(هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ). سورة البقرة، الآية: ٢٩
التحرير والتنوير — ابن عاشور
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿هو الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾
هَذا إمّا اسْتِدْلالٌ ثانٍ عَلى شَناعَةِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى وعَلى أنَّهُ مِمّا يُقْضى مِنهُ العَجَبُ فَإنَّ دَلائِلَ رُبُوبِيَّةِ اللَّهِ ووَحْدانِيَّتِهِ ظاهِرَةٌ في خَلْقِ الإنْسانِ وفي خَلْقِ جَمِيعِ ما في الأرْضِ، فَهو ارْتِقاءٌ في الِاسْتِدْلالِ بِكَثْرَةِ المَخْلُوقاتِ. وفَصْلُ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِمُراعاةِ كَمالِ الِاتِّصالِ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ لِأنَّ هَذِهِ كالنَّتِيجَةِ لِلدَّلِيلِ الأوَّلِ لِأنَّ في خَلْقِ الأرْضِ وجَمِيعِ ما فِيها وفي كَوْنِ ذَلِكَ لِمَنفَعَةِ البَشَرِ إكْمالًا لِإيجادِهِمُ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] لِأنَّ فائِدَةَ الإيجادِ لا تَكْمُلُ إلّا بِإمْدادِ المَوْجُودِ بِما فِيهِ سَلامَتُهُ مِن آلامِ الحاجَةِ إلى مُقَوِّماتِ وجُودِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَرْكُ العَطْفِ لِدَفْعِ أنْ يُوهِمَ العَطْفُ أنَّ الدَّلِيلَ هو مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ، فَبِتَرْكِ العَطْفِ يُعْلَمُ أنَّ الدَّلِيلَ الأوَّلَ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ وفي الأوَّلِ بُعْدٌ وفي الثّانِي مُخالَفَةُ الأصْلِ لِأنَّ أصْلَ الفَصْلِ أنْ لا يَكُونَ قَطْعًا عَلى أنَّهُ تَوَهُّمٌ لا يَضِيرُ. وإمّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ﴾ امْتِنانًا عَلَيْهِمْ بِالنِّعَمِ لِتَسْجِيلِ أنَّ إشْراكَهم كُفْرانٌ بِالنِّعْمَةِ أُدْمِجَ فِيهِ الِاسْتِدْلالُ عَلى أنَّهُ خالِقٌ لِما في الأرْضِ مِن حَيَوانٍ ونَباتٍ ومَعادِنَ اسْتِدْلالًا بِما هو نِعْمَةٌ مُشاهَدَةٌ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ لَكُمُ فَيَكُونُ الفَصْلُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ كَما قُرِّرَ آنِفًا. ولَمْ يُلْتَفَتْ إلى ما في هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن مُغايَرَةٍ لِلْجُمْلَةِ الأوْلى بِالِامْتِنانِ لِأنَّ ما أُدْمِجَ فِيها مِنَ الِاسْتِدْلالِ رَجَّحَ اعْتِبارَ الفَصْلِ. والخَلْقُ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] والأرْضُ اسْمٌ لِلْعالَمِ الكُرَوِيِّ المُشْتَمِلِ عَلى البَرِّ والبَحْرِ. الَّذِي يُعَمِّرُهُ الإنْسانُ والحَيَوانُ والنَّباتُ والمَعادِنُ وهي المَوالِيدُ الثَّلاثَةُ، وهَذِهِ الأرْضُ هي مَوْجُودٌ كائِنٌ هو ظَرْفٌ لِما فِيهِ مِن أصْنافِ المَخْلُوقاتِ وحَيْثُ إنَّ العِبْرَةَ كائِنَةٌ في مُشاهَدَةِ المَوْجُوداتِ مِنَ المَوالِيدِ الثَّلاثَةِ، عُلِّقَ الخَلْقُ هُنا بِما في الأرْضِ مِمّا يَحْتَوِيهِ ظَرْفُها مِن ظاهِرِهِ وباطِنِهِ ولَمْ يُعَلَّقْ بِذاتِ الأرْضِ لِغَفْلَةِ جُلِّ النّاسِ عَنِ الِاعْتِبارِ بِبَدِيعِ خَلْقِها إلّا أنَّ خالِقَ المَظْرُوفِ جَدِيرٌ بِخَلْقِ الظَّرْفِ إذِ الظَّرْفُ إنَّما يُقْصَدُ لِأجْلِ المَظْرُوفِ، فَلَوْ كانَ الظَّرْفُ مِن غَيْرِ صُنْعِ خالِقِ المَظْرُوفِ لَلَزِمَ إمّا تَأخُّرُ الظَّرْفِ عَنْ مَظْرُوفِهِ - وفي ذَلِكَ إتْلافُ المَظْرُوفِ والمُشاهَدَةُ تَنْفِي ذَلِكَ - وإمّا تَقَدُّمُ الظَّرْفِ وذَلِكَ عَبَثٌ.
فاسْتِفادَةُ أنَّهُ خَلَقَ الأرْضَ مَأْخُوذَةٌ بِطَرِيقِ الفَحْوى، فَمِنَ البَعِيدِ أنْ يُجَوِّزَ صاحِبُ الكَشّافِ أنْ يُرادَ بِالأرْضِ الجِهَةُ السُّفْلِيَّةُ كَما يُرادُ بِالسَّماءِ الجِهَةُ العُلْوِيَّةُ، وبُعْدُهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الأرْضَ لَمْ تُطْلَقْ قَطُّ عَلى غَيْرِ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ إلّا مَجازًا كَما في قَوْلِ شاعِرٍ أنْشَدَهُ صاحِبُ المِفْتاحِ في بَحْثِ التَّعْرِيفِ بِاللّامِ ولَمْ يَنْسُبْهُ هو ولا شارِحُوهُ:
(
النّاسُ أرْضٌ بِكُلِّ أرْضٍ وأنْتِ مِن فَوْقِهِمْ سَماءْ
) بِخِلافِ السَّماءِ فَقَدْ أُطْلِقَتْ عَلى كُلِّ ما عَلا فَأظَلَّ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الأرْضَ شَيْءٌ مُشاهَدٌ، والسَّماءُ لا يُتَعَقَّلُ إلّا بِكَوْنِهِ شَيْئًا مُرْتَفِعًا. الثّانِي عَلى تَسْلِيمِ القِياسِ فَإنَّ السَّماءَ لَمْ تُطْلَقْ عَلى الجِهَةِ العُلْيا حَتّى يَصِحَّ إطْلاقُ الأرْضِ عَلى الجِهَةِ السُّفْلى بَلْ إنَّما تُطْلَقُ السَّماءُ عَلى شَيْءٍ عالٍ لا عَلى نَفْسِ الجِهَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ﴾ صِيغَةُ قَصْرٍ وهو قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ سِيقَ لِلْمُخاطَبِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا شَكَّ عِنْدِهِمْ في أنَّ اللَّهَ خالِقٌ ما في الأرْضِ ولَكِنَّهم نُزِّلُوا مَنزِلَةَ الجاهِلِ بِذَلِكَ فَسِيقَ لَهُمُ الخَبَرُ المَحْصُورُ لِأنَّهم في كُفْرِهِمْ وانْصِرافِهِمْ عَنْ شُكْرِهِ والنَّظَرِ في دَعْوَتِهِ وعِبادَتِهِ كَحالِ مَن يَجْهَلُ أنَّ اللَّهَ خالِقُ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ. ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] فَإنَّ المُشْرِكِينَ ما كانُوا يُثْبِتُونَ لِأصْنامِهِمْ قُدْرَةً عَلى الخَلْقِ وإنَّما جَعَلُوها شُفَعاءَ ووَسائِطَ وعَبَدُوها وأعْرَضُوا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ حَقَّ عِبادَتِهِ، ونَسُوا الخَلْقَ المُلْتَصِقَ بِهِمْ وبِما حَوْلَهم مِنَ الأحْياءِ، والمَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ فِيما أراهُ مُوافِقًا لِلْبَلاغَةِ التَّذْكِيرُ بِأنَّ اللَّهَ هو خالِقُ الأرْضِ وما عَلَيْها وما في داخِلِها وأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ خَلَقَهُ بِقَدْرِ انْتِفاعِنا بِها وبِما فِيها في مُخْتَلَفِ الأزْمانِ والأحْوالِ فَأوْجَزَ الكَلامَ إيجازًا بَدِيعًا بِإقْحامِ قَوْلِهِ لَكُمُ فَأغْنى عَنْ جُمْلَةٍ كامِلَةٍ، فالكَلامُ مَسُوقٌ مَساقَ إظْهارِ عَظِيمِ القُدْرَةِ وإظْهارِ عَظِيمِ المِنَّةِ عَلى البَشَرِ وإظْهارِ عَظِيمِ مَنزِلَةِ الإنْسانِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وكُلُّ أُولَئِكَ يَقْتَضِي اقْتِلاعَ الكُفْرِ مِن نُفُوسِهِمْ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ فائِدَتانِ: الأُولى أنَّ لامَ التَّعْلِيلِ دَلَّتْ عَلى أنَّ خَلْقَ ما في الأرْضِ كانَ لِأجْلِ النّاسِ، وفي هَذا تَعْلِيلٌ لِلْخَلْقِ وبَيانٌ لِثَمَرَتِهِ وفائِدَتِهِ فَتُثارُ عَنْهُ مَسْألَةُ تَعْلِيلِ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى وتَعَلُّقِها بِالأغْراضِ. والمَسْألَةُ مُخْتَلَفٌ فِيها بَيْنَ المُتَكَلِّمِينَ اخْتِلافًا يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ لَفْظِيًّا، فَإنَّ جَمِيعَ المُسْلِمِينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى ناشِئَةٌ عَنْ إرادَةٍ واخْتِيارٍ وعَلى وفْقِ عِلْمِهِ وأنَّ جَمِيعِها مُشْتَمِلٌ عَلى حِكَمٍ ومَصالِحَ وأنَّ تِلْكَ الحِكَمَ هي ثَمَراتٌ لِأفْعالِهِ تَعالى ناشِئَةٌ عَنْ حُصُولِ الفِعْلِ فَهي لِأجَلِ حُصُولِها عِنْدَ الفِعْلِ تُثْمِرُ غاياتٍ، هَذا كُلُّهُ لا خِلافَ فِيهِ. وإنَّما الخِلافُ في أنَّها أتُوصَفُ بِكَوْنِها أغْراضًا وعِلَلًا غائِبَةً أمْ لا ؟ فَأثْبَتَ ذَلِكَ جَماعَةٌ اسْتِدْلالًا بِما ورَدَ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ومَنَعَ مِن ذَلِكَ أصْحابُ الأشْعَرِيِّ فِيما عَزاهُ إلَيْهِمُ الفَخْرُ في التَّفْسِيرِ مُسْتَدِلِّينَ بِأنَّ الَّذِي يُفْعَلُ لِغَرَضٍ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مُسْتَفِيدًا مِن غَرَضِهِ ذَلِكَ ضَرُورَةَ أنَّ وُجُودَ ذَلِكَ الغَرَضِ أوْلى بِالقِياسِ إلَيْهِ مِن عَدَمِهِ، فَيَكُونُ مُسْتَفِيدًا مِن تِلْكَ الأوْلَوِيَّةِ، ويَلْزَمُ مِن كَوْنِ ذَلِكَ الغَرَضِ سَبَبًا في فِعْلِهِ أنْ يَكُونَ، هو ناقِصًا في فاعِلِيَّتِهِ مُحْتاجًا إلى حُصُولِ السَّبَبِ، وقَدْ أُجِيبَ بِأنَّ لُزُومَ الِاسْتِفادَةِ والِاسْتِكْمالِ إذا كانَتِ المَنفَعَةُ راجِعَةً إلى الفاعِلِ، وأمّا إذا كانَتْ راجِعَةً لِلْغَيْرِ كالإحْسانِ فَلا، فَرَدَّهُ الفَخْرُ بِأنَّهُ إذا كانَ الإحْسانُ أرْجَحَ مِن غَيْرِهِ وأوْلى لَزِمَتِ الِاسْتِفادَةُ. وهَذا الرَّدُّ باطِلٌ لِأنَّ الأرْجَحِيَّةَ لا تَسْتَلْزِمُ الِاسْتِفادَةَ أبَدًا بَلْ إنَّما تَسْتَلْزِمُ تَعَلُّقَ الإرادَةِ، وإنَّما تَلْزَمُ الِاسْتِفادَةُ لَوِ ادَّعَيْنا التَّعَيُّنَ والوُجُوبَ.
والحاصِلُ أنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي اسْتَدَلُّوا بِهِ يَشْتَمِلُ عَلى مُقَدِّمَتَيْنِ سُفِسْطائِيَّتَيْنِ أُولاهُما قَوْلُهم: إنَّهُ لَوْ كانَ الفِعْلُ لِغَرَضٍ لَلَزِمَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ مُسْتَكْمِلًا بِهِ وهَذا سَفْسَطَةٌ شُبِّهَ فِيها الغَرَضُ النّافِعُ لِلْفاعِلِ بِالغَرَضِ بِمَعْنى الدّاعِي إلى الفِعْلِ، والرّاجِعُ إلى ما يُناسِبُهُ مِنَ الكَمالِ لا تَوَقُّفَ كَمالِهِ عَلَيْهِ. الثّانِيَةُ قَوْلُهم: إذا كانَ الفِعْلُ لِغَرَضٍ كانَ الغَرَضُ سَبَبًا يَقْتَضِي عَجْزَ الفاعِلِ، وهَذا شُبِّهَ فِيهِ السَّبَبُ الَّذِي هو بِمَعْنى الباعِثِ بِالسَّبَبِ الَّذِي يَلْزَمُ مِن وُجُودِهِ الوُجُودُ ومَن عَدِمَهِ العَدَمُ وكِلاهُما يُطْلَقُ عَلَيْهِ سَبَبٌ.
ومِنَ العَجائِبِ أنَّهم يُسَلِّمُونَ أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى لا تَخْلُو عَنِ الثَّمَرَةِ والحِكْمَةِ ويَمْنَعُونَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الحِكَمُ عِلَلًا وأغْراضًا مَعَ أنَّ ثَمَرَةَ فِعْلِ الفاعِلِ العالِمِ بِكُلِّ شَيْءٍ لا تَخْلُو مِن أنْ تَكُونَ غَرَضًا لِأنَّها تَكُونُ داعِيًا لِلْفِعْلِ ضَرُورَةَ تَحَقُّقِ عِلْمِ الفاعِلِ وإرادَتِهِ. ولَمْ أدْرِ أيَّ حَرَجٍ نَظَرُوا إلَيْهِ حِينَ مَنَعُوا تَعْلِيلَ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى وأغْراضِها.
ويَتَرَجَّحُ عِنْدِي أنَّ هاتِهِ المَسْألَةَ اقْتَضاها طَرْدُ الأُصُولِ في المُناظَرَةِ، فَإنَّ الأشاعِرَةَ لَمّا أنْكَرُوا وُجُوبَ فِعْلِ الصَّلاحِ والأصْلَحِ أوْرَدَ عَلَيْهِمُ المُعْتَزِلَةُ أوْ قَدَّرُوا هم في أنْفُسِهِمْ أنْ يُورَدَ عَلَيْهِمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَفْعَلُ شَيْئًا إلّا لِغَرَضٍ وحِكْمَةٍ ولا تَكُونُ الأغْراضُ إلّا المَصالِحَ فالتَزَمُوا أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى لا تُناطُ بِالأغْراضِ ولا يُعَبَّرُ عَنْها بِالعِلَلِ ويُنْبِئُ عَنْ هَذا أنَّهم لَمّا ذَكَرُوا هَذِهِ المَسْألَةَ ذَكَرُوا في أدِلَّتِهِمُ الإحْسانَ لِلْغَيْرِ ورَعْيَ المَصْلَحَةِ. وهُنالِكَ سَبَبٌ آخَرُ لِفَرْضِ المَسْألَةِ وهو التَّنَزُّهُ عَنْ وصْفِ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى بِما يُوهِمُ المَنفَعَةَ لَهُ أوْ لِغَيْرِهِ وكِلاهُما باطِلٌ لِأنَّهُ لا يَنْتَفِعُ بِأفْعالِهِ ولِأنَّ الغَيْرَ قَدْ لا يَكُونُ فِعْلُ اللَّهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ مَنفَعَةً.
هَذا وقَدْ نَقَلَ أبُو إسْحاقَ الشّاطِبِيُّ في المُوافَقاتِ عَنْ جُمْهُورِ الفُقَهاءِ والمُتَكَلِّمِينَ أنَّ أحْكامَ اللَّهِ تَعالى مُعَلَّلَةٌ بِالمَصالِحِ ودَرْءِ المَفاسِدِ، وقَدْ جَمَعَ الأقْوالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَرَفَةَ في تَفْسِيرِهِ فَقالَ: هَذا هو تَعْلِيلُ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى وفِيهِ خِلافٌ وأمّا أحْكامُهُ فَمُعَلَّلَةٌ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أخَذُوا مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أنَّ أصْلَ اسْتِعْمالِ الأشْياءِ فِيما يُرادُ لَهُ مِن أنْواعِ الِاسْتِعْمالِ هو الإباحَةُ حَتّى يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِها لِأنَّهُ جَعَلَ ما في الأرْضِ مَخْلُوقًا لِأجْلِنا وامْتَنَّ بِذَلِكَ عَلَيْنا وبِذَلِكَ قالَ الإمامُ الرّازِيُّ والبَيْضاوِيُّ وصاحِبُ الكَشّافِ - ونُسِبَ إلى المُعْتَزِلَةِ وجَماعَةٍ مِنَ الشّافِعِيَّةِ والحَنَفِيَّةِ مِنهُمُ الكَرْخِيُّ ونُسِبَ إلى الشّافِعِيِّ. وذَهَبَ المالِكِيَّةُ وجُمْهُورُ الحَنَفِيَّةِ والمُعْتَزِلَةُ في نَقْلِ ابْنِ عَرَفَةَ - إلى أنَّ الأصْلَ في الأشْياءِ الوَقْفُ ولَمْ يَرَوُا الآيَةَ دَلِيلًا، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في أحْكامِهِ: إنَّما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ في مَعْرِضِ الدَّلالَةِ والتَّنْبِيهِ عَلى طَرِيقِ العِلْمِ والقُدْرَةِ وتَصْرِيفِ المَخْلُوقاتِ بِمُقْتَضى التَّقْدِيرِ والإتْقانِ بِالعِلْمِ إلَخْ. والحَقُّ أنَّ الآيَةَ مُجْمَلَةٌ قُصِدَ مِنها التَّنْبِيهُ عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ بِخَلْقِ ما في الأرْضِ وأنَّهُ خُلِقَ لِأجْلِنا إلّا أنَّ خَلْقَهُ لِأجْلِنا لا يَسْتَلْزِمُ إباحَةَ اسْتِعْمالِهِ في كُلِّ ما يُقْصَدُ مِنهُ، بَلْ خُلِقَ لَنا في الجُمْلَةِ، عَلى أنَّ الِامْتِنانَ يَصْدُقُ إذا كانَ لِكُلٍّ مِنَ النّاسِ بَعْضٌ مِمّا في العالَمِ، بِمَعْنى أنَّ الآيَةَ ذَكَرَتْ أنَّ المَجْمُوعَ لِلْمَجْمُوعِ لا كُلُّ واحِدٍ لِكُلِّ واحِدٍ كَما أشارَ إلَيْهِ البَيْضاوِيُّ لاسِيَّما وقَدْ خاطَبَ اللَّهُ بِها قَوْمًا كافِرِينَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ كُفْرَهم فَكَيْفَ يَعْلَمُونَ إباحَةً أوْ مَنعًا، وإنَّما مَحَلُّ المَوْعِظَةِ هو ما خَلَقَهُ اللَّهُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي لَمْ يَزَلِ النّاسُ يَنْتَفِعُونَ بِها مِن وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ أصْلَ الأشْياءِ الحَظْرُ ونُقِلَ عَنْ بَعْضِ أهْلِ الحَدِيثِ وبَعْضِ المُعْتَزِلَةِ، فَلِلْمُعْتَزِلَةِ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ كَما قالَ القُرْطُبِيُّ. قالَ الحَمَوِيُّ في شَرْحِ كِتابِ الأشْباهِ لِابْنِ نُجَيْمٍ نَقْلًا عَنِ الإمامِ الرّازِيِّ وإنَّما تَظْهَرُ ثَمَرَةُ المَسْألَةِ في حُكْمِ الأشْياءِ أيّامَ الفَتْرَةِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ أيْ فِيما ارْتَكَبَهُ النّاسُ مِن تَناوُلِ الشَّهَواتِ ونَحْوِها ولِذَلِكَ كانَ الأصَحُّ أنَّ الأمْرَ مَوْقُوفٌ وأنَّهُ لا وصْفَ لِلْأشْياءِ يَتَرَتَّبُ مِن أجْلِهِ عَلَيْها الثَّوابُ والعِقابُ.
وعِنْدِي أنَّ هَذا لا يَحْتاجُ العُلَماءُ إلى فَرْضِهِ لِأنَّ أهْلَ الفَتْرَةِ لا شَرْعَ لَهم ولَيْسَ لِأفْعالِهِمْ أحْكامٌ إلّا في وُجُوبِ التَّوْحِيدِ عِنْدَ قَوْمٍ. وأمّا بَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ فَقَدْ أغْنى الشَّرْعُ عَنْ ذَلِكَ، فَإنْ وُجِدَ فِعْلٌ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ مِن نَصٍّ أوْ قِياسٍ أوِ اسْتِدْلالٍ صَحِيحٍ فالصَّحِيحُ أنَّ أصْلَ المَضارِّ التَّحْرِيمُ والمَنافِعِ الحِلُّ، وهَذا الَّذِي اخْتارَهُ الإمامُ في المَحْصُولِ، فَتَصِيرُ لِلْمَسْألَةِ ثَمَرَةٌ بِاعْتِبارِ هَذا النَّوْعِ مِنَ الحَوادِثِ في الإسْلامِ.
* * *
﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وهْوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
انْتِقالٌ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ الأرْضِ وما فِيها - وهو مِمّا عِلْمُهُ ضَرُورِيٌّ لِلنّاسِ - إلى الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ ما هو أعْظَمُ مِن خَلْقِ الأرْضِ وهو أيْضًا قَدْ يُغْفَلُ عَنِ النَّظَرِ في الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى وُجُودِ اللَّهِ، وذَلِكَ خَلْقُ السَّماواتِ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا الِانْتِقالُ اسْتِطْرادًا لِإكْمالِ تَنْبِيهِ النّاسِ إلى عَظِيمِ القُدْرَةِ.
وعَطَفَتْ ثُمَّ جُمْلَةَ اسْتَوى عَلى جُمْلَةِ خَلَقَ لَكم. ولِدَلالَةِ ثُمَّ عَلى التَّرْتِيبِ والمُهْلَةِ في عَطْفِ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ كانَتْ في عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ لِلْمُهْلَةِ في الرُّتْبَةِ، وهي مُهْلَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ في الأصْلِ تُشِيرُ إلى أنَّ المَعْطُوفَ بِثُمَّ أعْرَقُ في المَعْنى الَّذِي تَتَضَمَّنُهُ الجُمْلَةُ المَعْطُوفُ عَلَيْها حَتّى كَأنَّ العَقْلَ يَتَمَهَّلُ في الوُصُولِ إلَيْهِ بَعْدَ الكَلامِ الأوَّلِ فَيَنْتَبِهُ السّامِعُ لِذَلِكَ كَيْ لا يَغْفُلَ عَنْهُ بِما سَمِعَ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ، وشاعَ هَذا الِاسْتِعْمالُ حَتّى صارَ كالحَقِيقَةِ، ويُسَمّى ذَلِكَ بِالتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ وبِتَرْتِيبِ الإخْبارِ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ - كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] إلى أنْ قالَ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ولَمّا كانَ ذِكْرُ هاتِهِ الأُمُورِ الَّتِي يَعِزُّ إيفاؤُها حَقَّها مِمّا يُغْفِلُ السّامِعَ عَنْ أمْرٍ آخَرَ عَظِيمٍ نُبِّهَ عَلَيْهِ بِالعَطْفِ بِثُمَّ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ آكَدُ وأهَمُّ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ يَصِفُ راحِلَتَهُ:
جَنُوحٌ دِفاقٌ عَنْدَلٌ ثُمَّ أُفْرِعَتْ لَها كَتِفاها في مُعالًى مُصَعَّدِ
فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ مِن مَحاسِنِها جُمْلَةً نَبَّهَ عَلى وصْفٍ آخَرَ أهَمَّ في صِفاتِ عُنُقِها وهو طُولُ قامَتِها. قالَ المَرْزُوقِيُّ في شَرْحِ الحَماسَةِ في شَرْحِ قَوْلِ جَعْفَرِ بْنِ عُلْبَةَ الحارِثِيِّ:
لا يَكْشِفُ الغَمّاءَ إلّا ابْنُ حَرَّةَ ∗∗∗ يَرى غَمَراتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُها
إنَّ ثُمَّ وإنْ كانَ في عَطْفِهِ المُفْرَدَ عَلى المُفْرَدِ يَدُلُّ عَلى التَّراخِي فَإنَّهُ في عَطْفِهِ الجُمْلَةَ عَلى الجُمْلَةِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وذَكَرَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] اهـ.
وإفادَةُ التَّراخِي الرُّتْبِيِّ هو المُعْتَبَرُ في عَطْفِ ثُمَّ لِلْجُمَلِ سَواءٌ وافَقَتِ التَّرْتِيبَ الوُجُودِيَّ مَعَ ذَلِكَ أوْ كانَ مَعْطُوفُها مُتَقَدِّمًا في الوُجُودِ، وقَدْ جاءَ في الكَلامِ الفَصِيحِ ما يَدُلُّ عَلى مَعْنى البَعْدِيَّةِ مُرادًا مِنهُ البَعْدِيَّةُ في الرُّتْبَةِ وإنْ كانَ عَكْسَ التَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ فَتَكُونُ البَعْدِيَّةُ مَجازِيَّةً مَبْنِيَّةً عَلى تَشْبِيهِ البَوْنِ المَعْنَوِيِّ بِالبُعْدِ المَكانِيِّ أوِ الزَّمانِيِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢] ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] فَإنَّ كَوْنَهُ عُتُلًّا وزَنِيمًا أسَبَقُ في الوُجُودِ مِن كَوْنِهِ هَمّازًا مَشّاءً بِنَمِيمٍ لِأنَّهُما صِفَتانِ ذاتِيَّتانِ بِخِلافِ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١]، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] فَإذا تَمَحَّضَتْ (ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ حُمِلَتْ عَلَيْهِ، وإنِ احْتَمَلَتْهُ مَعَ التَّراخِي الزَّمَنِيِّ فَظاهِرُ قَوْلِ المَرْزُوقِيِّ فَإنَّهُ في عَطْفِ الجُمْلَةِ لَيْسَ كَذَلِكَ إنَّهُ لا يَحْتَمِلُ حِينَئِذٍ التَّراخِيَ الزَّمَنِيَّ. ولَكِنْ يَظْهَرُ جَوازُ الِاحْتِمالَيْنِ وذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ المَعْطُوفُ بِها مُتَأخِّرًا في الحُصُولِ عَلى ما قَبْلَها وهو مَعَ ذَلِكَ كَما في بَيْتِ جَعْفَرِ بْنِ عُلْبَةَ. قُلْتُ وهو إمّا مَجازٌ مُرْسَلٌ أوْ كِنايَةٌ، فَإنْ أُطْلِقَتْ ثُمَّ وأُرِيدَ مِنها لازِمُ التَّراخِي وهو البُعْدُ التَّعْظِيمِيُّ كَما أُرِيدَ التَّعْظِيمُ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ المَوْضُوعِ لِلْبَعِيدِ، والعَلاقَةُ وإنْ كانَتْ بَعِيدَةً إلّا أنَّها لِشُهْرَتِها في كَلامِهِمْ واسْتِعْمالِهِمْ ومَعَ القَرائِنِ لَمْ يَكُنْ هَذا الِاسْتِعْمالُ مَرْدُودًا.
واعْلَمْ أنِّي تَتَبَّعْتُ هَذا الِاسْتِعْمالَ في مَواضِعِهِ فَرَأيْتُهُ أكْثَرَ ما يَرِدُ فِيما إذا كانَتِ الجُمَلُ إخْبارًا عَنْ مُخْبَرٍ عَنْهُ واحِدٍ، بِخِلافِ ما إذا اخْتَلَفَ المُخْبَرُ عَنْهُ فَإنَّ ثُمَّ تَتَعَيَّنُ لِلْمُهْلَةِ الزَّمَنِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤] إلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] أيْ بَعْدَ أنْ أخَذْنا المِيثاقَ بِأزْمانٍ صِرْتُمْ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم، ونَحْوَ قَوْلِكَ: مَرَّتْ كَتِيبَةُ الأنْصارِ ثُمَّ مَرَّتْ كَتِيبَةُ المُهاجِرِينَ.
فَأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّهُ إذا كانَتِ السَّماواتُ مُتَأخِّرًا خَلْقُها عَنْ خَلْقِ الأرْضِ فَثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لا مَحالَةَ مَعَ التَّراخِي الزَّمَنِيِّ، وإنْ كانَ خَلْقُ السَّماواتِ سابِقًا فَثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ لا غَيْرَ. والظّاهِرُ هو الثّانِي. وقَدْ جَرى اخْتِلافٌ بَيْنَ عُلَماءِ السَّلَفِ في مُقْتَضى الأخْبارِ الوارِدَةِ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ الجُمْهُورُ مِنهم مُجاهِدٌ والحَسَنُ ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ إنَّ خَلْقَ الأرْضِ مُتَقَدِّمٌ عَلى خَلْقِ السَّماءِ لِقَوْلِهِ تَعالى هُنا ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ وقَوْلِهِ في سُورَةِ حم السَّجْدَةِ ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] إلى أنْ قالَ ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ [فصلت: ١١] وقالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: إنْ خَلْقَ السَّماءَ مُتَقَدِّمٌ واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿بَناها﴾ [النازعات: ٢٧] ﴿رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها﴾ [النازعات: ٢٨] إلى قَوْلِهِ ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] وقَدْ أُجِيبَ بِأنَّ الأرْضَ خُلِقَتْ أوَّلًا ثُمَّ خُلِقَتِ السَّماءُ ثُمَّ دُحِيَتِ الأرْضُ، فالمُتَأخِّرُ عَنْ خَلْقِ السَّماءِ هو دَحْوُ الأرْضِ، عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ عُلَماءُ طَبَقاتِ الأرْضِ مِن أنَّ الأرْضَ كانَتْ في غايَةِ الحَرارَةِ ثُمَّ أخَذَتْ تَبْرُدُ حَتّى جَمَدَتْ وتَكَوَّنَتْ مِنها قِشْرَةٌ جامِدَةٌ ثُمَّ تَشَقَّقَتْ وتَفَجَّرَتْ وهَبَطَتْ مِنها أقْسامٌ وعَلَتْ أقْسامٌ بِالضَّغْطِ، إلّا أنَّ عُلَماءَ طَبَقاتِ الأرْضِ يُقَدِّرُونَ لِحُصُولِ ذَلِكَ أزْمِنَةً مُتَناهِيَةَ الطُّولِ، وقُدْرَةُ اللَّهِ صالِحَةٌ لِإحْداثِ ما يَحْصُلُ بِهِ ذَلِكَ التَّقَلُّبُ في أمَدٍ قَلِيلٍ بِمُقارَنَةِ حَوادِثِ تَعَجُّلِ انْقِلابِ المَخْلُوقاتِ عَمّا هي عَلَيْهِ.
وأرْجَحُ القَوْلَيْنِ هو أنَّ السَّماءَ خُلِقَتْ قَبْلَ الأرْضِ لِأنَّ لَفْظَ بَعْدَ ذَلِكَ أظْهَرُ في إفادَةِ التَّأخُّرِ مِن قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ ولِأنَّ أنْظارَ عُلَماءِ الهَيْئَةِ تَرى أنَّ الأرْضَ كُرَةٌ انْفَصَلَتْ عَنِ الشَّمْسِ كَبَقِيَّةِ الكَواكِبِ السَّيّارَةِ مِنَ النِّظامِ الشَّمْسِيِّ، وظاهِرُ سِفْرِ التَّكْوِينِ يَقْتَضِي أنَّ خَلْقَ السَّماواتِ مُتَقَدَّمٌ عَلى الأرْضِ. وأحْسَبُ أنَّ سُلُوكَ القُرْآنِ في هَذِهِ الآياتِ أُسْلُوبَ الإجْمالِ في هَذا الغَرَضِ لِقَطْعِ الخُصُومَةِ بَيْنَ أصْحابِ النَّظَرِيَّتَيْنِ.
والسَّماءُ إنْ أُرِيدَ بِها الجَوُّ المُحِيطُ بِالكُرَةِ الأرْضِيَّةِ فَهو تابِعٌ لَها مُتَأخِّرٌ عَنْ خَلْقِها. وإنْ أُرِيدَ بِها الكَواكِبُ العُلْوِيَّةُ وذَلِكَ هو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ ﴿فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ فالكَواكِبُ أعْظَمُ مِنَ الأرْضِ فَتَكُونُ أسْبَقَ خَلْقًا. وقَدْ يَكُونُ كُلٌّ مِنَ الِاحْتِمالَيْنِ مُلاحَظًا في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ غَيْرِ المُلاحَظِ فِيها الِاحْتِمالُ الآخَرُ.
والِاسْتِواءُ أصْلُهُ الِاسْتِقامَةُ وعَدَمُ الِاعْوِجاجِ، يُقالُ صِراطٌ مُسْتَوٍ، واسْتَوى فُلانٌ وفُلانٌ، واسْتَوى الشَّيْءُ مُطاوِعَ سِواهُ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى القَصْدِ إلى الشَّيْءِ بِعَزْمٍ وسُرْعَةٍ كَأنَّهُ يَسِيرُ إلَيْهِ مُسْتَوِيًا لا يَلْوِي عَلى شَيْءٍ فَيُعَدّى بِإلى فَتَكُونُ إلى قَرِينَةَ المَجازِ وهو تَمْثِيلٌ، فَمَعْنى اسْتِواءِ اللَّهِ تَعالى إلى السَّماءِ تَعَلُّقُ إرادَتِهِ التَّنْجِيزِيِّ بِإيجادِها تَعَلُّقًا يُشْبِهُ الِاسْتِواءَ في التَّهَيُّؤِ لِلْعَمَلِ العَظِيمِ المُتْقَنِ. ووَزْنُ اسْتَوى افْتَعَلَ لِأنَّ السِّينَ فِيهِ حَرْفٌ أصْلِيٌّ وهو افْتِعالٌ مَجازِيٌّ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَمّا ابْتَدَأ خَلْقَ المَخْلُوقاتِ خَلَقَ السَّماواتِ ومَن فِيها لِيَكُونَ تَوْطِئَةً لِخَلْقِ الأرْضِ ثُمَّ خَلَقَ الإنْسانَ وهو الَّذِي سِيقَتِ القِصَّةُ لِأجْلِهِ.
و(سَوّاهُنَّ) أيْ خَلَقَهُنَّ في اسْتِقامَةٍ، واسْتِقامَةُ الخَلْقِ هي انْتِظامُهُ عَلى وجْهٍ لا خَلَلَ فِيهِ ولا ثَلْمَ. وبَيْنَ اسْتَوى وسَوّاهُنَّ الجِناسُ المُحَرَّفُ. والسَّماءُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ السُّمُوِّ وهو العُلُوُّ، واسْمُ السَّماءِ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ وعَلى الجِنْسِ مِنَ العَوالِمِ العُلْيا الَّتِي هي فَوْقَ العالَمِ الأرْضِيِّ والمُرادُ بِهِ هُنا الجِنْسُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ إذْ جَعَلَها سَبْعًا، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿فَسَوّاهُنَّ﴾ عائِدٌ إلى السَّماءِ بِاعْتِبارِ إرادَةِ الجِنْسِ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ. وجَوَّزَ صاحِبُ الكَشّافِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ السَّماءِ هُنا جِهَةُ العُلُوِّ وهو وإنْ صَحَّ لَكِنَّهُ لا داعِيَ إلَيْهِ كَما قالَهُ التَّفْتَزانِيُّ.
وقَدْ عَدَّ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها السَّماواتِ سَبْعًا وهو أعْلَمُ بِها وبِالمُرادِ مِنها إلّا أنَّ الظّاهِرَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ القَواعِدُ العِلْمِيَّةُ أنَّ المُرادَ مِنَ السَّماواتِ الأجْرامُ العُلْوِيَّةُ العَظِيمَةُ وهي الكَواكِبُ السَّيّارَةُ المُنْتَظِمَةُ مَعَ الأرْضِ في النِّظامِ الشَّمْسِيِّ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ أُمُورٌ:
أحَدُها: أنَّ السَّماواتِ ذُكِرَتْ في غالِبِ مَواضِعِ القُرْآنِ مَعَ ذِكْرِ الأرْضِ وذُكِرَ خَلْقُها هُنا مَعَ ذِكْرِ خَلْقِ الأرْضِ فَدَلَّ عَلى أنَّها عَوالِمُ كالعالَمِ الأرْضِيِّ، وهَذا ثابِتٌ لِلسَّيّاراتِ.
ثانِيها: أنَّها ذُكِرَتْ مَعَ الأرْضِ مِن حَيْثُ إنَّها أدِلَّةٌ عَلى بَدِيعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى، فَناسَبَ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرُها تِلْكَ الأجْرامَ المُشاهَدَةَ لِلنّاسِ المَعْرُوفَةَ لِلْأُمَمِ الدّالَّ نِظامُ سَيْرِها وباهِرُ نُورِها عَلى عَظَمَةِ خالِقِها. ثالِثُها: أنَّها وْصِفَتْ بِالسَّبْعِ وقَدْ كانَ عُلَماءُ الهَيْئَةِ يَعْرِفُونَ السَّيّاراتِ السَّبْعَ مِن عَهْدِ الكِلْدانِ، وتَعاقَبَ عُلَماءُ الهَيْئَةِ مِن ذَلِكَ العَهْدِ إلى العَهْدِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ القُرْآنُ فَما اخْتَلَفُوا في أنَّها سَبْعٌ. رابِعُها: أنَّ هاتِهِ السَّيّاراتِ هي الكَواكِبُ المُنْضَبِطُ سَيْرُها بِنِظامٍ مُرْتَبِطٍ مَعَ نِظامِ سَيْرِ الشَّمْسِ والأرْضِ، ولِذَلِكَ يُعَبِّرُ عَنْها عُلَماءُ الهَيْئَةِ المُتَأخِّرُونَ بِالنِّظامِ الشَّمْسِيِّ، فَناسَبَ أنْ تَكُونَ هي الَّتِي قُرِنَ خَلْقُها بِخَلْقِ الأرْضِ. وبَعْضُهم يُفَسِّرُ السَّماواتِ بِالأفْلاكِ وهو تَفْسِيرٌ لا يَصِحُّ لِأنَّ الأفْلاكَ هي الطُّرُقُ الَّتِي تَسْلُكُها الكَواكِبُ السَّيّارَةُ في الفَضاءِ، وهي خُطُوطٌ فَرْضِيَّةٌ لا ذَواتَ لَها في الخارِجِ.
هَذا وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى السَّماواتِ سَبْعًا هُنا وفي غَيْرِ آيَةٍ، وقَدْ ذَكَرَ العَرْشَ والكُرْسِيَّ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُما مُحِيطانِ بِالسَّماواتِ وجَعَلَ السَّماواتِ كُلَّها في مُقابَلَةِ الأرْضِ، وذَلِكَ يُؤَيِّدُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ عُلَماءُ الهَيْئَةِ مِن عَدِّ الكَواكِبِ السَّيّارَةِ تِسْعَةً، وهَذِهِ أسْماؤُها عَلى التَّرْتِيبِ في بُعْدِها مِنَ الأرْضِ: نِبْتُونْ، أُورانُوسُ، زُحَلُ، المُشْتَرِي، المِرِّيخُ، الشَّمْسُ، الزُّهَرَةُ، عُطارِدُ، بِلْكانُ.
والأرْضُ في اصْطِلاحِهِمْ كَوْكَبٌ سَيّارٌ، وفي اصْطِلاحِ القُرْآنِ لَمْ تُعَدَّ مَعَها لِأنَّها الَّتِي مِنها تُنْظَرُ الكَواكِبُ وعُدَّ عِوَضًا عَنْها القَمَرُ وهو مِن تَوابِعِ الأرْضِ فَعَدُّهُ مِنها عِوَضٌ عَنْ عَدِّ الأرْضِ تَقْرِيبًا لِأفْهامِ السّامِعِينَ. وأمّا الثَّوابِتُ فَهي عِنْدَ عُلَماءِ الهَيْئَةِ شُمُوسٌ سابِحَةٌ في شاسِعِ الأبْعادِ عَنِ الأرْضِ وفي ذَلِكَ شُكُوكٌ. ولَعَلَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْها سَماواتٍ ذاتَ نِظامٍ كَنِظامِ السَّيّاراتِ السَّبْعِ فَلَمْ يَعُدَّها في السَّماواتِ أوْ أنَّ اللَّهَ إنَّما عَدَّ لَنا السَّماواتِ الَّتِي هي مُرْتَبِطَةٌ بِنِظامِ أرْضِنا.
وقَوْلُهُ ﴿وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ نَتِيجَةٌ لِما ذَكَرَهُ مِن دَلائِلِ القُدْرَةِ الَّتِي لا تَصْدُرُ إلّا مِن عَلِيمٍ، فَلِذَلِكَ قالَ المُتَكَلِّمُونَ: إنَّ القُدْرَةَ يَجْرِي تَعَلُّقُها عَلى وفْقِ الإرادَةِ. والإرادَةُ عَلى وفْقِ العِلْمِ.
وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالإنْكارِ عَلى كُفْرِهِمْ والتَّعْجِيبِ مِنهُ، فَإنَّ العَلِيمَ بِكُلِّ شَيْءٍ يُقَبِّحُ الكُفْرَ بِهِ.
وهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى عُمُومِ العِلْمِ، وقَدْ قالَ بِذَلِكَ جَمِيعُ المِلِّيِّينَ كَما نَقَلَهُ المُحَقِّقُ السَّلَكُوتِيُّ في الرِّسالَةِ الخاقانِيَّةِ، وأنْكَرَ الفَلاسِفَةُ عِلْمَهُ بِالجُزَيْئاتِ وزَعَمُوا أنَّ تَعَلُّقَ العِلْمِ بِالجُزَيْئاتِ لا يَلِيقُ بِالعِلْمِ الإلَهِيِّ، وهو تَوَهُّمٌ لا داعِيَ إلَيْهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ هاءَ (وهو) بِالضَّمِّ عَلى الأصْلِ، وقَرَأها قالُونُ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ بِالسُّكُونِ لِلتَّخْفِيفِ عِنْدَ دُخُولِ حَرْفِ العَطْفِ عَلَيْهِ، والسُّكُونُ أكْثَرُ مِنَ الضَّمِّ في كَلامِهِمْ، وذَلِكَ مَعَ الواوِ والفاءِ ولامِ الِابْتِداءِ، ووَجْهُهُ أنَّ الحُرُوفَ الَّتِي هي عَلى حَرْفٍ واحِدٍ إذا دَخَلَتْ عَلى الكَلِمَةِ تَنَزَّلَتْ مَنزِلَةَ الجُزْءِ مِنها فَصارَتِ الكَلِمَةُ ثَقِيلَةً بِدُخُولِ ذَلِكَ الحَرْفِ فِيها فَخُفِّفَتْ بِالسُّكُونِ كَما فَعَلُوا ذَلِكَ في حَرَكَةِ لامِ الأمْرِ مَعَ الواوِ والفاءِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ أفْصَحَ لُغاتِ العَرَبِ إسْكانُ الهاءِ مِن (هو) إذا دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفٌ أنَّكَ تَجِدُهُ في الشِّعْرِ فَلا يَتَّزِنُ البَيْتُ إلّا بِقِراءَةِ الهاءِ ساكِنَةً ولا تَكادُ تَجِدُ غَيْرَ ذَلِكَ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ دَعْوى أنَّهُ ضَرُورَةٌ.
الدر المصون — السمين الحلبي
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
﴿هُوَ ٱلَّذِی خَلَقَ لَكُم مَّا فِی ٱلۡأَرۡضِ جَمِیعࣰا ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰۤ إِلَى ٱلسَّمَاۤءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَـٰوَ ٰتࣲۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَیۡءٍ عَلِیمࣱ﴾ [البقرة ٢٩]
قوله تعالى: {هُوَ الذي خَلَقَ لَكُمْ} : هو مبتدأٌ وهو ضميرٌ مرفوعٌ منفصلٌ للغائبِ المذكر، والمشهورُ تخفيفُ واوِهِ وفتحُها، وقد تُشَدَّد كقوله:
320 - وإنَّ لِساني شُهْدَةٌ يُشْتَفَى بها ... وَهُوَّ على مَنْ صَبَّهُ اللهُ عَلْقَمُ
وقد تُسَكَّنُ، وقد تُحْذَفُ كقوله:
321 - فَبَيْنَاهُ يَشْرِي. . . . . . . . . . . ... . . .. . . .
والموصولُ بعده خَبَرٌ عنه. و «لكم» متعلقٌ بَخَلَقَ، ومعناه السببيةُ، أي: لأجلِكم، وقيل: للمِلْك والإِباحةِ فيكونُ تمليكاً خاصَّاً بما يُنْتَفَعُ منه، وقيلَ: للاختصاص، و «ما» موصولةٌ و «في الأرض» صلُتها، وهي في محلِّ نصبٍ مفعولٌ بها، و «جميعاً» حالٌ من المفعول بمعنى كل، ولا دلالة لها على الاجتماع في الزمانِ، وهذا هو الفارقُ بين قولِك: «جاؤوا جميعاً» و «جاؤوا معاً» ، فإنَّ «مع» تقتضي المصاحبةَ في الزمانِ بخلافِ جميع. قيل: وهي هنا حالٌ مؤكِّدةٌ لأنَّ قولَه: «ما في الأرضِ» عامٌّ.
قوله: {ثُمَّ استوى إِلَى السمآء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} أصل «ثُمَّ» أن تقتضيَ تراخياً زمانياً، ولا زمانَ هنا، فقيل: إشارةٌ إلى التراخي بين رتبتي خَلْقِ الأرضِ والسماءِ. وقيل: لَمَّا كان بين خَلْقِ الأرضِ والسماءِ أعمالٌ أُخَرُ مِنْ جَعْلِ الجبالِ والبركةِ وتقديرِ الأقواتِ كما أشار إليه في الآيةِ الأخرى عَطَفَ بثُمَّ إذ بين خَلْقِ الأرضِ والاستواءِ إلى السماءِ تراخٍ.
واستوى معناه لغةً: استقامَ واعتدلَ، مِن استوى العُود. وقيل: عَلاَ وارتفع قال الشاعر:
322 - فَأَوْرَدْتُهُمْ مَاءً بفَيْفاءَ قَفْرَةٍ ... وقد حَلَّقَ النجمُ اليمانيُّ فاسْتَوَى
وقال تعالى: {فَإِذَا استويت أَنتَ وَمَن مَّعَكَ} [المؤمنون: 28] ، ومعناه هنا قَصَد وعَمَدَ، وفاعل استوى ضميرٌ يعودُ على الله، وقيل: يعودُ على الدخان نقله ابن عطية، وهذا غلطٌ لوجهين، أحدهُما: عَدَمُ ما يَدُلُّ عليه، والثاني: أنه يَرُدُّهُ قولُه: ثُمَّ استوى إلى السماء، وهي «دُخانٌ» . و «إلى» حرفُ انتهاءٍ على بابها، وقيل: هي بمعنى «على» فيكونُ في المعنى كقولِ الشاعر:
323 - قد استوى بِشْرٌ على العِراقِ ... مْنِ غيرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مُهْرَاقِ
أي: استولى، ومثلُه قول الآخر:
324 - فلمّا عَلَوْنَا واسْتَوَيْنَا عليهِمُ ... تَرَكْنَاهُمُ صَرْعَى لِنَسْرٍ وكاسِرِ
وقيل: ثَمَّ مضافٌ محذوفٌ، ضميرُه هو الفاعلُ أي استوى أمرُهُ، و {إِلَى السمآء} متعلِّقٌ ب «استوى» ، و «فَسَوَّاهُنَّ» الضميرُ يعودُ على السماءِ: إمَّا لأنها جَمْعُ سَماوَة كما تقدَّم، وإمَّا لأنَّها اسمُ جنسٍ يُطْلَقُ على الجَمْعِ، وقال الزمخشري: «هُنَّ» ضميرٌ مُبْهَمٌ، و «سبعَ سماواتٍ» يُفَسِّرُهُ كقولِهم: «رُبَّه رَجُلاً» . وقد رُدَّ عليه هذا، فإنَّه ليس من المواضِعِ التي يُفَسَّر فيها الضميرُ بما بعدَه، لأنَّ النحويين حَصَروا ذلك في سبعةِ مواضع: ضميرِ الشأن، والمجرور ب «رُبَّ» ، والمرفوعِ بنعْمَ وبِئْسَ وما جرى مَجْراهما، وبأوَّلِ المتنازِعَيْن والمفسَّر بخبرهِ وبالمُبْدِلِ منه، ثم قال هذا المعترض: «إلاَّ أن يُتَخَيَّلَ فيه أن يكونَ» سبع سماواتٍ «بدلاً وهو الذي يقتضيه تشبيهُه برُبَّه رجلاً، فإنه ضميرٌ مبهمٌ ليس عائداً على شيء قبلَه، لكن هذا يَضعفُ بكونِ هذا التقديرِ يَجْعَلُه غيرَ مرتبطٍ بما قبلَهُ ارتباطاً كلياً، فيكونُ أَخْبَرَ بإخبارينِ أحدُهما: أنه استوى إلى السماء.
والثاني: أنه سَوَّى سبع سماوات، وظاهرُ الكلامِ أن الذي استوى إليه هو المُسَوَّى بعينه.
قوله: {سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} في نصبه خمسةُ أوجه، أحسنُها: أنه بدلٌ من الضميرِ في {فَسَوَّاهُنَّ} العائدِ على السماءِ كقولِكَ: أخوك مررتُ به زيدٍ. الثاني: أنه بدلٌ من الضميرِ أيضاً، ولكن هذا الضمير يُفَسِّرُهُ ما بعده. وهذا يَضْعُفُ بما ضَعُفَ بِهِ قولُ الزمخشري، وقد تقدَّم آنِفاً. الثالث: أنه مفعولٌ به، والأصلُ: فَسَوَّى مِنْهُنَّ سبعَ سماواتٍ، وشبَّهُوهُ بقولِهِ تعالى: {واختار موسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ} [الأعراف: 155] أي: مِنْ قومه، قاله أبو البقاء وغيرُه. وهذا ضعيفٌ لوجهين، أحدُهما بالنسبة إلى اللفظِ. والثاني بالنسبة إلى المعنى. أمَّا الأولُ: فلأنه ليس من الأفعالِ المتعديةِ لاثنينِ أحدُهما بإسقاطِ الخافضِ لأنها محصورةٌ في أمر واختار وأخواتِهما. الثاني: أنه يقتضي أن يكونَ ثَمَّ سماواتٌ كثيرةٌ، سوَّى من جملتِها سبعاً وليس كذلك. الرابعُ: أنَّ «سَوَّى» بمعنى صَيَّر فيتعدَّى لاثنين، فيكونُ «سبع» مفعولاً ثانياً، وهذا لم يَثْبُت أيضاً أعني جَعْلَ «سَوَّى» مثل صَيَّرَ. الخامس: أن ينتصبَ حالاً ويُعْزَى للأخفش. وفيه بُعْدٌ من وجهين: أحدُهما: أنه حالٌ مقدَّرَةٌ وهو خلافُ الأصل. والثاني: أنها مؤولةٌ بالمشتقِّ وهو خلافُ الأصلِ أيضاً.
قوله: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} «هو» مبتدأ و «عليمٌ» خبره، والجارُّ قبلَه يتعلَّق به.
واعلم أنه يجوزُ تسكين هاء «هو» و «هي» بعد الواو والفاء ولامِ الابتداءِ وثم، نحو: {فَهِيَ كالحجارة} [البقرة: 74] ، {ثُمَّ هُوَ يَوْمَ القيامة} [القصص: 61] {لَهُوَ الغني} [الحج: 64] {لَهِيَ الحيوان} [العنكبوت: 64] ، تشبيهاً ل «هو» بعَضْد، ول «هي» بكَتْف، فكما يجوز تسكين عين عَضُد وكَتِف يجوزُ تسكينُ هاء «هو» و «هي» بعد الأحرفِ المذكورةِ، إجراء للمنفصل مُجْرى المتصلِ لكثرةِ دَوْرِها مَعَها، وقد تُسَكَّنُ بعد كافِ الجرِّ كقوله:
325 - فَقُلْتُ لَهُمْ ما هُنَّ كَهْي فكيف لي ... سُلُوٌّ، ولا أَنْفَكُّ صَبَّاً مُتَيَّمَا
وبعد همزة الاستفهامِ كقوله:
326 - فقُمْتُ للطَّيْفِ مُرْتاعاً فَأَرَّقَنِي ... فقلتُ أَهْيَ سَرَتْ أم عادني حُلُمُ
وبعد «لكنَّ» في قراءة ابن حمدون: {لَّكِنَّ هْوَ الله رَبِّي} [الكهف: 38] وكذا من قوله: {يُمِلُّ هْوَ} [البقرة: 282] .
فإن قيل: عليمَ فَعيل مِن عَلِم متعدٍّ بنفسه تَعَدَّى بالباء، وكان مِنْ حقِّه إذا تقدَّم مفعولُه أَنْ يتعدَّى إليه بنفسِه أو باللامِ المقوِّية، وإذا تأخَّرَ أَنْ يتعدَّى إليه بنفسه فقط؟ أن أمثلةَ المبالغةِ خالفَتْ أفعالَها وأسماءَ فاعِليها لمعنى وهو شَبَهُها بأَفْعل التفضيل بجامعِ ما فيها من معنى المبالغةِ، وأفعلُ التفضيلِ له حُكْمٌ في التعدِّي، فأُعْطِيتَ أمثلةُ المبالغةِ ذلك الحُكْمَ: وهو أنها لا تخلُو من أن تكونَ من فِعْلٍ متعدٍّ بنفسِه أولا، فإن كان الأول: فإمّا أن يُفْهِمَ علماً أو جهْلاً أَوْ لا، فإن كان الأولَ تعدَّت بالباء نحو:
{هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ} [النجم: 32] {وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور} [الحديد: 6] وزيدٌ جهولٌ بك وأنت أجهل به. وإن كان الثانيَ تعدَّتْ باللامِ نحو: أنا أضربُ لزيدٍ منك وأنا له ضرَّاب، ومنه {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [هود: 107] ، وإن كانَتْ من متعدٍّ بحرفِ جر تعدَّت هي بذلك الحرفِ نحو: أنا أصبرُ على كذا، وأنا صبورٌ عليه، وأزهدُ فيه منك، وزهيدٌ فيه. وهذا مقررٌ في علم النحو.
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
سوا
الْمُسَاوَاةُ: المعادلة المعتبرة بالذّرع والوزن، والكيل، يقال: هذا ثوب مُسَاوٍ لذاك الثّوب، وهذا الدّرهم مساو لذلك الدّرهم، وقد يعتبر بالكيفيّة، نحو: هذا السّواد مساو لذلك السّواد، وإن كان تحقيقه راجعا إلى اعتبار مكانه دون ذاته، ولاعتبار المعادلة التي فيه استعمل استعمال العدل، قال الشاعر:
256- أبينا فلا نعطي السُّوَاءَ عدوّنا
واسْتَوَى يقال على وجهين:
أحدهما: يسند إليه فاعلان فصاعدا، نحو: اسْتَوَى زيد وعمرو في كذا، أي: تَسَاوَيَا، وقال: ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة : 19] .
والثاني: أن يقال لاعتدال الشيء في ذاته، نحو: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى﴾ [النجم : 6] ، وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ﴾ [المؤمنون : 28] ، ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف : 13] ، ﴿فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ﴾ [الفتح : 29]، واستوى فلان على عمالته، واستوى أمر فلان.
ومتى عدّي بـ«على» اقتضى معنى الاستيلاء، كقوله: ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه : 5] ، وقيل: معناه استوى له ما في السموات وما في الأرض، أي: استقام الكلّ على مراده بِتَسْوِيَةِ الله تعالى إيّاه، كقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾ [البقرة : 29] ، وقيل: معناه استوى كلّ شيء في النّسبة إليه، فلا شيء أقرب إليه من شيء، إذ كان تعالى ليس كالأجسام الحالة في مكان دون مكان.
وإذا عدّي بـ«إلى» اقتضى معنى الانتهاء إليه، إمّا بالذّات، أو بالتّدبير، وعلى الثاني قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ﴾ [فصلت : 11].
وتَسْوِيَةُ الشيء: جعله سواء، إمّا في الرّفعة، أو في الضّعة، وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾ [الانفطار : 7] ، أي: جعل خلقتك على ما اقتضت الحكمة، وقوله: ﴿وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها﴾ [الشمس : 7] ، فإشارة إلى القوى التي جعلها مقوّمة للنّفس، فنسب الفعل إليها، وقد ذكر في غير هذا الموضع أنّ الفعل كما يصحّ أن ينسب إلى الفاعل يصحّ أن ينسب إلى الآلة، وسائر ما يفتقر الفعل إليه، نحو: سيف قاطع. وهذا الوجه أولى من قول من قال: أراد وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها [الشمس : 7] ، يعني الله تعالى، فإنّ «ما» لا يعبّر به عن الله تعالى، إذ هو موضوع للجنس، ولم يرد به سمع يصحّ، وأمّا قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى : 1-2] ، فالفعل منسوب إليه تعالى، وكذا قوله: ﴿فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر : 29] ، وقوله: ﴿رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها﴾ [النازعات : 28] ، فَتَسْوِيَتُهَا يتضمّن بناءها، وتزيينها المذكور في قوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ﴾ [الصافات : 6] .
والسَّوِيُّ يقال فيما يصان عن الإفراط، والتّفريط من حيث القدر، والكيفيّة. قال تعالى: ﴿ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم : 10] ، وقال تعالى: ﴿مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ﴾ [طه : 135] ، ورجل سويّ: استوت أخلاقه وخلقته عن الإفراط والتّفريط.
وقوله تعالى: ﴿عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة : 4] ، قيل: نجعل كفّه كخفّ الجمل لا أصابع لها، وقيل: بل نجعل أصابعه كلّها على قدر واحد حتى لا ينتفع بها، وذاك أنّ الحكمة في كون الأصابع متفاوتة في القدر والهيئة ظاهرة، إذ كان تعاونها على القبض أن تكون كذلك.
وقوله: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها﴾ [الشمس : 14] ، أي: سوّى بلادهم بالأرض، نحو: ﴿خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ [الكهف : 42] ، وقيل: سوّى بلادهم بهم، نحو: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ [النساء : 42] ، وذلك إشارة إلى ما قال عن الكفّار: ﴿يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾ [النبأ : 40].
ومكان سُوىً، وسَوَاءٌ: وسط. ويقال: سَوَاءٌ، وسِوىً، وسُوىً أي: يستوي طرفاه، ويستعمل ذلك وصفا وظرفا، وأصل ذلك مصدر، وقال: ﴿فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات : 55] ، و﴿سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص : 22] ، ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال : 58] ، أي: عدل من الحكم، وكذا قوله: ﴿إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران : 64].
وقوله: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة : 6] ، ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ [المنافقون : 6] ، ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا﴾ [إبراهيم : 21] ، أي: يَسْتَوِي الأمران في أنهما لا يغنيان سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ [الحج : 25].
وقد يستعمل سِوىً وسَوَاءٌ بمعنى غير، قال الشاعر:
257- فلم يبق منها سوى هامد
وقال آخر:
258- وما قصدت من أهلها لِسَوَائِكَا
وعندي رجل سِوَاكَ، أي: مكانك، وبدلك.
والسِّيُّ: المساوي، مثل: عدل ومعادل، وقتل ومقاتل، تقول: سِيَّانِ زيد وعمرو، وأَسْوَاءٌ جمع سِيٍّ، نحو: نقض وأنقاض، يقال: قوم أسواء، ومستوون.
والمساواة متعارفة في المثمنات، يقال: هذا الثّوب يساوي كذا، وأصله من سَاوَاهُ في القدر، قال: ﴿حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ [الكهف : 96] .