تفسير قول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ). سورة البقرة، الآية: ٢٦
التحرير والتنوير - ابن عاشور
لتحرير والتنوير - ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ٢٦ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ٢٧﴾ [البقرة ٢٦-٢٧]
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾
قَدْ يَبْدُو في بادِئِ النَّظَرِ عَدَمُ التَّناسُبِ بَيْنَ مَساقِ الآياتِ السّالِفَةِ ومَساقِ هاتِهِ الآيَةِ فَبَيْنَما كانَتِ الآيَةُ السّابِقَةُ ثَناءً عَلى هَذا الكِتابِ المُبِينِ، ووَصْفَ حالَيِ المُهْتَدِينَ بِهَدْيِهِ والنّاكِبِينَ عَنْ صِراطِهِ وبَيانَ إعْجازِهِ والتَّحَدِّي بِهِ مَعَ ما تَخَلَّلَ وأعْقَبَ ذَلِكَ مِنَ المَواعِظِ والزَّواجِرِ النّافِعَةِ والبَياناتِ البالِغَةِ والتَّمْثِيلاتِ الرّائِعَةِ، إذا بِالكَلامِ قَدْ جاءَ بِخَبَرٍ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَعْبَأُ أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا بِشَيْءٍ حَقِيرٍ أوْ غَيْرِ حَقِيرٍ.
فَحَقِيقٌ بِالنّاظِرِ عِنْدَ التَّأمُّلِ أنْ تَظْهَرَ لَهُ المُناسِبَةُ لِهَذا الِانْتِقالِ: ذَلِكَ أنَّ الآياتِ السّابِقَةَ اشْتَمَلَتْ عَلى تَحَدِّي البُلَغاءِ بِأنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِ القُرْآنِ، فَلَمّا عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَةِ النَّظْمِ سَلَكُوا في المُعارَضَةِ طَرِيقَةَ الطَّعْنِ في المَعانِي فَلَبَّسُوا عَلى النّاسِ بِأنَّ في القُرْآنِ مِن سَخِيفِ المَعْنى ما يُنَزَّهُ عَنْهُ كَلامُ اللَّهِ لِيَصِلُوا بِذَلِكَ إلى إبْطالِ أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِإلْقاءِ الشَّكِّ في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ وبَذْرِ الخَصِيبِ في تَنْفِيرِ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ.
رَوى الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أنْزَلَ قَوْلَهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ﴾ [الحج: ٧٣] وقَوْلُهُ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١] قالَ المُشْرِكُونَ أرَأيْتُمْ أيَّ شَيْءٍ يُصْنَعُ بِهَذا فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ أنَّ اللَّهَ لَمّا ذَكَرَ الذُّبابَ والعَنْكَبُوتَ في كِتابِهِ وضَرَبَ بِها المَثَلَ ضَحِكَ اليَهُودُ وقالُوا: ما يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا كَلامَ اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي﴾ الآيَةَ. والوَجْهُ أنْ نَجْمَعَ بَيْنَ الرِّوايَتَيْنِ ونُبَيِّنَ ما انْطَوَتا عَلَيْهِ بِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَفْزَعُونَ إلى يَهُودِ يَثْرِبَ في التَّشاوُرِ في شَأْنِ نُبُوءَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وخاصَّةً بَعْدَ أنْ هاجَرَ النَّبِيءُ ﷺ إلى المَدِينَةِ، فَيَتَلَقَّوْنَ مِنهم صُوَرًا مِنَ الكَيْدِ والتَّشْغِيبِ فَيَكُونُ قَدْ تَظاهَرَ الفَرِيقانِ عَلى الطَّعْنِ في بَلاغَةِ ضَرْبِ المَثَلِ بِالعَنْكَبُوتِ والذُّبابِ فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَمْثِيلَ المُنافِقِينَ بِالَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا وكانَ مُعْظَمُهم مِنَ اليَهُودِ هاجَتْ أحْناقُهم وضاقَ خِناقُهم فاخْتَلَفُوا هَذِهِ المَطاعِنَ فَقالَ كُلُّ فَرِيقٍ ما نُسِبَ إلَيْهِ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ ونَزَلَتِ الآيَةُ لِلرَّدِّ عَلى الفَرِيقَيْنِ ووَضَحَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ.
فَيَحْتَمِلُ أنَّ ذَلِكَ قالَهُ عُلَماءُ اليَهُودِ الَّذِينَ لا حَظَّ لَهم في البَلاغَةِ، أوْ قَدْ قالُوهُ مَعَ عِلْمِهِمْ بِفُنُونِ ضَرْبِ الأمْثالِ مُكابِرَةً وتَجاهُلًا. وكَوْنُ القائِلِينَ هُمُ اليَهُودَ هو المُوافِقُ لِكَوْنِ السُّورَةِ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وكانَ أشَدَّ المُعانِدِينَ فِيها هُمُ اليَهُودُ، ولِأنَّهُ الأوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ وهَذِهِ صِفَةُ اليَهُودِ، ولِأنَّ اليَهُودَ قَدْ شاعَ بَيْنَهُمُ التَّشاؤُمُ والغُلُوُّ في الحَذَرِ مِن مَدْلُولاتِ الألْفاظِ حَتّى اشْتَهَرُوا بِاسْتِعْمالِ الكَلامِ المُوَجَّهِ بِالشَّتْمِ والذَّمِّ كَقَوْلِهِمْ ”راعِنا“، قالَ تَعالى ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٢] كَما ورَدَ تَفْسِيرُهُ في الصَّحِيحِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن شَأْنِ العَرَبِ. وإمّا أنْ يَكُونَ قائِلُهُ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِوُقُوعِ مِثْلِهِ في كَلامِ بُلَغائِهِمْ كَقَوْلِهِمْ: أجْرَأُ مِن ذُبابَةٍ، وأسْمَعُ مِن قُرادٍ، وأطْيَشُ مِن فَراشَةٍ، وأضْعَفُ مِن بَعُوضَةٍ. وهَذا الِاحْتِمالُ أدَلُّ، عَلى أنَّهم ما قالُوا: ما هَذا التَّمْثِيلُ ؟ إلّا مُكابَرَةً ومُعانِدَةً، فَإنَّهم لَمّا غُلِبُوا بِالتَّحَدِّي وعَجَزُوا عَنِ الإتْيانِ بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ تَعَلَّقُوا في مَعاذِيرِهِمْ بِهاتِهِ السَّفاسِفِ، والمُكابِرُ يَقُولُ ما لا يَعْتَقِدُ، والمَحْجُوجُ المَبْهُوتُ يَسْتَعْوِجُ المُسْتَقِيمَ ويُخْفِي الواضِحَ، وإلى هَذا الثّانِي يَنْزِعُ كَلامُ صاحِبِ الكَشّافِ وهو أوْفَقُ بِالسِّياقِ.
والسُّورَةُ وإنْ كانَتْ مَدَنِيَّةً فَإنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَزالُوا يُلْقُونَ الشُّبَهَ في صِحَّةِ الرِّسالَةِ ويُشِيعُونَ ذَلِكَ بَعْدَ الهِجْرَةِ بِواسِطَةِ المُنافِقِينَ. وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ فَإنْ قِيلَ: لَمْ يَكُنِ الرَّدُّ عَقِبَ نُزُولِ الآياتِ الواقِعِ فِيها التَّمْثِيلُ الَّذِي أنْكَرُوهُ فَإنَّ البِدارَ بِالرَّدِّ عَلى مَن في مَقالِهِ شُبْهَةٌ رائِحَةٌ يَكُونُ أقْطَعَ لِشُبْهَتِهِ مِن تَأْخِيرِهِ زَمانًا.
قُلْنا: الوَجْهُ في تَأْخِيرِ نُزُولِها أنْ يَقَعَ الرَّدُّ بَعْدَ الإتْيانِ بِأمْثالٍ مُعْجَبَةٍ اقْتَضاها مَقامُ تَشْبِيهِ الهَيْئاتِ، فَذَلِكَ كَما يَمْنَعُ الكَرِيمُ عَدُوَّهُ مِن عَطاءٍ فَيَلْمِزُهُ المَمْنُوعُ بِلَمْزِ البُخْلِ، أوْ يَتَأخَّرُ الكَمِيُّ عَنْ ساحَةِ القِتالِ مَكِيدَةً فَيَظُنُّهُ ناسٌ جُبْنًا فَيُسِرُّها الأوَّلُ في نَفْسِهِ حَتّى يَأْتِيَهُ القاصِدُ فَيُعْطَيهِ عَطاءً جَزْلًا، والثّانِي حَتّى يَكُرَّ كَرَّةً تَكُونُ القاضِيَةَ عَلى قَرْنِهِ. فَكَذَلِكَ لَمّا أتى القُرْآنُ بِأعْظَمِ الأمْثالِ وأرْوَعِها وهي قَوْلُهُ ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ [البقرة: ١٧] ﴿أوْ كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة: ١٩] الآياتِ، وقَوْلُهُ ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] أتى إثْرَ ذَلِكَ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ، فَهَذا يُبَيِّنُ لَكَ مُناسِبَةَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ الَّتِي قَبْلَها، وقَدْ غَفَلَ عَنْ بَيانِهِ المُفَسِّرُونَ.
والمُرادُ بِالمَثَلِ هُنا الشَّبَهُ مُطْلَقًا لا خُصُوصَ المُرَكَّبِ مِنَ الهَيْئَةِ، بِخِلافِ قَوْلِهِ فِيما سَبَقَ ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] لِأنَّ المَعْنِيَّ هُنا ما طَعَنُوا بِهِ في تَشابِيهِ القُرْآنِ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا﴾ [الحج: ٧٣] وقَوْلِهِ ﴿كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١] ومَوْقِعُ إنَّ هُنا بَيِّنٌ.
وأمّا الإتْيانُ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ عَلَمًا دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الصِّفاتِ فَلِأنَّ هَذا العَلَمَ جامِعٌ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ فَذِكْرُهُ أوْقَعُ في الإقْناعِ بِأنَّ كَلامَهُ هو أعْلى كَلامٍ في مُراعاةِ ما هو حَقِيقٌ بِالمُراعاةِ، وفي ذَلِكَ أيْضًا إبْطالٌ لِتَمْوِيهِهِمْ بِأنَّ اشْتِمالَ القُرْآنِ عَلى مِثْلِ هَذا المَثَلِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَلَيْسَ مِن مَعْنى الآيَةِ أنَّ غَيْرَ اللَّهِ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَسْتَحْيِيَ أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مِن هَذا القَبِيلِ.
ولِهَذا أيْضًا اخْتِيرَ أنْ يَكُونَ المُسْنَدُ خُصُوصَ فِعْلِ الِاسْتِحْياءِ زِيادَةً في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم أنْكَرُوا التَّمْثِيلَ بِهاتِهِ الأشْياءِ لِمُراعاةِ كَراهَةِ النّاسِ، ومِثْلُ هَذا ضَرْبٌ مِنَ الِاسْتِحْياءِ كَما سَنُبَيِّنُهُ فَنُبِّهُوا عَلى أنَّ الخالِقَ لا يَسْتَحْيِي مِن ذَلِكَ إذْ لَيْسَ مِمّا يُسْتَحْيى مِنهُ، ولِأنَّ المَخْلُوقاتِ مُتَساوِيَةٌ في الضَّعْفِ بِالنِّسْبَةِ إلى خالِقِها والمُتَصَرِّفِ فِيها، وقَدْ يَكُونُ ذِكْرُ الِاسْتِحْياءِ هُنا مُحاكاةً لِقَوْلِهِمْ أما يَسْتَحْيِي رَبُّ مُحَمَّدٍ أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا بِالذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ.
فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ اسْتِعْمالُ هَذِهِ الألْفاظِ الدّالَّةِ عَلى مَعانٍ حَقِيرَةٍ غَيْرَ مُخِلٍّ بِالبَلاغَةِ فَما بالُنا نَرى كَثِيرًا مِن أهْلِ النَّقْدِ قَدْ نَقَدُوا مِن كَلامِ البُلَغاءِ ما اشْتَمَلَ عَلى مَثَلٍ هَذا كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ:
مِن عِزِّهِمْ حَجَرَتْ كُلَيْبٌ بَيْتَها زَرْبًا كَأنَّهُمُ لَدَيْهِ القُمَّلُ
وقَوْلِ أبِي الطَّيِّبِ:
أماتَكُمُ مِن قَبْلِ مَوْتِكُمُ الجَهْلُ ∗∗∗ وجَرَّكُمُ مِن خِفَّةٍ بِكُمُ النَّمْلُ
وقَوْلِ الطِّرِمّاحِ:
ولَوْ أنَّ بُرْغُوثًا عَلى ظَهْرِ قَمْلَةٍ ∗∗∗ يَكُرُّ عَلى ضَبْعَيْ تَمِيمٍ لَوَلَّتِ
قُلْتُ: أُصُولُ الِانْتِقادِ الأدَبِيِّ تُؤَوَّلُ إلى بَيانِ ما لا يَحْسُنُ أنْ يَشْتَمِلَ عَلَيْهِ كَلامُ الأدِيبِ مِن جانِبِ صِناعَةِ الكَلامِ، ومِن جانِبِ صُوَرِ المَعانِي، ومِن جانِبِ المُسْتَحْسَنِ مِنها والمَكْرُوهِ، وهَذا النَّوْعُ الثّالِثُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ العَوائِدِ ومَدارِكِ العُقُولِ وأصالَةِ الأفْهامِ بِحَسَبِ الغالِبِ مِن أحْوالِ أهْلِ صِناعَةِ الأدَبِ، ألا تَرى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ اللَّفْظُ مَقْبُولًا عِنْدَ قَوْمٍ غَيْرَ مَقْبُولٍ عِنْدَ أخِرَيْنِ، ومَقْبُولًا في عَصْرٍ مَرْفُوضًا في غَيْرِهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِ النّابِغَةِ يُخاطِبُ المَلِكَ النُّعْمانَ:
فَإنَّكَ كاللَّيْلِ الَّذِي هو مُدْرِكِي ∗∗∗ وإنْ خِلْتُ أنَّ المُنْتَأى عَنْكَ واسِعُ
فَإنَّ تَشْبِيهَ المَلِكِ بِاللَّيْلِ لَوْ وقَعَ في زَمانِ المُوَلَّدِينَ لَعُدَّ مِنَ الجَفاءِ أوِ العَجْرَفَةِ، وكَذَلِكَ تَشْبِيهُهم بِالحَيَّةِ في الإقْدامِ وإهْلاكِ العَدُوِّ في قَوْلِ ذِي الإصْبَعِ:
عَذِيرَ الحَيِّ مِن عَدَوا ∗∗∗ نَ كانُوا حَيَّةَ الأرْضِ
وقَوْلِ النّابِغَةِ في رِثاءِ الحارِثِ الغَسّانِيِّ:
ماذا رُزِئْنا بِهِ مِن حَيَّةٍ ذَكَرٍ ∗∗∗ نَضْناضَةٍ بِالرَّزايا صِلِّ أصْلالِ
وقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أهْلِ الأدَبِ أنَّ عَلِيَّ بْنَ الجَهْمِ مَدَحَ الخَلِيفَةَ المُتَوَكِّلَ بِقَوْلِهِ:
أنْتَ كالكَلْبِ في وفائِكَ بِالعَهْ ∗∗∗ دِ وكالتَّيْسِ في قِراعِ الخُطُوبِ
وأنَّهُ لَمّا سَكَنَ بَغْدادَ وعَلِقَتْ نَضارَةُ النّاسِ بِخَيالِهِ قالَ في أوَّلِ ما قالَهُ:
عُيُونُ المَها بَيْنَ الرَّصافَةِ والجِسْرِ ∗∗∗ جَلَبْنَ الهَوى مِن حَيْثُ أدْرِي ولا أدْرِي
وقَدِ انْتَقَدَ بَشّارٌ عَلى كُثَيِّرٍ قَوْلَهُ:
ألا إنَّما لَيْلى عَصا خَيْزُرانَةٌ ∗∗∗ إذا لَمَسُوها بِالأكُفِّ تَلِينُ
فَقالَ، لَوْ جَعَلَها عَصا مُخٍّ أوْ عَصا زُبْدٍ لَما تَجاوَزَ مِن أنْ تَكُونَ عَصا، عَلى أنَّ بَشّارًا هو القائِلُ:
إذا قامَتْ لِجارَتِها تَثَنَّتْ ∗∗∗ كَأنَّ عِظامَها مِن خَيْزُرانِ
وشَبَّهَ بِشارٌ عَبْدَةَ بِالحَيَّةِ في قَوْلِهِ:
وكَأنَّها لَمّا مَشَتْ ∗∗∗ أيْمٌ تَأوَّدَ في كَثِيبْ
والِاسْتِحْياءُ والحَياءُ واحِدٌ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلُ اسْتَقْدَمَ واسْتَأْخَرَ واسْتَجابَ. وهو انْقِباضُ النَّفْسِ مِن صُدُورِ فِعْلٍ أوْ تَلَقِّيهِ لِاسْتِشْعارِ أنَّهُ لا يَلِيقُ أوْ لا يَحْسُنُ في مُتَعارَفِ أمْثالِهِ، فَهو هَيْئَةٌ تَعْرِضُ لِلنَّفْسِ هي مِن قَبِيلِ الِانْفِعالِ يَظْهَرُ أثَرُها عَلى الوَجْهِ، وفي الإمْساكِ عَنْ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يَفْعَلَ.
والِاسْتِحْياءُ هُنا مَنفِيٌّ عَنْ أنْ يَكُونَ وصْفًا لِلَّهِ تَعالى فَلا يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ في صِحَّةِ إسْنادِهِ إلى اللَّهِ، والتَّعَلُّلُ لِذَلِكَ بِأنَّ نَفْيَ الوَصْفِ يَسْتَلْزِمُ صِحَّةَ الِاتِّصافِ تَعَلُّلٌ غَيْرُ مُسَلَّمٍ.
والضَّرْبُ في قَوْلِهِ ﴿أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في الوَضْعِ والجَعْلِ مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ خَيْمَةً وضَرَبَ بَيْتًا. قالَ عَبْدَةُ بْنُ الطَّبِيبِ:
إنَّ الَّتِي ضَرَبَتْ بَيْتًا مُهاجِرَةً ∗∗∗ بِكُوفَةِ الجُنْدِ غالَتْ وُدَّها غُولُ
وقَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
ضَرَبَتْ عَلَيْكَ العَنْكَبُوتُ بِنَسْجِها ∗∗∗ وقَضى عَلَيْكَ بِهِ الكِتابُ المُنْزَلُ
أيْ جَعَلَ شَيْئًا مَثَلًا أيْ شَبَهًا، قالَ تَعالى ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ [النحل: ٧٤] أيْ لا تَجْعَلُوا لَهُ مُماثِلًا مِن خَلْقِهِ، فانْتِصابُ مَثَلًا عَلى المَفْعُولِ بِهِ، وجَوَّزَ بَعْضُ أئِمَّةِ اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ فِعْلُ ضَرَبَ مُشْتَقًّا مِنَ الضَّرْبِ بِمَعْنى المُماثِلِ فانْتِصابُ مَثَلًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِلتَّوْكِيدِ لِأنَّ مَثَلًا مُرادِفٌ مَصْدَرَ فِعْلِهِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، والمَعْنى: لا يَسْتَحْيِي أنْ يُشَبِّهَ بِشَيْءٍ ما. والمَثَلُ المَثِيلُ والمُشابِهُ، وغَلَبَ عَلى مُماثَلَةِ هَيْئَةٍ بِهَيْئَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] وتَقَدَّمَ هُناكَ مَعْنى ضَرْبِ المَثَلِ بِالمَعْنى الآخَرِ، وتَنْكِيرُ (مَثَلًا) لِلتَّنْوِيعِ بِقَرِينَةِ بَيانِهِ بِقَوْلِهِ (بَعُوضَةً) فَما فَوْقَها.
وما إبْهامِيَّةٌ تَتَّصِلُ بِالنَّكِرَةِ فَتُؤَكِّدُ مَعْناها مِن تَنْوِيعٍ أوْ تَفْخِيمٍ أوْ تَحْقِيرٍ، نَحْوِ: لِأمْرٍ ما، وأعْطاهُ شَيْئًا ما. والأظْهَرُ أنَّها مَزِيدَةٌ لِتَكُونَ دَلالَتُها عَلى التَّأْكِيدِ أشَدَّ، وقِيلَ اسْمٌ بِمَعْنى النَّكِرَةِ المُبْهَمَةِ.
وبَعُوضَةً بَدَلٌ أوْ بَيانٌ مِن قَوْلِهِ مَثَلًا والبَعُوضَةُ واحِدَةُ البَعُوضِ وهي حَشَرَةٌ صَغِيرَةٌ طائِرَةٌ ذاتُ خُرْطُومٍ دَقِيقٍ تَحُومُ عَلى الإنْسانِ لِتَمْتَصَّ بِخُرْطُومِها مِن دَمِهِ غِذاءً لَها، وتُعْرَفُ في لُغَةِ هُذَيْلٍ بِالخُمُوشِ، وأهْلُ تُونِسَ يُسَمُّونَهُ النّامُوسَ واحِدَتُهُ النّامُوسَةُ وقَدْ جُعِلَتْ هُنا مَثَلًا لِشِدَّةِ الضَّعْفِ والحَقارَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿فَما فَوْقَها﴾ عُطِفَ عَلى بَعُوضَةً وأصْلُ (فَوْقَ) اسْمٌ لِلْمَكانِ المُعْتَلِي عَلى غَيْرِهِ فَهو اسْمٌ مُبْهَمٌ، فَلِذَلِكَ كانَ مُلازِمًا لِلْإضافَةِ لِأنَّهُ تَتَمَيَّزُ جِهَتُهُ بِالِاسْمِ الَّذِي يُضافُ هو إلَيْهِ، فَهو مِن أسْماءِ الجِهاتِ المُلازِمَةِ لِلْإضافَةِ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في المُتَجاوِزِ غَيْرَهُ في صِفَةٍ تَجاوُزًا ظاهِرًا تَشْبِيهًا بِظُهُورِ الشَّيْءِ المُعْتَلِي عَلى غَيْرِهِ عَلى ما هو مُعْتَلٍ عَلَيْهِ، فَفَوْقَ في مِثْلِهِ يُسْتَعْمَلُ في مَعْنى التَّغَلُّبِ والزِّيادَةِ في صِفَةٍ سَواءٌ كانَتْ مِنَ المَحامِدِ أوْ مِنَ المَذامِّ، يُقالُ: فُلانٌ خَسِيسٌ وفَوْقَ الخَسِيسِ وفُلانٌ شُجاعٌ وفَوْقَ الشُّجاعِ، وتَقُولُ أُعْطِيَ فُلانٌ فَوْقَ حَقِّهِ أيْ زائِدًا عَلى حَقِّهِ. وهو في هَذِهِ الآيَةِ صالِحٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ أيْ ما هو أشَدُّ مِنَ البَعُوضَةِ في الحَقارَةِ وما هو أكْبَرُ حَجْمًا.
ونَظِيرُهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «ما مِن مُسْلِمٍ يُشاكُ شَوْكَةً فَما فَوْقَها إلّا كُتِبَتْ لَهُ بِها دَرَجَةٌ ومُحِيَتْ عَنْهُ بِها خَطِيئَةٌ» رَواهُ مُسْلِمٌ، يَحْتَمِلُ أقَلَّ مِنَ الشَّوْكَةِ في الأذى مِثْلَ نُخْبَةِ النَّمْلَةِ - كَما جاءَ في حَدِيثٍ آخَرَ - أوْ ما هو أشَدُّ مِنَ الشَّوْكَةِ مِثْلُ الوَخْزِ بِسِكِّينٍ، وهَذا مِن تَصارِيفِ لَفْظِ فَوْقَ في الكَلامِ، ولِذَلِكَ كانَ لِاخْتِيارِهِ في هَذِهِ الآيَةِ دُونَ لَفْظِ أقَلَّ، ودُونَ لَفْظِ أقْوى مَثَلًا مَوْقِعٌ مِن بَلِيغِ الإيجازِ.
والفاءُ عاطِفَةٌ ما فَوْقَها عَلى بَعُوضَةً أفادَتْ تَشْرِيكَهُما في ضَرْبِ المَثَلِ بِهِما، وحَقُّها أنْ تُفِيدَ التَّرْتِيبَ والتَّعْقِيبَ، ولَكِنَّها هُنا لا تُفِيدُ التَّعْقِيبَ وإنَّما اسْتُعْمِلَتْ في مَعْنى التَّدَرُّجِ في الرُّتَبِ بَيْنَ مَفاعِيلِ (﴿أنْ يَضْرِبَ﴾) ولا تُفِيدُ أنَّ ضَرْبَ المَثَلِ يَكُونُ بِالبَعُوضَةِ ويَعْقُبُهُ ضَرْبُهُ بِما فَوْقَها بَلِ المُرادُ بَيانُ المَثَلِ بِأنَّهُ البَعُوضَةُ وما يَتَدَرَّجُ في مَراتِبِ القُوَّةِ زائِدًا عَلَيْها دَرَجَةً تَلِي دَرَجَةً، فالفاءُ في مِثْلِ هَذا مَجازٌ مُرْسَلٌ عَلاقَتُهُ الإطْلاقُ عَنِ القَيْدِ لِأنَّ الفاءَ مَوْضُوعَةٌ لِلتَّعْقِيبِ الَّذِي هو اتِّصالٌ خاصٌّ، فاسْتُعْمِلَتْ في مُطْلَقِ الِاتِّصالِ، أوْ هي مُسْتَعارَةٌ لِلتَّدَرُّجِ لِأنَّهُ شَبِيهٌ بِالتَّعْقِيبِ في التَّأخُّرِ في التَّعَقُّلِ كَما أنَّ التَّعْقِيبَ تَأخُّرٌ في الحُصُولِ، ومِنهُ: رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ فالمُقَصِّرِينَ.
والمَعْنى أنْ يَضْرِبَ البَعُوضَةَ مَثَلًا فَيَضْرِبَ ما فَوْقَها أيْ ما هو دَرَجَةٌ أُخْرى أيْ أحْقَرَ مِنَ البَعُوضَةِ مِثْلَ الذَّرَّةِ، وأعْظَمَ مِنها مِثْلَ العَنْكَبُوتِ والحِمارِ.
* * *
﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾
الفاءُ لِلتَّعْقِيبِ الذِّكْرِيِّ دُونَ الحُصُولِيِّ أيْ لِتَعْقِيبِ الكَلامِ المُفَصَّلِ عَلى الكَلامِ المُجْمَلِ عَطَفَتِ المُقَدَّرَ في قَوْلِهِ ﴿لا يَسْتَحْيِي﴾ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: لا يَسْتَحْيِي مِنَ النّاسِ كَما تَقَدَّمَ، ولَمّا كانَ في النّاسِ مُؤْمِنُونَ وكافِرُونَ وكِلا الفَرِيقَيْنِ تَلَقّى ذَلِكَ المَثَلَ واخْتَلَفَتْ حالُهم في الِانْتِفاعِ بِهِ، نَشَأ في الكَلامِ إجْمالٌ مُقَدَّرٌ اقْتَضى تَفْصِيلَ حالِهِمْ. وإنَّما عَطَفَ بِالفاءِ لِأنَّ التَّفْصِيلَ حاصِلٌ عَقِبَ الإجْمالِ.
و(أمّا) حَرْفٌ مَوْضُوعٌ لِتَفْصِيلِ مُجْمَلٍ مَلْفُوظٍ أوْ مُقَدَّرٍ. ولَمّا كانَ الإجْمالُ يَقْتَضِي اسْتِشْرافَ السّامِعِ لِتَفْصِيلِهِ كانَ التَّصَدِّي لِتَفْصِيلِهِ بِمَنزِلَةِ سُؤالٍ مَفْرُوضٍ كَأنَّ المُتَكَلِّمَ يَقُولُ: إنْ شِئْتَ تَفْصِيلَهُ فَتَفْصِيلُهُ كَيْتَ وكَيْتَ، فَلِذَلِكَ كانَتْ (أمّا) مُتَضَمِّنَةً مَعْنى الشَّرْطِ، ولِذَلِكَ لَزِمَتْها الفاءُ في الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها لِأنَّها كَجَوابِ شَرْطٍ، وقَدْ تَخْلُو عَنْ مَعْنى التَّفْصِيلِ في خُصُوصِ قَوْلِ العَرَبِ: أمّا بَعْدُ فَتَتَمَحَّضُ لِلشَّرْطِ وذَلِكَ في التَّحْقِيقِ لِخَفاءِ مَعْنى التَّفْصِيلِ لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى تَرَقُّبِ السّامِعِ كَلامًا بَعْدَ كَلامِهِ الأوَّلِ.
وقَدَّرَها سِيبَوَيْهِ بِمَعْنى مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ، وتَلَقَّفَهُ أهْلُ العَرَبِيَّةِ بَعْدَهُ وهو عِنْدِي تَقْدِيرُ مَعْنًى لِتَصْحِيحِ دُخُولِ الفاءِ في جَوابِها، وفي النَّفْسِ مِنهُ شَيْءٌ لِأنَّ دَعْوى قَصْدِ عُمُومِ الشَّرْطِ غَيْرُ بَيِّنَةٍ، فَإذا جِيءَ بِأداةِ التَّفْصِيلِ المُتَضَمِّنَةِ مَعْنى الشَّرْطِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى مَزِيدِ اهْتِمامِ المُتَكَلِّمِ بِذَلِكَ التَّفْصِيلِ فَأفادَ تَقْوِيَةَ الكَلامِ الَّتِي سَمّاها الزَّمَخْشَرِيُّ تَوْكِيدًا وما هو إلّا دَلالَةُ الِاهْتِمامِ بِالكَلامِ، عَلى أنَّ مَضْمُونَهُ مُحَقَّقٌ ولَوْلا ذَلِكَ لَما اهْتَمَّ بِهِ، وبِهَذا يَظْهَرُ فَضْلُ قَوْلِهِ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ﴾ إلَخْ عَلى أنْ يُقالَ: فالَّذِينَ آمَنُوا يَعْلَمُونَ بِدُونِ (أمّا) والفاءِ. وجَعَلَ تَفْصِيلَ النّاسِ في هَذِهِ الآيَةِ قِسْمَيْنِ لِأنَّ النّاسَ بِالنِّسْبَةِ إلى التَّشْرِيعِ والتَّنْزِيلِ قِسْمانِ ابْتِداءً: مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ المُؤْمِنِينَ هُنا الثَّناءُ عَلَيْهِمْ بِثَباتِ إيمانِهِمْ وتَأْيِيسِ الَّذِينَ أرادُوا إلْقاءَ الشَّكِّ عَلَيْهِمْ فَيَعْلَمُونَ أنَّ قُلُوبَهم لا مَدْخَلَ فِيها لِذَلِكَ الشَّكِّ. والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا هُنا إمّا خُصُوصُ المُشْرِكِينَ كَما هو مُصْطَلَحُ القُرْآنِ غالِبًا، وإمّا ما يَشْمَلُهم ويَشْمَلُ اليَهُودَ بِناءً عَلى ما سَلَفَ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ.
وإنَّما عَبَّرَ في جانِبِ المُؤْمِنِينَ بِـ (يَعْلَمُونَ) تَعْرِيضًا بِأنَّ الكافِرِينَ إنَّما قالُوا ما قالُوا عِنادًا ومُكابَرَةً وأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ تَمْثِيلٌ أصابَ المَحَزَّ، كَيْفَ وهَمَ أهْلُ اللِّسانِ وفُرْسانُ البَيانِ، ولَكِنْ شَأْنُ المُعانِدِ المُكابِرِ أنْ يَقُولَ ما لا يَعْتَقِدُ؛ حَسَدًا وعِنادًا. وضَمِيرُ أنَّهُ عائِدٌ إلى المَثَلِ. والحَقُّ تَرْجِعُ مَعانِيهِ إلى مُوافَقَةِ الشَّيْءِ لِما يَحِقُّ أنْ يَقَعَ وهو هُنا المُوافِقُ لِإصابَةِ الكَلامِ وبَلاغَتِهِ. و﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ حالٌ مِنَ (الحَقِّ) و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ أيْ وارِدٌ مِنَ اللَّهِ لا كَما زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهُ مُخالِفٌ لِلصَّوابِ فَهو مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ مِن كَلامِ مَن يَقَعُ مِنهُ الخَطَأُ.
وأصْلُ ماذا كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ وذا اسْمِ الإشارَةِ، ولِذَلِكَ كانَ أصْلُها أنْ يُسْألَ بِها عَنْ شَيْءٍ مُشارٍ إلَيْهِ كَقَوْلِ القائِلِ ”ماذا“ مُشِيرًا إلى شَيْءٍ حاضِرٍ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ما هَذا، غَيْرَ أنَّ العَرَبَ تَوَسَّعُوا فِيهِ فاسْتَعْمَلُوهُ اسْمَ اسْتِفْهامٍ مُرَكَّبًا مِن كَلِمَتَيْنِ وذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ المُشارُ إلَيْهِ مُعَبَّرًا عَنْهُ بِلَفْظٍ آخَرَ غَيْرِ الإشارَةِ حَتّى تَصِيرَ الإشارَةُ إلَيْهِ مَعَ التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِلَفْظٍ آخَرَ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، نَحْوَ ماذا التَّوانِي، أوْ حَيْثُ لا يَكُونُ لِلْإشارَةِ مَوْقِعٌ نَحْوَ ﴿وماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء: ٣٩] ولِذَلِكَ يَقُولُ النُّحاةُ: إنَّ ذا مُلْغاةٌ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ.
وقَدْ يَتَوَسَّعُونَ فِيها تَوَسُّعًا أقْوى فَيَجْعَلُونَ ذا اسْمًا مَوْصُولًا وذَلِكَ حِينَ يَكُونَ المَسْئُولُ عَنْهُ مَعْرُوفًا لِلْمُخاطَبِ بِشَيْءٍ مِن أحْوالِهِ فَلِذَلِكَ يُجْرُونَ عَلَيْهِ جُمْلَةً أوْ نَحْوَها هي صِلَةٌ ويَجْعَلُونَ ذا مَوْصُولًا نَحْوَ ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ [النحل: ٢٤] وعَلى هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ الآخَرَيْنِ يَصِحُّ إعْرابُهُ مُبْتَدَأً ويَصِحُّ إعْرابُهُ مَفْعُولًا مُقَدَّمًا إذا وقَعَ بَعْدَهُ فِعْلٌ. والِاسْتِفْهامُ هُنا إنْكارِيٌّ أيْ جُعِلَ الكَلامُ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ كِنايَةً بِهِ عَنِ الإنْكارِ لِأنَّ الشَّيْءَ المُنْكَرَ يُسْتَفْهَمُ عَنْ حُصُولِهِ فاسْتِعْمالُ الِاسْتِفْهامِ في الإنْكارِ مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ، ومِثْلُهُ لا يُجابُ بِشَيْءٍ غالِبًا لِأنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ الِاسْتِعْلامُ. وقَدْ يُلاحَظُ فِيهِ مَعْناهُ الأصْلِيُّ فَيُجابُ بِجَوابٍ لِأنَّ الِاسْتِعْمالَ الكِنائِيَّ لا يَمْنَعُ مِن إرادَةِ المَعْنى الأصْلِيِّ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١] ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ [النبإ: ٢] والإشارَةُ بِقَوْلِهِ بِهَذا مُفِيدَةٌ لِلتَّحْقِيرِ بِقَرِينَةِ المَقامِ كَقَوْلِهِ ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦] وانْتَصَبَ قَوْلُهُ مَثَلًا عَلى التَّمْيِيزِ مِن (هَذا) لِأنَّهُ مُبْهَمٌ فَحُقَّ لَهُ التَّمْيِيزُ وهو نَظِيرُ التَّمْيِيزِ لِلضَّمِيرِ في قَوْلِهِمْ (رُبَّهُ رَجُلًا) .
* * *
﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾
بَيانٌ وتَفْسِيرٌ لِلْجُمْلَتَيْنِ المُصَدَّرَتَيْنِ بِأمّا عَلى طَرِيقَةِ النَّشْرِ المَعْكُوسِ لِأنَّ مَعْنى هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ قَدِ اشْتَمَلَ عَلَيْهِما مَعْنى الجُمْلَتَيْنِ السّالِفَتَيْنِ إجْمالًا فَإنَّ عِلْمَ المُؤْمِنِينَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ هُدًى، وقَوْلَ الكافِرِينَ (﴿ماذا أرادَ اللَّهُ﴾) الخَ ضَلالٌ، والأظْهَرُ أنْ لا يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ جَوابًا لِلِاسْتِفْهامِ في قَوْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ اسْتِفْهامًا حَقِيقِيًّا كَما تَقَدَّمَ.
ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ جَوابًا عَنِ اسْتِفْهامِهِمْ تَخْرِيجًا لِلْكَلامِ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ بِحَمْلِ اسْتِفْهامِهِمْ عَلى ظاهِرِهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اللّائِقَ بِهِمْ أنْ يَسْألُوا عَنْ حِكْمَةِ ما أرادَ اللَّهُ بِتِلْكَ الأمْثالِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ جَوابًا لَهم ورَدًّا عَلَيْهِمْ وبَيانًا لِحالِ المُؤْمِنِينَ، وهَذا لا يُنافِي كَوْنَ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي قَبْلَهُ مَكْنِيٌّ بِهِ عَنِ الإنْكارِ كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا مِن عَدَمِ المانِعِ مِن جَمْعِ المَعْنَيَيْنِ الكِنائِيِّ والأصْلِيِّ.
وكَوْنُ كِلا الفَرِيقَيْنِ مِنَ المُضَلَّلِ والمَهْدِيِّ كَثِيرًا في نَفْسِهِ، لا يُنافِي نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبإ: ١٣] لِأنَّ قُوَّةَ الشُّكْرِ الَّتِي اقْتَضاها صِيغَةُ المُبالَغَةِ، أخَصُّ في الِاهْتِداءِ.
والفاسِقُ لَفْظٌ مِن مَنقُولاتِ الشَّرِيعَةِ، أصْلُهُ اسْمُ فاعِلٍ مِنَ الفِسْقِ بِكَسْرِ الفاءِ، وحَقِيقَةُ الفِسْقِ خُرُوجُ الثَّمَرَةِ مِن قِشْرِها وهو عاهَةٌ أوْ رَداءَةٌ في الثَّمَرِ، فَهو خُرُوجٌ مَذْمُومٌ يُعَدُّ مِنَ الأدْواءِ مِثْلَ ما قالَ النّابِغَةُ:
صِغارُ النَّوى مَكْنُوزَةٌ لَيْسَ قِشْرُها إذا طارَ قِشْرُ التَّمْرِ عَنْها بِطائِرِ
قالُوا: ولَمْ يُسْمَعْ في كَلامِهِمْ في غَيْرِ هَذا المَعْنى حَتّى نَقَلَهُ القُرْآنُ لِلْخُرُوجِ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى الجازِمِ بِارْتِكابِ المَعاصِي الكَبائِرِ، فَوَقَعَ بَعْدَ ذَلِكَ في كَلامِ المُسْلِمِينَ: قالَ رُؤْبَةُ يَصِفُ إبِلًا:
فَواسِقًا عَنْ قَصْدِها جَوائِرا ∗∗∗ يَهْوَيْنَ في نَجْدٍ وغَوْرٍ غائِرا
والفِسْقُ مَراتِبُ كَثِيرَةٌ تَبْلُغُ بَعْضُها إلى الكُفْرِ. وقَدْ أُطْلِقَ الفِسْقُ في الكِتابِ والسُّنَّةِ عَلى جَمِيعِها لَكِنَّ الَّذِي يُسْتَخْلَصُ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الأدِلَّةِ هو ما اصْطَلَحَ عَلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ والفُقَهاءِ وهو أنَّ الفِسْقَ غَيْرُ الكُفْرِ وأنَّ المَعاصِيَ وإنْ كَثُرَتْ لا تُزِيلُ الإيمانَ وهو الحَقُّ، وقَدْ لَقَّبَ اللَّهُ اليَهُودَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ بِالفاسِقِينَ، وأحْسَبُ أنَّهُ المُرادُ هُنا، وعَزاهُ ابْنُ كَثِيرٍ لِجُمْهُورٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وإسْنادُ الإضْلالِ إلى اللَّهِ تَعالى مُراعًى فِيهِ أنَّهُ الَّذِي مَكَّنَ الضّالِّينَ مِنَ الكَسْبِ والِاخْتِيارِ بِما خَلَقَ لَهم مِنَ العُقُولِ وما فَصَلَ لَهم مِن أسْبابِ الخَيْرِ وضِدِّهِ.
وفِي اخْتِيارِ إسْنادِهِ إلى اللَّهِ تَعالى مَعَ صِحَّةِ إسْنادِهِ لِفِعْلِ الضّالِّ إشارَةٌ إلى أنَّهُ ضَلالٌ مُتَمَكِّنٌ مِن نُفُوسِهِمْ حَتّى صارَ كالجِبِلَّةِ فِيهِمْ، فَهم مَأْيُوسٌ مِنِ اهْتِدائِهِمْ كَما قالَ تَعالى ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] فَإسْنادُ الإضْلالِ إلى اللَّهِ تَعالى مَنظُورٌ فِيهِ إلى خَلْقِ أسْبابِهِ القَرِيبَةِ والبَعِيدَةِ وإلّا فَإنَّ اللَّهَ أمَرَ النّاسَ كُلَّهم بِالهُدى وهي مَسْألَةٌ مَفْرُوغٌ مِنها في عِلْمِ الكَلامِ.
وقَوْلُهُ ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ إمّا مُسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ لِلْفِسْقِ تَأْثِيرًا في زِيادَةِ الضَّلالِ لِأنَّ الفِسْقَ يَرِينُ عَلى القُلُوبِ ويُكْسِبُ النُّفُوسَ ظُلْمَةً فَتَتَساقَطُ في الضَّلالِ المَرَّةَ بَعْدَ الأُخْرى عَلى التَّعاقُبِ، حَتّى يَصِيرَ لَها دُرْبَةً. وهَذا الَّذِي يُؤْذِنُ بِهِ التَّعْلِيقُ عَلى وصْفِ المُشْتَقِّ إنْ كانَ المُرادُ بِهِ هُنا المَعْنى الِاشْتِقاقِيَّ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَؤُلاءِ فاسِقُونَ وما مِن فاسِقٍ إلّا وهو ضالٌّ فَما ثَبَتَ الضَّلالُ إلّا بِثُبُوتِ الفِسْقِ عَلى نَحْوِ طَرِيقَةِ القِياسِ الِاقْتِرانِيِّ، وإمّا مُسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ الضَّلالَ والفِسْقَ أخَوانِ، فَحَيْثُما تَحَقَّقَ أحَدُهُما أنْبَأ بِتَحَقُّقِ الآخَرِ عَلى نَحْوِ قِياسِ المُساواةِ إذا أُرِيدَ مِنَ الفاسِقِينَ المَعْنى اللَّقَبِيُّ المَشْهُورُ فَلا يَكُونُ لَهُ إيذانٌ بِتَعْلِيلٍ. وإمّا لِبَيانِ أنَّ الإضْلالَ المُتَكَيَّفَ في إنْكارِ الأمْثالِ إضْلالٌ مَعَ غَباوَةٍ فَلا يَصْدُرُ إلّا مِنَ اليَهُودِ، وقَدْ عُرِفُوا بِهَذا الوَصْفِ.
والقَوْلُ في مَذاهِبِ عُلَماءِ الإسْلامِ في الفِسْقِ وتَأْثِيرِهِ في الإيمانِ لَيْسَ هَذا مَقامُ بَيانِهِ إذْ لَيْسَ هو المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ. فَإنْ كانَ مَحْمَلُ الفاسِقِينَ عَلى ما يَشْمَلُ المُشْرِكِينَ واليَهُودَ الَّذِينَ طَعَنُوا في ضَرْبِ المَثَلِ كانَ القَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿وما يُضِلُّ بِهِ﴾ إلَخْ بِالإضافَةِ إلى المُؤْمِنِينَ لِيَحْصُلَ تَمْيِيزُ المُرادِ مِنَ المُضَلَّلِ والمُهْتَدِي. وإنْ كانَ مَحْمَلُ الفاسِقِينَ عَلى اليَهُودِ كانَ القَصْرُ حَقِيقِيًّا ادِّعائِيًّا أيْ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وهُمُ الطّاعِنُونَ فِيهِ وأشَدُّهم ضَلالًا هُمُ الفاسِقُونَ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ أبْعَدُ عَنِ الِاهْتِداءِ بِالكِتابِ لِأنَّهم في شِرْكِهِمْ، وأمّا اليَهُودُ فَهم أهْلُ كِتابٍ وشَأْنُهم أنْ يَعْلَمُوا أفانِينَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ وضَرْبَ الأمْثالِ، فَإنْكارُهم إيّاها غايَةُ الضَّلالِ، فَكَأنَّهُ لا ضَلالَ سِواهُ.
وجُمْلَةُ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ﴾ إلى آخِرِهِ صِفَةٌ لِـ الفاسِقِينَ لِتَقْرِيرِ اتِّصافِهِمْ بِالفِسْقِ لِأنَّ هاتِهِ الخِلالَ مِن أكْبَرِ أنْواعِ الفُسُوقِ بِمَعْنى الخُرُوجِ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَقْطُوعَةً مُسْتَأْنَفَةً عَلى أنَّ الَّذِينَ مُبْتَدَأٌ وقَوْلَهُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ خَبَرٌ وهي مَعَ ذَلِكَ لا تَخْرُجُ عَنْ مَعْنى تَوْصِيفِ الفاسِقِينَ بِتِلْكَ الخِلالِ؛ إذِ الِاسْتِئْنافُ لَمّا ورَدَ إثْرَ حِكايَةِ حالٍ عَنِ الفاسِقِينَ تَعَيَّنَ في حُكْمِ البَلاغَةِ أنْ تَكُونَ هاتِهِ الصِّلَةُ مِن صِفاتِهِمْ وأحْوالِهِمْ لِلُزُومِ الِاتِّحادِ في الجامِعِ الخَيالِيِّ، وإلّا لَصارَ الكَلامُ مُقَطَّعًا مَنتُوفًا فَلَيْسَ بَيْنَ الِاعْتِبارَيْنِ إلّا اخْتِلافُ الإعْرابِ، وأمّا المَعْنى فَواحِدٌ، فَلِذَلِكَ كانَ إعْرابُهُ صِفَةً أرْجَحَ أوْ مُتَعَيِّنًا إذْ لا داعِيَ إلى اعْتِبارِ القَطْعِ.
ومَجِيءُ المَوْصُولِ هُنا لِلتَّعْرِيفِ بِالمُرادِ مِنَ الفاسِقِينَ أيِ الفاسِقِينَ الَّذِينَ عُرِفُوا بِهَذِهِ الخِلالِ الثَّلاثِ فالأظْهَرُ أنَّ المُرادَ مِنَ الفاسِقِينَ اليَهُودُ، وقَدْ أُطْلِقَ عَلَيْهِمْ هَذا الوَصْفُ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ وهم قَدْ عُرِفُوا بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ صِلَةُ المَوْصُولِ كَما سَنُبَيِّنُهُ هُنا، بَلْ هم قَدْ شَهِدَتْ عَلَيْهِمْ كُتُبُ أنْبِيائِهِمْ بِأنَّهم نَقَضُوا عَهْدَ اللَّهِ غَيْرَ مَرَّةٍ وهم قَدِ اعْتَرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ فَناسَبَ أنْ يُجْعَلَ النَّقْضُ صِلَةً لِاشْتِهارِهِمْ بِها، ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ بِذَلِكَ أنَّ الطَّعْنَ في هَذا المَثَلِ جَرَّهم إلى زِيادَةِ الطَّعْنِ في الإسْلامِ فازْدادُوا بِذَلِكَ ضَلالًا عَلى ضَلالِهِمُ السّابِقِ في تَغْيِيرِ دِينِهِمْ وفي كُفْرِهِمْ بِعِيسى، فَأمّا المُشْرِكُونَ فَضَلالُهم لا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ، عَلى أنَّ سُورَةَ البَقَرَةِ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وأكْثَرُ الرَّدِّ في الآياتِ المَدَنِيَّةِ مُتَوَجِّهٌ إلى أهْلِ الكِتابِ.
والنَّقْضُ في اللُّغَةِ حَقِيقَةٌ في فَسْخِ وحَلِّ ما رُكِّبَ ووُصِلَ، بِفِعْلٍ يُعاكِسُ الفِعْلَ الَّذِي كانَ بِهِ التَّرْكِيبُ، وإنَّما زِدْتُ قَوْلِي بِفِعْلٍ إلَخْ؛ لِيَخْرُجَ القَطْعُ والحَرْقُ فَيُقالُ نَقَضَ الحَبْلَ إذا حَلَّ ما كانَ أبْرَمَهُ، ونَقَضَ الغَزْلَ ونَقَضَ البِناءَ.
وقَدِ اسْتُعْمِلَ النَّقْضُ هُنا مَجازًا في إبْطالِ العَهْدِ بِقَرِينَةِ إضافَتِهِ إلى عَهْدِ اللَّهِ وهي اسْتِعارَةٌ مِن مُخْتَرَعاتِ القُرْآنِ بُنِيَتْ عَلى ما شاعَ في كَلامِ العَرَبِ في تَشْبِيهِ العَهْدِ وكُلِّ ما فِيهِ وصْلٌ بِالحَبْلِ، وهو تَشْبِيهٌ شائِعٌ في كَلامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ مالِكِ بْنِ التَّيِّهانِ الأنْصارِيِّ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ بَيْعَةِ العَقَبَةِ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ حِبالًا ونَحْنُ قاطِعُوها فَنَخْشى إنْ أعَزَّكَ اللَّهُ وأظْهَرَكَ أنْ تَرْجِعَ إلى قَوْمِكَ يُرِيدُ العُهُودَ الَّتِي كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ بَيْنَ قُرَيْشٍ وبَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ. وكانَ الشّائِعُ في الكَلامِ إطْلاقَ لَفْظِ القَطْعِ والصَّرْمِ وما في مَعْناهُما عَلى إبْطالِ العَهْدِ أيْضًا في كَلامِهِمْ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
وإنْ كُنْتِ قَدْ أزْمَعْتِ صَرْمِي فَأجْمِلِي
وقالَ لَبِيدٌ:
أوَلَمْ تَكُنْ تَدْرِي نَوارُ بِأنَّنِي ∗∗∗ وصّالُ عَقْدِ حَبائِلٍ جَذّامُها
وقالَ:
بَلْ ما تَذَكَّرَ مِن نَوارَ وقَدْ نَأتْ ∗∗∗ وتَقَطَّعَتْ أسْبابُها ورِمامُها
وقالَ:
فاقْطَعْ لُبانَةَ مَن تَعَرَّضَ وصْلُهُ ∗∗∗ فَلَشَرُّ واصِلِ خُلَّةٍ صَرّامُها
ووَجْهُ اخْتِيارِ اسْتِعارَةِ النَّقْضِ الَّذِي هو حَلُّ طَيّاتِ الحَبْلِ إلى إبْطالِ العَهْدِ أنَّها تَمْثِيلٌ لِإبْطالِ العَهْدِ رُوَيْدًا رُوَيْدًا وفي أزْمِنَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ ومُعالَجَةٍ. والنَّقْضُ أبْلَغُ في الدَّلالَةِ عَلى الإبْطالِ مِنَ القَطْعِ والصَّرْمِ ونَحْوِهِما لِأنَّ في النَّقْضِ إفْسادًا لِهَيْئَةِ الحَبْلِ وزَوالَ رَجاءِ عَوْدِها وأمّا القَطْعُ فَهو تَجْزِئَةٌ.
وفِي النَّقْضِ رَمْزٌ إلى اسْتِعارَةٍ مَكْنِيَّةٍ لِأنَّ النَّقْضَ مِن رَوادِفِ الحَبْلِ فاجْتَمَعَ هُنا اسْتِعارَتانِ مَكْنِيَّةٌ وتَصْرِيحِيَّةٌ وهَذِهِ الأخِيرَةُ تَمْثِيلِيَّةٌ، وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ البَيانِ أنَّ ما يُرْمَزُ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ بِهِ المَطْرُوحِ في المَكْنِيَّةِ قَدْ يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنًى حَقِيقِيٍّ عَلى طَرِيقَةِ التَّخْيِيلِ وذَلِكَ حَيْثُ لا يَكُونُ لِلْمُشَبَّهِ المَذْكُورِ في صُورَةِ المَكْنِيَّةِ رَدِيفٌ يُمْكِنُ تَشْبِيهُهُ بِرَدِيفِ المُشَبَّهِ بِهِ المَطْرُوحِ، مِثْلُ إثْباتِ الأظْفارِ لِلْمَنِيَّةِ في قَوْلِهِمْ: أظْفارُ المَنِيَّةِ. وإثْباتِ المَخالِبِ والنّابِ لِلْكُماةِ في قَوْلِ أبِي فِراسٍ الحَمْدانِيِّ:
فَلَمّا اشْتَدَّتِ الهَيْجاءُ كُنّا ∗∗∗ أشَدَّ مُخالِبًا وأحَدَّ نابا
وإثْباتُ اليَدِ لِلشَّمالِ في قَوْلِ لَبِيدٍ:
وغَداةَ رِيحٍ قَدْ كَشَفْتُ وقِرَّةٍ ∗∗∗ إذْ أصْبَحَتْ بِيَدِ الشَّمالِ زِمامُها
. وقَدْ يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنًى مَجازِيٍّ إذا كانَ لِلْمُشَبَّهِ في المَكْنِيَّةِ رَدِيفٌ يُمْكِنُ تَشْبِيهُهُ بِرَدِيفِ المُشَبَّهِ بِهِ المُضْمَرِ نَحْوُ: (﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾)، وقَدْ زِدْنا أنَّها تَمْثِيلِيَّةٌ أيْضًا، والبَلِيغُ لا يُفْلِتُ هاتِهِ الِاسْتِعارَةَ مَهْما تَأْتِ لَهُ ولا يَتَكَلَّفُ لَها مَهْما عَسِرَتْ، فَلَيْسَ الجَوازُ المَذْكُورُ في قَرِينَةِ المَكْنِيَّةِ إلّا جَوازًا في الجُمْلَةِ أيْ بِالنَّظَرِ إلى اخْتِلافِ الأحْوالِ.
وهَذا الَّذِي هو مِن رَوادِفِ المُشَبَّهِ بِهِ في صُورَةِ المَكْنِيَّةِ وغَيْرِها قَدْ يَقْطَعُ عَنِ الرَّبْطِ بِالمَكْنِيَّةِ فَيَكُونُ اسْتِعارَةً مُسْتَقِلَّةً، وذَلِكَ حَيْثُ لا تَذْكُرُ مَعَهُ لَفَظًا يُرادُ تَشْبِيهُهُ بِمُشَبَّهٍ بِهِ مُضْمَرٍ نَحْوُ أنْ تَقُولَ: فُلانٌ يَنْقُضُ ما أبْرَمَ.
وقَدْ يُرْبَطُ بِالمَكْنِيَّةِ وذَلِكَ حَيْثُ يُذْكَرُ مَعَهُ شَيْءٌ أُرِيدَ تَشْبِيهُهُ بِمُشَبَّهٍ بِهِ مُضْمَرٍ كَما في الآيَةِ حَيْثُ ذُكِرَ النَّقْضُ مَعَ العَهْدِ. وقَدْ يُرْبَطُ بِمُصَرَّحَةٍ وذَلِكَ حَيْثُ يُذْكَرُ مَعَ لَفْظِ المُشَبَّهِ بِهِ الَّذِي الرّادِفُ مِن تَوابِعِهِ نَحْوُ قَوْلِهِ: إنَّ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ حِبالًا نَحْنُ قاطِعُوها، وحِينَئِذٍ يَكُونُ تَرْشِيحًا لِلْمَجازِ، وهَذِهِ الِاعْتِباراتُ مُتَداخِلَةٌ لا مُتَضادَّةٌ إذْ قَدْ يَصِحُّ في المَوْضِعِ اعْتِبارانِ مِنها أوْ جَمِيعُها، وإنَّما التَّقْسِيمُ بِالنَّظَرِ إلى ما يَنْظُرُ إلَيْهِ البَلِيغُ أوَّلَ النَّظَرِ.
واعْلَمْ أنَّ رَدِيفَ المُشَبَّهِ بِهِ في المَكْنِيَّةِ إذا اعْتُبِرَ اسْتِعارَةً في ذاتِهِ قَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّ اعْتِبارَهُ ذَلِكَ يُنافِي كَوْنَهُ رَمْزًا لِلْمُشَبَّهِ بِهِ المُضْمَرِ كالنَّقْضِ فَإنَّهُ لَمّا أُرِيدَ بِهِ إبْطالُ العَهْدِ لَمْ يَكُنْ مِن رَوادِفِ الحَبْلِ، لَكِنْ لَمّا كانَ إيذانُهُ بِالحَبْلِ سابِقًا عِنْدَ سَماعِ لَفْظِهِ لِسَبْقِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ إلى ذِهْنِ السّامِعِ حَتّى يَتَأمَّلَ في القَرِينَةِ كَفى ذَلِكَ السَّبْقُ دَلِيلًا ورَمْزًا عَلى المُشَبَّهِ بِهِ المُضْمَرِ، فَإذا حَصَلَ ذَلِكَ الرَّمْزُ لَمْ يَضُرَّ فَهْمُ الِاسْتِعارَةِ في ذَلِكَ اللَّفْظِ. وأجابَ عَبْدُ الحَكِيمِ بِأنَّ كَوْنَهُ رادِفًا بَعْدَ كَوْنِهِ اسْتِعارَةً بِناءً عَلى أنَّهُ لَمّا شُبِّهَ بِهِ الرّادِفُ وسُمِّيَ بِهِ صارَ رادِفًا ادِّعائِيًّا وفِيهِ تَكَلُّفٌ.
و﴿عَهْدَ اللَّهِ﴾ هو ما عَهِدَ بِهِ أيْ ما أوْصى بِرَعْيِهِ وحِفاظِهِ، ومَعانِي العَهْدِ في كَلامِ العَرَبِ كَثِيرَةٌ وتَصْرِيفُهُ عُرْفِيٌّ. قالَ الزَّجّاجُ قالَ بَعْضُهم: ما أدْرِي ما العَهْدُ، ومَرْجِعُ مَعانِيهِ إلى المُعاوَدَةِ والمُحافَظَةِ والمُراجَعَةِ والِافْتِقادِ ولا أدْرِي أيَّ مَعانِيهِ أصْلٌ لِبَقِيَّتِها، وغالِبُ ظَنِّي أنَّها مُتَفَرِّعٌ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ، والأقْرَبُ أنَّ أصْلَها هو العَهْدُ مَصْدَرُ عَهِدَهُ عَهْدًا إذا تَذَكَّرَهُ وراجَعَ إلَيْهِ نَفْسَهُ يَقُولُونَ عَهِدْتُكَ كَذا أيْ أتَذَكَّرُ فِيكَ كَذا وعَهْدِي بِكَ كَذا، وفي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ ولا يَسْألُ عَمّا عَهِدَ أيْ عَمّا عَهِدَ وتَرَكَ في البَيْتِ، ومِنهُ قَوْلُهم: في عَهْدِ فُلانٍ أيْ زَمانِهِ لِأنَّهُ يُقالُ لِلزَّمانِ الَّذِي فِيهِ خَيْرٌ وشَرٌّ لا يَنْساهُ النّاسُ، وتَعَهَّدَ المَكانَ أوْ فُلانًا وتَعاهَدَهُ إذا افْتَقَدَهُ وأحْدَثَ الرُّجُوعَ إلَيْهِ بَعْدَ تَرْكِ العَهْدِ والوَصِيَّةِ، ومِنهُ ولِيُّ العَهْدِ.
والعَهْدُ اليَمِينُ والعَهْدُ الِالتِزامُ بِشَيْءٍ، يُقالُ عَهِدَ إلَيْهِ وتَعَهَّدَ إلَيْهِ لِأنَّها أُمُورٌ لا يَزالُ صاحِبُها يَتَذَكَّرُها ويُراعِيها في مَواقِعِ الِاحْتِرازِ عَنْ خَفْرِها. وسُمِّيَ المَوْضِعُ الَّذِي يَتَراجَعُهُ النّاسُ بَعْدَ البُعْدِ عَنْهُ مَعْهَدًا.
والعَهْدُ في الآيَةِ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلى بَنِي آدَمَ أنْ لا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ [يس: ٦٠] الآيَةَ، فَنَقْضُهُ يَشْمَلُ الشِّرْكَ وقَدْ وصَفَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ بِنَقْضِ العَهْدِ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ [الرعد: ٢٥] الآيَةَ في سُورَةِ الرَّعْدِ. وفُسِّرَ بِالعَهْدِ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلى الأُمَمِ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِمْ أنَّهم إذا بُعِثَ بِعْدَهم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ لَما آتَيْناكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] الآياتِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن ذَلِكَ أخْذُ العَهْدِ عَلى أُمَمِهِمْ. وفُسِّرَ بِالعَهْدِ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلى أهْلِ الكِتابِ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١٨٧] الآيَةَ في تَفاسِيرَ أُخْرى بَعِيدَةٍ. والصَّحِيحُ عِنْدِي أنَّ المُرادَ بِالعَهْدِ هو العَهْدُ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ غَيْرَ مَرَّةٍ مِن إقامَةِ الدِّينِ وتَأْيِيدِ الرُّسُلِ وأنْ لا يَسْفِكَ بَعْضُهم دِماءَ بَعْضٍ وأنْ يُؤْمِنُوا بِالدِّينِ كُلِّهِ، وقَدْ ذَكَّرَهُمُ القُرْآنُ بِعُهُودِ اللَّهِ تَعالى ونَقْضِهِمْ إيّاها في غَيْرِ ما آيَةٍ، مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢] إلى قَوْلِهِ ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهُمْ﴾ [المائدة: ١٣] إلَخْ وقَوْلُهُ ﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ [المائدة: ٧٠] إلى قَوْلِهِ ﴿فَعَمُوا وصَمُّوا﴾ [المائدة: ٧١] ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤] إلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] إلى قَوْلِهِ ﴿وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] بَلْ إنَّ كُتُبَهم قَدْ صَرَّحَتْ بِعُهُودِ اللَّهِ تَعالى لَهم وأنْحَتْ عَلَيْهِمْ نَقْضَهم لَها وجَعَلَتْ ذَلِكَ إنْذارًا بِما يَحُلُّ بِهِمْ مِنَ المَصائِبِ كَما في كِتابِ أرْمِيا ومَراثِي أرْمِيا وغَيْرِ ذَلِكَ، بَلْ قَدْ صارَ لَفْظُ العَهْدِ عِنْدَهم لَقَبًا لِلشَّرِيعَةِ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى. ولَمّا كانَ قَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ وصْفًا لِـ الفاسِقِينَ وكانَ المُرادُ مِنَ الفاسِقِينَ اليَهُودَ كَما عَلِمْتَ كانَ ذِكْرُ العَهْدِ إيماءً إلى أنَّ الفاسِقِينَ هُنا هم، وتَسْجِيلًا عَلى اليَهُودِ بِأنَّهم قَدْ حَقَّ عَلَيْهِمْ هَذا الوَصْفُ مِن قَبْلِ اليَوْمِ بِشَهادَةِ كُتُبِهِمْ وعَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِمْ فَكانَ لِاخْتِيارِ لَفْظِ العَهْدِ هُنا وقْعٌ عَظِيمٌ يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ المِفْتاحِ الَّذِي يُوضَعُ في حَلِّ اللُّغْزِ لِيُشِيرَ لِلْمَقْصُودِ، فَهو العَهْدُ الَّذِي سَيَأْتِي ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: ٤٠] والمِيثاقُ مِفْعالٌ وهو يَكُونُ لِلْآلَةِ كَثِيرًا كَمِرْقاةٍ ومِرْآةٍ ومِحْراثٍ. قالَ الخَفاجِيُّ كَأنَّهُ إشْباعٌ لِلْمِفْعَلِ، ولِلْمَصْدَرِ أيْضًا نَحْوَ المِيلادِ والمِيعادِ وهو الأظْهَرُ هُنا. والضَّمِيرُ لِلْعَهْدِ أيْ مِن بَعْدِ تَوْكِيدِ العَهْدِ وتَوْثِيقِهِ. ولَمّا كانَ المُرادُ بِالعَهْدِ عَهْدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، بَلْ كُلُّ ما عاهَدُوا عَلَيْهِ، كانَ تَوْكِيدُ كُلِّ ما يَفْرِضُهُ المُخاطَبُ بِما تَقَدَّمَهُ مِنَ العُهُودِ وما تَأخَّرَ عَنْهُ، فَهو عَلى حَدِّ ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ [النحل: ٩١] فالمِيثاقُ إذَنْ عَهْدٌ آخَرُ اعْتُبِرَ مُؤَكِّدًا لِعَهْدٍ سَبَقَهُ أوْ لَحِقَهُ.
وقَوْلُهُ ﴿ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ قِيلَ: ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ هو قُرابَةُ الأرْحامِ، يَعْنِي وحَيْثُ تَرَجَّحَ أنَّ المُرادَ بِهِ بَعْضُ عَمَلِ اليَهُودِ فَذَلِكَ إذْ تَقاتَلُوا وأخْرَجُوا كَثِيرًا مِنهم مِن دِيارِهِمْ، ولَمْ تَزَلِ التَّوْراةُ تُوصِي بَنِي إسْرائِيلَ بِحُسْنِ مُعامَلَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. وقِيلَ: الإعْراضُ عَنْ قَطْعِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ هو مُوالاةُ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: اقْتِرانُ القَوْلِ بِالعَمَلِ. وقِيلَ: التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الأنْبِياءِ في الإيمانِ بِبَعْضٍ والكُفْرِ بِبَعْضٍ. وقالَ البَغَوِيُّ يَعْنِي بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ الإيمانَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وبِجَمِيعِ الرُّسُلِ. وأقُولُ تَكْمِيلًا لِهَذا: إنَّ مُرادَ اللَّهِ تَعالى مِمّا شَرَعَ لِلنّاسِ مُنْذُ النَّشْأةِ إلى خَتْمِ الرِّسالَةِ واحِدٌ وهو إبْلاغُ البَشَرِ إلى الغايَةِ الَّتِي خُلِقُوا لَها وحِفْظُ نِظامِ عالَمِهِمْ وضَبْطُ تَصَرُّفاتِهِمْ فِيهِ عَلى وجْهٍ لا يَعْتَوِرُهُ خَلَلٌ، وإنَّما اخْتَلَفَتِ الشَّرائِعُ عَلى حَسَبِ مَبْلَغِ تَهَيُّئِ البَشَرِ لِتَلَقِّي مُرادِ اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ قَلَّما اخْتَلَفَتِ الأُصُولُ الأساسِيَّةُ لِلشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ، قالَ تَعالى ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ﴾ [الشورى: ١٣] الآيَةَ. وإنَّما اخْتَلَفَتِ الشَّرائِعُ في تَفارِيعِ أُصُولِها اخْتِلافًا مُراعًى فِيهِ مَبْلَغَ طاقَةِ البَشَرِ لُطْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالنّاسِ ورَحْمَةً مِنهُ بِهِمْ حَتّى في حَمْلِهِمْ عَلى مَصالِحِهِمْ لِيَكُونَ تَلَقِّيهِمْ لِذَلِكَ أسْهَلَ، وعَمَلُهم بِهِ أدْوَمَ، إلى أنْ جاءَتِ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ في وقْتٍ راهَقَ فِيهِ البَشَرُ مَبْلَغَ غايَةِ الكَمالِ العَقْلِيِّ، وجاءَهم دِينٌ تُناسِبُ أحْكامُهُ وأُصُولُهُ اسْتِعْدادَهُمُ الفِكْرِيَّ وإنْ تَخالَفَتِ الأعْصارُ وتَباعَدَتِ الأقْطارُ، فَكانَ دِينًا عامًّا لِجَمِيعِ البَشَرِ، فَلا جَرَمَ أنْ كانَتِ الشَّرائِعُ السّابِقَةُ تَمْهِيدًا لَهُ لِتُهَيِّئَ البَشَرَ لِقَبُولِ تَعالِيمِهِ وتَفارِيعِها الَّتِي هي غايَةُ مُرادِ اللَّهِ تَعالى مِنَ النّاسِ، ولِذا قالَ تَعالى ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] فَما مِن شَرِيعَةٍ سَلَفَتْ إلّا وهي حَلْقَةٌ مِن سِلْسِلَةٍ جُعِلَتْ وصْلَةً لِلْعُرْوَةِ الوُثْقى الَّتِي لا انْفِصامَ لَها وهي عُرْوَةُ الإسْلامِ، فَمَتى بَلَغَها النّاسُ فَقَدْ فَصَمُوا ما قَبْلَها مِنَ الحِلَقِ وبَلَغُوا المُرادَ، ومَتى انْقَطَعُوا في أثْناءِ بَعْضِ الحِلَقِ فَقَدْ قَطَعُوا ما أرادَ اللَّهُ وصْلَهُ، فاليَهُودُ لَمّا زَعَمُوا أنَّهم لا يَحِلُّ لَهُمُ العُدُولُ عَنْ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ قَدْ قَطَعُوا ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ فَفَرَّقُوا مُجْتَمَعَهُ.
والفَسادُ في الأرْضِ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١٢] ومِنَ الفَسادِ في الأرْضِ عُكُوفُ قَوْمٍ عَلى دِينٍ قَدِ اضْمَحَلَّ وقْتُ العَمَلِ بِهِ وأصْبَحَ غَيْرَ صالِحٍ لِما أرادَ اللَّهُ مِنَ البَشَرِ، فَإنَّ اللَّهَ ما جَعَلَ شَرِيعَةً مِنَ الشَّرائِعِ خاصَّةً وقابِلَةً لِلنَّسْخِ إلّا وقَدْ أرادَ مِنها إصْلاحَ طائِفَةٍ مِنَ البَشَرِ مُعَيَّنَةٍ في مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ في عِلْمِهِ، وما نَسَخَ دِينًا إلّا لِتَمامِ وقْتِ صُلُوحِيَّتِهِ لِلْعَمَلِ بِهِ، فالتَّصْمِيمُ عَلى عَدَمِ تَلَقِّي النّاسِخِ وعَلى مُلازَمَةِ المَنسُوخِ هو عَمَلٌ بِما لَمْ يَبْقَ فِيهِ صَلاحٌ لِلْبَشَرِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ فَسادًا في الأرْضِ لِأنَّهُ كَمُداواةِ المَرِيضِ بِدَواءٍ كانَ وُصِفَ لَهُ في حالَةٍ تَبَدَّلَتْ مِن أحْوالِ مَرَضِهِ حَتّى أتى دِينُ الإسْلامِ عامًّا دائِمًا لِأنَّهُ صالِحٌ لِلْكُلِّ.
وقَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ قَصْرُ قَلْبٍ لِأنَّهم ظَنُّوا أنْفُسَهم رابِحِينَ وهو اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] وذِكْرُ الخُسْرانِ تَخْيِيلٌ مُرادٌ مِنهُ الِاسْتِعارَةُ في ذاتِهِ عَلى نَحْوِ ما قَرَّرَ في (﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾) فَهَذِهِ الآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّها مُوَجَّهَةٌ إلى اليَهُودِ لِما عَلِمْتَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ ولِما عَلِمْتَ مِن كَثْرَةِ إطْلاقِ وصْفِ الفاسِقِينَ عَلى اليَهُودِ، وإنْ كانَ الَّذِينَ طَعَنُوا في أمْثالِ القُرْآنِ فَرِيقَيْنِ: المُشْرِكِينَ واليَهُودَ، كَما تَقَدَّمَ، وكانَ القُرْآنُ قَدْ وصَفَ المُشْرِكِينَ في سُورَةِ الرَّعْدِ - وهي مَكِّيَّةٌ - بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثِ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] فالمُرادُ بِهِمُ المُشْرِكُونَ لا مَحالَةَ فَذَلِكَ كُلُّهُ لا يُناكِدُ جَعْلَ آيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ مُوَجَّهَةً إلى اليَهُودِ إذْ لَيْسَ يَلْزَمُ المُفَسِّرَ حَمْلُهُ أيِ القُرْآنِ عَلى مَعْنًى واحِدٍ كَما يُوهِمُهُ صَنِيعُ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ حَتّى كانَ آيُ القُرْآنِ عِنْدَهم قَوالِبَ تُفَرَّغُ فِيها مَعانٍ مُتَّحِدَةٌ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ وصَفَ المُؤْمِنِينَ بِضِدِّ هَذِهِ الصِّفاتِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الرعد: ١٩] ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ [الرعد: ٢٠] ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ [الرعد: ٢١] الآيَةَ في سُورَةِ الرَّعْدِ واعْلَمْ أنَّ نُزُولَ هَذِهِ الآياتِ ونَحْوِها في بَعْضِ أهْلِ الكِتابِ أوِ المُشْرِكِينَ هو وعِيدٌ وتَوْبِيخٌ لِلْمُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ وهو أيْضًا مَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ لِيَعْلَمَ سامِعُوهُ أنَّ كُلَّ مَن شارَكَ هَؤُلاءِ المَذْمُومِينَ فِيما أوْجَبَ ذَمَّهم وسَبَّبَ وعِيدَهم هو آخِذٌ بِحَظٍّ مِمّا نالَهم مِن ذَلِكَ عَلى حَسَبِ مِقْدارِ المُشارَكَةِ في المُوجِبِ.
الدر المصون - السمين الحلبي
الدر المصون للسمين الحلبي - السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قولُه تعالى: {إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً} : «لا يَسْتَحْيي» جملةٌ في محل الرفع خبرٌ ل «إنَّ» ، واستفْعَلَ هنا للإِغناء عن الثلاثي المجرد، وقال الزمخشري: «إنه موافق له» أي: قد وَرَدَ حَيِي واسْتَحْيى بمعنى واحد، والمشهور: اسْتَحْيَى يَسْتَحْيِي فهو مُسْتَحْيٍ ومُسْتَحْيى منه من غير حَذْف، وقد جاء استحى يَسْتَحِي فهو مُسْتَحٍ مثل: استقى يستقي، وقُرئ به، ويروى عن ابن كثير. واختُلف في المحذوفِ فقيل: عينُ الكلمة فوزنُه يَسْتَفِل. وقيل: لامُها فوزنُه يَسْتَفِع، ثم نُقِلت حركةُ اللامِ على القولِ الأول وحركةُ العينِ على القولِ الثاني إلى الفاءِ وهي الحاءُ، ومن الحَذْفِ قولُه:
301 - ألا تَسْتَحِي منا الملوكُ وتَتَّقِي ... محارِمَنا لا يَبْوُؤُ الدمُ بالدَمِ
وقال آخر:
302 - إذا ما اسْتَحَيْنَ الماءَ يَعْرِضُ نفسَه ... كَرُعْنَ بِسَبْتٍ في إناءٍ مِنَ الوَرْدِ
والحياءُ لغةً: تَغَيَّرٌ وانكسارٌ يَعْتري الإِنسانَ من خوفِ ما يُعاب به، واشتقاقُه من الحياة، ومعنا على ما قاله الزمخشري: «نَقَصَتْ حياتُه واعتلَّتْ مجازاً كما يُقال: نَسِي وحَشِيَ وشَظِيَ الفرسُ إذا اعتلَّتْ هذه الأعضاءُ، جُعِل الحَيِيُّ لما يعتريه مِنَ الانكسارِ والتغيُّرِ منتكسَ القوةِ منتقِصَ الحياةِ، كما قالوا: فلان هَلَك من كذا حياءً» . انتهى. يعني قوله: «نَسِيَ وَحشِيَ وشَظِيَ» أي أصيب نَساه وهو عِرْقٌ، وحَشاهُ وهو ما احتوى عليه البطن، وشَظاه وهو عَظْم في الوَرِك.
واستعمالُه هنا في حقِّ اللهِ تعالى مجازٌ عن التَّرْكِ، وقيل: مجازٌ عن الخشيةِ لأنها أيضاً مِنْ ثمراتِه، وجَعَلَه الزمخشريُّ من باب المقابلة، يعني أنَّ الكفار لَمَّا قالوا: «أمَا يستحيي ربُّ محمدٍ أن يَضْرِبَ المَثَل بالمُحَقِّراتِ» قوبل قولُهم ذلك بقوله: «إنَّ الله لا يستحيي أن يضربَ» ، ونظيرُه قول أبي تمام:
303 - مَنْ مُبْلِغٌ أفناءَ يَعْرُبَ كلَّها ... أني بَنَيْتُ الجارَ قبلَ المَنْزِلِ
لو لم يَذْكُرْ بناءَ الدارِ لم يَصِحَّ بناءُ الجارِ.
واستحيى يتعدَّى تارةً بنفسِه وتارةً بحرفِ جرٍّ، تقول: اسْتَحْيَتْهُ، وعليه: «إذا ما اسْتَحَيْنَ الماءَ» البيت، واستَحْيَيْتُ منه، وعليه: «ألا تَسْتَحِي منا الملوكُ» البيت، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ قد تعدَّى في هذه الآية إلى «أَنْ يضربَ» بنفسِه فيكونَ في محلِّ نصبٍ قولاً واحداً، ويَحْتَمِل أن يكونَ تَعَدَّى إليه بحرفِ الجرِّ المحذوفِ، وحينئذٍ يَجْري الخلافُ المتقدمُ في قولِه «أنَّ لهم جناتٍ» .
و «يَضْرِبَ» معناه: يُبَيِّنَ، فيتعدَّى لواحدٍ. وقيل: معناه التصييرُ، فيتعدَّى لاثنين نحو: «ضَرَبْتُ الطينَ لَبِناً» ، وقال بعضُهم: «لا يتعدَّى لاثنين إلا مع المَثَل خاصة» ، فعلى القول الأول يكونُ «مَثَلاً» مفعولاً و «ما» زائدةٌ، أو صفةٌ للنكرة قبلَها لتزدادَ النكرةُ شِياعاً، ونظيرُه قولُهم: «لأمرٍ ما جَدَع قَصيرٌ أنفَه» وقولُ امرئ القيس:
304 - وحديثُ الرَّكْبِ يومَ هنا ... وحديثٌ ما على قِصَرِهْ
وقال أبو البقاء: «وقيل» ما «نكرةٌ موصوفةٌ» ، ولم يَجْعَلْ «بعوضة» صفتَها بل جَعَلَها بدلاً منها، وفيه نظرٌ، إذ يَحْتَاجُ أن يُقَدَِّر صفةً محذوفةً ولا ضرورةَ إلى ذلك فكان الأَوْلى أن يَجْعَلَ «بعوضةً» صفتَها بمعنى أنه وَصَفَها بالجنسِ المُنَكَّرِ لإِبهامِه فهي في معنى «قليل» ، وإليه ذهب الفراء والزَّجاج وثعلب، وتكون «ما» وصفتُها حينئذ بدلاً من «مثلاً» ، و «بعوضةً» بدلاً من «ما» أو عطفَ بيان لها إنْ قيلَ إنَّ «ما» صفةٌ ل «مثلاً» ، أو نعتٌ ل «ما» إنْ قيل: إنها بدلٌ من «مثلاً» كما تقدَّمَ في قولِ الفراء، وبدلٌ من «مثلاً» أو عطفُ بيان له إنْ قيلَ: إنَّ «ما» زائدةٌ. وقيل: «بعوضة» هو المفعولُ و «مثلاً» نُصِبَ على الحال قُدِّم على النكرةِ. وقيل: نُصِبَ على إسقاطِ الخافض التقديرُ: ما بينَ بعوضةٍ، فلمَّا حُذِفَتْ «بَيْنَ» أُعربت «بعوضةً» بإعرابها، وتكونُ الفاءُ في قولِه: «فما فوقها» بمعنى إلى، أي: إلى ما فوقها، ويُعْزى هذا للكسائي والفراء وغيرِهم من الكوفيين وأنشدوا:
305 - يا أحسنَ الناسِ ما قَرْناً إلى قَدَمٍ ... ولا حبالَ مُحِبٍّ واصِلٍ تَصِلُ
أي: ما بينَ قَرْنٍ، وحَكَوا: «له عشرون ما ناقةً فَحَمْلاً» ، وعلى القول الثاني يكونُ «مثلاً» مفعولاً أولَ، و «ما» تحتملُ الوجهين المتقدمين و «بعوضةً» مفعولٌ ثانِ، وقيل: بعوضةً هي المفعولُ الأولُ و «مَثَلاً» هو الثاني ولكنه قُدِّم.
وتلخَّص مِمَّا تقدَّم أنَّ في «ما» ثلاثةَ أوجه: زائدةٌ، صفةٌ لما قبلَها، نكرةٌ موصوفةٌ، وأنَّ في «مَثَلاً» ثلاثةً أيضاً مفعولٌ أولُ، مفعولٌ ثانِ، حالٌ مقدَّمةٌ، وأنَّ في «بعوضة» تسعة أوجهٍ. والصوابُ من ذلك كلّهِ أن يكونَ «ضَرَبَ» متعدياً لواحدٍ بمعنى بَيَّن، و «مثَلاً» مفعولٌ به، بدليلِ قولِه: {ضُرِبَ مَثَلٌ} [الحج: 73] ، و «ما» صفةٌ للنكرة، و «بعوضةً» بدلٌ لا عطفُ بيان، لأن عطفَ البَيان ممنوعٌ عند جمهور البصريين في النكراتِ.
وقرأ ابن أبي عَبْلة والضحاك برفع «بعوضةٌ» ، واتفقوا على أنها خبرٌ لمبتدأ، ولكنهم اختلفوا في ذلك المبتدأ، فقيل: هو «ما» على أنها استفهاميةٌ، أي: أيُّ شيء بعوضةٌ، وإليه ذهب الزمخشري ورجَّحه. وقيل: المبتدأ مضمرٌ تقديرُه: هو بعوضةٌ، وفي ذلك وجهان، أحدُهما: أن تُجْعَلَ هذه الجملةُ صلةً ل «ما» لكونِها بمعنى الذي، ولكنه حَذَفَ العائد وإن لم تَطُل الصلةُ، وهذا لا يجوزُ عند البصريين إلا في «أيّ» خاصةً لطولِها بالإِضافة، وأمَّا غيرُها فشاذٌّ أو ضرورةٌ، كقراءةِ: {تَمَاماً عَلَى الذي أَحْسَنُ} [الأنعام: 154] ، وقولِه:
306 - مَنْ يُعْنَ بالحَقِّ لا يَنْطِقْ بما سَفَهٌ ... ولا يَحِدْ عن سَبيلِ الحَمْدِ والكَرمِ أي: الذي هو أحسنُ، وبما هو سَفَهٌ، وتكونُ «ما» على هذا بدلاً من «مثلاً» ، كأنه قيل: مَثَلاً الذي هو بعوضةٌ. والثاني: أن تُجْعَلَ «ما» زائدةٌ أو صفةً وتكونَ «هو بعوضةٌ» جملةً كالمفسِّرة لِما انطوى عليه الكلامُ.
قولُه: {فَمَا فَوْقَهَا} قد تقدَّم أن الفاءَ بمعنى إلى، وهو قولٌ مرجوجٌ جداً. و «ما» في {فَمَا فَوْقَهَا} إن نَصَبْنا «بعوضةً» كانت معطوفةً عليها موصولةً بمعنى الذي، وصلتُها الظرفُ، أو موصوفةً وصفتُها الظرفُ أيضاً، وإنْ رَفَعْنَا «بعوضةٌ» ، وجَعَلْنَا «ما» الأولى موصولةً أو استفهاميةً فالثانيةُ معطوفةٌ عليها، لكنْ في جَعْلِنا «ما» موصولةً يكونُ ذلك من عَطْفِ المفرداتِ، وفي جَعْلِنَا إياها استفهاميةً يكونُ من عَطْفِ الجملِ، وإنْ جَعَلْنَا «ما» زائدةً أو صفةً لنكرة و «بعوضةٌ» خبراً ل «هو» مضمراً كانت «ما» معطوفةً على «بعوضة» .
والبَعُوضةُ واحدةُ البَعُوض وهو معروفٌ، وهو في الأصل وَصْفٌ على فَعُول كالقَطُوع، مأخوذ من البَعْضِ وهو القَطْع، وكذلك البَضْعُ والعَضْب، قال:
307 - لَنِعْمَ البيتُ بيتُ أبي دِثار ... إذا ما خافَ بعضُ القومِ بَعْضا
ومعنى: {فَمَا فَوْقَهَا} أي: في الكِبَر وهو الظاهرُ، وقيل: في الصِّغَرِ.
قوله: {فَأَمَّا الذين آمَنُواْ} «أمَّا» : حرفٌ ضُمِّن معنى اسمِ شرطٍ وفِعْله، كذا قدَّره سيبويه، قال: «أمَّا» بمنزلةِ مهما يَكُ مِنْ شيءٍ «. وقال الزمخشري:» وفائدتُه في الكلامِ أن يُعْطيه فَضْلَ توكيدٍ، تقولُ: زيدٌ ذاهبٌ، فإذا قَصَدْتَ توكيدَ ذلك وأنه لا محالةَ ذاهبٌ قلت: أمَّا زيدٌ فذاهبٌ «وذَكَر كلاماً حسناً بليغاً كعادتِه في ذلك. وقال بعضُهم:» أمَّا «حرفُ تفصيلٍ لِما أَجْمَلَه المتكلِّمُ وادَّعاه المخاطبُ، ولا يليها إلا المبتدأ، وتَلْزَمُ الفاءُ في جوابها، ولا تُحْذَفُ إلاَّ مع قولٍ ظاهرٍ أو مقدَّرٍ كقوله: {فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ} [آل عمران: 106] أي: فيقالُ لهم: أَكَفَرْتُمْ، وقد تُحْذَفُ حيث لا قولٌ، كقوله:
308 - فأمَّا القِتالُ لا قتالَ لديكُمُ ... ولكنَّ سَيْراً في عِراضِ المواكبِ
أي: فلا قتالَ، ولا يجوزُ أن تليها الفاءُ مباشرةً ولا أن تتأخَّر عنها بِجُزْأَي جملةٍ لو قلت:» أمّا زيدٌ منطلقٌ ففي الدار «لم يَجُزْ، ويجوز أنْ يتقدَّم معمولُ ما بعد الفاءِ عليها، متليٌّ أمّا كقوله:
{فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ} [الضحى: 9] ، ولا يجوز الفصلُ بين أمَّا والفاءِ بمعمولِ إنَّ خلافاً للمبرد، ولا بمعمولِ خبر ليت ولعلّ خلافاً للفراء.
وإنْ وَقَعَ بعدها مصدرٌ نحو: أمَّا عِلْماً فعالمٌ «: فإنْ كان نكرةً جاز نصبُه عند التميميين برُجْحَان، وضَعُفَ رفعُه، وإن كان معرفةً التزموا فيه الرفع. وأجاز الحجازيون فيه الرفعَ والنصْبَ، نحو:» أمَّا العلمُ فعالمٌ «ونصبُ المنكَّرِ عند سيبويهِ على الحالِ، والمعرَّفُ مفعولٌ له. وأمَّا الأخفشُ فنصبُهما عنده على المفعول المطلق. والنصبُ بفعلِ الشرط المقدَّر أو بما بعد الفاء ما لم يمنْع مانعٌ فيتعيَّنُ فعلُ الشرطِ نحو: أمَّا علماً فلا علَمَ له» أو: فإنَّ زيداً عالمٌ، لأن «لا» و «إنَّ» لا يعملُ ما بعدهما فيما قبلهما، وأمَّا الرفعُ فالظاهرُ أنه بفعلِ الشرط المقدَّر، أي: مهما يُذْكَرْ عِلْمٌ أو العلمُ فزيدٌ عالمٌ، ويجوز أن يكونَ مبتدأ وعالمٌ خبرَ مبتدأ محذوفٍ، والجملَةُ خبرهُ، والتقديرُ: أمَّا علمٌ أو العلمُ فزيدٌ عالِمٌ به وجازَ الابتداءُ بالنكرة لأنه موضعُ تفصيلِ، وفيها كلامٌ أطولُ من هذا.
و {الذين آمَنُواْ} في محلِّ رفع بالابتداء، و {فَيَعْلَمُونَ} خبرُه. قوله: {فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّهِمْ} الفاءُ جوابُ أمَّا، لِما تَضَمَّنَتْه مِنْ معنى الشرطِ و «أنَّه الحقُّ» سادٌّ مَسَدَّ المفعولَيْن عند الجمهورِ، ومَسَدَّ المفعولِ الأولِ فقط والثاني محذوفٌ عند الأخفشِ أي: فَيَعْلَمونَ حقيقتَهُ ثابتةً. وقال الجمهور: لا حاجةَ إلى ذلك لأنَّ وجودَ النسبةِ فيما بعدَ «أنَّ» كافٍ في تَعَلُّق العلمِ أو الظنِّ به، والضميرُ في «أنَّه» عائدٌ على المَثَل. وقيل: على ضَرْبِ المثلِ المفهومِ من الفِعْل، وقيل: على تَرْكِ الاستحياءِ. و «الحقُّ» هو الثابتُ، ومنه «حَقَّ الأمرُ» أي: ثَبَتَ، ويقابِلُه الباطلُ.
وقوله: {مِن رَّبِّهِمْ} في محلِّ نصبٍ على الحالِ مِن «الحق» أي: كائناً وصادراً مِنْ ربهم، و «مِنْ» لابتداءِ الغايةِ المجازيةِ. وقال أبو البقاء: «والعامل فيه معنى الحقِّ، وصاحبُ الحالِ الضميرُ المستتر فيه» أي: في الحق، لأنه مشتقٌ فيتحمَّلُ ضميراً.
قوله: {مَاذَآ أَرَادَ الله} اعلَمْ أنَّ «ماذا صنعت» ونحوَه له في كلامِ العربِ ستةُ استعمالات: أن تكون «ما» اسمَ استفهام في محلِّ رفعِ بالابتداءِ، و «إذا» اسمُ إشارةٍ خبرهُ. والثاني: أن تكونَ «ما» استفهاميةً وذا بمعنى الذي، والجملة بعدها صلةٌ وعائدُها محذوفٌ، والأجودُ حينئذٍ أن يُرْفَعَ ما أُجيب به أو أُبْدِلَ منه كقوله:
209 - ألا تَسْأَلانِ المرءَ ماذا يُحاوِلُ ... أَنَحْبٌ فيقضى أم ضَلالٌ وباطِلُ ف «ذا» هنا بمعنى الذي لأنه أُبْدِلَ منه مرفوعٌ وهو «أَنَحْبٌ» ، وكذا {مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو} [البقرة: 219] في قراءة أبي عمرو.
والثالث: أن يُغَلَّبَ حكمُ «ما» على «ذا» ، فَيُتْرَكا ويَصيرا بمنزلة اسمٍ واحدٍ، فيكونَ في محلِّ نصبٍ بالفعل بعدَه، والأجودُ حينئذٍ أن يُنْصَبَ جوابُه والمبدلُ منه كقولِه: {مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو} في قراءة غير أبي عمروٍ، و «ماذا أَنْزَلَ ربُّكم، قالوا: خيراً: عند الجميع، ومنه قوله:
310 - يا خُزْرَ تغلبَ ماذا بالُ نِسْوَتِكم ... لا يَسْتَفِقْنَ إلى الدَّيْرَيْنِ تَحْنانَا
ف» ماذا «مبتدأ، و» بالُ نسوتكم «خبرُه. الرابع: أن يُجْعَلَ» ماذا «بمنزلةِ الموصول تغليباً ل» ذا «على» ما «، عكسَ ما تقدَّم في الصورة قبلَه، وهو قليلٌ جداً، ومنه قولُ الشاعر:
311 - دَعي ماذا عَلِمْتِ سأتَّقيه ... ولكنْ بالمُغَيَّبِ نَبِّئِيني
فماذا بمعنى الذي لأنَّ ما قبله لا يُعَلَّقُ. الخامسُ: زعم الفارسي أن» ماذا «كلَه يكونُ نكرةً موصوفةً وأنشد:» دَعي ماذا عَلِمْتِ «أي: دَعي شيئاً معلوماً وقد تقدَّم تأويلُه. السادس: وهو أضعفُها أن تكونَ» ما «استفهاماً و» ذا «زائدةً وجميعُ ما تقدَّم يصلُح أن يكون مثالاً له، ولكنَّ زيادةَ الأسماءِ ممنوعةٌ أو قليلةٌ جداً.
إذا عُرِفَ ذلك فقولُُه: {مَاذَآ أَرَادَ الله} يجوزُ فيه وجهان دونَ الأربعةِ الباقيةِ، أحَدُهما: أن تكونَ» ما «استفهاميةً في محلِّ رفعٍ بالابتداء، وذا بمعنى الذي، و» أراد الله «صلةٌ والعائدُ محذوفٌ لاستكمالِ شروطِه، تقديره: أرادَه اللهُ، والموصولُ خبرُ» ما «الاستفهاميةِ. والثاني: أن تكونَ» ماذا «بمنزلةِ اسمٍ واحدٍ في محلِّ نَصْبٍ بالفعلِ بعد تقديرُه: أيَّ شيء أرادَ الله، ومحلٌّ هذه الجملةِ النصبُ بالقولِ.
[والإِرادةُ لغةً: طَلَبُ الشيءِ مع الميل إليه، وقد تتجرَّدُ للطلبِ، وهي التي تُنْسَبُ إلى اللهِ تعالى وعينُها واوٌ من رادَ يرودُ أي: طَلَب، فأصلُ أراد أَرْوَدَ مثل أَقام، والمصدرُ الإِرادةُ مثلُ الإِقامةِ، وأصلُها: إرْوَاد فأُعِلَّتْ وعُوِّضَ من محذوفِها تاءُ التأنيث] .
قوله:» مَثَلاً «نصبٌ على التمييزِ، قيل: جاءَ على معنى التوكيدِ، لأنه من حيث أُشير إليه ب» هذا «عُلِم أنه مثلٌ، فجاء التمييزُ بعده مؤكِّداً للاسم الذي أُشير إليه. وقيل: نصبٌ على الحال، واختُلِفَ في صاحِبها فقيل: اسمُ الإِشارةِ، والعاملُ فيها معنى الإِشارةِ، وقيل: اسمُ الله تعالى أَي متمثِّلاً بذلك، وقيل: على القَطْع وهو رأيُ الكوفيين، ومعناه عندهم: أنه كان أصلُه أَنْ يَتْبَعَ ما قبلَه والأصلُ: بهذا المثلِ، فلمَّا قُطِع عن التبعيةِ انتصبَ، وعلى ذلك قولُ امرئ القيس:
312 - سَوامِقُ جَبَّارٍ أثيثٍ فُروعُهُ ... وعَاليْنَ قِنْواناً من البُسْرِ أَحْمَرَا
أصله: من البسر الأحمر.
قوله: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً} » الباء «للسببيةِ، وكذلك في {يَهْدِي بِهِ} وهاتان الجملتان لا محلَّ لهما لأنهما كالبيانِ للجملتينِ المُصَدَّرَتَيْنِ ب» أمَّا «، وهما من كلام الله تعالى، وقيل: في محلِّ نصب لأنهما صفتان لمَثَلاً، أي: مَثَلاً يُفَرِّقُ الناسَ به، إلى ضُلاَّلٍ ومُهْتدِين، وهما على هذا من كلامِ الكفار وأجازَ أبو البقاء أن تكونَ حالاً من اسمِ الله أي: مُضِلاً به كثيراً وهادياً به كثيراً.
وجَوَّزَ ابن عطية أن تكونَ جملةُ قولَه: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً} من كلام الكفار، وجملةُ قوله: {وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} من كلام الباري تعالى. وهذا ليس بظاهرٍ، لأنه إلباسٌ في التركيب. والضميرُ في «به» عائدٌ على «ضَرْب» المضاف تقديراً إلى المثل، أي: بِضَرْب المَثَل، وقيل: الضمير الأول للتكذيبِ، والثاني للتصديق، ودلَّ على ذلك قُوَّةُ الكلام.
وقُرئَ: {يُضِلُّ به كثيرٌ ويهدى به كثيرٌ، وما يُضَلُّ به إلا الفاسقُون} بالبناء للمفعول، وقُرئَ أيضاً: {يَضِلُّ به كثيرٌ ويَهْدي به كثيرٌ، وما يَضِلُّ بِه إلا الفاسقون} بالبناء للفاعل، قال بعضهم: «وهي قراءة القَدَرِيَّة» قلت: نقل ابنُ عطية عن أبي عمرو الداني أنها قراءةُ المعتزلة، ثم قال: «وابنُ أبي عَبْلة مِنْ ثِقات الشاميّين» يعني قارئها، وفي الجملة فهي مخالفةٌ لسواد المصحف. فإن قيل: كيف وَصَف المهتدين هنا بالكثرةِ وهم قليلون، لقوله تعالى: {وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} [ص: 24] {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور} [سبأ: 13] ؟ فالجوابُ أنهم وإن كانوا قليلين في الصورة فهم كثيرون في الحقيقةِ كقولِهِ:
313 - إنَّ الكرامَ كثيرٌ في البلادِ وإنْ ... قَلُّوا كما غيرهُم قَلَّ وإنْ كَثُروا
فصار ذلك باعتبارَيْن.
قوله: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين} . الفاسقين: مفعولٌ ل «يُضِلُّ» وهو استثناءٌ مفرغٌ، وقد تقدَّم معناه، ويجوزُ عند الفراء أن يكونَ منصوباً على الاستثناء، والمستثنى منه محذوفٌ تقديرُه: وما يُضِلُّ به أحداً إلا الفاسقين كقوله:
314 - نَجا سالمٌ والنَّفْسُ منه بشِدْقِه ... ولِمَ يَنْجُ إلا جَفْنَ سيفٍ ومِئْزَرا أي: لم ينجُ بشيء، ومنعَ أبو البقاء نصبَه على الاستثناءِ، كأنه اعتبرَ مذهبَ جمهورِ البصريين.
والفِسْقُ لغةً: الخروجُ، يقال: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ عن قِشْرِها، أي: خَرَجَتْ، والفَاسِقُ خارجٌ عن طاعةِ الله تعالى، يقال: فَسَق يفسُقُ ويفسِقُ بالضم والكسر في المضارع فِسْقاً وفُسوقاً فهو فاسقٌ. وزعم ابن الأنباري أنه لم يُسْمع في كلامِ الجاهلية ولا في شعرها فاسِقٌ، وهذا عجيب، قال رؤبة:
315 - يَهْوِينَ في نَجْدٍ وغَوْراً غائراً ... فواسِقاً عن قَصْدِها جَوائِزاً
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني
إنّ
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
إن وأن
* إِنَّ، أَنَّ:
ينصبان الاسم ويرفعان الخبر، والفرق بينهما أنّ «إِنَّ» يكون ما بعده جملة مستقلة، و «أَنَّ» يكون ما بعده في حكم مفرد يقع موقع مرفوع ومنصوب ومجرور، نحو: أعجبني أَنَّك تخرج، وعلمت أَنَّكَ تخرج، وتعجّبت من أَنَّك تخرج. وإذا أدخل عليه «ما» يبطل عمله، ويقتضي إثبات الحكم للمذكور وصرفه عمّا عداه، نحو: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة : 28] تنبيها على أنّ النجاسة التامة هي حاصلة للمختص بالشرك، وقوله عزّ وجل: ﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ [البقرة : 173] أي: ما حرّم ذلك إلا تنبيها على أنّ أعظم المحرمات من المطعومات في أصل الشرع هو هذه المذكورات.
* وأَنْ على أربعة أوجه:
الداخلة على المعدومين من الفعل الماضي أو المستقبل، ويكون ما بعده في تقدير مصدر، وينصب المستقبل نحو: أعجبني أن تخرج وأن خرجت.
والمخفّفة من الثقيلة نحو: أعجبني أن زيدا منطلق.
والمؤكّدة ل «لمّا» نحو: ﴿فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ﴾ [يوسف : 96] .
والمفسّرة لما يكون بمعنى القول، نحو: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا﴾ [ص : 6] أي: قالوا: امشوا.
* وكذلك «إِنْ» على أربعة أوجه:
للشرط نحو: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ﴾ [المائدة : 118] ،
والمخفّفة من الثقيلة ويلزمها اللام نحو: ﴿إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا﴾ [الفرقان : 42] ،
والنافية، وأكثر ما يجيء يتعقّبه «إلا» ، نحو: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾ [الجاثية : 32] ، ﴿إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر : 25] ، ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود : 54] .
والمؤكّدة ل «ما» النافية، نحو: ما إن يخرج زيد.
أله
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
أله
الله: قيل: أصله إله فحذفت همزته، وأدخل عليها الألف واللام، فخصّ بالباري تعالى، ولتخصصه به قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم : 65] . وإله جعلوه اسما لكل معبود لهم، وكذا اللات، وسمّوا الشمس إِلَاهَة(١) لاتخاذهم إياها معبودا.
وأَلَهَ فلان يَأْلُهُ الآلهة: عبد، وقيل: تَأَلَّهَ.
فالإله على هذا هو المعبود(٢) . وقيل: هو من: أَلِهَ، أي: تحيّر، وتسميته بذلك إشارة إلى ما قال أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه: (كلّ دون صفاته تحبير الصفات، وضلّ هناك تصاريف اللغات) وذلك أنّ العبد إذا تفكّر في صفاته تحيّر فيها، ولهذا روي: «تفكّروا في آلاء الله ولا تفكّروا في الله»(٣) .
وقيل: أصله: ولاه، فأبدل من الواو همزة، وتسميته بذلك لكون كل مخلوق والها نحوه، إمّا بالتسخير فقط كالجمادات والحيوانات، وإمّا بالتسخير والإرادة معا كبعض الناس، ومن هذا الوجه قال بعض الحكماء: الله محبوب الأشياء كلها(٤) ، وعليه دلّ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء : 44] .
وقيل: أصله من: لاه يلوه لياها، أي: احتجب. قالوا: وذلك إشارة إلى ما قال تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ﴾ [الأنعام : 103] ، والمشار إليه بالباطن في قوله: ﴿وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ﴾ [الحديد : 3] . وإِلَهٌ حقّه ألا يجمع، إذ لا معبود سواه، لكن العرب لاعتقادهم أنّ هاهنا معبودات جمعوه، فقالوا: الآلهة. قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا﴾ [الأنبياء : 43] ، وقال: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف : 127] وقرئ: (وإلاهتك)(٥) أي: عبادتك. ولاه أنت، أي: لله، وحذف إحدى اللامين.
«اللهم» قيل: معناه: يا الله، فأبدل من الياء في أوله الميمان في آخره(٦) ، وخصّ بدعاء الله، وقيل: تقديره: يا الله أمّنا بخير(٧) ، مركّب تركيب حيّهلا.
(١) وقال في ذلك ابن مالك في مثلّثه: والشمس سمّاها صدوق النبأة ... إلاهة واضممه للإضراب
(٢) وفي ذلك يقول الفقيه محمد سيد بن أبت اليعقوبي الشنقيطي رحمه الله: الله مشتق وقيل: مرتجل ... وهو أعرف المعرّفات جل
أله أي: عبد، أو من الأله ... وهو اعتماد الخلق أو من الوله
أو المحجّب عن العيان ... من: لاهت العروس في البنيان
أو أله الحيران من قول العرب ... أو من: ألهت، أي: سكنت للأرب.
(٣) الحديث رواه أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس بلفظ: «تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله» ورواه ابن أبي شيبة في كتاب العرش ص 59 من قوله عن ابن عباس بلفظ: «تفكروا في كل شيء ولا تتفكروا في الله» .
وجاء أحاديث كثيرة بمعناها قال العجلوني: وأسانيدها ضعيفة لكن اجتماعها يكسبه قوة، ومعناه صحيح.
راجع: كشف الخفاء 1/ 311، والنهاية في غريب الحديث 1/ 63.
(٤) انظر: عمدة الحفاظ: (أله) .
(٥) وبها قرأ عليّ بن أبي طالب وابن عباس والضحاك، وهي قراءة شاذة، راجع: القرطبي 7/ 262.
(٦) وهذا قول الخليل رحمه الله، انظر: اللسان (أله) ، ومعاني الفراء 1/ 203، والغريبين للهروي 1/ 79.
(٧) وهذا قول الفراء، ذكره في معاني القرآن 1/ 203.
حيى
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
حيى
الحياة تستعمل على أوجه: الأوّل: للقوّة النّامية الموجودة في النّبات والحيوان، ومنه قيل: نبات حَيٌّ، قال عزّ وجلّ: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الحديد : 17] ، وقال تعالى: ﴿وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً﴾ [ق : 11] ، ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء : 30] .
الثانية: للقوّة الحسّاسة، وبه سمّي الحيوان حيوانا، قال عزّ وجلّ: ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ﴾ [فاطر : 22] ، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً﴾ [المرسلات : 25-26] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت : 39] ، فقوله: إِنَّ الَّذِي أَحْياها إشارة إلى القوّة النّامية، وقوله: لَمُحْيِ الْمَوْتى إشارة إلى القوّة الحسّاسة.
الثالثة: للقوّة العاملة العاقلة، كقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام : 122] ، وقول الشاعر:
130- وقد أسمعت لو ناديت حيّا ... ولكن لا حياة لمن تنادي(١)
والرابعة: عبارة عن ارتفاع الغمّ، وبهذا النظر قال الشاعر:
131- ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميّت الأحياء(٢)
وعلى هذا قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران : 169] ، أي: هم متلذّذون، لما روي في الأخبار الكثيرة في أرواح الشّهداء(٣) .
والخامسة: الحياة الأخرويّة الأبديّة، وذلك يتوصّل إليه بالحياة التي هي العقل والعلم، قال الله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال : 24](٤) ، وقوله: ﴿يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر : 24] ، يعني بها: الحياة الأخرويّة الدّائمة.
والسادسة: الحياة التي يوصف بها الباري، فإنه إذا قيل فيه تعالى: هو حيّ، فمعناه: لا يصحّ عليه الموت، وليس ذلك إلّا لله عزّ وجلّ.
والحياة باعتبار الدّنيا والآخرة ضربان: الحياة الدّنيا، والحياة الآخرة: قال عزّ وجلّ: فَأَمَّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا [النازعات : 38] ، وقال عزّ وجلّ: ﴿اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ﴾ [البقرة : 86] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ﴾ [الرعد : 26] ، أي: الأعراض الدّنيويّة، وقال: ﴿وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها﴾ [يونس : 7] ، وقوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ [البقرة : 96] ، أي: حياة الدّنيا، وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى﴾ [البقرة : 260] ، كان يطلب أن يريه الحياة الأخرويّة المعراة عن شوائب الآفات الدّنيويّة. وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة : 179] ، أي: يرتدع بالقصاص من يريد الإقدام على القتل، فيكون في ذلك حياة الناس. وقال عزّ وجلّ: ﴿وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة : 32] ، أي: من نجّاها من الهلاك، وعلى هذا قوله مخبرا عن إبراهيم: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة : 258] ، أي: أعفو فيكون إحياء. والحَيَوَانُ: مقرّ الحياة، ويقال على ضربين: أحدهما: ما له الحاسّة، والثاني: ما له البقاء الأبديّ، وهو المذكور في قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت : 64] ، وقد نبّه بقوله: لَهِيَ الْحَيَوانُ أنّ الحيوان الحقيقيّ السّرمديّ الذي لا يفنى، لا ما يبقى مدّة ثم يفنى، وقال بعض أهل اللّغة: الحَيَوَان والحياة واحد(٥) ، وقيل: الحَيَوَان: ما فيه الحياة، والموتان ما ليس فيه الحياة. والحَيَا: المطر، لأنه يحيي الأرض بعد موتها، وإلى هذا أشار بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء : 30] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ [مريم : 7] ، فقد نبّه أنه سمّاه بذلك من حيث إنه لم تمته الذّنوب، كما أماتت كثيرا من ولد آدم ﷺ، لا أنه كان يعرف بذلك فقط فإنّ هذا قليل الفائدة. وقوله عزّ وجلّ: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [يونس : 31] ، أي: يخرج الإنسان من النّطفة، والدّجاجة من البيضة، ويخرج النّبات من الأرض، ويخرج النّطفة من الإنسان. وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها﴾ [النساء : 86] ، وقوله تعالى: ﴿فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النور : 61] ، فَالتَّحِيَّة أن يقال: حيّاك الله، أي: جعل لك حياة، وذلك إخبار، ثم يجعل دعاء. ويقال: حَيَّا فلان فلانا تَحِيَّة إذا قال له ذلك، وأصل التّحيّة من الحياة، ثمّ جعل ذلك دعاء تحيّة، لكون جميعه غير خارج عن حصول الحياة، أو سبب حياة إمّا في الدّنيا، وأمّا في الآخرة، ومنه «التّحيّات لله»(٦) وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ [البقرة : 49] ، أي: يستبقونهنّ، والحَياءُ: انقباض النّفس عن القبائح وتركه، لذلك يقال: حيي فهو حيّ(٧) ، واستحيا فهو مستحي، وقيل: استحى فهو مستح، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾ [البقرة : 26] ، وقال عزّ وجلّ: ﴿وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب : 53] ، وروي: «إنّ الله تعالى يستحي من ذي الشّيبة المسلم أن يعذّبه»(٨) فليس يراد به انقباض النّفس، إذ هو تعالى منزّه عن الوصف بذلك وإنّما المراد به ترك تعذيبه، وعلى هذا ما روي: «إنّ الله حَيِيٌّ»(٩) أي: تارك للقبائح فاعل للمحاسن.
(١) البيت لكثير عزة من قصيدة له يرثي بها خندفا الأسدي، ومطلعها: شجا أظعان غاضرة الغوادي ... بغير مشورة عرضا فؤادي
وهو في ديوانه ص 223، ومعجم البلدان 4/ 194، والأغاني 12/ 173.
(٢) البيت لعدي ابن الرعلاء، والرعلاء أمه، وبعده: إنما الميت من يعيش كئيبا ... كاسفا باله قليل الرجاء
وهو في معجم الشعراء ص 252، وقطر الندى ص 234، واللسان (موت) ، والبصائر 2/ 512.
(٣) انظر في ذلك الدر المنثور 2/ 371.
(٤) وعن مجاهد في الآية قال: هو هذا القرآن، فيه الحياة والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة.
(٥) وهو مروي عن قتادة، راجع اللسان (حيا) .
(٦) حديث التشهد، أخرجه البخاري 2/ 311، باب التشهد في الآخرة، ومسلم برقم (402) ، والترمذي (انظر: عارضة الأحوذي 2/ 83، ومعالم السنن 1/ 226) ، وابن ماجة برقم (899) ، والنسائي 2/ 240 في التشهد.
(٧) انظر: الأفعال 1/ 372.
(٨) الحديث عن عائشة عن النبي ﷺ: «إنّ الله يستحي أن يعذّب شيبة شابت في الإسلام» .
قال العجلوني: هكذا ذكره الغزالي في الدرّة الفاخرة، ورواه السيوطي في الجامع الكبير عن ابن النجار بسند ضعيف. راجع: كشف الخفاء 1/ 244.
(٩) الحديث عن سلمان عن النبي قال: «إنّ الله حييّ كريم، يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردّهما صفرا خائبتين» أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم. قال البغوي: هذا حديث حسن غريب.
وقال ابن حجر: سنده جيد. راجع: فتح الباري 11/ 143، وشرح السنة 5/ 185، وسنن ابن ماجة 2/ 1271، وسنن أبي داود برقم (1488) كتاب الصلاة، باب الدعاء، وعارضة الأحوذي 13/ 68، والحاكم 1/ 497، وانظر: الفتح الكبير 1/ 333.
وفي حديث آخر: «إنّ الله تعالى حييّ ستّير، يحبّ الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر» أخرجه أحمد في المسند 4/ 224، وأبو داود برقم 4012 والنسائي 1/ 200، وانظر: الفتح الكبير 1/ 333.
ضرب
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
ضرب
الضَّرْبُ: إيقاعُ شيءٍ على شيء، ولتصوّر اختلاف الضّرب خولف بين تفاسيرها، كَضَرْبِ الشيءِ باليد، والعصا، والسّيف ونحوها، قال: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ﴾ [الأنفال : 12] ، ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمد : 4] ، ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ [البقرة : 73] ، ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ﴾ [الأعراف : 160] ، ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات : 93] ، ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾ [محمد : 27] ، وضَرْبُ الأرضِ بالمطر، وضَرْبُ الدّراهمِ، اعتبارا بِضَرْبِ المطرقةِ، وقيل له: الطّبع، اعتبارا بتأثير السّمة فيه، وبذلك شبّه السّجيّة، وقيل لها: الضَّرِيبَةُ والطَّبِيعَةُ. والضَّرْبُ في الأَرْضِ: الذّهاب فيها وضَرْبُهَا بالأرجلِ.
قال تعالى: ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء : 101] ، ﴿وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران : 156] ، وقال: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة : 273] ، ومنه: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ﴾ [طه : 77] ، وضَرَبَ الفحلُ الناقةَ تشبيها بالضَّرْبِ بالمطرقة، كقولك: طَرَقَهَا، تشبيها بالطّرق بالمطرقة، وضَرَبَ الخيمةَ بضرب أوتادها بالمطرقة، وتشبيها بالخيمة قال: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ [آل عمران : 112] ، أي: التحفتهم الذّلّة التحاف الخيمة بمن ضُرِبَتْ عليه، وعلى هذا: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ [آل عمران : 112] ، ومنه استعير: ﴿فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً﴾ [الكهف : 11] ، وقوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ﴾ [الحديد : 13] ، وضَرْبُ العودِ، والناي، والبوق يكون بالأنفاس، وضَرْبُ اللَّبِنِ بعضِهِ على بعض بالخلط، وضَرْبُ المَثلِ هو من ضَرْبِ الدّراهمِ، وهو ذكر شيء أثره يظهر في غيره. قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ [الزمر : 29] ، ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا﴾ [الكهف : 32] ، ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الروم : 28] ، ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ﴾ [الروم : 58] ، ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ [الزخرف : 57] ، ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ [الزخرف : 58] ، ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف : 45] ، ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً﴾ [الزخرف : 5] .
والمُضَارَبَةُ: ضَرْبٌ من الشَّرِكَةِ. والمُضَرَّبَةُ: ما أُكْثِرَ ضربُهُ بالخياطة. والتَّضْرِيبُ: التّحريضُ، كأنه حثّ على الضَّرْبِ الذي هو بعد في الأرض، والاضْطِرَابُ: كثرةُ الذّهاب في الجهات من الضّرب في الأرض، واسْتِضَرابُ الناقةِ: استدعاء ضرب الفحل إيّاها.
مثل
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
مثل
أصل المُثُولِ: الانتصاب، والمُمَثَّلُ: المصوّر على مثال غيره، يقال: مَثُلَ الشيءُ.
أي: انتصب وتصوّر، ومنه قوله ﷺ: «من أحبّ أن يمثل له الرّجال فليتبوّأ مقعده من النّار»(١) .
والتِّمْثَالُ: الشيء المصوّر، وتَمَثَّلَ كذا: تصوّر. قال تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا﴾ [مريم : 17] والمَثَلُ عبارة عن قول في شيء يشبه قولا في شيء آخر بينهما مشابهة، ليبيّن أحدهما الآخر ويصوّره. نحو قولهم: الصّيف ضيّعت اللّبن(٢) فإن هذا القول يشبه قولك: أهملت وقت الإمكان أمرك. وعلى هذا الوجه ما ضرب الله تعالى من الأمثال، فقال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر : 21] ، وفي أخرى: ﴿وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ﴾ [العنكبوت : 43] . والمَثَلُ يقال على وجهين: أحدهما: بمعنى المثل. نحو: شبه وشبه، ونقض ونقض. قال بعضهم: وقد يعبّر بهما عن وصف الشيء(٣) . نحو قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الرعد : 35] . والثاني: عبارة عن المشابهة لغيره في معنى من المعاني أيّ معنى كان، وهو أعمّ الألفاظ الموضوعة للمشابهة، وذلك أنّ النّدّ يقال فيما يشارك في الجوهر فقط، والشّبه يقال فيما يشارك في الكيفيّة فقط، والمساوي يقال فيما يشارك في الكمّيّة فقط، والشّكل يقال فيما يشاركه في القدر والمساحة فقط، والمِثْلَ عامّ في جميع ذلك، ولهذا لمّا أراد الله تعالى نفي التّشبيه من كلّ وجه خصّه بالذّكر فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى : 11] وأما الجمع بين الكاف والمثل فقد قيل: ذلك لتأكيد النّفي تنبيها على أنه لا يصحّ استعمال المثل ولا الكاف، فنفى ب (ليس) الأمرين جميعا. وقيل: المِثْلُ هاهنا هو بمعنى الصّفة، ومعناه: ليس كصفته صفة، تنبيها على أنه وإن وصف بكثير ممّا يوصف به البشر فليس تلك الصّفات له على حسب ما يستعمل في البشر، وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى﴾ [النحل : 60] أي: لهم الصّفات الذّميمة وله الصّفات العلى. وقد منع الله تعالى عن ضرب الأمثال بقوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ﴾ [النحل : 74] ثم نبّه أنه قد يضرب لنفسه المثل، ولا يجوز لنا أن نقتدي به، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل : 74] ثمّ ضرب لنفسه مثلا فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً﴾ الآية [النحل : 75] ، وفي هذا تنبيه أنه لا يجوز أن نصفه بصفة مما يوصف به البشر إلا بما وصف به نفسه، وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ﴾ الآية [الجمعة : 5] ، أي: هم في جهلهم بمضمون حقائق التّوراة كالحمار في جهله بما على ظهره من الأسفار، وقوله: ﴿وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف : 176] فإنه شبّهه بملازمته واتّباعه هواه وقلّة مزايلته له بالكلب الذي لا يزايل اللهث على جميع الأحوال. وقوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً﴾ [البقرة : 17] ، فإنه شبّه من آتاه الله تعالى ضربا من الهداية والمعارف، فأضاعه ولم يتوصّل به إلى ما رشّح له من نعيم الأبد بمن استوقد نارا في ظلمة، فلمّا أضاءت له ضيّعها ونكس فعاد في الظّلمة، وقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً﴾ [البقرة : 171] فإنه قصد تشبيه المدعوّ بالغنم، فأجمل وراعى مقابلة المعنى دون مقابلة الألفاظ، وبسط الكلام: مثل راعي الذين كفروا والّذين كفروا كمثل الّذي ينعق بالغنم، ومثل الغنم التي لا تسمع إلّا دعاء ونداء. وعلى هذا النحو قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة : 261] ومثله قوله: ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ﴾ [آل عمران : 117] وعلى هذا النحو ما جاء من أمثاله. والمِثَالُ: مقابلة شيء بشيء هو نظيره، أو وضع شيء مّا ليحتذى به فيما يفعل، والْمُثْلَةُ: نقمة تنزل بالإنسان فيجعل مثالا يرتدع به غيره، وذلك كالنّكال، وجمعه مُثُلَاتٌ ومَثُلَاتٌ، وقد قرئ: ﴿مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ﴾ [الرعد : 6] ، و (الْمَثْلَاتُ)(٤) بإسكان الثّاء على التّخفيف. نحو: عَضُدٍ وعَضْدٍ، وقد أَمْثَلَ السّلطان فلانا: إذا نكّل به، والأَمْثلُ يعبّر به عن الأشبه بالأفاضل، والأقرب إلى الخير، وأَمَاثِلُ القومِ: كناية عن خيارهم، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً﴾ [طه : 104] ، وقال: ﴿وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى﴾ [طه : 63] أي: الأشبه بالفضيلة، وهي تأنيث الأمثل.
(١) عن ابن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ: «من أحبّ أن يمثل له عباد الله قياما فليتبوأ مقعده من النار» أخرجه أحمد 4/ 91، وأبو داود برقم (5229) ، والترمذي، وقال: حديث حسن (انظر: عارضة الأحوذي 10/ 213) .
(٢) المثل يضرب لمن يطلب شيئا قد فوّته على نفسه.
وقال المبرد: أصل المثل كان لامرأة، وإنما يضرب لكل واحد على ما جرى في الأصل، فإذا قلته للرجل فإنما معناه: أنت عندي بمنزلة التي قيل لها هذا. انظر: مجمع الأمثال 2/ 68، والمقتضب 2/ 143.
(٣) انظر ص 732 في الحاشية.
(٤) وهي لغة بني تميم. وهي قراءة شاذة قرأ بها الأعمش.
انظر: تفسير القرطبي 9/ 285، وإعراب القرآن للنحاس 2/ 166، ومعاني الفراء 2/ 59.
فوق
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
فوق
فَوْقُ يستعمل في المكان، والزمان، والجسم، والعدد، والمنزلة، وذلك أضرب: الأول: باعتبار العلوّ. نحو: ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة : 63] ، ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ﴾ [الزمر : 16] ، ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها﴾ [فصلت : 10] ، ويقابله تحت. قال: ﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام : 65] .
الثاني: باعتبار الصّعود والحدور. نحو قوله: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ [الأحزاب : 10] .
الثالث: يقال في العدد. نحو قوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء : 11] .
الرابع: في الكبر والصّغر مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها [البقرة : 26] . قيل: أشار بقوله فَما فَوْقَها إلى العنكبوت المذكور في الآية، وقيل: معناه ما فوقها في الصّغر، ومن قال: أراد ما دونها فإنما قصد هذا المعنى، وتصوّر بعض أهل اللّغة أنه يعني أنّ فَوْقَ يستعمل بمعنى دون فأخرج ذلك في جملة ما صنّفه من الأضداد(١) ، وهذا توهّم منه.
الخامس: باعتبار الفضيلة الدّنيويّة. نحو: ﴿وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ [الزخرف : 32] ، أو الأخرويّة: ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [البقرة : 212] ، ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران : 55] .
السادس: باعتبار القهر والغلبة. نحو قوله: ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام : 18] ، وقوله عن فرعون: ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ﴾ [الأعراف : 127] ، ومن فوق، قيل: فَاقَ فلان غيره يَفُوقُ: إذا علاه، وذلك من (فَوْقِ) المستعمل في الفضيلة، ومن فَوْقُ يشتقّ فُوقُ السّهم، وسهم أَفْوَقُ: انكسر فُوقُهُ، والْإِفَاقَةُ: رجوع الفهم إلى الإنسان بعد السّكر، أو الجنون، والقوّة بعد المرض، والْإِفَاقَةُ في الحلب: رجوع الدّرّ، وكلّ درّة بعد الرّجوع يقال لها: فِيقَةٌ، والْفُوَاقُ: ما بين الحلبتين. وقوله: ﴿ما لَها مِنْ فَواقٍ﴾ [ص : 15] ، أي: من راحة ترجع إليها، وقيل: ما لها من رجوع إلى الدّنيا.
قال أبو عبيدة(٢) : (من قرأ: مِنْ فَواقٍ(٣) بالضمّ فهو من فُوَاقِ الناقة. أي: ما بين الحلبتين، وقيل: هما واحد نحو: جمام وجمام)(٤) . وقيل: اسْتَفِقْ ناقتَكَ، أي: اتركها حتى يَفُوقَ لبنها، وفَوِّقْ فصيلَكَ، أي: اسقه ساعة بعد ساعة، وظلّ يَتَفَوَّقُ المخض، قال الشاعر:
359- حتى إذا فيقة في ضرعها اجتمعت(٥)
(١) يريد بذلك ابن الأنباري، فقد ذكر أنّ فوق من الأضداد. انظر: كتاب الأضداد ص 250.
(٢) انظر: مجاز القرآن 2/ 179.
(٣) قرأ حمزة والكسائي وخلف بضم الفاء، وهي لغة تميم وأسد وقيس. انظر: الإتحاف 372.
(٤) يقال: جمام المكّوك دقيقا بالكسر والضم. انظر: اللسان (جمّ) .
(٥) هذا شطر بيت للأعشى، وعجزه: جاءت لترضع شقّ النفس لو رضعا
وهو من قصيدة يمدح بها هوذة بن علي الحنفي، ومطلعها: بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا ... واحتلّت الغمر فالجدّين فالفرعا
وهو في ديوانه ص 107، واللسان (فوق) .
أمن
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
أمن
أصل الأَمْن: طمأنينة النفس وزوال الخوف، والأَمْنُ والأَمَانَةُ والأَمَانُ في الأصل مصادر، ويجعل الأمان تارة اسما للحالة التي يكون عليها الإنسان في الأمن، وتارة اسما لما يؤمن عليه الإنسان، نحو قوله تعالى: ﴿وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ﴾ [الأنفال : 27] ، أي: ما ائتمنتم عليه، وقوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأحزاب : 72] قيل: هي كلمة التوحيد، وقيل: العدالة(١) ، وقيل: حروف التهجي، وقيل: العقل، وهو صحيح فإنّ العقل هو الذي بحصوله يتحصل معرفة التوحيد، وتجري العدالة وتعلم حروف التهجي، بل بحصوله تعلّم كل ما في طوق البشر تعلّمه، وفعل ما في طوقهم من الجميل فعله، وبه فضّل على كثير ممّن خلقه.
وقوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً﴾ [آل عمران : 97] أي: آمنا من النار، وقيل: من بلايا الدنيا التي تصيب من قال فيهم: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [التوبة : 55] .
ومنهم من قال: لفظه خبر ومعناه أمر، وقيل: يأمن الاصطلام(٢) ، وقيل: آمن في حكم الله، وذلك كقولك: هذا حلال وهذا حرام، أي: في حكم الله.
والمعنى: لا يجب أن يقتصّ منه ولا يقتل فيه إلا أن يخرج، وعلى هذه الوجوه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت : 67] . وقال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ [البقرة : 125] . وقوله: ﴿أَمَنَةً نُعاساً﴾ [آل عمران : 154] أي: أمنا، وقيل: هي جمع كالكتبة. وفي حديث نزول المسيح: «وتقع الأمنة في الأرض»(٣) .
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة : 6] أي: منزله الذي فيه أمنه.
* وآمَنَ:
إنما يقال على وجهين:
- أحدهما متعديا بنفسه، يقال: آمنته، أي: جعلت له الأمن، ومنه قيل لله: مؤمن.
- والثاني: غير متعدّ، ومعناه: صار ذا أمن.
والإِيمان يستعمل تارة اسما للشريعة التي جاء بها محمّد عليه الصلاة والسلام، وعلى ذلك: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ [المائدة : 69] ، ويوصف به كلّ من دخل في شريعته مقرّا بالله وبنبوته. قيل: وعلى هذا قال تعالى: ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف : 106] .
وتارة يستعمل على سبيل المدح، ويراد به إذعان النفس للحق على سبيل التصديق، وذلك باجتماع ثلاثة أشياء: تحقيق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بحسب ذلك بالجوارح، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد : 19] .
ويقال لكلّ واحد من الاعتقاد والقول الصدق والعمل الصالح: إيمان. قال تعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾ [البقرة : 143] أي: صلاتكم، وجعل الحياء وإماطة الأذى من الإيمان(٤) .
قال تعالى: ﴿وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ﴾ [يوسف : 17] قيل: معناه: بمصدق لنا، إلا أنّ الإيمان هو التصديق الذي معه أمن، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء : 51] فذلك مذكور على سبيل الذم لهم، وأنه قد حصل لهم الأمن بما لا يقع به الأمن، إذ ليس من شأن القلب- ما لم يكن مطبوعا عليه- أن يطمئن إلى الباطل، وإنما ذلك كقوله: ﴿مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل : 106] ، وهذا كما يقال: إيمانه الكفر، وتحيته الضرب، ونحو ذلك.
وجعل النبيّ ﷺ أصل الإيمان ستة أشياء في خبر جبريل حيث سأله فقال: ما الإيمان؟ والخبر معروف(٥) .
ويقال: رجل أَمْنَةٌ وأَمَنَةٌ: يثق بكل أحد، وأَمِينٌ وأَمَانٌ يؤمن به. والأَمُون: الناقة يؤمن فتورها وعثورها.
(١) راجع الأقوال في هذه الآية في الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي 6/ 669.
(٢) الاصطلام: الاستئصال، واصطلم القوم: أبيدوا.
(٣) هذا جزء من حديث طويل وفيه: «ثمّ تقع الأمنة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، وتلعب الصبيان بالحيّات لا تضرّهم» . والحديث أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود برقم (4324) وابن جرير وابن حبان عن أبي هريرة، وقال ابن كثير بعد ذكر إسناده: وهذا إسناد جيد قوي. انظر: الدر المنثور 2/ 736، والفتن الملاحم لابن كثير 1/ 105.
(٤) كما قال عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه مسلم وغيره: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، وأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» .
(٥) وقد أخرجه البخاري ومسلم قال: «أن تؤمن بالله وحده وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد الموت والجنة والنار، وبالقدر خيره وشره» ، راجع البخاري 1/ 106، ومسلم (9) في الإيمان، وشرح السنة 1/ 9.
علم
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
علم
العِلْمُ: إدراك الشيء بحقيقته، وذلك ضربان: أحدهما: إدراك ذات الشيء.
والثاني: الحكم على الشيء بوجود شيء هو موجود له، أو نفي شيء هو منفيّ عنه.
فالأوّل: هو المتعدّي إلى مفعول واحد نحو: ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال : 60] .
والثاني: المتعدّي إلى مفعولين، نحو قوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ﴾ [الممتحنة : 10] ، وقوله: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ إلى قوله: لا عِلْمَ لَنا(١) فإشارة إلى أنّ عقولهم طاشت. والعِلْمُ من وجه ضربان: نظريّ وعمليّ.
فالنّظريّ: ما إذا علم فقد كمل، نحو: العلم بموجودات العالَم.
والعمليّ: ما لا يتمّ إلا بأن يعمل كالعلم بالعبادات.
ومن وجه آخر ضربان: عقليّ وسمعيّ، وأَعْلَمْتُهُ وعَلَّمْتُهُ في الأصل واحد، إلّا أنّ الإعلام اختصّ بما كان بإخبار سريع، والتَّعْلِيمُ اختصّ بما يكون بتكرير وتكثير حتى يحصل منه أثر في نفس المُتَعَلِّمِ. قال بعضهم: التَّعْلِيمُ: تنبيه النّفس لتصوّر المعاني، والتَّعَلُّمُ: تنبّه النّفس لتصوّر ذلك، وربّما استعمل في معنى الإِعْلَامِ إذا كان فيه تكرير، نحو: ﴿أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ [الحجرات : 16] ، فمن التَّعْلِيمُ قوله: الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ [الرحمن : 1-2] ، ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق : 4] ، ﴿وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ [الأنعام : 91] ، ﴿عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل : 16] ، ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة : 129] ، ونحو ذلك. وقوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة : 31] ، فتَعْلِيمُهُ الأسماء: هو أن جعل له قوّة بها نطق ووضع أسماء الأشياء وذلك بإلقائه في روعه وكَتعلِيمِهِ الحيوانات كلّ واحد منها فعلا يتعاطاه، وصوتا يتحرّاه قال: ﴿وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾ [الكهف : 65] ، ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ [الكهف : 66] ، قيل: عنى به العِلْمَ الخاصّ الخفيّ على البشر الذي يرونه ما لم يعرّفهم الله منكرا، بدلالة ما رآه موسى منه لمّا تبعه فأنكره حتى عرّفه سببه، قيل: وعلى هذا العلم في قوله: ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ﴾ [النمل : 40] ، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ [المجادلة : 11] ، فتنبيه منه تعالى على تفاوت منازل العلوم وتفاوت أربابها. وأما قوله: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف : 76] ، فَعَلِيمٌ يصحّ أن يكون إشارة إلى الإنسان الذي فوق آخر، ويكون تخصيص لفظ العليم الذي هو للمبالغة تنبيها أنه بالإضافة إلى الأوّل عليم وإن لم يكن بالإضافة إلى من فوقه كذلك، ويجوز أن يكون قوله: عَلِيمٌ عبارة عن الله تعالى وإن جاء لفظه منكّرا، إذ كان الموصوف في الحقيقة بالعليم هو تبارك وتعالى، فيكون قوله: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف : 76] ، إشارة إلى الجماعة بأسرهم لا إلى كلّ واحد بانفراده، وعلى الأوّل يكون إشارة إلى كلّ واحد بانفراده. وقوله: ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة : 109] ، فيه إشارة إلى أنه لا يخفى عليه خافية.
وقوله: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن : 26-27] ، فيه إشارة أنّ لله تعالى علما يخصّ به أولياءه، والعَالِمُ في وصف الله هو الّذي لا يخفى عليه شيء كما قال: ﴿لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ﴾ [الحاقة : 18] ، وذلك لا يصحّ إلا في وصفه تعالى. والعَلَمُ: الأثر الذي يُعْلَمُ به الشيء كعلم الطّريق وعلم الجيش، وسمّي الجبل علما لذلك، وجمعه أَعْلَامٌ، وقرئ: (وإنّه لَعَلَمٌ للسّاعة)(٢) وقال: ﴿وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ [الشورى : 32] ، وفي أخرى: ﴿وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ [الرحمن : 24] . والشّقّ في الشّفة العليا عَلَمٌ، وعلم الثّوب، ويقال: فلان عَلَمٌ، أي: مشهور يشبّه بعلم الجيش. وأَعْلَمْتُ كذا: جعلت له علما، ومَعَالِمُ الطّريق والدّين، الواحد مَعْلَمٌ، وفلان معلم للخير، والعُلَّامُ: الحنّاء وهو منه، والعالَمُ: اسم للفلك وما يحويه من الجواهر والأعراض، وهو في الأصل اسم لما يعلم به كالطابع والخاتم لما يطبع به ويختم به، وجعل بناؤه على هذه الصّيغة لكونه كالآلة، والعَالَمُ آلة في الدّلالة على صانعه، ولهذا أحالنا تعالى عليه في معرفة وحدانيّته، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف : 185] ، وأمّا جمعه فلأنّ من كلّ نوع من هذه قد يسمّى عالما، فيقال: عالم الإنسان، وعالم الماء، وعالم النّار، وأيضا قد روي: (إنّ لله بضعة عشر ألف عالم)(٣) ، وأمّا جمعه جمع السّلامة فلكون النّاس في جملتهم، والإنسان إذا شارك غيره في اللّفظ غلب حكمه، وقيل: إنما جمع هذا الجمع لأنه عني به أصناف الخلائق من الملائكة والجنّ والإنس دون غيرها. وقد روي هذا عن ابن عبّاس(٤) . وقال جعفر بن محمد: عني به النّاس وجعل كلّ واحد منهم عالما(٥) ، وقال(٦) : العَالَمُ عالمان الكبير وهو الفلك بما فيه، والصّغير وهو الإنسان لأنه مخلوق على هيئة العالم، وقد أوجد الله تعالى فيه كلّ ما هو موجود في العالم الكبير، قال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [الفاتحة : 1] ، وقوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ [البقرة : 47] ، قيل: أراد عالمي زمانهم. وقيل: أراد فضلاء زمانهم الذين يجري كلّ واحد منهم مجرى كلّ عالم لما أعطاهم ومكّنهم منه، وتسميتهم بذلك كتسمية إبراهيم عليه السلام بأمّة في قوله: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ [النحل : 120] ، وقوله: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ [الحجر : 70] .
(١) الآية: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا سورة المائدة: آية 109.
(٢) سورة الزخرف: آية 61، وهي قراءة شاذة، قرأ بها الأعمش. انظر: الإتحاف ص 386.
(٣) أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله تعالى: رَبِّ الْعالَمِينَ قال: الإنس عالم، والجن عالم، وما سوى ذلك ثمانية عشر ألف عالم من الملائكة.
وأخرج أبو الشيخ وأبو نعيم في الحلية عن وهب قال: إنّ لله عزّ وجل ثمانية عشر ألف عالم. الدنيا منها عالم واحد. انظر: الدر المنثور 1/ 34.
(٤) انظر: البصائر 4/ 95، والدر المنثور 1/ 34.
(٥) انظر: البصائر 4/ 95.
(٦) انظر تفصيل النشأتين ص 78.
حق
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
حق
أصل الحَقّ: المطابقة والموافقة، كمطابقة رجل الباب في حقّه(١) لدورانه على استقامة.
والحقّ يقال على أوجه: الأول: يقال لموجد الشيء بسبب ما تقتضيه الحكمة، ولهذا قيل في الله تعالى: هو الحقّ(٢) ، قال الله تعالى: وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ(٣) ، وقيل بعيد ذلك: ﴿فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس : 32] .
والثاني: يقال للموجد بحسب مقتضى الحكمة، ولهذا يقال: فعل الله تعالى كلّه حق، نحو قولنا: الموت حق، والبعث حق، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً﴾ [يونس : 5] ، إلى قوله: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [يونس : 5] ، وقال في القيامة: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس : 53] ، و﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ [البقرة : 146] ، وقوله عزّ وجلّ: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة : 147] ، ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة : 149] .
والثالث: في الاعتقاد للشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في نفسه، كقولنا: اعتقاد فلان في البعث والثواب والعقاب والجنّة والنّار حقّ، قال الله تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ﴾ [البقرة : 213] .
والرابع: للفعل والقول بحسب ما يجب وبقدر ما يجب، وفي الوقت الذي يجب، كقولنا: فعلك حقّ وقولك حقّ، قال تعالى: ﴿كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ [يونس : 33] ، و﴿حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [السجدة : 13] ، وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ﴾ [المؤمنون : 71] ، يصح أن يكون المراد به الله تعالى، ويصحّ أن يراد به الحكم الذي هو بحسب مقتضى الحكمة. ويقال: أَحققْتُ كذا، أي: أثبتّه حقا، أو حكمت بكونه حقا، وقوله تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ [الأنفال : 8] فإحقاق الحقّ على ضربين.
أحدهما: بإظهار الأدلّة والآيات، كما قال تعالى: ﴿وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً﴾ [النساء : 91] ، أي: حجة قوية.
والثاني: بإكمال الشريعة وبثّها في الكافّة، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ [الصف : 8] ، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة : 33] ، وقوله: الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة : 1] ، إشارة إلى القيامة، كما فسّره بقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ﴾ [المطففين : 6] ، لأنه يحقّ فيه الجزاء، ويقال: حَاقَقْتُهُ فَحَقَقْتُهُ، أي خاصمته في الحقّ فغلبته، وقال عمر رضي الله عنه: (إذا النساء بلغن نصّ الحقاق فالعصبة أولى في ذلك)(٤) .
وفلان نَزِقُ الحِقَاق: إذا خاصم في صغار الأمور(٥) ، ويستعمل استعمال الواجب واللازم والجائز نحو: ﴿كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم : 47] ، ﴿كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس : 103] ، وقوله تعالى: ﴿حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَ﴾ [الأعراف : 105] ، قيل معناه: جدير، وقرئ: حَقِيقٌ عَلى(٦) قيل: واجب، وقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة : 228] ، والحقيقة تستعمل تارة في الشيء الذي له ثبات ووجود، كقوله ﷺ لحارث: «لكلّ حقّ حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟»(٧) ، أي: ما الذي ينبئ عن كون ما تدّعيه حقّا؟
وفلان يحمي حقيقته، أي: ما يحقّ عليه أن يحمى. وتارة تستعمل في الاعتقاد كما تقدّم، وتارة في العمل وفي القول، فيقال: فلان لفعله حقيقة: إذا لم يكن مرائيا فيه، ولقوله حقيقة: إذا لم يكن مترخّصا ومتزيدا، ويستعمل في ضدّه المتجوّز والمتوسّع والمتفسّح، وقيل: الدنيا باطل، والآخرة حقيقة، تنبيها على زوال هذه وبقاء تلك، وأمّا في تعارف الفقهاء والمتكلمين فهي اللفظ المستعمل فيما وضع له في أصل اللغة(٨) . والحِقُّ من الإبل: ما استحقّ أن يحمل عليه، والأنثى: حِقَّة، والجمع: حِقَاق، وأتت النّاقة على حقّها(٩) ، أي: على الوقت الذي ضربت فيه من العام الماضي.
(١) هي عقب الباب.
(٢) راجع: الأسماء والصفات ص 26.
(٣) سورة يونس آية 30.
(٤) المعنى أنّ الجارية ما دامت صغيرة فأمّها أولى بها، فإذا بلغت فالعصبة أولى بأمرها. انظر النهاية 1/ 414، ونهج البلاغة 2/ 314، ونسبه لعليّ بن أبي طالب.
(٥) انظر: المجمل 1/ 215.
(٦) وبها قرأ نافع وحده. انظر: الإتحاف ص 217.
(٧) عن صالح بن مسمار أنّ رسول الله ﷺ قال لحارث بن مالك: كيف أنت؟ أو: ما أنت يا حارث؟ قال: مؤمن يا رسول الله، قال: مؤمن حقا؟ قال: مؤمن حقا. قال: لكلّ حقّ حقيقة، فما حقيقة ذلك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي عزّ وجل، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أسمع عواء أهل النار، فقال رسول الله: «مؤمن نوّر الله قلبه» . أخرجه ابن المبارك في الزهد ص 106 مرسلا والبزار والطبراني، وهو حديث معضل. انظر: الإصابة 1/ 289، ومجمع الزوائد 1/ 57.
(٨) انظر: شرح تنقيح الفصول للقرافي ص 42.
(٩) انظر: اللسان (حقق) 10/ 55.
رب
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
رب
الرَّبُّ في الأصل: التربية، وهو إنشاء الشيء حالا فحالا إلى حدّ التمام، يقال رَبَّهُ، وربّاه ورَبَّبَهُ. وقيل: (لأن يربّني رجل من قريش أحبّ إليّ من أن يربّني رجل من هوازن)(١) . فالرّبّ مصدر مستعار للفاعل، ولا يقال الرّبّ مطلقا إلا لله تعالى المتكفّل بمصلحة الموجودات، نحو قوله: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ : 15] .
وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً﴾ [آل عمران : 80] أي: آلهة، وتزعمون أنهم الباري مسبّب الأسباب، والمتولّي لمصالح العباد، وبالإضافة يقال له ولغيره، نحو قوله: رَبِّ الْعالَمِينَ [الفاتحة : 1] ، و﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات : 126] ، ويقال: رَبُّ الدّار، ورَبُّ الفرس لصاحبهما، وعلى ذلك قول الله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف : 42] ، وقوله تعالى: ﴿ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ﴾ [يوسف : 50] ، وقوله: ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ﴾ [يوسف : 23] ، قيل: عنى به الله تعالى، وقيل: عنى به الملك الذي ربّاه(٢) ، والأوّل أليق بقوله. والرَّبَّانِيُّ قيل: منسوب إلى الرّبّان، ولفظ فعلان من: فعل يبنى نحو: عطشان وسكران، وقلّما يبنى من فعل، وقد جاء نعسان. وقيل: هو منسوب إلى الرّبّ الذي هو المصدر، وهو الذي يربّ العلم كالحكيم، وقيل: منسوب إليه، ومعناه، يربّ نفسه بالعلم، وكلاهما في التحقيق متلازمان، لأنّ من ربّ نفسه بالعلم فقد ربّ العلم، ومن ربّ العلم فقد ربّ نفسه به. وقيل: هو منسوب إلى الرّبّ، أي: الله تعالى، فالرّبّانيّ كقولهم: إلهيّ، وزيادة النون فيه كزيادته في قولهم: لحيانيّ، وجسمانيّ(٣) . قال عليّ رضي الله عنه: (أنا ربّانيّ هذه الأمّة) والجمع ربّانيّون. قال تعالى: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ﴾ [المائدة : 63] ، ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران : 79] ، وقيل: ربّانيّ لفظ في الأصل سريانيّ، وأخلق بذلك(٤) ، فقلّما يوجد في كلامهم، وقوله تعالى: ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران : 146] ، فالرِّبِّيُّ كالرّبّانيّ. والرّبوبيّة مصدر، يقال في الله عزّ وجلّ، والرِّبَابَة تقال في غيره، وجمع الرّبّ أرْبابٌ، قال تعالى: ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف : 39] ، ولم يكن من حقّ الرّبّ أن يجمع إذ كان إطلاقه لا يتناول إلّا الله تعالى، لكن أتى بلفظ الجمع فيه على حسب اعتقاداتهم، لا على ما عليه ذات الشيء في نفسه، والرّبّ لا يقال في التّعارف إلّا في الله، وجمعه أربّة، وربوب، قال الشاعر:
173- كانت أربّتهم بهز وغرّهم ... عقد الجوار وكانوا معشرا غدرا(٥)
وقال آخر:
174- وكنت امرأ أفضت إليك ربابتي ... وقبلك ربّتني فضعت ربوب(٦)
ويقال للعقد في موالاة الغير: الرِّبَابَةُ، ولما يجمع فيه القدح ربابة، واختصّ الرّابّ والرّابّة بأحد الزّوجين إذا تولّى تربية الولد من زوج كان قبله، والرّبيب والرّبيبة بذلك الولد، قال تعالى: ﴿وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء : 23] ، وربّبت الأديم بالسّمن، والدّواء بالعسل، وسقاء مربوب، قال الشاعر:
175- فكوني له كالسّمن ربّت بالأدم(٧)
والرَّبَابُ: السّحاب، سمّي بذلك لأنّه يربّ النبات، وبهذا النّظر سمّي المطر درّا، وشبّه السّحاب باللّقوح. وأَرَبَّتِ السّحابة: دامت، وحقيقته أنها صارت ذات تربية، وتصوّر فيه معنى الإقامة فقيل: أَرَبَّ فلانٌ بمكان كذا تشبيها بإقامة الرّباب، وَ «رُبَّ» لاستقلال الشيء، ولما يكون وقتا بعد وقت، نحو: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحجر : 2] .
(١) هذا من حديث صفوان بن أمية لأبي سفيان يوم حنين قالها لما انهزم الناس أول المعركة من المسلمين انظر: الروض الأنف 4/ 124، والنهاية لابن الأثير 2/ 180.
(٢) وهو قول أكثر المفسرين، ويرجّحه قوله: «أكرمي مثواه» .
(٣) راجع: تفسير القرطبي 4/ 122، وعمدة الحفاظ: ربّ.
(٤) قال السمين: فقد اختار غير المختار. عمدة الحفاظ: ربّ.
(٥) البيت لأبي ذؤيب الهذلي، وهو في ديوان الهذليين 1/ 44، والمجمل 2/ 371، واللسان (ربب) .
قال ابن فارس: والمعاهدون أربة. وبهز: حيّ من سليم.
(٦) البيت لعلقمة بن عبدة، وهو في ديوانه ص 43، والمجمل 2/ 371، واللسان (ربب) ، والمفضليات ص 394.
ومطلع القصيدة: طحا بك قلب في الحسان ... بعيد الشباب عصر حان مشيب
(٧) هذا عجز بيت لعمرو بن شأس، يخاطب امرأته، وكانت تؤذي ابنه عرارا، فقال لها: فإنّ عرارا إن يكن غير واضح ... فإني أحبّ الجون ذا المنكب الغمم
فإن كنت مني، أو تريدين صحبتي ... فكوني له كالسّمن ربّ له بالأدم
أراد بالأدم النحي، يقول لزوجته: كوني له كسمن ربّ أديمه، أي: طلي بربّ التمر. انظر: اللسان (ربب) ، والتمثيل والمحاضرة ص 282، وسمط اللآلئ 2/ 803.
كفر
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
كفر
الكُفْرُ في اللّغة: ستر الشيء، ووصف الليل بِالْكَافِرِ لستره الأشخاص، والزّرّاع لستره البذر في الأرض، وليس ذلك باسم لهما كما قال بعض أهل اللّغة لمّا سمع:
387- ألقت ذكاء يمينها في كافر(١)
والْكَافُورُ: اسم أكمام الثّمرة التي تَكْفُرُهَا، قال الشاعر:
388- كالكرم إذ نادى من الكَافُورِ(٢)
وكُفْرُ النّعمة وكُفْرَانُهَا: سترها بترك أداء شكرها، قال تعالى: ﴿فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ [الأنبياء : 94] . وأعظم الكُفْرِ: جحود الوحدانيّة أو الشريعة أو النّبوّة، والكُفْرَانُ في جحود النّعمة أكثر استعمالا، والكُفْرُ في الدّين أكثر، والكُفُورُ فيهما جميعا قال: ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُوراً﴾ [الإسراء : 99] ، ﴿فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً﴾ [الفرقان : 50] ويقال منهما: كَفَرَ فهو كَافِرٌ. قال في الكفران: ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل : 40] ، وقال: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة : 152] ، وقوله: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ [الشعراء : 19] أي: تحرّيت كفران نعمتي، وقال: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم : 7] ولمّا كان الكفران يقتضي جحود النّعمة صار يستعمل في الجحود، قال: ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة : 41] أي: جاحد له وساتر، والكَافِرُ على الإطلاق متعارف فيمن يجحد الوحدانيّة، أو النّبوّة، أو الشريعة، أو ثلاثتها، وقد يقال: كَفَرَ لمن أخلّ بالشّريعة، وترك ما لزمه من شكر الله عليه. قال: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ [الروم : 44] يدلّ على ذلك مقابلته بقوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم : 44] ، وقال: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ﴾ [النحل : 83] ، وقوله: ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة : 41] أي: لا تكونوا أئمّة في الكفر فيقتدى بكم، وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ [النور : 55] عني بالكافر السّاتر للحقّ، فلذلك جعله فاسقا، ومعلوم أنّ الكفر المطلق هو أعمّ من الفسق، ومعناه: من جحد حقّ الله فقد فسق عن أمر ربّه بظلمه. ولمّا جعل كلّ فعل محمود من الإيمان جعل كلّ فعل مذموم من الكفر، وقال في السّحر: ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة : 102] وقوله: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا، إلى قوله: كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة : 275-276](٣) وقال: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ إلى قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ [آل عمران : 97](٤) والكَفُورُ: المبالغ في كفران النعمة، وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ [الزخرف : 15] ، وقال: ﴿ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ : 17] إن قيل: كيف وصف الإنسان هاهنا بالكفور، ولم يرض بذلك حتى أدخل عليه إنّ، واللّام، وكلّ ذلك تأكيد، وقال في موضع وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ [الحجرات : 7] ، فقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف : 15] تنبيه على ما ينطوي عليه الإنسان من كفران النّعمة، وقلّة ما يقوم بأداء الشّكر، وعلى هذا قوله: ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ﴾ [عبس : 17] ولذلك قال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ : 13] ، وقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان : 3] تنبيه أنه عرّفه الطّريقين كما قال: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد : 10] فمن سالك سبيل الشّكر، ومن سالك سبيل الكفر، وقوله: ﴿وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ [الإسراء : 27] فمن الكفر، ونبّه بقوله: كانَ أنه لم يزل منذ وجد منطويا على الكفر. والْكَفَّارُ أبلغ من الكفور لقوله: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق : 24] وقال: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة : 276] ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر : 3] ، ﴿إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح : 27] وقد أجري الكفّار مجرى الكفور في قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم : 34] . والكُفَّارُ في جمع الكافر المضادّ للإيمان أكثر استعمالا كقوله: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح : 29] ، وقوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح : 29] .
والكَفَرَةُ في جمع كافر النّعمة أشدّ استعمالا، وفي قوله: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس : 42] ألا ترى أنه وصف الكفرة بالفجرة؟
والفجرة قد يقال للفسّاق من المسلمين. وقوله: ﴿جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ﴾ [القمر : 14] أي: من الأنبياء ومن يجري مجراهم ممّن بذلوا النّصح في أمر الله فلم يقبل منهم. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء : 137] قيل: عني بقوله إنهم آمنوا بموسى، ثمّ كفروا بمن بعده. والنصارى آمنوا بعيسى، ثمّ كفروا بمن بعده. وقيل: آمنوا بموسى ثم كفروا بموسى إذ لم يؤمنوا بغيره، وقيل: هو ما قال: وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي إلى قوله: ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران : 72](٥) ولم يرد أنّهم آمنوا مرّتين وكفروا مرّتين، بل ذلك إشارة إلى أحوال كثيرة. وقيل: كما يصعد الإنسان في الفضائل في ثلاث درجات ينعكس في الرّذائل في ثلاث درجات. والآية إشارة إلى ذلك، وقد بيّنته في كتاب «الذّريعة إلى مكارم الشّريعة»(٦) .
ويقال: كَفَرَ فلانٌ: إذا اعتقد الكفر، ويقال ذلك إذا أظهر الكفر وإن لم يعتقد، ولذلك قال: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ [النحل : 106] ويقال: كَفَرَ فلان بالشّيطان: إذا كفر بسببه، وقد يقال ذلك إذا آمن وخالف الشّيطان، كقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة : 256] وأَكْفَرَهُ إِكْفَاراً: حكم بكفره، وقد يعبّر عن التّبرّي بالكفر نحو: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ ...
الآية [العنكبوت : 25] ، وقوله تعالى: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم : 22] ، وقوله: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ﴾ [الحديد : 20] قيل: عنى بالكفّار الزّرّاع(٧) ، لأنّهم يغطّون البذر في التّراب ستر الكفّار حقّ الله تعالى بدلالة قوله: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح : 29] ولأنّ الكافر لا اختصاص له بذلك. وقيل: بل عنى الكفار، وخصّهم بكونهم معجبين بالدّنيا وزخارفها وراكنين إليها.
والْكَفَّارَةُ: ما يغطّي الإثم، ومنه: كَفَّارَةُ اليمين نحو قوله: ﴿ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة : 89] وكذلك كفّارة غيره من الآثام ككفارة القتل والظّهار. قال: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾ [المائدة : 89] والتَّكْفِيرُ: ستره وتغطيته حتى يصير بمنزلة ما لم يعمل، ويصحّ أن يكون أصله إزالة الكفر والكفران، نحو: التّمريض في كونه إزالة للمرض، وتقذية العين في إزالة القذى عنه، قال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ [المائدة : 65] ، ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النساء : 31] وإلى هذا المعنى أشار بقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود : 114] وقيل: صغار الحسنات لا تكفّر كبار السّيّئات، وقال: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ [آل عمران : 195] ، ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الزمر : 35] ويقال: كَفَرَتِ الشمس النّجومَ: سترتها، ويقال الْكَافِرُ للسّحاب الذي يغطّي الشمس والليل، قال الشاعر:
389- ألقت ذكاء يمينها في كافر(٨)
وتَكَفَّرَ في السّلاح. أي: تغطّى فيه، والْكَافُورُ: أكمام الثمرة. أي: التي تكفُرُ الثّمرةَ، قال الشاعر:
390- كالكرم إذ نادى من الكافور(٩)
والْكَافُورُ الذي هو من الطّيب. قال تعالى: ﴿كانَ مِزاجُها كافُوراً﴾ [الإنسان : 5] .
(١) هذا عجز بيت لثعلبة بن صعير المازني، وشطره: فتذكّرت ثقلا رثيدا بعد ما
وهو من مفضليته التي مطلعها: هل عند عمرة من بتات مسافر ... ذي حاجة متروّح أو باكر
والبيت في المفضليات ص 130، واللسان (كفر) ، والأفعال 2/ 174.
(٢) الرجز للعجاج، وهو في اللسان (كفر) ، وتهذيب اللغة 10/ 201.
(٣) الآية: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا، فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ، وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ، وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ.
(٤) الآية: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ.
(٥) قالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.
(٦) قال الراغب في كتاب «الذريعة» : وللإنسان مع كل فضيلة ورذيلة ثلاثة أحوال: إمّا أن يكون في ابتدائها، فيقال: هو عبدها وابنها، ولهذا قال بعضهم: من لم يخدم العلم لم يرعه. والثاني: أن يتوسطها فيقال: هو أخوها وصاحبها.
والثالث: أن ينتهي فيها بقدر وسعه، ويتصرف فيها كما أراد، فيقال: هو ربّها وسيدها. انظر: كتاب الذريعة إلى مكارم الشريعة ص 44.
(٧) وهذا قول ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن ص 454.
(٨) تقدم قريبا ص 714.
(٩) الشطر تقدّم قريبا ص 714.
رود
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
رود
الرَّوْدُ: التّردّد في طلب الشيء برفق، يقال: رَادَ وارْتَادَ، ومنه: الرَّائِدُ، لطالب الكلإ، ورَادَ الإبلُ في طلب الكلإ، وباعتبار الرّفق قيل: رَادَتِ الإبلُ في مشيها تَرُودُ رَوَدَاناً، ومنه بني المرْوَدُ. وأَرْوَدَ يُرْوِدُ: إذا رفق، ومنه بني رُوَيْدٌ، نحو: رُوَيْدَكَ الشّعر يغبّ(١) .
والْإِرَادَةُ منقولة من رَادَ يَرُودُ: إذا سعى في طلب شيء، والْإِرَادَةُ في الأصل: قوّة مركّبة من شهوة وحاجة وأمل، وجعل اسما لنزوع النّفس إلى الشيء مع الحكم فيه بأنه ينبغي أن يفعل، أو لا يفعل، ثم يستعمل مرّة في المبدإ، وهو: نزوع النّفس إلى الشيء، وتارة في المنتهى، وهو الحكم فيه بأنه ينبغي أن يفعل أو لا يفعل، فإذا استعمل في الله فإنه يراد به المنتهى دون المبدإ، فإنه يتعالى عن معنى النّزوع، فمتى قيل: أَرَادَ الله كذا، فمعناه: حكم فيه أنه كذا وليس بكذا، نحو: ﴿إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ [الأحزاب : 17] ، وقد تذكر الْإِرَادَةُ ويراد بها معنى الأمر، كقولك: أُرِيدَ منك كذا، أي: آمرك بكذا، نحو: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة : 185] ، وقد يذكر ويراد به القصد، نحو: ﴿لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص : 83] ، أي: يقصدونه ويطلبونه.
والْإِرَادَةُ قد تكون بحسب القوّة التّسخيرية والحسّيّة، كما تكون بحسب القوّة الاختياريّة، ولذلك تستعمل في الجماد، وفي الحيوانات نحو: ﴿جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف : 77] ، ويقال: فرسي تريد التّبن.
والمُرَاوَدَةُ: أن تنازع غيرك في الإرادة، فتريد غير ما يريد، أو ترود غير ما يرود، ورَاوَدْتُ فلانا عن كذا. قال: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ [يوسف : 26] ، وقال: ﴿تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف : 30] ، أي: تصرفه عن رأيه، وعلى ذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف : 32] ، ﴿سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ﴾ [يوسف : 61] .
(١) قال في اللسان: أغبّ: بات، ومنه قولهم: رويد الشّعر يغبّ، معناه: دعه يمكث يوما أو يومين. انظر: اللسان (غبّ) ، والأمثال: ص 217.
ماذا - هذا
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
ذو
ذو على وجهين:
أحدهما: يتوصّل به إلى الوصف بأسماء الأجناس والأنواع، ويضاف إلى الظاهر دون المضمر، ويثنّى ويجمع، ويقال في المؤنّث: ذات، وفي التثنية: ذواتا، وفي الجمع: ذوات، ولا يستعمل شيء منها إلّا مضافا، قال: ﴿وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ﴾ [البقرة : 251] ، وقال: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى﴾ [النجم : 6] ، ﴿وَذِي الْقُرْبى﴾ [البقرة : 83] ، ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود : 3] ، ﴿ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى﴾ [البقرة : 177] ، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال : 43] ، ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ﴾ [الكهف : 18] ، ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال : 7] ، وقال: ﴿ذَواتا أَفْنانٍ﴾ [الرحمن : 48] .
وقد استعار أصحاب المعاني الذّات، فجعلوها عبارة عن عين الشيء، جوهرا كان أو عرضا، واستعملوها مفردة ومضافة إلى المضمر بالألف واللام، وأجروها مجرى النّفس والخاصّة، فقالوا: ذاته، ونفسه وخاصّته، وليس ذلك من كلام العرب(١) .
والثاني في لفظ ذو: لغة لطيّئ، يستعملونه استعمال الذي، ويجعل في الرفع، والنصب والجرّ، والجمع، والتأنيث على لفظ واحد(٢) ، نحو:
171- وبئري ذو حفرت وذو طويت(٣)
أي: التي حفرت والتي طويت .
وأما (ذا) في (هذا) فإشارة إلى شيء محسوس، أو معقول، ويقال في المؤنّث: ذه وذي وتا، فيقال: هذه وهذي، وهاتا، ولا تثنّى منهنّ إلّا هاتا، فيقال: هاتان.
قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء : 62] ، ﴿هذا ما تُوعَدُونَ﴾ [ص : 53] ، ﴿هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الذاريات : 14] ، ﴿إِنْ هذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه : 63] ، إلى غير ذلك ؛ هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ [الطور : 14] ، ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن : 43] .
ويقال بإزاء هذا في المستبعد بالشخص أو بالمنزلة: (ذَاكَ) و (ذلك) قال تعالى: الم ذلِكَ الْكِتابُ [البقرة : 1-2] ، ﴿ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ﴾ [الكهف : 17] ، ﴿ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى﴾ [الأنعام : 131] ، إلى غير ذلك.
وقولهم: (ماذا) يستعمل على وجهين: أحدهما. أن يكون (ما) مع (ذا) بمنزلة اسم واحد، والآخر: أن يكون (ذا) بمنزلة (الذي) ، فالأوّل نحو قولهم: عمّاذا تسأل؟ فلم تحذف الألف منه لمّا لم يكن ما بنفسه للاستفهام، بل كان مع ذا اسما واحدا، وعلى هذا قول الشاعر:
172- دعي ماذا علمت سأتّقيه(٤)
أي: دعي شيئا علمته.
وقوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ [البقرة : 219] ، فإنّ من قرأ: قُلِ الْعَفْوَ(٥) بالنّصب فإنّه جعل الاسمين بمنزلة اسم واحد، كأنّه قال: أيّ شيء ينفقون؟ ومن قرأ: قُلِ الْعَفْوُ(٦) بالرّفع، فإنّ (ذا) بمنزلة الذي، وما للاستفهام أي: ما الذي ينفقون؟ وعلى هذا قوله تعالى: ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ؟ قالُوا: ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النحل : 24] ، و (أساطير) بالرّفع والنصب(٧) .
(١) انظر ما كتبناه في ذلك في تحقيقنا كتاب (وضح البرهان في مشكلات القرآن) للنيسابوري عند قوله تعالى: حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ سورة يس: آية 39.
(٢) وفي ذلك قال ابن مالك في ألفيته: ومن وما وأل تساوي ما ذكر ... وهكذا (ذو) عند طيئ شهر
(٣) هذا عجز بيت، وشطره: فإنّ الماء ماء أبي وجدّي
وهو لسنان بن فحل الطائي.
والبيت في الفرائد الجديدة للسيوطي 1/ 184، وشفاء العليل في إيضاح التسهيل 1/ 227، وشرح المفصل 3/ 147، والأمالي الشجرية 2/ 306.
(٤) هذا شطر بيت، وعجزه: ولكن بالمغيّب نبئيني
وهو من شواهد سيبويه 1/ 405، ولم يعرف قائله، وهو في الخزانة 6/ 142، واللسان (ذا) ، وهمع الهوامع 1/ 84.
(٥) وبها قرأ جميع القراء إلا أبا عمرو. انظر: الإتحاف ص 157.
(٦) وهي قراءة أبي عمرو.
(٧) وقراءة الرفع هي الصحيحة المتواترة. وبها قرأ القرّاء العشر، أمّا قراءة النصب فهي شاذة.
ضل
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
ضل
الضَّلَالُ: العدولُ عن الطّريق المستقيم، ويضادّه الهداية، قال تعالى: فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها [الإسراء : 15] ، ويقال الضَّلَالُ لكلّ عدولٍ عن المنهج، عمدا كان أو سهوا، يسيرا كان أو كثيرا، فإنّ الطّريق المستقيم الذي هو المرتضى صعب جدا، قال النبيّ ﷺ: «استقيموا ولن تُحْصُوا»(١) وقال بعض الحكماء: كوننا مصيبين من وجه وكوننا ضَالِّينَ من وجوه كثيرة، فإنّ الاستقامة والصّواب يجري مجرى المقرطس من المرمى، وما عداه من الجوانب كلّها ضَلَالٌ.
ولما قلنا روي عن بعض الصالحين أنه رأى النبيّ ﷺ في منامه فقال: يا رسول الله يروى لنا أنّك قلت: «شيّبتني سورة هود وأخواتها فما الذي شيّبك منها؟ فقال: قوله: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ»(٢) . وإذا كان الضَّلَالُ تركَ الطّريق المستقيم عمدا كان أو سهوا، قليلا كان أو كثيرا، صحّ أن يستعمل لفظ الضَّلَالِ ممّن يكون منه خطأ ما، ولذلك نسب الضَّلَالُ إلى الأنبياء، وإلى الكفّار، وإن كان بين الضَّلَالَيْنِ بون بعيد، ألا ترى أنه قال في النّبي ﷺ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى﴾ [الضحى : 7] ، أي: غير مهتد لما سيق إليك من النّبوّة. وقال في يعقوب: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف : 95] ، وقال أولاده: ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف : 8] ، إشارة إلى شغفه بيوسف وشوقه إليه، وكذلك: ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف : 30] ، وقال عن موسى عليه السلام: ﴿فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء : 20] ، تنبيه أنّ ذلك منه سهو، وقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما﴾ [البقرة : 282] ، أي: تنسى، وذلك من النّسيان الموضوع عن الإنسان. والضَّلَالُ من وجه آخر ضربان: ضَلَالٌ في العلوم النّظريّة، كالضَّلَالِ في معرفة الله ووحدانيّته، ومعرفة النّبوّة، ونحوهما المشار إليهما بقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً﴾ [النساء : 136] . وضَلَالٌ في العلوم العمليّة، كمعرفة الأحكام الشّرعيّة التي هي العبادات، والضَّلَالُ البعيدُ إشارةٌ إلى ما هو كفر كقوله على ما تقدّم من قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ﴾ [النساء : 136] ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً﴾ [النساء : 167] ، وكقوله: ﴿فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ﴾ [سبأ : 8] ، أي: في عقوبة الضَّلَالِ البعيدِ، وعلى ذلك قوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك : 9] ، ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة : 77] ، وقوله: ﴿أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ﴾ [السجدة : 10] ، كناية عن الموت واستحالة البدن. وقوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة : 7] ، فقد قيل: عني بِالضَّالِّينَ النّصارى(٣) . وقوله: ﴿فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى﴾ [طه : 52] ، أي: لا يَضِلُّ عن ربّي، ولا يَضِلُّ ربّي عنه: أي: لا يغفله، وقوله: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ [الفيل : 2] ، أي: في باطل وإِضْلَالٍ لأنفسهم.
والإِضْلَالُ ضربان: أحدهما: أن يكون سببه الضَّلَالُ، وذلك على وجهين: إمّا بأن يَضِلَّ عنك الشيءُ كقولك: أَضْلَلْتُ البعيرَ، أي: ضَلَّ عنّي، وإمّا أن تحكم بِضَلَالِهِ، والضَّلَالُ في هذين سبب الإِضْلَالِ.
والضّرب الثاني: أن يكون الإِضْلَالُ سببا لِلضَّلَالِ، وهو أن يزيّن للإنسان الباطل ليضلّ كقوله: ﴿لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء : 113] ، أي يتحرّون أفعالا يقصدون بها أن تَضِلَّ، فلا يحصل من فعلهم ذلك إلّا ما فيه ضَلَالُ أنفسِهِم، وقال عن الشيطان: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ [النساء : 119] ، وقال في الشّيطان: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً﴾ [يس : 62] ، ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً﴾ [النساء : 60] ، ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص : 26] ، وإِضْلَالُ اللهِ تعالى للإنسان على أحد وجهين: أحدهما أن يكون سببُهُ الضَّلَالَ، وهو أن يَضِلَّ الإنسانُ فيحكم الله عليه بذلك في الدّنيا، ويعدل به عن طريق الجنّة إلى النار في الآخرة، وذلك إِضْلَالٌ هو حقٌّ وعدلٌ، فالحكم على الضَّالِّ بضَلَالِهِ والعدول به عن طريق الجنّة إلى النار عدل وحقّ.
والثاني من إِضْلَالِ اللهِ: هو أنّ الله تعالى وضع جبلّة الإنسان على هيئة إذا راعى طريقا، محمودا كان أو مذموما، ألفه واستطابه ولزمه، وتعذّر صرفه وانصرافه عنه، ويصير ذلك كالطّبع الذي يأبى على الناقل، ولذلك قيل: العادة طبع ثان(٤) . وهذه القوّة في الإنسان فعل إلهيّ، وإذا كان كذلك- وقد ذكر في غير هذا الموضع أنّ كلّ شيء يكون سببا في وقوع فعل- صحّ نسبة ذلك الفعل إليه، فصحّ أن ينسب ضلال العبد إلى الله من هذا الوجه، فيقال: أَضَلَّهُ اللهُ لا على الوجه الذي يتصوّره الجهلة، ولما قلناه جعل الإِضْلَالَ المنسوب إلى نفسه للكافر والفاسق دون المؤمن، بل نفى عن نفسه إِضْلَالَ المؤمنِ فقال: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ﴾ [التوبة : 115] ، ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ﴾ [محمد : 4-5] ، وقال في الكافر والفاسق: ﴿فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ [محمد : 8] ، ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ﴾ [البقرة : 26] ، ﴿كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ﴾ [غافر : 74] ، ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم : 27] ، وعلى هذا النّحو تقليب الأفئدة في قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ﴾ [الأنعام : 110] ، والختم على القلب في قوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة : 7] ، وزيادة المرض في قوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً﴾ [البقرة : 10] .
(١) الحديث عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أنّ خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» أخرجه مالك في الموطأ 1/ 34، وأحمد 5/ 280، والحاكم 1/ 130، والدارمي من طرق صحاح 1/ 168.
(٢) الحديث تقدّم في مادة (حصا) ص 241.
(٣) أخرج أحمد والترمذي وحسّنه وابن أبي حاتم 1/ 23 عن عديّ بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ المغضوب عليهم اليهود، وإنّ الضالين النصارى» انظر: الدر المنثور 1/ 42. المسند 4/ 378.
(٤) انظر: بسط المقال في ذلك في كتاب (الذريعة) للمؤلف ص 38- 39.
كثير
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
كثر
قد تقدّم أنّ الْكِثْرَةَ والقلّة يستعملان في الكمّيّة المنفصلة كالأعداد(١) . قال تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً﴾ [المائدة : 64] ، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [المؤمنون : 70] ، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ﴾ [الأنبياء : 24] ، قال: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ [البقرة : 249] ، وقال: ﴿وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً﴾ [النساء : 1] ، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ [البقرة : 109] إلى آيات كثيرة، وقوله: ﴿بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [ص : 51] فإنه جعلها كثيرة اعتبارا بمطاعم الدّنيا، وليست الْكَثْرَةُ إشارة إلى العدد فقط بل إلى الفضل، ويقال: عدد كَثِيرٌ وكُثَارٌ وكَاثِرٌ: زائد، ورجل كَاثِرٌ: إذا كان كَثِيرَ المال، قال الشاعر:
382- ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر(٢)
والْمُكَاثَرَةُ والتّكَاثُرُ: التّباري في كثرة المال والعزّ. قال تعالى: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [التكاثر : 1] وفلان مَكْثُورٌ، أي: مغلوب في الكثرة، والمِكْثَارُ متعارف في كثرة الكلام، والكَثَرُ: الجمّار الكثير، وقد حكي بتسكين الثاء، وروي: «لا قطع في ثمر ولا كَثْرٍ»(٣) وقوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر : 1] قيل: هو نهر في الجنّة يتشعّب عنه الأنهار، وقيل: بل هو الخير العظيم الذي أعطاه النبيّ ﷺ، وقد يقال للرّجل السّخيّ: كَوْثَرٌ، ويقال: تَكَوْثَرَ الشيءُ: كَثُرَ كَثْرَةً متناهية، قال الشاعر:
383- وقد ثار نقع الموت حتى تكوثرا(٤)
(١) راجع مادة (كبر) .
(٢) البيت تقدّم في مادة (قلّ) .
(٣) الحديث عن رافع بن خديج قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا قطع في ثمر ولا كثر» أخرجه أحمد في المسند 3/ 463، ومالك في الموطأ 2/ 839، والنسائي 8/ 87. وهو حديث منقطع لكن له متابعات.
(٤) هذا عجز بيت، وصدره: أبوا أن يبيحوا جارهم لعدوهم
وهو لحسان بن نشيبة، والبيت في اللسان (كثر) ، وأساس البلاغة (كثر) ، وشرح الحماسة 1/ 177.
هدى
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
هدى
الهداية دلالة بلطف، ومنه: الهديّة، وهوادي الوحش. أي: متقدّماتها الهادية لغيرها، وخصّ ما كان دلالة بهديت، وما كان إعطاء بأهديت.
نحو: أهديت الهديّة، وهديت إلى البيت. إن قيل: كيف جعلت الهداية دلالة بلطف وقد قال الله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات : 23] ، ﴿وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج : 4] . قيل: ذلك استعمل فيه استعمال اللّفظ على التّهكّم مبالغة في المعنى كقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران : 21] وقول الشاعر:
457- تحيّة بينهم ضرب وجيع(١) وهداية الله تعالى للإنسان على أربعة أوجه: الأوّل: الهداية التي عمّ بجنسها كلّ مكلّف من العقل، والفطنة، والمعارف الضّروريّة التي أعمّ منها كلّ شيء بقدر فيه حسب احتماله كما قال: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه : 50] .
الثاني: الهداية التي جعل للناس بدعائه إيّاهم على ألسنة الأنبياء، وإنزال القرآن ونحو ذلك، وهو المقصود بقوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا [الأنبياء : 73] .
الثالث: التّوفيق الذي يختصّ به من اهتدى، وهو المعنيّ بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً﴾ [محمد : 17] ، وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن : 11] ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ﴾ [يونس : 9] ، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا﴾ [العنكبوت : 69] ، ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً﴾ [مريم : 76] ، ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة : 213] ، ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة : 213] .
الرّابع: الهداية في الآخرة إلى الجنّة المعنيّ بقوله: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ [محمد : 5] ، ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف : 43] إلى قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا(٢) .
وهذه الهدايات الأربع مترتّبة، فإنّ من لم تحصل له الأولى لا تحصل له الثّانية بل لا يصحّ تكليفه، ومن لم تحصل له الثّانية لا تحصل له الثّالثة والرّابعة، ومن حصل له الرّابع فقد حصل له الثلاث التي قبلها، ومن حصل له الثالث فقد حصل له اللّذان قبله(٣) . ثمّ ينعكس، فقد تحصل الأولى ولا يحصل له الثاني ولا يحصل الثالث، والإنسان لا يقدر أن يهدي أحدا إلّا بالدّعاء وتعريف الطّرق دون سائر أنواع الهدايات، وإلى الأوّل أشار بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى : 52] ، ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنا﴾ [السجدة : 24] ، ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد : 7] أي: داع، وإلى سائر الهدايات أشار بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص : 56] وكلّ هداية ذكر الله عزّ وجلّ أنه منع الظالمين والكافرين فهي الهداية الثالثة، وهي التّوفيق الذي يختصّ به المهتدون، والرّابعة التي هي الثّواب في الآخرة، وإدخال الجنّة. نحو قوله عزّ وجلّ: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً إلى قوله: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(٤) [آل عمران : 86] وكقوله: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ [النحل : 107] وكلّ هداية نفاها الله عن النبيّ ﷺ وعن البشر، وذكر أنهم غير قادرين عليها فهي ما عدا المختصّ من الدّعاء وتعريف الطريق، وذلك كإعطاء العقل، والتّوفيق، وإدخال الجنة، كقوله عزّ ذكره: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة : 272] ، ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى﴾ [الأنعام : 35] ، ﴿وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ [النمل : 81] ، ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل : 37] ، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ [الزمر : 36] ، ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر : 37] ، ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [القصص : 56] وإلى هذا المعنى أشار بقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس : 99] ، وقوله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ [الإسراء : 97] ، أي: طالب الهدى ومتحرّيه هو الذي يوفّقه ويَهْدِيهِ إلى طريق الجنّة لا من ضادّه، فيتحرّى طريق الضّلال والكفر كقوله: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ [التوبة : 37] ، وفي أخرى الظَّالِمِينَ [التوبة : 109] ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر : 3] الكاذب الكفّار: هو الذي لا يقبل هدايته، فإنّ ذلك راجع إلى هذا وإن لم يكن لفظه موضوعا لذلك، ومن لم يقبل هِدَايَتَهُ لم يهده، كقولك: من لم يقبل هَدِيَّتِي لم أهد له، ومن لم يقبل عطيّتي لم أعطه، ومن رغب عنّي لم أرغب فيه، وعلى هذا النحو: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة : 109] وفي أخرى: ﴿الْفاسِقِينَ﴾ [التوبة : 80] وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى﴾ [يونس : 35] ، وقد قرئ: يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى(٥) أي: لا يهدي غيره ولكن يهدى. أي: لا يعلم شيئا ولا يعرف أي لا هداية له، ولو هدي أيضا لم يهتد، لأنها موات من حجارة ونحوها، وظاهر اللّفظ أنه إذا هدي اهْتَدَى لإخراج الكلام أنها أمثالكم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ﴾ [الأعراف : 194] وإنّما هي أموات، وقال في موضع آخر: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل : 73] ، وقوله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان : 3] ، ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد : 10] ، ﴿وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات : 118] فذلك إشارة إلى ما عرّف من طريق الخير والشّرّ(٦) ، وطريق الثواب والعقاب بالعقل والشرع وكذا قوله: ﴿فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف : 30] ، ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [القصص : 56] ، ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن : 11] فهو إشارة إلى التّوفيق الملقى في الرّوع فيما يتحرّاه الإنسان وإياه عنى بقوله عزّ وجلّ: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً﴾ [محمد : 17] وعدّي الهِدَايَةُ في مواضع بنفسه، وفي مواضع باللام، وفي مواضع بإلى، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران : 101] ، ﴿وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام : 87] وقال: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ﴾ [يونس : 35] وقال: ﴿هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات : 18-19] .
وما عدّي بنفسه نحو: ﴿وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء : 68] ، ﴿وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات : 118] ، ﴿اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة : 6] ، ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [النساء : 88] ، ﴿وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً﴾ [النساء : 168] ، ﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ [يونس : 43] ، ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء : 175] .
ولمّا كانت الهِدَايَةُ والتّعليم يقتضي شيئين: تعريفا من المعرّف، وتعرّفا من المعرّف، وبهما تمّ الهداية والتّعليم فإنه متى حصل البذل من الهَادِي والمعلم ولم يحصل القبول صحّ أن يقال: لم يَهْدِ ولم يعلّم اعتبارا بعدم القبول، وصحّ أن يقال: هَدَى وعلّم اعتبارا ببذله، فإذا كان كذلك صحّ أن يقال: إنّ الله تعالى لم يهد الكافرين والفاسقين من حيث إنه لم يحصل القبول الذي هو تمام الهداية والتّعليم، وصحّ أن يقال: هَدَاهُمْ وعلّمهم من حيث إنه حصل البذل الذي هو مبدأ الْهِدَايَةِ. فعلى الاعتبار بالأول يصحّ أن يحمل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة : 109] ، وَالْكافِرِينَ [التوبة : 37] وعلى الثاني قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾ [فصلت : 17] والأولى حيث لم يحصل القبول المفيد فيقال: هداه الله فلم يهتد، كقوله: وَأَمَّا ثَمُودُ الآية، وقوله: لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إلى قوله: وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ(٧) [البقرة : 142-143] فهم الّذين قبلوا هداه واهتدوا به، وقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة : 6] ، ﴿وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء : 68] فقد قيل: عني به الهِدَايَةُ العامّة التي هي العقل، وسنّة الأنبياء، وأمرنا أن نقول ذلك بألسنتنا وإن كان قد فعل ليعطينا بذلك ثوابا كما أمرنا أن نقول: اللهمّ صلّ على محمد وإن كان قد صلّى عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب : 56] وقيل: إن ذلك دعاء بحفظنا عن استغواء الغواة واستهواء الشّهوات، وقيل: هو سؤال للتّوفيق الموعود به في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً﴾ [محمد : 17] وقيل: سؤال للهداية إلى الجنّة في الآخرة، وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة : 143] فإنه يعني به من هداه بالتّوفيق المذكور في قوله عزّ وجلّ: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً.
والهُدَى والهِدَايَةُ في موضوع اللّغة واحد لكن قد خصّ الله عزّ وجلّ لفظة الهدى بما تولّاه وأعطاه، واختصّ هو به دون ما هو إلى الإنسان نحو: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة : 2] ، ﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة : 5] ، ﴿هُدىً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة : 185] ، ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ﴾ [البقرة : 38] ، ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى﴾ [الأنعام : 71] ، ﴿وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران : 138] ، ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى﴾ [الأنعام : 35] ، ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل : 37] ، ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾ [البقرة : 16] .
والاهْتِدَاءُ يختصّ بما يتحرّاه الإنسان على طريق الاختيار، إمّا في الأمور الدّنيويّة، أو الأخرويّة قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها﴾ [الأنعام : 97] ، وقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء : 98] ويقال ذلك لطلب الهداية نحو: ﴿وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة : 53] ، وقال: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة : 150] ، ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [آل عمران : 20] ، ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البقرة : 137] .
ويقال المُهْتَدِي لمن يقتدي بعالم نحو: ﴿أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة : 104] تنبيها أنهم لا يعلمون بأنفسهم ولا يقتدون بعالم، وقوله: ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [النمل : 92] فإن الِاهْتِدَاءَ هاهنا يتناول وجوه الاهتداء من طلب الهداية، ومن الاقتداء، ومن تحرّيها، وكذا قوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل : 24] وقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى﴾ [طه : 82] فمعناه: ثم أدام طلب الهداية، ولم يفترّ عن تحرّيه، ولم يرجع إلى المعصية. وقوله: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ إلى قوله: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ(٨) [البقرة : 157] أي: الذين تحرّوا هدايته وقبلوها وعملوا بها، وقال مخبرا عنهم: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف : 49] .
والهَدْيُ مختصّ بما يُهْدَى إلى البيت. قال الأخفش(٩) : والواحدة هَدْيَةٌ، قال: ويقال للأنثى هَدْيٌ كأنه مصدر وصف به، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة : 196] ، ﴿هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة : 95] ، ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ﴾ [المائدة : 2] ، ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً﴾ [الفتح : 25] .
والهَدِيَّةُ مختصّة باللُّطَف الذي يُهْدِي بعضنا إلى بعضٍ. قال تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ [النمل : 35] ، ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل : 36] والمِهْدَى الطّبق الذي يهدى عليه، والْمِهْدَاءُ: من يكثر إِهْدَاءَ الهديّة، قال الشاعر:
467- وإنّك مهداء الخنا نطف الحشا(١٠)
والْهَدِيُّ يقال في الهدي، وفي العروس يقال: هَدَيْتُ العروسَ إلى زوجها، وما أحسن هَدِيَّةَ فلان وهَدْيَهُ، أي: طريقته، وفلان يُهَادِي بين اثنين: إذا مشى بينهما معتمدا عليهما، وتَهَادَتِ المرأة: إذا مشت مشي الهدي.
(١) العجز لعمرو بن معديكرب، وشطره: [وخيل قد دلفت لها بخيل] .
وهو في ديوانه ص 149، وشرح أبيات سيبويه 2/ 200، والمقتضب 2/ 20، وتفسير الطبري 1/ 310.
(٢) الآية: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ، وَقالُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا.
(٣) قد نقل ابن القيم هذه الهدايات الأربع في عدة مواضع من كتبه. انظر مثلا: بدائع الفوائد 2/ 35- 37.
(٤) الآية: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
(٥) قرأ حمزة والكسائي وخلف يهدي.
(٦) مجاز القرآن 2/ 299.
(٧) الآيتان: لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ.
(٨) الآيتان: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ.
(٩) ليس هذا النقل في معاني القرآن له.
(١٠) البيت يروى: وإنّك مهداء الخنا نطف النثا ... شديد السباب رافع الصوت غالبه
وهو للحسيل بن عرفطة في البيان والتبيين 3/ 202، والحيوان 3/ 494.
فسق
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
فسق
فَسَقَ فلان: خرج عن حجر الشّرع، وذلك من قولهم: فَسَقَ الرُّطَبُ، إذا خرج عن قشره(١) ، وهو أعمّ من الكفر. والفِسْقُ يقع بالقليل من الذّنوب وبالكثير، لكن تعورف فيما كان كثيرا، وأكثر ما يقال الفَاسِقُ لمن التزم حكم الشّرع وأقرّ به، ثمّ أخلّ بجميع أحكامه أو ببعضه، وإذا قيل للكافر الأصليّ: فَاسِقٌ، فلأنّه أخلّ بحكم ما ألزمه العقل واقتضته الفطرة، قال الله تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف : 50] ، ﴿فَفَسَقُوا فِيها﴾ [الإسراء : 16] ، ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ [آل عمران : 110] ، ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ [النور : 4] ، ﴿أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً﴾ [السجدة : 18] ، ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ [النور : 55] ، أي: من يستر نعمة الله فقد خرج عن طاعته، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة : 20] ، ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأنعام : 49] ، ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ [المائدة : 108] ، ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ [التوبة : 67] ، ﴿كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ [يونس : 33] ، ﴿أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً﴾ [السجدة : 18] ، فقابل به الإيمان. فالفاسق أعمّ من الكافر، والظالم أعمّ من الفاسق. وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ إلى قوله: وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ(٢) وسمّيت الفأرة فُوَيْسَقَةً لما اعتقد فيها من الخبث والفسق. وقيل: لخروجها من بيتها مرّة بعد أخرى. وقال عليه الصلاة والسلام: (اقتلوا الفويسقة فإنّها توهي السّقاء وتضرم البيت على أهله)(٣) . قال ابن الأعرابيّ: لم يسمع الفاسق في وصف الإنسان في كلام العرب، وإنما قالوا: فسقت الرّطبة عن قشرها(٤) .
(١) وهذا قول الفرّاء. انظر تفسير الرازي 2/ 147.
(٢) الآية: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ سورة النور: آية 4.
(٣) في البخاري: عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «خمّروا الآنية، وأجيفوا الأبواب، وأطفئوا المصابيح، فإنّ الفويسقة ربّما جرّت الفتيلة فأحرقت أهل البيت» . انظر: فتح الباري 11/ 85 باب: لا تترك النار عند النوم.
(٤) قال ابن الأعرابي: ولم يسمع في كلام الجاهلية في شعر ولا كلام فاسق. قال: وهذا عجب: هو كلام عربيّ ولم يأت في شعر جاهلي. انظر: المجمل 3/ 721، وغلّطه السمين في عمدة الحفاظ: فسق، لكنه لم يذكر مثالا على استعمالهم.