تفسير قول الله تعالى: (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ). سورة البقرة، الآية: ٢٤
التحرير والتنوير - ابن عاشور
التحرير والتنوير - ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى الشَّرْطِ وجَوابِهِ، أيْ فَإنْ لَمْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ أوْ أتَيْتُمْ بِما زَعَمْتُمْ أنَّهُ سُورَةٌ - ولَمْ يَسْتَطِعْ ذَلِكَ شُهَداؤُكم عَلى التَّفْسِيرَيْنِ - فاعْلَمُوا أنَّكُمُ اجْتَرَأْتُمْ عَلى اللَّهِ بِتَكْذِيبِ رَسُولِهِ المُؤَيَّدِ بِمُعْجِزَةِ القُرْآنِ فاتَّقُوا عِقابَهُ المُعَدَّ لِأمْثالِكم.
ومَفْعُولُ (تَفْعَلُوا) مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ أيِ الإتْيانَ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ في مِثْلِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالاتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]) في سُورَةِ المائِدَةِ.
وجِيءَ بِإنِ الشَّرْطِيَّةِ الَّتِي الأصْلُ فِيها عَدَمُ القَطْعِ مَعَ أنَّ عَدَمَ فِعْلِهِمْ هو الأرْجَحُ بِقَرِينَةِ مَقامِ التَّحَدِّي والتَّعْجِيزِ؛ لِأنَّ القَصْدَ إظْهارُ هَذا الشَّرْطِ في صُورَةِ النّادِرِ مُبالِغَةً في تَوْفِيرِ دَواعِيهِمْ عَلى المُعارَضَةِ بِطَرِيقِ المُلايَنَةِ والتَّحْرِيضِ، واسْتِقْصاءً لَهم في إمْكانِها، وذَلِكَ مِنِ اسْتِنْزالِ طائِرِ الخَصْمِ، وقَيْدٍ لِأوابِدِ مُكابَرَتِهِ، ومُجادَلَةٍ لَهُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، حَتّى إذا جاءَ لِلْحَقِّ وأنْصَفَ مِن نَفْسِهِ يَرْتَقِي مَعَهُ في دَرَجاتِ الجَدَلِ؛ ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ ﴿ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ كَأنَّ المُتَحَدِّيَ يَتَدَبَّرُ في شَأْنِهِمْ، ويَزِنُ أمْرَهم فَيَقُولُ أوَّلًا ائْتُوا بِسُورَةٍ، ثُمَّ يَقُولُ قَدِّرُوا أنَّكم لا تَسْتَطِيعُونَ الإتْيانَ بِمِثْلِهِ وأعِدُّوا لَهاتِهِ الحالَةِ مَخْلَصًا مِنها، ثُمَّ يَقُولُ: ها قَدْ أيْقَنْتُ وأيْقَنْتُمْ أنَّكم لا تَسْتَطِيعُونَ الإتْيانَ بِمِثْلِهِ. مَعَ ما في هَذا مِن تَوْفِيرِ دَواعِيهِمْ عَلى المُعارَضَةِ بِطَرِيقِ المُخاشَنَةِ والتَّحْذِيرِ.
ولِذَلِكَ حَسُنَ مَوْقِعُ (لَنْ) الدّالَّةِ عَلى نَفْيِ المُسْتَقْبَلِ، فالنَّفْيُ بِها آكَدُ مِنَ النَّفْيِ بِلا، ولِهَذا قالَ سِيبَوَيْهِ: ”لا“ لِنَفْيِ ”يَفْعَلُ“، و”لَنْ“ لِنَفْيِ ”سَيَفْعَلُ“ فَقَدْ قالَ الخَلِيلُ: إنَّ ”لَنْ“ حَرْفٌ مُخْتَزَلٌ مِن لا النّافِيَةِ وأنِ الِاسْتِقْبالِيَّةِ. وهو رَأْيٌ حَسَنٌ، وإذا كانَتْ لِنَفْيِ المُسْتَقْبَلِ تَدُلُّ عَلى النَّفْيِ المُؤَيَّدِ غالِبًا لِأنَّهُ لَمّا لَمْ يُوَقَّتْ بِحَدٍّ مِن حُدُودِ المُسْتَقْبَلِ دَلَّ عَلى اسْتِغْراقِ أزْمِنَتِهِ إذْ لَيْسَ بَعْضُها أوْلى مِن بَعْضٍ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِإفادَتِها التَّأْبِيدَ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا وهو التَّأْكِيدُ، وقَدِ اسْتَقْرَيْتُ مَواقِعَها في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ فَوَجَدْتُها لا يُؤْتى بِها إلّا في مَقامِ إرادَةِ النَّفْيِ المُؤَكَّدِ أوِ المُؤَبَّدِ.
وكَلامُ الخَلِيلِ في أصْلِ وضْعِها يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، فَمَن قالَ مِنَ النُّحاةِ أنَّها لا تُفِيدُ تَأْكِيدًا ولا تَأْبِيدًا فَقَدْ كابَرَ.
وقَوْلُهُ ﴿ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ مِن أكْبَرِ مُعْجِزاتِ القُرْآنِ فَإنَّها مُعْجِزَةٌ مِن جِهَتَيْنِ: الأُولى أنَّها أثْبَتَتْ أنَّهم لَمْ يُعارِضُوا لِأنَّ ذَلِكَ أبْعَثُ لَهم عَلى المُعارَضَةِ لَوْ كانُوا قادِرِينَ، وقَدْ تَأكَّدَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِقَوْلِهِ قَبْلُ: (﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣]) وذَلِكَ دَلِيلُ العَجْزِ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ فَيَدُلُّ عَلى أنَّهُ كَلامُ مَن قُدْرَتُهُ فَوْقَ طَوْقِ البَشَرِ. الثّانِيَةُ أنَّهُ أخْبَرَ بِأنَّهم لا يَأْتُونَ بِذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ فَما أتى أحَدٌ مِنهم ولا مِمَّنْ خَلَفَهم بِما يُعارِضُ القُرْآنَ فَكانَتْ هاتِهِ الآيَةُ مُعْجِزَةً مِن نَوْعِ الإعْجازِ بِالإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ مُسْتَمِرَّةً عَلى تَعاقُبِ السِّنِينَ، فَإنَّ آياتِ المُعارَضَةِ الكَثِيرَةَ في القُرْآنِ قَدْ قُرِعَتْ بِها أسْماعُ المُعانِدِينَ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ أبَوْا تَصْدِيقَ الرَّسُولِ، وتَواتَرَتْ بِها الأخْبارُ بَيْنَهم وسارَتْ بِها الرُّكْبانُ بِحَيْثُ لا يَسَعُ ادِّعاءَ جَهْلِها - ودَواعِي المُعارَضَةِ مَوْجُودَةٌ فِيهِمْ - فَفي خاصَّتِهِمْ بِما يَأْنَسُونَهُ مِن تَأهُّلِهِمْ لِقَوْلِ الكَلامِ البَلِيغِ وهم شُعَراؤُهم وخُطَباؤُهم.
وكانَتْ لَهم مَجامِعُ التَّقاوُلِ ونَوادِي التَّشاوُرِ والتَّعاوُنِ، وفي عامَّتِهِمْ وصَعالِيكِهِمْ بِحِرْصِهِمْ عَلى حَثِّ خاصَّتِهِمْ لِدَفْعِ مَسَبَّةِ الغَلَبَةِ عَنْ قَبائِلِهِمْ ودِينِهِمْ والِانْتِصارِ لِآلِهَتِهِمْ وإيقافِ تَيّارِ دُخُولِ رِجالِهِمْ في دِينِ الإسْلامِ. مَعَ ما عُرِفَ بِهِ العَرَبِيُّ مِن إباءَةِ الغَلَبَةِ وكَراهَةِ الِاسْتِكانَةِ. فَما أمَسَكَ الكافَّةُ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ القُرْآنِ إلّا لِعَجْزِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، وذَلِكَ حُجَّةٌ عَلى أنَّهُ مَنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، ولَوْ عارَضَهُ واحِدٌ أوْ جَماعَةٌ لَطارُوا بِهِ فَرَحًا وأشاعُوهُ وتَناقَلُوهُ، فَإنَّهُمُ اعْتادُوا تَناقُلَ أقْوالِ بُلَغائِهِمْ مِن قَبْلِ أنْ يُغْرِيَهُمُ التَّحَدِّي فَما ظَنُّكَ بِهِمْ لَوْ ظَفِرُوا بِشَيْءٍ مِنهُ يَدْفَعُونَ بِهِ عَنْهم هَذِهِ الِاسْتِكانَةَ، وعَدَمُ العُثُورِ عَلى شَيْءٍ يُدَّعى مِن ذَلِكَ يُوجِبُ اليَقِينَ بِأنَّهم أمْسَكُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ، وسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ بِالتَّفْصِيلِ في آخِرِ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ٠
و(تَفْعَلُوا) الأوَّلُ مَجْزُومٌ بِلَمْ لا مَحالَةَ؛ لِأنَّ ”إنِ“ الشُّرْطِيَّةَ دَخَلَتْ عَلى الفِعْلِ بَعْدَ اعْتِبارِهِ مَنفِيًّا فَيَكُونُ مَعْنى الشَّرْطِ مُتَسَلِّطًا عَلى لَمْ وفِعْلِها، فَظَهَرَ أنْ لَيْسَ هَذا مُتَنازِعٌ بَيْنَ ”إنْ“ و”لَمْ“ في العَمَلِ في (تَفْعَلُوا) لِاخْتِلافِ المَعْنَيَيْنِ، فَلا يُفْرَضُ فِيهِ الِاخْتِلافُ الواقِعُ بَيْنَ النُّحاةِ في صِحَّةِ تَنازُعِ الحَرْفَيْنِ مَعْمُولًا واحِدًا كَما تَوَهَّمَهُ ابْنُ العِلْجِ أحَدُ نُحاةِ الأنْدَلُسِ نَسَبَهُ إلَيْهِ في التَّصْرِيحِ عَلى التَّوْضِيحِ عَلى أنَّ الحَقَّ أنَّهُ لا مانِعَ مِنهُ مَعَ اتِّحادِ الِاقْتِضاءِ مِن حَيْثُ المَعْنى، وقَدْ أخَذَ جَوازَهُ مِن كَلامِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ في المَسائِلِ الدِّمَشْقِيّاتِ ومِن كِتابِ التَّذْكِرَةِ لَهُ أنَّهُ جَعَلَ قَوْلَ الرّاجِزِ:
حَتّى تَراها وكَأنَّ وكَأنْ أعْناقُها مُشَرَّفاتٌ في قَرَنْ
مِن قَبِيلِ التَّنازُعِ بَيْنَ ”كَأنَّ“ المُشَدَّدَةِ ”وكَأنِ“ المُخَفَّفَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿فاتَّقُوا النّارَ﴾ أثَرٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ دَلَّ عَلى جُمَلٍ مَحْذُوفَةٍ لِلْإيجازِ لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ في المَعْنى هو ما جِيءَ بِالشَّرْطِ لِأجْلِهِ وهو مَفادُ قَوْلِهِ ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ [البقرة: ٢٣]، فَتَقْدِيرُ جَوابِ قَوْلِهِ: (﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾) أنَّهُ: فَأيْقِنُوا بِأنَّ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِنا وأنَّهُ صادِقٌ فِيما أمَرَكم بِهِ مِن وُجُوبِ عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ واحْذَرُوا - إنْ لَمْ تَمْتَثِلُوا أمْرَهُ - عَذابَ النّارِ فَوَقَعَ قَوْلُهُ ﴿فاتَّقُوا النّارَ﴾ مَوْقِعَ الجَوابِ لِدَلالَتِهِ عَلَيْهِ وإيذائِهِ بِهِ، وهو إيجازٌ بَدِيعٌ، وذَلِكَ أنَّ اتِّقاءَ النّارِ لَمْ يَكُنْ مِمّا يُؤْمِنُونَ بِهِ مِن قَبْلُ لِتَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ، فَإذا تَبَيَّنَ صِدْقُ الرَّسُولِ لَزِمَهُمُ الإيمانُ بِالبَعْثِ والجَزاءِ.
وإنَّما عَبَّرَ بِـ (﴿لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا﴾) دُونَ: فَإنْ لَمْ تَأْتُوا بِذَلِكَ ولَنْ تَأْتُوا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى (﴿قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ [يوسف: ٥٩]) إلى قَوْلِهِ (﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف: ٦٠]) إلَخْ لِأنَّ في لَفْظِ (تَفْعَلُوا) هُنا مِنَ الإيجازِ ما لَيْسَ مِثْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى إذِ الإتْيانُ المُتَحَدّى بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ إتْيانٌ مُكَيَّفٌ بِكَيْفِيَّةٍ خاصَّةٍ وهي كَوْنُ المَأْتِيِّ بِهِ مِثْلَ هَذا القُرْآنِ ومَشْهُودًا عَلَيْهِ ومُسْتَعانًا عَلَيْهِ بِشُهَدائِهِمْ فَكانَ في لَفْظِ (تَفْعَلُوا) مِنَ الإحاطَةِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ والقُيُودِ إيجازٌ لا يَقْتَضِيهِ الإتْيانُ الَّذِي في سُورَةِ يُوسُفَ.
والوَقُودُ بِفَتْحِ الواوِ اسْمٌ لِما يُوقَدُ بِهِ، وبِالضَّمِّ مَصْدَرٌ، وقِيلَ بِالعَكْسِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ حُكِيَ الضَّمُّ والفَتْحُ في كُلٍّ مِنَ الحَطَبِ والمَصْدَرِ. وقِياسُ ”فَعُولٍ“ بِفَتْحِ الفاءِ أنَّهُ اسْمٌ لِما يُفْعَلُ بِهِ كالوَضُوءِ والحَنُوطِ والسَّعُوطِ والوَجُورِ إلّا سَبْعَةَ ألْفاظٍ ورَدَتْ بِالفَتْحِ لِلْمَصْدَرِ وهي: الوَلُوعُ والقَبُولُ والوَضُوءُ والطَّهُورُ والوَزُوعُ واللَّغُوبُ والوَقُودُ. والفَتْحُ هُنا هو المُتَعَيَّنُ لِأنَّ المُرادَ الِاسْمُ، وقُرِئَ بِالضَّمِّ في الشّاذِّ، وذَلِكَ عَلى اعْتِبارِ الضَّمِّ مَصْدَرًا أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ذَوُو وقُودِها النّاسُ.
والنّاسُ أُرِيدَ بِهِ صِنْفٌ مِنهم وهُمُ الكافِرُونَ، فَتَعْرِيفُهُ تَعْرِيفُ الِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفَ العَهْدِ؛ لِأنَّ كَوْنَهُمُ المُشْرِكِينَ قَدْ عُلِمَ مِن آياتٍ أُخْرى كَثِيرَةٍ.
والحِجارَةُ جَمْعُ حَجَرٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ وهو وزْنٌ نادِرٌ في كَلامِهِمْ جَمَعُوا حَجَرًا عَنْ أحْجارٍ وألْحَقُوا بِهِ هاءَ التَّأْنِيثِ قالَ سِيبَوَيْهِ كَما ألْحَقُوها بِالبُعُولَةِ والفُحُولَةِ. وعَنْ أبِي الهَيْثَمِ أنَّ العَرَبَ تُدْخِلُ الهاءَ في كُلِّ جَمْعٍ عَلى فِعالٍ أوْ فُعُولٍ لِأنَّهُ إذا وقَفَ عَلَيْهِ اجْتَمَعَ فِيهِ عِنْدَ الوَقْفِ ساكِنانِ أحَدُهُما الألِفُ السّاكِنَةُ والثّانِي الحَرْفُ المَوْقُوفُ عَلَيْهِ أيِ اسْتَحْسَنُوا أنْ يَكُونَ خَفِيفًا إذا وقَفُوا عَلَيْهِ، ولَيْسَ هو مِنِ اجْتِماعِ السّاكِنَيْنِ المَمْنُوعِ، ومِن ذَلِكَ عِظامَةٌ ونِفارَةٌ وفِحالَةٌ وحِبالَةٌ وذِكارَةٌ وفُحُولَةٌ وحُمُولَةٌ جُمُوعًا وبِكارَةٌ جَمْعُ ”بَكْرٍ“ بِفَتْحِ الباءِ، ومِهارَةٌ جَمْعُ مُهْرٍ ومَعْنى وقُودُها الحِجارَةُ أنَّ الحَجَرَ جُعِلَ لَها مَكانَ الحَطَبِ لِأنَّهُ إذا اشْتَعَلَ صارَ أشَدَّ إحْراقًا وأبْطَأ انْطِفاءً، ومِنَ الحِجارَةِ أصْنامُهم فَإنَّها أحْجارٌ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ صَرِيحًا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] وفي هَذِهِ الآيَةِ تَعْرِيضٌ بِتَهْدِيدِ المُخاطَبِينَ، والمَعْنى المُعَرَّضُ بِهِ: فاحْذَرُوا أنْ تَكُونُوا أنْتُمْ وما عَبَدْتُمْ وقُودَ النّارِ، وقَرِينَةُ التَّعْرِيضِ قَوْلُهُ: (فاتَّقُوا) وقَوْلُهُ: (والحِجارَةُ) لِأنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِاتِّقائِها أمْرَ تَحْذِيرٍ عَلِمُوا أنَّهم هُمُ النّاسُ، ولَمّا ذُكِرَتِ الحِجارَةُ عَلِمُوا أنَّها أصْنامُهم، فَلَزِمَ أنْ يَكُونَ النّاسُ هم عُبّادَ تِلْكَ الأصْنامِ، فالتَّعْرِيضُ هُنا مُتَفاوِتٌ فالأوَّلُ مِنهُ بِواسِطَةٍ واحِدَةٍ والثّانِي بِواسِطَتَيْنِ.
وحِكْمَةُ إلْقاءِ حِجارَةِ الأصْنامِ في النّارِ مَعَ أنَّها لا تَظْهَرُ فِيها حِكْمَةُ الجَزاءِ أنَّ ذَلِكَ تَحْقِيرٌ لَها وزِيادَةُ إظْهارِ خَطَأِ عَبَدَتِها فِيما عَبَدُوا، وتَكَرَّرَ لِحَسْرَتِهِمْ عَلى إهانَتِها، وحَسْرَتِهِمْ أيْضًا عَلى أنْ كانَ ما أعَدُّوهُ سَبَبًا لِعِزِّهِمْ وفَخْرِهِمْ سَبَبًا لِعَذابِهِمْ، وما أعَدُّوهُ لِنَجاتِهِمْ سَبَبًا لِعَذابِهِمْ، قالَ تَعالى ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] الآيَةَ.
وتَعْرِيفُ النّارِ لِلْعَهْدِ، ووَصْفُها بِالمَوْصُولِ المُقْتَضِي عِلْمَ المُخاطَبِينَ بِالصِّلَةِ كَما هو الغالِبُ في صِلَةِ المَوْصُولِ لِتَنْزِيلِ الجاهِلِ مَنزِلَةَ العالَمِ بِقَصْدِ تَحْقِيقِ وُجُودِ جَهَنَّمَ، أوْ لِأنَّ وصْفَ جَهَنَّمَ بِذَلِكَ قَدْ تَقَرَّرَ فِيما نَزَلَ قَبْلُ مِنَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ التَّحْرِيمِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [التحريم: ٦] وإنْ كانَتْ سُورَةُ التَّحْرِيمِ مَعْدُودَةً في السُّوَرِ الَّتِي نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ البَقَرَةِ فَإنَّ في صِحَّةِ ذَلِكَ العَدِّ نَظَرًا، أوْ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ ذَلِكَ عِنْدَهم مِن أخْبارِ أهْلِ الكِتابِ.
وفِي جَعْلِ النّاسِ والحِجارَةِ وقُودًا دَلِيلٌ عَلى أنَّ نارَ جَهَنَّمَ مُشْتَعِلَةٌ مِن قَبْلِ زَجِّ النّاسِ فِيها وأنَّ النّاسَ والحِجارَةَ إنَّما تَتَّقِدُ بِها لِأنَّ نارَ جَهَنَّمَ هي عُنْصُرُ الحَرارَةِ كُلِّها كَما أشارَ إلَيْهِ حَدِيثُ المُوَطَّأِ: «إنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِن فَيْحِ جَهَنَّمَ فَإذا اتَّصَلَ بِها الآدَمِيُّ اشْتَعَلَ ونَضِجَ جِلْدُهُ وإذا اتَّصَلَتْ بِها الحِجارَةُ صُهِرَتْ» . وفي الِاحْتِراقِ بِالسَّيّالِ الكَهْرَبائِيِّ نَمُوذَجٌ يُقَرِّبُ ذَلِكَ لِلنّاسِ اليَوْمَ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ جَهَنَّمَ تَتَّقِدُ بِحِجارَةِ الكِبْرِيتِ فَيَكُونُ نَمُوذَجَها البَراكِينُ المُلْتَهِبَةُ.
وقَوْلُهُ ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ لَمْ يُعْطَفْ لِقَصْدِ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ مَقْصُودٌ بِالخَبَرِيَّةِ لِأنَّهُ لَوْ عُطِفَ لَأوْهَمَ العَطْفُ أنَّهُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ أوْ صِلَةٌ أُخْرى وجَعَلَهُ خَبَرًا أهْوَلَ وأفْخَمَ وأدْخَلَ لِلرَّوْعِ في قُلُوبِ المُخاطَبِينَ وهو تَعْرِيضٌ بِأنَّها أُعِدَّتْ لَهُمُ ابْتِداءً لِأنَّ المُحاوَرَةَ مَعَهم.
وهَذِهِ الآيَةُ قَدْ أثْبَتَتْ إعْجازَ القُرْآنِ إثْباتًا مُتَواتِرًا امْتازَ بِهِ القُرْآنُ عَنْ بَقِيَّةِ المُعْجِزاتِ، فَإنَّ سائِرَ المُعْجِزاتِ لِلْأنْبِياءِ ولِنَبِيِّنا عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما ثَبَتَتْ بِأخْبارِ آحادٍ وثَبَتَ مِن جَمِيعِها قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ جَمِيعِها وهو وُقُوعُ أصْلِ الإعْجازِ بِتَواتُرٍ مَعْنَوِيٍّ مِثْلُ كَرَمِ حاتِمٍ وشَجاعَةِ عَمْرٍو فَأمّا القُرْآنُ فَإعْجازُهُ ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ النَّقْلِيِّ، أدْرَكَ مُعْجِزَتَهُ العَرَبُ بِالحِسِّ. وأدْرَكَها عامَّةُ غَيْرِهِمْ بِالنَّقْلِ. وقَدْ تُدْرِكُها الخاصَّةُ مِن غَيْرِهِمْ بِالحِسِّ كَذَلِكَ عَلى ما سَنُبَيِّنُهُ.
أمّا إدْراكُ العَرَبِ مُعْجِزَةَ القُرْآنِ فَظاهِرٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ وأمْثالِها، فَإنَّهم كَذَّبُوا النَّبِيءَ ﷺ وناوَءُوهُ وأعْرَضُوا عَنْ مُتابَعَتِهِ فَحاجَّهم عَلى إثْباتِ صِدْقِهِ بِكَلامٍ أوْحاهُ اللَّهُ إلَيْهِ، وجَعَلَ دَلِيلَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَجْزَهم عَنْ مُعارَضَتِهِ، فَإنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن حُرُوفِ لُغَتِهِمْ ومِن كَلِماتِها وعَلى أسالِيبِ تَراكِيبِها، وأوْدَعَ مِنَ الخَصائِصِ البَلاغِيَّةِ ما عَرَفُوا أمْثالَهُ في كَلامِ بُلَغائِهِمْ مِنَ الخُطَباءِ والشُّعَراءِ، ثُمَّ حاكَمَهم إلى الفَصْلِ في أمْرِ تَصْدِيقِهِ أوْ تَكْذِيبِهِ بِحُكْمٍ سَهْلٍ وعَدْلٍ وهو مُعارَضَتُهم لِما أتى بِهِ أوْ عَجْزُهم عَنْ ذَلِكَ نَطَقَ بِذَلِكَ القُرْآنُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ كَهاتِهِ الآيَةِ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا المُعارَضَةَ فَكانَ عَجْزُهم عَنِ المُعارَضَةِ لا يَعْدُو أمْرَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ عَجْزُهم لِأنَّ القُرْآنَ بَلَغَ فِيما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الخَصائِصِ البَلاغِيَّةِ الَّتِي يَقْتَضِيها الحالُ حَدَّ الإطاقَةِ لِأذْهانِ بُلَغاءِ البَشَرِ بِالإحاطَةِ بِهِ، بِحَيْثُ لَوِ اجْتَمَعَتْ أذْهانُهم وانْقَدَحَتْ قَرائِحُهم وتَآمَرُوا وتَشاوَرُوا في نَوادِيهِمْ وبِطاحِهِمْ وأسْواقِ مَوْسِمِهِمْ، فَأبْدى كُلُّ بَلِيغٍ ما لاحَ لَهُ مِنَ النُّكَتِ والخَصائِصِ لَوَجَدُوا كُلَّ ذَلِكَ قَدْ وفَتْ بِهِ آياتُ القُرْآنِ في مِثْلِهِ وأتَتْ بِأعْظَمَ مِنهُ، ثُمَّ لَوْ لَحِقَ بِهِمْ لاحِقٌ، وخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ فَأبْدى ما لَمْ يُبْدُوهُ مِنَ النُّكَتِ لَوَجَدَ تِلْكَ الآيَةَ الَّتِي انْقَدَحَتْ فِيها أفْهامُ السّابِقَيْنِ وأحْصَتْ ما فِيها مِنَ الخَصائِصِ قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلى ما لاحَ لِهَذا الأخِيرِ وأوْفَرَ مِنهُ، فَهَذا هو القَدْرُ الَّذِي أدْرَكَهُ بُلَغاءُ العَرَبِ بِفِطَرِهِمْ، فَأعْرَضُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ عِلْمًا بِأنَّهم لا قِبَلَ لَهم بِمِثْلِهِ، وقَدْ كانُوا مِن عُلُوِّ الهِمَّةِ ورَجاحَةِ الرَّأْيِ بِحَيْثُ لا يُعَرِّضُونَ أنْفُسَهم لِلِافْتِضاحِ ولا يَرْضَوْنَ لِأنْفُسِهِمْ بِالِانْتِقاصِ، لِذَلِكَ رَأوُا الإمْساكَ عَنِ المُعارَضَةِ أجْدى بِهِمْ واحْتَمَلُوا النِّداءَ عَلَيْهِمْ بِالعَجْزِ عَنِ المُعارَضَةِ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ، لَعَلَّهم رَأوْا أنَّ السُّكُوتَ يَقْبَلُ مِنَ التَّأْوِيلِ بِالأنَفَةِ ما لا تَقْبَلُهُ المُعارَضَةُ القاصِرَةُ عَنْ بَلاغَةِ القُرْآنِ فَثَبَتَ أنَّهُ مُعْجِزٌ لِبُلُوغِهِ حَدًّا لا يَسْتَطِيعُهُ البَشَرُ، فَكانَ هَذا الكَلامُ خارِقًا لِلْعادَةِ ودَلِيلًا عَلى أنَّ اللَّهَ أوْجَدَهُ كَذَلِكَ لِيَكُونَ دَلِيلًا عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ، فالعَجْزُ عَنِ المُعارَضَةِ لِهَذا الوَجْهِ كانَ لِعَدَمِ القُدْرَةِ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، وهَذا هو رَأْيُ جُمْهُورِ أهْلِ السُّنَّةِ والمُعْتَزِلَةِ وأعْيانِ الأشاعِرَةِ مِثْلِ أبِي بَكْرٍ الباقِلّانِيِّ وعَبْدِ القاهِرِ الجُرْجانِيِّ وهو المَشْهُورُ عَنِ الأشْعَرِيِّ.
وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا قادِرِينَ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، مُمْكِنَةً مِنهُمُ المُعارَضَةُ ولَكِنَّهم صَرَفَهُمُ اللَّهُ عَنِ التَّصَدِّي لَها مَعَ تَوَفُّرِ الدَّواعِي عَلى ذَلِكَ، فَيَكُونُ صَدُّهم عَنْ ذَلِكَ - مَعَ اخْتِلافِ أحْوالِهِمْ - أمْرًا خارِقًا لِلْعادَةِ أيْضًا وهو دَلِيلُ المُعْجِزَةِ، وهَذا مَذْهَبٌ مِن قَوْلٍ ذَهَبَ إلَيْهِ فَرِيقٌ، وقَدْ ذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ في كِتابِهِ في إعْجازِ القُرْآنِ ولَمْ يُعَيِّنْ لَهُ قائِلًا وقَدْ نَسَبَهُ التَّفْتَزانِيُّ في كِتابِ المَقاصِدِ إلى القائِلِينَ: إنَّ الإعْجازَ بِالصِّرْفَةِ وهو قَوْلُ النَّظّامِ مِنَ المُعْتَزِلَةِ وكَثِيرٍ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، ونَسَبَهُ الخَفاجِيُّ إلى أبِي إسْحاقَ الإسْفَرائِينِيِّ ونَسَبَهُ عِياضٌ إلى أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ ولَكِنَّهُ لَمْ يَشْتَهِرْ عَنْهُ، وقالَ بِهِ الشَّرِيفُ المُرْتَضى مِنَ الشِّيعَةِ كَما في المَقاصِدِ، وهو مَعَ كَوْنِهِ كافِيًا في أنَّ عَجْزَهم عَلى المُعارَضَةِ بِتَعْجِيزِ اللَّهِ إيّاهم هو مَسْلَكٌ ضَعِيفٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى وُجُوهِ إعْجازِ القُرْآنِ تَفْصِيلًا في المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ.
فَإنْ قُلْتَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَرْكُ العَرَبِ لِلْمُعارَضَةِ تَعاجُزًا لا عَجْزًا. وبَعْدُ فَمَن آمَنّا أنْ يَكُونَ العَرَبُ قَدْ عارَضُوا القُرْآنَ ولَمْ يُنْقَلْ إلَيْنا ما عارَضُوا بِهِ. قُلْتُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ فِعْلُهم ذَلِكَ تَعاجُزًا؛ فَإنَّ مُحَمَّدًا ﷺ بُعِثَ في أُمَّةٍ مُناوِئَةٍ لَهُ مُعادِيَةٍ لا كَما بُعِثَ مُوسى في بَنِي إسْرائِيلَ مُوالِينَ مُعاضِدِينَ لَهُ ومُشايِعِينَ، فَكانَتِ العَرَبُ قاطِبَةً مُعارِضَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ إذْ كَذَّبُوهُ ولَمَزُوهُ بِالجُنُونِ والسِّحْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَتِّبِعْهُ مِنهم إلّا نَفَرٌ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفَونَ بَيْنَ قَوْمِهِمْ لا نَصِيرَ لَهم في أوَّلِ الدَّعْوَةِ، ثُمَّ كانَ مِن أمْرِ قَوْمِهِ أنْ قاطَعُوهُ ثُمَّ أمَرُوهُ بِالخُرُوجِ بَيْنَ هَمٍّ بِقَتْلِهِ واقْتِصارٍ عَلى إخْراجِهِ، كُلُّ هَذا ثَبَتَ عَنْهم في أحادِيثِهِمْ وأقْوالِهِمُ المَنقُولَةِ نَقْلًا يَسْتَحِيلُ تَواطُؤُنا عَلَيْهِ عَلى الكَذِبِ، ودامُوا عَلى مُناوَأتِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ كَذَلِكَ يَصُدُّونَهُ عَنِ الحَجِّ ويَضْطَهِدُونَ أتْباعَهُ إلى آخِرِ ما عُرِفَ في التّارِيخِ والسِّيَرِ، ولَمْ تَكُنْ تِلْكَ المُناوَأةُ في أمَدٍ قَصِيرٍ يُمْكِنُ في خِلالِهِ كَتْمُ الحَوادِثِ وطَيُّ نَشْرِ المُعارَضَةِ، فَإنَّها مُدَّةُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً إلى يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ.
لا جَرَمَ أنَّ أقْصى رَغْبَةٍ لَهم في تِلْكَ المُدَّةِ هي إظْهارُ تَكْذِيبِهِ انْتِصارًا لِأنْفُسِهِمْ ولِآلِهَتِهِمْ وتَظاهُرًا بِالنَّصْرِ بَيْنَ قَبائِلِ العَرَبِ، كُلُّ هَذا ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ عِنْدَ جَمِيعِ الأُمَمِ المُجاوِرَةِ لَهم مِن فُرْسٍ ورُومٍ وقِبْطٍ وأحْباشٍ.
ولا جَرَمَ أنَّ القُرْآنَ قَصَّرَ مَعَهم مَسافَةَ المُجادَلَةَ وهَيَّأ لَهم طَرِيقَ إلْزامِهِ بِحَقِّيَّةِ ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ فَأتاهم كِتابًا مُنَزَّلًا نُجُومًا ودَعاهم إلى المُعارَضَةِ بِالإتْيانِ بِقِطْعَةٍ قَصِيرَةٍ مِثْلِهِ وأنْ يَجْمَعُوا لِذَلِكَ شُهَداءَهم وأعْوانَهم، نَطَقَ بِذَلِكَ هَذا الكِتابُ، كُلُّ هَذا ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ، فَإنَّ هَذا الكِتابَ مُتَواتِرٌ بَيْنَ العَرَبِ ولا يَخْلُو عَنِ العِلْمِ بِوُجُودِهِ أهْلُ الدِّينِ مِنَ الأُمَمِ. وإنَّ اشْتِمالَهُ عَلى طَلَبِ المُعارَضَةِ ثابِتٌ بِالتَّواتُرِ المَعْلُومِ لَدَيْنا، فَإنَّهُ هو هَذا الكِتابُ الَّذِي آمَنَ المُسْلِمُونَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ بِهِ وحَفِظُوهُ وآمَنَ بِهِ جَمِيعُ العَرَبِ أيْضًا بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ فَألِفُوهُ كَما هو اليَوْمَ، شَهِدَتْ عَلى ذَلِكَ الأجْيالُ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ.
وقَدْ كانَ هَؤُلاءِ المُتَحَدُّونَ المَدْعُوُّونَ إلى المُعارَضَةِ بِالمَكانَةِ المَعْرُوفَةِ مِن أصالَةِ الرَّأْيِ واسْتِقامَةِ الأذْهانِ، ورُجْحانِ العُقُولِ وعَدَمِ رَواجِ الزَّيْفِ عَلَيْهِمْ، وبِالكَفاءَةِ والمَقْدِرَةِ عَلى التَّفَنُّنِ في المَعانِي والألْفاظِ. تَواتَرَ ذَلِكَ كُلُّهُ عَنْهم بِما نُقِلَ مِن كَلامِهِمْ نَظْمًا ونَثْرًا، وبِما اشْتَهَرَ وتَواتَرَ مِنَ القَدْرِ المُشْتَرَكِ مِن بَيْنِ المَرْوِيّاتِ مِن نَوادِرِهِمْ وأخْبارِهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ يَعُوزُهم أنْ يُعارِضُوهُ لَوْ وجَدُوهُ عَلى النَّحْوِ المُتَعارَفِ لَدَيْهِمْ، فَإنَّ صِحَّةَ أذْهانِهِمْ أدْرَكَتْ أنَّهُ تَجاوَزَ الحَدَّ المُتَعارَفَ لَدَيْهِمْ، فَلِذَلِكَ أعْرَضُوا عَنِ المُعارَضَةِ مَعَ تَوَفُّرِ داعِيهِمْ بِالطَّبْعِ وحِرْصِهِمْ لَوْ وجَدُوا إلَيْهِ سَبِيلًا. ثَبَتَ إعْراضُهم عَنِ المُعارَضَةِ بِطَرِيقِ التَّواتُرِ إذْ لَوْ وقَعَ مِثْلُ هَذا لَأعْلَنُوهُ وأشاعُوهُ وتَناقَلَهُ النّاسُ لِأنَّهُ مِنَ الحَوادِثِ العَظِيمَةِ، فَعَدَلُوا عَنِ المُعارَضَةِ بِاللِّسانِ إلى المُحارَبَةِ والمُكافَحَةِ، ثَبَتَ ذَلِكَ بِالتَّواتُرِ لا مَحالَةَ عِنْدَ أهْلِ التّارِيخِ وغَيْرِهِمْ.
وأيًّا ما جَعَلْتَ سَبَبَ إعْراضِهِمْ عَنِ المُعارَضَةِ مِن خُرُوجِ كَلامِهِ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ أوْ مِن صَرْفِ اللَّهِ أذْهانَهم عَنْ ذَلِكَ فَهو دَلِيلٌ عَلى أمْرٍ خارِقٍ لِلْعادَةِ كانَ بِتَقْدِيرٍ مِن خالِقِ القَدَرِ ومُعْجِزِ البَشَرِ.
ووَراءَ هَذا كُلِّهِ دَلِيلٌ آخَرَ يُعَرِّفُنا بِأنَّ العَرَبَ بِحُسْنِ فِطْرَتِهِمْ قَدْ أدْرَكُوا صِدْقَ الرَّسُولِ وفَطِنُوا لِإعْجازِ القُرْآنِ وأنَّهُ لَيْسَ بِكَلامٍ مُعْتادٍ لِلْبَشَرِ وأنَّهم ما كَذَّبُوا إلّا عِنادًا أوْ مُكابَرَةً وحِرْصًا عَلى السِّيادَةِ ونُفُورًا مِنَ الِاعْتِرافِ بِالخَطَأِ، ذَلِكَ الدَّلِيلُ هو إسْلامُ جَمِيعِ قَبائِلِ العَرَبِ وتَعاقُبُهم في الوِفادَةِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ فَإنَّهم كانُوا مُقْتَدِينَ بِقُرَيْشٍ في المُعارَضَةِ مُكْبِرِينَ المُتابِعَةَ لِهَذا الدِّينِ خَشْيَةَ مَسَبَّةِ بَعْضِهِمْ وخاصَّةً قُرَيْشٌ ومَن ظاهَرَهم، فَلَمّا غُلِبَتْ قُرَيْشٌ لَمْ يَبْقَ ما يَصُدُّ بَقِيَّةَ العَرَبِ عَنِ المَجِيءِ طائِعِينَ مُعْتَرِفِينَ عَنْ غَيْرِ غَلَبٍ، فَإنَّهم كانُوا يَسْتَطِيعُونَ الثَّباتَ لِلْمُقارَعَةِ أكْثَرَ مِمّا ثَبَتَتْ قُرَيْشٌ إذْ قَدْ كانَ مِن تِلْكَ القَبائِلِ أهْلُ البَأْسِ والشِّدَّةِ مِن عَرَبِ نَجْدٍ وطَيِّءٍ وغَيْرِهِمْ مِمَّنِ اعْتَزَّ بِهِمُ الإسْلامُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإنَّهُ لَيْسَ مِمّا عُرِفَ في عَوائِدِ الأُمَمِ وأخْلاقِها أنْ تَنْبِذَ قَبائِلُ عَظِيمَةٌ كَثِيرَةٌ أدْيانًا تَعْتَقِدُ صِحَّتَها وتَجِيءَ جَمِيعَها طائِعًا نابِذًا دِينَهُ في خِلالِ أشْهُرٍ مِن عامِ الوُفُودِ لَمْ يَجْمَعْهم فِيهِ نادٍ ولَمْ تَسْرِ بَيْنَهم سُفَراءُ ولا حَشَرَهم مَجْمَعٌ لَوْلا أنَّهم كانُوا مُتَهَيِّئِينَ لِهَذا الِاعْتِرافِ لا يَصُدُّهم عَنْهُ إلا صادٌّ ضَعِيفٌ وهو المُكابَرَةُ والمُعانَدَةُ.
ثُمَّ في هَذِهِ الآيَةِ مُعْجِزَةٌ باقِيَةٌ وهي قَوْلُهُ ﴿ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ فَإنَّها قَدْ مَرَّتْ عَلَيْها العُصُورُ والقُرُونُ وماصَدَقُها واضِحٌ إذْ لَمْ تَقَعِ المُعارَضَةُ مِن أحَدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ ولا مِمَّنْ لَحِقَهم إلى اليَوْمِ. فَإنْ قُلْتَ ثَبَتَ بِهَذا أنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ لِلْعَرَبِ وبِذَلِكَ ثَبَتَ لَدَيْهِمْ أنَّهُ مُعْجِزَةٌ وثَبَتَ لَدَيْهِمْ بِهِ صِدْقُ الرَّسُولِ ولَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ لِمَن لَيْسَ مِثْلَهم فَما هي المُعْجِزَةُ لِغَيْرِهِمْ ؟ قُلْتُ: إنَّ ثُبُوتَ الإعْجازِ لا يَسْتَلْزِمُ مُساواةَ النّاسِ في طَرِيقِ الثُّبُوتِ، فَإنَّهُ إذا أعْجَزَ العَرَبَ ثَبَتَ أنَّهُ خارِقٌ لِلْعادَةِ لِما عَلِمْتَ مِنَ الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ، فَيَكُونُ الإعْجازُ لِلْعَرَبِ بِالبَداهَةِ ولِمَن جاءَ بَعْدَهم بِالِاسْتِدْلالِ والبُرْهانِ، وهُما طَرِيقانِ لِحُصُولِ العِلْمِ.
وبَعْدُ فَإنَّ مَن شاءَ أنْ يُدْرِكَ الإعْجازَ كَما أدْرَكَهُ العَرَبُ فَما عَلَيْهِ إلّا أنْ يَشْتَغِلَ بِتَعَلُّمِ اللُّغَةِ وأدَبِها وخَصائِصِها حَتّى يُساوِيَ أوْ يُقارِبَ العَرَبَ في ذَوْقِ لُغَتِهِمْ ثُمَّ يَنْظُرَ بَعْدَ ذَلِكَ في نِسْبَةِ القُرْآنِ مِن كَلامِ بُلَغائِهِمْ. ولَمْ يَخْلُ عَصْرٌ مِن فِئَةٍ اضْطَلَعَتْ بِفَهْمِ البَلاغَةِ العَرَبِيَّةِ وأدْرَكَتْ إعْجازَ القُرْآنِ وهم عُلَماءُ البَلاغَةِ وأدَبِ العَرَبِيَّةِ الصَّحِيحِ.
قالَ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ في مُقَدِّمَةِ دَلائِلِ الإعْجازِ: فَإنْ قالَ قائِلٌ: إنَّ لَنا طَرِيقًا إلى إعْجازِ القُرْآنِ غَيْرَ ما قُلْتَ أيْ مِن تَوَقُّفِهِ عَلى عِلْمِ البَيانِ وهو عِلْمُنا بِعَجْزِ العَرَبِ عَنْ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ وتَرْكِهِمْ أنْ يُعارِضُوهُ مَعَ تَكْرارِ التَّحَدِّي عَلَيْهِمْ وطُولِ التَّقْرِيعِ لَهم بِالعَجْزِ عَنْهُ ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ما قامَتْ بِهِ الحُجَّةُ عَلى العَجَمِ قِيامَها عَلى العَرَبِ وما اسْتَوى النّاسُ فِيهِ قاطِبَةً، فَلَمْ يَخْرُجِ الجاهِلُ بِلِسانِ العَرَبِ عَنْ أنْ يَكُونَ مَحْجُوجًا بِالقُرْآنِ، قِيلَ لَهُ: خَبِّرْنا عَمّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ مِنِ اخْتِصاصِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ كانَتْ مُعْجِزَتُهُ باقِيَةً عَلى وجْهِ الدَّهْرِ، أتَعْرِفُ لَهُ مَعْنًى غَيْرَ ألّا يَزالَ البُرْهانُ مِنهُ لائِحًا مُعْرِضًا لِكُلِّ مَن أرادَ العِلْمَ بِهِ، والعِلْمُ بِهِ مُمْكِنًا لِمَنِ التَمَسَهُ، وألّا مَعْنى لِبَقاءِ المُعْجِزَةِ بِالقُرْآنِ إلّا أنَّ الوَصْفَ الَّذِي كانَ بِهِ مُعْجِزًا قائِمٌ فِيهِ أبَدًا اهـ.
وقالَ السَّكّاكِيُّ في مَعْرِضِ التَّنْوِيهِ بِبَعْضِ مَسائِلِ التَّقْدِيمِ قَوْلُهُ: ”مُتَوَسِّلًا بِذَلِكَ إلى أنْ يَتَأنَّقَ في وجْهِ الإعْجازِ في التَّنْزِيلِ مُنْتَقِلًا مِمّا أجْمَلَهُ عَجْزُ المُتَحَدِّينَ بِهِ عِنْدَكَ إلى التَّفْصِيلِ“ وقَدْ بَيَّنْتُ في المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ تَفاصِيلَ مِن وُجُوهِ إعْجازِهِ، فَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أصْنافٍ مِنَ الإعْجازِ إذْ نَقَلَتِ الإعْجازَ بِالتَّواتُرِ وكانَتْ بِبَلاغَتِها مُعْجِزَةً، وكانَتْ مُعْجِزَةً مِن حَيْثُ الإخْبارِ عَنِ المُسْتَقْبَلِ كُلِّهِ بِما تَحَقَّقَ صِدْقُهُ فَسُبْحانَ مُنْزِلِها ومُؤَتِّيها.
الدر المصون - السمين الحلبي
الدر المصون للسمين الحلبي - السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ} : «إنْ» الشرطيةُ داخلةٌ على جملة «لم تفعلوا» وتفعلوا مجزومٌ بلم، كما تدخل إنْ الشرطيةُ على فعلٍ منفي بلا نحو: {إنْ لا تفعلوه} [الأنفال: 73] فيكون «لم تفعلوا» في محلِّ جزم بها.
وقوله: «فاتَّقوا» جوابُ الشرطِ، ويكونُ قولُه: «ولَنْ تفعلوا» جملةً معترضةً بين الشرطِ وجزائه. وقال جماعةٌ من المفسرين: معنى الآيةِ: وادعوا شهداءَكم مِنْ دونِ اللهِ إنْ كنتم صادِقين، ولَنْ تَفْعلوا فإنْ لم تَفْعلوا فاتَّقوا النار. وفيه نظرٌ لا يَخْفى. وإنما قال تعالى: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ} فَعَبَّر بالفعلِ عن الإِتْيانِ لأن الفعلَ يجري مَجْرى الكناية، فيُعَبَّر به عن كلِّ فعلٍ ويُغْني عن طول ما تَكْني به. وقال الزمخشري: «لو لم يَعْدِلْ من لفظِ الإِتيانِ إلى لفظِ الفعلِ لاسْتُطِيل أن يقال: فإنْ لم تأتوا بسورةٍ من مثله ولَنْ تأتوا بسورةٍ مِنْ مثلِه» . قال الشيخ: «ولا يَلْزَمُ ما قال لأنه لو قال:» فإنْ لم تأتوا ولَنْ تأتوا «كان المعنى على ما ذَكَر، ويكونُ قد حَذَفَ ذلك اختصاراً، كما حَذَف اختصاراً مفعولَ {لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ} ، ألا ترى أنَّ التقدير: فإنْ لم تفعلوا الإِتيانَ بسورةٍ من مِثله، ولن تفعلوا الإِتيانَ بسورةٍ من مثله» .
و «لَنْ» حرفُ نَصْبٍ معناه نَفْيُ المستقبل، ويختصُّ بصيغةِ المضارع ك «لم» ، ولا يقتضي نََفْيُه التأبيدَ، وليس أقلَّ مدةً مِنْ نفي لا، ولا نونُه بدلاً من ألفِ لا، ولا هو مركباً من «لا أَنْ» خلافاً للخليلِ، وزَعَم قومٌ أنها قد تَجْزِمُ، منهم أبو عبيدةَ وأنشدوا:
277 - لن يَخِبْ لانَ مِنْ رجائِك مَنْ حَرْ ... رَكِ مِنْ دونِ بابِك الحَلَقَهْ
وقال النابغة:
278 -. . . .. . . ... فلن أُعَرِّضْ أَبَيْتَ اللَّعْنَ بالصَّفَدِ
ويُمكِنُ تأويلُ ذلك بأنه مِمَّا سُكِّنَ فيه للضرورةِ.
قوله تعالى: {فاتقوا النار} هذا جوابُ الشرطِ كما تقدم، والكثير في لغة العرب: «اتقى يتَّقي» على افْتَعَل يَفْتَعِلُ، ولغة تميم وأسد: تَقَى يَتْقي مثل: رَمَى يَرْمي، فيُسكِّنون ما بعد حرفِ المضارعة، حكى هذه اللغة سيبويه، ومنهم مَنْ يُحَرِّكُ ما بعد حرف المضارعة، وأنشدوا:
279 - تَقُوه أيُّها الفِتْيانُ إنّي ... رأيتُ الله قد غَلَبَ الجُدودا وقال آخر:
280 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... تَقِ الله فينا والكتابَ الذي تتلو
قوله تعالى: {النار} مفعول به، و «التي» صفتُها، وفيها أربع اللغاتِ المتقدمةِ، كقوله:
281 - شُغِفَتْ بك اللَّتْ تَيَّمَتْكَ فَمثلُ ما ... بك ما بها مِنْ لَوْعةٍ وغَرامِ
وقال آخر:
28 - 2- فقلْ لِلَّتْ تَلُومُك إنَّ نَفْسي ... أراها لا تُعَوَّذُ بالتَّميمِ
وقوله: {وَقُودُهَا الناس} جملةٌ من مبتدأ وخبر صلةٌ وعائدٌ، والألفُ واللامُ في «النار» للعهدِ لتقدُّمِ ذكرها في سورة التحريم وهي مكية عند قوله تعالى:
{قوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} [التحريم: 6] .
والمشهورُ فتحُ واوِ الوَقود، وهو اسمُ ما يُوقَدُ به، وقيل: هو مصدر كالوَلوع والقَبول والوَضوء والطَّهور. ولم يجىءْ مصدرٌ على فَعُول غيرُ هذه الألفاظِ فيما حكاه سيبويه. وزاد الكسائي: الوَزُوع، وقُرئ شاذاً في سورة ( ق) {وما مسَّنا من لَغوب} [الآية: 38] ، فتصير سبعةً، وهناك ذَكرْتُ هذه القراءةَ، ولكن المشهور أن الوقود والوَضوءَ والطَهور بالفتح اسمٌ وبالضم مصدرٌ، وقرئ شاذاً بضمها وهو مصدرٌ. وقال ابن عطية: «وقد حُكيا جميعاً في الحَطَب، وقد حُكيا في المصدر» انتهى. فإن أريدَ اسمُ ما يُوقد به فلا حاجةَ إلى تأويل، وإنْ أَريد بهما المصدرُ فلا بدَّ من تأويلٍ وهو: إمَّا المبالغة أي جُعلوا نفس التوقُّدِ مبالغةً في وصفهم بالعذاب، وإمّا حذفُ مضافٍ: إمَّا من الأولِ أي أصحابُ توقدِها، وإمَّا من الثاني أي: يُوقِدُها إحراقُ الناس، ثم حُذِفَ المضافُ وأُقيم المضافُ إليه مُقامَه.
والهاءُ في الحجارةِ لتأنيثِ الجمع.
قوله تعالى: {أُعِدَّتْ} فعلُ ما لم يُسَمَّ فاعلُه، والقائمُ مَقَامَ الفاعلِ ضميرُ «النار» والتاء واجبة، لأن الفعلَ أُسْنِدَ إلى ضمير المؤنث، ولا يُلتفت إلى قوله: 283 - فلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَها ... ولا أرضَ أَبْقَلَ إبْقالَها
لأنه ضرورةٌ خلافاً لابن كيسان. و «للكافرين» متعلقٌ به، ومعنى أُعِدَّت: هُيِّئَتْ، قال:
284 - أَعْدَدْتَ للحَدَثان سا ... بِغَةً وعَدَّاءً عَلَنْدى
وقرئ: «أُعْتِدَتْ» من العَتاد بمعنى العُدَّة. وهذه الجملةُ الظاهر أنها لا محلَّ لكونِها مستأنفةً جواباً لمَنْ قال: لِمَنْ أُعِدَّتْ؟ وقال أبو البقاء: «محلُّها النصبُ على الحالِ من» النار «، والعامِلُ فيها اتقوا» . قيل: وفيه نظرٌ فإنها مُعَدَّةٌ للكافرين اتَّقَوْا أم لم يَتَّقُوا، فتكونُ حالاً لازمةً، لكن الأصل في الحال التي ليسَتْ للتوكيدِ أن تكونَ منتقلةً، فالأَوْلَى أن تكونَ استئنافاً. قال أبو البقاء: «ولا يجوزُُ أن تكون حالاً من الضمير في» وَقُودُها «لثلاثة أشياء أحدها: أنها مضافا إليها. الثاني: أنَّ الحَطَب لا يعمل، يعني أنه اسمٌ جامدٌ. الثالث: الفصلُ بين المصدرِ أو ما يَعْمَلُ عَمَلَهُ وبين مَا يَعْمَلُ فيه بالخبر وهو» الناسُ «، يعني أنَّ الوُقودَ بالضمِّ وإن كان مصدراً صالحاً للعملِ فلا يجوزُ ذلك أيضاً؛ لأنه عاملٌ في الحالِ وقد فَصَلْتَ بينه وبينها بأجنبي وهو» الناسُ «. وقال السجستاني: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} من صلة» التي «كقوله: {واتقوا النار التي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 131] ، قال ابن الأنباري:» وهذا غَلَطٌ لأن «التي» هُنا وُصِلَتْ بقوله: {وَقُودُهَا الناس} فلا يجوز أن تُوصل بصلةٍ ثانية، بخلافِ التي في آل عمران. قلت: ويمكن ألاَّ يكون غَلطاً، لأنَّا لا نُسَلِّم أنَّ {وَقُودُهَا الناس} والحالةُ هذه صلةٌ، بل إمَّا معترضةً لأنَّ فيها تأكيداً وإمَّا حالاً، وهذان الوجهان لا يَمْنَعهُما معنىً ولا صناعةً.
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني
فعل
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
فعل
الفِعْلُ: التأثير من جهة مؤثّر، وهو عامّ لما كان بإجادة أو غير إجادة، ولما كان بعلم أو غير علم، وقصد أو غير قصد، ولما كان من الإنسان والحيوان والجمادات، والعمل مثله، والصّنع أخصّ منهما كما تقدّم ذكرهما(١) ، قال: ﴿وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة : 197] ، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً﴾ [النساء : 30] ، ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ [المائدة : 67] ، أي: إن لم تبلّغ هذا الأمر فأنت في حكم من لم يبلّغ شيئا بوجه، والذي من جهة الفَاعِلِ يقال له: مَفْعُولٌ ومُنْفَعِلٌ، وقد فصل بعضهم بين المفعول والمنفعل، فقال: المَفْعُولُ يقال إذا اعتبر بفعل الفاعل، والمُنْفَعِلُ إذا اعتبر قبول الفعل في نفسه، قال: فَالْمَفْعُولُ أعمّ من المنفعل، لأنّ المُنْفَعِلُ يقال لما لا يقصد الفَاعِلُ إلى إيجاده وإن تولّد منه، كحمرة اللّون من خجل يعتري من رؤية إنسان، والطّرب الحاصل عن الغناء، وتحرّك العاشق لرؤية معشوقه. وقيل لكلّ فِعْلٍ: انْفِعَالٌ إلّا للإبداع الذي هو من الله تعالى، فذلك هو إيجاد عن عدم لا في عرض وفي جوهر بل ذلك هو إيجاد الجوهر.
(١) تقدّم في مادة (عمل) ، ومادة (صنع) .
وقى
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
وقى
الوِقَايَةُ: حفظُ الشيءِ ممّا يؤذيه ويضرّه.
يقال: وَقَيْتُ الشيءَ أَقِيهِ وِقَايَةً ووِقَاءً. قال تعالى: ﴿فَوَقاهُمُ اللَّهُ﴾ [الإنسان : 11] ، ﴿وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان : 56] ، ﴿وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ﴾ [الرعد : 34] ، ﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ﴾ [الرعد : 37] ، ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً﴾ [التحريم : 6] والتَّقْوَى جعل النّفس في وِقَايَةٍ مما يخاف، هذا تحقيقه، ثمّ يسمّى الخوف تارة تَقْوًى، والتَّقْوَى خوفاً حسب تسمية مقتضى الشيء بمقتضيه والمقتضي بمقتضاه، وصار التَّقْوَى في تعارف الشّرع حفظ النّفس عمّا يؤثم، وذلك بترك المحظور، ويتمّ ذلك بترك بعض المباحات لما روي: «الحلال بيّن، والحرام بيّن، ومن رتع حول الحمى فحقيق أن يقع فيه»(١) قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف : 35] ، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [النحل : 128] ، ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً﴾ [الزمر : 73] ولجعل التَّقْوَى منازل قال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة : 281] ، و﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء : 1] ، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ﴾ [النور : 52] ، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ﴾ [النساء : 1] ، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران : 102] . وتخصيص كلّ واحد من هذه الألفاظ له ما بعد هذا الكتاب.
ويقال: اتَّقَى فلانٌ بكذا: إذا جعله وِقَايَةً لنفسه، وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [الزمر : 24] تنبيه على شدّة ما ينالهم، وأنّ أجدر شيء يَتَّقُونَ به من العذاب يوم القيامة هو وجوههم، فصار ذلك كقوله: ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم : 50] ، ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر : 48] .
(١) الحديث تقدّم في مادة (بغى) .
نار
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
نور
النّور: الضّوء المنتشر الذي يعين على الإبصار، وذلك ضربان دنيويّ، وأخرويّ، فالدّنيويّ ضربان: ضرب معقول بعين البصيرة، وهو ما انتشر من الأمور الإلهية كنور العقل ونور القرآن. ومحسوس بعين البصر، وهو ما انتشر من الأجسام النّيّرة كالقمرين والنّجوم والنّيّرات.
فمن النّور الإلهي قوله تعالى: ﴿قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة : 15] ، وقال: ﴿وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها﴾ [الأنعام : 122] ، وقال: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا﴾ [الشورى : 52] وقال: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر : 22] ، وقال: ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ [النور : 35] ، ومن المحسوس الذي بعين البصر نحو قوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً﴾ [يونس : 5] وتخصيص الشّمس بالضّوء، والقمر بالنّور من حيث إنّ الضّوء أخصّ من النّور، قال: ﴿وَقَمَراً مُنِيراً﴾ [الفرقان : 61] أي: ذا نور. ومما هو عامّ فيهما قوله: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام : 1] ، وقوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد : 28] ، ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ [الزمر : 69] ومن النّور الأخرويّ قوله: ﴿يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الحديد : 12] ، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا﴾ [التحريم : 8] ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد : 13] ، ﴿فَالْتَمِسُوا نُوراً﴾ [الحديد : 13] ، ويقال: أنار الله كذا، ونَوَّرَه، وسمّى الله تعالى نفسه نورا من حيث إنه هو المُنَوِّر، قال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور : 35] وتسميته تعالى بذلك لمبالغة فعله.
والنَّارُ تقال للهيب الذي يبدو للحاسّة، قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة : 71] ، وقال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً﴾ [البقرة : 17] ، وللحرارة المجرّدة، ولنار جهنّم المذكورة في قوله: ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحج : 72] ، ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾ [البقرة : 24] ، ﴿نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ [الهمزة : 6] وقد ذكر ذلك في غير موضع. ولنار الحرب المذكورة في قوله: ﴿كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ﴾ [المائدة : 64] ، وقال بعضهم: النّار والنّور من أصل واحد، وكثيرا ما يتلازمان لكن النار متاع للمقوين في الدّنيا، والنّور متاع لهم في الآخرة، ولأجل ذلك استعمل في النّور الاقتباس، فقال: ﴿نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد : 13] وتنوّرت نارا: أبصرتها، والمَنَارَة(١) : مفعلة من النّور، أو من النار كمنارة السّراج، أو ما يؤذّن عليه، ومَنَارُ الأرض: أعلامها، والنَّوَار: النّفور من الرّيبة، وقد نَارَتِ المرأة تَنُور نَوْراً ونَوَاراً، ونَوْرُ الشّجر ونُوَّارُهُ تشبيها بالنّور، والنَّوْرُ: ما يتّخذ للوشم. يقال: نَوَّرَت المرأة يدها، وتسميته بذلك لكونه مظهرا لنور العضو.
(١) انظر العين 8/ 276.
وقد
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
وقد
يقال: وَقَدَتِ النارُ تَقِدُ وُقُوداً ووَقْداً، والوَقُودُ يقال للحطب المجعول للوُقُودِ، ولما حصل من اللهب. قال تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾ [البقرة : 24] ، ﴿أُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ [آل عمران : 10] ، ﴿النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ﴾ [البروج : 5] واستَوْقَدْتُ النارَ: إذا ترشّحتُ لإِيقَادِهَا، وأَوْقَدْتُهَا. قال تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً﴾ [البقرة : 17] ، ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾ [الرعد : 17] ، ﴿فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ﴾ [القصص : 38] ، ﴿نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ [الهمزة : 6] ومنه: وَقْدَةُ الصّيفِ أشدُّ حرّاً(١) ، واتَّقَدَ فلانٌ غضبا. ويستعار وَقَدَ واتَّقَدَ للحرب كاستعارة النّار والاشتعال، ونحو ذلك لها. قال تعالى: ﴿كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة : 64] وقد يستعار ذلك للتّلألؤ، فيقال: اتَّقَدَ الجوهرُ والذّهبُ.
(١) وقدة الحر: أشدّه. اللسان: (وقد) .
ناس
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
نوس
النَّاس قيل: أصله أُنَاس، فحذف فاؤه لمّا أدخل عليه الألف واللام، وقيل: قلب من نسي، وأصله إنسيان على إفعلان، وقيل: أصله من: نَاسَ يَنُوس: إذا اضطرب، ونِسْتُ الإبل: سقتها، وقيل: ذو نواس: ملك كان ينوس على ظهره ذؤابة فسمّي بذلك، وتصغيره على هذا نويس. قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس : 1] [والناس قد يذكر ويراد به الفضلاء دون من يتناوله اسم الناس تجوّزا، وذلك إذا اعتبر معنى الإنسانيّة، وهو وجود العقل، والذّكر، وسائر الأخلاق الحميدة، والمعاني المختصّة به، فإنّ كلّ شيء عدم فعله المختصّ به لا يكاد يستحقّ اسمه كاليد، فإنّها إذا عدمت فعلها الخاصّ بها فإطلاق اليد عليها كإطلاقها على يد السّرير ورجله، فقوله: ﴿آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ﴾ [البقرة : 13] أي: كما يفعل من وجد فيه معنى الإنسانيّة، ولم يقصد بالإنسان عينا واحدا بل قصد المعنى، وكذا قوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ [النساء : 54] أي: من وجد فيه معنى الإنسانيّة أيّ إنسان كان، وربّما قصد به النّوع كما هو، وعلى هذا قوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ(١)(٢).
(١) قيل في الآية إنّ المراد بالناس هو النبي ﷺ، وقيل: العرب. انظر: الدر المنثور 2/ 566.
(٢) ما بين [] نقله الزركشي في البرهان 2/ 227.
حجر
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
حجر
الحَجَر: الجوهر الصلب المعروف، وجمعه: أحجار وحِجَارَة، وقوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾ [البقرة : 24] ، قيل: هي حجارة الكبريت(١) ، وقيل: بل الحجارة بعينها، ونبّه بذلك على عظم حال تلك النّار، وأنها ممّا توقد بالناس والحجارة خلاف نار الدنيا إذ هي لا يمكن أن توقد بالحجارة وإن كانت بعد الإيقاد قد تؤثّر فيها، وقيل: أراد بالحجارة الذين هم في صلابتهم عن قبول الحقّ كالحجارة، كمن وصفهم بقوله: ﴿فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة : 74] .
والحَجْر والتحجير: أن يجعل حول المكان حجارة، يقال: حَجَرْتُهُ حَجْرا، فهو محجور، وحَجَّرْتُهُ تحجيرا فهو مُحَجَّر، وسمّي ما أحيط به الحجارة حِجْراً، وبه سمّي حجر الكعبة وديار ثمود، قال تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الحجر : 80] ، وتصوّر من الحجر معنى المنع لما يحصل فيه، فقيل للعقل حِجْر، لكون الإنسان في منع منه ممّا تدعو إليه نفسه، وقال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر : 5] .
قال المبرّد: يقال للأنثى من الفرس حِجْر، لكونها مشتملة على ما في بطنها من الولد.
والحِجْر: الممنوع منه بتحريمه، قال تعالى: وَقالُوا: ﴿هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام : 138] ، ﴿وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً﴾ [الفرقان : 22] ، كان الرجل إذا لقي من يخاف يقول ذلك(٢) ، فذكر تعالى أنّ الكفار إذا رأوا الملائكة قالوا ذلك، ظنّا أنّ ذلك ينفعهم، قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً﴾ [الفرقان : 53] ، أي: منعا لا سبيل إلى رفعه ودفعه، وفلان في حَجْرِ فلان، أي: في منع منه عن التصرف في ماله وكثير من أحواله، وجمعه: حُجُور، قال تعالى: ﴿وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء : 23] ، وحِجْر القميص أيضا: اسم لما يجعل فيه الشيء فيمنع، وتصوّر من الحجر دورانه فقيل: حَجَرْتُ عين الفرس: إذا وسمت حولها بميسم، وحُجِّر القمر: صار حوله دائرة، والحَجُّورَة: لعبة للصبيان يخطّون خطّا مستديرا، ومِحْجَر العين منه، وتَحَجَّرَ كذا: تصلّب وصار كالأحجار، والأحجار: بطون من بني تميم، سمّوا بذلك لقوم منهم أسماؤهم جندل وحجر وصخر.
(١) وهذا مرويّ عن ابن مسعود وابن عباس. راجع: الدر المنثور 1/ 90.
(٢) وهذا مرويّ عن الحسن وقتادة، كما أخرجه عنهما عبد الرزاق وابن جرير، راجع: الدر المنثور 6/ 245، والمجمل 1/ 265.
عد
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
عد
العَدَدُ: آحاد مركّبة، وقيل: تركيب الآحاد، وهما واحد. قال تعالى: ﴿عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ [يونس : 5] ، وقوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً﴾ [الكهف : 11] ، فَذِكْرُهُ للعَدَدِ تنبيه على كثرتها.
والعَدُّ ضمُّ الأَعْدَادِ بعضها إلى بعض. قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ [مريم : 94] ، فَسْئَلِ الْعادِّينَ [المؤمنون : 113] ، أي: أصحاب العَدَدِ والحساب. وقال تعالى: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون : 112] ، ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج : 47] ، ويتجوّز بِالعَدِّ على أوجه، يقال: شيءٌ مَعْدُودٌ ومحصور، للقليل مقابلة لما لا يحصى كثرة، نحو المشار إليه بقوله: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [البقرة : 212] ، وعلى ذلك: ﴿إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً﴾ [البقرة : 80] ، أي: قليلة، لأنّهم قالوا: نعذّب الأيّام التي فيها عبدنا العجل، ويقال على الضّدّ من ذلك، نحو: جيشٌ عَدِيدٌ: كثيرٌ، وإنهم لذو عَدَدٍ، أي: هم بحيث يجب أن يُعَدُّوا كثرةً، فيقال في القليل: هو شيء غير مَعْدُودٍ، وقوله: ﴿فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً﴾ [الكهف : 11] ، يحتمل الأمرين، ومنه قولهم: هذا غير مُعْتَدٍّ به، وله عُدَّةٌ، أي: شيء كثير يُعَدُّ من مال وسلاح وغيرهما، قال: ﴿لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة : 46] ، وماءٌ عِدٌّ(١) ، وَالعِدَّةُ: هي الشيء المَعْدُودُ. قال تعالى: ﴿وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ﴾ [المدثر : 31] ، أي: عَدَدَهُمْ، وقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة : 184] ، أي: عليه أيّام بِعَدَدِ ما فاته من زمان آخر غير زمان شهر رمضان، ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ [التوبة : 36] ، والعِدَّةُ: عِدَّةُ المرأةِ: وهي الأيّام التي بانقضائها يحلّ لها التّزوّج. قال تعالى: ﴿فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ [الأحزاب : 49] ، ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق : 1] ، والإِعْدادُ مِنَ العَدِّ كالإسقاء من السَّقْيِ، فإذا قيل: أَعْدَدْتُ هذا لك، أي: جعلته بحيث تَعُدُّهُ وتتناوله بحسب حاجتك إليه. قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [الأنفال : 60] ، وقوله: ﴿أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ [النساء : 18] ، ﴿وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ﴾ [الفرقان : 11] ، وقوله: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف : 31] ، قيل: هو منه، وقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة : 184] ، أي: عدد ما قد فاته، وقوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة : 185] ، أي: عِدَّةَ الشّهر، وقوله: ﴿أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة : 184] ، فإشارة إلى شهر رمضان. وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة : 203] ، فهي ثلاثة أيّام بعد النّحر، والمعلومات عشر ذي الحجّة. وعند بعض الفقهاء: المَعْدُودَاتُ يومُ النّحر ويومان بعده(٢) ، فعلى هذا يوم النّحر يكون من المَعْدُودَاتِ والمعلومات، والعِدَادُ: الوقت الذي يُعَدُّ لمعاودة الوجع، وقال عليه الصلاة والسلام: «ما زالت أكلة خيبر تُعَادُّنِي»(٣) وعِدَّانُ الشيءِ: عهده وزمانه.
(١) العدّ: الماء الذي لا ينقطع، كماء العين والبئر. انظر: المجمل 3/ 612.
(٢) وهذا قول علي بن أبي طالب، أخرجه عنه عبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم. انظر: الدر المنثور 1/ 561.
(٣) شطر من حديث اليهودية التي سمّت النبي ﷺ، أخرجه أبو داود بلفظ: «ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت بخيبر، فهذا أوان قطعت أبهري» في الديات: باب من سقى رجلا سمّا 4/ 175.
وأخرجه الدارمي 1/ 32، وذكره القاضي عياض في الشفاء 1/ 317، وقال السيوطي: الحديث ذكره ابن سعد، وهو في الصحيح من حديث عائشة. انظر: مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا ص 134.
كفر
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
كفر
الكُفْرُ في اللّغة: ستر الشيء، ووصف الليل بِالْكَافِرِ لستره الأشخاص، والزّرّاع لستره البذر في الأرض، وليس ذلك باسم لهما كما قال بعض أهل اللّغة لمّا سمع:
387- ألقت ذكاء يمينها في كافر(١)
والْكَافُورُ: اسم أكمام الثّمرة التي تَكْفُرُهَا، قال الشاعر:
388- كالكرم إذ نادى من الكَافُورِ(٢)
وكُفْرُ النّعمة وكُفْرَانُهَا: سترها بترك أداء شكرها، قال تعالى: ﴿فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ [الأنبياء : 94] . وأعظم الكُفْرِ: جحود الوحدانيّة أو الشريعة أو النّبوّة، والكُفْرَانُ في جحود النّعمة أكثر استعمالا، والكُفْرُ في الدّين أكثر، والكُفُورُ فيهما جميعا قال: ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُوراً﴾ [الإسراء : 99] ، ﴿فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً﴾ [الفرقان : 50] ويقال منهما: كَفَرَ فهو كَافِرٌ. قال في الكفران: ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل : 40] ، وقال: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة : 152] ، وقوله: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ [الشعراء : 19] أي: تحرّيت كفران نعمتي، وقال: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم : 7] ولمّا كان الكفران يقتضي جحود النّعمة صار يستعمل في الجحود، قال: ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة : 41] أي: جاحد له وساتر، والكَافِرُ على الإطلاق متعارف فيمن يجحد الوحدانيّة، أو النّبوّة، أو الشريعة، أو ثلاثتها، وقد يقال: كَفَرَ لمن أخلّ بالشّريعة، وترك ما لزمه من شكر الله عليه. قال: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ [الروم : 44] يدلّ على ذلك مقابلته بقوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم : 44] ، وقال: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ﴾ [النحل : 83] ، وقوله: ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة : 41] أي: لا تكونوا أئمّة في الكفر فيقتدى بكم، وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ [النور : 55] عني بالكافر السّاتر للحقّ، فلذلك جعله فاسقا، ومعلوم أنّ الكفر المطلق هو أعمّ من الفسق، ومعناه: من جحد حقّ الله فقد فسق عن أمر ربّه بظلمه. ولمّا جعل كلّ فعل محمود من الإيمان جعل كلّ فعل مذموم من الكفر، وقال في السّحر: ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة : 102] وقوله: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا، إلى قوله: كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة : 275-276](٣) وقال: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ إلى قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ [آل عمران : 97](٤) والكَفُورُ: المبالغ في كفران النعمة، وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ [الزخرف : 15] ، وقال: ﴿ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ : 17] إن قيل: كيف وصف الإنسان هاهنا بالكفور، ولم يرض بذلك حتى أدخل عليه إنّ، واللّام، وكلّ ذلك تأكيد، وقال في موضع وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ [الحجرات : 7] ، فقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف : 15] تنبيه على ما ينطوي عليه الإنسان من كفران النّعمة، وقلّة ما يقوم بأداء الشّكر، وعلى هذا قوله: ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ﴾ [عبس : 17] ولذلك قال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ : 13] ، وقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان : 3] تنبيه أنه عرّفه الطّريقين كما قال: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد : 10] فمن سالك سبيل الشّكر، ومن سالك سبيل الكفر، وقوله: ﴿وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ [الإسراء : 27] فمن الكفر، ونبّه بقوله: كانَ أنه لم يزل منذ وجد منطويا على الكفر. والْكَفَّارُ أبلغ من الكفور لقوله: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق : 24] وقال: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة : 276] ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر : 3] ، ﴿إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح : 27] وقد أجري الكفّار مجرى الكفور في قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم : 34] . والكُفَّارُ في جمع الكافر المضادّ للإيمان أكثر استعمالا كقوله: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح : 29] ، وقوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح : 29] .
والكَفَرَةُ في جمع كافر النّعمة أشدّ استعمالا، وفي قوله: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس : 42] ألا ترى أنه وصف الكفرة بالفجرة؟
والفجرة قد يقال للفسّاق من المسلمين. وقوله: ﴿جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ﴾ [القمر : 14] أي: من الأنبياء ومن يجري مجراهم ممّن بذلوا النّصح في أمر الله فلم يقبل منهم. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء : 137] قيل: عني بقوله إنهم آمنوا بموسى، ثمّ كفروا بمن بعده. والنصارى آمنوا بعيسى، ثمّ كفروا بمن بعده. وقيل: آمنوا بموسى ثم كفروا بموسى إذ لم يؤمنوا بغيره، وقيل: هو ما قال: وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي إلى قوله: ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران : 72](٥) ولم يرد أنّهم آمنوا مرّتين وكفروا مرّتين، بل ذلك إشارة إلى أحوال كثيرة. وقيل: كما يصعد الإنسان في الفضائل في ثلاث درجات ينعكس في الرّذائل في ثلاث درجات. والآية إشارة إلى ذلك، وقد بيّنته في كتاب «الذّريعة إلى مكارم الشّريعة»(٦) .
ويقال: كَفَرَ فلانٌ: إذا اعتقد الكفر، ويقال ذلك إذا أظهر الكفر وإن لم يعتقد، ولذلك قال: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ [النحل : 106] ويقال: كَفَرَ فلان بالشّيطان: إذا كفر بسببه، وقد يقال ذلك إذا آمن وخالف الشّيطان، كقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة : 256] وأَكْفَرَهُ إِكْفَاراً: حكم بكفره، وقد يعبّر عن التّبرّي بالكفر نحو: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ ...
الآية [العنكبوت : 25] ، وقوله تعالى: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم : 22] ، وقوله: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ﴾ [الحديد : 20] قيل: عنى بالكفّار الزّرّاع(٧) ، لأنّهم يغطّون البذر في التّراب ستر الكفّار حقّ الله تعالى بدلالة قوله: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح : 29] ولأنّ الكافر لا اختصاص له بذلك. وقيل: بل عنى الكفار، وخصّهم بكونهم معجبين بالدّنيا وزخارفها وراكنين إليها.
والْكَفَّارَةُ: ما يغطّي الإثم، ومنه: كَفَّارَةُ اليمين نحو قوله: ﴿ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة : 89] وكذلك كفّارة غيره من الآثام ككفارة القتل والظّهار. قال: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾ [المائدة : 89] والتَّكْفِيرُ: ستره وتغطيته حتى يصير بمنزلة ما لم يعمل، ويصحّ أن يكون أصله إزالة الكفر والكفران، نحو: التّمريض في كونه إزالة للمرض، وتقذية العين في إزالة القذى عنه، قال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ [المائدة : 65] ، ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النساء : 31] وإلى هذا المعنى أشار بقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود : 114] وقيل: صغار الحسنات لا تكفّر كبار السّيّئات، وقال: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ [آل عمران : 195] ، ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الزمر : 35] ويقال: كَفَرَتِ الشمس النّجومَ: سترتها، ويقال الْكَافِرُ للسّحاب الذي يغطّي الشمس والليل، قال الشاعر:
389- ألقت ذكاء يمينها في كافر(٨)
وتَكَفَّرَ في السّلاح. أي: تغطّى فيه، والْكَافُورُ: أكمام الثمرة. أي: التي تكفُرُ الثّمرةَ، قال الشاعر:
390- كالكرم إذ نادى من الكافور(٩)
والْكَافُورُ الذي هو من الطّيب. قال تعالى: ﴿كانَ مِزاجُها كافُوراً﴾ [الإنسان : 5] .
(١) هذا عجز بيت لثعلبة بن صعير المازني، وشطره: فتذكّرت ثقلا رثيدا بعد ما
وهو من مفضليته التي مطلعها: هل عند عمرة من بتات مسافر ... ذي حاجة متروّح أو باكر
والبيت في المفضليات ص 130، واللسان (كفر) ، والأفعال 2/ 174.
(٢) الرجز للعجاج، وهو في اللسان (كفر) ، وتهذيب اللغة 10/ 201.
(٣) الآية: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا، فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ، وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ، وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ.
(٤) الآية: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ.
(٥) قالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.
(٦) قال الراغب في كتاب «الذريعة» : وللإنسان مع كل فضيلة ورذيلة ثلاثة أحوال: إمّا أن يكون في ابتدائها، فيقال: هو عبدها وابنها، ولهذا قال بعضهم: من لم يخدم العلم لم يرعه. والثاني: أن يتوسطها فيقال: هو أخوها وصاحبها.
والثالث: أن ينتهي فيها بقدر وسعه، ويتصرف فيها كما أراد، فيقال: هو ربّها وسيدها. انظر: كتاب الذريعة إلى مكارم الشريعة ص 44.
(٧) وهذا قول ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن ص 454.
(٨) تقدم قريبا ص 714.
(٩) الشطر تقدّم قريبا ص 714.