تفسير قول الله تعالى: (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ). سورة البقرة، الآية: ٢٣
التحرير والتنوير - ابن عاشور
التحرير والتنوير - ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
انْتِقالٌ لِإثْباتِ الجُزْءِ الثّانِي مِن جُزْئَيِ الإيمانِ بَعْدَ أنْ تَمَّ إثْباتُ الجُزْءِ الأوَّلِ مِن ذَلِكَ بِما قَدَّمَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] إلَخْ فَتِلْكَ هي المُناسَبَةُ الَّتِي اقْتَضَتْ عَطْفَ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى جُمْلَةِ ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] ولِأنَّ النَّهْيَ عَنْ أنْ يَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَهم بِمَظِنَّةِ أنْ يُنْكِرُوا أنَّ اللَّهَ نَهى عَنْ عِبادَةِ شُفَعائِهِ ومُقَرَّبِيهِ لِأنَّهم مِن ضَلالِهِمْ كانُوا يَدَّعُونَ أنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] فَقَدِ اعْتَلُّوا لِعِبادَةِ الأصْنامِ بِأنَّ اللَّهَ أقامَها وسائِطَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم، فَزادَتْ بِهَذا مُناسِبَةُ عَطْفِ قَوْلِهِ ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ﴾ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ [البقرة: ٢٢] وأُتِيَ بِإنْ في تَعْلِيقِ هَذا الشَّرْطِ وهو كَوْنُهم في رَيْبٍ، وقَدْ عُلِمَ في فَنِّ المَعانِي اخْتِصاصُ إنْ بِمَقامِ عَدَمِ الجَزْمِ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ، لِأنَّ مَدْلُولَ هَذا الشَّرْطِ قَدْ حَفَّ بِهِ مِنَ الدَّلائِلِ ما شَأْنُهُ أنْ يَقْلَعَ الشَّرْطَ مِن أصْلِهِ بِحَيْثُ يَكُونُ وُقُوعُهُ مَفْرُوضًا فَيَكُونُ الإتْيانُ بِإنْ مَعَ تَحَقُّقِ المُخاطَبِ عِلْمَ المُتَكَلِّمِ بِتَحَقُّقِ الشَّرْطِ تَوْبِيخًا عَلى تَحَقُّقِ ذَلِكَ الشَّرْطِ، كَأنَّ رَيْبَهم في القُرْآنِ مُسْتَضْعَفُ الوُقُوعِ. ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ القُرْآنَ قَدِ اشْتَطَّتْ ألْفاظُهُ ومَعانِيهِ عَلى ما لَوْ تَدَبَّرَهُ العَقْلُ السَّلِيمُ لَجَزَمَ بِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهُ جاءَ عَلى فَصاحَةٍ وبَلاغَةٍ ما عَهِدُوا مِثْلَهُما مِن فُحُولِ بُلَغائِهِمْ، وهم فِيهِمْ مُتَوافِرُونَ مُتَكاثِرُونَ حَتّى لَقَدْ سَجَدَ بَعْضُهم لِبَلاغَتِهِ واعْتَرَفَ بَعْضُهم بِأنَّهُ لَيْسَ بِكَلامِ بَشَرٍ. وقَدِ اشْتَمَلَ مِنَ المَعانِي عَلى ما لَمْ يَطْرُقْهُ شُعَراؤُهم وخُطَباؤُهم وحُكَماؤُهم، بَلْ وعَلى ما لَمْ يَبْلُغْ إلى بَعْضِهِ عُلَماءُ الأُمَمِ. ولَمْ يَزَلِ العِلْمُ في طُولِ الزَّمانِ يُظْهِرُ خَبايا القُرْآنِ ويُبَرْهِنُ عَلى صِدْقِ كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَهَذِهِ الصِّفاتُ كافِيَةٌ لَهم في إدْراكِ ذَلِكَ وهم أهْلُ العُقُولِ الرّاجِحَةِ والفَطِنَةِ الواضِحَةِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها أشْعارُهم وأخْبارُهم وبَداهَتُهم ومُناظَرَتُهم، والَّتِي شَهِدَ لَهم بِها الأُمَمُ في كُلِّ زَمانٍ، فَكَيْفَ يَبْقى بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ مَسْلَكٌ لِلرَّيْبِ فِيهِ إلَيْهِمْ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونُوا مُنْغَمِسِينَ فِيهِ.
ووَجْهُ الإتْيانِ بِفي الدّالَّةِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ الإشارَةُ إلى أنَّهم قَدِ امْتَلَكَهُمُ الرَّيْبُ وأحاطَ بِهِمْ إحاطَةَ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ، واسْتِعارَةُ (في) لِمَعْنى المُلابَسَةِ شائِعَةٌ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِهِمْ: هو في نِعْمَةٍ. وأتى ”نَزَّلَ“ دُونَ أنْزَلَ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ نُجُومًا. وقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ التَّفْسِيرِ أنَّ ”فَعَّلَ“ يَدُلُّ عَلى التَّقَضِّي شَيْئًا فَشَيْئًا، عَلى أنَّ صاحِبَ الكَشّافِ قَدْ ذَكَرَ أنَّ اخْتِيارَهُ هُنا في مَقامِ التَّحَدِّي لِمُراعاةِ ما كانُوا يَقُولُونَ: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ مِن مُثاراتِ شُبَهِهِمْ ناسَبَ ذِكْرَهُ في تَحَدِّيهِمْ أنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ مُنَجَّمَةٍ.
والسُّورَةُ قِطْعَةٌ مِنَ القُرْآنِ مُعَيَّنَةٌ، فَتَمَيُّزُهُ عَنْ غَيْرِها مِن أمْثالِها بِمَبْدَأٍ ونِهايَةٍ تَشْتَمِلُ عَلى ثَلاثِ آياتٍ فَأكْثَرَ في غَرَضٍ تامٍّ أوْ عِدَّةِ أغْراضٍ.
وجَعْلُ لَفْظِ سُورَةٍ اسْمًا جِنْسِيًّا لِأجْزاءَ مِنَ القُرْآنِ اصْطِلاحٌ جاءَ بِهِ القُرْآنُ. وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ السُّورِ، وهو الجِدارُ الَّذِي يُحِيطُ بِالقَرْيَةِ أوِ الحَظِيرَةِ، فاسْمُ السُّورَةِ خاصٌّ بِالأجْزاءِ المُعَيَّنَةِ مِنَ القُرْآنِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ في المُقَدِّمَةِ الثّامِنَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ، وإنَّما كانَ التَّحَدِّي بِسُورَةٍ ولَمْ يَكُنْ بِمِقْدارِ سُورَةٍ مِن آياتِ القُرْآنِ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ وُجُوهِ الإعْجازِ أُمُورًا لا تَظْهَرُ خَصائِصُها إلّا بِالنَّظَرِ إلى كَلامٍ مُسْتَوْفًى في غَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ، وإنَّما تَنْزِلُ سُوَرُ القُرْآنِ في أغْراضٍ مَقْصُودَةٍ، فَلا غِنى عَنْ مُراعاةِ الخُصُوصِيّاتِ المُناسِبَةِ لِفَواتِحِ الكَلامِ وخَواتِمِهِ بِحَسَبِ الغَرَضِ، واسْتِيفاءِ الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ، وصِحَّةِ التَّقْسِيمِ، ونُكَتِ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ، وأحْكامِ الِانْتِقالِ مِن فَنٍّ إلى آخَرَ مِن فُنُونِ الغَرَضِ، ومُناسَباتِ الِاسْتِطْرادِ والِاعْتِراضِ والخُرُوجِ والرُّجُوعِ، وفَصْلِ الجُمَلِ ووَصْلِها، والإيجازِ والإطْنابِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَرْجِعُ إلى نُكَتِ مَجْمُوعِ نَظْمِ الكَلامِ، وتِلْكَ لا تَظْهَرُ مُطابَقَتُها جَلِيَّةً إلّا إذا تَمَّ الكَلامُ واسْتَوْفى الغَرَضُ حَقَّهُ، فَلا جَرَمَ كانَ لِنَظْمِ القُرْآنِ وحُسْنِ سَبْكِهِ إعْجازٌ يَفُوتُ قُدْرَةَ البَشَرِ هو غَيْرُ الإعْجازِ الَّذِي لِجُمَلِهِ وتَراكِيبِهِ وفَصاحَةِ ألْفاظِهِ.
فَكانَتِ السُّورَةُ مِنَ القُرْآنِ بِمَنزِلَةِ خُطْبَةِ الخَطِيبِ وقَصِيدَةِ الشّاعِرِ لا يُحْكَمُ لَها بِالتَّفَوُّقِ إلّا بِاعْتِباراتِ مَجْمُوعِها بَعْدَ اعْتِبارِ أجْزائِها. قالَ الطِّيبِيُّ في حاشِيَةِ الكَشّافِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] في سُورَةِ الأنْفالِ، ولِسِرِّ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ كانَ التَّحَدِّي بِالسُّورَةِ وإنْ كانَتْ قَصِيرَةً دُونَ الآياتِ وإنْ كانَتْ ذَواتِ عَدَدٍ.
والتَّنْكِيرُ لِلْإفْرادِ أوِ النَّوْعِيَّةِ. أيْ بِسُورَةٍ واحِدَةٍ مِن نَوْعِ السُّوَرِ، وذَلِكَ صادِقٌ بِأقَلِّ سُورَةٍ تُرْجِمَتْ بِاسْمٍ يَخُصُّها، وأقَلُّ السُّوَرِ عَدَدُ آياتِ سُورَةِ الكَوْثَرِ. وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ بِالمَدِينَةِ تَبَعًا لِلْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ وكانَ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ في أوَّلِ العَهْدِ بِالهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ فَكانَ المُشْرِكُونَ كُلُّهم ألْبًا عَلى النَّبِيءِ ﷺ يَتَداوَلُونَ الإغْراءَ بِتَكْذِيبِهِ وصَدِّ النّاسِ عَنِ اتِّباعِهِ، فَأُعِيدَ لَهُمُ التَّحَدِّي بِإعْجازِ القُرْآنِ الَّذِي كانَ قَدْ سَبَقَ تَحَدِّيهِمْ بِهِ في سُورَةِ يُونُسَ وسُورَةِ هُودٍ وسُورَةِ الإسْراءِ.
وقَدْ كانَ التَّحَدِّي أوَّلًا بِالإتْيانِ بِكِتابٍ مِثْلِ ما نَزَلَ مِنهُ، فَفي سُورَةِ الإسْراءِ ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] فَلَمّا عَجَزُوا اسْتُنْزِلُوا إلى الإتْيانِ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ في سُورَةِ هُودٍ. ثُمَّ اسْتُنْزِلُوا إلى الإتْيانِ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ في سُورَةِ يُونُسَ.
والمِثْلُ أصْلُهُ المَثِيلُ والمُشابِهُ تَمامَ المُشابَهَةِ، فَهو في الأصْلِ صِفَةٌ يَتْبَعُ مَوْصُوفًا، ثُمَّ شاعَ إطْلاقُهُ عَلى الشَّيْءِ المُشابِهِ المُكافِئِ.
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿مِن مِثْلِهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى ما نَزَّلْنا أيْ مِن مِثْلِ القُرْآنِ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى عَبْدِنا، فَإنْ أُعِيدَ إلى ما نَزَّلْنا أيْ مِن مِثْلِ القُرْآنِ فالأظْهَرُ أنَّ ”مِن“ ابْتِدائِيَّةٌ أيْ سُورَةٍ مَأْخُوذَةٍ مِن مِثْلِ القُرْآنِ أيْ كِتابٍ مِثْلِ القُرْآنِ، والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةٌ لِسُورَةٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ (مِن) تَبْعِيضِيَّةً أوْ بَيانِيَّةً أوْ زائِدَةً.
وقَدْ قِيلَ بِذَلِكَ كُلِّهِ، وهي وُجُوهٌ مَرْجُوحَةٌ، وعَلى الجَمِيعِ فالجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةٌ لِسُورَةٍ، أيْ هي بَعْضُ مِثْلِ ما نَزَّلْنا - ومِثْلُ اسْمٌ حِينَئِذٍ بِمَعْنى المُماثِلِ - أوْ سُورَةٌ مِثْلُ ما نَزَّلْنا و(مِثْلُ) صِفَةٌ عَلى احْتِمالَيْ كَوْنِ مِن بَيانِيَّةً أوْ زائِدَةً، وكُلُّ هَذِهِ الأوْجُهِ تَقْتَضِي أنَّ المِثْلَ سَواءً كانَ صِفَةً أوِ اسْمًا فَهو مِثْلٌ مُقَدَّرٌ بِناءً عَلى اعْتِقادِهِمْ وفَرْضِهِمْ، ولا يَقْتَضِي أنَّ هَذا المِثْلَ مَوْجُودٌ، لِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ مَساقَ التَّعْجِيزِ. وإنْ أُعِيدَ الضَّمِيرُ لِـ ”عَبْدِنا“ فَمِن لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ ائْتُوا وهي ابْتِدائِيَّةٌ، وحِينَئِذٍ فالجارُّ والمَجْرُورُ ظَرْفُ لَغْوٍ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ. ويَجُوزُ كَوْنُ الجارِّ والمَجْرُورِ صِفَةً لِسُورَةٍ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ، والمَعْنى فِيهِما: ائْتُوا بِسُورَةٍ مُنْتَزَعَةٍ مِن رَجُلٍ مِثْلِ مُحَمَّدٍ في الأُمِّيَّةِ، ولَفْظُ ”مِثْلِ“ إذَنِ اسْمٌ.
وقَدْ تَبَيَّنَ لَكَ أنَّ لَفْظَ مِثْلٍ في الآيَةِ لا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الكِنايَةَ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] بِناءً عَلى أنَّ لَفْظَ (مِثْلِ) كِنايَةٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ إذْ لا يَسْتَقِيمُ المَعْنى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ، أوْ مِن مُحَمَّدٍ خِلافًا لِمَن تَوَهَّمَ ذَلِكَ مِن كَلامِ الكَشّافِ، وإنَّما لَفْظُ مِثْلٍ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الصَّرِيحِ إلّا أنَّهُ أشْبَهَ المُكْنى بِهِ عَنْ نَفْسِ المُضافِ هو إلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّ المِثْلَ هُنا عَلى تَقْدِيرِ الإسْمِيَّةِ غَيْرُ مُتَحَقَّقِ الوُجُودِ، إلّا أنَّ سَبَبَ انْتِفاءِ تَحَقُّقِهِ هو كَوْنُهُ مَفْرُوضًا، فَإنَّ كَوْنَ الأمْرِ لِلتَّعْجِيزِ يَقْتَضِي تَعَذُّرَ المَأْمُورِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ مِن هاتِهِ الوُجُوهِ بِمُقْتَضٍ وُجُودَ مِثْلٍ لِلْقُرْآنِ حَتّى يُرادَ بِهِ بَعْضُ الوُجُوهِ كَما تَوَهَّمَهُ التَّفْتَزانِيُّ. وعِنْدِي أنَّ الِاحْتِمالاتِ الَّتِي احْتَمَلَها قَوْلُهُ ﴿مِن مِثْلِهِ﴾ كُلَّها مُرادَةٌ لِرَدِّ دَعاوِي المُكَذِّبِينَ في اخْتِلافِ دَعاوِيهِمْ، فَإنَّ مِنهم مَن قالَ: القُرْآنُ كَلامُ بَشَرٍ. ومِنهم مَن قالَ: هو مُكْتَتَبٌ مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ.
وهاتِهِ الوُجُوهُ في مَعْنى الآيَةِ تُفَنِّدُ جَمِيعَ الدَّعاوِي، فَإنْ كانَ كَلامَ بَشَرٍ فَأتَوْا بِمُماثِلِهِ أوْ بِمِثْلِهِ، وإنْ كانَ مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ فَأْتُوا أنْتُمْ بِجُزْءٍ مِن هَذِهِ الأساطِيرِ، وإنْ كانَ يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ فَأْتُوا أنْتُمْ مِن عِنْدِهِ بِسُورَةٍ فَما هو بِبَخِيلٍ عَنْكم إنْ سَألْتُمُوهُ.
وكُلُّ هَذا إرْخاءٌ لِعِنانِ المُعارَضَةِ وتَسْجِيلٌ لِلْإعْجازِ عِنْدَ عَدَمِها. فالتَّحَدِّي عَلى صِدْقِ القُرْآنِ هو مَجْمُوعُ مُماثَلَةِ القُرْآنِ في ألْفاظِهِ وتَراكِيبِهِ، ومُماثِلَةُ الرَّسُولِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ في أنَّهُ أُمِّيٌّ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ تَعْلِيمٌ ولا يَعْلَمُ الكُتُبَ السّالِفَةَ، قالَ تَعالى ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمُ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ [العنكبوت: ٥١] فَذَلِكَ مَعْنى المُماثِلَةِ، فَلَوْ أتَوْا بِشَيْءٍ مِن خُطَبِ أوْ شِعْرِ بُلَغائِهِمْ غَيْرَ مُشْتَمِلٍ عَلى ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إتْيانًا بِما تَحَدّاهم بِهِ، ولَوْ أتَوْا بِكَلامٍ مُشْتَمِلٍ عَلى مَعانٍ تَشْرِيعِيَّةٍ أوْ مِنَ الحِكْمَةِ مِن تَأْلِيفِ رَجُلٍ عالِمٍ حَكِيمٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إتْيانًا بِما تَحَدّاهم بِهِ. فَلَيْسَ في جَعْلِ (مِن) ابْتِدائِيَّةً إيهامُ إجْزاءِ أنْ يَأْتُوا بِشَيْءٍ مِن كَلامِ بُلَغائِهِمْ لِأنَّ تِلْكَ مُماثَلَةٌ غَيْرُ تامَّةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ أيِ ائْتُوا بِها وادْعُوا شُهَداءَكم. والدُّعاءُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى طَلَبِ حُضُورِ المَدْعُوِّ، وبِمَعْنى اسْتِعْطافِهِ وسُؤالِهِ لِفِعْلٍ ما، قالَ أبُو فِراسٍ يُخاطِبُ سَيْفَ الدَّوْلَةِ لِيَفْدِيَهُ مِن أسْرِ مَلِكِ الرُّومِ:
دَعَوْتُكَ لِلْجَفْنِ القَرِيحِ المُسَهَّدِ لَدَيَّ ولِلنَّوْمِ الطَّرِيدِ المُشَرَّدِ
والشُّهَداءُ جَمْعُ شَهِيدٍ، فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ مِن شَهِدَ إذا حَضَرَ، وأصْلُهُ الحاضِرُ، قالَ تَعالى ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] ثُمَّ اسْتُعْمِلَ هَذا اللَّفْظُ فِيما يُلازِمُهُ الحُضُورُ مَجازًا أوْ كِنايَةً لا بِأصْلِ وضْعِ اللَّفْظِ، وأُطْلِقَ عَلى النَّصِيرِ عَلى طَرِيقَةِ الكِنايَةِ، فَإنَّ الشّاهِدَ يُؤَيِّدُ قَوْلَ المَشْهُودِ فَيَنْصُرُهُ عَلى مَعارِضِهِ، ولا يُطْلَقُ الشَّهِيدُ عَلى الإمامِ والقُدْوَةِ وأثْبَتَهُ البَيْضاوِيُّ، ولا يُعْرَفُ في كُتُبِ اللُّغَةِ ولا في كَلامِ المُفَسِّرِينَ. ولَعَلَّهُ انْجَرَّ إلَيْهِ مِن تَفْسِيرِ الكَشّافِ لِحاصِلِ مَعْنى الآيَةِ فَتَوَهَّمَهُ مَعْنًى وضْعِيًّا، فالمُرادُ هُنا ادْعُوا آلِهَتَكم بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ ادْعُوهم مِن دُونِ اللَّهِ كَدَأْبِكم في الفَزَعِ إلَيْهِمْ عِنْدَ مُهِمّاتِكم مُعْرِضِينَ بِدُعائِهِمْ واسْتِنْجادِهِمْ عَنْ دُعاءِ اللَّهِ واللَّجَأِ إلَيْهِ، فَفي الآيَةِ إدْماجُ تَوْبِيخِهِمْ عَلى الشِّرْكِ في أثْناءِ التَّعْجِيزِ عَنِ المُعارَضَةِ، وهَذا الإدْماجُ مِن أفانِينِ البَلاغَةِ أنْ يَكُونَ مُرادُ البَلِيغِ غَرَضَيْنِ فَيُقْرِنُ الغَرَضَ المَسُوقَ لَهُ الكَلامُ بِالغَرَضِ الثّانِي، وفِيهِ تَظْهَرُ مَقْدِرَةُ البَلِيغِ إذْ يَأْتِي بِذَلِكَ الِاقْتِرانِ بِدُونِ خُرُوجٍ عَنْ غَرَضِهِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ ولا تَكَلُّفَ. قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ: آذَنَتْنا بِبَيْنِها أسْماءُ ∗∗∗ رُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ مِنهُ الثَّواءُفَإنَّ قَوْلَهُ رُبَّ ثاوٍ عِنْدَ ذِكْرِ بُعْدِ الحَبِيبَةِ والتَّحَسُّرِ مِنهُ كِنايَةٌ عَنْ أنْ لَيْسَتْ هي مِن هَذا القَبِيلِ الَّذِي يُمَلُّ ثَواؤُهُ. وقَدْ قَضى بِذَلِكَ حَقَّ إرْضائِها بِأنَّهُ لا يَحْفِلُ بِإقامَةِ غَيْرِها، وقَدْ عُدَّ الإدْماجُ مِنَ المُحَسِّناتِ البَدِيعَةِ، وهو جَدِيرٌ بِأنْ يُعَدَّ في الأبْوابِ البَلاغِيَّةِ في مَبْحَثِ الإطْنابِ أوْ تَخْرِيجِ الكَلامِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ. فَإنَّ آلِهَتَهم أنْصارٌ لَهم في زَعْمِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: ادْعُوا نُصَراءَكم مِن أهْلِ البَلاغَةِ فَيَكُونُ تَعْجِيزًا لِلْعامَّةِ والخاصَّةِ.
وادْعُوا مَن يَشْهَدُ بِمُماثَلَةِ ما أتَيْتُمْ بِهِ لِما نَزَّلْنا، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا﴾ [الأنعام: ١٥٠] ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (ادْعُوا) أوْ مِن (شُهَداءَكم) أيْ في حالِ كَوْنِكم غَيْرَ داعِينَ لِذَلِكَ اللَّهَ أوْ حالِ كَوْنِ الشُّهَداءِ غَيْرَ اللَّهِ، بِمَعْنى: اجْعَلُوا جانِبَ اللَّهِ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ كالجانِبِ المَشْهُودِ عَلَيْهِ، فَقَدَ آذَنّاكم بِذَلِكَ تَيْسِيرًا عَلَيْكم؛ لِأنَّ شِدَّةَ تَسْجِيلِ العَجْزِ تَكُونُ بِمِقْدارِ تَيْسِيرِ أسْبابِ العَمَلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (دُونِ) بِمَعْنى أمامَ وبَيْنَ يَدَيْ، يَعْنِي ادْعُوا شُهَداءَكم بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، واسْتُشْهِدَ لَهُ بِقَوْلِ الأعْشى:
تُرِيكَ القَذى مِن دُونِها وهْيَ دُونَهُ ∗∗∗ إذا ذاقَها مَن ذاقَها يَتَمَطَّقُ
كَما جُوِّزَ أنْ يَكُونَ (﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾) بِمَعْنى مِن دُونِ حِزْبِ اللَّهِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، أيْ أحْضِرُوا شُهَداءَ مِنَ الَّذِينَ هم عَلى دِينِكم فَقَدْ رَضِيناهم شُهُودًا، فَإنَّ البارِعَ في صِناعَةٍ لا يَرْضى بِأنْ يَشْهَدَ بِتَصْحِيحِ فاسِدِها وعَكْسِهِ إباءَةَ أنْ يُنْسَبَ إلى سُوءِ المَعْرِفَةِ أوِ الجَوْرِ، وكَلاهُما لا يَرْضاهُ ذُو المُرُوءَةِ، وقَدِيمًا كانَتِ العَرَبُ تَتَنافَرُ وتَتَحاكَمُ إلى عُقَلائِها وحُكّامِها فَما كانُوا يَحْفَظُونَ لَهم غَلَطًا أوْ جَوْرًا. وقَدْ قالَ السَّمَوْألُ:
إنّا إذا مالَتْ دَواعِي الهَوى ∗∗∗ وأنْصَتَ السّامِعُ لِلْقائِلِ
لا نَجْعَلُ الباطِلَ حَقًّا ولا ∗∗∗ نَلَظُّ دُونَ الحَقِّ بِالباطِلِ
نَخافُ أنْ تُسَفَّهَ أحْلامُنا ∗∗∗ فَنَخْمُلُ الدَّهْرَ مَعَ الخامِلِ
وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَجِيءُ قَوْلُ الفُقَهاءِ: إنَّ شَهادَةَ أهْلِ المَعْرِفَةِ بِإثْباتِ العُيُوبِ أوْ بِالسَّلامَةِ لا تُشْتَرَطُ فِيها العَدالَةُ، وكُنْتُ أُعَلِّلُ ذَلِكَ في دُرُوسِ الفِقْهِ بِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ العَدالَةِ تَحَقُّقُ الوازِعِ عَنْ شَهادَةِ الزُّورِ، وقَدْ قامَ الوازِعُ العِلْمِيُّ في شَهادَةِ أهْلِ المَعْرِفَةِ مَقامَ الوازِعِ الدِّينِيِّ لِأنَّ العارِفَ حَرِيصٌ ما اسْتَطاعَ أنْ لا يُؤْثَرَ عَنْهُ الغَلَطُ والخَطَأُ، وكَفى بِذَلِكَ وازِعًا عَنْ تَعَمُّدِهِ، وكَفى بِعِلْمِهِ مَظِنَّةً لِإصابَةِ الصَّوابِ، فَحَصَلَ المَقْصُودُ مِنَ الشَّهادَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ اعْتِراضٌ في آخِرِ الكَلامِ وتَذْيِيلٌ. أتى بِإنِ الشَّرْطِيَّةِ الَّتِي الأصْلُ في شَرْطِها أنْ يَكُونَ غَيْرَ مَقْطُوعٍ بِوُقُوعِهِ، لِأنَّ صِدْقَهم غَيْرُ مُحْتَمَلِ الوُقُوعِ، و(﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾) في أنَّ القُرْآنَ كَلامُ بَشَرٍ وأنَّكم أتَيْتُمْ بِمِثْلِهِ.
والصِّدْقُ ضِدُّ الكَذِبِ، وهُما وصْفانِ لِلْخَبَرِ لا يَخْلُو عَنْ أحَدِهِما، فالصِّدْقُ أنْ يَكُونَ مَدْلُولُ الكَلامِ الخَبَرِيِّ مُطابِقًا ومُماثِلًا لِلْواقِعِ في الخارِجِ أيْ في الوُجُودِ الخارِجِيِّ احْتِرازًا عَنِ الوُجُودِ الذِّهْنِيِّ. والكَذِبُ ضِدُّ الصِّدْقِ وهو أنْ يَكُونَ مَدْلُولُ الكَلامِ الخَبَرِيِّ غَيْرَ مُطابِقٍ أيْ غَيْرَ مُماثِلٍ لِلْواقِعِ في الخارِجِ.
والكَلامُ مَوْضُوعٌ لِلصِّدْقِ وأمّا الكَذِبُ فاحْتِمالٌ عَقْلِيٌّ، والإنْشاءُ لا يُوصَفُ بِصِدْقٍ ولا كَذِبٍ إذْ لا مَعْنى لِمُطابَقَتِهِ لِما في نَفْسِ الأمْرِ لِأنَّهُ إيجادٌ لِلْمَعْنى لا لِلْأُمُورِ الخارِجِيَّةِ.
هَذا مَعْنى الصِّدْقِ والكَذِبِ في الإطْلاقِ المَشْهُورِ، وقَدْ يُطْلَقُ الكَذِبُ صِفَةَ ذَمٍّ فَيُلاحَظُ في مَعْناهُ حِينَئِذٍ أنَّ مُخالَفَتَهُ لِلْواقِعِ كانَتْ عَنْ تَعَمُّدٍ فَتَوَّهَمَ الجاحِظُ أنَّ ماهِيَّةَ الكَذِبِ تَتَقَوَّمُ مِن عَدَمِ مُطابَقَةِ الخَبَرِ لِلْواقِعِ ولِلِاعْتِقادِ مَعًا وسَرى هَذا التَّقَوُّمُ إلى ماهِيَّةِ الصِّدْقِ فَجَعَلَ قِوامَها المُطابَقَةَ لِلْخارِجِ والِاعْتِقادَ مَعًا، ومِن هُنا أثْبَتَ الواسِطَةَ بَيْنَ الصِّدْقِ والكَذِبِ. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ الرّاغِبِ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الخِلافُ لَفْظِيًّا ومَحَلُّ بَسْطِهِ في عِلْمَيِ الأُصُولِ والبَلاغَةِ.
والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دَعْوى أنَّ القُرْآنَ كَلامُ بَشَرٍ، فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (صادِقِينَ) لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ جُمْلَةٌ مُقَدَّرَةٌ بَعْدَ جُمْلَةِ ﴿وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ إذِ التَّقْدِيرُ: فَتَأْتُونَ بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ، ودَلَّ عَلى الجُمْلَةِ المُقَدَّرَةِ قَوْلُهُ قَبْلَها ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ وتَكُونُ الجُمْلَةُ المُقَدَّرَةُ دَلِيلًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ فَتَصِيرُ جُمْلَةُ (﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾) تَكْرِيرًا لِلتَّحَدِّي. وفي هَذِهِ الآيَةِ إثارَةٌ لِحَماسِهِمْ إذْ عَرَّضَ بِعَدَمِ صِدْقِهِمْ فَتَتَوَفَّرُ دَواعِيهِمْ عَلى المُعارَضَةِ.
الدر المصون - السمين الحلبي
الدر المصون للسمين الحلبي - السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قولُه تعالى: {وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا فَأْتُواْ} : إنْ حرف شرطٍ يَجْزِم فعلينِ شرطاً وجزاءً، ولا يكونُ إلا في المحتملِ وقوعُه، وهي أمُّ ألبابِ، فلذلك يُحْذَفُ مجزومُها كثيراً، وقد يُحْذَفُ الشرطُ والجزاءِ معاً، قال:
270 - قالَتْ بناتُ العَمِّ يا سَلْمى وإنْ ... كانَ فقيراً مُعْدِماً قالَتْ: وإنْ أي: وإن كان فقيراً تزوجتُه، وتكونُ «إنْ» نافيةً لتعملُ وتُهْمَلُ، وتكون مخففةً وزائدةً باطِّراد وعدمِه، وأجاز بعضُهم أن تكونَ بمعنى إذْ، وبعضُهم أن تكونَ بمعنى قد، ولها أحكامٌ كثيرة. و «في ريب» خبر كان، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، ومحلُّ «كان» الجزمُ، وهي وإن كانَتْ ماضيةً لفظاً فهي مستقبلةٌ معنى.
وزعم المبردُ أنَّ ل «كان» الناقصةِ حكماً مع «إنْ» ليس لغيرها من الأفعالِ الناقصةِ فزعم أن لقوةِ «كان» أنَّ «إنْ» الشرطية لا تَقْلِبُ معناها إلى الاستقبال، بل تكونُ على معناها من المضيِّ، وتبعه في ذلك أبو البقاء، وعَلَّلَ ذلك بأنه كثُر استعمالُها غيرَ دالَّةٍ على حَدَثٍ. وهذا مردودٌ عند الجمهورِ لأن التعليقَ إنما يكون في المستقبلِ، وتأوَّلوا ما ظاهرُه غيرُ ذلك، نحو: {إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ} [يوسف: 26] : إمَّا بإضمار «يَكُنْ» بعد «إنْ» ، وإمَّا على التبيين، والتقديرُ: إنْ يكُنْ قميصُه أو إن يَتبيَّنْ كونُ قميصِه، ولمَّا خَفِيَ هذا المعنى على بعضهم جَعَل «إنْ» هنا بمنزلة «إذْ» .
وقوله: «في ريبٍ» مجازٌ من حيث إنه جَعَلَ الريبَ ظرفاً محيطاً بهم، بمنزلةِ المكانِ لكثرةِ وقوعِه منهم. و «مِمَّا» يتعلقُ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ لريب فهو في محلِّ جَرٍّ. و «مِنْ» للسببية أو ابتداءِ الغاية، ولا يجوزُ أن تكونَ للتبعيضِ، ويجوز أن تتعلَّق بريب، أي: إن ارتَبْتُمْ من أجل، ف «مِنْ» هنا للسببيةِ «وما» موصولةٌ أو نكرةٌ موصوفةٌ، والعائدُ على كلا القولين محذوفٌ أي: نَزَّلناه. والتضعيفُ في «نزَّلنا» هنا للتعدية مرادفاً لهمزةِ التعدِّي، ويَدُلُّ عليه قراءةُ «أنْزَلْنا» بالهمز، وجَعَلَ الزمخشري التضعيفَ هنا دالاًّ على نزولِه مُنَجَّماً في أوقاتٍ مختلفة. قال بعضُهم: «وهذا الذي ذهبَ إليه في تضعيفِ الكلمة هنا هو الذي يُعَبَّر عنه بالتكثير، أي يَفْعَلُ [ذلك] مرةً بعد مرةٍ، فَيُدَلُّ على ذلك بالتضعيفِ، ويُعَبَّرُ عنه بالكثرةِ» . قال: «وذَهَلَ عن قاعدةٍ وهي أن التضعيفَ الدالَّ على ذلك من شرطه أن يكونَ في الأفعال المتعديةِ قبل التضعيفِ غالباً نحو: جَرَّحْتُ زيداً وفتَّحْتُ الباب، ولا يُقال: جَلَّس زيدٌ، ونَزَّل لم يكن متعدياً قبلَ التضعيفِ، وإنَّ ما جَعَلَه متعدياً تضعيفُه.
وقولُه «غالباً» لأنه قد جاء التضعيفُ دالاًّ على الكثرة في اللازم قليلاً نحو: «مَوَّت المالُ» وأيضاً فالتضعيفُ الدالُّ على الكثرةِ لاَ يَجْعَلُ القاصرَ متعدياً كما تقدَّم في موَّت المال، ونَزَّل كان قاصراً فصار بالتضعيفِ متعدِّياً، فدلَّ على أن تضعيفه للنقل لا للتكثير، وأيضاً كان يَحْتاج قولُه/ تعالى: {لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ القرآن جُمْلَةً وَاحِدَةً} [الفرقان: 32] إلى تأويل، وأيضاً فقد جاء التضعيفُ حيث لا يمكنُ فيه التكثيرُ نحو قوله تعالى: {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ} [الأنعام: 37] {لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السمآء مَلَكاً رَّسُولاً} [الإسراء: 95] إلا بتأويل بعيدٍ جداً، إذ ليس المعنى على أنهم اقترحوا تكرير نزول آيةٍ، ولا أنه عَلَّق تكريرَ نزولِ مَلَكٍ رسولٍ على تقديرِ كونِ ملائكةٍ في الأرض.
وفي قوله: «نَزَّلْنا» التفاتٌ من الغَيْبةِ إلى التكلُّمِ لأنَّ قبلَه: {اعبدوا رَبَّكُمُ} ، فلو جاء الكلامُ عليه لقيل: ممَّا نَزَّلَ على عبدِه، ولكنه التفت للتفخيمِ. و «على عبدنا» متعلِّقٌ بنزَّلنا، وعُدِّي ب «على» لإفادتها الاستعلاءَ، كأنَّ المُنَزَّل تَمَكَّنَ من المنزولِ عليه ولبسه، ولهذا جاء أكثرُ القرآن بالتعدِّي بها، دونَ «إلى» ، فإنها تفيدُ الانتهاء والوصولَ فقط، والإِضافة في «عبدِنا» تفيدُ التشريف كقوله:
271 - يا قومِ قلبي عندَ زهْراءِ ... يَعْرِفُه السامعُ والرائي
لا تَدْعُني إلاَّ بيا عبدَها ... فإنه أَشْرَفُ أسمائي
وقُرئ: «عبادِنا» ، فقيل: المرادُ النبيُّ عليه السلام وأمته، لأنَّ جَدْوَى المنزَّلِ حاصلٌ لهم. وقيل: المرادُ بهم جميعُ الأنبياءِ عليهم السلام.
قوله تعالى: «فَأْتُواْ» جوابُ الشرط، والفاءُ هنا واجبةٌ لأنَّ ما بعدها لا يَصِحُّ أن يكونَ شرطاً بنفسِه، وأصلُ فأْتُوا: اإْتِيُوا مثل: اضْربوا فالهمزة الأولى همزةُ وصلٍ أُتي بها للابتداءِ بالساكنِ، والثانيةُ فاءُ الكلمةِ، اجتمع همزتان، وَجَبَ قَلْبُ ثانيهما ياءً على حدِّ «إيمان» وبابِه، واستُثْقِلَتِ الضمةُ على الياءِ التي هي لامُ الكلمةِ فَقُدِّرَتْ، فَسَكَنَتِ الياءُ وبعدها واوُ الضميرِ ساكنةٌ فَحُذِفَتِ الياءُ لالتقاءِ الساكنينِ، وضُمَّتِ التاءُ للتجانُسِ فوزنُ ايتوا: افْعُوا، وهذه الهمزةُ إنما يُحتاجُ إليها ابتداءً، أمَّا في الدَّرْجِ فإنه يُسْتَغْنى عنها وتعودُ الهمزةُ التي هي فاءُ الكلمةِ لأنها إنما قُلِبَت ياءً للكسر الذي كان قبلها، وقد زال نحو: «فَأْتوا» وبابِه وقد تُحْذَفُ الهمزةُ التي هي فاءُ الكلمةِ في الأمرِ كقوله:
272 - فإنْ نحنُ نَنْهَضْ لكم فَنَبُرَّكُمْ ... فَتُونا فعادُونا إذاً بالجرائمِ
يريد: فَأْتونا كقوله: فَأْتوا. وبسورة متعلق ب أتوا «.
قوله تعالى: {مِّن مِّثْلِهِ} في الهاء ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُها: أنها تعودُ على ما نَزَّلنا، فيكون مِنْ مثله صفةً لسورة، ويتعلّقُ بمحذوفٍ على ما تقرَّر، أي: بسورةٍ كائنةٍ من مثلِ المنزَّل في فصاحتِه وإخبارِه بالغُيوبِ وغيرِ ذلك، ويكونُ معنى» مِنْ «التبعيضَ، وأجاز ابن عطية والمهدوي أن تكون للبيان، وأجازا هما وأبو البقاء أن تكون زائدةً، ولا تجيء إلا على قول الأخفش.
الثاني: أنها تعودُ على «عبدِنا» فيتعلَّقُ «من مثله» بأْتُوا، ويكون معنى «مِنْ» ابتداءَ الغاية، ويجوز على هذا الوجه أيضاً أن تكونَ صفةً لسورة، أي: بسورةٍ كائنة من رجلٍ مثلِ عبدِنا. الثالث: قال أبو البقاء: «إنها تعود على الأنداد بلفظِ المفرد كقوله: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنعام لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ} [النحل: 66] قلت: ولا حاجةَ تَدْعو إلى ذلك، والمعنى يَأْباه أيضاً.
والسُّورة: الدرجةُ الرفيعة، قال النابغة:
273 - ألم ترَ أنَّ الله أعطاكَ سُورةً ... ترى كلَّ مَلْكٍ دونَها يَتَذَبْذَبُ وسُمِّيَتْ سورةُ القرآنِ بذلك لأنَّ صاحبَها يَشْرُفُ بها وَترْفَعُه. وقيل: اشتقاقُها من السُّؤْر وهو البَقِيَّة، ومنه» أَسْأَروا في الإِناء «قال الأعشى:
274 - فبانَتْ وقد أَسْأَرَتْ في الفؤا ... دِ صَدْعاً على نَأَيِها مُسْتطيرا
أي: أَبْقَتْ، ويَدُلُّ على ذلك أنَّ تميماً وغيرَها يهمزون فيقولون: سُؤْرة بالهمز، وسُمِّيت سورةُ القرآن بذلك لأنها قطعةٌ منه، وهي على هذا مخففةٌ من الهمزة، وقيل: اشتقاقُها من سُورِ البِناءِ لأنها تُحيط بقارئها وتحفظُه كسُورِ المدينة، ولكنَّ جَمْعَ سُورةِ القرآن سُوَر بفتح الواو، وجَمْعَ سُورةِ البِناء سُوْر بسكونِها فَفرَّقوا بينها في الجمعِ.
قوله تعالى: {وادعوا شُهَدَآءَكُم} هذه جملةُ أمرٍ معطوفةٌ على الأمر قبلها، فهي في محلِّ جَزْم أيضاً. ووزنُ ادْعُوا: افْعُوا لأن لام الكلمةِ محذوفٌ دلالةً على السكونِ في الأمر/ الذي هو جَزْم في المضارع، والواوُ ضميرُ الفاعِلِين و» شهداءَكم «مفعولٌ به جمعُ شهيد كظريف، وقيل: بل جمعُ شاهد كشاعر والأولُ أَوْلى لاطِّراد فُعَلاء في فَعِيل دونَ فاعلِ والشهادةُ: الحضور.
و {مِّن دُونِ الله} متعلقٌ بادْعُوا، أي: ادْعُوا مِنْ دونِ الله شهداءكم، فلا تستشهدوا بالله، فكأنه قال: وادعُوا من غير الله مَنْ يشهَدْ لكم، ويُحتمل أَنْ يَتَعَلَّقَ ب» شهداءَكم «، والمعنى: ادعُوا مَن اتخذتموه آلهةً مِنْ دونِ الله وَزَعَمْتُم أنهم يَشْهدون لكم بصحةِ عبادتِكم إياهم، أو أعوانكم مِنْ دون أولياء الله، أي الذين تستعينون بهم دونَ الله. أو يكونُ معنى» مِنْ دونِ الله «بين يدي الله كقوله: 275 - تُريك القَذَى مِنْ دونِها وهي دونَه ... لوجهِ أخيها في الإِناءِ قُطُوبُ
أي: تريكَ القذى قُدَّامها وهي قُدَّامه لرقتِها وصفائها.
واختار أبو البقاء أن يكون {مِّن دُونِ الله} حالاً من» شهداءكم «، والعاملُ فيه محذوفٌ، قال:» تقديرُه: شهداءَكم منفردين عنِ الله أو عن أنصارِ الله «.
و» دونَ «مْنِ ظروف الأمكنة، ولا تَتَصَرَّف على المشهورِ إلا بالجرِّ ب» مِنْ «، وزعم الأخفش أنها متصرِّفة، وجَعَل من ذلك قولَه تعالى: {وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ} [الجن: 11] قال:» دونَ «مبتدأ، و» منَّا «خبرُه، وإنما بُني لإِضافتِه إلى مبني، وقد شَذَّ رفعُه خبراً في قولِ الشاعر:
276 - ألم تَرَ أنِّي قد حَمَيْتُ حقيقتي ... وباشَرْتُ حدَّ الموتِ والموتُ دونُها
وهو من الأسماءِ اللازمةِ للإِضافةِ لفظاً ومعنىً. وأمّا «دون» التي بمعنى رديء فتلك صفةٌ كسائرِ الصفات، تقول: هذا ثوبٌ دونٌ، ورأيت ثوباً دوناً، أي: رديئاً، وليستْ ممَّا نحن فيه.
قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} هذا شرطٌ حُذِفَ جوابُه للدلالة عليه، تقديره: إنْ كنتم صادِقين فافعلوا، ومتعلَّقُ الصدقِ محذوفٌ، والظاهرُ تقديرُه هكذا: إنْ كنتم صادقين في كونكم في رَيْبٍ من المنزَّل على عبدِنا أنه من عندنا. وقيل: فيما تَقْدِرون عليه من المعارضة، وقد صَرَّح بذلك عنهم في آية أخرى حيث قال تعالى حاكياً عنهم: {لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا} [الأنفال: 31] . والصدقُ ضدُّ الكذبِ، وقد تقدَّم فَيُعْرَفُ مِنْ هناك، والصديقُ مشتقٌّ منه لصِدْقِه في الودِّ والنصحِ، والصِّدْقُ من الرماح: الصُّلبة.
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني
كان
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
كان
كَانَ(١) : عبارة عمّا مضى من الزمان، وفي كثير من وصف الله تعالى تنبئ عن معنى الأزليّة، قال: ﴿وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ [الأحزاب : 40] ، ﴿وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ [الأحزاب : 27] وما استعمل منه في جنس الشيء متعلّقا بوصف له هو موجود فيه فتنبيه على أن ذلك الوصف لازم له، قليل الانفكاك منه. نحو قوله في الإنسان: ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً﴾ [الإسراء : 67] ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً﴾ [الإسراء : 100] ، ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف : 54] فذلك تنبيه على أن ذلك الوصف لازم له قليل الانفكاك منه، وقوله في وصف الشّيطان: ﴿وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان : 29] ، ﴿وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ [الإسراء : 27] . وإذا استعمل في الزمان الماضي فقد يجوز أن يكون المستعمل فيه بقي على حالته كما تقدّم ذكره آنفا، ويجوز أن يكون قد تغيّر نحو: كَانَ فلان كذا ثم صار كذا. ولا فرق بين أن يكون الزمان المستعمل فيه كان قد تقدّم تقدما كثيرا، نحو أن تقول: كان في أوّل ما أوجد الله تعالى، وبين أن يكون في زمان قد تقدّم بآن واحد عن الوقت الذي استعملت فيه كان، نحو أن تقول: كان آدم كذا، وبين أن يقال: كان زيد هاهنا، ويكون بينك وبين ذلك الزمان أدنى وقت، ولهذا صحّ أن يقال: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم : 29] فأشار بكان أنّ عيسى وحالته التي شاهده عليها قبيل. وليس قول من قال: هذا إشارة إلى الحال بشيء، لأنّ ذلك إشارة إلى ما تقدّم، لكن إلى زمان يقرب من زمان قولهم هذا.
وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران : 110] فقد قيل: معنى كُنْتُمْ معنى الحال(٢) ، وليس ذلك بشيء بل إنما ذلك إشارة إلى أنّكم كنتم كذلك في تقدير الله تعالى وحكمه، وقوله: ﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة : 280] فقد قيل: معناه: حصل ووقع، والْكَوْنُ يستعمله بعض الناس في استحالة جوهر إلى ما هو دونه، وكثير من المتكلّمين يستعملونه في معنى الإبداع.
وكَيْنُونَةٌ عند بعض النّحويين فعلولة، وأصله: كَوْنُونَةٌ، وكرهوا الضّمة والواو فقلبوا، وعند سيبويه(٣) كَيْوِنُونَةٌ على وزن فيعلولة، ثم أدغم فصار كَيِّنُونَةً، ثم حذف فصار كَيْنُونَةً، كقولهم في ميّت: ميت. وأصل ميّت: ميوت، ولم يقولوا كيّنونة على الأصل، كما قالوا: ميّت، لثقل لفظها. و «الْمَكَانُ» قيل أصله من: كَانَ يَكُونُ، فلمّا كثر في كلامهم توهّمت الميم أصليّة فقيل: تمكّن كما قيل في المسكين: تمسكن، واسْتَكانَ فلان: تضرّع وكأنه سكن وترك الدّعة لضراعته.
قال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ﴾ [المؤمنون : 76] .
(١) وقد نقل أكثر هذا الباب ابن حجر في فتح الباري 13/ 410 في التوحيد.
(٢) قال القرطبي: وقيل: «كان» زائدة، والمعنى: أنتم خير أمة. وأنشد سيبويه: وجيران لنا كانوا كرام
ومثله قوله تعالى: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا، وقوله: وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ.
انظر: تفسير القرطبي 4/ 170- 171.
(٣) الكتاب 4/ 365.
ريب
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
ريب
يقال رَابَنِي كذا، وأَرَابَنِي، فَالرَّيْبُ: أن تتوهّم بالشيء أمرا مّا، فينكشف عمّا تتوهّمه، قال الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ [الحج : 5] ، ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ [البقرة : 23] ، تنبيها أن لا ريب فيه، وقوله: ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور : 30] ، سمّاه ريبا لا أنه مشكّك في كونه، بل من حيث تشكّك في وقت حصوله، فالإنسان أبدا في ريب المنون من جهة وقته، لا من جهة كونه، وعلى هذا قال الشاعر:
200- النّاس قد علموا أن لا بقاء لهم ... لو أنّهم عملوا مقدار ما علموا(١)
ومثله:
201- أمن المنون وريبها تتوجّع؟(٢)
وقال تعالى: ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [هود : 110] ، ﴿مُعْتَدٍ مُرِيبٍ﴾ [ق : 25] ، والارْتِيابُ يجري مجرى الْإِرَابَةِ، قال: ﴿أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ﴾ [النور : 50] ، ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ﴾ [الحديد : 14] ، ونفى من المؤمنين الِارْتِيَابَ فقال: ﴿وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [المدثر : 31] ، وقال: ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا﴾ [الحجرات : 15] ، وقيل: «دع ما يُرِيبُكَ إلى ما لا يُرِيبُكَ»(٣) ورَيْبُ الدّهر صروفه، وإنما قيل رَيْبٌ لما يتوهّم فيه من المكر، والرِّيبَةُ اسم من الرّيب قال: ﴿بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة : 110] ، أي: تدلّ على دغل وقلّة يقين.
(١) البيت في البصائر 3/ 114 دون نسبة، وهو لديك الجن في محاضرات الأدباء 4/ 491، وعمدة الحفاظ: ريب.
(٢) شطر بيت، وعجزه: والدّهر ليس بمعتب من يجزع
وهو مطلع قصيدة أبي ذؤيب الهذلي العينية. وهو في المفضليات ص 421، والأغاني 6/ 58.
(٣) الحديث عن أبي الجوزاء قال: قلت للحسن بن عليّ: ما حفظت من رسول الله ﷺ؟ قال: حفظت منه: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» . أخرجه الترمذي في صفة القيامة رقم (2520) وقال: حسن صحيح، وأخرجه الحاكم 2/ 13 وصححه ووافقه الذهبي، وابن حبان (512) وصححه، والنسائي 8/ 327، وانظر: شرح السنة 8/ 17.
نزل
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
نزل
النُّزُولُ في الأصل هو انحِطَاطٌ من عُلْوّ.
يقال: نَزَلَ عن دابَّته، ونَزَلَ في مكان كذا: حَطَّ رَحْلَهُ فيه، وأَنْزَلَهُ غيرُهُ. قال تعالى: ﴿أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [المؤمنون : 29] ونَزَلَ بكذا، وأَنْزَلَهُ بمعنًى، وإِنْزَالُ الله تعالى نِعَمَهُ ونِقَمَهُ على الخَلْق، وإعطاؤُهُم إيّاها، وذلك إمّا بإنزال الشيء نفسه كإنزال القرآن، وإمّا بإنزال أسبابه والهداية إليه، كإنزال الحديد واللّباس، ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ﴾ [الكهف : 1] ، ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ﴾ [الشورى : 17] ، ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد : 25] ، ﴿وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ﴾ [الحديد : 25] ، ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ [الزمر : 6] ، ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً﴾ [الفرقان : 48] ، ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً﴾ [النبأ : 14] ، و﴿أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ﴾ [الأعراف : 26] ، ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [المائدة : 114] ، ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ [البقرة : 90] ومن إنزال العذاب قوله: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [العنكبوت : 34] . والفَرْقُ بَيْنَ الإِنْزَالِ والتَّنْزِيلِ في وَصْفِ القُرآنِ والملائكةِ أنّ التَّنْزِيل يختصّ بالموضع الذي يُشِيرُ إليه إنزالُهُ مفرَّقاً، ومرَّةً بعد أُخْرَى، والإنزالُ عَامٌّ، فممَّا ذُكِرَ فيه التَّنزيلُ قولُه: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء : 193] وقرئ: نزل(١) وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا [الإسراء : 106] ، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر : 9] ، ﴿لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ﴾ [الزخرف : 31] ، ﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ [الشعراء : 198] ، ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ [التوبة : 26] ، ﴿وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها﴾ [التوبة : 26] ، ﴿لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ [محمد : 20] ، ﴿فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾ [محمد : 20] فإنَّما ذَكَرَ في الأوّلِ «نُزِّلَ» ، وفي الثاني «أُنْزِلَ» تنبيهاً أنّ المنافقين يَقْتَرِحُونَ أن يَنْزِلَ شَيْءٌ فَشَيْءٌ من الحثِّ على القِتَال لِيَتَوَلَّوْهُ، وإذا أُمِرُوا بذلك مَرَّةً واحدةً تَحَاشَوْا منه فلم يفعلوه، فهم يَقْتَرِحُونَ الكثيرَ ولا يَفُونَ منه بالقليل. وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [الدخان : 3] ، ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة : 185] ، ﴿إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر : 1] وإنّما خُصَّ لفظُ الإنزالِ دُونَ التَّنزيلِ، لما رُوِيَ: (أنّ القرآن نَزَلَ دفعةً واحدةً إلى سماءِ الدُّنيا، ثمّ نَزَلَ نَجْماً فَنَجْماً)(٢) . وقوله تعالى: ﴿الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ [التوبة : 97] فَخَصَّ لفظَ الإنزالِ ليكونَ أعمَّ، فقد تقدَّم أنّ الإنزال أعمُّ من التَّنزيلِ، قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ﴾ [الحشر : 21] ، ولم يقل: لو نَزَّلْنَا، تنبيهاً أنَّا لو خَوَّلْنَاهُ مَرَّةً ما خَوَّلْنَاكَ مِرَاراً لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً [الحشر : 21] . وقوله: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ﴾ [الطلاق : 10-11] فقد قيل: أراد بإنزالِ الذِّكْرِ هاهنا بِعْثَةَ النبيِّ عليه الصلاة والسلام، وسمَّاه ذكراً كما سُمِّيَ عيسى عليه السلام كلمةً، فعَلَى هذا يكون قوله: «رَسُولًا» بدلا من قوله: «ذِكْراً» ، وقيل: بل أراد إنزالَ ذِكْرِهِ، فيكونُ «رسولًا» مفعولًا لقوله: ذِكْراً. أي: ذِكْراً رَسُولًا. وأمّا التَّنَزُّلُ فهو كالنُّزُولِ به، يقال: نَزَلَ المَلَكُ بكذا، وتَنَزَّلَ، ولا يقال: نَزَلَ الله بكذا ولا تَنَزَّلَ، قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء : 193] وقال: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ﴾ [القدر : 4] ، ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم : 64] ، ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَ﴾ [الطلاق : 12] ولا يقال في المفتَرَى والكَذِبِ وما كان من الشَّيطان إلَّا التَّنَزُّلُ: ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء : 210] ، ﴿عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ﴾ الآية [الشعراء : 221-222] .
والنُّزُلُ: ما يُعَدُّ للنَّازل من الزَّاد، قال: ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا﴾ [السجدة : 19] وقال: ﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران : 198] وقال في صفة أهل النار: لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ إلى قوله: هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ(٣) ، ﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الواقعة : 93] . وأَنْزَلْتُ فلانا: أَضَفْتُهُ. ويُعَبَّرُ بِالنَّازِلَةِ عن الشِّدَّة، وجَمْعُهَا نَوَازِلُ، والنِّزَالُ في الحرْبِ: المُنَازَلة، ونَزَلَ فلانٌ: إذا أتى مِنًى، قال الشاعر:
436- أَنَازِلَةٌ أَسْمَاءُ أَمْ غَيْرُ نَازِلَةٍ(٤)
والنُّزَالَةُ والنُّزْلُ يُكَنَّى بهما عن ماءِ الرَّجُل إذا خَرَجَ عنه، وطعامٌ نُزُلٌ، وذو نُزُلٍ: له رَيْعٌ، وَحَظٌّ نَزِلٌ: مُجْتَمَعٌ، تشبيهاً بالطَّعامِ النُّزُلِ.
(١) وهي قراءة ابن عامر وشعبة وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف. الإتحاف ص 334.
(٢) أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ قال: أنزل القرآن في ليلة القدر، ثم نزل به جبريل على رسول الله نجوما بجواب كلام الناس.
وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي في الآية قال: نزل القرآن جملة على جبريل، وكان جبريل يجيء بعد إلى النبي ﷺ. الدر المنثور 7/ 398.
(٣) الآيات: ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة : 52-56] .
(٤) الشطر لعامر بن الطفيل، وعجزه: أبيني لنا يا أسم ما أنت فاعله
وهو في ديوانه ص 104، وشرح المقصورة لابن هشام اللخمي ص 262، والمجمل 3/ 864.
عبد
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
عبد
العُبُودِيَّةُ: إظهار التّذلّل، والعِبَادَةُ أبلغُ منها، لأنها غاية التّذلّل، ولا يستحقّها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى، ولهذا قال: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء : 23] .
والعِبَادَةُ ضربان: عِبَادَةٌ بالتّسخير، وهو كما ذكرناه في السّجود.
وعِبَادَةٌ بالاختيار، وهي لذوي النّطق، وهي المأمور بها في نحو قوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة : 21] ، ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النساء : 36] .
والعَبْدُ يقال على أربعة أضرب: الأوّل: عَبْدٌ بحكم الشّرع، وهو الإنسان الذي يصحّ بيعه وابتياعه، نحو: ﴿الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة : 178] ، و﴿عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ [النحل : 75] .
الثاني: عَبْدٌ بالإيجاد، وذلك ليس إلّا لله، وإيّاه قصد بقوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً﴾ [مريم : 93] .
والثالث: عَبْدٌ بالعِبَادَةِ والخدمة، والناس في هذا ضربان: عبد لله مخلص، وهو المقصود بقوله: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ﴾ [ص : 41] ، ﴿إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً﴾ [الإسراء : 3] ، ﴿نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان : 1] ، ﴿عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ﴾ [الكهف : 1] ، ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر : 42] ، ﴿كُونُوا عِباداً لِي﴾ [آل عمران : 79] ، ﴿إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر : 40] ، ﴿وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [مريم : 61] ، ﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾ [الفرقان : 63] ، ﴿فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا﴾ [الدخان : 23] ، ﴿فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا﴾ [الكهف : 65] .
وعَبْدٌ للدّنيا وأعراضها، وهو المعتكف على خدمتها ومراعاتها، وإيّاه قصد النّبي عليه الصلاة والسلام بقوله: «تعس عَبْدُ الدّرهمِ، تعس عَبْدُ الدّينار»(١) ، وعلى هذا النحو يصحّ أن يقال: ليس كلّ إنسان عَبْداً لله، فإنّ العَبْدَ على هذا بمعنى العَابِدِ، لكن العَبْدَ أبلغ من العَابِدِ، والناس كلّهم عِبَادُ الله بل الأشياء كلّها كذلك، لكن بعضها بالتّسخير وبعضها بالاختيار، وجمع العَبْدِ الذي هو مُسترَقٌّ: عَبِيدٌ، وقيل: عِبِدَّى(٢) ، وجمع العَبْدِ الذي هو العَابِدُ عِبَادٌ، فالعَبِيدُ إذا أضيف إلى الله أعمّ من العِبَادِ. ولهذا قال: ﴿وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق : 29] ، فنبّه أنه لا يظلم من يختصّ بِعِبَادَتِهِ ومن انتسب إلى غيره من الّذين تسمّوا بِعَبْدِ الشمس وعَبْدِ اللّات ونحو ذلك.
ويقال: طريق مُعَبَّدٌ، أي: مذلّل بالوطء، وبعير مُعَبَّدٌ: مذلّل بالقطران، وعَبَّدتُ فلاناً: إذا ذلّلته، وإذا اتّخذته عَبْداً. قال تعالى: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [الشعراء : 22].
(١) أخرجه البخاري في كتاب الرقائق 7/ 175.
(٢) في اللسان: ومن الجمع: عبدان، وعبدان، وعبدّان.
أتى
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
أتى
الإتيان: مجيء بسهولة، ومنه قيل للسيل المارّ على وجهه: أَتِيّ وأَتَاوِيّ(١) ، وبه شبّه الغريب فقيل: أتاويّ(٢) .
والإتيان يقال للمجيء بالذات وبالأمر وبالتدبير، ويقال في الخير وفي الشر وفي الأعيان والأعراض، نحو قوله تعالى: ﴿إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ [الأنعام : 40] ، وقوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل : 1] ، وقوله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ﴾ [النحل : 26] ، أي: بالأمر والتدبير، نحو: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر : 22] ، وعلى هذا النحو قول الشاعر:
5- أتيت المروءة من بابها(٣)
فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها [النمل : 37] ، وقوله: ﴿لا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى﴾ [التوبة : 54] ، أي: لا يتعاطون، وقوله: ﴿يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ﴾ [النساء : 15] ، وفي قراءة عبد الله: (تأتي الفاحشة)(٤) فاستعمال الإتيان منها كاستعمال المجيء في قوله: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا﴾ [مريم : 27] .
يقال: أتيته وأتوته(٥) ، ويقال للسقاء إذا مخض وجاء زبده: قد جاء أتوه، وتحقيقه: جاء ما من شأنه أن يأتي منه، فهو مصدر في معنى الفاعل.
وهذه أرض كثيرة الإتاء أي: الرّيع، وقوله تعالى: ﴿مَأْتِيًّا﴾ [مريم : 61] مفعول من أتيته.
قال بعضهم(٦) : معناه: آتيا، فجعل المفعول فاعلًا، وليس كذلك بل يقال: أتيت الأمر وأتاني الأمر، ويقال: أتيته بكذا وآتيته كذا. قال تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً﴾ [البقرة : 25] ، وقال: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها﴾ [النمل : 37] ، وقال: ﴿وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً﴾ [النساء : 54] . [وكلّ موضع ذكر في وصف الكتاب «آتينا» فهو أبلغ من كلّ موضع ذكر فيه «أوتوا» ، لأنّ «أوتوا» قد يقال إذا أوتي من لم يكن منه قبول، وآتيناهم يقال فيمن كان منه قبول](٧) .
وقوله تعالى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف : 96] وقرأه حمزة موصولة(٨) . أي: جيئوني.
والإِيتاء: الإعطاء، [وخصّ دفع الصدقة في القرآن بالإيتاء] نحو: ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ﴾ [البقرة : 277] ، ﴿وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ﴾ [الأنبياء : 73] ، ووَ لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً [البقرة : 229] ، ووَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ [البقرة : 247] .
(١) قال ابن منظور: والأتيّ: النهر يسوقه الرجل إلى أرضه. وسيل أتيّ وأتاويّ: لا يدرى من أين أتى، وقال اللحياني: أي: أتى ولبّس مطره علينا.
(٢) وقال في اللسان: بل السيل مشبّه بالرّجل لأنه غريب مثله، راجع 14/ 15.
(٣) هذا عجز بيت للأعشى وقبله: وكأسٍ شربت على لذةٍ ... وأخرى تداويت منها بها
لكي يعلم الناس أني امرؤ ... أتيت المروءة من بابها
وليس في ديوانه- طبع دار صادر، بل في ديوانه- طبع مصر ص 173، وخاص الخاص ص 99، والعجز في بصائر ذوي التمييز 2/ 43.
(٤) وهي قراءة شاذة قرأ بها ابن مسعود.
(٥) قال ابن مالك: وأتوت مثل أتيت فقل بها ... ومحوت خطّ السطر ثم محيته
(٦) والذي قال هذا ابن قتيبة وأبو نصر الحدادي، وذكره ابن فارس بقوله: وزعم ناس، كأنّه يضعّفه.
راجع: تأويل مشكل القرآن ص 298، والمدخل لعلم تفسير كتاب الله ص 269، والصاحبي ص 367، وكذا الزمخشري في تفسيره راجع الكشاف 2/ 2/ 415.
(٧) نقل هذه الفائدة السيوطي في الإتقان 1/ 256 عن المؤلف.
(٨) وكذا قرأها أبو بكر من طريق العليمي وأبي حمدون. ا. هـ. راجع: الإتحاف ص 295.
سور
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
سور
السَّوْرُ: وثوب مع علوّ، ويستعمل في الغضب، وفي الشراب، يقال: سَوْرَةُ الغضب، وسَوْرَةُ الشراب، وسِرْتُ إليك، وسَاوَرَنِي فلان، وفلان سَوَّارٌ: وثّاب. والْإِسْوَارُ من أساورة الفرس أكثر ما يستعمل في الرّماة، ويقال: هو فارسيّ معرّب. وسِوَارُ المرأة معرّب، وأصله دستوار(١) ، وكيفما كان فقد استعملته العرب، واشتقّ منه: سَوَّرْتُ الجارية، وجارية مُسَوَّرَةٌ ومخلخلة، قال: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الزخرف : 53] ، ﴿وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان : 21] ، واستعمال الْأَسْوِرَةِ في الذهب، وتخصيصها بقوله: «ألقي» ، واستعمال أَسَاوِرَ في الفضّة وتخصيصه بقوله: حُلُّوا(٢) فائدة ذلك تختصّ بغير هذا الكتاب. والسُّورَةُ: المنزلة الرفيعة، قال الشاعر:
250- ألم تر أنّ الله أعطاك سُورَةً ... ترى كلّ ملك دونها يتذبذب(٣)
وسُورُ المدينة: حائطها المشتمل عليها، وسُورَةُ القرآن تشبيها بها لكونه محاطا بها إحاطة السّور بالمدينة، أو لكونها منزلة كمنازل القمر، ومن قال: سؤرة(٤) فمن أسأرت، أي: أبقيت منها بقيّة، كأنها قطعة مفردة من جملة القرآن وقوله: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْناها﴾ [النور : 1] ، أي: جملة من الأحكام والحكم، وقيل: أسأرت في القدح، أي: أبقيت فيه سؤرا، أي: بقيّة، قال الشاعر:
251- لا بالحصور ولا فيها بِسَآرٍ(٥)
ويروى (بِسَوَّارٍ) ، من السَّوْرَةِ، أي: الغضب.
(١) انظر: تاج العروس (سور) ، وعمدة الحفاظ: سور.
(٢) قال إسماعيل حقي: قوله: وَحُلُّوا فيه تعظيم لهم بالنسبة إلى أن يقال: وتحلوا. انظر: روح البيان 10/ 275.
وقال: وإلقاء الأسورة كناية عن إلقاء مقاليد الملك، أي: أسبابه التي هي كالمفاتيح له.
وكانوا إذا سودوا رجلا سوروه وطوقوه بطوق من ذهب علما على رئاسته، ودلالة لسيادته. انظر: روح البيان 8/ 379.
(٣) البيت للنابغة الذبياني في ديوانه ص 18.
(٤) هو أبو الهيثم الرازي وابن الأنباري انظر تهذيب اللغة 13/ 50.
(٥) هذا عجز بيت للأخطل، وشطره: وشارب مربح بالكأس نادمني
وهو في ديوانه ص 141، واللسان (سور) .
قال ابن منظور: والسوّار: الذي تسور الخمر في رأسه سريعا.
مثل
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
مثل
أصل المُثُولِ: الانتصاب، والمُمَثَّلُ: المصوّر على مثال غيره، يقال: مَثُلَ الشيءُ.
أي: انتصب وتصوّر، ومنه قوله ﷺ: «من أحبّ أن يمثل له الرّجال فليتبوّأ مقعده من النّار»(١) .
والتِّمْثَالُ: الشيء المصوّر، وتَمَثَّلَ كذا: تصوّر. قال تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا﴾ [مريم : 17] والمَثَلُ عبارة عن قول في شيء يشبه قولا في شيء آخر بينهما مشابهة، ليبيّن أحدهما الآخر ويصوّره. نحو قولهم: الصّيف ضيّعت اللّبن(٢) فإن هذا القول يشبه قولك: أهملت وقت الإمكان أمرك. وعلى هذا الوجه ما ضرب الله تعالى من الأمثال، فقال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر : 21] ، وفي أخرى: ﴿وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ﴾ [العنكبوت : 43] . والمَثَلُ يقال على وجهين: أحدهما: بمعنى المثل. نحو: شبه وشبه، ونقض ونقض. قال بعضهم: وقد يعبّر بهما عن وصف الشيء(٣) . نحو قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الرعد : 35] . والثاني: عبارة عن المشابهة لغيره في معنى من المعاني أيّ معنى كان، وهو أعمّ الألفاظ الموضوعة للمشابهة، وذلك أنّ النّدّ يقال فيما يشارك في الجوهر فقط، والشّبه يقال فيما يشارك في الكيفيّة فقط، والمساوي يقال فيما يشارك في الكمّيّة فقط، والشّكل يقال فيما يشاركه في القدر والمساحة فقط، والمِثْلَ عامّ في جميع ذلك، ولهذا لمّا أراد الله تعالى نفي التّشبيه من كلّ وجه خصّه بالذّكر فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى : 11] وأما الجمع بين الكاف والمثل فقد قيل: ذلك لتأكيد النّفي تنبيها على أنه لا يصحّ استعمال المثل ولا الكاف، فنفى ب (ليس) الأمرين جميعا. وقيل: المِثْلُ هاهنا هو بمعنى الصّفة، ومعناه: ليس كصفته صفة، تنبيها على أنه وإن وصف بكثير ممّا يوصف به البشر فليس تلك الصّفات له على حسب ما يستعمل في البشر، وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى﴾ [النحل : 60] أي: لهم الصّفات الذّميمة وله الصّفات العلى. وقد منع الله تعالى عن ضرب الأمثال بقوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ﴾ [النحل : 74] ثم نبّه أنه قد يضرب لنفسه المثل، ولا يجوز لنا أن نقتدي به، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل : 74] ثمّ ضرب لنفسه مثلا فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً﴾ الآية [النحل : 75] ، وفي هذا تنبيه أنه لا يجوز أن نصفه بصفة مما يوصف به البشر إلا بما وصف به نفسه، وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ﴾ الآية [الجمعة : 5] ، أي: هم في جهلهم بمضمون حقائق التّوراة كالحمار في جهله بما على ظهره من الأسفار، وقوله: ﴿وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف : 176] فإنه شبّهه بملازمته واتّباعه هواه وقلّة مزايلته له بالكلب الذي لا يزايل اللهث على جميع الأحوال. وقوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً﴾ [البقرة : 17] ، فإنه شبّه من آتاه الله تعالى ضربا من الهداية والمعارف، فأضاعه ولم يتوصّل به إلى ما رشّح له من نعيم الأبد بمن استوقد نارا في ظلمة، فلمّا أضاءت له ضيّعها ونكس فعاد في الظّلمة، وقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً﴾ [البقرة : 171] فإنه قصد تشبيه المدعوّ بالغنم، فأجمل وراعى مقابلة المعنى دون مقابلة الألفاظ، وبسط الكلام: مثل راعي الذين كفروا والّذين كفروا كمثل الّذي ينعق بالغنم، ومثل الغنم التي لا تسمع إلّا دعاء ونداء. وعلى هذا النحو قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة : 261] ومثله قوله: ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ﴾ [آل عمران : 117] وعلى هذا النحو ما جاء من أمثاله. والمِثَالُ: مقابلة شيء بشيء هو نظيره، أو وضع شيء مّا ليحتذى به فيما يفعل، والْمُثْلَةُ: نقمة تنزل بالإنسان فيجعل مثالا يرتدع به غيره، وذلك كالنّكال، وجمعه مُثُلَاتٌ ومَثُلَاتٌ، وقد قرئ: ﴿مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ﴾ [الرعد : 6] ، و (الْمَثْلَاتُ)(٤) بإسكان الثّاء على التّخفيف. نحو: عَضُدٍ وعَضْدٍ، وقد أَمْثَلَ السّلطان فلانا: إذا نكّل به، والأَمْثلُ يعبّر به عن الأشبه بالأفاضل، والأقرب إلى الخير، وأَمَاثِلُ القومِ: كناية عن خيارهم، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً﴾ [طه : 104] ، وقال: ﴿وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى﴾ [طه : 63] أي: الأشبه بالفضيلة، وهي تأنيث الأمثل.
(١) عن ابن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ: «من أحبّ أن يمثل له عباد الله قياما فليتبوأ مقعده من النار» أخرجه أحمد 4/ 91، وأبو داود برقم (5229) ، والترمذي، وقال: حديث حسن (انظر: عارضة الأحوذي 10/ 213) .
(٢) المثل يضرب لمن يطلب شيئا قد فوّته على نفسه.
وقال المبرد: أصل المثل كان لامرأة، وإنما يضرب لكل واحد على ما جرى في الأصل، فإذا قلته للرجل فإنما معناه: أنت عندي بمنزلة التي قيل لها هذا. انظر: مجمع الأمثال 2/ 68، والمقتضب 2/ 143.
(٣) انظر ص 732 في الحاشية.
(٤) وهي لغة بني تميم. وهي قراءة شاذة قرأ بها الأعمش.
انظر: تفسير القرطبي 9/ 285، وإعراب القرآن للنحاس 2/ 166، ومعاني الفراء 2/ 59.
دعا
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
دعا
الدُّعَاء كالنّداء، إلّا أنّ النّداء قد يقال بيا، أو أيا، ونحو ذلك من غير أن يضمّ إليه الاسم، والدُّعَاء لا يكاد يقال إلّا إذا كان معه الاسم، نحو: يا فلان، وقد يستعمل كلّ واحد منهما موضع الآخر. قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً﴾ [البقرة : 171] ، ويستعمل استعمال التسمية، نحو: دَعَوْتُ ابني زيدا، أي: سمّيته، قال تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ [النور : 63] ، حثّا على تعظيمه، وذلك مخاطبة من كان يقول: يا محمد، ودَعَوْتَهُ: إذا سألته، وإذا استغثته، قال تعالى: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ [البقرة : 68] ، أي: سله، وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام : 40-41] ، تنبيها أنّكم إذا أصابتكم شدّة لم تفزعوا إلّا إليه، ﴿وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ [الأعراف : 56] ، ﴿وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة : 23] ، ﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ﴾ [الزمر : 8] ، ﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ﴾ [يونس : 12] ، ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ [يونس : 106] ، وقوله: ﴿لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً﴾ [الفرقان : 14] ، هو أن يقول: يا لهفاه، ويا حسرتاه، ونحو ذلك من ألفاظ التأسّف، والمعنى: يحصل لكم غموم كثيرة. وقوله: ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ [البقرة : 68] ، أي: سله. والدُّعاءُ إلى الشيء: الحثّ على قصده قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [يوسف : 33] ، وقال: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ [يونس : 25] ، وقال: ﴿يا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ﴾ [غافر : 41-42] ، وقوله: ﴿لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ [غافر : 43] ، أي: رفعة وتنويه.
والدَّعْوَةُ مختصّة بادّعاء النّسبة(١) ، وأصلها للحالة التي عليها الإنسان، نحو: القعدة والجلسة. وقولهم: «دَعْ دَاعِي اللّبن»(٢) أي: غُبْرَةً(٣) تجلب منها اللّبن. والادِّعاءُ: أن يدّعي شيئا أنّه له، وفي الحرب الاعتزاء، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ نُزُلًا﴾ [فصلت : 31-32] ، أي: ما تطلبون، والدَّعْوَى: الادّعاء، قال: ﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا﴾ [الأعراف : 5] ، والدَّعْوَى: الدّعاء، قال: ﴿وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [يونس : 10] .
(١) قال ابن فارس: والدّعوة في النسب بالكسر. قال أبو عبيدة: يقال في النسب دعوة، بالكسر، وإلى الطعام دعوة، بالفتح. انظر: المجمل 2/ 326.
(٢) هذا حديث وقد أخرجه أبو عبيد في غريبه 2/ 9، وأحمد في مسنده 4/ 76، وعنده عن ضرار بن الأزور قال: بعثني أهلي بلقوح إلى النبي ﷺ، فحلبتها فقال: «دع داعي اللبن» ، ثم صار مثلا.
(٣) غبر كل شيء: بقيّته، وقد غلب ذلك على بقية اللبن في الضرع، وعلى بقية دم الحيض. انظر: اللسان (غبر) .
شهد
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
شهد
الشُّهُودُ والشَّهَادَةُ: الحضور مع المشاهدة، إمّا بالبصر، أو بالبصيرة، وقد يقال للحضور مفردا قال الله تعالى: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ [السجدة : 6] ، لكن الشهود بالحضور المجرّد أولى، والشّهادة مع المشاهدة أولى، ويقال للمحضر: مَشْهَدٌ، وللمرأة التي يحضرها زوجها: مُشْهِدٌ، وجمع مَشْهَدٍ: مَشَاهِدُ، ومنه: مَشَاهِدُ الحجّ، وهي مواطنه الشريفة التي يحضرها الملائكة والأبرار من الناس. وقيل: مَشَاهِدُ الحجّ: مواضع المناسك. قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج : 28] ، ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما﴾ [النور : 2] ، ﴿ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ [النمل : 49] ، أي: ما حضرنا، ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان : 72] ، أي: لا يحضرونه بنفوسهم ولا بهمّهم وإرادتهم.
والشَّهَادَةُ: قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصيرة أو بصر. وقوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف : 19] ، يعني مُشَاهَدَةِ البصر ثم قال: ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ﴾ [الزخرف : 19] ، تنبيها أنّ الشّهادة تكون عن شُهُودٍ، وقوله: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [آل عمران : 70] ، أي: تعلمون، وقوله: ﴿ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ﴾ [الكهف : 51] ، أي: ما جعلتهم ممّن اطّلعوا ببصيرتهم على خلقها، وقوله: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ [السجدة : 6] ، أي: ما يغيب عن حواسّ الناس وبصائرهم وما يشهدونه بهما. وشَهِدْتُ يقال على ضربين: أحدهما جار مجرى العلم، وبلفظه تقام الشّهادة، ويقال: أَشْهَدُ بكذا، ولا يرضى من الشّاهد أن يقول: أعلم، بل يحتاج أن يقول: أشهد. والثاني يجري مجرى القسم، فيقول: أشهد بالله أنّ زيدا منطلق، فيكون قسما، ومنهم من يقول: إن قال: أشهد، ولم يقل: بالله يكون قسما، ويجري علمت مجراه في القسم، فيجاب بجواب القسم نحو قول الشاعر:
274- ولقد علمت لتأتينّ منيّتي(١)
ويقال: شَاهِدٌ وشَهِيدٌ وشُهَدَاءُ، قال تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ﴾ [البقرة : 282] ، قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ [البقرة : 282] ، ويقال: شَهِدْتُ كذا، أي: حضرته، وشَهِدْتُ على كذا، قال: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ﴾ [فصلت : 20] ، وقد يعبّر بالشهادة عن الحكم نحو: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها﴾ [يوسف : 26] ، وعن الإقرار نحو: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور : 6] ، أن كان ذلك شَهَادَةٌ لنفسه. وقوله وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا [يوسف : 81] أي: ما أخبرنا، وقال تعالى: ﴿شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة : 17] ، أي: مقرّين. لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا [فصلت : 21] ، وقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ﴾ [آل عمران : 18] ، فشهادة الله تعالى بوحدانيّته هي إيجاد ما يدلّ على وحدانيّته في العالم، وفي نفوسنا كما قال الشاعر:
275- ففي كلّ شيء له آية ... تدلّ على أنه واحد(٢)
قال بعض الحكماء: إنّ الله تعالى لمّا شهد لنفسه كان شهادته أن أنطق كلّ شيء كما نطق بالشّهادة له، وشهادة الملائكة بذلك هو إظهارهم أفعالا يؤمرون بها، وهي المدلول عليها بقوله: ﴿فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً﴾ [النازعات : 5] ، وشهادة أولي العلم: اطّلاعهم على تلك الحكم وإقرارهم بذلك(٣) ، وهذه الشّهادة تختصّ بأهل العلم، فأمّا الجهّال فمبعدون منها، ولذلك قال في الكفّار: ﴿ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف : 51] ، وعلى هذا نبّه بقوله: ﴿إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ [فاطر : 28] ، وهؤلاء هم المعنيّون بقوله: ﴿وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء : 69] ، وأمّا الشَّهِيدُ فقد يقال لِلشَّاهِدِ، والْمُشَاهِدِ للشيء، وقوله: ﴿مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق : 21] ، أي: من شهد له وعليه، وكذا قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء : 41] ، وقوله: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق : 37] ، أي: يشهدون ما يسمعونه بقلوبهم على ضدّ من قيل فيهم: ﴿أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت : 44] ، وقوله: أَقِمِ الصَّلاةَ(٤) ، إلى قوله: مَشْهُوداً(٥) أي: يشهد صاحبه الشّفاء والرّحمة، والتّوفيق والسّكينات والأرواح المذكورة في قوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء : 82] ، وقوله: ﴿وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ﴾ [البقرة : 23] ، فقد فسّر بكلّ ما يقتضيه معنى الشهادة، قال ابن عباس: معناه أعوانكم(٦) ، وقال مجاهد: الذين يشهدون لكم، وقال بعضهم: الذين يعتدّ بحضورهم ولم يكونوا كمن قيل فيهم شعر:
276- مخلّفون ويقضي الله أمرهمو ... وهم بغيب وفي عمياء ما شعروا(٧)
وقد حمل على هذه الوجوه قوله: ﴿وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً﴾ [القصص : 75] ، وقوله: ﴿وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات : 7] ، ﴿أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت : 53] ، ﴿وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾ [النساء : 79] ، فإشارة إلى قوله: ﴿لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ [غافر : 16] ، وقوله: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى﴾ [طه : 7] ، ونحو ذلك ممّا نبّه على هذا النحو، والشَّهِيدُ: هو المحتضر، فتسميته بذلك لحضور الملائكة إيّاه إشارة إلى ما قال: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا ... الآية [فصلت : 30] ، قال: ﴿وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ [الحديد : 19] ، أو لأنهم يَشْهَدُونَ في تلك الحالة ما أعدّ لهم من النّعيم، أو لأنهم تشهد أرواحهم عند الله كما قال: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران : 169-170] ، وعلى هذا دلّ قوله: وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ، وقوله: ﴿وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج : 3] ، قيل: الْمَشْهُودُ يوم الجمعة(٨) ، وقيل: يوم عرفة، ويوم القيامة، وشَاهِدٌ: كلّ من شهده، وقوله: ﴿يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود : 103] ، أي: مشاهد تنبيها أن لا بدّ من وقوعه، والتَّشَهُّدُ هو أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدا رسول الله، وصار في التّعارف اسما للتّحيّات المقروءة في الصّلاة، وللذّكر الذي يقرأ ذلك فيه.
(١) الشطر للبيد، من معلقته، وعجزه: إنّ المنايا لا تطيش سهامها
وهو من شواهد سيبويه 1/ 465، ومغني اللبيب ص 524، ويروى عجزه: لا بعدها خوف عليّ ولا عدم
وهو بهذه الرواية لم ينسب، وانظر: خزانة الأدب 9/ 159.
(٢) البيت لأبي العتاهية، وهو في ديوانه ص 62، والزهرة 2/ 502، وهو في البصائر 3/ 352، ونظم الدرر 4/ 289، دون نسبة.
(٣) قال ابن القيم: وهذا يدل على فضل العلم وأهله من وجوه: أحدها: استشهادهم دون غيرهم من البشر.
الثاني: اقتران شهادتهم بشهادته.
والثالث: اقترانها بشهادة الملائكة.
الرابع: أنّ في ضمن هذا تزكيتهم وتعديلهم، فإنّ الله لا يَسْتَشْهِدُ من خلقه إلا العدول.
راجع: مفتاح دار السعادة 1/ 48.
(٤) الآية: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ، إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً سورة الإسراء: آية 78.
(٥) الآية: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ، إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً سورة الإسراء: آية 78.
(٦) انظر: تفسير الماوردي 1/ 77، والبصائر 3/ 353.
(٧) البيت للأخطل في ديوانه ص 109.
وهو في البصائر 3/ 353 دون نسبة، وعجزه في مقدمة جامع التفاسير للمؤلف ص 155، ولم يعرفه المحقق.
(٨) أخرج الترمذي والبيهقي وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة» . انظر: الدر المنثور 8/ 463، وعارضة الأحوذي 12/ 237.
دون
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
دون
يقال للقاصر عن الشيء: دون، قال بعضهم: هو مقلوب من الدّنوّ، والأدون: الدّنيء وقوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران : 118] ، أي: ممّن لم يبلغ منزلته منزلتكم في الدّيانة، وقيل: في القرابة. وقوله: ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ﴾ [النساء : 48] ، أي: ما كان أقلّ من ذلك، وقيل: ما سوى ذلك، والمعنيان يتلازمان. وقوله تعالى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ: ﴿اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة : 116] ، أي: غير الله، وقيل: معناه إلهين متوصّلا بهما إلى الله. وقوله لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ [الأنعام : 51] ، وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ(١) أي: ليس لهم من يواليهم من دون أمر الله. وقوله: قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا [الأنعام : 71] ، مثله. وقد يغرى بلفظ دون، فيقال: دونك كذا، أي: تناوله، قال القتيبيّ: يقال: دَانَ يَدُونُ دَوْناً: ضعف(٢) .
(١) سورة العنكبوت: آية 22، وفي المطبوعة (وما لهم) وهو تصحيف.
(٢) انظر: المجمل 2/ 341.
صدق
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
صدق
الصِّدْقُ والكذب أصلهما في القول، ماضيا كان أو مستقبلا، وعدا كان أو غيره، ولا يكونان بالقصد الأوّل إلّا في القول، ولا يكونان في القول إلّا في الخبر دون غيره من أصناف الكلام، ولذلك قال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء : 122] ، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ [النساء : 87] ، ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم : 54] ، وقد يكونان بالعرض في غيره من أنواع الكلام، كالاستفهام والأمر والدّعاء، وذلك نحو قول القائل: أزيد في الدّار؟ فإنّ في ضمنه إخبارا بكونه جاهلا بحال زيد، [وكذا إذا قال: واسني في ضمنه أنه محتاج إلى المواساة، وإذا قال: لا تؤذني ففي ضمنه أنه يؤذيه](١) . والصِّدْقُ: مطابقة القول الضّمير والمخبر عنه معا، ومتى انخرم شرط من ذلك لم يكن صِدْقاً تامّا، بل إمّا أن لا يوصف بالصّدق، وإمّا أن يوصف تارة بالصّدق، وتارة بالكذب على نظرين مختلفين، كقول كافر إذا قال من غير اعتقاد: محمّد رسول الله، فإنّ هذا يصحّ أن يقال: صِدْقٌ، لكون المخبر عنه كذلك، ويصحّ أن يقال: كذب، لمخالفة قوله ضميره، وبالوجه الثاني إكذاب الله تعالى المنافقين حيث قالوا: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ... الآية [المنافقون : 1] ، والصِّدِّيقُ: من كثر منه الصّدق، وقيل: بل يقال لمن لا يكذب قطّ، وقيل: بل لمن لا يتأتّى منه الكذب لتعوّده الصّدق، وقيل: بل لمن صدق بقوله واعتقاده وحقّق صدقه بفعله، قال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا﴾ [مريم : 41] ، وقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا﴾ [مريم : 56] ، وقال: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة : 75] ، وقال: ﴿فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ﴾ [النساء : 69] ، فَالصِّدِّيقُونَ هم قوم دُوَيْنَ الأنبياء في الفضيلة على ما بيّنت في «الذّريعة إلى مكارم الشّريعة»(٢) . وقد يستعمل الصّدق والكذب في كلّ ما يحقّ ويحصل في الاعتقاد، نحو: صدق ظنّي وكذب، ويستعملان في أفعال الجوارح، فيقال: صَدَقَ في القتال: إذا وفّى حقّه، وفعل ما يجب وكما يجب، وكذب في القتال: إذا كان بخلاف ذلك.
قال: ﴿رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب : 23] ، أي: حقّقوا العهد بما أظهروه من أفعالهم، وقوله: لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ [الأحزاب : 8] ، أي: يسأل من صدق بلسانه عن صدق فعله تنبيها أنه لا يكفي الاعتراف بالحقّ دون تحرّيه بالفعل، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِ﴾ [الفتح : 27] ، فهذا صِدْقٌ بالفعل وهو التّحقّق، أي: حقّق رؤيته، وعلى ذلك قوله: ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر : 33] ، أي: حقّق ما أورده قولا بما تحرّاه فعلا، ويعبّر عن كلّ فعل فاضل ظاهرا وباطنا بالصّدق، فيضاف إليه ذلك الفعل الذي يوصف به نحو قوله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر : 55] ، وعلى هذا: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس : 2] ، وقوله: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء : 80] ، ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء : 84] ، فإنّ ذلك سؤال أن يجعله الله تعالى صالحا، بحيث إذا أثنى عليه من بعده لم يكن ذلك الثّناء كذبا بل يكون كما قال الشاعر:
280- إذا نحن أثنينا عليك بصالح ... فأنت الذي نثني وفوق الذي نثني(٣)
وصَدَقَ قد يتعدّى إلى مفعولين نحو: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [آل عمران : 152] ، وصَدَّقْتُ فلانا: نسبته إلى الصّدق، وأَصْدَقْتُهُ: وجدته صادقا، وقيل: هما واحد، ويقالان فيهما جميعا. قال: ﴿وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ [البقرة : 101] ، ﴿وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [المائدة : 46] ، ويستعمل التَّصْدِيقُ في كلّ ما فيه تحقيق، يقال: صدقني فعله وكتابه.
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ [البقرة : 89] ، ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران : 3] ، ﴿وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا﴾ [الأحقاف : 12] ، أي: مصدّق ما تقدّم، وقوله: «لسانا» منتصب على الحال، وفي المثل: صدقني سنّ بكره(٤) . والصَّدَاقَةُ: صدق الاعتقاد في المودّة، وذلك مختصّ بالإنسان دون غيره، قال: ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء : 100-101] . وذلك إشارة إلى نحو قوله: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف : 67] ، والصَّدَقَةُ: ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة كالزّكاة، لكن الصدّقة في الأصل تقال للمتطوّع به، والزّكاة للواجب، وقد يسمّى الواجب صدقة إذا تحرّى صاحبها الصّدق في فعله. قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة : 103] ، وقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ [التوبة : 60] ، يقال: صَدَّقَ وتَصَدَّقَ قال: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى﴾ [القيامة : 31] ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف : 88] ، ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ﴾ [الحديد : 18] ، في آي كثيرة.
ويقال لما تجافى عنه الإنسان من حقّه: تَصَدَّقَ به، نحو قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة : 45] ، أي: من تجافى عنه، وقوله: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ، ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة : 280] ، فإنه أجرى ما يسامح به المعسر مجرى الصّدقة(٥) . وعلى هذا ما ورد عن النبيّ ﷺ «ما تأكله العافية فهو صدقة»(٦) ، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء : 92] ، فسمّى إعفاءه صَدَقَةً، وقوله: فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً، [المجادلة : 12] ، ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ﴾ [المجادلة : 13] ، فإنهم كانوا قد أمروا بأن يتصدّق من يناجي الرّسول بصدقة ما غير مقدّرة. وقوله: ﴿رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون : 10] ، فمن الصّدق أو من الصّدقة. وصَداقُ المرأة وصِدَاقُهَا وصُدْقَتُهَا: ما تعطى من مهرها، وقد أَصْدَقْتُهَا. قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء : 4] .
(١) ما بين [] نقله السمين في عمدة الحفاظ (صدق) ، ثم قال: وفيه نظر من حيث التَّصْدِيقِ والتكذيب لم يرد على معنى الاستفهام، وما بعده إنما ورد على ما هو لازم، ولا كلام في ذلك، فلم يصح أن يقال: إنهما وردا على غير الخبر.
(٢) انظر: الذريعة ص 71، باب أصناف الناس.
(٣) البيت لأبي نواس، وبعده: وإن جرت الألفاظ منا بمدحة ... لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني
وهو في مختارات البارودي 1/ 114، والوساطة بين المتنبي وخصومه ص 56، وتفسير القرطبي 1/ 135.
(٤) هذا مثل يضرب في الصدق، انظر: مجمع الأمثال 1/ 392، وأساس البلاغة ص 251. ويجوز في (سن) الرفع والنصب.
(٥) راجع: تفسير الماوردي 1/ 292.
(٦) الحديث عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «من أحيا أرضا ميتة فهي له، وما أكلت العافية فهو له صدقة» أخرجه أحمد في المسند 3/ 338.
وعن أم سلمة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من امرئ يحيي أرضا فتشرب منها كبد حرّى، أو تصيب منها عافية إلا كتب الله له به أجرا» . أخرجه الطبراني في الأوسط، وفيه موسى بن يعقوب الزمعي، وثقه ابن معين وابن حبان، وضعّفه ابن المديني، انظر: مجمع الزوائد 4/ 160.