التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سورة البقرة، الآية: ٣٣

(قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ). سورة البقرة، الآية: ٣٣

التحرير والتنوير - ابن عاشور
﴿قالَ يا آدَمُ أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ﴾لَمّا دَخَلَ هَذا القَوْلُ في جُمْلَةِ المُحاوَرَةِ جُرِّدَتِ الجُمْلَةُ مِنَ الفاءِ أيْضًا كَما تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ لِأنَّهُ وإنْ كانَ إقْبالًا بِالخِطابِ عَلى غَيْرِ المُخاطَبِينَ بِالأقْوالِ الَّتِي قَبْلَهُ فَهو بِمَثابَةِ خِطابٍ لَهم لِأنَّ المَقْصُودَ مِن خِطابِ آدَمَ بِذَلِكَ أنْ يُظْهِرَ عَقِبَهُ فَضْلَهُ عَلَيْهِمْ في العِلْمِ مِن هاتِهِ النّاحِيَةِ فَكانَ الخِطابُ بِمَنزِلَةِ أنْ يَكُونَ مَسُوقًا إلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ عَقِبَ ذَلِكَ ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّيَ أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وابْتِداءُ خِطابِ آدَمَ بِنِدائِهِ - مَعَ أنَّهُ غَيْرُ بَعِيدٍ عَنْ سَماعِ الأمْرِ الإلَهِيِّ - لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ آدَمَ وإظْهارِ اسْمِهِ في المَلَأِ الأعْلى حَتّى يَنالَ حُسْنَ السُّمْعَةِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّكْرِيمِ عِنْدَ الآمِرِ؛ لِأنَّ شَأْنَ الآمِرِ والمُخاطِبِ - بِالكَسْرِ - إذا تَلَطَّفَ مَعَ المُخاطَبِ - بِالفَتْحِ - أنْ يَذْكُرَ اسْمَهُ ولا يَقْتَصِرَ عَلى ضَمِيرِ الخِطابِ حَتّى لا يُساوِيَ بِخِطابِهِ كُلَّ خِطابٍ، ومِنهُ ما جاءَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ بَعْدَ ذِكْرِ سُجُودِ النَّبِيءِ وحَمْدِهِ اللَّهَ بِمَحامِدَ يُلْهِمُهُ إيّاها فَيَقُولُ «يا مُحَمَّدُ ”ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَ واشْفَعْ تُشَفَّعْ» “ وهَذِهِ نُكْتَةُ ذِكْرِ الِاسْمِ حَتّى في أثْناءِ المُخاطَبَةِ كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
أفاطِمُ مَهْلًا بَعْضَ هَذا التَّدَلُّلِ
ورُبَّما جَعَلُوا النِّداءَ طَرِيقًا إلى إحْضارِ اسْمِهِ الظّاهِرِ لِأنَّهُ لا طَرِيقَ لِإحْضارِهِ عِنْدَ المُخاطَبَةِ إلّا بِواسِطَةِ النِّداءِ، فالنِّداءُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ المَجازِيِّ.
* * *
﴿فَلَمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ﴾الإنْباءُ إخْبارُهم بِالأسْماءِ، وفِيهِ إيماءٌ بِأنَّ المُخْبَرَ بِهِ شَيْءٌ مُهِمٌّ. والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِالإضافَةِ ضَمِيرُ المُسَمَّياتِ مِثْلُ ضَمِيرِ (عَرَضَهم)، وفي إجْرائِهِ عَلى صِيغَةِ ضَمائِرِ العُقَلاءِ ما قَرَّرَ في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ [البقرة: ٣١] . وقَوْلُهُ ﴿فَلَمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ﴾ الضَّمِيرُ في أنْبَأ لِآدَمَ وفي قالَ ضَمِيرُ اسْمِ الجَلالَةِ، وإنَّما لَمْ يُؤْتَ بِفاعِلِهِ اسْمًا ظاهِرًا مَعَ أنَّهُ جَرى عَلى غَيْرِ مَن هَوَ لَهُ أيْ جاءَ عَقِبَ ضَمائِرِ آدَمَ في قَوْلِهِ ﴿أنْبِئْهُمْ﴾ و﴿أنْبَأهُمْ﴾ لِأنَّ السِّياقَ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ لا يَصْدُرُ مِن مِثْلِ آدَمَ.
* * *﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّيَ أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾جَوابُ لَمّا، والقائِلُ هو اللَّهُ تَعالى وهو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ﴾ [البقرة: ٣٠] وعادَتْ إلَيْهِ ضَمائِرُ (قالَ إنِّيَ أعْلَمُ) و(عَلَّمَ) و(عَرَضَهم) وما قَبْلَهُ مِنَ الضَّمائِرِ وهو تَذْكِيرٌ لَهم بِقَوْلِهِ لَهم في أوَّلِ المُحاوَرَةِ ﴿إنِّيَ أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] وذَلِكَ القَوْلُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ﴿أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ صَراحَةً إلّا أنَّهُ يَتَضَمَّنُهُ لِأنَّ عُمُومَ ما (لا تَعْلَمُونَ) يَشْمَلُ جَمِيعَ ذَلِكَ فَيَكُونُ قَوْلُهُ هُنا ﴿إنِّيَ أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ بَيانًا لِما أُجْمِلَ في القَوْلِ الأوَّلِ لِأنَّهُ يُساوِيهِ ماصَدَقًا لِأنَّ (ما لا تَعْلَمُونَ) هو غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ، وقَدْ زادَ البَيانُ هُنا عَلى المُبَيَّنِ بِقَوْلِهِ:
* * *
﴿وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾وإنَّما جِيءَ بِالإجْمالِ قَبْلَ ظُهُورِ البُرْهانِ وجِيءَ بِالتَّفْصِيلِ بَعْدَ ظُهُورِهِ عَلى طَرِيقَةِ الحِجاجِ وهو إجْمالُ الدَّعْوى وتَفْصِيلُ النَّتِيجَةِ لِأنَّ الدَّعْوى قَبْلَ البُرْهانِ قَدْ يَتَطَرُّقَها شَكُّ السّامِعِ بِأنْ يَحْمِلَها عَلى المُبالَغَةِ ونَحْوِها وبَعْدَ البُرْهانِ يَصِحُّ لِلْمُدَّعِي أنْ يُوقِفَ المَحْجُوجَ عَلى غَلَطِهِ ونَحْوِهِ وأنْ يَتَبَجَّحَ عَلَيْهِ بِسُلْطانِ بُرْهانِهِ، فَإنَّ لِلْحَقِّ صَوْلَةً، ونَظِيرُهُ قَوْلُ صاحِبِ مُوسى ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨] ﴿أمّا السَّفِينَةُ﴾ [الكهف: ٧٩] إلى قَوْلِهِ ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] ثُمَّ قالَ ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢] فَجاءَ بِاسْمِ إشارَةِ البَعِيدِ تَعْظِيمًا لِلتَّأْوِيلِ بَعْدَ ظُهُورِهِ. وهَذِهِ طَرِيقَةٌ مَسْلُوكَةٌ لِلْكُتّابِ والخُطَباءِ وهي تَرْجِعُ إلى قاعِدَةِ أخْذِ النَّتائِجِ مِنَ المُقَدِّماتِ في صِناعَةِ الإنْشاءِ كَما بَيَّنْتُهُ في كِتابِ أُصُولِ الإنْشاءِ والخَطابَةِ، وأكْثَرُ الخُطَباءِ يُفْضى إلى الغَرَضِ مِن خُطْبَتِهِ بَعْدَ المُقَدِّماتِ والتَّمْهِيداتِ، وقَدْ جاءَتِ الآيَةُ عَلى طَرِيقَةِ الخُطَباءِ والبُلَغاءِ فِيما ذَكَرْنا تَعْلِيمًا لِلْخَلْقِ وجَرْيًا عَلى مُقْتَضى الحالِ المُتَعارَفِ مِن غَيْرِ مُراعاةٍ لِجانِبِ الأُلُوهِيَّةِ، فَإنَّ المَلائِكَةَ لا يَمْتَرُونَ في أنَّ قَوْلَهُ تَعالى الحَقُّ ووَعْدَهُ الصِّدْقُ فَلَيْسُوا بِحاجَةٍ إلى نَصْبِ البَراهِينِ.و(كُنْتُمْ) في قَوْلِهِ ﴿وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ الأظْهَرُ أنَّها زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ تَحَقُّقِ الكِتْمانِ، فَإنَّ الَّذِي يَعْلَمُ ما اشْتَدَّ كِتْمانُهُ يَعْلَمُ ما لَمْ يُحْرَصْ عَلى كِتْمانِهِ ويَعْلَمُ ظَواهِرَ الأحْوالِ بِالأوْلى. وصِيغَةُ المُضارِعِ في تُبْدُونَ وتَكْتُمُونَ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ ذَلِكَ مِنهم فَيَقْتَضِي تَجَدُّدَ عِلْمِ اللَّهِ بِذَلِكَ كُلَّما تَجَدَّدَ مِنهم.ولِبَعْضِهِمْ هُنا تَكَلُّفاتٌ في جَعْلِ (كُنْتُمْ) لِلدَّلالَةِ عَلى الزَّمانِ الماضِي وجَعْلِ (تَبْدُونَ) لِلِاسْتِقْبالِ، وتَقْدِيرُ اكْتِفاءٍ في الجانِبَيْنِ، أعْنِي وما كُنْتُمْ تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ، واكْتِفاءٍ في غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ يَعْنِي وشَهادَتُهُما، وكُلُّ ذَلِكَ لا داعِيَ إلَيْهِ.وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى عِلْمَ آدَمَ بِالأسْماءِ وعَجْزَ المَلائِكَةِ عَنْ ذَلِكَ عَلامَةً عَلى أهْلِيَّةِ النَّوْعِ البَشَرِيَ لِخِلافَتِهِ في الأرْضِ دُونَ المَلائِكَةِ، لِأنَّ الخِلافَةَ في الأرْضِ هي خِلافَةُ اللَّهِ تَعالى في القِيامِ بِما أرادَهُ مِنَ العُمْرانِ بِجَمِيعِ أحْوالِهِ وشُعَبِهِ بِمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى ناطَ بِالنَّوْعِ البَشَرِيِّ إتْمامَ مُرادِهِ مِنَ العالَمِ فَكانَ تَصَرُّفُ هَذا النَّوْعِ في الأرْضِ قائِمًا مَقامَ مُباشَرَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى بِجَمِيعِ الأعْمالِ الَّتِي يَقُومُ بِها البَشَرُ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الخِلافَةَ لا تَتَقَوَّمُ إلّا بِالعِلْمِ أعْنِي اكْتِسابَ المَجْهُولِ مِنَ المَعْلُومِ وتَحْقِيقَ المُناسَبَةِ بَيْنَ الأشْياءِ ومَواقِعِها ومُقارَناتِها وهو العِلْمُ الِاكْتِسابِيُّ الَّذِي يُدْرِكُ بِهِ الإنْسانُ الخَيْرَ والشَّرَّ ويَسْتَطِيعُ بِهِ فِعْلَ الخَيْرِ وفِعْلَ الشَّرِّ كُلٌّ في مَوْضِعِهِ، ولا يَصْلُحُ لِهَذا العِلْمِ إلّا القُوَّةُ النّاطِقَةُ وهي قُوَّةُ التَّفْكِيرِ الَّتِي أجْلى مَظاهِرِها مَعْرِفَةُ أسْماءِ الأشْياءِ وأسْماءِ خَصائِصِها، والَّتِي تَسْتَطِيعُ أنْ تُصْدِرَ الأضْدادَ مِنَ الأفْعالِ لِأنَّ تِلْكَ القُوَّةَ هي الَّتِي لا تَنْحَصِرُ مُتَعَلَّقاتُها ولا تَقِفُ مَعْلُوماتُها كَما شُوهِدَ مِن أحْوالِ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ مُنْذُ النَّشْأةِ إلى الآنَ وإلى ما شاءَ اللَّهُ تَعالى. والمَلائِكَةُ لَمّا لَمْ يُخْلَقُوا مُتَهَيِّئِينَ لِذَلِكَ حَتّى أعْجَزَهم وضْعُ الأسْماءِ لِلْمُسَمَّياتِ وكانُوا مَجْبُولِينَ عَلى سَجِيَّةٍ واحِدَةٍ وهي سَجِيَّةُ الخَيْرِ الَّتِي لا تَخْتَلِفُ ولا تَتَخَلَّفُ لَمْ يَكُونُوا مُؤَهَّلِينَ لِاسْتِفادَةِ المَجْهُولاتِ مِنَ المَعْلُوماتِ حَتّى لا تَقِفَ مَعارِفُهم. ولَمْ يَكُونُوا مَصادِرَ لِلشُّرُورِ الَّتِي يَتَعَيَّنُ صُدُورُها لِإصْلاحِ العالَمِ، فَخَيْرِيَّتُهم وإنْ كانَتْ صالِحَةً لِاسْتِقامَةِ عالَمِهِمُ الطّاهِرِ لَمْ تَكُنْ صالِحَةً لِنِظامِ عالَمٍ مَخْلُوطٍ، وحِكْمَةُ خَلْطِهِ ظُهُورُ مُنْتَهى العِلْمِ الإلَهِيِّ كَما قالَ أبُو الطَّيِّبِ:
ووَضْعُ النَّدى في مَوْضِعِ السَّيْفِ بِالعُلا مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ في مَوْضِعِ النَّدىوالآيَةُ تَقْتَضِي مَزِيَّةً عُظْمى لِهَذا النَّوْعِ في هَذا البابِ وفي فَضْلِ العِلْمِ ولَكِنَّها لا تَدُلُّ عَلى أفْضَلِيَّةِ النَّوْعِ البَشَرِيِّ عَلى المَلائِكَةِ إذِ المَزِيَّةُ لا تَقْتَضِي الأفْضَلِيَّةَ كَما بَيَّنَهُ الشِّهابُ القَرافِيُّ في الفَرْقِ الحادِي والتِسْعِينَ، فَهَذِهِ فَضِيلَةٌ مِن ناحِيَةٍ واحِدَةٍ، وإنَّما يَعْتَمِدُ التَّفْضِيلُ المُطْلَقُ مَجْمُوعَ الفَضائِلِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ مُوسى والخَضِرِ.والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ (﴿ألَمْ أقُلْ لَكُمُ﴾) إلَخْ تَقْرِيرِيٌّ لِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ واقِعٌ لا مَحالَةَ، والمَلائِكَةُ يَعْلَمُونَ وُقُوعَهُ ولا يُنْكِرُونَهُ. وإنَّما أوْقَعَ الِاسْتِفْهامَ عَلى نَفْيِ القَوْلِ لِأنَّ غالِبَ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ يُقْحِمُ ما يُفِيدُ النَّفْيَ لِقَصْدِ التَّوْسِيعِ عَلى المُقَرَّرِ حَتّى يُخَيَّلَ إلَيْهِ أنَّهُ يُسْألُ عَنْ نَفْيِ وُقُوعِ الشَّيْءِ، فَإنْ أرادَ أنْ يَزْعُمَ نَفْيَهُ فَقَدْ وسَّعَ المُقَرِّرُ عَلَيْهِ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ يَتَحَقَّقُ أنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ إنْكارَهُ فَلِذَلِكَ يُقَرِّرُهُ عَلى نَفْيِهِ، فَإذا أقَرَّ كانَ إقْرارُهُ لازِمًا لَهُ لا مَناصَ لَهُ مِنهُ.فَهَذا قانُونُ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ الغالِبُ عَلَيْهِ وهو الَّذِي تَكَرَّرَ في القُرْآنِ وبَنى عَلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ مَعانِيَ آياتِهِ الَّتِي مِنها قَوْلُهُ تَعالى ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦] وتَوَقَّفَ فِيهِ ابْنُ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ ورَدَّهُ عَلَيْهِ شارِحُهُ. وقَدْ يَقَعُ التَّقْرِيرُ بِالإثْباتِ عَلى الأصْلِ نَحْوُ ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] وهو تَقْرِيرٌ مُرادٌ بِهِ إبْطالُ دَعْوى النَّصارى وقَوْلِهِ ﴿قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٢] .
(التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ))
الدر المصون - السمين الحلبي
قوله تعالى: {قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ} . . «آدَمُ» مبنيٌّ على الضم لأنه مفردٌ معرفةٌ، وكلُّ ما كان كذلكُ بني على ما كان يُرْفع به، وهو في مَحلِّ نصبٍ لوقوعه موقعَ [المفعولِ به فإنَّ تقديره: أدعو آدمَ، وبُنِي لوقوعِه موقعَ] المضمرِ، والأصلُ: يا إياك، كقولهم: «يا إياك قد كُفِيْتُكَ» ويا أنتَ كقوله:
351 - يَا أبْجَرَ بنَ أَبْجَرٍ يا أَنْتا ... أنتَ الذي طَلَّقْتَ عامَ جُعْتَا
قد أحسنَ اللهُ وقد أَسَأْتَا ... و «يا إياك» أقيسُ من «يا أنت» 
لأنَّ الموضعَ موضعُ نَصْبٍ، فإياك لائقٌ به، وتحرَّزْتُ بالمفردِ من المضافِ نحو: يا عبدَ الله، ومن الشبيهِ به وهو عبارةٌ عَمَّا كان الثاني فيه من تمامِ معنى الأول نحو: يا خيراً من زيدٍ ويا ثلاثةً وثلاثين، وبالمعرفة من النكرةِ غيرِ المقصودة نحو قوله:
352 - أيا راكباً إمَّا عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ ... ندامَاي مِنْ نجرانَ ألاَّ تلاقِيا
فإن هذه الأنواع الثلاثة معربةٌ نصباً.و «أَنْبِئْهُمْ» فعلُ أمر وفاعلٌ ومفعولٌ، والمشهورُ: أَنْبِئْهُمْ مهموزاً مضمومَ الهاء، وقُرئ بكسر الهاءِ وتُرْْوى عن ابنِ عامر، كأنه أَتْبَعَ الهاءَ لحركةِ الباء ولم يَعْتَدَّ بالهمزةِ لأنها ساكنةٌ، فهي حاجزٌ غيرُ حصينٍ، وقُرِئ بحَذْفِ الهمزةِ ورُوِيَتْ عن ابنِ كثير، قال ابن جني: «هذا على إبدالِ الهمزةِ ياءً كَمَا تقولَ: أَنْبَيْتُ بزنة أَعْطَيْت. قال:» وهذا ضعيفٌ في اللغة لأنه بدلٌ لا تخفيف، والبَدلُ عندنا لا يجوزُ إلاَّ في ضرورةٍ «، وهذا من أبي الفتح غيرُ مُرْضٍ لأن البدَل جاء في سَعَةِ الكلام، حكى الأخفشُ في» الأوسط «له أنهم يقولون في أَخْطَأْت: أَخْطَيْتُ، وفي توضَّأْت: توضَّيْتُ، قال:» وربما حَوَّلوه إلى الواو، وهو قليلٌ، قالوا: رَفَوْتُ في رَفَأْتُ ولم يُسْمع رَفَيْتُ «.إذا تقرَّر ذلك فللنَّحْويين في حرف العلة المبدلِ من الهمزةِ نظرٌ في أنه هل يجري مَجْرى حرفِ العلةِ الأصلي أم يُنْظرُ أصله؟ ورتَّبوا على ذلك أحكاماً ومِن جملتها: هل يُحْذَفُ جَزْماً كالحرف غيرِ المُبْدل [أم لا] نظراً إلى أصلِه، واستدلَّ بعضُهم على حَذْفِه جَزْماً بقول زهير:
353 - جريءٍ متى يُظْلَمْ يُعاقِبْ بظُلْمِه ... سريعاً وإلاَّ يُبْدَ بالظُّلْمِ يَظْلِمِ 
لأنَّ أصله» يُبْدَأ «بالهمزةِ فكذلك هذه الآيةُ أُبْدِلَتِ الهمزةُ ياءً ثم حُذِفَتَ حَمْلاً للأمرِ على المجزومِ. وقُرئ» أنبيهم «بإثباتِ الياء نظراً إلى الهمزةِ وهل تُضَمُّ الهاءُ نظراً للأصلِ أم تُكْسَرُ نظراً للصورة؟ وجهان مَنْقولان عن حمزةَ عند الوقفِ عليه.و» بأسمائِهم «متعلِّق بأَنْبِئْهُمْ، وهو المفعولُ الثاني كما تقدَّم، وقد يتعدَّى ب» عن «نحو: أنبأْتُه عن حالِه، وأمَّا تعديتُه ب» مِنْ «في قوله تعالى:{قَدْ نَبَّأَنَا الله مِنْ أَخْبَارِكُمْ} [التوبة: 94] فسيأتي في موضعه إنْ شاءَ اللهُ تعالى.قوله: {قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إني أَعْلَمُ} الأية. «قال» جوابُ «فلمَّا» والهمزةُ للتقرير إذا دَخَلَتْ على نفي قَرَّرَتْهُ فيَصيرُ إثباتاً نحو: {أَلَمْ نَشْرَحْ} [الانشراح: 1] أي: قد شرحنا و «لم» حرفُ جزمٍ وقد تَقَدَّمَ أحكامُها، و «أَقُلْ» مجزومٌ بها حُذِفَتْ عينُه وهي الواوُ لالتقاءِ الساكنين. و «لكم» متعلقٌ به، واللامُ للتبليغِ. والجملةُ من قوله: «إني أَعْلَمُ» في محلِّ نَصْبٍ بالقولِ. وقد تقدَّم نظائرُ هذا التركيبِ فلا حاجةَ إلى إعادتِه.قوله: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} كقولِه: {أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} من كونِ «أَعْلَمُ» فعلاً مضارعاً أو أفْعَل بمعنى فاعِل أو أَفْعَل تفضيل، وكونِ «ما» في محل نصبٍ أو جرٍ وقد تقدَّم. والظاهرُ: أن جملةَ قولِه: «وأعلمُ» معطوفةٌ على قولِه: {إني أَعْلَمُ غَيْبَ} ، فتكونُ في محلِّ نصبٍ بالقولِ، وقال أبو البقاء: «إنه مستأنفٌ وليسَ محكيَّاً بالقولِ» ، ثم جَوَّزَ فيه ذلك.و «تُبْدُون» وزنه: تُفْعون لأن أصله تُبْدِوُونَ مثل تُخْرِجون، فَأُعِلَّ بحذْفِ الواو بعد سكونها. والإِبداءُ: الإِظهارُ. والكَتْمُ: الإِخفاءُ، يقال: بَدا يَبْدُو بَداءً، قال:
354 -. . . .  . ... بَدا لَكَ في تلك القَلوصِ بَداءُ
قوله: {وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} : «ما» عطفٌ على «ما» الأولى بحسَبِ ما تكونُ عليه من الإِعرابِ.

(الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ))
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني
كتم
الْكِتْمَانُ: ستر الحديث، يقال: كَتَمْتُهُ كَتْماً وكِتْمَاناً. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة : 140] ، وقال: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة : 146] ، ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ [البقرة : 283] ، ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران : 71] ، وقوله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء : 37] فَكِتْمَانُ الفضل: هو كفران النّعمة، ولذلك قال بعده: ﴿وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً﴾ [النساء : 37] ، وقوله: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ [النساء : 42] قال ابن عباس: إنّ المشركين إذا رأوا أهل القيامة لا يدخل الجنّة إلّا من لم يكن مشركا قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام : 23] فتشهد عليهم جوارحهم، فحينئذ يودّون أن لم يكتموا الله حديثا(١) . وقال الحسن: في الآخرة مواقف في بعضها يكتمون، وفي بعضها لا يكتمون، وعن بعضهم: ﴿لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ [النساء : 42] هو أن تنطق جوارحهم.
(مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ))