(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). سورة البقرة، الآية: ٣٠
التحرير والتنوير — ابن عاشور
﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾
عَطَفَتِ الواوُ قِصَّةَ خَلْقِ أوَّلِ البَشَرِ عَلى قِصَّةِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ انْتِقالًا بِهِمْ في الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّ اللَّهَ واحِدٌ وعَلى بُطْلانِ شِرْكِهِمْ وتَخَلُّصًا مِن ذِكْرِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ إلى خَلْقِ النَّوْعِ الَّذِي هو سُلْطانُ الأرْضِ والمُتَصَرِّفُ في أحْوالِها، لِيَجْمَعَ بَيْنَ تَعَدُّدِ الأدِلَّةِ وبَيْنَ مُخْتَلَفِ تَكْوِينِ العَوالِمِ وأصْلِها لِيَعْلَمَ المُسْلِمُونَ ما عَلِمَهُ أهْلُ الكِتابِ مِنَ العِلْمِ الَّذِي كانُوا يُباهُونَ بِهِ العَرَبَ وهو ما في سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْراةِ.
واعْلَمْ أنَّ مَوْقِعَ الدَّلِيلِ بِخَلْقِ آدَمَ عَلى الوَحْدانِيَّةِ هو أنَّ خَلْقَ أصْلِ النَّوْعِ أمْرٌ مُدْرَكٌ بِالضَّرُورَةِ لِأنَّ كُلَّ إنْسانٍ إذا لَفَتَ ذِهْنَهُ إلى وُجُودِهِ عَلِمَ أنَّهُ وُجُودٌ مَسْبُوقٌ بِوُجُودِ أصْلٍ لَهُ بِما يُشاهِدُ مِن نَشْأةِ الأبْناءِ عَنِ الآباءِ، فَيُوقِنُ أنَّ لِهَذا النَّوْعِ أصْلًا أوَّلَ يَنْتَهِي إلَيْهِ نُشُوءُهُ، وإذْ قَدْ كانَتِ العِبْرَةُ بِخَلْقِ ما في الأرْضِ جَمِيعًا أُدْمِجَتْ فِيها مِنَّةٌ وهي قَوْلُهُ لَكُمُ المُقْتَضِيَةُ أنَّ خَلْقَ ما في الأرْضِ لِأجْلِهِمْ تَهَيَّأتْ أنْفُسُهم لِسَماعِ قِصَّةِ إيجادِ مَنشَأِ النّاسِ الَّذِينَ خُلِقَتِ الأرْضُ لِأجْلِهِمْ لِيُحاطَ بِما في ذَلِكَ مِن دَلائِلِ القُدْرَةِ مَعَ عَظِيمِ المِنَّةِ وهي مِنَّةُ الخَلْقِ الَّتِي نَشَأتْ عَنْها فَضائِلُ جَمَّةٌ ومِنَّةُ التَّفْضِيلِ ومِنَّةُ خِلافَةِ اللَّهِ في الأرْضِ، فَكانَ خَلْقُ أصْلِنا هو أبْدَعَ مَظاهِرِ إحْيائِنا الَّذِي هو الأصْلُ في خَلْقِ ما في الأرْضِ لَنا، فَكانَتِ المُناسَبَةُ في الِانْتِقالِ إلى التَّذْكِيرِ بِهِ واضِحَةً مَعَ حُسْنِ التَّخَلُّصِ إلى ذِكْرِهِ خَبَرَهُ العَجِيبَ، فَإيرادُ واوِ العَطْفِ هُنا لِأجْلِ إظْهارِ اسْتِقْلالِ هَذِهِ القِصَّةِ في حَدِّ ذاتِها في عِظَمِ شَأْنِها.
و(إذْ) مِن أسْماءِ الزَّمانِ المُبْهَمَةِ تَدُلُّ عَلى زَمانِ نِسْبَةٍ ماضِيَةٍ وقَعَتْ فِيهِ نِسْبَةٌ أُخْرى ماضِيَةٌ قارَنَتْها، فَـ (إذْ) تَحْتاجُ إلى جُمْلَتَيْنِ: جُمْلَةٍ أصْلِيَّةٍ - وهي الدّالَّةُ عَلى المَظْرُوفِ، وتِلْكَ هي الَّتِي تَكُونُ مَعَ جَمِيعِ الظُّرُوفِ - وجُمْلَةٍ تُبَيِّنُ الظَّرْفَ ما هو، لِأنَّ (إذْ) لَمّا كانَتْ مُبْهَمَةً احْتاجَتْ لِما يُبَيِّنُ زَمانَها عَنْ بَقِيَّةِ الأزْمِنَةِ، فَلِذَلِكَ لَزِمَتْ إضافَتُها إلى الجُمَلِ أبَدًا، والأكْثَرُ في الكَلامِ أنْ تَكُونَ ”إذْ“ في مَحَلِّ ظَرْفٍ لِزَمَنِ الفِعْلِ فَتَكُونُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ فِيهِ، وقَدْ تَخْرُجُ (إذْ) عَنِ النَّصْبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ إلى المَفْعُولِيَّةِ كَأسْماءِ الزَّمانِ المُتَصَرِّفَةِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ وهو مُخْتارُ ابْنِ هِشامٍ خِلافًا لِظاهِرِ كَلامِ الجُمْهُورِ، فَهي تَصِيرُ ظَرْفًا مُبْهَمًا مُتَصَرِّفًا، وقَدْ يُضافُ إلَيْها اسْمُ زَمانٍ نَحْوَ يَوْمَئِذٍ وساعَتَئِذٍ فَتُجَرُّ بِإضافَةٍ صُورِيَّةٍ لِيَكُونَ ذِكْرُها وسِيلَةً إلى حَذْفِ الجُمْلَةِ المُضافَةِ هي إلَيْها، وذَلِكَ أنَّ (إذْ) مُلازِمَةٌ لِلْإضافَةِ، فَإذا حُذِفَتْ جُمْلَتُها عَلِمَ السّامِعُ أنَّ هُنالِكَ حَذْفًا، فَإذا أرادُوا أنْ يَحْذِفُوا جُمْلَةً مَعَ اسْمِ زَمانٍ غَيْرِ (إذْ) خافُوا أنْ لا يَهْتَدِيَ السّامِعُ لِشَيْءٍ مَحْذُوفٍ حَتّى يَتَطَلَّبَ دَلِيلَهُ فَجَعَلُوا ”إذْ“ قَرِينَةً عَلى إضافَةٍ، وحَذَفُوا الجُمْلَةَ لِيُنَبِّهُوا السّامِعَ فَيَتَطَلَّبُ دَلِيلَ المَحْذُوفِ.
وهِيَ في هَذِهِ الآيَةِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ظَرْفًا وكَذَلِكَ أعْرَبَها الجُمْهُورُ وجَعَلُوها مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ قالُوا وهو يُفْضِي إلى أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنَ القِصَّةِ قَوْلَ المَلائِكَةِ، وذَلِكَ بَعِيدٌ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ العِبْرَةِ هو خِطابُ اللَّهِ لَهم وهو مَبْدَأُ العِبْرَةِ وما تَضَمَّنَتْهُ مِن تَشْرِيفِ آدَمَ وتَعْلِيمِهِ بَعْدَ الِامْتِنانِ بِإيجادِ أصْلِ نَوْعِ النّاسِ الَّذِي هو مَناطُ العِبْرَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٨] الآياتِ، ولِأنَّهُ لا يَتَأتّى في نَظِيرِها وهو قَوْلُهُ الآتِي ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [البقرة: ٣٤] إذْ وُجُودُ فاءِ التَّعْقِيبِ يَمْنَعُ مِن جَعْلِ الظَّرْفِ مُتَعَلِّقًا بِمَدْخُولِها، ولِأنَّ الأظْهَرَ أنَّ قَوْلَهُ (قالُوا) حِكايَةٌ لِلْمُراجَعَةِ والمُحاوَرَةِ عَلى طَرِيقَةِ أمْثالِهِ كَما سَنُحَقِّقُهُ. فالَّذِي يَنْساقُ إلَيْهِ أُسْلُوبُ النَّظْمِ فِيهِ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى جُمْلَةِ ﴿خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] أيْ خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ وقالَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقُ أصْلِ الإنْسانِ لِما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ ذِكْرَ خَلْقِ ما في الأرْضِ وكَوْنَهُ لِأجْلِنا يُهَيِّئُ السّامِعَ لِتَرَقُّبِ ذِكْرِ شَأْنِنا بَعْدَ ذِكْرِ شَأْنِ ما خُلِقَ لِأجْلِنا مِن سَماءٍ وأرْضٍ، وتَكُونُ (إذْ) عَلى هَذا مَزِيدَةً لِلتَّأْكِيدِ. قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى وأنْشَدَ قَوْلَ الأسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ: فَإذْ وذَلِكَ لا مَهاهَ لِذِكْرِهِ والدَّهْرُ يُعْقِبُ صالِحًا بِفَسادِ هَكَذا رَواهُ ”فَإذْ“ عَلى أنْ يَكُونَ في البَيْتِ زِحافُ الطَّيِّ، وفي رِوايَةٍ ”فَإذا“ فَلا زِحافَ، والمَهاهُ بِهاءَيْنِ الحُسْنُ، ولا يُشْكِلُ عَلَيْهِ أنَّ شَأْنَ الزِّيادَةِ أنْ تَكُونَ في الحُرُوفِ لِأنَّ إذْ وإذا ونَحْوَهُما عُومِلَتْ مُعامَلَةَ الحُرُوفِ، أوْ أنْ يَكُونَ عَطْفُ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ ويُؤَيِّدُهُ أنَّها تُبْتَدَأُ بِها القِصَصُ العَجِيبَةُ الدّالَّةُ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ألا تَرى أنَّها ذُكِرَتْ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] ولَمْ تُذْكَرْ فِيما بَيْنَهُما، وتَكُونُ (إذْ) اسْمَ زَمانٍ مَفْعُولًا بِهِ بِتَقْدِيرِ اذْكُرْ، ونَظِيرُهُ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، والمَقْصُودُ مِن تَعْلِيقِ الذِّكْرِ والقِصَّةِ بِالزَّمانِ إنَّما هو ما حَصَلَ في ذَلِكَ الزَّمانِ مِنَ الأحْوالِ. وتَخْصِيصُ اسْمِ الزَّمانِ دُونَ اسْمِ المَكانِ لِأنَّ النّاسَ تَعارَفُوا إسْنادَ الحَوادِثِ التّارِيخِيَّةِ والقِصَصِ إلى أزْمانِ وُقُوعِها.
وكَلامُ اللَّهِ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ أُطْلِقَ عَلى ما يَفْهَمُونَ مِنهُ إرادَتَهُ وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالكَلامِ النَّفْسِيِّ، فَيَحْتَمِلُ أنَّهُ كَلامٌ سَمِعُوهُ، فَإطْلاقُ القَوْلِ عَلَيْهِ حَقِيقَةً وإسْنادُهُ إلى اللَّهِ لِأنَّهُ خَلَقَ ذَلِكَ القَوْلَ بِدُونِ وسِيلَةٍ مُعْتادَةٍ، ويَحْتَمِلُ أنَّهُ دالٌّ آخَرُ عَلى الإرادَةِ، فَإطْلاقُ القَوْلِ عَلَيْهِ مَجازٌ لِأنَّهُ دَلالَةٌ لِلْعُقَلاءِ، والمَجازُ فِيهِ أقْوى مِنَ المَجازِ الَّذِي في نَحْوِ قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ ”«اشْتَكَتِ النّارُ إلى رَبِّها» “ . وقَوْلِهِ تَعالى (﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]) . وقَوْلِ أبِي النَّجْمِ
إذْ قالَتِ الآطالُ لِلْبَطْنِ الحَقِ
ولا طائِلَ في البَحْثِ عَنْ تَعَيُّنِ أحَدِ الِاحْتِمالَيْنِ.
والمَلائِكَةُ جَمْعُ مَلَكٍ، وأصْلُ صِيغَةِ الجَمْعِ ”مَلائِكُ“ والتّاءُ لِتَأْكِيدِ الجَمْعِيَّةِ لِما في التّاءِ مِنَ الإيذانِ بِمَعْنى الجَماعَةِ، والظّاهِرُ أنَّ تَأْنِيثَ مَلائِكَةٍ سَرى إلى لُغَةِ العَرَبِ مِن كَلامِ المُتَنَصِّرِينَ مِنهم إذْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ الأمْلاكَ بَناتُ اللَّهِ، واعْتَقَدَهُ العَرَبُ أيْضًا، قالَ تَعالى ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ﴾ [النحل: ٥٧] فَمَلائِكُ جَمْعُ مَلْأكٍ كَشَمائِلَ وشَمْألٍ، ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُ بَعْضِ شُعَراءِ عَبْدِ القَيْسِ أوْ غَيْرِهِ.
ولَسْتَ لِإنْسِيٍّ ولَكِنْ لِمَلْأكٍ ∗∗∗ تَنَزَّلَ مِن جَوِّ السَّماءِ يَصُوبُ
ثُمَّ قالُوا: مَلَكٌ تَخْفِيفًا. وقَدِ اخْتَلَفُوا في اشْتِقاقِهِ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ هو مَفْعَلٌ مِن لَأكَ بِمَعْنى أرْسَلَ، ومِنهُ قَوْلُهم في الأمْرِ بِتَبْلِيغِ رِسالَةِ ألِكْنِي ألِيهِ أيْ كُنْ رَسُولِي إلَيْهِ، وأصْلُ ألِكْنِي ألْإكْنِي وإنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ فِعْلٌ. وإنَّما اشْتُقَّ اسْمُ المَلَكِ مِنَ الإرْسالِ لِأنَّ المَلائِكَةَ رُسُلُ اللَّهِ إمّا بِتَبْلِيغٍ أوْ تَكْوِينٍ كَما في الحَدِيثِ ”ثُمَّ يُرْسِلُ إلَيْهِ - أيْ لِلْجَنِينِ في بَطْنِ أُمِّهِ - المَلَكَ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ“، فَعَلى هَذا القَوْلِ هو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، وقالَ الكِسائِيُّ هو مَقْلُوبٌ ووَزْنُهُ الآنَ مَعْفُلٌ وأصْلُهُ مَأْلَكٌ مِنَ الألُوكِ، والألُوكَةُ وهي الرِّسالَةُ، ويُقالُ مَأْلَكٌ ومَأْلَكَةٌ بِفَتْحِ اللّامِ وضَمِّها، فَقَلَبُوا فِيهِ قَلْبًا مَكانِيًّا فَقالُوا مَلْأكٌ فَهو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو مُشْتَقٌّ مِنَ المَلْكِ بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ اللّامِ، والمَلْكُ بِمَعْنى القُوَّةِ قالَ تَعالى ﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ﴾ [التحريم: ٦] والهَمْزَةُ مَزِيدَةٌ فَوَزْنُهُ فَعْألٌ بِسُكُونِ العَيْنِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ كَشَمْألٍ، ورُدَّ بِأنَّ دَعْوى زِيادَةِ حَرْفٍ بِلا فائِدَةٍ دَعْوى بَعِيدَةٌ، ورُدَّ مَذْهَبُ الكِسائِيِّ بِأنَّ القَلْبَ خِلافُ الأصْلِ، فَرُجِّحَ مَذْهَبُ أبِي عُبَيْدَةَ، ونَقَلَ القُرْطُبِيُّ عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ أنَّهُ قالَ: لا اشْتِقاقَ لِلْمَلَكِ عِنْدَ العَرَبِ. يُرِيدُ أنَّهم عَرَّبُوهُ مِنَ اللُّغَةِ العِبْرانِيَّةِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ التَّوْراةَ سَمَّتِ المَلَكَ مَلاكًا بِالتَّخْفِيفِ، ولَيْسَ وُجُودُ كَلِمَةٍ مُتَقارِبَةِ اللَّفْظِ والمَعْنى في لُغَتَيْنِ بِدالٍّ عَلى أنَّها مَنقُولَةٌ مِن إحْداهُما إلى الأُخْرى إلّا بِأدِلَّةٍ أُخْرى.
والمَلائِكَةُ مَخْلُوقاتٌ نُورانِيَّةٌ سَماوِيَّةٌ مَجْبُولَةٌ عَلى الخَيْرِ قادِرَةٌ عَلى التَّشَكُّلِ في خَرْقِ العادَةِ لِأنَّ النُّورَ قابِلٌ لِلتَّشَكُّلِ في كَيْفِيّاتٍ ولِأنَّ أجْزاءَهُ لا تَتَزاحَمُ، ونُورُها لا شُعاعَ لَهُ فَلِذَلِكَ لا تُضِيءُ إذا اتَّصَلَتْ بِالعالَمِ الأرْضِيِّ، وإنَّما تَتَشَكَّلُ إذا أرادَ اللَّهُ أنْ يَظْهَرَ بَعْضُهم لِبَعْضِ رُسُلِهِ وأنْبِيائِهِ عَلى وجْهِ خَرْقِ العادَةِ.
وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى لَها قُوَّةَ التَّوَجُّهِ إلى الأشْياءِ الَّتِي يُرِيدُ اللَّهُ تَكْوِينَها فَتَتَوَلّى التَّدْبِيرَ لَها ولِهَذِهِ التَّوَجُّهاتِ المَلَكِيَّةِ حَيْثِيّاتٌ ومَراتِبُ كَثِيرَةٌ تَتَعَذَّرُ الإحاطَةُ بِها وهي مُضادَّةٌ لِتَوَجُّهاتِ الشَّياطِينِ، فالخَواطِرُ الخَيْرِيَّةُ مِن تَوَجُّهاتِ المَلائِكَةِ وعَلاقَتِها بِالنُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ، وبِعَكْسِها خَواطِرُ الشَّرِّ.
والخَلِيفَةُ في الأصْلِ الَّذِي يَخْلُفُ غَيْرَهُ أوْ يَكُونُ بَدَلًا عَنْهُ في عَمَلٍ يَعْمَلُهُ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ كالعَلامَةِ. والمُرادُ مِنَ الخَلِيفَةِ هُنا إمّا المَعْنى المَجازِيُّ وهو الَّذِي يَتَوَلّى عَمَلًا يُرِيدُهُ المُسْتَخْلَفُ مِثْلَ الوَكِيلِ والوَصِيِّ أيْ جاعِلٌ في الأرْضِ مُدَبِّرًا يَعْمَلُ ما نُرِيدُهُ في الأرْضِ فَهو اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ ولَيْسَ بِحَقِيقَةٍ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَكُنْ حالًّا في الأرْضِ ولا عامِلًا فِيها العَمَلَ الَّذِي أوْدَعَهُ في الإنْسانِ وهو السَّلْطَنَةُ عَلى مَوْجُوداتِ الأرْضِ، ولِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَتْرُكْ عَمَلًا كانَ يَعْمَلُهُ فَوَكَلَهُ إلى الإنْسانِ بَلِ التَّدْبِيرُ الأعْظَمُ لَمْ يَزَلْ لِلَّهِ تَعالى فالإنْسانُ هو المَوْجُودُ الوَحِيدُ الَّذِي اسْتَطاعَ بِما أوْدَعَ اللَّهُ في خِلْقَتِهِ أنْ يَتَصَرَّفَ في مَخْلُوقاتِ الأرْضِ بِوُجُوهٍ عَظِيمَةٍ لا تَنْتَهِي خِلافَ غَيْرِهِ مِنَ الحَيَوانِ، وإمّا أنْ يُرادَ مِنَ الخَلِيفَةِ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ إذا صَحَّ أنَّ الأرْضَ كانَتْ مَعْمُورَةً مِن قَبْلُ بِطائِفَةٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ يُسَمَّوْنَ الحِنَّ والبِنَّ بِحاءٍ مُهْمِلَةٍ مَكْسُورَةٍ ونُونٍ في الأوَّلِ، وبِمُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ ونُونٍ في الثّانِي. وقِيلَ اسْمُهُمُ الطَّمُّ والرَّمُّ بِفَتْحِ أوَّلِهِما، وأحْسَبُهُ مِنَ المَزاعِمِ، وأنَّ وضْعَ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ مِن بابِ قَوْلِ النّاسِ (هَيّانُ بْنُ بَيّانٍ) إشارَةً إلى غَيْرِ مَوْجُودٍ أوْ غَيْرِ مَعْرُوفٍ. ولَعَلَّ هَذا أنْجَزُ لِأهْلِ القَصَصِ مِن خُرافاتِ الفُرْسِ أوِ اليُونانِ، فَإنَّ الفُرْسَ زَعَمُوا أنَّهُ كانَ قَبْلَ الإنْسانِ في الأرْضِ جِنْسٌ اسْمُهُ الطَّمُّ والرَّمُّ، وكانَ اليُونانُ يَعْتَقِدُونَ أنَّ الأرْضَ كانَتْ مَعْمُورَةً بِمَخْلُوقاتٍ تُدْعى ”التِيتانَ“ وأنَّ ”زُفَسَ“ - وهو المُشْتَرِي - كَبِيرُ الأرْبابِ في اعْتِقادِهِمْ - جَلّاهم مِنَ الأرْضِ لِفَسادِهِمْ. وكُلُّ هَذا يُنافِيهِ سِياقُ الآيَةِ، فَإنَّ تَعْقِيبَ ذِكْرِ خَلْقِ الأرْضِ ثُمَّ السَّماواتِ بِذِكْرِ إرادَتِهِ تَعالى جَعْلَ الخَلِيفَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ جَعْلَ الخَلِيفَةِ كانَ أوَّلَ الأحْوالِ عَلى الأرْضِ بَعْدَ خَلْقِها، فالخَلِيفَةُ هُنا الَّذِي يَخْلُفُ صاحِبَ الشَّيْءِ في التَّصَرُّفِ في مَمْلُوكاتِهِ ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المَخْلُوقُ مُسْتَقِرًّا في المَكانِ مِن قَبْلُ، فالخَلِيفَةُ آدَمُ، وخَلَفِيَّتُهُ قِيامُهُ بِتَنْفِيذِ مُرادِ اللَّهِ تَعالى مِن تَعْمِيرِ الأرْضِ بِالإلْهامِ أوْ بِالوَحْيِ وتَلْقِينِ ذُرِّيَّتِهِ مُرادَ اللَّهِ تَعالى مِن هَذا العالَمِ الأرْضِيِّ، ومِمّا يَشْمَلُهُ هَذا التَّصَرُّفُ تَصَرُّفُ آدَمَ بِسَنِّ النِّظامِ لِأهْلِهِ وأهالِيهِمْ عَلى حَسَبِ وفْرَةِ عَدَدِهِمْ واتِّساعِ تَصَرُّفاتِهِمْ. فَكانَتِ الآيَةُ مِن هَذا الوَجْهِ إيماءً إلى حاجَةِ البَشَرِ إلى إقامَةِ خَلِيفَةٍ لِتَنْفِيذِ الفَصْلِ بَيْنَ النّاسِ في مُنازَعاتِهِمْ إذْ لا يَسْتَقِيمُ نِظامٌ يَجْمَعُ البَشَرَ بِدُونِ ذَلِكَ، وقَدْ بَعَثَ اللَّهُ الرُّسُلَ وبَيَّنَ الشَّرائِعَ فَرُبَّما اجْتَمَعَتِ الرِّسالَةُ والخِلافَةُ ورُبَّما انْفَصَلَتا بِحَسَبِ ما أرادَ اللَّهُ مِن شَرائِعِهِ إلى أنْ جاءَ الإسْلامُ فَجَمَعَ الرِّسالَةَ والخِلافَةَ لِأنَّ دِينَ الإسْلامِ غايَةُ مُرادِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الشَّرائِعِ وهو الشَّرِيعَةُ الخاتِمَةُ ولِأنَّ امْتِزاجَ الدِّينِ والمُلْكِ هو أكْمَلُ مَظاهِرِ الخُطَّتَيْنِ قالَ تَعالى ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤] ولِهَذا أجْمَعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ بَعْدَ وفاةِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى إقامَةِ الخَلِيفَةِ لِحِفْظِ نِظامِ الأُمَّةِ وتَنْفِيذِ الشَّرِيعَةِ ولَمْ يُنازِعْ في ذَلِكَ أحَدٌ مِنَ الخاصَّةِ ولا مِنَ العامَّةِ إلّا الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى، مِن جُفاةِ الأعْرابِ ودُعاةِ الفِتْنَةِ، فالمُناظَرَةُ مَعَ أمْثالِهِمْ سُدًى.
ولِلْخَلِيفَةِ شُرُوطٌ مَحَلُّ بَيانِها كُتُبُ الفِقْهِ والكَلامِ، وسَتَجِيءُ مُناسَبَتُها في آياتٍ آتِيَةٍ. والظّاهِرُ أنَّ خِطابَهُ تَعالى هَذا لِلْمَلائِكَةِ كانَ عِنْدَ إتْمامِ خَلْقِ آدَمَ عِنْدَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ أوْ قَبْلَ النَّفْخِ والأوَّلُ أظْهَرُ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالمُخْبَرِ عَنْ جَعْلِهِ خَلِيفَةً هو ذَلِكَ المَخْلُوقُ كَما يَقُولُ الَّذِي كَتَبَ كِتابًا بِحَضْرَةِ جَلِيسٍ: إنِّي مُرْسِلٌ كِتابًا إلى فُلانٍ فَإنَّ السّامِعَ يَعْلَمُ أنَّ المُرادَ أنَّ ذَلِكَ الَّذِي هو بِصَدَدِ كِتابَتِهِ كِتابٌ لِفُلانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابُهم بِذَلِكَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ، وعَلى الوُجُوهِ كُلِّها يَكُونُ اسْمُ الفاعِلِ في قَوْلِهِ (جاعِلٌ) لِلزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ لِأنَّ وصْفَ الخَلِيفَةِ لَمْ يَكُنْ ثابِتًا لِآدَمَ ساعَتَئِذٍ.
وقَوْلُ اللَّهِ هَذا مُوَجَّهٌ إلى المَلائِكَةِ عَلى وجْهِ الإخْبارِ لِيَسُوقَهم إلى مَعْرِفَةِ فَضْلِ الجِنْسِ الإنْسانِيِّ عَلى وجْهٍ يُزِيلُ ما عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ في نُفُوسِهِمْ مِن سُوءِ الظَّنِّ بِهَذا الجِنْسِ، ولِيَكُونَ كالِاسْتِشارَةٍ لَهم تَكْرِيمًا لَهم فَيَكُونُ تَعْلِيمًا في قالَبِ تَكْرِيمٍ مِثْلَ إلْقاءِ المُعَلِّمِ فائِدَةً لِلتِّلْمِيذِ في صُورَةِ سُؤالٍ وجَوابٍ ولِيَسُنَّ الِاسْتِشارَةَ في الأُمُورِ، ولِتَنْبِيهِ المَلائِكَةِ عَلى ما دَقَّ وخَفِيَ مِن حِكْمَةِ خَلْقِ آدَمَ كَذا ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ.
وعِنْدِي أنْ هاتِهِ الِاسْتِشارَةَ جُعِلَتْ لِتَكُونَ حَقِيقَةً مُقارَنَةً في الوُجُودِ لِخَلْقِ أوَّلِ البَشَرِ حَتّى تَكُونَ نامُوسًا أُشْرِبَتْهُ نُفُوسُ ذُرِّيَّتِهِ لِأنَّ مُقارَنَةَ شَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ والمَعانِي لِتَكْوِينِ شَيْءٍ ما، تُؤْثِرُ تَآلُفًا بَيْنَ ذَلِكَ الكائِنِ وبَيْنَ المُقارَنِ. ولَعَلَّ هَذا الِاقْتِرانَ يَقُومُ في المَعانِي الَّتِي لا تُوجَدُ إلّا تَبَعًا لِذَواتِ مَقامِ أمْرِ التَّكْوِينِ في الذَّواتِ فَكَما أنَّ أمْرَهُ إذا أرادَ شَيْئًا أيْ إنْشاءَ ذاتٍ أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، كَذَلِكَ أمْرُهُ إذا أرادَ اقْتِرانَ مَعْنًى بِذاتٍ أوْ جِنْسٍ أنْ يُقَدَّرَ حُصُولَ مَبْدَأِ ذَلِكَ المَعْنى عِنْدَ تَكْوِينِ أصْلِ ذَلِكَ الجِنْسِ أوْ عِنْدَ تَكْوِينِ الذّاتِ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى لَمّا أرادَ أنْ يَكُونَ قَبُولُ العِلْمِ مِن خَصائِصِ الإنْسانِ عَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ عِنْدَما خَلَقَهُ.
وهَذا هو وجْهُ مَشْرُوعِيَّةِ تَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ الشُّرُوعِ في الأفْعالِ لِيَكُونَ اقْتِرانُ ابْتِدائِها بِلَفْظِ اسْمِهِ تَعالى مُفِيضًا لِلْبَرَكَةِ عَلى جَمِيعِ أجْزاءِ ذَلِكَ الفِعْلِ، ولِهَذا أيْضًا طَلَبَتْ مِنّا الشَّرِيعَةُ تَخَيُّرَ أكْمَلِ الحالاتِ وأفْضَلِ الأوْقاتِ لِلشُّرُوعِ في فَضائِلِ الأعْمالِ ومُهِمّاتِ المُطالِبِ، وتَقَدَّمَ هَذا في الكَلامِ عَلى البَسْمَلَةِ، وسَنَذْكُرُ ما يَتَعَلَّقُ بِالشُّورى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى وشاوِرْهم في الأمْرِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وأُسْنِدَتْ حِكايَةُ هَذا القَوْلِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ بِعُنْوانِ الرَّبِّ لِأنَّهُ قَوْلٌ مُنْبِئٌ عَنْ تَدْبِيرٍ عَظِيمٍ في جَعْلِ الخَلِيفَةِ في الأرْضِ، فَفي ذَلِكَ الجَعْلِ نِعْمَةُ تَدْبِيرٍ مَشُوبٍ بِلُطْفٍ وصَلاحٍ، وذَلِكَ مِن مَعانِي الرُّبُوبِيَّةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ”﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]“، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ النِّعْمَةُ شامِلَةً لِجَمِيعِ النَّوْعِ أُضِيفَ وصْفُ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ أشْرَفِ أفْرادِ النَّوْعِ وهو النَّبِيءُ مُحَمَّدٌ ﷺ مَعَ تَكْرِيمِهِ بِشَرَفِ حُضُورِ المُخاطَبَةِ.
* * *
﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾
هَذا جَوابُ المَلائِكَةِ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ لَهم ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ فالتَّقْدِيرُ: فَقالُوا عَلى وِزانِ قَوْلِهِ وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا، وفَصَلَ الجَوابَ ولَمْ يَعْطِفْ بِالفاءِ أوِ الواوِ جَرْيًا بِهِ عَلى طَرِيقَةٍ مُتَّبَعَةٍ في القُرْآنِ في حِكايَةِ المُحاوَراتِ وهي طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ قالَ زُهَيْرٌ:
قِيلَ لَهم ألا ارْكَبُوا ألاتا قالُوا جَمِيعًا كُلُّهم آلافا
أيْ فارْكَبُوا ولَمْ يَقُلْ فَقالُوا. وقالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ:
قالَتْ بَناتُ العَمِّ يا سَلْمى وإنْ ∗∗∗ كانَ فَقِيرًا مُعْدَمًا قالَتْ وإنْ
وإنَّما حَذَفُوا العاطِفَ في أمْثالِهِ كَراهِيَةَ تَكْرِيرِ العاطِفِ بِتَكْرِيرِ أفْعالِ القَوْلِ، فَإنَّ المُحاوَرَةَ تَقْتَضِي الإعادَةَ في الغالِبِ فَطَرَدُوا البابَ فَحَذَفُوا العاطِفَ في الجَمِيعِ وهو كَثِيرٌ في التَّنْزِيلِ، ورُبَّما عَطَفُوا ذَلِكَ بِالفاءِ لِنُكْتَةٍ تَقْتَضِي مُخالَفَةَ الِاسْتِعْمالِ وإنْ كانَ العَطْفُ بِالفاءِ هو الظّاهِرُ والأصْلُ، وهَذا مِمّا لَمْ أُسْبَقْ إلى كَشْفِهِ مِن أسالِيبِ الِاسْتِعْمالِ العَرَبِيِّ، ومِمّا عُطِفَ بِالفاءِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٣] ﴿فَقالَ المَلَأُ﴾ [المؤمنون: ٢٤] في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ يُعْطَفُ بِالواوِ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٢] ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾ [المؤمنون: ٣٣] إلَخْ في سُورَةِ المُؤْمِنُونَ، وذَلِكَ إذا لَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ حِكايَةَ التَّحاوُرِ بَلْ قَصْدُ الإخْبارِ عَنْ أقْوالٍ جَرَتْ أوْ كانَتِ الأقْوالُ المَحْكِيَّةُ مِمّا جَرى في أوْقاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ أوْ أمْكِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ. ويَظْهَرُ ذَلِكَ لَكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [غافر: ٢٥] إلى قَوْلِهِ - وقالَ فِرْعَوْنُ ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ [غافر: ٢٦] ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٧] ثُمَّ قالَ ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر: ٢٨] الآيَةَ في سُورَةِ غافِرٍ، ولَيْسَ في قَوْلِهِ ﴿قالُوا أتَجْعَلُ﴾ جَوابًا لِـ (إذْ) عامِلًا فِيها لِما قَدَّمْناهُ آنِفًا مِن أنَّهُ يُفْضِي إلى أنْ يَكُونَ قَوْلُهم ﴿أتَجْعَلُ فِيها﴾ هو المَقْصُودَ مِنَ القِصَّةِ وأنْ تَصِيرَ جُمْلَةُ (إذْ) تابِعَةً لَهُ إذِ الظَّرْفُ تابِعٌ لِلْمَظْرُوفِ. والِاسْتِفْهامُ المَحْكِيُّ عَنْ كَلامِ المَلائِكَةِ مَحْمُولٌ عَلى حَقِيقَتِهِ مُضَمَّنٌ مَعْنى التَّعَجُّبِ والِاسْتِبْعادِ مِن أنْ تَتَعَلَّقَ الحِكْمَةُ بِذَلِكَ، فَدَلالَةُ الِاسْتِفْهامِ عَلى ذَلِكَ هُنا بِطَرِيقِ الكِنايَةِ مَعَ تَطَلُّبِ ما يُزِيلُ إنْكارَهم واسْتِبْعادَهم فَلِذَلِكَ تَعَيَّنَ بَقاءُ الِاسْتِفْهامِ عَلى حَقِيقَتِهِ خِلافًا لِمَن تَوَهَّمَ الِاسْتِفْهامَ هُنا لِمُجَرَّدِ التَّعَجُّبِ، والَّذِي أقْدَمَ المَلائِكَةَ عَلى هَذا السُّؤالِ أنَّهم عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ لَمّا أخْبَرَهم أرادَ مِنهم إظْهارَ عِلْمِهِمْ تُجاهَ هَذا الخَبَرِ لِأنَّهم مَفْطُورُونَ عَلى الصِّدْقِ والنَّزاهَةِ مِن كُلِّ مُؤارَبَةٍ، فَلَمّا نَشَأ ذَلِكَ في نُفُوسِهِمْ أفْصَحَتْ عَنْهُ دَلالَةٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ يَعْلَمُها اللَّهُ تَعالى مِن أحْوالِهِمْ لاسِيَّما إذا كانَ مِن تَمامِ الِاسْتِشارَةِ أنْ يُبْدِيَ المُسْتَشارُ ما يَراهُ نُصْحًا، وفي الحَدِيثِ «المُسْتَشارُ مُؤْتَمَنٌ وهو بِالخِيارِ ما لَمْ يَتَكَلَّمْ» يَعْنِي إذا تَكَلَّمَ فَعَلَيْهِ أداءُ أمانَةِ النَّصِيحَةِ.
وعَبَّرَ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الكَلامِ وهو الِاسْتِفْهامُ والتَّعَجُّبُ لِأنَّ مَن كانَ مِن شَأْنِهِ الفَسادُ والسَّفْكُ لا يَصْلُحُ لِلتَّعْمِيرِ لِأنَّهُ إذا عُمِّرَ نَقْضَ ما عَمَّرَهُ. وعَطْفُ سَفْكِ الدِّماءِ عَلى الإفْسادِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. وتَكْرِيرُ ضَمِيرِ الأرْضِ لِلِاهْتِمامِ بِها والتَّذْكِيرِ بِشَأْنِ عُمْرانِها وحِفْظِ نِظامِها لِيَكُونَ ذَلِكَ أدْخَلَ في التَّعَجُّبِ مِنِ اسْتِخْلافِ آدَمَ وفي صَرْفِ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ إنْ كانَ في الِاسْتِشارَةِ ائْتِمارٌ.
والإفْسادُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١٢] والسَّفْكُ الإراقَةُ وقَدْ غَلَبَ في كَلامِهِمْ تَعْدِيَتُهُ إلى الدِّماءِ، وأمّا إراقَةُ غَيْرِ الدَّمِ فَهي سَفْحٌ بِالحاءِ. وفي المَجِيءِ بِالصِّلَةِ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً دَلالَةٌ عَلى تَوَقُّعِ أنْ يَتَكَرَّرَ الإفْسادُ والسَّفْكُ مِن هَذا المَخْلُوقِ وإنَّما ظَنُّوا هَذا الظَّنَّ بِهَذا المَخْلُوقِ مِن جِهَةِ ما اسْتَشْعَرُوهُ مِن صِفاتِ هَذا المَخْلُوقِ المُسْتَخْلَفِ بِإدْراكِهِمُ النُّورانِيِّ لِهَيْئَةِ تَكْوِينِهِ الجَسَدِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ والنُّطْقِيَّةِ إمّا بِوَصْفِ اللَّهِ لَهم هَذا الخَلِيفَةَ أوْ بِرُؤْيَتِهِمْ صُورَةَ تَرْكِيبِهِ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ وبَعْدَهُ، والأظْهَرُ أنَّهم رَأوْهُ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ فَعَلِمُوا أنَّهُ تَرْكِيبٌ يَسْتَطِيعُ صاحِبُهُ أنْ يَخْرُجَ عَنِ الجِبِلَّةِ إلى الِاكْتِسابِ، وعَنِ الِامْتِثالِ إلى العِصْيانِ، فَإنَّ العَقْلَ يَشْتَمِلُ عَلى شاهِيَةٍ وغاضِبَةٍ وعاقِلَةٍ ومِن مَجْمُوعِها ومَجْمُوعِ بَعْضِها تَحْصُلُ تَراكِيبُ مِنَ التَّفْكِيرِ نافِعَةٌ وضارَّةٌ، ثُمَّ إنَّ القُدْرَةَ الَّتِي في الجَوارِحِ تَسْتَطِيعُ تَنْفِيذَ كُلِّ ما يَخْطُرُ لِلْعَقْلِ وقُواهُ أنْ يَفْعَلَهُ، ثُمَّ إنَّ النُّطْقَ يَسْتَطِيعُ إظْهارَ خِلافِ الواقِعِ وتَرْوِيجَ الباطِلِ، فَيَكُونُ مِن أحْوالِ ذَلِكَ فَسادٌ كَبِيرٌ ومِن أحْوالِهِ أيْضًا صَلاحٌ عَظِيمٌ، وإنَّ طَبِيعَةَ اسْتِخْدامِ ذِي القُوَّةِ لِقُواهُ قاضِيَةٌ بِأنَّهُ سَيَأْتِي بِكُلِّ ما تَصْلُحُ لَهُ هَذِهِ القُوى خَيْرُها وشَرُّها، فَيَحْصُلُ فِعْلٌ مُخْتَلَطٌ مِن صالِحٍ وسَيِّئٍ، ومُجَرَّدُ مُشاهَدَةِ المَلائِكَةِ لِهَذا المَخْلُوقِ العَجِيبِ المُرادِ جَعْلُهُ خَلِيفَةً في الأرْضِ كافٍ في إحاطَتِهِمْ بِما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِن عَجائِبِ الصِّفاتِ عَلى نَحْوِ ما سَيَظْهَرُ مِنها في الخارِجِ؛ لِأنَّ مَدارِكَهم غايَةٌ في السُّمُوِّ لِسَلامَتِها مِن كُدْراتِ المادَّةِ، وإذا كانَ أفْرادُ البَشَرِ يَتَفاوَتُونَ في الشُّعُورِ بِالخَفِيّاتِ، وفي تَوَجُّهِ نُورانِيَّةِ النُّفُوسِ إلى المَعْلُوماتِ، وفي التَّوَسُّمِ والتَّفَرُّسِ في الذَّواتِ بِمِقْدارِ تَفاوُتِهِمْ في صِفاتِ النَّفْسِ جِبِلِّيَّةً واكْتِسابِيَّةً ولَدُنِّيَّةً الَّتِي أعْلاها النُّبُوَّةُ، فَما ظَنُّكَ بِالنُّفُوسِ المَلَكِيَّةِ البَحْتَةِ.
وفِي هَذا ما يُغْنِيكَ عَمّا تَكَلَّفَ لَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ مِن وجْهِ اطِّلاعِ المَلائِكَةِ عَلى صِفاتِ الإنْسانِ قَبْلَ بُدُوِّها مِنهُ مِن تَوْقِيفٍ واطِّلاعٍ عَلى ما في اللَّوْحِ أيْ عِلْمِ اللَّهِ، أوْ قِياسٍ عَلى أُمَّةٍ تَقَدَّمَتْ وانْقَرَضَتْ، أوْ قِياسٍ عَلى الوُحُوشِ المُفْتَرِسَةِ إذْ كانَتْ قَدْ وُجِدَتْ عَلى الأرْضِ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ كَما في سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْراةِ. وبِهِ أيْضًا تَعْلَمُ أنَّ حُكْمَ المَلائِكَةِ هَذا عَلى ما يَتَوَقَّعُ هَذا الخَلْقُ مِنَ البَشَرِ لَمْ يُلاحَظْ فِيهِ واحِدٌ دُونَ آخَرَ، لِأنَّهُ حُكْمٌ عَلَيْهِمْ قَبْلَ صُدُورِ الأفْعالِ مِنهم، وإنَّما هو حُكْمٌ بِما يَصْلُحُونَ لَهُ بِالقُوَّةِ، فَلا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ حُكْمَهم هَذا عَلى بَنِي آدَمَ دُونَ آدَمَ حَيْثُ لَمْ يُفْسِدُ، لِأنَّ في هَذا القَوْلِ غَفْلَةً عَمّا ذَكَرْناهُ مِنَ البَيانِ.
وأُوثِرَ التَّعْبِيرُ بِالفِعْلِ المُضارِعِ في قَوْلِهِ ﴿مَن يُفْسِدُ﴾ ﴿ويَسْفِكُ﴾ لِأنَّ المُضارِعَ يَدُلُّ عَلى التَّجَدُّدِ والحُدُوثِ دُونَ الدَّوامِ أيْ مَن يَحْصُلُ مِنهُ الفَسادُ تارَةً وسَفْكُ الدِّماءِ تارَةً لِأنَّ الفَسادَ والسَّفْكَ لَيْسا بِمُسْتَمِرَّيْنِ مِنَ البَشَرِ.
وقَوْلُهم ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم عَلِمُوا أنَّ مُرادَ اللَّهِ مِن خَلْقِ الأرْضِ هو صَلاحُها وانْتِظامُ أمْرِها وإلّا لَما كانَ لِلِاسْتِفْهامِ المَشُوبِ بِالتَّعَجُّبِ مَوْقِعٌ، وهم عَلِمُوا مُرادَ اللَّهِ ذَلِكَ مِن تَلَقِّيهِمْ عَنْهُ سُبْحانَهُ أوْ مِن مُقْتَضى حَقِيقَةِ الخِلافَةِ أوْ مِن قَرائِنِ أحْوالِ الِاعْتِناءِ بِخَلْقِ الأرْضِ وما عَلَيْها عَلى نُظُمٍ تَقْتَضِي إرادَةَ بَقائِها إلى أمَدٍ، وقَدْ دَلَّتْ آياتٌ كَثِيرَةٌ عَلى أنَّ إصْلاحَ العالِمِ مَقْصِدٌ لِلشّارِعِ قالَ تَعالى ﴿فَهَلْ عَسِيتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ٥٢] وقالَ ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] ولا يَرِدُ هُنا أنَّ هَذا القَوْلَ غِيبَةٌ وهم مُنَزَّهُونَ عَنْها؛ لِأنَّ ذَلِكَ العالَمَ لَيْسَ عالَمَ تَكْلِيفٍ ولِأنَّهُ لا غِيبَةَ في مَشُورَةٍ ونَحْوِها كالخِطْبَةِ والتَّجْرِيحِ لِتَوَقُّفِ المَصْلَحَةِ عَلى ذِكْرِ ما في المُسْتَشارِ فِي شَأْنِهِ مِنَ النَّقائِصِ، ورُجْحانِ تِلْكَ المَصْلَحَةِ عَلى مَفْسَدَةِ ذِكْرِ أحَدٍ بِما يَكْرَهُ، ولِأنَّ المَوْصُوفَ بِذَلِكَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ إذِ الحَكُمُ عَلى النَّوْعِ، فانْتَفى جَمِيعُ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الغِيبَةِ مِنَ المَفاسِدِ في واقِعَةِ الحالِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُحْجِمْ عَنْها المَلائِكَةُ.
* * *
﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾
الواوُ مُتَعَيِّنَةٌ لِلْحالِيَّةِ إذْ لا مَوْقِعَ لِلْعَطْفِ هُنا، وإنْ كانَ ما بَعْدَ الواوِ مِن مِقْوَلِهِمْ ومَحْكِيًّا عَنْهم لَكِنَّ الواوَ مِنَ المَحْكِيِّ ولَيْسَتْ مِنَ الحِكايَةِ لِأنَّ قَوْلَهم: (﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾) يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما أنْ يَكُونَ الغَرَضُ مِنهُ تَفْوِيضَ الأمْرِ إلى اللَّهِ تَعالى واتِّهامَ عِلْمِهِمْ فِيما أشارُوا بِهِ كَما يَفْعَلُ المُسْتَشارُ مَعَ مَن يَعْلَمُ أنَّهُ أسَدُّ مِنهُ رَأْيًا وأرْجَحُ عَقْلًا فَيُشِيرُ ثُمَّ يُفَوِّضُ كَما قالَ أهْلُ مَشُورَةِ بِلْقِيسَ إذْ قالَتْ ﴿أفْتُونِي في أمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: ٣٢] ﴿قالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [النمل: ٣٣] أيِ الرَّأْيُ أنْ نُحارِبَهُ ونَصُدَّهُ عَمّا يُرِيدُ مِن قَوْلِهِ ﴿وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١] ﴿والأمْرُ إلَيْكِ فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل: ٣٣] وكَما يَفْعَلُ التِّلْمِيذُ مَعَ الأُسْتاذِ في بَحْثِهِ مَعَهُ ثُمَّ يُصَرِّحُ بِأنَّهُ مَبْلَغُ عِلْمِهِ، وأنَّ القَوْلَ الفَصْلَ لِلْأُسْتاذِ، أوْ هو إعْلانٌ بِالتَّنْزِيهِ لِلْخالِقِ عَنْ أنْ يَخْفى عَلَيْهِ ما بَدا لَهم مِن مانِعِ اسْتِخْلافِ آدَمَ، وبَراءَةٌ مِن شائِبَةِ الِاعْتِراضِ، واللَّهُ تَعالى وإنْ كانَ يَعْلَمُ بَراءَتَهم مِن ذَلِكَ إلّا أنَّ كَلامَهم جَرى عَلى طَرِيقَةِ التَّعْبِيرِ عَمّا في الضَّمِيرِ مِن غَيْرِ قَصْدِ إعْلامِ الغَيْرِ، أوْ لِأنَّ في نَفْسِ هَذا التَّصْرِيحِ تَبَرُّكًا وعِبادَةً، أوْ إعْلانٌ لِأهْلِ المَلَأِ الأعْلى بِذَلِكَ.
فَإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ العَطْفُ غَيْرَ جائِرٍ لِأنَّ الجُمْلَةَ المَحْكِيَّةَ بِالقَوْلِ إذا عُطِفَتْ عَلَيْها جُمْلَةٌ أُخْرى مِنَ القَوْلِ فالشَّأْنُ أنْ لا يُقْصَدَ العَطْفُ عَلى تَقْدِيرِ عامِلِ القَوْلِ إلّا إذا كانَ القَوْلانِ في وقْتَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] عَلى أحَدِ الوُجُوهِ في عَطْفِ جُمْلَةِ (نِعْمَ الوَكِيلُ) عِنْدَ مَن لا يَرَوْنَ صِحَّةَ عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ وإنْ كانَ الحَقُّ صِحَّةَ عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ وعَكْسِهِ وأنَّهُ لا يُنافِي حُسْنَ الكَلامِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ حَظٌّ لِلْعَطْفِ، ألا تَرى أنَّهم إذا حَكَوْا حادِثًا مُلِمًّا أوْ مُصابًا جَمًّا أعَقَبُوهُ بِنَحْوِ: حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، أوْ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، ولا يَعْطِفُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فَكانَتِ الواوُ واوَ الحالِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ هَذا أمْرٌ مُسْتَحْضَرٌ لَهم في حالِ قَوْلِهِمْ ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ﴾ ولَيْسَ شَيْئًا خَطَرَ لَهم بَعْدَ أنْ تَوَغَّلُوا في الِاسْتِبْعادِ والِاسْتِغْرابِ.
الِاحْتِمالُ الثّانِي أنْ يَكُونَ الغَرَضُ مِن قَوْلِهِمْ ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ التَّعْرِيضَ بِأنَّهم أوْلى بِالِاسْتِخْلافِ لِأنَّ الجُمْلَةَ الإسْمِيَّةَ دَلَّتْ عَلى الدَّوامِ، وجُمْلَةُ ﴿مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ دَلَّتْ عَلى تَوَقُّعِ الفَسادِ والسَّفْكِ فَكانَ المُرادُ أنَّ اسْتِخْلافَهُ يَقَعُ مِنهُ صَلاحٌ وفَسادٌ، والَّذِينَ لا يَصْدُرُ مِنهم عِصْيانُ مُرادِ اللَّهِ هم أوْلى بِالِاسْتِخْلافِ مِمَّنْ يُتَوَقَّعُ مِنهُ الفَسادُ فَتَكُونُ حالًا مُقَرِّرَةً لِمَدْلُولِ جُمْلَةِ (﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ﴾) تَكْمِلَةً لِلِاسْتِغْرابِ، وعامِلُها هو (تَجْعَلُ) وهَذا الَّذِي أشارَ إلَيْهِ تَمْثِيلُ الكَشّافِ.
والعامِلُ في الحالِ هو الِاسْتِفْهامُ لِأنَّهُ مِمّا تَضَمَّنَ مَعْنى الفِعْلِ لاسِيَّما إذا كانَ المَقْصُودُ مِنهُ التَّعَجُّبَ أيْضًا إذْ تَقْدِيرُ (أتَجْعَلُ فِيها) إلَخْ نَتَعَجَّبُ مِن جَعْلِهِ خَلِيفَةً.
والتَّسْبِيحُ قَوْلٌ أوْ مَجْمُوعُ قَوْلٍ مَعَ عَمَلٍ يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى وتَنْزِيهِهِ ولِذَلِكَ سُمِّيَ ذِكْرُ اللَّهِ تَسْبِيحًا، والصَّلاةُ سُبْحَةً ويُطْلَقُ التَّسْبِيحُ عَلى قَوْلِ سُبْحانَ اللَّهِ لِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ مِنَ التَّنْزِيهِ، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ التَّسْبِيحَ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّبْحِ وهو الذَّهابُ السَّرِيعُ في الماءِ إذْ قَدْ تُوُسِّعَ في مَعْناهُ إذْ أُطْلِقَ مَجازًا عَلى مَرِّ النُّجُومِ في السَّماءِ قالَ تَعالى ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] وعَلى جَرْيِ الفَرَسِ، قالُوا: فَلَعَلَّ التَّسْبِيحَ لُوحِظَ فِيهِ مَعْنى سُرْعَةِ المُرُورِ في عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وأظْهَرُ مِنهُ أنْ يَكُونَ سَبَّحَ بِمَعْنى نَسَبَ لِلسَّبَحِ أيِ البُعْدِ وأُرِيدُ البُعْدُ الِاعْتِبارِيُّ وهو الرِّفْعَةُ أيِ التَّنْزِيهُ عَنْ أحْوالِ النَّقائِصِ، وقِيلَ: سُمِعَ سَبَحَ مُخَفَّفًا غَيْرَ مُضاعَفٍ بِمَعْنى نَزَّهَ، ذَكَرَهُ في القامُوسِ.
وعِنْدِي أنَّ كَوْنَ التَّسْبِيحِ مَأْخُوذًا مِنَ السَّبْحِ عَلى وجْهِ المَجازِ بِعِيدٌ، والوَجْهُ أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن كَلِمَةِ سُبْحانَ، ولِهَذا التَزَمُوا في هَذا أنْ يَكُونَ بِوَزْنِ ”فَعَّلَ“ المُضاعَفِ فَلَمْ يُسْمَعْ مُخَفَّفًا.
وإذا كانَ التَّسْبِيحُ كَما قُلْنا هو قَوْلٌ أوْ قَوْلٌ وعَمَلٌ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ، فَتَعَلُّقُ قَوْلِهِ (بِحَمْدِكَ) بِهِ هُنا وفي أكْثَرِ المَواضِعِ في القُرْآنِ ظاهِرٌ لِأنَّ القَوْلَ يَشْتَمِلُ عَلى حَمَدِ اللَّهِ تَعالى وتَمْجِيدِهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ أيْ نُسَبِّحُ تَسْبِيحًا مَصْحُوبًا بِالحَمْدِ لَكَ، وبِذَلِكَ تَنْمَحِي جَمِيعُ التَّكَلُّفاتِ الَّتِي فَسَّرُوا بِها هُنا.
والتَّقْدِيسُ التَّنْزِيهُ والتَّطْهِيرُ، وهو إمّا بِالفِعْلِ كَما أُطْلِقَ المُقَدَّسُ عَلى الرّاهِبِ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ يَصِفُ تَعَلُّقَ الكِلابِ بِالثَّوْرِ الوَحْشِيِّ:
فَأدْرَكْنَهُ يَأْخُذْنَ بِالسّاقِ والنَّسا كَما شَبْرَقَ الوِلْدانُ ثَوْبَ المُقَدَّسِ
وإمّا بِالِاعْتِقادِ كَما في الحَدِيثِ («لا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لا يُؤْخَذُ لِضَعِيفِها مِن قَوِيِّها» ) أيْ لا نَزَّهَها اللَّهُ تَعالى وطَهَّرَها مِنَ الأرْجاسِ الشَّيْطانِيَّةِ.
وفِعْلُ قَدَّسَ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، فالإتْيانُ بِاللّامِ مَعَ مَفْعُولِهِ في الآيَةِ لِإفادَةِ تَأْكِيدِ حُصُولِ الفِعْلِ نَحْوُ شَكَرْتُ لَكَ ونَصَحْتُ لَكَ، وفي الحَدِيثِ عِنْدَ ذِكْرِ الَّذِي وجَدَ كَلْبا يَلْهَثُ مِنَ العَطَشِ فَأخَذَ خُفَّهُ فَأدْلاهُ في الرَّكِيَّةِ فَسَقاهُ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ أيْ شَكَرَهُ - مُبالَغَةً في الشُّكْرِ - لِئَلّا يُتَوَهَّمَ ضَعْفُ ذَلِكَ الشُّكْرِ مِن أنَّهُ عَنْ عَمَلِ حَسَنَةٍ مَعَ دابَّةٍ فَدَفَعَ هَذا الإيهامَ بِالتَّأْكِيدِ بِاللّامِ، وهَذا مِن أفْصَحِ الكَلامِ، فَلا تَذْهَبْ مَعَ الَّذِينَ جَعَلُوا قَوْلَهُ (لَكَ) مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ حامِدِينَ، أوْ هو مُتَعَلِّقٌ بِـ (نُسَبِّحُ) واللّامُ بِمَعْنى لِأجْلِكَ عَلى مَعْنى حَذْفِ مَفْعُولِ (نُسَبِّحُ) أيْ نُسَبِّحُ أنْفُسَنا أيْ نُنَزِّهُها عَنِ النَّقائِصِ لِأجْلِكَ أيْ لِطاعَتِكَ، فَذَلِكَ عُدُولٌ عَنْ فَصِيحِ الكَلامِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ اللّامَ لامَ التَّبْيِينِ الَّتِي سَنَتَعَرَّضُ لَها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] فَمَعْنى ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ نَحْنُ نُعَظِّمُكَ ونُنَزِّهُكَ، والأوَّلُ بِالقَوْلِ والعَمَلِ والثّانِي بِاعْتِقادِ صِفاتِ الكَمالِ المُناسِبَةِ لِلذّاتِ العَلِيَّةِ، فَلا يُتَوَهَّمُ التَّكْرارُ بَيْنَ نُسَبِّحُ ونُقَدِّسُ.
وأُوثِرَتِ الجُمْلَةُ الإسْمِيَّةُ في قَوْلِهِ ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ﴾ لِإفادَةِ الدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ أيْ هو وصْفُهُمُ المُلازِمُ لِجِبِلَّتِهِمْ، وتَقْدِيمُ المُسْنِدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ دُونَ حَرْفِ النَّفْيِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّخْصِيصِ بِحاصِلِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ الإسْمِيَّةُ مِنَ الدَّوامِ أيْ نَحْنُ الدّائِمُونَ عَلى التَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ دُونَ هَذا المَخْلُوقِ، والأظْهَرُ أنَّ التَّقْدِيمَ لِمُجَرَّدِ التَّقْوى نَحْوُ: هو يُعْطِي الجَزِيلَ.
* * *
﴿قالَ إنِّيَ أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾
جَوابٌ لِكَلامِهِمْ فَهو جارٍ عَلى أُسْلُوبِ المُقاوَلَةِ في المُحاوَراتِ كَما تَقَدَّمَ، أيْ أعْلَمُ ما في البَشَرِ مِن صِفاتِ الصَّلاحِ ومِن صِفاتِ الفَسادِ، وأعْلَمُ أنَّ صَلاحَهُ يَحْصُلُ مِنهُ المَقْصِدُ مِن تَعْمِيرِ الأرْضِ وأنَّ فَسادَهُ لا يَأْتِي عَلى المَقْصِدِ بِالإبْطالِ وأنَّ في ذَلِكَ كُلِّهِ مَصالِحَ عَظِيمَةً ومَظاهِرَ لِتَفاوُتِ البَشَرِ في المَراتِبِ واطِّلاعًا عَلى نُمُوذَجٍ مِن غاياتِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وإرادَتِهِ وقُدْرَتِهِ بِما يُظْهِرُهُ البَشَرُ مِن مَبالِغِ نَتائِجِ العُقُولِ والعُلُومِ والصَّنائِعِ والفَضائِلِ والشَّرائِعِ وغَيْرِ ذَلِكَ. كَيْفَ ومِن أبْدَعِ ذَلِكَ أنَّ تَرَكُّبَ الصِّفَتَيْنِ الذَّمِيمَتَيْنِ يَأْتِي بِصِفاتِ الفَضائِلِ كَحُدُوثِ الشَّجاعَةِ مِن بَيْنِ طَرَفَيِ التَّهَوُّرِ والجُبْنِ. وهَذا إجْمالٌ في التَّذْكِيرِ بِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى أوْسَعُ مِمّا عَلِمُوهُ فَهم يُوقِنُونَ إجْمالًا أنَّ لِذَلِكَ حِكْمَةً ومِنَ المَعْلُومِ أنْ لا حاجَةَ هُنا لِتَقْدِيرِ (وما تَعْلَمُونَ) بَعْدَ ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ لِأنَّهُ مَعْرُوفٌ لِكُلِّ سامِعٍ ولِأنَّ الغَرَضَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِذِكْرِهِ وإنَّما تَعَلَّقَ بِذِكْرِ عِلْمِهِ تَعالى بِما شَذَّ عَنْهم. وقَدْ كانَ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى هَذا تَنْهِيَةً لِلْمُحاوَرَةِ وإجْمالًا لِلْحُجَّةِ عَلى المَلائِكَةِ بِأنَّ سِعَةَ عِلْمِ اللَّهِ تُحِيطُ بِما لَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمُهم وأنَّهُ حِينَ أرادَ أنْ يَجْعَلَ آدَمَ خَلِيفَةً كانَتْ إرادَتُهُ عَنْ عِلْمٍ بِأنَّهُ أهْلٌ لِلْخِلافَةِ، وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِأنَّ لِتَنْزِيلِ المَلائِكَةِ في مُراجَعَتِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ عَنِ الحِكْمَةِ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِينَ.
الدر المصون — السمين الحلبي
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ} : «إذ» ظرفُ زمانٍ ماضٍ، يُخَلِّص المضارعَ للمضيِّ وبُني لشَبَهِه بالحرفِ في الوَضْع والافتقار، وتليه الجملُ مطلقاً، فإذا كانتِ الجملةُ فعليةً قَبُحَ تقديمُ الاسمِ وتأخيرُ الفعلِ نحو: إذ زيدٍ قام، ولا يتصرَّفُ إلا بإضافةِ الزمنِ إليه نحو: يومئذٍ وحينئذٍ، ولا يكون مفعولاً به، وإن قال به أكثرُ المُعْرِبين، فإنهم يُقَدِّرونَ: اذكر وقتَ كذا، ولا ظرفَ مكان ولا زائداً ولا حرفاً للتعليل ولا للمفاجأة خلافاً لزاعمي ذلك، وقد تُحْذَفُ الجملةُ المضافُ هو إليها للعلمِ ويُعَوَّض منها تنوينٌ كقولِهِ تعالى: {وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ} [الواقعة: 84] ، وليس كسرتُه والحالةُ هذه كسرةَ إعرابٍ ولا تنوينُه تنوينَ صرفٍ خلافاً للأخفش، بل الكسرُ لالتقاءِ الساكنين والتنوينُ للعوضِ بدليلِ وجودِ الكسر ولا إضافةَ قال:
32 - 7- نَهَيْتُكَ عن طِلابِكَ أمَّ عمروٍ ... بعاقبةٍ وأنتَ إذٍ صَحيحُ
وللأخفشِ أن يقولَ: أصلُه «وأنتَ حينئذٍ» فلمّا حُذِفَ المضافُ بقي المضافُ إليه على حَالِه ولَم يَقُمْ مَقامَه، نحو: {والله يُرِيدُ الآخرة} [الأنفال: 67] بالجر، إلا أنه ضعيفٌ.
و {قَالَ رَبُّكَ} جملةٌ فعليةٌ في محلِّ خَفْضٍ بإضافةِ الظرفِ إليها.
واعلم أنَّ «إذ» فيه تسعةُ أوجه، أحسنُها أنه منصوبٌ ب {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا} أي: قالوا ذلك القولَ وقتَ قولِ اللهِ تعالى لهم: إني جاعلٌ في الأرضِ خليفةً، وهذا أسهلُ الأوجهِ. الثاني: أنه منصوبٌ ب «اذكُرْ» مقدراً وقد تقدَّم أنه لاَ يَتَصَرَّفُ فلا يقع مفعولاً. الثالث: أنه منصوبٌ ب «خَلَقَكم» المتقدمِ في قولِه: {اتقوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ} [النساء: 1] والواو زائدةٌ. وهذا ليس بشيء لطولِ الفصلِ. الرابعُ: أنه منصوبٌ ب «قال» بعده. وهو فاسدٌ لأن المضافَ إليه لا يعمل في المضاف. الخامس: أنه زائدٌ ويعزى لأبي عبيد. السادس: أنه بمعنى قد. السابع أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: ابتداءُ خَلْقِكم وقتُ قولِ ربِّك. الثامن: أنه منصوبٌ بفعلٍ لائق، تقديرُه: ابتدأ خلقُكم وقتَ قولِه ذلكَ، وهذان ضعيفان لأن وقتَ ابتداءِ الخلق ليس وقتَ القول، وأيضاً فإنه لاَ يَتَصرَّف. التاسع: أنه منصوبٌ ب «أحياكم» مقدَّراً، وهذا مردودٌ باختلافِ الوقتين أيضاً.
و «للملائكة» متعلِّقٌ ب «قال» واللامُ للتبليغ. وملائكةٌ جمع مَلَك. واختُلِف في «مَلَك» على ستة أقوال، وذلك أنهم اختلفوا في ميمِه، هل هي أصليةٌ أو زائدةٌ؟ والقائلون بأصالتها اختلفوا، فقال بعضهم: مَلَك ووزنه فَعَل من المُلْك، وشذَّ جمعُه على فعائِلة فالشذوذ في جَمْعِه فقط. وقال بعضهم: بل أصلُهُ مَلأّك، والهمزةُ فيه زائدةٌ كشَمْأَل ثم نُقِلَت حركةُ الهمزة إلى اللام وحُذِفَت الهمزةُ تخفيفاً، والجمعُ جاء على أصلِ الزيادةِ فهذان قَوْلان عند هؤلاء. والقائلون بزيادتها اختلفوا أيضاً، فمنهم مَنْ قال: هو مشتقٌّ من «أَلَك» أي: أرسل ففاؤُه همزةٌ وعينه لام، ويدلُّ عليه قوله:
328 - أَبْلِغْ أبا دَخْتَنُوسَ مَأْلُكَةً ... غيرَ الذي قد يُقال مِلْكَذِبِ
وقال آخر:
329 - وغلامٌ أَرْسَلَتْه أمُّه ... بِأَلوكٍ فَبَذَلْنَا ما سَأَلْ
وقال آخر:
33 - 0- أَبْلِغِ النُّعْمانَ عني مَألُكا ... أنَّه قد طالَ حَبْسي وانتظاري
فأصل مَلَكَ: مَأْلَك، ثم قُلِبت العينُ إلى موضع الفاء، والفاءُ إلى موضع العين فصارَ مَلأَكاً على وزنَ مَعْفَل، ثم نُقِلَتْ حركةُ الهمزةِ إلى اللامِ وحُذِفَتِ الهمزةُ تخفيفاً، فيكونُ وزنُ مَلَكَ: مَعَلاً بحَذْفِ الفاء. ومنهم مَنْ قال: هو مشتقٌّ من لأَك أي أرسل أيضاً، ففاؤُه لامٌ وعينُه همزةٌ ثم نُقِلَت حركةُ الهمزةِ وحُذِفَت كما تقدَّم، ويَدُلُّ على ذلك أنه قد نُطِقَ بهذا الأصلِ قال:
331 - فَلَسْتُ لإِنْسِيٍّ ولكنْ لِمَلأَكٍ ... تَنَزَّلَ من جَوِّ السماء يَصُوبُ
ثم جاء الجمعُ على الأصلِ فَرُدَّتِ الهمزةُ على كِلا القَوْلينِ، فوزن ملائِكَة على هذا القول: مفاعِلَة، وعلى القولِ الذي قبلَه: معافِلَة بالقلب.
وقيل: هو مشتقٌّ من: لاكَه يَلُوكه أي: أداره يُديره، لأنَّ المَلَكُ يُديرُ الرسالةَ في فيه، فأصل مَلَك: مَلْوَك، فنُقِلَتْ حركةُ الواوِ إلى اللامِ الساكنةِ قبلها، فتحَرَّك حرفُ العلة وانفتح ما قبلَه فَقُلب ألفاً فصارَ ملاكاً مثل مَقَام، ثم حُذِفَت الألفُ تخفيفاً فوزنُه مَفَل بحذفِ العينِ، وأصلُ ملائكة ملاوِكة فقُلبت الواوُ همزةً، ولكنَّ شرطَ قلبِ الواوِ والياءِ همزةً بعد ألفِ مفاعل أن تكونَ زائدةً نحو عجائز ورسائل، على أنه قد جاء ذلك في الأصليّ قليلاً قالوا: مصائِب ومنائِر، قُُرئ شاذاً: «معائِش» بالهمز، فهذه خمسةُ أقوال. والسادس: قال النضر بن شميل: «لا اشتقاقَ للملك عند العرب» .
والهاء في ملائكة لتأنيث الجَمْع نحو: صَلادِمة. وقيل للمبالغة كعلاَّمة ونسَّابة، وليس بشيء، وقد تُحْذَفُ هذه الهاء شذوذاً، قال الشاعر:
332 - أبا خالدٍ صَلَّتْ عليكَ الملائِكُ ... قوله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً} هذه الجملة معمولُ القولِ، فهي في محلِّ نصبٍ به، وكُسِرت «إنَّ» هنا لوقوعِها بعد القولِ المجرَّدِ من معنى الظن محكيةً به، فإن كان بمعنى الظنِ جَرى فيها وجهان: الفتحُ والكسرُ، وأنشدوا:
333 - إذا قلتُ أني آيبٌ أهلَ بلدةٍ ... نَزَعْتُ بها عنه الوليَّةَ بالهَجْر
وكان ينبغي أن يُفَتَح ليسَ إلاَّ نظراً لمعنى الظنِّ، لكن قد يقال جاز الكسر مراعاةً لصورةِ القولِ.
و «إنَّ» على ثلاثةِ أقسامٍ: قسمٍ يجب فيه كَسْرُها، وقسمٍ يجبُ فيه فَتْحُها وقسمٍ يجوز فيه وجهان، وليس هذا موضعَ تقريرِه، بل يأتي في غضون السور، ولكن الضابطَ الكلي في ذلك أنَّ كلَّ موضعٍ سَدَّ مَسَدَّها المصدرُ وَجَبَ فيه فتحُها نحو: بلغني أنك قائمٌ، وكلَّ موضعٍ لم يَسُدَّ مسدَّها وَجَبَ فيه كَسْرُها كوقوعِها بعد القولِ ومبتدأةً وصلةً وحالاً، وكلَّ موضعٍ جازَ أن يَسُدَّ مسدَّها جاز الوجهان كوقوعِها بعد فاءِ الجزاء، وإذا الفجائية وهذه أشدُّ العباراتِ في هذا الضابطِ.
و «جاعلٌ» فيه قولان، أحدُهما أنه بمعنى خالق، فيكونُ «خليفةً» مفعولاً به، و «في الأرض» فيه حينئذ قولان، أحدُهما وهو الواضح أنه متعلقٌ بجاعلٌ. الثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ لأنه حالٌ من النكرةِ بعدَه. القولُ الثاني: أنه بمعنى مُصَيِّر، ولم يَذْكر الزمخشري غيرَه، فيكونُ خليفةً «هو المفعولَ الأولَ، و» في الأرض «هو الثانيَ قُدِّم عليه، ويتعلَّقُ بمحذوف على ما تقرَّر. و» خليفة «يجوز أن يكون بمعنى فاعل أي: يَخْلُفُكم أو يَخْلُف مَنْ كان قبلَه من الجنِّ، وهذا أصحُّ لدخولِ تاءِ التأنيث عليه وقيل: بمعنى مفعول أي: يَخْلُف كلُّ جيلٍ مَنْ تقدَّمَه، وليس دخولُ التاءِ حينئذٍ قياساً. إلا أن يُقال:» إنَّ «خليفةً» جَرى مجرى الجوامدِ كالنطيحة والذبيحة. وإنما وُحِّد «خليفة» وإن كانَ المرادُ الجمعَ لأنه أريدَ به آدمُ وذريتُه، ولكن استَغْنى بذكره كما يُسْتَغْنى بذكرِ أبي القبيلة نحو: مُضَر ورَبِيعة، وقيل: المعنى على الجنس.
وقرئ: «خليقةً» بالقاف.
و «خليفةً» منصوبٌ ب «جاعل» كما تقدَّم، لأنَّه اسمُ فاعل. واسمُ الفاعل يعملُ عَمَل فعلِه مطلقاً إن كان فيه الألفُ واللام، وبشرطِ الحالِ أو الاستقبال والاعتماد إذا لم يكونا فيه، ويجوز إضافتُه لمعمولِه تخفيفاً ما لَم يُفْصل بينهما كهذه الآية.
قوله: {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ} قد تقدَّم أن «قالوا» عامل في «إذ قال ربُّك» وأنه المختارُ، والهمزةُ في «أتجعل» للاستفهامِ على بابها، وقال الزمخشري: «للتعجب» ، وقيل: للتقرير كقوله:
334 - ألستُمْ خيرَ مَنْ ركب المَطايا ... وأنْدى العالمينَ بطونَ راحِ
وقال أبو البقاء: «للاستشهاد» ، أي: أتجعلُ فيها مَنْ يُفْسِد كَمَنْ كان قبلُ «وهي عبارةٌ غريبةٌ. و» فيها «الأولى متعلقةٌ ب» تَجْعَل «إن قيل: إنها بمعنى الخَلْق، و» مَنْ يُفْسِدُ «مفعولٌ به، وإنْ قيل إنَّها بمعنى التصيير فيكون» فيها «مفعولاً ثانياً قُدِّم على الأولِ وهو» مَنْ يفسد «، و» مَنْ «تحتملُ أن تكونَ موصولةً أو نكرةً موصوفةً، فعلى الأولِ لا مَحَلَّ للجملةِ بعدها من الإِعراب، وعلى الثاني محلُّها النصب، و» فيها «الثانيةُ مُتَعلقةٌ ب» يُفْسِدُ «. و» يَسْفِكُ «عطفٌ على» يُفْسِدُ «بالاعتبارين.
والجمهورُ على رَفْعِهِ، وقُرئ منصوباً على جوابِ الاستفهام بعدَ الواو التي تقتضي الجمع بإضمار» أَنْ «كقوله:
335 - أَتَبيتُ رَيَّانَ الجفونِ من الكَرى ... وأبيتَ منك بليلةِ المَلْسُوعِ
وقال ابن عطية:» منصوبٌ بواو الصَرْف «وهذه عبارةُ الكوفيين، ومعنى واوِ الصرفِ أن الفعلَ كان يقتضي إعراباً فصَرَفَتْه الواوُ عنه إلى النصب، والمشهورُ» يَسْفِك «بكسر الفاء، وقُرئ بضمِّها، وقرئ أيضاً بضمِّ حرفِ المضارعةِ من أَسْفك وقُرئ أيضاً مشدَّداً للتكثير.
والسَّفْكُ: هو الصَّبُّ، ولا يُستعمل إلا في الدمِ، وقال ابن فارس، والجوهري: «يُستعمل أيضاً في الدمع» . وقال المَهدوي «ولا يُستعمل السفك إلا في الدَّمِ، وقد يُستعمل في نثرِ الكلامِ، يقال: سَفَكَ الكلامَ أي: نثره» .
والدِّماء: جمعُ دَمٍ، ولا يكونُ اسمٌ معربٌ على حرفين، فلا بدَّ له من ثالث محذوفٍ هو لامُه، ويجوزُ أن تكونَ واواً وأن تكونَ ياءً، لقولِهم في التثنيةِ: دَمَوان ودَمَيان، قال الشاعر:
33 - 6- فَلَوْ أنَّا على حَجَرٍ ذُبِحْنا ... جَرَى الدَّميَانِ بالخبرِ اليقين
وهل وزنُ دم «فَعْل» بسكون العين أو فَعَل بفتحها قولان، وقد يُرَدُّ محذوفُه، فَيُسْتعملُ مقصوراً كعصا وغيرِه، وعليه قولُه:
337 - كَأَطُومٍ فَقَدَتْ بُرْغُزَها ... أَعْقَبَتْها الغُبْسُ منه عَدَماً
غَفَلَتْ ثم أَتَتْ تَطْلُبه ... فإذا هِيَ بِعِظامٍ ودَماً
وقد تُشَدَّدُ ميمُه أيضاً، قال الشاعر:
338 - أهانَ دَمَّكَ فَرْغَاً بعد عِزَّتِه ... يا عمروُ بَغْيُكَ إصراراً على الحَسَد
وأصلُ: الدِّماء: الدِّماو أو الدِّماي، فقُلب حرفُ العلةِ همزةً لوقوعِه طَرَفاً بعد ألفٍ زائدةً نحو: كساء ورداء.
قولُه: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} الواوُ للحال، و {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ} جملةٌ من مبتدأ وخبر، في محلِّ النصب على الحال، و «بحمدك» متعلقٌ بمحذوفٍ، لأنه حالٌ أيضاً، والباءُ فيه للمصاحبة أي نُسَبِّح ملتبسين بحمدك، نحو: «جاء زيد بثيابِه» فهما حالان متداخلتان، أي حالٌ في حال. وقيل: الباءُ للسببية، فتتعلَّق بالتسبيح. قال ابن عطية: «ويُحْتمل أن يكونَ قولُهم:» بحمدِكَ «اعتراضاً بين الكلامين، كأنهم قالوا: ونحن نسبِّح ونقدِّس، ثم اعترضُوا على جهةِ التسليم، أي: وأنتَ المحمودُ في الهداية إلى ذلك» قلتُ: كأنه يحاول أن تكونَ الباءُ للسببية، ولكن يكونُ ما تعلَّقَتْ به الباءُ فعلاً محذوفاً لائقاً بالمعنى تقديرُه: حَصَلَ لنا التسبيحُ والتقديسُ بسببِ حمدك.
والحمدُ هنا: مصدرٌ مضاف لمفعولِه، وفاعلُه محذوف تقديره: بحمدِنا إياك. وزعم بعضهُم أن الفاعلَ مضمرٌ فيه وهو غَلَطٌ؛ لأنَّ المصدرَ اسم جامدٌ لا يُضمرُ فيه، على أنه قد حُكِيَ خلافٌ في المصدرِ الواقعِ موقعَ الفعل نحو: ضرباً زيداً، هل يَتَحَّملُ ضميراً أم لا؟ وقد تقدَّم.
و «نُقَدِّسُ» عطف على «نُسَبِّح» فهو خبر أيضاً عن «نحن» ومفعولُه محذوفٌ أي: نقدِّسُ أنفسَنا وأفعالنا لك، و «لكم» متعلِّقٌ بِه أو ب «نُسَبِّح» ، ومعناها العلةُ، وقيل: هي زائدةٌ، فإنَّ ما قبلَها متعدٍّ بنفسِه، وهو ضَعيفٌ إذ لا تُزادُ إلاَّ مع تقديمِ المعمولِ أو يكونَ العاملُ فَرْعاً، وقيل: هي مُعَدِّيَةٌ نحو: سجدت لله، وقيل: هي للبيان، كهي في قولك: سُقْياً لك، فعلى هذا يتعلَّق بمحذوفٍ ويكونُ خبرَ مبتدأ مضمرٍ أي: تقديسُنا لك.
وهذا التقدير أحسنُ من تقديرِ قولهم: «أعني» لأنه أليقُ بالموضِع. وأبعدَ مَنْ زَعَم أنَّ جملةَ قولِه «ونحنُ نسبِّح» داخلةٌ في حَيِّزِ استفهامٍ مقدرٍ تقديرُه: وأنحن نسبِّح أم نتغيَّر. واستحسنه ابن عطية مع القولِ بالاستفهام المحضِ في قولهم: «أتجعلُ» ، وهذا يَأْباه الجمهورُ، أعني حَذْفَ همزةِ الاستفهام مِنْ غيرِ ذِكْر «أم» المعادِلةِ وهو رأيُ الأخفش، وجَعَل مِن ذلك قَولَه تعالى: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ} [الشعراء: 22] أي: وأتلك نعمةٌ، وقول الآخر:
339 - طَرِبْتُ وما شوقاً إلى البيضَ أَطْرَبُ ... ولا لَعِباً مني وذو الشَّيْبِ يَلْعَب
أي: وأذو الشيب، وقول الآخر:
340 - أفرحُ أَنْ أُرْزَأَ الكِرامَ وأَنْ ... أُوْرَثَ ذَوْداً شَصائِصاً نَبْلاً
أي: أأفرحُ، فأمَّا مع «أمْ» فإنه جائزٌ لدَلالتِها عليه كقوله:
341 - فواللهِ ما أدري وإنْ كنتُ دارياً ... بسبْعٍ رَمَيْنَ الجمرَ أم بِثَمانِ
أي: أبسبعٍ.
والتسبيحُ: التنزِيهُ والبَرَاءَةُ، وأصلُه من السَّبْحِ وهو البُعْد، ومنه السابحُ في الماء، فمعنى «سبحان الله» أي: تنزيهاً له وبراءةً عمَّا لا يليقُ بجلالِه ومنه قولُ الشاعر:
342 - أقولُ لَمَّا جاءَني فَخْرُهْ ... سُبْحانَ مِنْ علقمَةَ الفاخِر
أي: تنزيهاً، وهو مختصٌّ بالباري تعالى، قال الراغب في قولِه سبحان مِنْ علقمة: «إن أصلَه سبحانَ علقمةَ، على سبيل التهكُّم فزادَ فيه» مِنْ «، وقيل: تقديرُه: سبحانَ الله مِنْ أجل عَلْقمة» ، فظاهرُ قولِه أنه يجوزُ أن يقالَ لغيرِ الباري تعالى على سبيل التهكُّم، وفيه نظرٌ.
والتقديسُ: التَطْهير، ومنه الأرضُ المقدَّسَةُ، وبيت المَقْدِس، وروحُ القُدُس، وقال الشاعر:
343 - فَأَدْرَكْنَه يَأخُذْنَ بالساقِ والنَّسا ... كما شَبْرَقَ الوِلْدَانُ ثوبَ المَقْدِسِ
أي: المطهَّرُ لهم. وقال الزَمخشري: «هو مِنْ قَدَّسَ في الأرضِ إذا ذهبَ فيها وأبعدَ، فمعناه قريبٌ من معنى نُسَبِّح» . انتهى.
قوله تعالى: {قَالَ إني أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أصلُ إنِّي: إنني فاجتمع ثلاثةُ أمثال، فحذَفْنا أحدَها، وهل هو نونُ الوقايةِ أو النونُ الوسطى؟ قولان الصحيحُ الثاني، وهذا شبيهٌ بما تقدَّم في {إِنَّا مَعَكُمْ} [البقرة: 14] وبابه.
والجملة في محلِّ نصبٍ بالقولِ، و «أعلمُ» يجوزُ فيه أن يكونَ فعلاً مضارعاً وهو الظاهرُ، و «ما» مفعولٌ به، وهي: إمَّا نكرةٌ موصوفةٌ أو موصولةٌ، وعلى كلِّ تقديرٍ فالعائدُ محذوفٌ لاستكمالِه الشروطَ أي: تعلمونَه، وقال المهدوي، ومكي وتبعهما أبو البقاء: «إنَّ» أعلمُ «اسمٌ بمعنى عالم» كقوله:
344 - لَعَمْرُكَ ما أدري واني لأوْجَلُ ... على أيِّنا تَعْدُو المنيَّةُ أَوَّلُ
ف «ما» يجوزُ فيها أن تكونَ في محلِّ جرٍّ بالإِضافةِ أو نصبٍ ب «أَعْلَمُ» ولم يُنوَّنْ «أعلمُ» لعدمِ انصرافِه، نحو: «هؤلاء حَوَاجُّ بيتَ الله» وهذا مبنيٌّ على أصلَيْن ضعيفينِ، أحدُهما: جَعْلُ أَفْعَل بمعنى فاعِل من غير تفضيلٍ، والثاني أنَّ أفْعل إذا كانت بمعنى اسمِ الفاعل عَمِلَتْ عملَه، والجمهورُ لا يثبتونها.
وقيل: «أعلمُ» على بابها من كونِها للتفضيلِ، والمفضَّلُ عليه محذوفٌ، أي: أعلمُ منكم، و «ما» منصوبةٌ بفعلٍ محذوفٍ دَلَّ عليه أفعل، أي: علمتُ ما لا تعلمون، ولا جائزٌ أن يُنْصَبَ بأفعل التفضيلِ لأنه أضعفُ من الصفةِ التي هي أضعفُ من اسمِ الفاعلِ الذي هو أضعفُ من الفعلِ في العملِ، وهذا يكونُ نظيرَ ما أَوَّلوه من قول الشاعر:
345 - فلم أَرَ مثلَ الحيِّ حَيَّاً مُصَبَّحاً ... ولا مثلَنا يومَ التَقَيْنَا فوارِساً
أَكَرَّ وأحمى للحقيقةِ منهمُ ... وأضْرَبَ منا بالسيوفِ القوانِسا
فالقوانسَ منصوبٌ بفعلٍ مقدَّر، أي ب «ضَرَب» ، لا ب «أَضْرَبَ» ، وفي ادِّعاء مثلِ ذلك في الآيةِ الكريمةِ بُعْدٌ لحذفِ شيئين: المفضَّلِ عليه والناصبِ ل «ما» .
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
خلف
خَلْفُ: ضدّ القُدَّام، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة : 255] ، وقال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الرعد : 11] ، وقال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس : 92] ، وخَلَفَ ضدّ تقدّم وسلف، والمتأخّر لقصور منزلته يقال له: خَلْفٌ، ولهذا قيل: الخلف الرديء، والمتأخّر لا لقصور منزلته يقال له: خلف، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف : 169] ، وقيل: سكت ألفا ونطق خلفا. أي: رديئا من الكلام، وقيل للاست إذا ظهر منه حبقة: خُلْفَة، ولمن فسد كلامه أو كان فاسدا في نفسه، يقال: تَخَلَّفَ فلان فلانا: إذا تأخّر عنه وإذا جاء خلف آخر، وإذا قام مقامه، ومصدره الخِلَافةَ بالكسر، وخَلَفَ خَلَافَةً بفتح الخاء: فسد ، فهو خالف، أي: رديء أحمق، ويعبّر عن الرديء بخلف نحو: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ﴾ [مريم : 59] ، ويقال لمن خلف آخر فسدّ مسدّه: خَلَف، والخِلْفَةُ يقال في أن يخلف كلّ واحد الآخر، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان : 62] ، وقيل: أمرهم خلفة، أي: يأتي بعضه خلف بعض، قال الشاعر:
148- بها العين والآرام يمشين خلفة
وأصابته خلفة: كناية عن البطنة، وكثرة المشي، وخَلَفَ فلانٌ فلانا، قام بالأمر عنه، إمّا معه وإمّا بعده، قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف : 60] ، والخِلافةُ النّيابة عن الغير إمّا لغيبة المنوب عنه، وإمّا لموته، وإمّا لعجزه، وإمّا لتشريف المستخلف. وعلى هذا الوجه الأخير استخلف الله أولياءه في الأرض، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر : 39] ، ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام : 165] ، وقال: ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ [هود : 57] ، والخلائف: جمع خليفة، وخلفاء جمع خليف، قال تعالى: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ [ص : 26] ، ﴿وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ﴾ [يونس : 73] ، ﴿جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف : 69] ، والاختلافُ والمخالفة: أن يأخذ كلّ واحد طريقا غير طريق الآخر في حاله أو قوله، والخِلَاف أعمّ من الضّدّ، لأنّ كلّ ضدّين مختلفان، وليس كلّ مختلفين ضدّين، ولمّا كان الاختلاف بين النّاس في القول قد يقتضي التّنازع استعير ذلك للمنازعة والمجادلة، قال: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ﴾ [مريم : 37] ، ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود : 118] ، ﴿وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ﴾ [الروم : 22] ، ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ [النبأ : 1-3] ، ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات : 8] ، وقال: ﴿مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ﴾ [النحل : 13] ، وقال: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ﴾ [آل عمران : 105] ، وقال: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة : 213] ، ﴿وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس : 19] ، ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس : 93] ، وقال في القيامة: ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [النحل : 92] ، وقال: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [النحل : 39] ، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ﴾ [البقرة : 176] ، قيل معناه: خلفوا، نحو كسب واكتسب، وقيل: أتوا فيه بشيء خلاف ما أنزل الله، وقوله تعالى: ﴿لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ﴾ [الأنفال : 42] ، فمن الخلاف، أو من الخلف، وقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى : 10] ، وقوله تعالى: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران : 55] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ [يونس : 6] ، أي: في مجيء كلّ واحد منهما خلف الآخر وتعاقبهما، والخُلْفُ: المخالفة في الوعد.
يقال: وعدني فأخلفني، أي: خالف في الميعاد بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ [التوبة : 77] ، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ [الرعد : 31] ، وقال: ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ [طه : 86] ، ﴿قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ [طه : 87] ، وأخلفت فلانا: وجدته مُخْلِفاً، والإخلاف: أن يسقي واحد بعد آخر، وأَخْلَفَ الشجرُ: إذا اخضرّ بعد سقوط ورقه، وأَخْلَفَ الله عليك، يقال لمن ذهب ماله، أي: أعطاك خلفا، وخَلَفَ اللهُ عليك، أي: كان لك منه خليفة، وقوله: لا يلبثون خلفك : بعدك، وقرئ: خِلافَكَ أي: مخالفة لك، وقوله: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [المائدة : 33] ، أي: إحداهما من جانب والأخرى من جانب آخر. وخَلَّفْتُهُ: تركته خلفي، قال فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ [التوبة : 81] ، أي: مخالفين، ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة : 118] ، ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ﴾ [الفتح : 16] ، والخالِفُ: المتأخّر لنقصان أو قصور كالمتخلف، قال: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ﴾ [التوبة : 83] ، والخَالِفةُ: عمود الخيمة المتأخّر، ويكنّى بها عن المرأة لتخلّفها عن المرتحلين، وجمعها خَوَالِف، قال: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ﴾ [التوبة : 87] ، ووجدت الحيّ خَلُوفاً، أي: تخلّفت نساؤهم عن رجالهم، والخلف: حدّ الفأس الذي يكون إلى جهة الخلف، وما تخلّف من الأضلاع إلى ما يلي البطن، والخِلَافُ: شجر كأنّه سمّي بذلك لأنّه فيما يظنّ به، أو لأنّه يخلف مخبره منظره، ويقال للجمل بعد بزوله: مخلف عام، ومخلف عامين. وقال عمر رضي الله عنه: (لولا الخِلِّيفَى لأذّنت) أي: الخلافة، وهو مصدر خلف.