ما الكافَّة:
هي التي تكفُّ عَاملاً عنِ العمَل فمنها:
كافة عن عمل الرَّفع، وهي المُتَّصلة بـ "قَلَّ" و "طالَ" و "كثر" تَقول: قَلَّما، و "طالما، وكثرما، فمَا هُنا كفَّت الفِعلَ عن طلَب الفاعل.
ومِنْها الكَافَّةُ عَنِ عَمَلِ النَّصْبِ والرَّفعِ، وهي المُتَّصِلةُ بـ "إن" وأخَوَاتِها نحو {إنَّما اللهُ إلهٌ واحدٌ}.
ومِنْها الكَافَّةُ عَنْ عمل الجَرِّ، وهي التي تَتصلُ بأحْرُف، وظروفٍ، فالأحرف "رُبَّ" و "الكاف" و "الباء" و "من" والظرف "بعد" و "بين"(١).
زيادة (ما) الكافة بعد الأحرف المشبهة بالفعل:
وتلحقها (ما) الكافة فتعزلها عن العمل ويبتدأ بعدها الكلام(٢). والأحرف المشبهة بالفعل مختصة بالجمل الإسمية، فإن دخلت عليها (ما) الكافة وسعت دائرة استعمالها فأدخلتها على الجمل الفعلية أيضا(٣)، تقول: إن محمدا قائم. فإن دخلت (ما) عليها قلت: إنما محمد قائم، وإنما يقوم محمد. فهي توسع دائرة التوكيد والترجي والتشبيه، ونحو: لعلما يحضر زيد. قال تعالى: (كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون).
زيادة ما الكافة بعد بعض الأفعال والأحرف:
ما الكافة: تَكُفُّ ثلاثة أفعال عن رفع الفاعل إذا لحقت بها هي: قَلَّ، وطالَ، وكثُر. تَقُول: قَلَّما، وطالَما، وكثُرما. فما هنا كفَّت الفعل عن طلب الفاعل، كما كفت الأحرف المشبهة بالفعل عن عمل النصب والرفع. كذلك تكف عن عمل الجر إذا لحقت بأحرف وظروفٍ، فالأحرف: رُبَّ، والكاف، والباء، ومن. والظرف: بعد، وبين(٤).
غير أن بعض النحاة يعربون هذه الأفعال أي الأفعال التي تلحقها ما الكافة على الوجه التالي: قلما ينجح المهمل.
▫️قلما: فعل ماض مبني على الفتح الظاهر على آخره. "ما" حرف مصدري مبني على السكون لا محل له من الاعراب.
▫️ينجح: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
▫️المهمل: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
والمصدر المؤول من ما والفعل في محل رفع فاعل لفعل "قلّ"، والتقدير: قل نجاح المهمل(٥).
طالما: كلمة مركبة من (طال) و (ما) الكافّة عن الفاعل، معناها: كثيرًا ما، "طالما حذَّرتُك: كثيرًا ما حذّرتُك- طالما نصحوه فلم ينتصح"(٦).
ذكر في "شرح الألفية": قال بعض النُّحاة إنَّ قلَّ إذا كُفّت بـ (ما) تدلّ على ندارة الشيء لا على نفيه، وقال أكثرهم: يراد النَّفي في الأشهر، فعلى هذا لِم لا يجوز دخولها على الجملة الاسمية؟ غاية الباب أن يخالفَ الأشهر، على أنّ قول سيبويه بمنزلة النَّصِّ في هذا الفنّ.
قال (٧) الغلاييني: اذا لحقت (ما) الزائدةُ الاحرفَ المُشبّهةَ بالفعل، كفتّها عن العمل، فيرجعُ ما بعدها مبتدأً وخبراً. وتُسمّى (ما) هذه (ما الكافةَ) لأنها تَكُفُّ ما تلحقُهُ عن العمل، كقوله تعالى {إنما إِلهكُم إِلهٌ واحدٌ"} ، ونحو {كأنما العلمُ نورٌ} و (لَعلَّما اللهُ يرحمُنا).
غير أنَّ (ليتَ) يجوزُ فيها الإِعمالُ والإِهمالُ، بعدَ أن تَلحقَها (ما) هذه، تقولُ (ليتما الشبابَ يعودُ) و (ليتما الشبابُ يعودُ) . واعمالُها حينئذ أحسنُ من اهمالها. وقد رُوِيَ بالوجهينِ، نصبِ ما بعدَ (ليتما) ورفعه، قولُ الشاعرِ [النابغة - من البسيط]
قالتْ أَلاَ لَيتَما هذا الحمامَ لنا ... إلى حَمامَتِنا، أو نِصْفَهُ فَقَدِ
(فالنصب على أن (ليتما) عاملة، و (ذا) اسمها، و"الحمام" بدل منه. والرفع على أنها مهملة مكفوفة بما، و (ذا) مبتدأ، و"الحمام" بدل منه. وكذا "نصفه" إن نصبت الحمام نصبته، وإن رفعته رفعته، لأنه معطوف عليه).
ومتى لحقت (ما الكافَّة) هذهِ الاحرفَ زالَ اختصاصُها بالأسماء. فَلِذا أُهملت، وجازَ دخولُها على الجملة الفعليّة، كما تدخلُ على الجملة الاسميَّة، إلاَّ (ليتَ) . فمن دخولها على الجملةِ الفعلية قولهُ تعالى {كأنما يُساقونَ الى الموت} وقول الشاعر:
أَعِدْ نَظَراً يا عَبْدَ قَيْسٍ، لَعَلَّما ... أَضاءَتْ لكَ النَّارُ الحِمارَ المُقَيَّدا
ومن دخولها على الجملة الاسميَّة قوله تعالى {قل إنما أنا بشرٌ مثلُكُم يُوحى إليَّ أنما إلهكم إلهُ واحدٌ}، وقولهُ {إنما اللهُ إِلهٌ واحدٌ}.
وأما (ليتَ) فانها باقيةٌ على اختصاصها بالأسماءِ، بعدَ أن تلحقها (ما الكافةُ) فلا تدخلُ على الجُمل الفعليَّة، لذلك يُرَجَّحُ ان تبقى على عملها من نصب الاسمِ ورفعِ الخبر، كما تقدَّم.
ما الكافة متصلة بما قبلها:
إن (٧) كانت (ما) اللاحقة لهذه الأحرف اسماً موصولاً، او حرفاً مصدرياً، فلا تكفها عن العمل، بل تبقى ناصبة للاسم رافعة للخبر.
▫️إن لحقتها (ما الموصولة) كانت (ما) اسمها منصوبة محلاً، كقوله تعالى {إن ما عندكم ينفد} ، أي إن الذي عندكم ينفد.
▫️وإن لحقتها (ما المصدرية) كان ما بعدها في تأويل مصدر منصوب، على انه اسم "ان" نحو "إن ما تستقيم حسن"، أي ان استقامتك حسنة.
وحينئذ تكتب (ما) منفصلة. كما رأيت. بخلاف (ما الكافة)، فانها تكتب متصلة كما عرفت فيما سلف. وقد اجتمعت "ما" المصدرية و"ما" الكافة في قول امرئ القيس:
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب، قليل من المال.
ولكنما أسعى لمجد مؤثلٌ ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
فما في البيت الاول مصدرية. والتقدير لو ان سعيي. وفي البيت الآخر زائدة كافة، أي ولكني أسعى لمجد مؤثل(٧).
قال سيبويه:
"أعَلاقةً أمَّ الوُلَيِّدِ بَعْدَما ... أفنانُ رأسكَ كالثَّغَام المُخْلِسِ
جعل (بعد) مع (ما) بمنزلة حرفٍ واحد، وابتدأ ما بعده (٨)".
"ما المصدرية لا تدخل إلا على الأفعال(٩).
وَفِي حَدِيث أُسَامَة بن شريك العامري: " كَأَنَّمَا على رُءُوسهم الطير ". قَالَ الشَّيْخ رَحمَه الله(١٠) : " يجوز أَن تجْعَل " مَا " كَافَّة فَترفع " الطير " بِالِابْتِدَاءِ و " على رُءُوسهم " الْخَبَر وَبَطل عمل كَأَن بالكف. وَيجوز أَن تجْعَل مَا " زَائِدَة " وتنصب " الطير " بكأن. و " على رُءُوسهم " خَبَرهَا ".
١- كتاب معجم القواعد العربية - عبد الغني الدقر
٢- الزمخشري "المفصل في صنعة الإعراب"
٣- فاضل السامرائي "معاني النحو"
٤- عبد الغني الدقر "معجم القواعد العربية"
٥- نديم حسين دعكور "القواعد التطبيقية في اللغة العربية"
٦- معجم اللغة العربية المعاصرة - أحمد مختار عمر
٧- جامع الدروس العربية - مصطفى الغلاييني
٨- سيبويه - الكتاب
٩- النحو المصفى - محمد عيد
١٠- إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث - أبو البقاء العكبري