ من هم؟ ما هو؟ ما هي؟


كلمة "متَى" وتأتي اسماً من أسماء الاستفهام، ويُسْتَفْهَمُ بها عن الزمان ماضياً كان أم مستقبلاً، فلها محلٌّ في الإِعراب في الجملة، كسائر الأسماء، مثل:

قول الله عزّ وجلّ: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البأسآء والضرآء وَزُلْزِلُواْ حتى يَقُولَ الرسول والذين آمَنُواْ مَعَهُ متى نَصْرُ الله ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ}. مَتَى قَامَتِ الْحَرْبُ العالميّة الثانية؟. متَى يُفِيضُ الحاجّ من عَرَفَات يوم عرفة؟. وقولي صانعاً مثلاً: وَقَالُوا: مَتَى شَمْسُ الْهِدَايَةِ أَشْرَقَتْ؟  فَقُلْتُ: بِعَامِ الْفِيلِ فِي الْحَرَمِ الْمَكّي. 


إعراب متى: تعرب ظرف زمان دائما، مثل:

متى جاء علي؟ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب ظرف زمان "للفعل الآتي".

متى السفر؟ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب ظرف زمان "وهو متعلق بمحذوف خبر مقدم للمبتدأ المؤخر


كلمة "أَيّانَ" وتأتي اسْمَ استفهام، ويستَفْهَمُ بها عن الزمان، مثل "متى" ومعناها "أَيُّ حين" وتختصُّ بالاستفهام عن الزمان المستقبل، وتُسْتَخْدَمُ في الموضع الذي يَحْسُنُ فِيه التهويل والتعظيم، وتضخيمُ أمره، مثل:

قول الله عزّ وجلّ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ مُرْسَاهَا؟ ... }. وقول الله عزّ وجلّ: {بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ القيامة}؟. وقولي صانعاً مثلاً:

أَيَّانَ يَأْتِي الْحَدَثُ الْعَجِيبُ ... وَيَرْتَضِي زَوْرَتَنَا الْحَبِيبُ؟

إعراب أيان: تعرب ظرف زمان دائما للدلالة على المستقبل، مثل:

أيان تسافر؟ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب ظرف زمان "الفعل الآتي".

ملحوظة: يتضح لك أن اسم الاستفهام الدال على الظرف له إعرابان ليس غير:

١- إذا كان بعده اسم فهو متعلق بمحذوف خبر مقدم.

٢- إذا كان بعده فعل فهو ظرف متعلق بهذا الفعل.


كلمة "كَيْفَ" وَتأتي اسم استفهام، ويُسْتَفْهَمُ بها عن الحال، ويُطلَبُ بها تعيينُ الحال مثل:

قول الله عزّ وجلّ: {... وانظر إِلَى العظام كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً...} ؟. وقول الشاعر:

إِلَى اللَّهِ أَشْكُو بِالْمَدِينَةِ حَاجَةً ... وَبِالشَّامِ أُخْرَى كَيْفَ يَلْتَقِيَانِ؟

إعراب كيف: تعرب خبرا في نحو:

كيف أنت؟

اسم استفهام مبني على الفتح في محل رفع خبر مقدم. أنت: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ مؤخر.

كيف كنت؟

اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر كان.

ب- تعرب حالا، مثل:

كيف جئت؟ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال.

لـ"كيف" إذن إعرابان ليس غير:

١- تكون حالًا إذا كان بعدها فعل تام.

٢- تكون خبرًا مقدما إذا كان بعدها اسم أو فعل ناقص.


كلمة "أَيْنَ" وَتأتي اسم استفهام، ويُسْتَفْهَمُ بِهَا عن المكان، وهي مبنيّةٌ على الفتح في كلّ حالاتها، مثل:

قول الله عزّ وجلّ: {فَإِذَا بَرِقَ البصر * وَخَسَفَ القمر * وَجُمِعَ الشمس والقمر * يَقُولُ الإنسان يَوْمَئِذٍ أَيْنَ المفر}. وقول الله عزّ وجلّ: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ}. قول الشاعر:

فَأَيْنَ إلَى أَيْنَ النَّجَاةُ بِبَغْلَتِي ... أَتَاكَ أَتَاكَ اللاَّحِقُّون. أحْبِسِ أحْبِسِ

يخاطب نفسه بقوله: "أتاكَ أتاكَ".

الإعراب: تعرب أين ظرف مكان دائما، مثل:

أين ذهب علي؟ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب ظرف مكان "للفعل الآتي".

أين بيتك؟ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب ظرف مكان، "وهو متعلق بمحذوف خبر مقدم للمبتدأ المؤخر".


كلمةُ "أنَّى" وَتأتي اسماً من أسماء الاستفهام بمعنى "مِنْ أيْنَ؟ " وبمعنى: "كَيْفَ؟ " وبمعنى "متى؟ " وبمعنى "أيْنَ؟ " فلها أربعة معانٍ. أمثلة:

قول الله عزّ وجلّ بشأن مريم عليها السلام: {... كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يامريم أنى لَكِ هاذا} ؟. أَنَّى لَكِ هذَا؟: من أَيْنَ لَكِ هَذَا؟.

 وقول الله عزّ وجلّ بشأن زكريّا عليه السلام: {قَالَ رَبِّ أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر وامرأتي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ الله يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ}. أَنّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ؟ : كَيْفَ يَكُونَ لي غُلاَمٌ؟. 

وقول الله عزّ وجلّ: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ ...}؟. فأتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُم؟ : أي: متى شِئْتم؟، وكيف شِئْتُمْ؟ ولكِنْ من مكان الْحَرْثِ الّذِي يُنْبِت الزَّرْع. 

وقول الله عزّ وجلّ بشأن المنافقين: {هُمُ العدو فاحذرهم قَاتَلَهُمُ الله أَنَّى يُؤْفَكُونَ}. أَنَّى يُؤْفَكُونَ: أي: أَيْنَ يُصْرَفُونَ وَيَذْهَبُونَ؟.

وتعرب.

اسم استفهام مبني على السكون في محل ...

أ- في محل نصب ظرفا للمكان، نحو:

قال تعالى: قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [آل عمران ٣٧/ ٣].بمعنى من أين؟ لاحظ أن الجملة التي جاءت بعد أنى اسمية.

ب- في محل نصب ظرفا للزمان، نحو: أنى وصلت أمس؟ بمعنى متى. أنى اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب ظرف زمان.

ج- ترد بمعنى كيف، وكيف لها إعرابات مختلفة حسب السياق.

قال تعالى: قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ [البقرة ٢٤٧/ ٢]. بمعنى كيف وقد جاءت بعدها جملة فعلية. أنى اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب خبر يكون الفعل الناقص.

قال تعالى: أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا [آل عمران ١٦٥/ ٣]. أَنَّى: اسم استفهام بمعنى كيف مبني على السكون في محل رفع خبر مقدم. هذا: مبتدأ مؤخر مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.


كلمة "كم" وتأتي اسماً من أسماء الاستفهام، ويستفهم بها عن العدد، ويطلب بها تعيين العدد، ومعناها: أيُّ عَدَد، مثل:

قول الله عزّ وجلّ: {سَلْ بني إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} ؟. قول الله عزّ وجلّ في عَرْض قصة أهل الكهف: {وكذلك بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ ...}. وقول الله عزّ وجلّ بشأن سؤال المَبْعُوثين يَوْمَ الْبَعْثِ عَنْ مُدَّةِ إقامتِهِمْ في الأرض موتى: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرض عَدَدَ سِنِينَ * قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ العآدين * قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}. وقولي صانعاً مثلاً:

قُلْتُ لاِبْنِي: كَمْ زُرْتَني عَبْرَ عَشْرٍ ... مُنْذُ فَارَقْتَ مَنْزِلي؟ قَال: عَشْراً

قُلْتُ: يَكْفِيكَ أنْ يَزُورَكَ أبْنَا ... ؤُكَ في الْعَامِ مَرَّةً؟ قال: عُذْراً

إعراب كم: وهي اسم استفهام مبهم، يحتاج إلى ما يوضح إبهامه؛ ولذلك يأتي بعدها تمييز مفرد منصوب، وتعرب على الوجه التالي:

- كم طالبًا حضر؟

اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.

طالبًا تمييز منصوب بالفتحة الظاهرة "والجملة الفعلية في محل رفع خبر".

كم مالك؟ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع خبر مقدم "للمبتدأ المؤخر".

ملحوظة: هذه الجملة مستعملة في العربية، والنحاة يقدرون لها تمييزًا محذوفًا؛ أي: كم جنيهًا؟ أو كم بيتًا؟ أو كم فدانًا مالك؟

- كم كتابا قرأت؟ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعول به "للفعل الآتي".

- كم ساعة قرأت؟ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب ظرف زمان "للفعل الآتي".

- كم ميلًا سرت؟ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب ظرف مكان "للفعل الآتي".

- كم ضربة ضربتَه؟ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعول مطلق "للفعل الآتي".

من هذا الإعراب يتضح لك أن "كم" يعرف موقعها من التمييز الذي بعدها؛ لأنها اسم مبهم كما بينّا، ومما ييسر لك معرفة هذا الموضوع يمكنك أن تجيب

عن السؤال، فتدلك الكلمة التي أحللتها -في الإجابة- محل "كم" على موقعها الإعرابي.

- تمييز "كم" مفرد منصوب كما سبق ولا يجوز جره مطلقا، إلا إذا جرت "كم" بحرف جر، وفي هذه الحالة يجوز نصب تمييزها، وهو الأكثر ويجوز جره، ويكون هنا مجرورا بمن مضمرة وجوبا، لا بالإضافة، فنقول:

- بكم قرشًا اشتريت هذا؟

الباء: حرف جر مبني على الكسر لا محل له من الإعراب.

كم: اسم استفهام مبني على السكون في محل جر بالباء.

قرشا: تمييز منصوب بالفتحة الظاهرة.

- بكم قرشٍ اشتريته؟

الباء: حرف جر مبني على الكسر لا محل له من الإعراب.

كم: اسم استفهام مبني على السكون في محل جر.

قرش: اسم مجرور بمن مضمرة وجوبا.

تنبيه: يشيع بين الناس استعمال "كم" مع كلمة "عدد" فيقولون:

- كم عدد الطلاب الذين نجحوا؟

وهي جملة غير صحيحة؛ لأن "كم" تطلب تمييزا مفردا منصوبا:

"كم طالبا ... ؟ "، وإذا اضطررت إلى استخدام كلمة "عدد" فليس أمامك إلا "ما"، فتقول: ما عدد الطلاب الذين نجحوا؟



كلمة "أيّ" وتأتي اسماً من أسماء الاستفهام، ويُسْتَفْهَمُ بها لتعيين أحد المتشاركين في أَمْرٍ يَعُمُّهُماسواءٌ أكانَا شخصين مِمَّنْ يَعْقِلْ، أَم مِمَّا لاَ يَعْقِل، أو زمانين، أو مكانين، أو حالَيْن، أو عددين، أو غير ذلك، وتكُونُ بِحَسَبِ ما تُضاف إليه، نحو: "أيّ الرجلين؟ - أي المرأتين؟ - أيُّ الزمانين؟ - أيُّ المكانين؟ - أيُّ الحالين؟ - أيّ العدَدَيْن"؟.
أمثلة:

قول الله عزّ وجلّ: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ...}. وقول الله عزّ وجلّ في حكاية محاجّة إبراهيم عليه السلام لمشركي قومه: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الفريقين أَحَقُّ بالأمن إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} ؟. وقول الله عزّ وجلّ خطاباً للجن والإِنس: {فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} وهي مكرّرة فيها.

إعراب أي: أسماء الاستفهام كلها مبنية ما عدا كلمة واحدة وهي "أي" لأنها تضاف إلى مفرد، فتقول:

أي رجل جاء؟

أي: اسم استفهام مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة وهو مضاف.

رجل: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.

جاء: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره هو.

والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر.

أي كتاب قرأت؟

أي: اسم استفهام مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة، وهو مضاف.

كتاب: مضاف إليه مجرور بالكسرة.

قرأت: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء ضمير متصل مبني على الفتح في محل رفع فاعل.


خروج الاستفهام عن أصل دلالته إلى معاني أخرى

كثيراً ما يخرج الاستفهام عن إرادة طلب الإِفْهامِ والإِعلام إلى معانٍ أخرى أشار إليها به، ويُسْتَدَلُّ علَيْهَا مِنْ قرائِنِ الحال أو قرائن المقال، إذْ يَسْتَغْنِي الْبُلَغاء بعبارات الاستفهام عن ذكر الألفاظ الدّالة دلالةً صَريحةً على مَا يُريدون التَّعْبيرَ عَنْهُ مِنَ المعَاني، وبلاغةُ الدّلالة على هذه المعاني بأسْلُوبِ الاسْتفهام آتيةٌ من التعبير عنها بصورة غير مباشرة وهيَ دلالاتٌ تُتَصيَّدُ بالذكاء. قال شمس الدين ابن الصائغ في كتابه "روض الأفْهام في أقسام الاستفهام": "وقد توسعت العرب، فأخرجت الاستفهام عن حقيقته لمعانٍ، أو أشربته تلك المعاني". وقد أحصى البلاغيّون معاني كثيرة خرج إليه الاستفهام عن حقيقته، إذْ تَنَبَّهُوا إليها لدى دراسة مُخْتَلِف النصوص، وهي ما يلي:"١- الإِنكار ٢- التوبيخ ٣- التقرير ٤- التعجّب أو التعجيب ٥- العتاب ٦- التذكير ٧- الافتخار ٨- التفخيم والتعظيم ٩- التهويل والتخويف ١٠- التسهيل والتخفيف ١١- التهديد والوعيد ١٢- التكثير ١٣- التسوية ١٤- الأمر ١٥- التنبيه ١٦- الترغيب ١٧- النهي ١٨- الدعاء ١٩- الاسترشاد ٢٠- التَّمنّي والترجّي ٢١- الاستبطاء ٢٢- العرض ٢٣- التحضيض ٢٤- التجاهل ٢٥- التحقير والاستهانة ٢٦- المدح والذّم ٢٧- الاكتفاء ٢٨- الاستبعاد ٢٩- الإِيناس ٣٠- التهكّم والسخرية ٣١- الإِخبار ٣٢- التأكيد" إلى غير ذلك من معادنٍ. 

أقول: من طبيعة الإِنسان إذا لم يُرِد التصريح بالمعنى الذي يَقْصِده، فإنّه يتّخذ للإِشعار به أسلوباً غير مباشر. ومن الأساليب الذكيّة غير المباشرة أن يحاول جعل المخاطَب هو الذي يعبّر بنفسه عن المعنى، أو يُدْرِكُه بنفسه ولو لم يُعبِّر عنه بكلامه. والطريق السهل للوصول إلى هذه الغاية، أن يطرح على المخاطب جملةً استفهاميَّةً موجّهةً توجيهاً خاصّاً، إذ يحيطها بقرائن تجعله يدرك المعنى بنفسه، سواء عبّر عنه بالجواب أو لم يُعَبِّر. ولمّا كانت المعاني التي يمكن الإِشارة إليها من طرفٍ خفيّ كثيرة جدّاً، ويُمْكنُ استدعاؤها إلى الذهن عن طريق طرح السُّؤال الذي لا يُصَرَّحُ فيه بالمراد، كان من الأمر الطبيعيّ في الكلام أن يُصَاغ فيه جُمَلٌ استفهاميّة محفوفةٌ بقرائن الحال أو المقال، بغيَةَ استدراج المخاطَب لإدراكها، وقد يُصَرِّح في جوابه بما أدرك من معنى، أو يكتفي بإدراك المراد، ويعلم أن السؤال قد طُرِح لمجرّد إفهامه الغرض من السؤال. والمحققون من علماء البلاغة يَرَوْنَ أَنَّ معنى الاستفهام يبقَى ولكن ينضم إليه ما يُستفاد منه من المعاني التي يُدَلُّ بِه عليها.

شرح المعاني التي يُدَلُّ عليها بالاستفهام مع الأمثلة:

١- شرح الاستفهام المستَعْمَل في الإِنْكار:

ويُسَمَّى استفهاماً إنكاريّاً، ويُرادُ منه النفي، مع الإِنكار على المثْبِتِ كَيْفَ أَثْبَتَ مَا هو ظاهر النفي، وكانَ الواجبُ عليه أن يَنْفِي، أو مع الإِنكار على المخاطب قضيَّته، وهي باطلةٌ في تصوُّرِ مُوجِّه الاستفهام. وقد يأتي بعدُه الاستثناء كما يأتي بعد المنفي بأداةٍ من أدوات النفي، وقد يعطفُ عليه المنفي.وكثيراً ما يصحبُه التكذيب، وهو في الماضي بمعنى "ما كان" وفي المستقبل بمعنى "لا يكون" وقد يُشْرَبُ الإِنكار معنى التوبيخ والتقريع.

أمثلة:

قول الله عزّ وجلّ: { ... بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الفاسقون}. أي: لاَ يُهْلَكُ إِهلاكاً عامّاً شاملاً بعقوبةٍ دُنيويَّةٍ معجَّلةٍ إلاَّ الْقَوْمُ الفاسِقُون، من مستوى فسق الظلم الكبير فلا يكونون فاسقين إلاَّ وهُمْ ظالمون، وكذلك العكس، ولذلك جاء في سورة الأنعام: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الظالمون}؟.

وقول الله عزّ وجلّ في سورة الشعراء حكاية لمقالة نوحٍ عليه السلام له: {قالوا أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون}؟. أي: لاَ يكونُ منّا إيمانٌ بكَ وَإِسْلامٌ لَكَ والحالُ أنَّه اتَّبَعك الأَرْذَلُون.

وقول الله عزّ وجلّ في سورة القمر حكاية لمقالة ثمود بشأن الرسول صالح عليه السلام: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بالنذر * فقالوا أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ}. أي: لا نَتَّبِع بشراً منَّا واحداً لمجرّد ادّعائه أنّه رسولٌ من ربّه، إنَّنا إذا اتّبعناه كُنَّا إذاً في ضلالٍ في مسيرتنا وجنونٍ في عقولنا.

وقول الله عزّ وجلّ في سورة الروم: {فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ الله وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ}. أي: لاَ أحد يحكم بالهداية لِمَنْ حَكَم الله عليهم بالضّلال، ومَا لهم من ناصرين ينصرونهم فيدفَعُون عنْهُمْ عذَابَ الله. فجاء في هذه الآية عطف الجملة المنفيّة على الاستفهام الإِنكاري، إذ معناه النفيُ.

وقول الله عزّ وجلّ في سورة الإسراء: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بالبنين واتخذ مِنَ الملائكة إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً}. أي: أفَآثَرَكم رَبُّكُمْ بِالبنين على نفسه...؟والمعنى: ما فَعَلَ ذلك ولم يتّخذ من الملائكة إناثاً لنفسه.

وقولُ الله عزّ وجلّ في سورة هود حكايةً لمقالة هود عليه السلام لقومه: {قَالَ ياقوم أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيِّنَةٍ مِّن ربي وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ}. أي: لاَ نجْبرُكُمْ بِالإِكْرَاهِ على اتِّباعِ مَا جئتُكُمْ به، فاتّباع الدين لا يكن إلاَّ بإرادةٍ اختياريّة، إذْ لا إكْرَاهَ في الدين.

وقول امرىء القيس:

أَيَقْتُلُنِي وَالْمَشْرَفِيُّ مُضَاجِعِي ... وَمَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأَنْيَاب أغْوَال؟


٢- شرح الاستفهام المستعمل في التوبيخ والتقريع:

ويسمَّى استفهاماً توبيخيّاً، أو تقريعيّاً. التقريع: توجيه اللّوم والعتاب الشديد الموجع، وأصْلُ الْقَرْعِ الضَّرْبُ. والاستفهام التوبيخي قد يُوجَّهُ للتوبيخ على فعل شيءٍ غير حَسَنٍ في نظر موجّه الاستفهام، أو تركِ فعْلٍ كانَ ينبغي القيامُ به في نظر موجّه الاستفهام.

أمثلة:

قول موسى لأخيه هارون بشأن اتّخاذ قومه العجل، فيما حكاه الله عزّ وجلّ في سورة (طه: {قَالَ ياهرون مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضلوا * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} ؟. فَمُوسَى عليه السلام يلوم أخاه بشدَّةٍ على أمْرٍ ظَنَّ أنَّهُ ارتكَبَهُ، وَهُو معصيةُ أَمْرِه، لكنَّ هارُونَ عليه السلام اجْتَهَد وَلَمْ يَعْصِ، والمعنى: مَا مَنَعَكَ عَنِ اتَباعي وحَمَلَكَ على ألاَّ تتَّبِعَني.

وقول إبراهيم عليه السلام لقومه بشأن أصنامهم التي يعبدونها، فيما حكاه الله عزّ وجلّ في سورة الصّافات: {قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * والله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}؟. فإبراهيم عليه السلام يوبّخهم على أنّهم يَعْبُدون أوثاناً ينحوتها بأيديهم، والله خلقهم وخلق أوثانهم التي يعبدونها، وهو الذي يجب أن تكون العبادة له وحده. وقول الله عزّ وجلّ في سورة البقرة خطاباً لبني إسرائيل: {أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكتاب أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}؟. الشاهد في الآية قوله تعالى: [أَفَلاَ تَعقِلُون؟] وفي {أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر ... } ؟ معنى التعجيب منْ فعلهم كما سيأتي إن شاء الله. قول الله عزّ وجلّ في سورة النساء: {إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ الملائكة ظالمي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض قالوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فأولائك مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً}. فالملائكة تُوبِّخُهُمْ وَتُقَرِّعُهُمْ لأنّهم لم يُهَاجروا من الأرضِ الّتي كانوا مستضعفين فيها، ورَضُوا بأن يكونوا ظالمي أنفسهم طاعةً للجبَّارين، من أنّ أرض الله واسعة، وكان بإمكانهم أن يهاجروا إلى أماكن لا يُكْرَهُونَ فيها على مَعْصِية الله.

قول العجّاج:

أَطَرَباً وَأَنْتَ قَيْسَرِيُّ ... والدَّهْرُ بِالإِنْسانِ دَوَّارِيُّ؟

الْقَيْسَرِيُّ: الشيخ الكبير، أي: أتطربُ وأنت شيخ كبير؟ ويُرْوى "قِنَّسْريُّ" كما في اللّسان. وهو الشيخ الكبير أيضاً.


٣- شرح الاستفهام المستعمل في التقرير:

ويُسمَّى استفهاماً تقريريّاً، والمرادُ منه حَمْلُ المخاطَب على الإِقْرار والاعتراف بأمْرٍ قد استقرّ عنده العلْمُ به، أو هو أمْرٌ باستطاعته معرفته حِسِّيّاً أو فكْرِيّاً، موجباً كان أو سالباً.

فمن ادَّعَى أنَّكَ جئْتَه وأنْتَ لم تأته، قد توجّه له استفهاماً تقريريّاً قائلاً: هَلْ أَنَا جئتك؟ ومتَى جئتُك؟ وَمَاذَا كَانَ حين الْتَقَيْتُكَ، لتنزعَ منْه الإِقرارَ والاعْتِرافَ بأنَّك لم تَأْتِهِ. ومن بَدا عليه أماراتُ إنكارِ أمْرٍ وقع، قَدْ توجِّه له استفهاماً تقريرياً، قائلاً:أَلَمْ يحدُثْ كذا؟ أَلَمْ أفعلْ كذا؟ ألَمْ يكُنْ منْكَ كذا وكذا؟ لِتَنْتَزعَ منه الإِقرار الاعتراف بالأمر الذي قد حدث ووقع فعلاً.

أمثلة:

قول الله عزّ وجلّ لرسوله في سورة الشرح: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}. وقول الله له في سورة الضحى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى * وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى * وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فأغنى}؟. وقول الله للمكذّبين بيوم الدّين في سورة المرسلات: {أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * إلى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القادرون * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ}. وقول إبراهيم عليه السلام لمشركي قومه بشأن أوثانِهِم لانتزاع إقراراهم، فيما حكاه الله عزّ وجلّ في سورة الشعراء: {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ}. فإذا لم يُقِرُّوا بألسنتهم بأنّ أوثانهم لا تَسْمَعُهم، فإنهم لا بُدَّ أنْ يُقِرُّوا بذلك في قلوبهم. قول الله عزّ وجلّ في سورة الفجر: {والفجر * وَلَيالٍ عَشْرٍ * والشفع والوتر * والليل إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ} ؟. الظاهر من الاستفهام في هذا النصّ أنّ الغرض منه انتزاع إقرار ذوي الفكر والعلم والعقل بأن القسم بهذهِ الأشياء قسمٌ عظيم يثبت صدق وعيد الله، وأنّه بالمرصاد للمجرمين المفسدين في الأرض.

وقول عزّ وجلّ في سورة الزمر: {أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ ... }؟. وقول الله عزّ وجلّ في سورة الأعراف: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَآ...}. فَمِنَ الظَّاهر في هذِهِ الأمْثلة أنّ الاستفهام فيها مُسْتَعْمَلٌ لاستِدعاء المخاطب إلى الإِقْرار بقضيَّةٍ مُوجَبَةٍ أو سالبة جرى حولها الاستفهام. فالجواب المستدْعَى في أمْثلة: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ؟ - أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى؟ - أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ؟ - أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ؟ - أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} ؟ هو: "بَلَى" وَكلمة الجواب هذه تدلُّ على نقيض المستَفْهَمِ عنه، أي: شَرَحْتَ صدْرِي - وَجَدني يتمياً فآوى - خَلَقْتَنَا مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ - اللهُ كافٍ عَبْدِهُ - أنْتَ رَبُّنا. والجوابُ المستدعى في مثال: {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ} هو: "لا" إذ الأوْثانُ المعنيَّةُ في الاسْتفهام لا تَسْمَعُ ولاَ تَنْفَعُ وَلاَ تَضُرُّ. والجوابُ المستدعى في مثال: {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ} هو: "نعم" أي: من تفكَّر بعقلٍ حصيفٍ في هذهِ الأشياء التي أقْسَمَ الله بها وَجَدها مؤكِّدة حقّاً لمضمون الْمُقْسَمِ عليه، وذلك لأنَّ الأزمان الّتي أقْسَمَ الله بها هي أزمان إهْلاك الله الأُمَمَ السَّابقة، وظاهرٌ أنَّ القَسَمَ بأزمَانٍ خاصة هو قَسَمٌ بالأَحْدَاثِ العظيمة التي جرتْ فيها، وهذه الأحداث أدلّةٌ تجريبيّةٌ ماضية تؤكد صدق الخبر بحدوث أشباهها مستقبلاً عند وجود المقتضيات المماثلات للمتقضيات التي حدثت بسببها الأحداث الماضية، لأنّ سنة الله القائمة على حكمته سنة دائمة، لا تتغيّر ولا تتبدّل.


٤- شرح الاستفهام المستعمل في التعجُّب أو التعجيب:

ويُسَمَّى اسْتِفْهَاماً تَعْجُبيّاً حين يَكونُ صَادِراً مِنْ متعجِّبٍ فعلاً، ويُسَمَّى اسْتِفْهَاماً تَعْجِيبيّاً حينَ يكونُ الغرض من إيراده إثارَةَ الْعَجَب عنْد مَنْ يخاطَبُ بهِ أو يتلقَّاهُ، منه ما يكون صادراً عن الله عزّ وجلّ، إذْ ليْسَ صفاتِهِ سبحانه أن يتعجَّب تَعَجُّبَ استِغْرابٍ واستبعاد، نظراً إلى سابقِ علمه تعالى بكلّ ما يحدُثُ منْ عباده قبْلَ حدوثه، وعِلْمِهِ بخلقِه وَصفاتِهِمْ وخصائصهم النّفسية والسلوكيّة. وما ورد في بعض الأحاديث النبويّة منْ نسبة العجب إلَى الله عزّ وجلَّ فهو بمعنى الاستحسان المقتضي للرّضى والمثوبة.

أمثلة: قول الله عزّ وجلّ في سورة البقرة: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} ؟!. الاستفهام في هذه الآية استِفْهَامٌ تَعْجيبيٌّ فيه معنَى التَّوْبيخِ والتْلويم والتَّأْنِيب والتَّقْريع، فَالْمَعْنَى أَنَّ كُفْرَكُمْ باللَّهِ مَعَ كَوْنِكُمْ كُنْتُمْ أَمْواتاً فأحْيَاكُمْ ولم تُحْيُوا أنتم أنْفُسَكُمْ، أمْرٌ ينْبَغِي أن تَعْجبُوا منه قبل غيركم، وأمْرٌ يتعجّبُ منه كلُّ العقلاء من أهل الرشد. فحالُكم يثير التعجُّب والاستغراب، كيف يصْدُرُ من ذوي عقول وأفكار؟!.

قول الله عزّ وجلّ في سورة البقرة خطاباً لعلماء بني إسرائيل: {أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكتاب أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} ؟!. فالاستفهامُ في {أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر} الذي يخاطب اللهُ به علماء بني إسرائيل استفهامٌ فيه معنى التَّعْجيب مِنْ حالِهِمْ مع التوبيخ والتَّلْويم والتقريع، إذْ يأمُرونَ الناسَ منْ عَامَّةِ بني إِسرائيل بالبرّ (أي: بالتَّوَسُّعِ في أعْمالِ الخير فوْقَ الواجبات) وأنْ يتركوا مَعَ ذَلك أنْفُسَهم فلا يؤدّوا ما فرض الله عليهم وأَخَذَ عليهم به الْعَهْدَ من الإِيمان بالرسول الخاتم واتّباعه، وهم يتلون كتاب التوراة، وفيه تكليفهم أنْ يؤمنوا بالرَّسول النبيِّ الأُمّيِّ الّذي يأْمُرُهُمْ بالْمَعْرُوف ويَنْهَاهم عن المنكر، ويُحِلُّ لهم الطَّيباتِ ويُحَرِّمُ عليْهِمُ الخبائث، ويَضْعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُم والأَغَلاَلَ الَّتِي كانت عليهم.

قول الله عزّ وجلّ في سورة النَّمْل في حكايةِ تفقُّدِ سُليمانَ عليه السلام الطَّيْرَ واسْتِفهامه عن الْهُدْهُد إذْ لم يَرَهُ بينها: {وَتَفَقَّدَ الطير فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى الهدهد أَمْ كَانَ مِنَ الغآئبين}. فالاستفهامُ في {مَالِيَ لاَ أَرَى الهدهد} ؟ اسْتِفْهَامٌ تَعَجُّبِيٌّ، إذْ تعجَّب سليمانُ عليه السَّلام مِنْ عدم رؤيته الْهُدْهُدَ مع أَنواع الطَّيْرِ وليْسَ من عادته أن يتخلَّف.

وقول الشاعر:

مَالِي أَرَاكُمْ تُنْكِرُون مَكَانَتِي؟! ... الشَّمْسُ لاَ تَخْفَى معَ الإشرَاقِ

قول أبي تمَّام:

مَا لِلْخُطُوبِ طَغَتْ عَلَيَّ كَأَنَّهَا ... جَهِلَتْ بِأَنَّ نَدَاكَ بالْمِرْصَادِ؟!

الْخُطُوب: مُفْرَدُهَا "خَطْبٌ" وهو الأَمْرُ الشّديد الذي يكثُر فيه التخاطب. فأبو تمَّام يُبْدِي عجَبَهُ منْ طُغْيانِ الشدائدِ عليه مع أنَّ ممدوحه قائم بالمرصاد لها يدفعها عنه بنداه، أي: بعطاياه.

قول المتنبّي في سيف الدولة وهو يعودُه منْ دُمَّلٍ كَانَ فيه:

وَكَيْفَ تُعِلُّكَ الدُّنْيَا بِشَيءٍ ... وأَنْتَ لِعِلَّةِ الدُّنْيَا طَبِيبُ؟!

وَكَيْفَ تَنُوبُكَ الشَّكْوَى بِدَاءٍ ... وَأَنْتَ الْمُسْتَغَاثُ لِمَا يَنُوبُ؟!

أي: إنّ هذا لأمْرٌ يستَحِقُّ أَنْ يُتَعَجَّبَ مِنْهُ.

قولُ إحْدى نِسَاءِ الْعَرب تَشْكُو ابْنَها وتُظْهر التعجُّبَ مِنْ عَمَله:

أَنْشَا يُمَزِّقُ أَثْوابِي يُؤَدِّبُني ... أَبَعْدَ شَيْبِيَ يَبْغِي عِنْدِيَ الأدَبَا؟!

أي: إنّ تأديبَ مَنْ شاب من العجَبِ الْعُجَاب.


٥- شرح الاستفهام المستعمل في العتاب:

العتاب: أخفّ أنواع إظْهارِ عدم الارتياح لسلوكٍ ما، فعلاً كان أو تركاً، وقد يُسْتَخْدَمُ لدلالة عليه أسلوبُ الاستفهام للتخفيف من توجيهه، والتَّلَطُّفِ بنفس الموجّه له، أمثلة:

قول الله عزّ وجلّ في سورة الحديد: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمنوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله وَمَا نَزَلَ مِنَ الحق وَلاَ يَكُونُواْ كالذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمد فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} ؟. أَلَمْ يَأْنِ؟ : أي: أَلَمْ يَحِنِ الْوَقْتُ؟ يُقَالُ لُغةً: أَنَى يَأْنِي أَنْياً وَإِنىً وأَنَاةً، إذا حَانَ وَقَرْبَ.

الاستفهام في هذا النصِّ يتضَمَّن عِتَاباً لطائفَةٍ مِنَ الْمُؤْمِنينَ مرَّتْ عَلَيْهِمْ بعد إيمانهم مُدَّةٌ كافيةٌ، كَانَ يَنْبَغي أن يَرتَقُوا فيها من دَرَجَةِ إيمانِ الْوَجِلِ إلى دَرَجَةِ إيمانِ الخاشع.

الوجَلُ: هو الخوف، والخوفُ يرافقُه قلَقٌ واضطرابٌ في القلب.

الخشوع: هو الخضوع مع سُكُونِ القلب، وهو درجةٌ في الإِيمان أعلَى من درجةَ الوجَلِ. وفوقهما درجة الطَّمَأْنينة.

أخرج الحاكم بسنده عن أبن مسعود قال: ما كان بين إسلام هؤلاَءِ وبين أن عُوتِبُوا بهَذِهِ الآية إلاَّ أرْبَعُ سِنين.

قول الله عزّ وجلّ في سورة التوبة: خطاباً لرسوله محمّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشأْنِ إِذْنِهِ لطائفةٍ من المنافقين عن الخروج معه إلى غزوة تبوك: {عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذين صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الكاذبين} ؟. فقول الله له: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} من ألْطَفِ صُوَرِ العتاب.

قول الحطيئة معاتباً:

أَلَمْ أَكُ جَارَكُمْ وَيَكُونَ بَيْنِي ... وبَيْنكُمُ الْمَوَدَّةُ والإِخَاءُ؟

ويُفْهَمُ العتابُ من قول الشريف المرتضَى لِمَنْ يَهْجُره:

أَتَبِيتُ رَيَّان الْجُفُونِ مِنَ الْكَرَى ... وَأبِيتَ مِنْكَ بِلَيْلَةِ الْمَلْسُوعِ


٦- شرح الاستفهامِ المستَعْمَلَ في التذكير:

قد يستخدم الاستفهام للتذكير بقولٍ أو فِعْلٍ أو حادثةٍ جرَتْ، وقد يُقْتَصَرُ فِيهِ على بعض ما يُسْتَدْعَى بالاستفهامِ تَذكُّره، فتحصل به فائدةُ الإِيجاز في القول.

أمثلة:

قول الله عزّ وجلّ في سورة يوسف في حكاية قصّة يوسف عليه السلام وإخوته: {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ} ؟. فيوسف عليه السلام يُذَكِّرُ إخوته بما سَبَقَ أَنْ فَعَلُوا بِهِ وبأخيهِ "بنيامين" بأسلوب الاستفهام، وتُفْهَمُ مع هذا التذكير معانٍ أخرى كالعتاب أو التلويم.

وقول اللَّهِ عزّ وجلَّ في سورة البقرة خطاباً للملائكة بعد أن أثبت لهم تفوْق آدم عليهم بمعرفةِ الأسماء الَّتي علّمهُ إيّاها، وبعد أن اعلنوا جهلهم بها: {قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إني أَعْلَمُ غَيْبَ السماوات والأرض وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} ؟.


٧- شرح الاستفهام المستعمل في الافتخار:

ذكروا أنّ الاستفهام قد يُسْتعمل في الافتخار، ومثَّلُوا له بقول اللَّهِ عزّ وجلّ في سورة (الزخرف حكاية لنداء فرعون فِي قومه: {ونادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ ياقوم أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهاذه الأنهار تَجْرِي مِن تحتي أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} ؟. قالوا: إنّ الاستفهام في قوله: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} خرج عن معناهُ إلى معنى الافتخار بما يملك في مصر. أقول: إنّ فرعون خاف على قومه أن يتأثّروا بدعوة موسى ويتّبعوه، بعد أن جاءهم بآياتٍ ذواتِ عدد، وبعد أن دعا رَبّه فكشَفَ عنهم ما أرسَلَ عليهم من رجز، فأراد فرعون أن يُقْنع قومه بتفوّقِهِ علَى مُوسَى بأنّ لَهُ مُلْكَ مصر، وبأنّ موسى لا مُلْكَ له ولا سلطان، وبأنّه إذا أراد أن يتكلّم فإنّه لا يكاد يُبين عن مراده، وعلى هذا فالاستفهام في كلامه مستعمل لانْتزَاع إقرار قومِهِ في جماهيريَّة غوغائيّة بتفوّقه على مُوسَى، وَلِلَفْتِ أنظارهم إلى عناصر التفوّق التي يريد أن يخدعهم بها عن الحقيقة، ولَيْسَ لمطلق الافتخار، وقد يكون فيه رائحة اْفتِخَار.

وقد يُفْهَم الافتخار من بعض أمْثِلَةِ الاستفهام كمَقْصَدٍ أوّل، وقد يكون أحد لوازم المقصد الأوّل منه، كقولي مفتخراً بأمجاد أُمَّتنا الإِسلامية:

أَما نَحْنُ الَّذِينَ غَدَوْا شُمُوساً * عَلَى الدُّنيَا وَعَمَّ بِنَا الرَّخَاءُ؟


٨- شرح الاستفهام المستعمل في التفخيم والتعظيم:

تندفع نفس المتكلّم حين يرى شيئاً عظيماً فخماً للتعبير عن عظمته وفخامته، بأسلوب التّعجُّبِ أحياناً، وبأسلوب الاستفهام أحياناً أخرى، فإذا رأى قصراً عظيماً فخماً قال: مَا هذا القصر؟. كيف بُنِي هذا القصر؟. مَنْ بنى هذا القصر؟. وإذا سمع شاعراً مُبْدعاً قال: ما هذا الشاعر؟. من أين له بهذا الشعر البديع؟ وهو لا يريد الإِجابة على استفهاماته، إنّما يريد التعبير عن عظمة ما رأى، أَوْ سَمع. أمثلة:

قول الله عزّ وجلّ في سورة الكهف بشأن استعظام المجرمين يوم الدّين كتاب أعمالهم، الذي لم يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلاَّ أحصاها: {وَوُضِعَ الكتاب فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ ياويلتنا مَالِ هاذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}. مَالِ هذا الكتاب؟: استفهامٌ يرادُ به تعظيمُ وتفخيم شأنه، وليس استفهاماً يطلب له الجواب.

قول الشاعر:

ومَنْ الّذي تُرْضى سَجَايَاهُ كُلُّها ... كَفَى الْمَرْءَ نُبْلاً أَنْ تُعَدَّ مَعَايِبُهُ؟

أي: إنّ الذي تُرْضَى سجاياه كلُّها رَجُلٌ عظيم.

قول المتنبّي يمدح كافوراً:

وَمَنْ مِثْلُ كَافُورٍ إِذَا الْخَيْلُ أحْجَمَتْ؟ ... وَكانَ قَلِيلاً مَنْ يَقُولُ لَهَا اقْدُمِي

أي: هو عظيم قليل النظير في الحثّ على وُرُودِ المعارك، فأورد الاستفهام والغرض منه التعظيم، والقرينة المْدحُ.

قول الشاعر:

أَضَاعُوني وَأَيَّ فَتىً أَضَاعُوا؟ ... لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ وَسَدادِ ثَغْرِ

وأَيَّ فَتىً أضَاعُوا؟ : أي أضاعوا فَتىً عظيماً، فالشاعر يعظم من أمْرِ شجاعته. الكريهة: الشدّة المكروهة في الحرب. وسَدَادِ ثَغْر: أي: وَسَدِّ ثَغْرَةٍ مِنْ ثُغُورِ البلاد لحمايتها من الْعَدُوّ.

قول ابن هانىء الأندلسي:

وأَيَّ فَتىً أضَاعُوا؟: أي أضاعوا فَتىً عظيماً، فالشاعر يعظم من أمْرِ شجاعته. الكريهة: الشدّة المكروهة في الحرب. وسَدَادِ ثَغْر: أي: وَسَدِّ ثَغْرَةٍ مِنْ ثُغُورِ البلاد لحمايتها من الْعَدُوّ.

قول ابن هانىء الأندلسي:

مَنْ مِنكُمُ الْمَلِكُ الْمُطَاعُ كأنَّهُ ... تَحْتَ السَّوَابِغِ تُبَّعٌ فِي حِمْيَرِ؟


٩- شرح الاستفهام المستعمل في التهويل والتخويف

وإذا كان المعظَّم شيئاً مُخِيفاً مَهُولاً، كان تعظيمه بالاستفهام فيه مَعْنَى التَّهْوِيل والتخويف.

أمثلة:

قول الله عزّ وجلّ في سُورة الحاقّة يخوّف من يوم القيامة وأهْوَالها: {الحاقة * مَا الحآقة * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحاقة}؟. فالاستفهام هنا للتخويف والتهويل. ونظيره قول الله عزّ وجلّ في سورة القارعة: {القارعة * مَا القارعة * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا القارعة} ؟.


١٠- شرح الاستفهام المستعمل في التسهيلِ والتخفيف:

وقد يُعبّر المتكلّم عمّا يراه أمراً سَهْلاً هيّناً خفيفاً بأسلوب الاستفهام، وتدلُّ قرينة الحال أو قرينة المقال على ما أراد التعبير عنه. كأن يقول قائل لشابّ رياضيٍّ معتادٍ صعود الجبال: أتستطيع أنْ تصعد هذا الجبل؟ فيقول له: وماذا في صعوده؟. ويقول قائل لخطيب مفوّهٍ معتادٍ أن يقف بين الجماهير خطيباً مرتجلاً، وبأسرهم بكلامه: أتستطيع أن تخطب لنا خطبةً في هذا الحفل؟ فيجيبه بالْمَثَل: أو للبطّ تُهَدِّدِينَ بالشَّطّ.

أمثلة:

قول الله عزّ وجلّ في سورة النساء: {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بالله واليوم الآخر وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ الله وَكَانَ الله بِهِم عَلِيماً}. أي: إنّ الإِيمان أمْرٌ سَهْلٌ يَسيرٌ هيِّنٌ لاَ ثِقَلَ فِيه عَلَى النفوس.

قول اللَّهِ عزّ وجلّ في سورة التوبة: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى الحسنيين... }؟. أي: هَلْ تَنْتَظِرُون أَنْ يَنَالَنا إلاَّ إحْدَى الْحُسْنَيَيْن: الشَّهَادَة وهْي سَهْلَةٌ عَلَيْنا، أو النَّصْر وهو حبيبٌ إلينا.


١١- شرح الاستفهام المستعمل في التهديد والوعيد:

وقد يُهدِّد المتكلّم باستخدام أسلوب الاستفهام، وقَدْ يَتَوعَّدُ به. كأن يقول السُّلْطان لطائفةٍ منَ المجرمين الّذين لم تَثْبُتْ بَعْدُ إدانتُهم بجرائمهم: ألَمْ تَعلَمُوا أَنَّنا قطعْنَا أيدي الّذِينَ ثبتَتْ عليهم جريمة السّرقة؟. ألَمْ تَعْلَموا أنَّنا قتلْنَا من ثبتت عليهم جريمة القتل عمداً وعُدْواناً؟ ألم تَعْلَمُوا أَنَّنا عاقبنا من ثبتت عليهم جريمة الحِرابة بتقطيع أيديهم وأرجُلهم من خلاف، وبقتل القتَلة منهم؟.

أمثلة:

قول الله عزّ وجلّ في سورة المرسلات: {أَلَمْ نُهْلِكِ الأولين}؟. أي: كما فعلنا بالمجرمين الأولين من مكذّبي القرون الأولى سنفعل بأمثالهم من الأمم اللاّحقة.

قول الله عزّ وجلّ في سورة البقرة يتوعّد الكافرين بما في يوم الدين: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغمام والملائكة وَقُضِيَ الأمر وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور} ؟.

قول الله عزّ وجلَّ في سورة يونس يُهَدِّدُ المشركين: {فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ ... } ؟.


١٢- شرح الاستفهام المستعمل في التكثير:

وقد يعبّر المتكلم عن الكَثْرَة بأسلوب الاستفهام، والأداة المستعملة في هذا غالباً كلمة "كم" وتخرج حنيئذٍ عن الاستفهام وتسمى "كم" الخبرية التي يُعبَّرُ بها عَنِ الكثرة. وَيمكن أن يستعمل غيرها من الأدوات للدلالة على التكثير، كأن تقول الأم لابنها الذي يريد أن تحمله مع أن كبدها تذوب من توالي حمله:

أَلَيْلَةً وَاحِدَةً ... أَرَّقْتَني يَا وَلَدِي؟

تُرِيدُ حَمْلاً وأنَا ... تَذُوبُ مِنْهُ كَبِدِي

أمثلة:

قول الله عزّ وجلَّ في سورة الأعراف: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ}؟. أي: كثيرٌ من الْقُرى أهْلَكْنَاها.

قول الله عزَّ وجلَّ في سورة البقرة: {سَلْ بني إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ... } ؟. أي: آتيناهم آياتٍ بَيّنَاتٍ كثيرات.

قول الله عزَّ وجلَّ في سورة الشعراء: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الأرض كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} ؟ أي: أنبتنا فيها أصْنافاً كثيرة.

قول أبي العلاء المعرّي:

صَاحِ هذِي قُبُورُنَا تَمْلأُ الرَّحْـ ... ـبَ فَأَيْنَ الْقُبُورُ مِنْ عَهْدِ عَادِ؟

أي: فقبورٌ كثيرة من عَهْدِ عاد.


١٣- شرح الاستفهام المستعمل في التسوية:

ويكون في الاستفهام الداخل على جملة يصحُّ حلول المصدر محلّها، ويأتي بعْدَها معادلٌ.

أمثلة:

قول الله عزَّ وجلَّ في سورة البقرة: {إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} ؟ أي: استوى إنذارهُمْ وعَدَمُهُ.

قول المتنبي:

وَلَسْتُ أُبَالي بَعْدَ إِدْرَاكِيَ الْعُلاَ ... أَكَانَ تُرَاثاً مَا تَنَاوَلْتُ أَمْ كَسْبَا


١٤- شرح الاستفهام المستعمل في الأمر:

كثيراً ما يتلطَّفُ المتكلم بالمخاطب فيوجّه له الأمر بأسلوب الاستفهام، والأمْرُ يَشْمَلُ كُلَّ مَا تُسْتَعْمَلُ له صيغة الأمْرِ من تكليف، أو نصيحة، أو موعظة، إو إرشادٍ، أو دُعاءٍ، أو التماسٍ، أو غير ذلك. فإذا قدّم له طعاماً مثلاً قال له: أتأكل؟ ألاَ تأكُل؟. وإذا أراد أن يأمُرَه بالصَّلاةِ وقد حانَ وقْتُها قالَ له: أَتُصَلّي؟ ألاَ تُصَلِّي.. وهكذا. أمثلة:

قول الله عزَّ وجلَّ في سورة آل عمران خطاباً لرسوله محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ اتبعن وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ الكتاب والأميين أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهتدوا وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ والله بَصِيرٌ بالعباد}. أَأَسْلَمْتُمْ؟ : أي: أسْلِموا.

قول الله عزَّ وجلَّ في سورة المائدة: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضآء فِي الخمر والميسر وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصلاة فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ}؟ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون؟ : أي: انْتَهُوا.

قول الله عزَّ وجلَّ في سورة الفرقان: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ... }؟. أَتَصْبْرُون؟: أي اصْبِرُوا.

قول الشاعر:

أَلاَ ارْعِوَاءً لَمِنْ وَلَّتْ شَبِيبَتُهُ ... وآذَنَتْ بِمَشيبٍ بَعْدَهُ هَرَمُ؟

أي: فلْيَرْعَوِ عن المعاصي والقبائح وفعل السّيّئات.


١٥- شرح الاسْتِفْهَام المستعمل في التّنبيه:

التنبيهُ في الحقيقة هو من أقسام الأَمر، ومن المعاني الّتي تُستعمل فيها صيغة الأَمر.

أمثلة:

قول الله عزَّ وجلَّ في سورة الفرقان: {أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشمس عَلَيْهِ دَلِيلاً * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً}. ألَمْ تَرَ إلَى رَبّكَ؟ : أي: انظر وتفكّر وتنبَّه إلى هذه الآية من آيات الله.

قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (التكوير بشأن القرآن المجيد: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ * فَأيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}. فَأَيْنَ تَذْهَبونَ؟ : أي: انْتَبِهُوا، ولاَ تَذْهَبُوا بعيداً منصرفين عن إدْراك الحقيقة.

قول الشاعر:

أَلَم تَسْمَعِي أيْ عَبْدَ في رَوْنَقِ الضُّحَى * بُكَاءَ حَمَامَاتٍ لَهُنَّ هَدِيرُ؟

أي: انتبهي لبكائهِنّ، فإنّك عندئذٍ تذكرين بُكَاء عَاشقك.


١٦- شرح الاستفهام المستعمل في الترغيب:

الترغيب في الحقيقة من المعاني التي تُسْتَعْمَلُ للدَّلالة عَلَيْها صيغة الأَمْر، فكما يستعمل الاستفهام في الامر يمكن أن يُسْتَعمل في الترغيب.

أمثلة:

قول الله عزَّ وجلَّ في سورة البقرة: {مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً والله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}. أي: ارغبوا في هذا الثواب العظيم فأقْرِضوا الله قرضاً حسناً.

قول الله عزَّ وجلَّ في سورة الصف: {ياأيها الذين آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ على تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}. أي: ارغَبُوا في هذِهِ التجارة العظيمة الرابحة.


١٧- شرح الاستفهام المستعمل في النهي:

استعمال الاستفهام في النهي نظير استعماله في الأَمْر، لأنَّ الأمر بالشيءِ نهْيٌ عن ضدّه، وبالعكس. أمثلة:

قول الله عزَّ وجلَّ في سورة التوبة بشأنِ الحث على قتال أئمة الكُفر: {أَتَخْشَوْنَهُمْ فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ} ؟. أي: لا تخشوهم، لأنّ الله ناصركم عليهم.

قول الله عزَّ وجلَّ في سورة الانفطار: {ياأيها الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكريم * الذي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ}. أي: لا تغتَرَّ بربّك.

قول الشاعر:

أَكُلَّ امْرِىءٍ تَحْسَبِينَ إمْرأً ... وَنَارٍ تَوَقَّدُ في اللَّيْلِ نَاراً؟

أي: لاَ تَحْسَبي ذلك.


١٨- شرح الاستفهام المستعمل في الدّعاء:

استعمال الاستفهام في الدعاء نظير استعماله في الأمْرِ والنهي، فالدعاء تستعمل للدلالة عليه صيغتا الأمر والنهي، والدعاء يكون عادة من الأدنى إلى الأعلى، والحقّ أَنْ لا يكون إلاَّ من العبد لربّه عزَّ وجلَّ.

أمثلة:

قول الله عزَّ وجلَّ في سورة الأعراف: {واختار موسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرجفة قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهآء مِنَّآ... }؟. أَتُهْلِكُنَا بَمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا؟ : أي: لاَ تُهْلِكْنَا بِمَا فعَلَ السُّفَهَاءُ منا.

قول الله عزَّ وجلَّ في سورة الشعراء بشأن المشركين وتكذيبهم بالقرآن. {كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ المجرمين * لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم * فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ}؟. هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ: أي: أنْظِرْنَا رَبَّنا، يدعون بأسلوب الاستفهام لأنّهم يَعْلَمُونَ أَنَّهم مُذْنِبُون لا يستجاب لهم، فقد انتهت مدّة ابتلائهم.


١٩- شرح الاستفهام المستعمل في الاسترشاد:

قد يطرح المتكلم سؤالاً استفهاميّاً ظاهره يُشْعر بالاستشكال أو الاعتراض، وغرضه الاسترشاد، ويمكن أن نعتبر من الأمثلة على هذا أسئلة موسى للخضر في اعتراضاته على تصرّفاته، كما أبان الله لنا في سورة الكهف: {فانطلقا حتى إِذَا رَكِبَا فِي السفينة خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً}؟. {فانطلقا حتى إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً}؟. إِمْراً: أَيْ: عجيباً مُنْكَراً لاَ يَتَّفِقُ مع أحكام الشريعة فيما أَعْلَم. نُكْراً: أيْ: مُنْكراً لاَ يتَّفِقُ مع أحكام الشريعة فيما أعلم. لَقَدْ تعجَّلَ موسى عليه السّلامُ سؤال الاسترشاد، مع أَنْ موافقة الخضر على مصاحبته له كانت مشروطةً بِأَنْ يَصْبِرَ حتَّى يُبَيّنَ لَهُ أسبابَ تصرُّفاتهِ الَّتِي لم تكُنْ في الحقيقة مخَالِفةً لمقتضياتِ شَرْعِ الله، إذْ عَلِم الْخَضِر من الحقيقة ما لَمْ يَعْلَمْهُ موسَى عليهما السلام.

ومثَّلُوا لسؤال الاسترشاد الذي من هذا القبيل بسؤال الملائكة إذْ قَالُوا لربّهم كما جاء في سورة البقرة: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدمآء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إني أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}؟.


٢٠- شرح الاستفهام المستعمل في التمنِّي والترجي:

يتمَنَّى المُتَمَنِّي أمراً يرى أنَّه معتذّر الحصول أو بعيد المنال، وقد يعبّر عن تَمَنِّيهِ بأسلوب الاستفهام، كأنّ يتمنَّى بعضُ أصحاب الأوهام أنْ ينام ليلة فيصحوَ وقد حفظ القرآن عن ظهر قلب، أو صار عالماً من كبار العلماء، أو ألقي إليه من السماء كنز من الذهب أو نحو ذلك، فيقول: هلْ يَحْصُلُ لي كذا وكذا؟ وكذلك الترجّي.

أمثلة:

قول الله عزَّ وجلَّ في سورة الأعراف بشأن تمنّي الكافرين يوم الدّين أن يكون لهم شفعاء يشفعون لهم: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ على عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الذين نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنْمَلَ غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خسروا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}. أي: نَتَمَنَّى أنْ يكون لنا شفعاء، أو نُرَدَّ إلى حياة الابتلاء لنعمل غير الذي كنّا نعمل، لكنّ أمانيَّهُمْ ضائعة ومطالبهم بها مرفوضة.

قول الشاعر:

هَلْ بالطُّلُولِ لِسَائلٍ رَدُّ؟ ... أَمْ هَلْ لَهَا بِتَكَلُّمٍ عَهْدُ؟

قول أبي العتاهية يمدح الأمين:

تَذَكَّرْ أَمِينَ اللهِ حَقِّي وَحُرْمَتِي ... وَمَا كُنْتَ تُولِينِي لعلَّكَ تَذْكُرُ

فَمَنْ لِيَ بالْعَيْنِ الَّتِي كُنْتَ مَرَّةً ... إِليَّ بِهَا في سَالِفِ الدَّهْرِ تَنْظُرُ؟

أي: أتمنَّى أَنْ تعودَ لي تلك العين التي كنت تنظرُ إليَّ بها، أو أرجو.

قول الشاعر:

مَضَى زَمَنٌ والنّاسُ يِسْتَشْفِعُونَ بي ... فَهَلْ لِي إلَى لَيْلَى الْغَدَاةَ شَفِيعُ؟

فهو يتمنى أو يرجو.


٢١- شرح الاستفهام المستعمل في الاستبطاء:

يستبطىء الموعود بوعْدٍ حدوث الموعود به، وقد يعبّر عن استبطائه له بأسلوب الاستفهام، فيقول لمن وعده بزيارته له: متَى تأتينَا؟. متى تزورنا؟ حتَّى متَّى تعِدُنا وَلا تفي بوعدك؟ 

أمثلة:

قول الله عزَّ وجلَّ في سورة البقرة خطاباً للمؤمنين: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البأسآء والضرآء وَزُلْزِلُواْ حتى يَقُولَ الرسول والذين آمَنُواْ مَعَهُ متى نَصْرُ الله ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ}. مَتَى نَصْرُ الله؟ أي: تأخَّرَ النَّصْرُ الْمَوْعود به، وهكذا حالُ البشر يستعجلون، وحكمةُ الله لا تُسَايرُ مطالب المستعجلين

قول أبي العلاء المعرّي:

إلاَمَ وفِيمَ تَنْقُلُنَا رِكابٌ ... وَتَأْمُلُ أَنْ يَكُونَ لَنا أَوَانُ؟

أي: إلى متى تسير مطاياناً وترجو أن يكون لنا وقتٌ نجزيها فيه على إحسانها بنا.


٢٢- شرح الاستفهام المستعمل في العرض:

ويتلطّف الآمر، أو الناصح، أو الداعي، أو طالب أيّ مطلب، فَيَعْرِضُ ما يطلبه أو يدعو إليه عرضاً بأسلوب الاستفهام، والصيغة الأصلية التي تُسْتَعْمَل في ذلك صيغة الأمر، أو صيغة النهي.

أمثلة:

قول الله عزَّ وجلَّ في سورة النور: {... وَلْيَعْفُواْ وليصفحوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. أي: إنْ عفوتم وصفحتُمْ غفر الله لكُم.

قول الله عزَّ وجلَّ في سورة النازعات يعلّم موسَى عليه السّلام كيف يَعْرضُ دَعْوته على فرعون: {اذهب إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى * فَقُلْ هَل لَّكَ إلى أَن تزكى * وَأَهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فتخشى}؟. 

قول الله عزَّ وجلَّ في سورة بشأنِ دعوة إبراهيم عليه السلام ضيوفه ليأكلوا ما أَعدَّ لهم من طعامٍ، وكان عِجْلاً مَشْوِيّاً: {فَرَاغَ إلى أَهْلِهِ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ}؟.


٢٣- شرح الاستفهام المستعمل في التحضيض:

ويريد المتكلم حَضَّ مَنْ يخاطبه على فعل أمرٍ أو ترِك أمْرٍ، وقد يجد استعمال أسلوب الاستفهام أوقع في نفسه، وأكَثْرَ تَأْثيراً، إذا كانت القرينة القولية أو الحالية تشعر بالتلويم على عدم الاستجابة. أمثلة:

قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (التوبة يحضُّ على قتال المشركين: {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نكثوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرسول وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ ...} [الآية: ١٣] ؟.

قولي صانعاً مثلاً:

أَلاَ قُمْتُموُ يَا رِجالَ الْهُدَى ... لنُصرَةِ دِينِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ؟


٢٤- شرح الاستفهام المستعمل في التجاهل:

قد يتجاهل العارف بالأمر أو بالشخص أو بصفاته لأغراضٍ بلاغيّة، منها استزادة المعرفة، ومنها انتزاع الاعتراف، ومنها تحقيره والتقليل من شأنه حتّى كأنه غير معروف، ومنها الإِثارة لإِفاضة البيان حوله من بعض حاضري المجلس للتعريف به مدحاً أو ذمّاً، إلى غير ذلك من إغراضٍ بلاغية، ويستعمل في التجاهل أسلوب الاستفهام. ويمكن أن نعتبر من أمثلة الاستفهام المستعمل في التجاهل ما جاء في سورة الأنبياء ضمن عرض قصة إبراهيم عليه السلام لمّا حطّم أصنام قومه إذْ تخلف عنهم يوم خرجوا ليلهوا في عيد لهم، قال الله عزَّ وجلَّ فيها: {قَالُواْ مَن فَعَلَ هاذا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ الظالمين * قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ على أَعْيُنِ الناس لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قالوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هاذا بِآلِهَتِنَا ياإبراهيم} ؟.


٢٥- شرح الاستفهام المستعمل في التحقير والاستهانة والاستهزاء:

وقد يستعمل الاستفهام أسلوباً من أساليب تحقير المستَفْهَم عنه والاستهانة به، لأنّ الاستفهام يشعر بأنّ المستَفْهِمَ غَيرُ مهتَمٍّ بما يَسْتَفْهِمُ عنه، ولا مكثرتٍ له لحقارته في نفسه، واستهانته به، ثم صار الاستفهام يدلُّ على التحقير والاستهانة بمساعدة قرائن الحال أو المقال. 

أمثلة:

قول الله عزَّ وجلَّ في سورة الأنبياء في بيان بعض مواقف الذين كفروا من الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَإِذَا رَآكَ الذين كفروا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أهاذا الذي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرحمان هُمْ كَافِرُونَ}؟.

وقول الله عزَّ وجلَّ في سورة الفرقان في ذلك أيضاً: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أهاذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً} ؟. لقَدِ احتقروه واستهزؤُوا به أوَّلاً إِذْ بعثه الله رسولاً، فسورة الفرقان قد نزلت قبل سورة الأنبياء، ثم احتقروه واستهزؤوا به دفاعاً عن أوثانهم بعد أنْ أَبَانَ أنَّها حجارةٌ لا تضُرُّ ولا تنفَعُ.

قول الشاعر:

فَدَعِ الْوَعِيدَ فَمَا وَعِيدُكَ ضَائِرِي ... أطَنِينُ أَجْنِحَةِ الذُّبَابِ يَضِيرُ؟


٢٦- شرح الاستفهام المستعمل في المدح أو الذمّ:

وقد يُسَاقُ الاستفهام للدلالة على مدح المتحدّث عنه والثناء عليه، أو للدلالة على ذمّة وكشف مثالبه، والقرائن القولية أو الحالية كواشف.

أمثلة:

قول جرير في مدح عبد الملك:

أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا ... وَأنْدَى الْعَالَمِين بُطُونَ رَاحِ؟

قول المتنبي حينما صَرَعَ بدْرُ بن عمَّار أسداً بسوطه يمدحه:

أَمُعَفِّرَ اللَّيْثِ الْهِزَبْرِ بِسَوْطِهِ ... لِمَنِ ادّخَرْتَ الصَّارِمَ الْمَصقُولاَ؟

قول الشاعر:

أَرَأَيْتَ أَيّ سَوالِفٍ وَخُدُودٍ ... بَرَزَتْ لَنَا بَيْنَ اللِّوَى فَزَرُودِ؟

قول ابن الرومي في المدح:

أَلَسْتَ الْمَرْءَ يَجْبِي كُلَّ حَمْدٍ ... إِذَا مَا لَمْ يَكُنْ لِلْحَمْدِ جَابِ؟

جَابٍ: أي: مَنْ يَجْبِي بمعنى يجمع.

قول الشاعر في الاستفهام المعبّر عن الذمّ:

فَقَالَتْ: أَكُلَّ النَّاسِ أصْبَحْتَ مَانِحاً ... لِسَانَكَ كَيْمَا أَنْ تَغُرَّ وتَخْدَعَا؟


٢٧- شرح الاستفهام المستعمل في الاكتفاء:

وذكروا أنّ الاستفهام قد يستعمَلُ لبيان الاكتفاء، ومثلوا له بقول الله عزَّ وجلَّ في سورة العنكبوت: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افترى عَلَى الله كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بالحق لَمَّا جَآءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ} ؟.

وبقول الله عزَّ وجلَّ في سورة (الزمر: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى الله وَكَذَّبَ بالصدق إِذْ جَآءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ} ؟. {وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ} ؟. أي: يكفيهم عقاباً لَهُمْ مَثْواهُمْ في جَهَنَّمَ يوم الدين. أقول: الأقرب اعتبار هذه الأمثلة من الاستفهام المستعمل في التهديد والوعيد والترهيب.


٢٨- شرح الاستفهام المستعمل في الاستبعاد:

وَكثيراً ما يُسْتَخْدمُ الاستفهام للدلالة على استبعاد المستفهم عنه، والتشكُّك في حدوثه. أمثلة:

قول الله عزَّ وجلَّ في سورة الدخان بشأن الدخان الذي هو أحد أشراط السّاعة: {فارتقب يَوْمَ تَأْتِي السمآء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ * يَغْشَى الناس هاذا عَذَابٌ أَلِيمٌ * رَّبَّنَا اكشف عَنَّا العذاب إِنَّا مْؤْمِنُونَ * أنى لَهُمُ الذكرى وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ}. أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى؟ : أي: تَذَكُّرُهُمْ واتِّعاظُهُمْ أَمْرٌ مُسْتَبْعَد.

قول الشاعر:

أَتُقْرَحُ أَكْبَادُ الْمُحِبِّينَ كَالَّذِي ... أَرَى كَبِدي مِنْ حُبِّ مَيَّةَ تُقْرَحُ؟

أي: أستبعد ذلك.


٢٩- شرح الاستفهام المستعمل في الإِيناس:

ويريد المتكلم أن يؤانِسَ من يخاطبه، فيطرح عليه أسئلة يَجُرّهُ بها إلى المحادثَة، مع أنّ المتكلم عالم بجواب أسئلته.

أمثلة:

قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (طه مبيّناً ما كلّم الله به مُوسَى في رحلة التكليم: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى}.

قول الزوج في ليلة عرسه لعروسه: مَنْ أهْداكِ هذا العقد النفيس؟ مِنْ أيْنَ جئتِ بهذا الشعر الذهبي الجميل؟ مَاذَا تُحَبّين أنْ يكون بِكْرُكِ؟ أذكراً أم أنْثَى؟


٣٠- شرح الاستفهام المستعمل في التهكُّم والسخريَة:

ويستعمَلُ الاستفهام عند إرادة التهكُّم أو السخرية، ومن الأمثلة مقالة قوم شعيب عليه السلام له، كَما حكى الله عزَّ وجلَّ في سورة هود: {قَالُواْ ياشعيب أصلاوتك تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ في أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد}؟. ومقالة إبراهيم عليه السّلام لآلِهَةِ قَوْمِه مِنَ الأَوْثَانِ كما حكَى الله عزَّ وجلَّ في سورة الصّافات: {فَرَاغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ} ؟. أَلاَ تأْكُلُونَ؟: استفهامٌ تَهَكُّمِيُّ سَاخِر. وكذلك: مَالَكُمْ لاَ تنطقُونَ؟


٣١- شرح الاستفهام المستعمل في الإِخبار:

وقد يستعمل الاستفهام أسلوباً من أسَالِيب الإِخبار، وهو يدخل في طريقة الإِعلام غير المباشر.

أمثلة:

قول الله عزَّ وجلَّ في سورة النور بشأنِ طائفةٍ من المنافقين: {وَإِذَا دعوا إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ * وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ الحق يأتوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ارتابوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ الله عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أولائك هُمُ الظالمون}. أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا: أي: هم فريقانِ، فريقٌ في قلوبهم مرض النفاق، وفريق دخل إلى قلوبهم الرّيبُ.

قول الله عزَّ وجلَّ في سورة الإِنسان: {هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مِّنَ الدهر لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً}. أي: قَدْ أتى عليه هذا الحين.


٣٢- شرح الاستفهام المستعمل في التأكيد:

وقد يأتي الاستفهام تأكيداً لاستفهام قبله، حين تدعو الحاجة البيانيّة الرفعية لذلك، ومن الأمثلة على هذا قول الله عزَّ وجلَّ في سورة الزمر: {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العذاب أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النار} ؟. قال الموفّق عبد اللطيف البغدادي: "أي: مَنْ حقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ فإنَّكَ لاَ تُنْقِذُهُ، فـ "مَنْ" للشَّرْطِ، و"الفاء" جواب الشرط، و"الهمزة" في: {أَفَأَنتَ؟} دخلَتْ مُعَادَةً لطولِ الكلام، وهذا نوعٌ من أنواعها". قال الزمخشري: "الهمزة الثانية هي الأولَى كُرّرَت لتوكيد معنى الإِنكار والاستبعاد".


قد نلاحظ معاني أخرى في بعض أمثلة الاستفهام غير التي ذكرها مُحْصُو المعاني السابقة، كالاستعطاف والاسترحام، والتيئيس وقطع الرجاء، والشكوى، والتشوّق، والغيرة، والتفجّع والهلع.

فمن الاستعطاف قول الشاعر:

أَلَمْ أَكُ جَارَكُمْ وَيكُونَ بَيْنِي ... وَبيْنكُمُ الْمَوَدَّةُ والإِخَاءُ؟

ومن التيئيس وقطع الرجاء قول الشاعر:

قَدْ قِيلَ مَا قيلَ إِنْ صِدْقاً وَإِنْ كَذِباً ... فَمَا اعْتِذَارُكَ مَنْ قَوْلٍ إِذَا قِيلَ؟

ومِنَ الشكوى قولُ الشاعر:

أَلاَ تَسْأَلاَنِ الدَّهْرَ مَاذا يُحَاوِلُ؟ ... أَنَحْبٌ فَيُقْضَى أَمْ ضَلاَلٌ وَبَاطِلُ؟

ومن التشوّق قولُ الشاعر:

فَقُمْتُ للطَّيْفِ مُرْتَاعاً فَأَرَّقَنِي ... فَقُلْتُ: أَهْيَ سَرَتْ أَمْ عَادَنِي حُلُمُ؟

ومن الغيرة قول مجنون لَيْلَى:

بِرَبِّكَ هَلْ ضَمَمْتَ إِلَيْكَ لَيْلَى ... قُبَيْلَ الصُّبْحِ أَوْ قَبَّلْتَ فَاها؟

وأرى من الهلع والجزع قول موسى عليه السلام في ميقاتِ المناجَاةِ الثاني لربه، كما جاء في سورة (الأعراف: {...أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهآء مِنَّآ...}؟.





المصدر

البلاغة العربية - عبد الرحمن حبنكة الميدضاني
التطبيق النحوي - عبده الراجحي
أدوات الإعراب - ظاهر شوكت البياتي
كتاب البلاغة  - المعاني - جامعة المدينة - جامعة المدينة العالمية