التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاحتباك

الاحتباك:

الاحتباك: وسماه الزركشي في البرهان الحذف المقابلي، هو أن يُحْذَفَ من الأوائل ما جاء نظيره أو مقابلة في الأواخر، ويُحْذَفَ من الأواخر ما جاء نظيره أو مقابلة في الأوائل.
وقيل: أن يحذ من الأول ما ثبت نظيره في الثاني، ومن الثاني ما ثبت نظيره في الأول. 

المثال الأول: قال السيوطي: ومن لطيفه قوله تعالى: {فئة تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ}، تقاتل في سبيل الطاغوت. 
قال عبد الرحمن حبنكة الميداني في "البلاغة العربية": إبراز المحاذيف يتطلّب منا أن نقول: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا فِئَةٌ} مُؤْمِنَةٌ {تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله وَ} فئة {وأخرى كَافِرَةٌ} تُقَاتِلُ فِي سبيل الطّاغوت، فتحقّق "الاحتباك" بدلالة ما في الأوائل على المحذوف من الأواخر، ودلالة ما في الأواخر على المحذوف من الأوائل.
 
المثال الثاني: قال السيوطي في"الاتقان": وقال الزركشي: وهو أن يجتمع في الكلام متقابلان فيحذف من كل واحد منهما مقابله لدلالة الآخر عليه: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون}. التقدير:  "إِنِ افتريته فعلي إجرامي وأنتم برآء منه وعليكم إجرامكم وأنا بريء مما تجرمون" 

المثال الثالث: قال السيوطي: وَقَوْلُهُ: {ويعذب المنافين إن يشاء أو يتوب عليهم } التقدير: "ويعذب المنافين إن شاء فلا يتوب عليهم أو يتوب عليهم فلا يعذبهم"

المثال الرابع: قال السيوطي في "الإتقان في علوم القرآن" كقوله تعالى: {وَمَثَلُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ كَمَثَلِ ٱلَّذِی یَنۡعِقُ بِمَا لَا یَسۡمَعُ}، التقدير: ومثل الأنبياء والكفار كمثل الذي ينعق والذي ينعق به، فحذف من الأول: «الأنبياء»، لدلالة «الذي ينعق» عليه، ومن الثاني الذي ينعق به لدلالة «الذين كفروا» عليه. 

المثال الخامس: قال محمد على الصابوني في "صفوة التفاسير": {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا الليل لِيَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً} حُذف من أوله ما أُثبت في آخره وبالعكس، أصله جعلنا الليل مظلماً لتسكنوا فيه، والنهار مبصراً للتصرفوا فيه فحذف «مظلماً» لدلالة «مبصراً» عليه، وحذف «لتتصرفوا فيه» لدلالة {لِيَسْكُنُواْ فِيهِ} وهذا النوع يسمى الإِحتباك وهم من المحسنات البديعية.

المثال السادس: قال ابن عاشور في التحرير والتنوير : وقوله {ويقولون إنه لمجنون، وما هو إلا ذكر للعامين} هذا من قبيل الاحتباك، إذ التقدير: ويقولون إنه لمجنون وإن القرآن كلام مجنونٍ، وما القرآن إلا ذكرٌ وما أنت إلا مذكِّر. 

المثال السابع : قال عبد الرحمن حبنة الميداني "البلاغة العربية": قول الله عزَّ وجلَّ {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سواء ... } التقدير: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} تَدْخُلْ غَيْرَ بيضاء. وأَخْرِجْهَا {تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سواء}. فدلَّ لفظ "بيضاء" في الأواخر على عبارة "غير بيضاء" المحذوفة من الأوائل، ودلَّتْ عبارة "وَأَدْخِلْ" في الأوائل على عبارة "وأخرجها" المحذوفة من الأواخر، فتمّ الاحتباك. 

المثال الثامن: قال محمد الأمين الهرري في "تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن": الاحتباك الذي هو من المحسنات البديعية في قوله: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا} والاحتباك هو أن يحذف من كلّ من المتقابلين نظير ما أثبته في الآخر. وفي "الكرخي": وأثبت في الشرطية الأولى قيدًا - وهو {صَابِرُونَ} - وحذفه من الشرطية الثانية، وأثبت في الثانية قيدًا - وهو {مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} - وحذفه من الأولى, والتقدير: مئتين من الذين كفروا، ومئة صابرة، فحذف من كل منهما ما أثبت في الآخر، وهو غاية الفصاحة. 

فوائد الحذف:

قال محمد عقيلة في "الزيادة والإحسان في علوم القرآن": فقد ذكروا له فوائد:منها: الإيجاز، والاختصار، والاحتراز عن العبث، والتنبيه على أن الزمان متقاصر عن الإتيان بالمحذوف، وأن الاشتغال بذكره يفضي إلى تفويت المهم.