التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سورة البقرة، الآية: ٢٨

(كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ). سورة البقرة، الآية: ٢٨

التحرير والتنوير — ابن عاشور
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
ثَنى عِنانَ الخَطّابِ إلى النّاسِ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِقَوْلِهِ آنِفًا ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، بَعْدَ أنْ عَقَّبَ بِأفانِينَ مِنَ الجُمَلِ المُعْتَرِضَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي﴾ [البقرة: ٢٥] إلى قَوْلِهِ ﴿الخاسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٧] ولَيْسَ في قَوْلِهِ ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ تَناسَبٌ مَعَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ [البقرة: ٢٦] وما بَعْدَهُ مِمّا حَكى عَنِ الَّذِينَ كَفَرُوا في قَوْلِهِمْ ﴿ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦] حَتّى يَكُونَ الِانْتِقالُ إلى الخِطابِ في قَوْلِهِ تَكْفُرُونَ التِفاتًا، فالمُناسَبَةُ بَيْنَ مَوْقِعِ هاتِهِ الآيَةِ بَعْدَ ما قَبْلَها هي مُناسَبَةُ اتِّحادِ الغَرَضِ، بَعْدَ اسْتِيفاءِ ما تَخَلَّلَ واعْتَرَضَ.
ومِن بَدِيعِ المُناسِبَةِ وفائِقِ التَّفَنُّنِ في ضُرُوبِ الِانْتِقالاتِ في المُخاطَباتِ أنْ كانَتِ العِلَلُ الَّتِي قُرِنَ بِها الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى في قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] إلَخْ هي العِلَلُ الَّتِي قُرِنَ بِها إنْكارُ ضِدِّ العِبادَةِ وهو الكُفْرُ بِهِ تَعالى في قَوْلِهِ هُنا ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ فَقالَ فِيما تَقَدَّمَ ﴿الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً﴾ [البقرة: ٢٢] الآيَةَ وقالَ هُنا ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ [البقرة: ٢٩] وكانَ ذَلِكَ مَبْدَأ التَّخَلُّصِ إلى ما سَيَرِدُ مِن بَيانِ ابْتِداءِ إنْشاءِ نَوْعِ الإنْسانِ وتَكْوِينِهِ وأطْوارِهِ.
فالخِطابُ في قَوْلِهِ تَكْفُرُونَ مُتَعَيِّنٌ رُجُوعُهُ إلى (النّاسِ) وهُمُ المُشْرِكُونَ لِأنَّ اليَهُودَ لَمْ يَكْفُرُوا بِاللَّهِ ولا أنْكَرُوا الإحْياءَ الثّانِيَ. وكَيْفَ اسْمٌ لا يُعْرَفُ اشْتِقاقُهُ يَدُلُّ عَلى حالَةٍ خاصَّةٍ وهي الَّتِي يُقالُ لَها الكَيْفِيَّةُ نِسْبَةً إلى كَيْفَ، ويَتَضَمَّنُ مَعْنى السُّؤالِ في أكْثَرِ مَوارِدِ اسْتِعْمالِهِ، فَلِدَلالَتِهِ عَلى الحالَةِ كانَ في عِدادِ الأسْماءِ لِأنَّهُ أفادَ مَعْنًى في نَفْسِهِ إلّا أنَّ المَعْنى الأسْمى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ لَمّا كانَ مَعْنًى مُبْهَمًا شابَهَ مَعْنى الحَرْفِ، فَلَمّا أشْرَبُوهُ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ قَوّى شَبَهَهُ بِالحُرُوفِ لَكِنَّهُ لا يَخْرُجُ عَنْ خَصائِصِ الأسْماءِ، فَلِذَلِكَ لابُدَّ لَهُ مِن مَحَلِّ إعْرابٍ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ اسْمُ اسْتِفْهامٍ فَيُعْرَبُ إعْرابَ الحالِ. ويُسْتَفْهَمُ بِكَيْفَ عَنِ الحالِ العامَّةِ. والِاسْتِفْهامُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ والإنْكارِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ إلَخْ أيْ أنَّ كُفْرَكم مَعَ تِلْكَ الحالَةِ شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ مُنْتَفِيًا لا تَرْكَنُ إلَيْهِ النَّفْسُ الرَّشِيدَةُ لِوُجُودِ ما يَصْرِفُ عَنْهُ وهو الأحْوالُ المَذْكُورَةُ بَعْدُ، فَكانَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْكَرَ، فالإنْكارُ مُتَوَلَّدٌ مِن مَعْنى الِاسْتِفْهامِ ولِذَلِكَ فاسْتِعْمالُهُ فِيهِما مِن إرادَةِ لازِمِ اللَّفْظِ، وكَأنَّ المُنْكِرَ يُرِيدُ أنْ يَقْطَعَ مَعْذِرَةَ المُخاطَبِ فَيُظْهِرُ لَهُ أنَّهُ يَتَطَلَّبُ مِنهُ الجَوابَ بِما يُظْهِرُ السَّبَبَ فَيَبْطُلُ الإنْكارُ والعَجَبُ حَتّى إذا لَمْ يَبْدُ ذَلِكَ كانَ حَقِيقًا بِاللَّوْمِ والوَعِيدِ.
والكُفْرُ بِضَمِّ الكافِ مَصْدَرٌ سَماعِيٌّ لِكَفَرَ الثُّلاثِيِّ القاصِرِ وأصْلُهُ جَحْدُ المُنْعَمِ عَلَيْهِ نِعْمَةَ المُنْعِمِ، اشْتُقَّ مِن مادَّةِ الكَفْرِ بِفَتْحِ الكافِ وهو الحَجْبُ والتَّغْطِيَةُ لِأنَّ جاحِدَ النِّعْمَةِ قَدْ أخْفى الِاعْتِرافَ بِها كَما أنَّ شاكِرَها أعْلَنَها. وضِدُّهُ الشُّكْرُ ولِذَلِكَ صِيغَ لَهُ مَصْدَرٌ عَلى وِزانِ الشُّكْرِ وقالُوا أيْضًا كُفْرانٌ عَلى وزْنِ شُكْرانٍ، ثُمَّ أُطْلِقَ الكُفْرُ في القُرْآنِ عَلى الإشْراكِ بِاللَّهِ في العِبادَةِ بِناءً عَلى أنَّهُ أشَدُّ صُوَرِ كُفْرِ النِّعْمَةِ إذِ الَّذِي يَتْرُكُ عِبادَةَ مَن أنْعَمَ عَلَيْهِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ قَدْ كَفَرَ نِعْمَتَهُ في تِلْكَ السّاعَةِ إذْ تَوَجَّهَ بِالشُّكْرِ لِغَيْرِ المُنْعِمِ وتَرَكَ المُنْعِمَ حِينَ عَزْمِهِ عَلى التَّوَجُّهِ بِالشُّكْرِ ولِأنَّ عَزْمَ نَفْسِهِ عَلى مُداوَمَةِ ذَلِكَ اسْتِمْرارٌ في عَقْدِ القَلْبِ عَلى كُفْرِ النِّعْمَةِ وإنْ لَمْ يَتَفَطَّنْ لِذَلِكَ، فَكانَ أكْثَرُ إطْلاقِ الكُفْرِ بِصِيغَةِ المَصْدَرِ في القُرْآنِ عَلى الإشْراكِ بِاللَّهِ ولَمْ يَرِدِ الكُفْرُ بِصِيغَةِ المَصْدَرِ في القُرْآنِ لِغَيْرِ مَعْنى الإشْراكِ بِاللَّهِ. وقَلَّ وُرُودُ فِعْلِ الكُفْرِ أوْ وصْفِ الكافِرِ في القُرْآنِ لِجَحْدِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وذَلِكَ حَيْثُ تَكُونُ قَرِينَةٌ عَلى إرادَةِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٠٥] وقَوْلِهِ ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] يُرِيدُ اليَهُودَ. وأمّا إطْلاقُهُ في السُّنَّةِ وفي كَلامِ أئِمَّةِ المُسْلِمِينَ فَهو الِاعْتِقادُ الَّذِي يُخْرِجُ مُعْتَقِدَهُ عَنِ الإسْلامِ وما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الِاعْتِقادِ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ دَلالَةً لا تَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ.
وقَدْ ورَدَ إطْلاقُ الكُفْرِ في كَلامِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَلامِ بَعْضِ السَّلَفِ عَلى ارْتِكابِ جَرِيمَةٍ عَظِيمَةٍ في الإسْلامِ إطْلاقًا عَلى وجْهِ التَّغْلِيظِ بِالتَّشْبِيهِ المُفِيدِ لِتَشْنِيعِ ارْتِكابِ ما هو مِنَ الأفْعالِ المُباحَةِ عِنْدَ أهْلِ الكُفْرِ، ولَكِنَّ بَعْضَ فِرَقِ المُسْلِمِينَ يَتَشَبَّثُونَ بِظاهِرِ ذَلِكَ الإطْلاقِ فَيَقْضُونَ بِالكُفْرِ عَلى مُرْتَكِبِ الكَبائِرِ ولا يَلْتَفِتُونَ إلى ما يُعارِضُ ذَلِكَ في إطْلاقاتِ كَلامِ اللَّهِ ورَسُولِهِ. وفِرَقُ المُسْلِمِينَ يَخْتَلِفُونَ في أنَّ ارْتِكابَ بَعْضِ الأعْمالِ المَنهِيِّ عَنْها يَدْخُلُ في ماهِيَّةِ الكُفْرِ وفي أنَّ إثْباتَ بَعْضِ الصِّفاتِ لِلَّهِ تَعالى أوْ نَفْيَ بَعْضِ الصِّفاتِ عَنْهُ تَعالى داخِلٌ في ماهِيَّةِ الكُفْرِ عَلى مَذاهِبَ شَتّى، ومَذْهَبُ أهْلِ الحَقِّ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ أنَّهُ لا يُكَفَّرُ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بِذَنْبٍ أوْ ذُنُوبٍ مِنَ الكَبائِرِ فَقَدِ ارْتُكِبَتِ الذُّنُوبُ الكَبائِرُ في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والخُلَفاءِ فَلَمْ يُعامِلُوا المُجْرِمِينَ مُعامَلَةَ المُرْتَدِّينَ عَنِ الدِّينِ، والقَوْلُ بِتَكْفِيرِ العُصاةِ، خَطَرٌ عَلى الدِّينِ لِأنَّهُ يَؤُولُ إلى انْحِلالِ جامِعَةِ الإسْلامِ ويُهَوِّنُ عَلى المُذْنِبِ الِانْسِلاخَ مِنَ الإسْلامِ مُنْشِدًا
أنا الغَرِيقُ فَما خَوْفِي مِنَ البَلَلِ

ولا يُكَفَّرُ أحَدٌ بِإثْباتِ صِفَةٍ لِلَّهِ لا تُنافِي كَمالَهُ ولا نَفى صِفَةً عَنْهُ لَيْسَ في نَفْيِها نُقْصانٌ لِجَلالِهِ، فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الفِرَقِ نَفَوْا صِفاتٍ ما قَصَدُوا بِنَفْيِها إلّا إجْلالًا لِلَّهِ تَعالى ورُبَّما أفْرَطُوا في ذَلِكَ كَما نَفى المُعْتَزِلَةُ صِفاتِ المَعانِي وجَوازَ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى، وكَثِيرٌ مِنَ الفَرْقِ أثْبَتُوا صِفاتٍ ما قَصَدُوا مِن إثْباتِها إلّا احْتِرامَ ظَواهِرِ كَلامِهِ تَعالى كَما أثْبَتَ بَعْضُ السَّلَفِ اليَدَ والإصْبَعَ مَعَ جَزْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ لا يُشْبِهُ الحَوادِثَ.
والإيمانُ ذُكِرَ مَعْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] وقَوْلُهُ ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ وهي تَخْلُصُ إلى بَيانِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ (كَيْفَ) بِطَرِيقِ الإجْمالِ وبَيانِ أُولى الدَّلائِلِ عَلى وُجُودِهِ وقُدْرَتِهِ وهي ما يَشْعُرُ بِهِ كُلُّ أحَدٍ مِن أنَّهُ وُجِدَ بَعْدَ عَدَمٍ. ولَقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ أنَّ هَذا الإيجادَ عَلى حالٍ بَدِيعٍ وهو أنَّ الإنْسانَ كانَ مُرَكَّبَ أشْياءٍ مَوْصُوفًا بِالمَوْتِ أيْ لا حَياةَ فِيهِ إذْ كانَ قَدْ أُخِذَ مِنَ العَناصِرِ المُتَفَرِّقَةِ في الهَواءِ والأرْضِ فَجَمَعَتْ في الغِذاءِ وهو مَوْجُودٌ ثانٍ مَيِّتٌ ثُمَّ اسْتُخْلِصَتْ مِنهُ الأمْزِجَةُ مِنَ الدَّمِ وغَيْرِهِ وهي مَيْتَةٌ، ثُمَّ اسْتُخْلِصَ مِنهُ النُّطْفَتانِ لِلذَّكَرِ والأُنْثى، ثُمَّ امْتَزَجَ فَصارَ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً كُلُّ هَذِهِ أطْوارِ أوَّلِيَّةٌ لِوُجُودِ الإنْسانِ وهي مَوْجُوداتٌ مَيِّتَةٌ، ثُمَّ بُثَّتْ فِيهِ الحَياةُ بِنَفْخِ الرُّوحِ، فَأخَذَ في الحَياةِ إلى وقْتِ الوَضْعِ فَما بَعْدَهُ، وكانَ مِن حَقِّهِمْ أنْ يَكْتَفُوا بِهِ دَلِيلًا عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ. وإطْلاقُ الأمْواتِ هُنا مَجازٌ شائِعٌ بِناءً عَلى أنَّ المَوْتَ هو عَدَمُ اتِّصافِ الجِسْمِ بِالحَياةِ سَواءً كانَ مُتَّصِفًا بِها مِن قَبْلُ كَما هو الإطْلاقُ المَشْهُورُ في العُرْفِ أمْ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِفًا بِها إذا كانَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَتَّصِفَ بِها، فَعَلى هَذا يُقالُ لِلْحَيَوانِ في أوَّلِ تَكْوِينِهِ نُطْفَةً وعَلَقَةً ومُضْغَةً: مَيِّتٌ لِأنَّهُ مِن شَأْنِهِ أنْ يَتَّصِفَ بِالحَياةِ، فَيَكُونُ إطْلاقُ الأمْواتِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلَيْهِمْ حِينَ كانُوا غَيْرَ مُتَّصِفِينَ بِالحَياةِ إطْلاقًا شائِعًا، والمَقْصُودُ بِهِ التَّمْهِيدُ لِقَوْلِهِ فَأحْياكم ثُمَّ التَّمْهِيدُ والتَّقْرِيبُ لِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ وقالَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ: المَوْتُ انْعِدامُ الحَياةِ بَعْدَ وُجُودِها وهو مُخْتارُ الزَّمَخْشَرِيِّ والسَّكّاكِيِّ وهو الظّاهِرُ، وعَلَيْهِ فَإطْلاقُ الأمْواتِ عَلَيْهِمْ في الحالَةِ السّابِقَةِ عَلى حُلُولِ الحَياةِ اسْتِعارَةٌ. واتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّهُ إطْلاقٌ شائِعٌ في القُرْآنِ فَإنْ لَمْ يَكُنْ حَقِيقَةً فَهو مَجازٌ مَشْهُورٌ قَدْ ساوى الحَقِيقَةَ وزالَ الِاخْتِلافُ.
والحَياةُ ضِدُّ المَوْتِ وهي في نَظَرِ الشَّرْعِ نَفْخُ الرُّوحِ في الجِسْمِ، وقَدْ تَعَسَّرَ تَعْرِيفُ الحَياةِ أوْ تَعْرِيفُ دَوامِها عَلى الفَلاسِفَةِ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ تَعْرِيفًا حَقِيقِيًّا بِالحَدِّ، وأوْضَحُ تَعارِيفِها بِالرَّسْمِ أنَّها قُوَّةٌ يَنْشَأُ عَنْها الحِسُّ والحَرَكَةُ وأنَّها مَشْرُوطَةٌ بِاعْتِدالِ المِزاجِ والأعْضاءِ الرَّئِيسِيَّةِ الَّتِي بِها تَدُومُ الدَّوْرَةُ الدَّمَوِيَّةُ، والمُرادُ بِالمِزاجِ التَّرْكِيبُ الخاصُّ المُناسِبُ مُناسِبَةً تَلِيقُ بِنَوْعٍ ما مِنَ المُرَكَّباتِ العُنْصُرِيَّةِ وذَلِكَ التَّرْكِيبُ يَحْصُلُ مِن تَعادُلِ قُوًى وأجْزاءٍ بِحَسَبِ ما اقْتَضَتْهُ حالَةُ الشَّيْءِ المُرَكَّبِ مَعَ انْبِثاثِ الرُّوحِ الحَيَوانِيِّ، فَبِاعْتِدالِ ذَلِكَ التَّرْكِيبِ يَكُونُ النَّوْعُ مُعْتَدِلًا ولِكُلِّ صِنْفٍ مِن ذَلِكَ النَّوْعِ مِزاجٌ يَخُصُّهُ بِزِيادَةِ تَرْكِيبٍ، ولِكُلِّ شَخْصٍ مِنَ الصِّنْفِ مِزاجٌ يَخُصُّهُ، ويَتَكَوَّنُ ذَلِكَ المِزاجُ عَلى النِّظامِ الخاصِّ. تَنْبَعِثُ الحَياةُ في ذِي المِزاجِ في إبّانِ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ وهي المُعَبَّرُ عَنْها بِالرُّوحِ النَّفْسانِيِّ.
وقَدْ أشارَ إلى هَذا التَّكْوِينِ حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ «إنَّ أحَدَكم يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيْهِ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ» فَأشارَ إلى حالاتِ التَّكْوِينِ الَّتِي بِها صارَ المِزاجُ مِزاجًا مُناسِبًا حَتّى انْبَعَثَتْ فِيهِ الحَياةُ، ثُمَّ بِدَوامِ انْتِظامِ ذَلِكَ المِزاجِ تَدُومُ الحَياةُ وبِاخْتِلالِهِ تَزُولُ الحَياةُ، وذَلِكَ الِاخْتِلالُ هو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالفَسادِ، ومِن أعْظَمِ الِاخْتِلالِ فِيهِ اخْتِلالُ الرُّوحِ الحَيَوانِيِّ وهو الدَّمُ إذا اخْتَلَتْ دَوْرَتُهُ فَعَرَضَ لَهُ فَسادٌ، وبِعُرُوضِ حالَةِ تَوَقُّفِ عَمَلِ المِزاجِ وتَعَطُّلِ آثارِهِ يَصِيرُ الحَيُّ شَبِيهًا بِالمَيِّتِ كَحالَةِ المُغْمى عَلَيْهِ وحالَةِ العُضْوِ المَفْلُوجِ، فَإذا انْقَطَعَ عَمَلُ المِزاجِ فَذَلِكَ المَوْتُ. فالمَوْتُ عَدَمٌ والحَياةُ مَلَكَةٌ، وكِلاهُما مَوْجُودٌ مَخْلُوقٌ قالَ تَعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [الملك: ٢] في سُورَةِ المُلْكِ.
ولَيْسَ المَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ الِامْتِنانَ، بَلِ اسْتِدْلالٌ مَحْضٌ ذَكَرَ شَيْئًا يَعُدُّهُ النّاسُ نِعْمَةً وشَيْئًا لا يَعُدُّونَهُ نِعْمَةً وهو المَوْتَتانِ فَلا يُشْكِلُ وُقُوعُ قَوْلِهِ أمْواتًا وقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ في سِياقِ الآيَةِ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ يُحْيِيكم ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فَذَلِكَ تَفْرِيعٌ عَنِ الِاسْتِدْلالِ ولَيْسَ هو بِدَلِيلٍ إذِ المُشْرِكُونَ يُنْكِرُونَ الحَياةَ الآخِرَةَ، فَهو إدْماجٌ وتَعْلِيمٌ ولَيْسَ بِاسْتِدْلالٍ، أوْ يَكُونُ ما قامَ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ هُناكَ حَياةً ثانِيَةً قَدْ قامَ مَقامَ العِلْمِ بِها وإنْ لَمْ يَحْصُلِ العِلْمُ فَإنَّ كُلَّ مَن عَلِمَ وُجُودَ الخالِقِ العَدْلِ الحَكِيمِ ورَأى النّاسَ لا يَجْرُونَ عَلى مُقْتَضى أوامِرِهِ ونَواهِيهِ فَيَرى المُفْسِدَ في الأرْضِ في نِعْمَةٍ والصّالِحَ في عَناءٍ عَلِمَ أنَّ عَدْلَ اللَّهِ وحِكْمَتَهُ ما كانَ لِيُضِيعَ عَمَلَ عامِلٍ، وأنَّ هُنالِكَ حَياةً أحْكَمُ وأعْدَلُ مِن هَذِهِ الحَياةِ تَكُونُ أحْوالُ النّاسِ فِيها عَلى قَدْرِ اسْتِحْقاقِهِمْ وسُمُوِّ حَقائِقِهِمْ.
وقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أيْ يَكُونُ رُجُوعُكم إلَيْهِ، شِبْهُ الحُضُورِ لِلْحِسابِ بِرُجُوعِ السّائِرِ إلى مَنزِلِهِ بِاعْتِبارِ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ، فَكَأنَّهم صَدَرُوا مِن حَضْرَتِهِ فَإذا أحْياهم بَعْدَ المَوْتِ فَكَأنَّهم أرْجَعَهم إلَيْهِ، وهَذا إثْباتٌ لِلْحَشْرِ والجَزاءِ.
وتَقْدِيمُ المُتَعَلِّقِ عَلى عامِلِهِ مُفِيدٌ القَصْرَ وهو قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ سِيقَ لِلْمُخاطَبِينَ لِإفادَتِهِمْ ذَلِكَ إذْ كانُوا مُنْكِرِينَ ذَلِكَ، وفِيهِ تَأْيِيسٌ لَهم مِن نَفْعِ أصْنامِهِمْ إيّاهم إذْ كانَ المُشْرِكُونَ يُحاجُّونَ المُسْلِمِينَ بِأنَّهُ إنْ كانَ بَعْثٌ وحَشْرٌ فَسَيَجِدُونَ الآلِهَةَ يَنْصُرُونَهم.
و(تُرْجَعُونَ) بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الجِيمِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأهُ يَعْقُوبَ بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ، والقِراءَةُ الأُولى عَلى اعْتِبارِ أنَّ اللَّهَ أرْجَعَهم وإنْ كانُوا كارِهِينَ لِأنَّهم أنْكَرُوا البَعْثَ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ بِاعْتِبارِ وُقُوعِ الرُّجُوعِ مِنهم بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الِاخْتِيارِ أوِ الجَبْرِ.

الدر المصون — السمين الحلبي
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله} : «كيف» اسمُ استفهامٍ يُسْأَلُ بِهِ عن الأحوالِ، وبُنِيَ لتضمُّنِهِ معنى الهمزة، وبُنِيَ على أخفِّ الحركات، وشَذَّ دخولُ حرفِ الجرِّ عليها، قالوا: «على كيف تبيعُ الأَحْمَرَيْنِ» ، وكونهُا شرطاً قليلٌ، ولا يُجزْم بها خلافاً للكوفيين، وإذا أُبْدِل منها اسمٌ أو وَقَعَ جواباً لها فهو منصوبٌ إن كان بعدها فعلٌ متسلِّطٌ عليها نحو: كيف قمت؟ أصحيحاً أم سقيماً، وكيف سِرْت؟ فتقول: راشداً، وإلاَّ فمرفوعان: نحو: كيف زيدٌ؟ أصحيحٌ أم سقيمٌ. وإنْ وقعَ بعدَها اسمٌ مسؤولٌ عنه بها فهو مبتدأٌ وهي خبرٌ مقدَّمٌ، نحو: كيف زيدٌ؟ وقد يُحْذَفُ الفعلُ بعدَها، قال تعالى: {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ} [التوبة: 8] أي كيف تُوالونهم. و «كيفَ» في هذه الآيةِ منصوبةٌ على التشبيهِ بالظرف عند سيبويه، أي: في أيِّ حالةٍ تكفُرون، وعلى الحالِ عند الأخفشِ، أي: على أي حالٍ تكفُرون، والعاملُ فيها على القولين «تكفرون» وصاحبُ الحالِ الضميرُ في تكفرون، ولم يَذْكر أبو البقاء غيرَ مذهبِ الأخفشِ، ثم قال: «والتقدير: معانِدين تكفرون. وفي هذا التقدير نظرٌ، إذ يذهبَ معه معنى الاستفهام المقصودِ به التعجبُ أو التوبيخُ أو الإِنكارُ، قال الزمخشري بعد أَنْ جَعَلَ الاستفهامَ للإِنكارِ:» وتحريرهُ أنه إذا أنْكَرَ أن يكونَ لكفرهم حالٌ يُوجَدُ عليها، وقد عُلِمَ أنَّ كلَّ موجودٍ لا بُدَّ له من حالٍ، ومُحالٌ أن يُوجَدَ بغيرِ صفةٍ من الصفاتِ كان إنكاراً لوجودِه على الطريق البرهاني «.
وفي الكلام التفاتٌ من الغَيْبَةِ في قولِه:» وأمَّا الذين كفروا «إلى آخره، إلى الخطاب في قولِهِ:» تَكْفُرون، وكُنْتُم «. وفائدتُهُ أنَّ الإِنكارَ إذا توجَّه إلى المخاطبِ كان أبلغَ. وجاء» تكفرونَ «مضارعاً لا ماضياً لأنَّ المُنْكَرَ الدوامُ على الكفرِ، والمضارعُ هو المُشْعِرُ بذلك، ولئلا يكونَ ذلك تَوْبيخاً لمَنْ آمَنَ بعد كُفْر.
و» كَفَرَ «يتعدَّى بحرف الجر نحو: {تَكْفُرُونَ بالله} {تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله} [آل عمران: 70] {كَفَرُواْ بالذكر} [فصلت: 41] ، وقد تعدَّى بنفسه في قوله تعالى: {أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِّثَمُودَ} [هود: 68] وذلك لمَّا ضُمِّن معنى جَحَدوا.
قوله: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ} الواوُ واوُ الحالِ، وعلامتُها أن يَصْلُح موضِعَها» إذ «، وجملَةُ {كُنْتُمْ أَمْوَاتاً} في محلِّ نصبٍ على الحال، ولا بد من إضمار» قد «ليصِحَّ وقوعُ الماضي حالاً. وقال الزمخشري:» فإن قلت «كيف صَحَّ أن يكونَ حالاً وهو ماضٍ بها؟ قُلْتُ: لَمْ تَدْخُل الواوُ على {كُنْتُمْ أَمْوَاتاً} وحدَه، ولكنْ على جملة قوله: {كُنْتُمْ أَمْوَاتاً} إلى {تُرْجَعُونَ} ، كأنه قيل: كيف تكفرون بالله وقصتُكم هذه وحالُكم أنكم كنتم أمواتاً نُطَفَاً في أصْلاَبِ آبائكم فَجَعَلَكم أحياءً، ثم يُميتكم بعد هذه الحياة، ثم يُحْييكم بعد الموتِ ثم يُحاسِبُكم» .
ثم قال: «فإنْ قلتَ: بعضُ القصةٍ ماضٍ وبعضُها مستقبلٌ، والماضي والمستقبل كلاهما لا يَصِحُّ أن يقعَ حالاً حتى يكونَ فعلاً حاضراً وقتَ وجودِهَا هو حالٌ عنه فما الحاضرُ الذي وقع حالاً؟ قلت: هو العلمُ بالقصة كأنه قيل: كيف تكفرونَ وأنتم عالمونَ بهذه القصة بأولِها وبآخرها» ؟ قال الشيخُ ما معناه: هذا تَكَلُّفٌ، يعني تأويلَه هذه الجملةَ بالجملةِ الاسمية. قال: «والذي حَمَله على ذلك اعتقادُه أنَّ الجملَ مندرجةٌ في حكمِ الجملةِ الأولى» . قال: «ولا يتعيَّن، بل يكونُ قولُه تعالى: {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} وما بعده جملاً مستأنفةً أَخْبَرَ بها تعالى لا داخلةً تحت الحالِ، ولذلك غايَرَ بينها وبين ما قبلَها من الجملِ بحرفِ العطفِ وصيغةِ الفعل السابقَيْنِ لها في قولِهِ: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ} .
والفاءُ في قولِه:» فَأَحْيَاكُمْ «على بابِها مِن التعقيبِ، و» ثم «على بابها من التراخي، لأنَّ المرادَ بالموتِ الأول العدَمُ السابقُ، وبالحياةِ الأولى الخَلْقُ، وبالموتِ الثاني الموتُ المعهودُ، وبالحياةِ الثانية الحياةُ للبعثِ، فجاءت الفاءُ و» ثم «على بابِهما من التعقيبِ والتراخي على هذا التفسير وهو أحسنُ الأقوالِ، ويُعْزَى لابنِ عباس وابن مسعود ومجاهد، والرجوعُ إلى الجزاءِ أيضاً متراخٍ عن البعثِ. والضميرُ في» إليه «لله تعالى، وهذا ظاهرٌ لأنه كالضمائر قبلَه وثَمَّ مضافٌ محذوفٌ أي: إلى ثوابِهِ وعقابِه. وقيل: على الجزاءِ على الأعمالِ. وقيل: على المكانِ الذي يَتَوَلَّى اللهُ فيه الحكمَ بينكم. وقيل: على الإِحياء المدلولِ عليه بأَحْياكم، يعني أنكم تُرْجَعُون إلى الحالِ الأولى التي كنتم عليها في ابتداء الحياةِ الأولى من كونِكم لا تَمْلِكُون لأنفسِكم شيئاً.
والجمهورُ على قراءة» تُرْجَعُون «مبنياً للمفعولِ، وقُرِئَ مبنيّاً للفاعل حيث جاء، ووجهُ القراءتين أنَّ» رَجَع «يكونُ قاصراً ومتعدياً، فقراءةُ الجمهورِ من المتعدِّي وهو أرجحُ؛ لأنَّ أصلَها:» ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجِعُكُمْ «لأنَّ الإِسنادَ في الأفعالِ السابقة لله تعالى، فيناسِبُ أن يكونَ هذا كذا ولكنه بُنِيَ للمفعول لأجل الفواصل والقواطع.
وأَمْوات جمعُ» مَيِّت «وقياسُه على فعائِلِ كسَيّد وسَيَائِدِ، والأَوْلَى أن يكون أموات جمع مَيْت مخفَّفاً كأقوال في جمع قَيْل، وقد تقدَّمت هذه المادةُ.

مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
كفر
الكُفْرُ في اللّغة: ستر الشيء، ووصف الليل بِالْكَافِرِ لستره الأشخاص، والزّرّاع لستره البذر في الأرض، وليس ذلك باسم لهما كما قال بعض أهل اللّغة لمّا سمع:
387- ألقت ذكاء يمينها في كافر
والْكَافُورُ: اسم أكمام الثّمرة التي تَكْفُرُهَا، قال الشاعر:
388- كالكرم إذ نادى من الكَافُورِ
وكُفْرُ النّعمة وكُفْرَانُهَا: سترها بترك أداء شكرها، قال تعالى: ﴿فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ [الأنبياء : 94] . وأعظم الكُفْرِ: جحود الوحدانيّة أو الشريعة أو النّبوّة، والكُفْرَانُ في جحود النّعمة أكثر استعمالا، والكُفْرُ في الدّين أكثر، والكُفُورُ فيهما جميعا قال: ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُوراً﴾ [الإسراء : 99] ، ﴿فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً﴾ [الفرقان : 50] ويقال منهما: كَفَرَ فهو كَافِرٌ. قال في الكفران: ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل : 40] ، وقال: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة : 152] ، وقوله: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ [الشعراء : 19] أي: تحرّيت كفران نعمتي، وقال: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم : 7] ولمّا كان الكفران يقتضي جحود النّعمة صار يستعمل في الجحود، قال: ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة : 41] أي: جاحد له وساتر، والكَافِرُ على الإطلاق متعارف فيمن يجحد الوحدانيّة، أو النّبوّة، أو الشريعة، أو ثلاثتها، وقد يقال: كَفَرَ لمن أخلّ بالشّريعة، وترك ما لزمه من شكر الله عليه. قال: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ [الروم : 44] يدلّ على ذلك مقابلته بقوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم : 44] ، وقال: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ﴾ [النحل : 83] ، وقوله: ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة : 41] أي: لا تكونوا أئمّة في الكفر فيقتدى بكم، وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ [النور : 55] عني بالكافر السّاتر للحقّ، فلذلك جعله فاسقا، ومعلوم أنّ الكفر المطلق هو أعمّ من الفسق، ومعناه: من جحد حقّ الله فقد فسق عن أمر ربّه بظلمه. ولمّا جعل كلّ فعل محمود من الإيمان جعل كلّ فعل مذموم من الكفر، وقال في السّحر: ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة : 102] وقوله: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا، إلى قوله: كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة : 275-276]وقال: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ إلى قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ [آل عمران : 97] والكَفُورُ: المبالغ في كفران النعمة، وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ [الزخرف : 15] ، وقال: ﴿ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ : 17] إن قيل: كيف وصف الإنسان هاهنا بالكفور، ولم يرض بذلك حتى أدخل عليه إنّ، واللّام، وكلّ ذلك تأكيد، وقال في موضع وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ [الحجرات : 7] ، فقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف : 15] تنبيه على ما ينطوي عليه الإنسان من كفران النّعمة، وقلّة ما يقوم بأداء الشّكر، وعلى هذا قوله: ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ﴾ [عبس : 17] ولذلك قال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ : 13] ، وقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان : 3] تنبيه أنه عرّفه الطّريقين كما قال: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد : 10] فمن سالك سبيل الشّكر، ومن سالك سبيل الكفر، وقوله: ﴿وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ [الإسراء : 27] فمن الكفر، ونبّه بقوله: كانَ أنه لم يزل منذ وجد منطويا على الكفر. والْكَفَّارُ أبلغ من الكفور لقوله: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق : 24] وقال: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة : 276] ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر : 3] ، ﴿إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح : 27] وقد أجري الكفّار مجرى الكفور في قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم : 34] . والكُفَّارُ في جمع الكافر المضادّ للإيمان أكثر استعمالا كقوله: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح : 29] ، وقوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح : 29] .
والكَفَرَةُ في جمع كافر النّعمة أشدّ استعمالا، وفي قوله: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس : 42] ألا ترى أنه وصف الكفرة بالفجرة؟
والفجرة قد يقال للفسّاق من المسلمين. وقوله: ﴿جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ﴾ [القمر : 14] أي: من الأنبياء ومن يجري مجراهم ممّن بذلوا النّصح في أمر الله فلم يقبل منهم. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء : 137] قيل: عني بقوله إنهم آمنوا بموسى، ثمّ كفروا بمن بعده. والنصارى آمنوا بعيسى، ثمّ كفروا بمن بعده. وقيل: آمنوا بموسى ثم كفروا بموسى إذ لم يؤمنوا بغيره، وقيل: هو ما قال: وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي إلى قوله: ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران : 72] ولم يرد أنّهم آمنوا مرّتين وكفروا مرّتين، بل ذلك إشارة إلى أحوال كثيرة. وقيل: كما يصعد الإنسان في الفضائل في ثلاث درجات ينعكس في الرّذائل في ثلاث درجات. والآية إشارة إلى ذلك، وقد بيّنته في كتاب «الذّريعة إلى مكارم الشّريعة».
ويقال: كَفَرَ فلانٌ: إذا اعتقد الكفر، ويقال ذلك إذا أظهر الكفر وإن لم يعتقد، ولذلك قال: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ [النحل : 106] ويقال: كَفَرَ فلان بالشّيطان: إذا كفر بسببه، وقد يقال ذلك إذا آمن وخالف الشّيطان، كقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة : 256] وأَكْفَرَهُ إِكْفَاراً: حكم بكفره، وقد يعبّر عن التّبرّي بالكفر نحو: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ ...
الآية [العنكبوت : 25] ، وقوله تعالى: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم : 22] ، وقوله: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ﴾ [الحديد : 20] قيل: عنى بالكفّار الزّرّاع ، لأنّهم يغطّون البذر في التّراب ستر الكفّار حقّ الله تعالى بدلالة قوله: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح : 29] ولأنّ الكافر لا اختصاص له بذلك. وقيل: بل عنى الكفار، وخصّهم بكونهم معجبين بالدّنيا وزخارفها وراكنين إليها.
والْكَفَّارَةُ: ما يغطّي الإثم، ومنه: كَفَّارَةُ اليمين نحو قوله: ﴿ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة : 89] وكذلك كفّارة غيره من الآثام ككفارة القتل والظّهار. قال: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾ [المائدة : 89] والتَّكْفِيرُ: ستره وتغطيته حتى يصير بمنزلة ما لم يعمل، ويصحّ أن يكون أصله إزالة الكفر والكفران، نحو: التّمريض في كونه إزالة للمرض، وتقذية العين في إزالة القذى عنه، قال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ [المائدة : 65] ، ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النساء : 31] وإلى هذا المعنى أشار بقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود : 114] وقيل: صغار الحسنات لا تكفّر كبار السّيّئات، وقال: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ [آل عمران : 195] ، ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الزمر : 35] ويقال: كَفَرَتِ الشمس النّجومَ: سترتها، ويقال الْكَافِرُ للسّحاب الذي يغطّي الشمس والليل، قال الشاعر:
389- ألقت ذكاء يمينها في كافر
وتَكَفَّرَ في السّلاح. أي: تغطّى فيه، والْكَافُورُ: أكمام الثمرة. أي: التي تكفُرُ الثّمرةَ، قال الشاعر:
390- كالكرم إذ نادى من الكافور
والْكَافُورُ الذي هو من الطّيب. قال تعالى: ﴿كانَ مِزاجُها كافُوراً﴾ [الإنسان : 5] .