التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سورة البقرة، الآية: ٣٨

(قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ). سورة البقرة، الآية: ٣٨

التحرير والتنوير - ابن عاشور
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
كُرِّرَتْ جُمْلَةُ ﴿قُلْنا اهْبِطُوا﴾ فاحْتَمَلَ تَكْرِيرُها أنْ يَكُونَ لِأجْلِ رَبْطِ النَّظْمِ في الآيَةِ القُرْآنِيَّةِ مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ دالَّةً عَلى تَكْرِيرِ مَعْناها في الكَلامِ الَّذِي خُوطِبَ بِهِ آدَمُ فَيَكُونُ هَذا التَّكْرِيرُ لِمُجَرَّدِ اتِّصالِ ما تَعَلَّقَ بِمَدْلُولِ (وقُلْنا اهْبِطُوا) وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] وقَوْلُهُ ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ إذْ قَدْ فَصَلَ بَيْنَ هَذَيْنِ المُتَعَلِّقَيْنِ ما اعْتَرَضَ بَيْنَهُما مِن قَوْلِهِ ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧] فَإنَّهُ لَوْ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ لَمْ يَرْتَبِطْ كَمالَ الِارْتِباطِ، ولَتَوَهَّمَ السّامِعُ أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في التَّفَنُّنِ، فَلِدَفْعِ ذَلِكَ أُعِيدَ قَوْلُهُ ﴿قُلْنا اهْبِطُوا﴾ فَهو قَوْلٌ واحِدٌ كُرِّرَ مَرَّتَيْنِ لِرَبْطِ الكَلامِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَعْطِفُ (قُلْنا) لِأنَّ بَيْنَهُما شِبْهَ كَمالِ الِاتِّصالِ لِتَنَزُّلِ قَوْلِهِ ﴿قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا﴾ مِن قَوْلِهِ ﴿وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] مَنزِلَةَ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ ثُمَّ بُنِيَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ الآيَةَ وهو مُغايِرٌ لِما بُنِيَ عَلى قَوْلِهِ ﴿وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] لِيَحْصُلَ شَيْءٌ مِن تَجَدُّدِ فائِدَةٍ في الكَلامِ لِكَيْ لا يَكُونَ إعادَةُ (اهْبِطُوا) مُجَرَّدَ تَوْكِيدٍ، ويُسَمّى هَذا الأُسْلُوبُ في عِلْمِ البَدِيعِ بِالتَّرْدِيدِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨] وإفادَتُهُ التَّأْكِيدَ حاصِلَةٌ بِمُجَرَّدِ إعادَةِ اللَّفْظِ. وقِيلَ هو أمْرٌ ثانٍ بِالهُبُوطِ بِأنْ أُهْبِطَ آدَمُ مِنَ الجَنَّةِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا بِالأمْرِ الأوَّلِ ثُمَّ أُهْبِطَ مِنَ السَّماءِ الدُّنْيا إلى الأرْضِ، فَتَكُونُ إعادَةُ (قُلْنا اهْبِطُوا) لِلتَّنْبِيهِ عَلى اخْتِلافِ زَمَنِ القَوْلَيْنِ والهُبُوطِ، وهو تَأْوِيلٌ يُفِيدُ أنَّ المَراحِلَ والمَسافاتِ لا عِبْرَةَ بِها عِنْدَ المُسافِرِ ولِأنَّ ضَمِيرَ (مِنها) المُتَعَيَّنَ لِلْعَوْدِ إلى الجَنَّةِ لِتَنْسِيقِ الضَّمائِرِ في قَوْلِهِ ﴿وكُلا مِنها رَغَدًا﴾ [البقرة: ٣٥] وقَوْلِهِ ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها﴾ [البقرة: ٣٦] مانِعٌ مِن أنْ يَكُونَ المُرادُ (اهْبِطُوا) مِنَ السَّماءِ جَمِيعًا إذْ لَمْ يَسْبِقْ مَعادٌ لِلسَّماءِ فالوَجْهُ عِنْدِي عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ إعادَةُ (اهْبِطُوا) الثّانِي لِغَيْرِ رَبْطِ نَظْمِ الكَلامِ أنْ تَكُونَ لِحِكايَةِ أمْرٍ ثانٍ لِآدَمَ بِالهُبُوطِ كَيْلا يَظُنَّ أنَّ تَوْبَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ ورِضاهُ عَنْهُ عِنْدَ مُبادَرَتِهِ بِالتَّوْبَةِ عَقِبَ الأمْرِ بِالهُبُوطِ قَدْ أوْجَبَتِ العَفْوَ عَنْهُ مِنَ الهُبُوطِ مِنَ الجَنَّةِ فَأعادَ لَهُ الأمْرَ بِالهُبُوطِ بَعْدَ قَبُولِ تَوْبَتِهِ لِيَعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ كائِنٌ لا مَحالَةَ لِأنَّهُ مُرادُ اللَّهِ تَعالى وطَوْرٌ مِنَ الأطْوارِ الَّتِي أرادَها اللَّهُ تَعالى مِن جَعْلِهِ خَلِيفَةً في الأرْضِ وهو ما أخْبَرَ بِهِ المَلائِكَةَ، وفِيهِ إشارَةٌ أُخْرى وهي أنَّ العَفْوَ يَكُونُ مِنَ التّائِبِ في الزَّواجِرِ والعُقُوباتِ. وأمّا تَحْقِيقُ آثارِ المُخالِفَةِ وهو العُقُوبَةُ التَّأْدِيبِيَّةُ فَإنَّ العَفْوَ عَنْها فَسادٌ في العالَمِ؛ لِأنَّ الفاعِلَ لِلْمُخالَفَةِ إذا لَمْ يَرَ أثَرَ فَعْلِهِ لَمْ يَتَأدَّبْ في المُسْتَقْبَلِ، فالتَّسامُحُ مَعَهُ في ذَلِكَ تَفْوِيتٌ لِمُقْتَضى الحِكْمَةِ، فَإنَّ الصَّبِيَّ إذا لَوَّثَ مَوْضِعًا وغَضِبَ عَلَيْهِ مُرَبِّيهِ ثُمَّ تابَ فَعَفا عَنْهُ فالعَفْوُ يَتَعَلَّقُ بِالعِقابِ وأمّا تَكْلِيفُهُ بِأنْ يُزِيلَ بِيَدِهِ التَّلْوِيثَ الَّذِي لَوَّثَ بِهِ المَوْضِعَ فَذَلِكَ لا يَحْسُنُ التَّسامُحُ فِيهِ ولِذا لَمّا تابَ اللَّهُ عَلى آدَمَ رَضِيَ عَنْهُ ولَمْ يُؤاخِذْهُ بِعُقُوبَةٍ ولا بِزاجِرٍ في الدُّنْيا ولَكِنَّهُ لَمْ يَصْفَحْ عَنْهُ في تَحَقُّقِ أثَرِ مُخالَفَتِهِ وهو الهُبُوطُ مِنَ الجَنَّةِ لِيَرى أثَرَ حِرْصِهِ وسُوءِ ظَنِّهِ، هَكَذا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ التَّوْجِيهُ إذا كانَ المُرادُ مِنِ (اهْبِطُوا) الثّانِي حِكايَةَ أمْرٍ ثانٍ بِالهُبُوطِ خُوطِبَ بِهِ آدَمُ.
و(جَمِيعًا) حالٌ. و(جَمِيعًا) اسْمٌ لِلْمُجْتَمِعِينَ مِثْلَ لَفْظِ جَمْعٍ فَلِذَلِكَ التَزَمُوا فِيهِ حالَةً واحِدَةً ولَيْسَ هو في الأصْلِ وصْفًا وإلّا لَقالُوا جاءُوا جَمِيعِينَ لِأنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى فاعِلٍ يُطابِقُ مَوْصُوفَهُ وقَدْ تَأوَّلُوا قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ
فَلَوْ أنَّها نَفْسٌ تَمُوتُ جَمِيعَةً
بِأنَّ التّاءَ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ والمَعْنى اهْبِطُوا مُجْتَمِعَيْنِ في الهُبُوطِ مُتَقارِنَيْنِ فِيهِ؛ لِأنَّهُما اسْتَوَيا في اقْتِرافِ سَبَبِ الهُبُوطِ.
وقَوْلُهُ ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ﴾ شَرْطٌ عَلى شَرْطٍ لِأنَّ ”إمّا“ شَرْطٌ مُرَكَّبٌ مِن إنِ الشَّرْطِيَّةِ، وما الزّائِدَةُ دالَّةٌ عَلى تَأْكِيدِ التَّعْلِيقِ، لِأنَّ إنْ بِمَجَرَّدِها دالَّةٌ عَلى الشَّرْطِ فَلَمْ يَكُنْ دُخُولُ ”ما“ الزّائِدَةِ عَلَيْها كَدُخُولِها عَلى ”مَتى“ و”أيْ“ و”أيْنَ“ و”أيّانَ“ و”ما“ و”مِن“ و”مَهْما“ عَلى القَوْلِ بِأنَّ أصْلَها ماما؛ لِأنَّ تِلْكَ كانَتْ زِيادَتَها لِجَعْلِها مُفِيدَةً مَعْنى الشَّرْطِ فَإنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ لَمْ تُوضَعْ لَهُ بِخِلافِ إنْ وقَدِ التَزَمَتِ العَرَبُ تَأْكِيدَ فِعْلِ الشَّرْطِ مَعَ إمّا بِنُونِ التَّوْكِيدِ لِزِيادَةِ تَوْكِيدِ التَّعْلِيقِ بِدُخُولِ عَلامَتِهِ عَلى أداتِهِ وعَلى فِعْلِهِ فَهو تَأْكِيدٌ لا يُفِيدُ تَحْقِيقَ حُصُولِ الجَوابِ لِأنَّهُ مُنافٍ لِلتَّعْلِيقِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُؤَكَّدْ جَوابُ الشَّرْطِ بِالنُّونِ بَلْ يُفِيدُ تَحْقِيقَ الرَّبْطِ أيْ إنَّ كَوْنَ حُصُولِ الجَوابِ مُتَوَقِّفًا عَلى حُصُولِ الشَّرْطِ أمْرٌ مُحَقَّقٌ لا مَحالَةَ فَإنَّ التَّعْلِيقَ ما هو إلّا خَبَرٌ مِنَ الأخْبارِ، إذْ حاصِلُهُ الإخْبارُ بِتَوَقُّفِ حُصُولِ الجَزاءِ عَلى حُصُولِ الشَّرْطِ، فَلا جَرَمَ كانَ كَغَيْرِهِ مِنَ الأخْبارِ قابِلًا لِلتَّوْكِيدِ، وقَلَّما خَلا فِعْلُ الشَّرْطِ مَعَ إمّا عَنْ نُونِ التَّوْكِيدِ كَقَوْلِ الأعْشى:
إمّا تَرَيْنا حُفاةً لا نِعالَ لَنا ∗∗∗ إنّا كَذَلِكَ ما نَحْفى ونَنْتَعِلُ
وهُوَ غَيْرُ حَسَنٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والفارِسِيِّ، وقالَ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ هو مَمْنُوعٌ، فَجَعَلا خُلُوَّ الفِعْلِ عَنْهُ ضَرُورَةً.
وقَوْلُهُ ﴿فَمَن تَبِعَ هُدايَ﴾ ”مَن“ شَرْطِيَّةٌ بِدَلِيلِ دُخُولِ الفاءِ في جَوابِها ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ لِأنَّ الفاءَ وإنْ دَخَلَتْ في خَبَرِ المَوْصُولِ كَثِيرًا فَذَلِكَ عَلى مُعامَلَتِهِ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ فَلْتُحْمَلْ هُنا عَلى الشُّرْطِيَّةِ اخْتِصارًا لِلْمَسافَةِ.
وأُظْهِرَ لَفْظَ الهُدى في قَوْلِهِ هُدايَ وهو عَيْنُ الهُدى في قَوْلِهِ (﴿مِنِّي هُدًى﴾) فَكانَ المَقامُ لِلضَّمِيرِ الرّابِطِ لِلشَّرْطِيَّةِ الثّانِيَةِ بِالأوْلى، لَكِنَّهُ أُظْهِرَ اهْتِمامًا بِالهُدى لِيَزِيدَ رُسُوخًا في أذْهانِ المُخاطَبِينَ عَلى حَدِّ ﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] ولِتَكُونَ هاتِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِها لا تَشْتَمِلُ عَلى عائِدٍ يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ مُعادٍ حَتّى يَتَأتّى تَسْيِيرُها مَسِيرَ المَثَلِ أوِ النَّصِيحَةِ فَتُلْحَظُ فَتُحْفَظُ وتَتَذَكَّرُها النُّفُوسُ لِتُهَذَّبَ وتَرْتاضَ، كَما أظْهَرَ في قَوْلِهِ ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] لِتَسِيرَ هَذِهِ الجُمْلَةُ الأخِيرَةُ مَسِيرَ المَثَلِ، ومِنهُ قَوْلُ بَشّارٍ:
إذا بَلَّغَ الرَّأْيُ المَشُورَةَ فاسْتَعِنْ ∗∗∗ بِرَأْيِ نَصِيحٍ أوْ نَصِيحَةِ حازِمِ
ولا تَجْعَلِ الشُّورى عَلَيْكَ غَضاضَةً ∗∗∗ مَكانُ الخَوافِي قُوَّةٌ لِلْقَوادِمِ
وأدْنِ إلى الشُّورى المُسَدَّدَ رَأْيُهُ ∗∗∗ ولا تُشْهِدِ الشُّورى امْرَأً غَيْرَ كاتِمِ
فَكَرَّرَ الشُّورى ثَلاثَ مَرّاتٍ في البَيْتَيْنِ الثّانِي والثّالِثِ لِيَكُونَ كُلُّ نِصْفٍ سائِرًا مَسِيرَ المَثَلِ، وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ تَعْرِيفِ الهُدى الثّانِي بِالإضافَةِ لِضَمِيرِ الجَلالَةِ دُونَ ”ألْ“ مَعَ أنَّها الأصْلُ في وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ الواقِعِ مُعادًا؛ لِئَلّا يَفُوتَ هاتِهِ الجُمْلَةَ المُسْتَقِلَّةَ شَيْءٌ تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ الأُولى، إذِ الجُمْلَةُ الأُولى تَضَمَّنَتْ وصْفَ الهُدى بِأنَّهُ آتٍ مِنَ اللَّهِ، والإضافَةُ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ تُفِيدُ هَذا المُفادَ.
والإتْيانُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ بِحَرْفِ الشَّرْطِ الدّالِّ عَلى عَدَمِ الجَزْمِ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ إيذانٌ بِبَقِيَّةٍ مِن عِتابٍ عَلى عَدَمِ امْتِثالِ الهُدى الأوَّلِ، وتَعْرِيضٌ بِأنَّ مُحاوَلَةَ هَدْيِكم في المُسْتَقْبَلِ لا جَدْوى لَها، كَما يَقُولُ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ إذا لَمْ يَعْمَلْ بِما أوْصاهُ بِهِ فَغَضِبَ عَلَيْهِ ثُمَّ اعْتَذَرَ لَهُ فَرَضِيَ عَنْهُ: إنْ أوْصَيْتُكَ يَوْمًا آخَرَ بِشَيْءٍ فَلا تَعُدْ لِمِثْلِ فَعْلَتِكَ، يُعَرِّضُ لَهُ بِأنَّ تَعَلُّقَ الغَرَضِ بِوَصِيَّتِهِ في المُسْتَقْبَلِ أمْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ إذْ لَعَلَّهُ قَلِيلُ الجَدْوى، وهَذا وجْهٌ بَلِيغٌ فاتَ صاحِبَ الكَشّافِ، حَجَبَهُ عَنْهُ تَوْجِيهُ تَكَلُّفِهِ لِإرْغامِ الآيَةِ عَلى أنْ تَكُونَ دَلِيلًا لِقَوْلِ المُعْتَزِلَةِ بِعَدَمِ وُجُوبِ بِعْثَةِ الرُّسُلِ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْها بِهُدى العَقْلِ في الإيمانِ بِاللَّهِ مَعَ كَوْن هُدى اللَّهِ تَعالى النّاسَ واجِبًا عِنْدَهم وذَلِكَ التَّكَلُّفُ كَثِيرٌ في كِتابِهِ وهو لا يَلِيقُ بِرُسُوخِ قَدَمِهِ في العِلْمِ، فَكانَ تَقْرِيرُهُ هَذا كالِاعْتِذارِ عَنِ القَوْلِ بِعَدَمِ وُجُوبِ بِعْثَةِ الرُّسُلِ عَلى أنَّ الهُدى لا يَخْتَصُّ بِالإيمانِ الَّذِي يُغْنِي فِيهِ العَقْلُ عَنِ الرِّسالَةِ عِنْدَهم، بَلْ مُعْظَمُهُ هُدى التَّكالِيفِ وكَثِيرٌ مِنها لا قِبَلَ لِلْعَقْلِ بِإدْراكِهِ، وهو عَلى أُصُولِهِمْ أيْضًا واجِبٌ عَلى اللَّهِ إبْلاغُهُ لِلنّاسِ فَيَبْقى الإشْكالُ عَلى الإتْيانِ بِحَرْفِ الشَّكِّ هُنا بِحالِهِ فَلِذَلِكَ كانَتِ الآيَةُ أسْعَدَ بِمَذْهَبِنا أيُّها الأشاعِرَةَ مِن عَدَمِ وُجُوبِ الهُدى كُلِّهِ عَلى اللَّهِ تَعالى لَوْ شِئْنا أنْ نَسْتَدِلَّ بِها عَلى ذَلِكَ كَما فَعَلَ البَيْضاوِيُّ ولَكِنّا لا نَراها وارِدَةً لِأجْلِهِ.
وقَوْلُهُ ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ الآيَةَ هو في مَعْنى العَهْدِ أخَذَهُ اللَّهُ عَلى آدَمَ فَلَزِمَ ذُرِّيَّتَهُ أنْ يَتْبَعُوا كُلَّ هُدًى يَأْتِيهِمْ مِنَ اللَّهِ وأنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ هُدًى يَأْتِي مِنَ اللَّهِ فَقَدِ اسْتَوْجَبَ العَذابَ فَشَمِلَ جَمِيعَ الشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ المُخاطَبِ بِها طَوائِفُ النّاسِ لِوُقُوعِ (هُدًى) نَكِرَةً في سِياقِ الشَّرْطِ وهو مِن صِيَغِ العُمُومِ، وأوْلى الهُدى وأجْدَرُهُ بِوُجُوبِ اتِّباعِهِ الهُدى الَّذِي أتى مِنَ اللَّهِ لِسائِرِ البَشَرِ وهو دِينُ الإسْلامِ الَّذِي خُوطِبَ بِهِ جَمِيعُ بَنِي آدَمَ، وبِذَلِكَ تَهَيَّأ المَوْقِعُ لِقَوْلِهِ (﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾) إلَخْ فاللَّهُ أخَذَ العَهْدَ مِن لَدُنْ آدَمَ عَلى اتِّباعِ الهُدى العامِّ كَقَوْلِهِ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ﴾ [آل عمران: ٨١] الآيَةَ وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ لا يُؤاخِذُ البَشَرَ بِما يَقْتَرِفُونَهُ مِنَ الضَّلالِ إلّا بَعْدَ أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِمْ مَن يَهْدِيهِمْ فَأمّا في تَفاصِيلِ الشَّرائِعِ فَلا شَكَّ في ذَلِكَ ولا اخْتِلافَ وأمّا في تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى وما يَقْتَضِيهِ مِن صِفاتِ الكَمالِ فَيَجْرِي عَلى الخِلافِ بَيْنَ عُلَمائِنا في مُؤاخَذَةِ أهْلِ الفَتْرَةِ عَلى الإشْراكِ، ولَعَلَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الهُدى الآتِيَ مِن عِنْدِ اللَّهِ في ذَلِكَ قَدْ حَصَلَ مِن عَهْدِ آدَمَ ونُوحٍ وعَرَفَهُ البَشَرُ كُلُّهم فَيَكُونُ خِطابًا ثابِتًا لا يَسَعُ البَشَرَ ادِّعاءُ جَهِلِهِ وهو أحَدُ قَوْلَيْنِ عَنِ الأشْعَرِيِّ، وقِيلَ لا، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ والماتُرِيدِيَّةِ أنَّهُ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ.
وقَوْلُهُ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ نَفْيٌ لِجِنْسِ الخَوْفِ. و(خَوْفٌ) مَرْفُوعٌ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأهُ يَعْقُوبُ مَبْنَيا عَلى الفَتْحِ وهُما وجْهانِ في اسْمِ لا النّافِيَةِ لِلْجِنْسِ، وقَدْ رَوِيَ بِالوَجْهَيْنِ قَوْلُ المَرْأةِ الرّابِعَةِ مِن نِساءِ حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ «زَوْجِي كَلَيْلِ تِهامَةَ لا حَرَّ ولا قَرَّ ولا مَخافَةَ ولا سَآمَةَ» . وبِناءُ الِاسْمِ عَلى الفَتْحِ نَصٌّ في نَفْيِ الجِنْسِ، ورَفْعُهُ مُحْتَمِلٌ لِنَفْيِ الجِنْسِ ولِنَفْيِ فَرْدٍ واحِدٍ، ولِذَلِكَ فَإذا انْتَفى اللَّبْسُ اسْتَوى الوَجْهانِ كَما هُنا إذِ القَرِينَةُ ظاهِرَةٌ في نَفْيِ الجِنْسِ.
وقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ يَحْتَمِلُ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ ما قِيلَ لِآدَمَ فَإكْمالُ ذِكْرِهِ هُنا اسْتِيعابٌ لِأقْسامِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وهو يَعُمُّ مَن كَذَّبَ بِالمُعْجِزاتِ كُلِّها ومِن جُمْلَتِها القُرْآنُ، عَطْفٌ عَلى (مَن) الشَّرْطِيَّةِ في قَوْلِهِ ﴿فَمَن تَبِعَ هُدايَ﴾ إلَخْ فَهو مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ إسْمِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ إسْمِيَّةٍ، وأتى بِالجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ غَيْرَ شَرْطِيَّةٍ مَعَ ما في الشَّرْطِيَّةِ مِن قُوَّةِ الرَّبْطِ والتَّنْصِيصِ عَلى تَرَتُّبِ الجَزاءِ عَلى الشَّرْطِ وعَدَمِ الِانْفِكاكِ عَنْهُ؛ لِأنَّ مَعْنى التَّرَتُّبِ والتَّسَبُّبِ وعَدَمَ الِانْفِكاكِ قَدْ حَصَلَ بِطُرُقٍ أُخْرى فَحَصَلَ مَعْنى الشَّرْطِ مِن مَفْهُومِ قَوْلِهِ ﴿فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فَإنَّهُ بِشارَةٌ يُؤْذِنُ مَفْهُومُها بِنِذارَةِ مَن لَمْ يَتْبَعْهُ فَهو خائِفٌ حَزِينٌ فَيَتَرَقَّبُ السّامِعُ ما يُبَيِّنُ هَذا الخَوْفَ والحُزْنَ فَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا﴾ الآيَةَ. وأمّا مَعْنى التَّسَبُّبِ فَقَدْ حَصَلَ مِن تَعْلِيقِ الخَبَرِ عَلى المَوْصُولِ وصِلَتِهِ المُومِئِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وعِلَّتِهِ عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ في الإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ، وأمّا عَدَمُ الِانْفِكاكِ فَقَدِ اقْتَضاهُ الإخْبارُ عَنْهم بِأصْحابِ النّارِ المُقْتَضِي لِلْمُلازِمَةِ ثُمَّ التَّصْرِيحُ بِقَوْلِهِ ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ ويَحْتَمِلُ أنَّهُ تَذْيِيلٌ ذُيِّلَتْ بِهِ قِصَّةُ آدَمَ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ المُهْتَدِينَ ولَيْسَ مِنَ المَقُولِ لَهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا التَّذْيِيلِ تَهْدِيدُ المُشْرِكِينَ والعَوْدُ إلى عَرْضِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] وقَوْلِهِ ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨] فَتَكُونُ الواوُ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اعْتِراضِيَّةً، والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا الَّذِينَ أنْكَرُوا الخالِقَ وأنْكَرُوا أنْبِياءَهُ وجَحَدُوا عَهْدَهُ كَما هو اصْطِلاحُ القُرْآنِ، والمَعْنى: والَّذِينَ كَفَرُوا بِي وبِهُدايَ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ المُقابَلَةُ.
والآياتُ جَمْعُ آيَةٍ وهي الشَّيْءُ الدّالُّ عَلى أمْرٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يَخْفى، ولِذَلِكَ قِيلَ لِأعْلامِ الطَّرِيقِ آياتٌ لِأنَّهم وضَعُوها لِلْإرْشادِ إلى الطُّرُقِ الخَفِيَّةِ في الرِّمالِ، وتُسَمّى الحُجَّةُ آيَةً لِأنَّها تُظْهِرُ الحَقَّ الخَفِيَّ. كَما قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
مَن لَنا عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ آيا ∗∗∗ تٌ ثَلاثٌ في كُلِّهِنَّ القَضاءُ

يَعْنِي ثَلاثَ حُجَجٍ عَلى نُصْحِهِمْ وحُسْنِ بَلائِهِمْ في الحَرْبِ وعَلى اتِّصالِهِمْ بِالمَلِكِ عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ. وسَمّى اللَّهُ الدَّلائِلَ عَلى وُجُودِهِ وعَلى وحْدانِيَّتِهِ وعَلى إبْطالِ عَقِيدَةِ الشِّرْكِ آياتٍ، فَقالَ ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمُ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: ٤] وقالَ ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٧] إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّ في ذَلِكم لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩] وقالَ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمُ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ [الأنعام: ١٠٩] وسَمّى القُرْآنُ آيَةً فَقالَ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٥٠] إلى قَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمُ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ. وسَمّى أجْزاءَهُ آياتٍ فَقالَ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمُ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمُ آياتِنا﴾ [الحج: ٧٢] وقالَ ﴿المر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾ [الرعد: ١] لِأنَّ كُلَّ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ يَعْجِزُ البَشَرُ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِها كَما قالَ تَعالى ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] فَكانَ دالًّا عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ فِيما جاءَ بِهِ، وكانَتْ جُمَلُهُ آياتٍ؛ لِأنَّ بِها بَعْضَ المِقْدارِ المُعْجِزِ، ولَمْ تُسَمَّ أجْزاءُ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ الأُخْرى آياتٍ، وأمّا ما ورَدَ في حَدِيثِ الرَّجْمِ أنَّ ابْنَ صُورِيا حِينَ نَشَرَ التَّوْراةَ وضَعَ يَدَهُ عَلى آيَةِ الرَّجْمِ فَذَلِكَ عَلى تَشْبِيهِ الجُزْءِ مِنَ التَّوْراةِ بِالجُزْءِ مِنَ القُرْآنِ وهو مِن تَعْبِيرِ راوِي الحَدِيثِ.
وأصْلُ الآيَةِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ”فَعَلَةٌ“ بِالتَّحْرِيكِ ”أيَيَةٌ“ أوْ ”أوَيَةٌ“ عَلى الخِلافِ في أنَّها واوِيَّةٌ أوْ يائِيَّةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن أيٍّ الِاسْتِفْهامِيَّةِ أوْ مِن أوَيَ، فَلَمّا تَحَرَّكَ حَرْفا العِلَّةِ فِيها قُلِبَ أحَدُهُما وقُلِبَ الأوَّلُ تَخْفِيفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ؛ لِأنَّ قِياسَ اجْتِماعِ حَرْفَيْ عِلَّةٍ صالِحَيْنِ لِلْإعْلالِ أنْ يُعَلَّ ثانِيهِما إلّا ما قَلَّ مِن نَحْوِ آيَةٍ وقايَةٍ وطايَةٍ وثايَةٍ ورايَةٍ.
فالمُرادُ بِآياتِنا هُنا آياتُ القُرْآنِ أيْ وكَذَّبُوا بِالقُرْآنِ أيْ وحْيٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ. والباءُ في قَوْلِهِ ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ باءٌ يَكْثُرُ دُخُولُها عَلى مُتَعَلَّقِ مادَّةِ التَّكْذِيبِ مَعَ أنَّ التَّكْذِيبَ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ ولَمْ أقِفْ في كَلامِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ عَلى خَصائِصِ لَحاقِها بِهَذِهِ المادَّةِ والصِّيغَةِ فَيَحْتَمِلُ أنَّها لِتَأْكِيدِ اللُّصُوقِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّكْذِيبِ فَتَكُونُ كالباءِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وقَوْلِ النّابِغَةِ
لَكَ الخَيْرُ أنْ وارَتْ بِكَ الأرْضُ واحِدًا

ويَحْتَمِلُ أنَّ أصْلَها لِلسَّبَبِيَّةِ وأنَّ الأصْلَ أنْ يُقالَ كَذَّبَ فَلانًا بِخَبَرِهِ ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ فَصارَ كَذَّبَ بِهِ وكَذَبَ بِمَعْنًى واحِدٍ والأكْثَرُ أنْ يُقالَ: كَذَّبَ فُلانًا، وكَذَبَ بِالخَبَرِ الفُلانِيِّ، فَقَوْلُهُ (بِآياتِنا) يَتَنازَعُهُ فِعْلا (كَفَرُوا وكَذَّبُوا) . وقَوْلُهُ ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ بَيانٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ فَإنَّ الصّاحِبَ هُنا بِمَعْنى المُلازِمِ ولِذَلِكَ فُصِلَتْ جُمْلَةُ (فِيها خالِدُونَ) لِتَنَزُّلِها مِنَ الأُولى مَنزِلَةَ البَيانِ فَبَيْنَهُما كَمالُ الِاتِّصالِ.

الدر المصون - السمين الحلبي
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قولُه: {قُلْنَا اهبطوا} إنما كرَّر قولِه: «قُلْنا» لأنَّ الهبوطَيْنِ مختلفان باعتبارِ متعلَّقَيْهما، فالهبوطُ الأول [عَلَّق به العداوةَ، والثاني علَّقَ به إتيانَ الهدى. وقيل: «لأنَّ الهبوطَ الأول] من الجنةِ إلى السماءِ، والثاني من السماءِ إلى الأرض» . واستَعْبَدَه بعضُهم لأجلِ قوله: {وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ} . وقال ابن عطيةِ: «وحكى النقاش أن الهبوطَ الثاني إنما هو من الجنة إلى السماءِ، والأولى في ترتيبِ الآيةِ إنما هو إلى الأرضِ وهو الأخيرُ في الوقوعِ» . انتهى، وقيل: كُرِّر على سبيلِ التأكيدِ نحو قولِك: قُمْ قُمْ، والضمير في «منها» يَعُودُ على الجنةِ أو السماء.
قوله: «جميعاً» حالٌ من فاعلِ «اهبِطوا» أي: مجتمِعِين: إمَّا في زمانٍ واحدٍ أو في أزمنةٍ متفرقة لأنَّ المرادَ الاشتراكُ في أصلِ الفعل، وهذا [هو] الفرقُ بين: جاؤوا جميعاً، وجاؤوا معاً، فإن قولَك «معاً» يستلزمُ مجيئهم جميعاً في زمنٍ واحدٍ لِما دَلَّتْ عليه «مع» مِن الاصطحاب، بخِلاف «جميعاً» فإنها لا تفيدُ إلا أنه لم يتخلَّفْ أحدٌ منهمْ عن المجيءِ، من غيرِ تعرُّضٍ لاتحادِ الزمانِ. وقد جَرَتْ هذه المسألةُ بين ثعلب وغيره، فلم يعرِفْها ذاك الرجلُ فأفادها له ثعلب.
و «جميع» في الأصل من ألفاظِ التوكيد، نحو: «كُل» ، وبعضُهم عَدَّها معها. وقال ابنُ عطية: «وجميعاً حالٌ من الضميرِ في» اهبِطوا «وليس بمصدرٍ ولا اسمِ فاعل، ولكنه عِوَضٌ منهما دالٌّ عليهما، كأنه قال:» هبوطاً جميعاً أو هابطين جميعاً «كأنه يعني أنَّ الحالَ في الحقيقةِ محذوفٌ، وأنَّ» جميعاً «تأكيدٌ له، إلا أنَّ تقديرَه بالمصدرِ يَنْفي جَعْلَه حالاً إلا بتأويلٍ لا حاجةَ إليه. وقال بعضُهُم: التقديرُ: قُلْنا اهبِطوا مجتمِعِين فهبطوا جميعاً، فَحُذِفَ الحالُ من الأولِ لدلالةِ الثاني عليه، وحُذِفَ العاملُ من الثاني لدلالةِ الأولِ عليه، وهذا تكلُّفٌ لم تَدْعُ إليه ضرورةٌ.
قوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِع} . . . الآية. الفاءُ مُرَتَّبَةٌ معقِّبةٌ. و» إمَّا «أصلُها: إن الشرطيةُ زِيدَتْ عليها» ما «تأكيداً، و» يأتينَّكم «في محلِّ جزمٍ بالشرطِ، لأنه بُني لاتصالِه بنونِ التوكيدِ. وقيل: بل هو مُعْرَبٌ مطلقاً. وقيل: مبنيٌّ مطلقاً. والصحيح: التفصيلُ: إنْ باشَرَتْه كهذه الآيةِ بُني، وإلاَّ أُعْرِبَ، نحو: هل يقومانِّ؟ وبُني على الفتحِ طلباً للخفَّة، وقيل: بل بُني على السكونِ وحُرِّكَ بالفتحِ لالتقاءِ الساكنينِ. وذهب الزجاج والمبردُ إلى أن الفعلَ الواقعَ بعد إن الشرطية المؤكَّدة ب» ما «يجب تأكيدُه بالنون، قالا: ولذلك لم يَأْتِ التنزيلُ إلا عليه. وذهب سيبويه إلى أنه جائزٌ لا واجبٌ، لكثرةِ ما جاءَ به منه في الشعر غيرَ مؤكَّد، فكثرةُ مجيئِه غيرَ مؤكَّدٍ يدلُّ على عَدَمِ الوجوبِ، فمِنْ ذلك قولُه:
387 - فإمَّا تَرَيْني كابنةِ الرَّمْلِ ضاحياً ... على رِقَّةٍ أَحْفَى ولا أَتَنَعَّلُ
وقولُ الآخر:
388 - يا صاحِ إمَّا تَجِدْني غيرَ ذي جِدَةٍ ... فما التَخلِّي عن الخُلاَّنِ من شِيَمي
وقولُ الآخر:
38 - 9- زَعَمَتْ تُماضِرُ أنَّني إمَّا أَمُتْ ... يَسْدُدْ أُبَيْنُوها الأَصاغِرُ خُلَّتي وقول الآخر:
39 - 0- فإمَّا تَرَيْني ولِي لِمَّةٌ ... فإنَّ الحوادثَ أودى بِها
وقولُ الآخر:
39 - 1- فإمَّا تَرَيْني لا أُغَمِّضُ ساعةً ... مِن الدهرِ إلا أَنْ أَكِبَّ فَأَنْعَسَا
وقول الآخر:
392 - إمَّا تَرَيِْني اليومَ أمَّ حَمْزِ ... قارَبْتُ بينَ عَنَقي وجَمْزِي
وقال المهدوي: «إما» هي إنْ التي للشرطِ زِيدَتْ عليها «ما» ليصِحَّ دخولُ النون للتوكيدِ في الفعلِ، ولو سَقَطَتْ «ما» لم تَدْخُلِ النونُ، ف «ما» تؤكِّدُ أولَ الكلامِ، والنونُ تؤكِّدُ آخرَه «وتبعه ابنُ عطية. وقال بعضهم:» هذا الذي ذَهَبا إليه من أنَّ النونَ لازِمَةٌ لفعلِ الشرطِ إذا وُصِلَتْ «إنْ» ب «ما» هو مذهبُ المبردِ والزجاجِ «. انتهى. وليس في كلامِهما ما يدُلُّ على لزومِ النونِ كما ترى، غايةُ ما فيه أنَّهما اشترطا في صِحَّةِ تأكيدِه بالنونِ زيادةَ» ما «على» إنْ «، أمَّا كونُ التأكيدِ لازماً أو غيرَ لازم فلم يتعرَّضا له، وقد جاء تأكيدُ الشرطِ بغيرِ» إنْ «كقوله:
393 - مَنْ نَثْقَفَنْ منهم فليس بآئِبِ ... أبداً وقتلُ بني قُتَيْبَةَ شافي
و» مني «متعلق ب» يَأْتِيَنَّ «، وهي لابتداءِ الغاية مَجازاً، ويجوز أن تكون في محلِّ حالٍ من» هُدَىً «لأنه في الأصل صفةُ نكرةٍ قُدِّم عليها، وهو نظيرُ ما تَقَدَّم في قوله تعالى: {مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ} [البقرة: 37] ، و» هُدى «فاعلٌ، والفاءُ مع ما بعدها مِنْ قولِه: {فَمَن تَبِعَ} جوابُ الشرطِ الأولِ، والفاءُ في قوله تعالى: {فَلاَ خَوْفٌ} جوابُ الثاني، وقد وقع الشرطُ [الثاني وجوابُه جوابَ الأول، ونُقِل عن الكسائي أن قوله: {فَلاَ خَوْفٌ} جوابُ الشرطين] معاً. قال ابن عطية بعد نَقْلِه عن الكسائي:» هكذا حُكِي وفيه نَظَرٌ، ولا يتوجَّه أن يُخالَفَ سيبويه هنا، وإنما الخلافُ في نحوِ قولِه: {فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ المقربين فَرَوْحٌ} [الواقعة: 88-89] فيقولُ سيبويهِ: جوابُ أحدِ الشرطينِ محذوفٌ لدلالةِ قوله «فَرَوْحٌ» عليه. ويقول الكوفيون «فَرَوْح» جوابُ الشرطين. وأمَّا في هذه الآية فالمعنى يمنع أَنْ يكونَ «فلا خوف» جواباً للشرطين «. وقيل: جوابُ الشرطِ الأول محذوفٌ تقديرُه: فإمَّا يأتِيَنَّكم مني هدىً فاتَّبعوه، وقولُه: {فَمَنْ تَبِع} جملةٌ مستقلةٌ. وهو بعيدٌ أيضاً.
و» مَنْ «يجوزُ أَنْ تكونَ شرطيةً وهو الظاهرُ، ويجوز أَنْ تكونَ موصولةً، ودَخَلَت الفاءُ في خبرِها تشبيهاً لها بالشرطِ، ولا حاجةَ إلى هذا.
فإن كانتْ شرطيةً كان «تبع» في محل جزم، وكذا: «فلا خَوْفٌ» لكونِهما شرطاً وجزاءً، وإنْ كانت موصولةً فلا محلَّ ل «تَبِع» . وإذا قيل بأنَّها شرطيةٌ فهي مبتدأٌ أيضاً، ولكنْ في خبرها خلافٌ مشهور: الأصحُّ أنه فعلُ الشرطِ، بدليل أنه يَلزُم عودُ ضميرٍ مِنْ فعلِ الشرط على اسمِ الشرط، ولا يلزَمُ ذلك في الجوابِ، تقول: مَنْ يَقُمْ أُكْرِمْ زيداً، [فليس في «أُكرم زيداً» ضميرٌ يعودُ على «مَنْ» ولو كان خبراً للزِمَ فيه ضميرٌ] ، ولو قلتَ: «مَنْ يَقُمْ زيداً أُكْرِمْه» وأنت تعيدُ الهاءَ على «مَنْ» لم يَجُزْ لخلوِّ فعلِ الشرطِ من الضمير. وقيل: الخبرُ الجوابُُ، ويلزُم هؤلاء أن يأتوا فيه بعائدٍ على اسمِ الشرطِ، فلا يَجُوزُ عندهم: «مَنْ يَقُمْ أُكْرِمْ زيداً» ولكنه جائز، هذا ما أورده أبو البقاء. وسيأتي تحقيقُ القول في لزوم عَوْدِ ضميرٍِ مِنَ الجوابِ إلى اسمِ الشرطِ عند قوله تعالى: {مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ} [البقرة: 97] . وقيل: مجموعُ الشرطِ والجزاءِ هو الخبرُ لأنَّ الفائدةَ إنما تَحْصَلُ منهما. وقيل: ما كان فيه ضميرٌ عائدٌ على المبتدأِ فهو الخبرُ.
والمشهورُ: «هُدَايَ» ، وقُرئ: هُدَيَّ، بقلبِ الألفِ ياءً، وإدغامها في ياء المتكلم، وهي لغة هُذَيْل، يقولون في عَصاي: عَصَيَّ، وقال شاعرُهم يرثي بَنيه:
394 - سَبَقوا هَوَيَّ وأَعْنَقُوا لِهَوَاهُمُ ... فَتُخُرِّمُوا ولكلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ
كأنهم لمَّا لم يَصِلوا إلى ما تستحقُّه ياءُ المتكلمِ مِنْ كسرِ ما قبلَها لكونِه ألفاً أتَوا بما يُجَانِسُ الكسرةَ، فقلبوا الألفَ ياءً، وهذه لغةٌ مطردةٌ عندهم، إلا أَنْ تكونَ الألفُ للتثنية فإنهم يُثْبِتُونها نحو: جاء مسلمايَ وغلامايَ.
قولُه: {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} قد تقدَّم أنه يجوزُ أن يكونَ جواباً للشرطِ، فيكونَ في محلِّ جزم، وأن يكونَ خبراً ل «مَنْ» إذا قيل بأنها موصولةٌ، وهو أَوْلَى لمقابلتِه بالموصولِ في قولِه: {والذين كَفَرواْ} فيكونَ في محل رفع، و «لا» يجوز أَنْ تكونَ عاملةً عملَ ليس، فيكونَ «خوفٌ» اسمها، و «عليهم» في محلِّ نصبٍ خبرَها، ويجوز أن تكونَ غيرَ عاملةٍ فيكونَ «خوفٌ» مبتدأ، و «عليهم» في محل رفع خبرَه. وهذا أَوْلَى مِمَّا قَبْله لوجهين، أحدُهما: أنَّ عملَها عملَ ليس قليلٌ ولم يَثْبُتْ إلا بشيءٍ محتملٍ وهو قوله:
395 - تَعَزَّ فلا شيءٌ على الأرضِ باقياً ... ولا وَزرٌ ممَّا قضى اللهُ واقِيَا
والثاني: أنَّ الجملة التي بعدها وهي: {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} تُعَيِّنُ أن تكونَ «لا» فيها غيرَ عاملةٍ لأنها لا تعملُ في المعارفِ، فَجَعْلُها غيرَ عاملةٍ فيه مشاكلةٌ لِما بعدها، وقد وَهِمَ بعضُهم فَجَعَلها عاملةً في المعرفة مستدلاًّ بقوله:
396 - وحَلَّتْ سوادَ القلبِ لا أنا باغياً ... سِواها في حُبِّها مُتَراخِيا
ف «أنا» اسمُها و «باغياً» خبرُها. قيل: ولا حُجَّةَ فيه لأنَّ «باغياً» حال عاملُها محذوفٌ هو الخبرُ في الحقيقة تقديره: ولا أنا أرى باغِياً، أو يكونُ التقديرُ: ولا أُرَى باغيا، فلمَّا حُذِفَ الفعلُ انفصلَ الضميرُ.
وقُرِئَ: «فلا خَوْفُ» بالرفعِ مِنْ غيرِ تنوين، والأحسنُ فيه أَنْ تكونَ الإِضافةُ مقدرةً أي: خوفُ شيءٍ، وقيلَ: لأنه على نيةِ الألفِ واللامِ، وقيل: حَذَفَ التنوينَ تخفيفاً. وقرئ: «فلا خوفَ» مبنياً على الفتح، لأنها لا التبرئة وهي أبلغُ في النفي، ولكن الناسَ رجَّحوا قراءةَ الرفع، قال أبو البقاء: «لوجهَيْنِ، أحدُهما: أنه عُطِف عليه ما لا يجوزُ فيه إلا الرفعُ وهو قولُه:» ولا هم «لأنه معرفةٌ، و» لا «لا تعملُ في المعارِفِ، فالأَوْلى أن يُجْعَلَ المعطوفُ عليه كذلك لتتشاكلَ الجملتان» ، ثم نظَّره بقولِهم: «قام زيد وعمراً كلَّمْتُه» يعني في ترجيحِ النصب في جملة الاشتغالِ للتشاكل. ثم قال: «والوجهُ الثاني من جهة المعنى، وذلك أنَّ البناءَ يَدُلُّ على نفي الخوفِ عنهم بالكُلِّيَّة، وليس المراد ذلك، بل المرادُ نفيُه عنهم في الآخرةِ. فإنْ قيل: لِمَ لا يكونُ وجهُ الرفعِ أنَّ هذا الكلامَ مذكورٌ في جزاءِ مَنِ اتَّبع الهدى، ولا يَليق أن يُنْفَى عنهم الخوفُ اليسيرُ ويُتَوَهَّمَ ثَبوتُ الخوفِ الكثير؟ قيل: الرفعُ يجوزُ أَنْ يُضْمَرَ معه نفيُ الكثيرِ، تقديرُه: لا خوفٌ كثيرٌ عليهم، فيُتَوَهَّمَ ثبوتَ القليلِ، وهو عكسُ ما قُدِّر في السؤال فبانَ أنَّ الوجهَ في الرفعِ ما ذكرنا» . انتهى.
قولُه تعالى: {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} تقدَّم أنه جملةٌ منفيةٌ وأنَّ الصحيحَ أنَّها غيرُ عاملةٍ، و «يَحْزنون» في محلِّ رفعٍ خبراً للمبتدأ، وعلى هذا القولِ الضعيفِ يكون في محل نصب.
والخوفُ: الذُّعْرُ والفَزَع، يقال: خافَ يخاف فهو خائِفٌ والأصل: خَوِف بزون عَلِمَ، ويتعدَّى بالهمزةِ والتضعيف. قال تعالى: {وَنُخَوِّفُهُمْ} [الإسراء: 60] ، ولا يكونُ إلا في الأمر المستقبل. والحزنُ ضدُّ السرورِ، وهو مأخوذٌ من الحَزْن، وهو ما غَلُظَ من الأرض فكأنه ما غَلُظ من الهمِّ، ولا يكون إلا في الأمرِ الماضي، يقال: حَزِن يَحْزَن حُزْناً وحَزَناً. ويتعدَّى بالهمزةِ نحو: أَحْزَنْتُه، وحَزَّنْتُه، بمعناه، فيكون فَعَّل وأَفْعَلَ بمعنى. وقيل: أَحْزَنَه حَصَّل له حُزْناً. وقيل: الفتحةُ مُعَدِّيةٌ للفعلِ نحو: شَتِرَتْ عينُه وشَتَرها الله، وهذا على قولِ مَنْ يَرَى أنَّ الحركةَ تُعَدِّي الفعلَ. وقد قُرِئ باللغتين: «حَزَنَه وأَحْزَنه» وسيأتي تحقيقهما.

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
هبط
الهُبُوط: الانحدار على سبيل القهر كهبوط الحجر، والهَبُوط بالفتح: المنحدر. يقال: هَبَطْتُ أنا، وهَبَطْتُ غيري، يكون اللازم والمتعدّي على لفظ واحد. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة : 74] يقال: هَبَطْتُ وهَبَطْتُهُ هَبْطاً، وإذا استعمل في الإنسان الهُبُوط فعلى سبيل الاستخفاف بخلاف الإنزال، فإنّ الإنزال ذكره تعالى في الأشياء التي نبّه على شرفها، كإنزال الملائكة والقرآن والمطر وغير ذلك. والهَبُوطُ ذكر حيث نبّه على الغضّ نحو: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة : 36] ، ﴿فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ [الأعراف : 13] ، ﴿اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة : 61] وليس في قوله: ﴿فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة : 61] تعظيم وتشريف، ألا ترى أنه تعالى قال: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة : 61] ، وقال جلّ ذكره: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً﴾ [البقرة : 38] ويقال: هَبَطَ المَرَضُ لحم العليل: حطّه عنه، والهَبِيط: الضّامر من النّوق وغيرها إذا كان ضمره من سوء غذاء، وقلّة تفقّد.