التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سورة البقرة، الآية: ٦١

(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ). سورة البقرة، الآية: ٦١

التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِن بَقْلِها وقِثّائِها وفُومِها وعَدَسِها وبَصَلِها قالَ أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ﴾
هِيَ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ قَبْلَها بِأُسْلُوبٍ واحِدٍ. وإسْنادُ القَوْلِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ جارٍ عَلى ما تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ وما تَضَمَّنَتْهُ الجُمَلُ قَبْلَها هو مِن تَعْدادِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ مَحْضَةً أوْ مَخْلُوطَةً بِسُوءِ شُكْرِهِمْ وبِتَرَتُّبِ النِّعْمَةِ عَلى ذَلِكَ الصَّنِيعِ بِالعَفْوِ ونَحْوِهِ كَما تَقَدَّمَ، فالظّاهِرُ أنْ يَكُونَ مَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ نِعْمَةً أيْضًا. ولِلْمُفَسِّرِينَ حَيْرَةٌ في الإشارَةِ إلَيْها فَيُؤْخَذُ مِن كَلامِ الفَخْرِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ﴾ هو كالإجابَةِ لِما طَلَبُوهُ، يَعْنِي والإجابَةُ إنْعامٌ. ولَوْ كانَ مُعَلَّقًا عَلى دُخُولِ قَرْيَةٍ مِنَ القُرى، ولا يَخْفى أنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا لِأنَّ إعْطاءَهم ما سَألُوهُ لَمْ يَثْبُتْ وُقُوعُهُ.
ويُؤْخَذُ مِن كَلامِ المُفَسِّرِينَ الَّذِي صَدَّرَ الفَخْرُ بِنَقْلِهِ ووَجَّهَهُ عَبْدُ الحَكِيمِ أنَّ سُؤالَهم تَعْوِيضَ المَنِّ والسَّلْوى بِالبَقْلِ ونَحْوِهِ مَعْصِيَةٌ لِما فِيهِ مِن كَراهَةِ النِّعْمَةِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِمْ إذْ عَبَّرُوا عَنْ تَناوُلِها بِالصَّبْرِ، والصَّبْرُ هو حَمْلُ النَّفْسِ عَلى الأمْرِ المَكْرُوهِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ أنَّهُ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى﴾ فَيَكُونُ مَحَلُّ النِّعْمَةِ هو الصَّفْحَ عَنْ هَذا الذَّنْبِ والتَّنازُعَ مَعَهم إلى الإجابَةِ بِقَوْلِهِ: اهْبِطُوا، ولا يَخْفى أنَّ هَذا بَعِيدٌ إذْ لَيْسَ في قَوْلِهِ اهْبِطُوا إنْعامٌ عَلَيْهِمْ ولا في سُؤالِهِمْ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم عَصَوْا لِأنَّ طَلَبَ الِانْتِقالِ مِن نِعْمَةٍ لِغَيْرِها لِغَرَضٍ مَعْرُوفٍ لا يُعَدُّ مَعْصِيَةً كَما بَيَّنَهُ الفَخْرُ. فالَّذِي عِنْدِي في تَفْسِيرِ الآيَةِ أنَّها انْتِقالٌ مِن تَعْدادِ النِّعَمِ المُعْقَبَةِ بِنِعَمٍ أُخْرى إلى بَيانِ سُوءِ اخْتِيارِهِمْ في شَهَواتِهِمْ والِاخْتِيارُ دَلِيلُ عَقْلِ اللَّبِيبِ، وإنْ كانَ يَخْتارُ مُباحًا، مَعَ ما في صِيغَةِ طَلَبِهِمْ مِنَ الجَفاءِ وقِلَّةِ الأدَبِ مَعَ الرَّسُولِ ومَعَ المُنْعِمِ إذْ قالُوا لَنْ نَصْبِرَ فَعَبَّرُوا عَنْ تَناوُلِ المَنِّ والسَّلْوى بِالصَّبْرِ المُسْتَلْزِمِ الكَراهِيَةَ، وأتَوْا بِما دَلَّ عَلَيْهِ ”لَنْ“ في حِكايَةِ كَلامِهِمْ مِن أنَّهم لا يَتَناوَلُونَ المَنَّ والسَّلْوى مِنَ الآنَ فَإنَّ (لَنْ) تَدُلُّ عَلى اسْتِغْراقِ النَّفْيِ لِأزْمِنَةِ فِعْلِ نَصْبِرُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها وهو مَعْنى التَّأبِيدِ وفي ذَلِكَ إلْجاءٌ لِمُوسى أنْ يُبادِرَ بِالسُّؤالِ يَظُنُّونَ أنَّهم أيْأسُوهُ مِن قَبُولِ المَنِّ والسَّلْوى بَعْدَ ذَلِكَ الحِينِ، فَكانَ جَوابُ اللَّهِ لَهم في هَذِهِ الطَّلِبَةِ أنْ قَطَعَ عِنايَتَهُ بِهِمْ وأهْمَلَهم ووَكَلَهم إلى نُفُوسِهِمْ ولَمْ يُرِهِمْ ما عَوَّدَهم مِن إنْزالِ الطَّعامِ وتَفْجِيرِ العُيُونِ بَعْدَ فَلْقِ البَحْرِ وتَظْلِيلِ الغَمامِ، بَلْ قالَ لَهُمُ ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ فَأمَرَهم بِالسَّعْيِ لِأنْفُسِهِمْ وكَفى بِذَلِكَ تَأْدِيبًا وتَوْبِيخًا، قالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَطاءِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ: مِن جَهْلِ المُرِيدِ أنْ يُسِيءَ الأدَبَ فَتُؤَخَّرَ العُقُوبَةُ عَنْهُ فَيَقُولُ لَوْ كانَ في هَذا إساءَةٌ لَعُوقِبْتُ فَقَدْ يُقْطَعُ المَدَدُ عَنْهُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ ولَوْ لَمْ يَكُنْ إلّا مَنعُ المَزِيدِ، وقَدْ يُقامُ مَقامَ البُعْدِ مِن حَيْثُ لا يَدْرِي. ولَوْ لَمْ يَكُنْ إلّا أنْ يُخَلِّيَكَ وما تُرِيدُ، والمَقْصِدُ مِن هَذا أنْ يَنْتَقِلَ مِن تَعْدادِ النِّعَمِ إلى بَيانِ تَلَقِّيهِمْ لَها بِالِاسْتِخْفافِ لِيَنْتَقِلَ مِن ذَلِكَ إلى ذِكْرِ انْقِلابِ أحْوالِهِمْ وأسْبابِ خِذْلانِهِمْ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ بِمُقْتَضِي كَوْنِ السُّؤالِ مَعْصِيَةً فَإنَّ العُقُوباتِ الدُّنْيَوِيَّةَ وحِرْمانَ الفَضائِلِ لَيْسَتْ مِن آثارِ خِطابِ التَّكْلِيفِ ولَكِنَّها مِن أشْباهِ خِطابِ الوَضْعِ تَرْجِعُ إلى تَرَتُّبِ المُسَبَّباتِ عَلى أسْبابِها وذَلِكَ مِن نَوامِيسِ نِظامِ العالَمِ؛ وإنَّما الَّذِي يَدُلُّ عَلى كَوْنِ المَجْزِيِّ عَلَيْهِ مَعْصِيَةً هو العِقابُ الأُخْرَوِيُّ وبِهَذا زالَتِ الحَيْرَةُ وانْدَفَعَ كُلُّ إشْكالٍ وانْتَظَمَ سِلْكُ الكَلامِ.
وقَدْ أشارَتِ الآيَةُ إلى قِصَّةٍ ذَكَرَتْها التَّوْراةُ مُجْمَلَةً مُنْتَثِرَةً وهي أنَّهم لَمّا ارْتَحَلُوا مِن بَرِّيَّةِ سِينا مِن حُورِيبَ ونَزَلُوا في بَرِّيَّةِ فارانَ في آخِرِ الشَّهْرِ الثّانِي مِنَ السَّنَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الخُرُوجِ سائِرِينَ إلى جِهاتِ حَبْرُونَ فَقالُوا تَذَكَّرْنا السَّمَكَ الَّذِي كُنّا نَأْكُلُهُ في مِصْرَ مَجّانًا أيْ يَصْطادُونَهُ بِأنْفُسِهِمْ والقِثّاءَ والبِطِّيخَ والكُرّاثَ والبَصَلَ والثُّومَ وقَدْ يَبِسَتْ نُفُوسُنا فَلا نَرى إلّا هَذا المَنَّ فَبَكَوْا، فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَألَهُ مُوسى العَفْوَ فَعَفا عَنْهم وأرْسَلَ عَلَيْهِمُ السَّلْوى فادَّخَرُوا مِنها طَعامَ شَهْرٍ كامِلٍ.
والتَّعْبِيرُ بِلَنِ المُفِيدَةِ لِتَأْبِيدِ النَّفْيِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ لِأداءِ مَعْنى كَلامِهِمُ المَحْكِيِّ هُنا في شِدَّةِ الضَّجَرِ وبُلُوغِ الكَراهِيَةِ مِنهم حَدَّها الَّذِي لا طاقَةَ عِنْدَهُ.
فَإنَّ التَّأْبِيدَ يُفِيدُ اسْتِغْراقَ النَّفْيِ في جَمِيعِ أجْزاءِ الأبَدِ أوَّلِها وآخِرِها، فَلَنْ في نَفْيِ الأفْعالِ مِثْلُ لا التَّبْرِئَةِ في نَفْيِ النَّكِراتِ.
ووَصَفُوا الطَّعامَ بِواحِدٍ وإنْ كانَ هو شَيْئَيْنِ المَنُّ والسَّلْوى لِأنَّ المُرادَ أنَّهُ مُتَكَرِّرٌ كُلَّ يَوْمٍ.
وجُمْلَةُ يُخْرِجْ لَنا إلى آخِرِها هي مَضْمُونُ ما طَلَبُوا مِنهُ أنْ يَدْعُوَ بِهِ فَهي في مَعْنى مَقُولِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ ”قُلْ لِرَبِّكَ يُخْرِجْ لَنا“، ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ ”أنْ يُخْرِجَ“ لَنا فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى الإتْيانِ بِفِعْلٍ مَجْزُومٍ في صُورَةِ جَوابِ طَلَبِهِمْ إيماءً إلى أنَّهم واثِقُونَ بِأنَّهُ إنْ دَعا رَبَّهُ أجابَهُ حَتّى كَأنَّ إخْراجَ ما تُنْبِتُ الأرْضُ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ دُعاءِ مُوسى رَبَّهُ، وهَذا أُسْلُوبٌ تُكَرَّرَ في القُرْآنِ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] ﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] وهو كَثِيرٌ فَهو بِمَنزِلَةِ شَرْطٍ وجَزاءٍ كَأنَّهُ قِيلَ إنْ تَدْعُ رَبَّكَ بِأنْ يُخْرِجَ لَنا يُخْرِجْ لَنا، وهَذا بِتَنْزِيلِ سَبَبِ السَّبَبِ مَنزِلَةَ السَّبَبِ فَجَزَمَ الفِعْلَ المَطْلُوبَ في جَوابِ الأمْرِ بِطَلَبِهِ لِلَّهِ لِلدِّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ لِثِقَتِهِمْ بِإجابَةِ اللَّهِ تَعالى دَعْوَةَ مُوسى، وفِيهِ تَحْرِيضٌ عَلى إيجادِ ما عُلِّقَ عَلَيْهِ الجَوابُ كَأنَّهُ أمْرٌ في مُكْنَتِهِ. فَإذا لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ شَحَّ عَلَيْهِمْ بِما فِيهِ نَفْعُهم. والإخْراجُ: الإبْرازُ مِنَ الأرْضِ، (ومِنَ) الأُولى تَبْعِيضِيَّةٌ والثّانِيَةُ بَيانِيَّةٌ أوِ الثّانِيَةُ أيْضًا تَبْعِيضِيَّةٌ لِأنَّهم لا يَطْلُبُونَ جَمِيعَ البَقْلِ بَلْ بَعْضَهُ، وفِيهِ تَسْهِيلٌ عَلى المَسْئُولِ ويَكُونُ قَوْلُهُ (﴿مِن بَقْلِها﴾) حالًا مِن ما أوْ هو بَدَلٌ مِن ما تُنْبِتُ بِإعادَةِ حَرْفِ الجَرِّ، وعَنِ الحَسَنِ ”كانُوا قَوْمَ فِلاحَةٍ فَنَزَعُوا إلى عِكْرِهِمْ“ وقَدِ اخْتُلِفَ في الفُومِ فَقِيلَ هو الثُّومُ بِالمُثَلَّثَةِ وإبْدالُ الثّاءِ فاءً شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ كَما قالُوا: جَدَثٌ وجَدَفٌ، وثَلَغٌ وفَلَغٌ، وهَذا هو الأظْهَرُ والمُوافِقُ لِما عُدَّ مَعَهُ ولِما في التَّوْراةِ. وقِيلَ الفُومُ الحِنْطَةُ وأنْشَدَ الزَّجّاجُ لَأُحَيْحَةَ بْنِ الجُلاحِ:
قَدْ كُنْتُ أغْنى النّاسِ شَخْصًا واحِدًا ورَدَ المَدِينَةِ مِن مَزارِعِ فُومِ

يُرِيدُ مَزارِعَ الحِنْطَةِ وقِيلَ الفُومُ الحِمَّصُ بِلُغَةِ أهْلِ الشّامِ.
وقَوْلُهُ ﴿قالَ أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ﴾ هو مِن كَلامِ مُوسى وقِيلَ مِن كَلامِ اللَّهِ وهو تَوْبِيخٌ شَدِيدٌ لِأنَّهُ جَرَّدَهُ عَنِ المُقْنِعاتِ وعَنِ الزَّجْرِ، واقْتَصَرَ عَلى الِاسْتِفْهامِ المَقْصُودِ مِنهُ التَّعَجُّبُ فالتَّوْبِيخُ. وفي الِاسْتِبْدالِ لِلْخَيْرِ بِالأدْنى النِّداءُ بِنِهايَةِ حَماقَتِهِمْ وسُوءِ اخْتِيارِهِمْ.
وقَوْلُهُ أتَسْتَبْدِلُونَ السِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِتَأْكِيدِ الحَدَثِ ولَيْسَ لِلطَّلَبِ فَهو كَقَوْلِهِ واسْتَغْنى اللَّهُ وقَوْلُهُمُ اسْتَجابَ بِمَعْنى أجابَ، واسْتَكْبَرَ بِمَعْنى تَكَبَّرَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧] في سُورَةِ الإنْسانِ. وفِعْلُ اسْتَبْدَلَ مُشْتَقٌّ مِنَ البَدَلِ بِالتَّحْرِيكِ مِثْلَ شَبَهٍ، ويُقالُ بِكَسْرِ الباءِ وسُكُونِ الدّالِ مِثْلَ شِبْهٍ ويُقالُ بَدِيلٌ مِثْلُ شَبِيهٍ وقَدْ سُمِعَ في مُشْتَقّاتِهِ اسْتَبْدَلَ وأبْدَلَ وبَدَّلَ وتَبَدَّلَ وكُلُّها أفْعالٌ مَزِيدَةٌ ولَمْ يُسْمَعْ مِنهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ وكَأنَّهُمُ اسْتَغْنَوْا بِهَذِهِ المَزِيدَةِ عَنِ المُجَرَّدِ، وظاهِرُ كَلامِ صاحِبِ الكَشّافِ في سُورَةِ النِّساءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢] أنَّ اسْتَبْدَلَ هو أصْلُها وأكْثَرُها وأنَّ تَبَدَّلَ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ والتَّفَعُّلُ بِمَعْنى الِاسْتِفْعالِ غَزِيرٌ ومِنهُ التَّعَجُّلُ بِمَعْنى الِاسْتِعْجالِ والتَّأخُّرُ بِمَعْنى الِاسْتِئْخارِ.
وجَمِيعُ أفْعالِ مادَّةِ البَدَلِ تَدُلُّ عَلى جَعْلِ شَيْءٍ مَكانَ شَيْءٍ آخَرَ مِنَ الذَّواتِ أوِ الصِّفاتِ أوْ عَنْ تَعْوِيضِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ آخَرَ مِنَ الذَّواتِ أوِ الصِّفاتِ.
ولَمّا كانَ مَعْنى الحَدَثِ المَصُوغِ مِنهُ الفِعْلُ اقْتَضَتْ هَذِهِ الأفْعالُ تَعْدِيَةً إلى مُتَعَلِّقَيْنِ إمّا عَلى وجْهِ المَفْعُولِيَّةِ فِيهِما مَعًا مِثْلَ تَعَلُّقِ فِعْلِ الجَعْلِ، وإمّا عَلى وجْهِ المَفْعُولِيَّةِ في أحَدِهِما والجَرِّ لِلْآخَرِ مِثْلَ مُتَعَلَّقَيْ أفْعالِ التَّعْوِيضِ كاشْتَرى وهَذا هو الِاسْتِعْمالُ الكَثِيرُ، فَإذا تَعَدّى الفِعْلُ إلى مَفْعُولَيْنِ نَحْوَ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] كانَ المَفْعُولُ الأوَّلُ هو المُزالَ والثّانِي هو الَّذِي يَخْلُفُهُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] . ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وقَوْلِهِمْ أبْدَلْتُ الحَلْقَةَ خاتَمًا، وإذْ تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وتَعَدَّتْ إلى الآخَرِ بِالباءِ وهو الأكْثَرُ فالمَنصُوبُ هو المَأْخُوذُ والمَجْرُورُ هو المَبْذُولُ نَحْوَ قَوْلِهِ هُنا ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ﴾ وقَوْلِهِ ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٠٨] وقَوْلِهِ في سُورَةِ النِّساءِ ﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢] وقَدْ يُجَرُّ المَعْمُولُ الثّانِي الَّتِي هي بِمَعْنى باءِ البَدَلِيَّةِ كَقَوْلِ أبِي الشِّيصِ:
بُدِّلْتُ مِن مُرْدِ الشَّبابِ مُلاءَةً ∗∗∗ خَلَقًا وبِئْسَ مَثُوبَةُ المُقْتاضِ

وقَدْ يُعْدَلُ عَنْ تَعْدِيَةِ الفِعْلِ إلى الشَّيْءِ المُعَوَّضِ ويُعَدّى إلى آخِذِ العِوَضِ فَيَصِيرُ مِن بابِ أعْطى فَيَنْصِبُ مَفْعُولَيْنِ ويُنَبِّهُ عَلى المَتْرُوكِ بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مِن نَحْوِ مِن كَذا، وبَعْدَ كَذا، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمُ أمْنًا﴾ [النور: ٥٥] التَّقْدِيرُ لِيُبَدِّلَنَّ خَوْفَهم أمْنًا هَذا تَحْرِيرُ طَرِيقِ اسْتِعْمالِ هَذِهِ الأفْعالِ.
ووَقَعَ في الكَشّافِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢] ما يَقْتَضِي أنَّ فِعْلَ بَدَّلَ لَهُ اسْتِعْمالٌ غَيْرَ اسْتِعْمالِ فِعْلِ اسْتَبْدَلَ وتَبَدَّلَ بِأنَّهُ إذا عُدِّيَ إلى المَعْمُولِ الثّانِي بِالباءِ كانَ مَدْخُولُ الباءِ هو المَأْخُوذَ وكانَ المَنصُوبُ هو المَتْرُوكَ والمُعْطِيَ فَقَرَّرَهُ القُطْبُ في شَرْحِهِ بِما ظاهِرُهُ أنَّ بَدَّلَ لا يَكُونُ في مَعْنى تَعْدِيَتِهِ إلّا مُخالِفًا لِتَبَدَّلَ واسْتَبْدَلَ، وقَرَّرَهُ التَّفْتَزانِيُّ بِأنَّ فِيهِ اسْتِعْمالَيْنِ إذا تَعَدّى إلى المَعْمُولِ الثّانِي بِالباءِ أحَدُهُما يُوافِقُ اسْتِعْمالَ تَبَدَّلَ والآخَرُ بِعَكْسِهِ، والأظْهَرُ عِنْدِي أنْ لا فَرْقَ بَيْنَ بَدَّلَ وتَبَدَّلَ واسْتَبْدَلَ وأنَّ كَلامَ الكَشّافِ مُشْكِلٌ وحَسْبُكَ أنَّهُ لا يُوجَدُ في كَلامِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ ولا في كَلامِهِ نَفْسِهِ في كِتابِ الأساسِ.
فالأمْرُ في قَوْلِهِ اهْبِطُوا لِلْإباحَةِ المَشُوبَةِ بِالتَّوْبِيخِ أيْ إنْ كانَ هَذا هَمَّكم فاهْبِطُوا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ﴾ فالمَعْنى ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ مِنَ الأمْصارِ يَعْنِي وفِيهِ إعْراضٌ عَنْ طَلَبِهِمْ إذْ لَيْسَ حَوْلَهم يَوْمَئِذٍ بَلَدٌ قَرِيبٌ يَسْتَطِيعُونَ وُصُولَهُ.
وقِيلَ أرادَ اهْبِطُوا مِصْرَ أيْ بَلَدَ مِصْرَ بَلَدَ القِبْطِ أيِ ارْجِعُوا إلى مِصْرَ الَّتِي خَرَجْتُمْ مِنها والأمْرُ لِمُجَرَّدِ التَّوْبِيخِ إذْ لا يُمْكِنُهُمُ الرُّجُوعُ إلى مِصْرَ.
واعْلَمْ أنَّ مِصْرَ عَلى هَذا المَعْنى يَجُوزُ مَنعُهُ مِنَ الصَّرْفِ عَلى تَأْوِيلِهِ بِالبُقْعَةِ فَيَكُونُ فِيهِ العَلَمِيَّةُ والتَّأْنِيثُ، ويَجُوزُ صَرْفُهُ عَلى تَأْوِيلِهِ بِالمَكانِ أوْ لِأنَّهُ مُؤَنَّثٌ ثُلاثِيٌّ ساكِنُ الوَسَطِ مِثْلَ هِنْدٍ فَهو في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِدُونِ تَنْوِينٍ وأنَّهُ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِدُونِ ألِفٍ وأنَّهُ ثَبَتَ بِدُونِ ألِفٍ في بَعْضِ مَصاحِفِ عُثْمانَ. قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وذَكَرَ أنَّ أشْهَبَ قالَ: قالَ لِي مالِكٌ هي عِنْدِي مِصْرُ قَرْيَتُكَ مَسْكَنُ فِرْعَوْنَ ا هـ ويَكُونُ قَوْلُ مُوسى لَهُمُ ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ أمْرًا قُصِدَ مِنهُ التَّهْدِيدُ عَلى تَذَكُّرِهِمْ أيّامَ ذُلِّهِمْ وعَنائِهِمْ وتَمَنِّيهِمُ الرُّجُوعَ لِتِلْكَ المَعِيشَةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ لَهُمُ ارْجِعُوا إلى ما كُنْتُمْ فِيهِ إذْ لَمْ تَقْدِرُوا قَدْرَ الفَضائِلِ النَّفْسِيَّةِ ونِعْمَةِ الحُرِّيَّةِ والِاسْتِقْلالِ. ورُبَّما كانَ قَوْلُهُ اهْبِطُوا دُونَ لِنَهْبِطْ مُؤْذِنًا بِذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُرِيدُ إدْخالَ نَفْسِهِ في هَذا الأمْرِ وهَذا يُذَكِّرُ بِقَوْلِ أبِي الطَّيِّبِ:
فَإنْ كانَ أعْجَبَكم عامَكم ∗∗∗ فَعُودُوا إلى حِمْصَ في القابِلِ

وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الفاءَ لِلتَّعْقِيبِ عَطَفَتْ جُمْلَةَ إنَّ لَكم ما سَألْتُمْ عَلى جُمْلَةِ اهْبِطُوا لِلدِّلالَةِ عَلى حُصُولِ سُؤْلِهِمْ بِمُجَرَّدِ هُبُوطِهِمْ مِصْرَ أوْ لَيْسَتْ مُفِيدَةً لِلتَّعْلِيلِ إذْ لَيْسَ الأمْرُ بِالهُبُوطِ بِمُحْتاجٍ إلى التَّعْلِيلِ بِمِثْلِ مَضْمُونِ هَذِهِ الجُمْلَةِ لِظُهُورِ المَقْصُودِ مِن قَوْلِهِ ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ ولِأنَّهُ لَيْسَ بِمَقامِ تَرْغِيبٍ في هَذا الهُبُوطِ حَتّى يُشَجِّعَ المَأْمُورَ بِتَعْلِيلِ الأمْرِ والظّاهِرُ أنَّ عَدَمَ إرادَةِ التَّعْلِيلِ هو الدّاعِي إلى ذِكْرِ فاءِ التَّعْقِيبِ لِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ التَّعْلِيلُ لَكانَتْ إنَّ مُغْنِيَةً غَناءَ الفاءِ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ في دَلائِلِ الإعْجازِ في الفَصْلِ الخامِسِ والفَصْلِ الحادِيَ عَشَرَ مِن فُصُولٍ شَتّى في النَّظْمِ إذْ يَقُولُ واعْلَمْ أنَّ مِن شَأْنِ إنَّ إذا جاءَتْ عَلى هَذا الوَجْهِ أيْ في قَوْلِ بَشّارٍ:
بَكِّرا صاحِبَيَّ قَبْلَ الهَجِيرِ ∗∗∗ إنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التَّبْكِيرِ

أنْ تُغْنِيَ غَناءَ الفاءِ العاطِفَةِ مَثَلًا وأنْ تُفِيدَ مِن رَبْطِ الجُمْلَةِ بِما قَبْلَها أمْرًا عَجِيبًا فَأنْتَ تَرى الكَلامَ بِها مُسْتَأْنَفًا غَيْرَ مُسْتَأْنَفٍ مَقْطُوعًا مَوْصُولًا مَعًا وقالَ: إنَّكَ تَرى الجُمْلَةَ إذا دَخَلَتْ ”إنَّ“ تَرْتَبِطُ بِما قَبِلَها وتَأْتَلِفُ مَعَهُ حَتّى كَأنَّ الكَلامَيْنِ أُفْرِغا إفْراغًا واحِدًا حَتّى إذا أُسْقِطَتْ إنَّ رَأيْتَ الثّانِيَ مِنهُما قَدْ نَبا عَنِ الأوَّلِ وتَجافى مَعْناهُ عَنْ مَعْناهُ حَتّى تَجِيءَ بِالفاءِ فَتَقُولُ مَثَلًا:
بَكِّرا صاحِبَيَّ قَبْلَ الهَجِيرِ ∗∗∗ بَكِّرا فالنَّجاحُ في التَّبْكِيرِ

ثُمَّ لا تَرى الفاءَ تُعِيدُ الجُمْلَتَيْنِ إلى ما كانَتا عَلَيْهِ مِنَ الأُلْفَةِ وهَذا الضَّرْبُ كَثِيرٌ في التَّنْزِيلِ جِدًّا مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] وقَوْلُهُ ﴿يا بُنَيَّ أقِمِ الصَّلاةَ﴾ [لقمان: ١٧] إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] وقالَ ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] إلَخْ. فَظاهِرُ كَلامِ الشَّيْخِ أنَّ وُجُودَ إنَّ في الجُمْلَةِ المَقْصُودُ مِنها التَّعْلِيلُ والرَّبْطُ مُغْنٍ عَنِ الإتْيانِ بِالفاءِ، وأنَّ الإتْيانَ بِالفاءِ حِينَئِذٍ لا يُناسِبُ الكَلامَ البَلِيغَ إذْ هو كالجَمْعِ بَيْنَ العِوَضِ والمُعَوَّضِ عَنْهُ فَإذا وجَدْنا الفاءَ مَعَ إنَّ عَلِمْنا أنَّ الفاءَ لِمُجَرَّدِ العَطْفِ وإنَّ لِإرادَةِ التَّعْلِيلِ والرَّبْطِ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ بِأكْثَرَ مِن مَعْنى التَّعْقِيبِ. ويُسْتَخْلَصُ مِن ذَلِكَ أنَّ مَواقِعَ التَّعْلِيلِ هي الَّتِي يَكُونُ فِيها مَعْناهُ بَيْنَ مَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ كالأمْثِلَةِ الَّتِي ذَكَرَها.
وجَعَلَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ المُحِيطِ جُمْلَةَ ﴿فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ﴾ جَوابًا لِلْأمْرِ وزَعَمَ أنَّ الأمْرَ كَما يُجابُ بِالفِعْلِ يُجابُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ ولا يَخْفى أنَّ كِلا المَعْنَيَيْنِ ضَعِيفٌ هاهُنا لِعَدَمِ قَصْدِ التَّرْغِيبِ في هَذا الهُبُوطِ حَتّى يُعَلَّلَ أوْ يُعَلَّقَ، وإنَّما هو كَلامُ غَضَبٍ كَما تَقَدَّمَ. واقْتِرانُ الجُمْلَةِ بِإنَّ المُؤَكِّدَةِ لِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يَشُكُّ لِبُعْدِ عَهْدِهِمْ بِما سَألُوهُ حَتّى يَشُكُّونَ هَلْ يَجِدُونَهُ مِن شِدَّةِ شَوْقِهِمْ، والمُحِبُّ بِسُوءِ الظَّنِّ مُغْرًى.
* * *
﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمَلِ المُتَقَدِّمَةِ بِالواوِ وبِدُونِ إعادَةِ إذْ، فَأمّا عَطْفُهُ فَلِأنَّ هاتِهِ الجُمْلَةَ لَها مَزِيدُ الِارْتِباطِ بِالجُمَلِ قَبْلَها إذْ كانَتْ في مَعْنى النَّتِيجَةِ والأثَرِ لِمَدْلُولِ الجُمَلِ قَبْلَها مِن قَوْلِهِ ﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩] فَإنَّ مَضْمُونَ تِلْكَ الجُمَلِ ذِكْرُ ما مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِمْ مِن نِعْمَةِ تَحْرِيرِهِمْ مِنَ اسْتِعْبادِ القِبْطِ إيّاهم وسَوْقِهِمْ إلى الأرْضِ الَّتِي وعَدَهم فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ نِعْمَتَيِ التَّحْرِيرِ والتَّمْكِينِ في الأرْضِ وهو جَعْلُ الشَّجاعَةِ طَوْعَ يَدِهِمْ لَوْ فَعَلُوا فَلَمْ يُقَدِّرُوا قَدْرَ ذَلِكَ وتَمَنَّوُا العَوْدَ إلى المَعِيشَةِ في مِصْرَ إذْ قالُوا ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ كَما فَصَّلْناهُ لَكم هُنالِكَ مِمّا حَكَتْهُ التَّوْراةُ وتَقاعَسُوا عَنْ دُخُولِ القَرْيَةِ وجَبُنُوا عَنْ لِقاءِ العَدُوِّ كَما أشارَتْ لَهُ الآيَةُ الماضِيَةُ وفَصَّلَتْهُ آيَةُ المائِدَةِ فَلا جَرَمَ إذْ لَمْ يَشْكُرُوا النِّعْمَةَ ولَمْ يُقَدِّرُوها أنْ تُنْتَزَعَ مِنهم ويُسْلَبُوها ويُعَوَّضُوا عَنْها بِضِدِّها وهو الذِّلَّةُ المُقابِلَةُ لِلشَّجاعَةِ إذْ لَمْ يَثِقُوا بِنَصْرِ اللَّهِ إيّاهم والمَسْكَنَةُ وهي العُبُودِيَّةُ فَتَكُونُ الآيَةُ مَسُوقَةً مَساقَ المُجازاةِ لِلْكَلامِ السّابِقِ فَهَذا وجْهُ العَطْفِ.
وأمّا كَوْنُهُ بِالواوِ دُونَ الفاءِ فَلِيَكُونَ خَبَرًا مَقْصُودًا بِذاتِهِ ولَيْسَ مُتَفَرِّعًا عَلى قَوْلِ مُوسى لَهم ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ﴾ لِأنَّهم لَمْ يَشْكُرُوا النِّعْمَةَ فَإنَّ شُكْرَ النِّعْمَةِ هو إظْهارُ آثارِها المَقْصُودَةِ مِنها كَإظْهارِ النَّصْرِ لِلْحَقِّ بِنِعْمَةِ الشَّجاعَةِ وإغاثَةِ المَلْهُوفِينَ بِنِعْمَةِ الكَرَمِ وتَثْقِيفِ الأذْهانِ بِنِعْمَةِ العِلْمِ فَكُلُّ مَن لَمْ يَشْكُرِ النِّعْمَةَ فَهو جَدِيرٌ بِأنْ تُسْلَبَ عَنْهُ ويُعَوَّضَ بِضِدِّها قالَ تَعالى ﴿فَأعْرَضُوا فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وأثْلٍ﴾ [سبإ: ١٦] الآيَةَ، ولَوْ عَطَفَ بِغَيْرِ الواوِ لَكانَ ذِكْرُهُ تَبَعًا لِذِكْرِ سَبَبِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الِاسْتِقْلالِ ما يُنَبِّهُ البالَ.
فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾ وباءُوا إلَخْ عائِدَةٌ إلى جَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ لا إلى خُصُوصِ الَّذِينَ أبَوْا دُخُولَ القَرْيَةِ والَّذِينَ قالُوا ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيئِينَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ فَإنَّ الَّذِينَ قَتَلُوا النَّبِيئِينَ هم أبْناءُ الَّذِينَ أبَوْا دُخُولَ القَرْيَةِ وقالُوا ﴿لَنْ نَصْبِرَ﴾ فالإتْيانُ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ هُنا جارٍ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ لِأنَّهم غَيْرُ المُخاطَبِينَ فَلَيْسَ هو مِنَ الِالتِفاتِ إذْ لَيْسَ قَوْلُهُ ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ إلَخْ مِن بَقِيَّةِ جَوابِ مُوسى إيّاهم لِما عَلِمْتَ مِن شُمُولِهِ لِلْمُتَحَدَّثِ عَنْهُمُ الآبِينَ دُخُولَ القَرْيَةِ ولِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أتى بَعْدَهم فَقَدْ جاءَ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ عَلى أصْلِهِ، أمّا شُمُولُهُ لِلْمُخاطَبِينَ فَإنَّما هو بِطَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ وهو لُزُومُ تَوارُثِ الأبْناءِ أخْلاقَ الآباءِ وشَمائِلَهم كَما قَرَّرْناهُ في وجْهِ الخِطاباتِ الماضِيَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠] الآياتِ ويُؤَيِّدُهُ التَّعْلِيلُ الآتِي بِقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ المُشْعِرِ بِأنَّ كُلَّ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ فَهو جَدِيرٌ بِأنْ يَثْبُتَ لَهُ مِنَ الحُكْمِ مِثْلُ ما ثَبَتَ لِلْآخَرِ.
والضَّرْبُ في كَلامِ العَرَبِ يَرْجِعُ إلى مَعْنى التِقاءِ ظاهِرِ جِسْمٍ بِظاهِرِ جِسْمٍ آخَرَ بِشِدَّةٍ يُقالُ ضَرَبَ بِعَصًا وبِيَدِهِ وبِالسَّيْفِ، وضَرَبَ بِيَدِهِ الأرْضَ إذا ألْصَقَها بِها، وتَفَرَّعَتْ عَنْ هَذا مَعانٍ مَجازِيَّةٌ تَرْجِعُ إلى شِدَّةِ اللُّصُوقِ. فَمِنهُ ضَرَبَ في الأرْضِ. سارَ طَوِيلًا، وضَرَبَ قُبَّةً وبَيْتًا في مَوْضِعِ كَذا بِمَعْنى شَدَّها ووَثَّقَها مِنَ الأرْضِ. قالَ عَبْدَةُ بْنُ الطَّبِيبِ:
إنَّ الَّتِي ضَرَبَتْ بَيْتًا مُهاجِرَةٌ

وقالَ زِيادٌ الأعْجَمُ:
فِي قُبَّةٍ ضُرِبَتْ عَلى ابْنِ الحَشْرَجِ ∗∗∗ وضَرَبَ الطِّينَ عَلى الحائِطِ ألْصَقَهُ

وقَدْ تَقَدَّمَ ما لِجَمِيعِ هَذِهِ المَعانِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾ [البقرة: ٢٦] فَقَوْلُهُ ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ﴾ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ إذْ شُبِّهَتِ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ في الإحاطَةِ بِهِمْ واللُّزُومِ بِالبَيْتِ أوِ القُبَّةِ يَضْرِبُها السّاكِنُ لِيَلْزَمَها. وذِكْرُ الضَّرْبِ تَخْيِيلٌ لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَبِيهٌ في عَلائِقِ المُشَبَّهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُرِبَتِ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً ولَيْسَ ثَمَّةَ مَكْنِيَّةً بِأنْ شَبَّهَ لُزُومَ الذِّلَّةِ لَهم ولُصُوقَها بِلُصُوقِ الطِّينِ بِالحائِطِ، ومَعْنى التَّبَعِيَّةِ أنَّ المَنظُورَ إلَيْهِ في التَّشْبِيهِ هو الحَدَثُ والوَصْفُ لا الذّاتُ بِمَعْنى أنَّ جَرَيانَ الِاسْتِعارَةِ في الفِعْلِ لَيْسَ بِعُنْوانِ كَوْنِهِ تابِعًا لِفاعِلٍ كَما في التَّخْيِيلِيَّةِ بَلْ بِعُنْوانِ كَوْنِهِ حَدَثًا وهو مَعْنى قَوْلِهِمْ أُجْرِيَتْ في الفِعْلِ تَبَعًا لِجَرَيانِها فِي المَصْدَرِ وبِهِ يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَ جَعْلِ ضُرِبَتْ تَخْيِيلًا وجَعْلِهِ تَبَعِيَّةً وهي طَرِيقَةٌ في الآيَةِ سَلَكَها الطَّيِّبِيُّ في شَرْحِ الكَشّافِ وخالَفَهُ التَّفْتَزانِيُّ وجَعَلَ الضَّرْبَ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً بِمَعْنى الإحاطَةِ والشُّمُولِ سَواءٌ كانَ المُشَبَّهُ بِهِ القُبَّةَ أوِ الطِّينَ، وهُما احْتِمالانِ مَقْصُودانِ في هَذا المَقامِ يَشْعُرُ بِهِما البُلَغاءُ.
ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ لَيْسَ هو مِن بابِ قَوْلِ زِيادٍ الأعْجَمِ:
إنَّ السَّماحَةَ والمُرُوءَةَ والنَّدى ∗∗∗ في قُبَّةٍ ضُرِبَتْ عَلى ابْنِ الحَشْرَجِ

لِأنَّ القُبَّةَ في الآيَةِ مُشَبَّهٌ بِها ولَيْسَتْ بِمَوْجُودَةٍ والقُبَّةُ في البَيْتِ يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ حَقِيقَةً فالآيَةُ اسْتِعارَةٌ وتَصْرِيحٌ والبَيْتُ حَقِيقَةٌ وكِنايَةٌ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ الطَّيِّبِيُّ وجَعَلَ التَّفْتَزانِيُّ الآيَةَ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ في الِاسْتِعارَةِ كِنايَةً عَنْ كَوْنِ اليَهُودِ أذِلّاءَ مُتَصاغِرِينَ وهي نُكَتٌ لا تَتَزاحَمُ. والذِّلَّةُ الصَّغارُ وهي بِكَسْرِ الذّالِ لا غَيْرَ وهي ضِدَّ العِزَّةِ ولِذَلِكَ قابَلَ بَيْنَهُما السَّمَوْألُ أوِ الحارِثِيُّ في قَوْلِهِ:
وما ضَرَّنا أنّا قَلِيلٌ وجارُنا ∗∗∗ عَزِيزٌ وجارُ الأكْثَرِينَ ذَلِيلُ

. والمَسْكَنَةُ الفَقْرُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ السُّكُونِ لِأنَّ الفَقْرَ يُقَلِّلُ حَرَكَةَ صاحِبِهِ. وتُطْلَقُ عَلى الضَّعْفِ ومِنهُ المِسْكِينُ لِلْفَقِيرِ.
ومَعْنى لُزُومِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ لِلْيَهُودِ أنَّهم فَقَدُوا البَأْسَ والشَّجاعَةَ وبَدا عَلَيْهِمْ سِيما الفَقْرِ والحاجَةِ مَعَ وفْرَةِ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَإنَّهم لَمّا سَئِمُوها صارَتْ لَدَيْهِمْ كالعَدَمِ ولِذَلِكَ صارَ الحِرْصُ لَهم سَجِيَّةً باقِيَةً في أعْقابِهِمْ.
والبَوْءُ الرُّجُوعُ وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِانْقِلابِ الحالَةِ مِمّا يُرْضِي اللَّهَ إلى غَضَبِهِ.
* * *
﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيئِينَ بِغَيْرِ الحَقِّ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ أثارَهُ ما شَنَّعَ بِهِ حالُهم مِن لُزُومِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ لَهم والإشارَةِ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ وباءُوا بِغَضَبٍ﴾ . وأفْرَدَ اسْمَ الإشارَةِ لِتَأْوِيلِ المُشارِ إلَيْهِ بِالمَذْكُورِ وهو أوْلى بِجَوازِ الإفْرادِ مِن إفْرادِ الضَّمِيرِ في قَوْلِ رُؤْبَةَ:
فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ لِرُؤْبَةَ: إنْ أرَدْتَ الخُطُوطَ فَقُلْ كَأنَّها، وإنْ أرَدْتَ السَّوادَ والبَياضَ فَقُلْ كَأنَّهُما. فَقالَ رُؤْبَةُ: أرَدْتُ كَأنَّ ذَلِكَ ويْلَكَ وإنَّما كانَ ما في الآيَةِ أوْلى بِالإفْرادِ لِأنَّ الذِّلَّةَ والمَسْكَنَةَ والغَضَبَ مِمّا لا يُشاهَدُ فَلا يُشارُ إلى ذاتِها ولَكِنْ يُشارُ إلى مَضْمُونِ الكَلامِ وهو شَيْءٌ واحِدٌ أيْ مَذْكُورٌ ومَقُولٌ ومِن هَذا قَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ٥٨] أيْ ذَلِكَ القَصَصُ السّابِقُ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] وسَيَأْتِي وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ والَّذِي حَسَّنَ ذَلِكَ أنَّ أسْماءَ الإشارَةِ لَيْسَتْ تَثْنِيَتُها وجَمْعُها وتَأْنِيثُها عَلى الحَقِيقَةِ وكَذَلِكَ المَوْصُولاتُ ولِذَلِكَ جاءَ الَّذِي بِمَعْنى الجَمْعِ اهـ. قِيلَ أرادَ بِهِ أنَّ جَمْعَ أسْماءِ الإشارَةِ وتَثْنِيَتَها لَمْ يَكُنْ بِزِيادَةِ عَلاماتٍ بَلْ كانَ بِألْفاظٍ خاصَّةٍ بِتِلْكَ الأحْوالِ فَلِذَلِكَ كانَ اسْتِعْمالُ بَعْضِها في مَعْنى بَعْضٍ أسْهَلَ إذا كانَ عَلى تَأْوِيلٍ. وهو قَلِيلُ الجَدْوى لِأنَّ المَدارَ عَلى التَّأْوِيلِ والمَجازِ سَواءٌ كانَ في اسْتِعْمالِ لَفْظٍ في مَعْنى آخَرَ أوْ في اسْتِعْمالِ صِيغَةٍ في مَعْنى أُخْرى فَلا حُسْنَ يَخُصُّ هَذِهِ الألْفاظَ فِيما يَظْهَرُ. فَلَعَلَّهُ أرادَ أنَّ (ذا) مَوْضُوعٌ لِجِنْسٍ ما يُشارُ إلَيْهِ.
والَّذِي مَوْضُوعٌ لِجِنْسٍ ما عُرِفَ بِصِلَةٍ فَهو صالِحٌ لِلْإطْلاقِ عَلى الواحِدِ والمُثَنّى والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ وإنَّ ما يَقَعُ مِن أسْماءِ الإشارَةِ والمَوْصُولاتِ لِلْمُثَنّى نَحْوَ ذانِ ولِلْجَمْعِ نَحْوَ أُولَئِكَ، إنَّما هو اسْمٌ بِمَعْنى المُثَنّى والمَجْمُوعِ لا أنَّهُ تَثْنِيَةُ مُفْرَدٍ، وجَمْعُ مُفْرَدٍ، فَذا يُشارُ بِهِ لِلْمُثَنّى والمَجْمُوعِ ولا عَكْسَ فَلِذَلِكَ حَسُنَ اسْتِعْمالُ المُفْرَدِ مِنها لِلدِّلالَةِ عَلى المُتَعَدِّدِ.
والباءُ في قَوْلِهِ ﴿بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ سَبَبِيَّةٌ أيْ أنَّ كُفْرَهم وما مَعَهُ كانَ سَبَبًا لِعِقابِهِمْ في الدُّنْيا بِالذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ وفي الآخِرَةِ بِغَضَبِ اللَّهِ وفِيهِ تَحْذِيرٌ مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِ ما وقَعُوا فِيهِ. وقَوْلُهُ ﴿ويَقْتُلُونَ النَّبِيئِينَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ خاصٌّ بِأجْيالِ اليَهُودِ الَّذِينَ اجْتَرَمُوا هَذِهِ الجَرِيمَةَ العَظِيمَةَ سَواءٌ في ذَلِكَ مَن باشَرَ القَتْلَ وأمَرَ بِهِ ومَن سَكَتَ عَنْهُ ولَمْ يَنْصُرِ الأنْبِياءَ.
وقَدْ قَتَلَ اليَهُودُ مِنَ الأنْبِياءِ أشْعِياءَ بْنَ أمْوَصَ الَّذِي كانَ حَيًّا في مُنْتَصَفِ القَرْنِ الثّامِنِ قَبْلَ المَسِيحِ قَتَلَهُ المَلِكُ مَنسِيٌّ مَلِكُ اليَهُودِ سَنَةَ ٧٠٠ قَبْلَ المَسِيحِ نُشِرَ نَشْرًا عَلى جِذْعِ شَجَرَةٍ.
وأرْمِياءَ النَّبِيءَ الَّذِي كانَ حَيًّا في أواسِطِ القَرْنِ السّابِعِ قَبْلَ المَسِيحِ وذَلِكَ لِأنَّهُ أكْثَرَ التَّوْبِيخاتِ والنَّصائِحَ لِلْيَهُودِ فَرَجَمُوهُ بِالحِجارَةِ حَتّى قَتَلُوهُ وفي ذَلِكَ خِلافٌ. وزَكَرِيّاءَ الأخِيرَ أبا يَحْيَ قَتَلَهُ هِيرُودُسُ العِبْرانِيُّ مَلِكُ اليَهُودِ مِن قِبَلِ الرُّومانِ لِأنَّ زَكَرِيّاءَ حاوَلَ تَخْلِيصَ ابْنِهِ يَحْيى مِنَ القَتْلِ وذَلِكَ في مُدَّةِ نُبُوءَةِ عِيسى، ويَحْيى بْنُ زَكَرِيّاءَ قَتَلَهُ هِيرُودُسُ لِغَضَبِ ابْنَةِ أُخْتِ هِيرُودُسَ عَلى يَحْيى.
وقَوْلُهُ ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ بِدُونِ وجْهٍ مُعْتَبَرٍ في شَرِيعَتِهِمْ فَإنَّ فِيها: ﴿أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] فَهَذا القَيْدُ مِنَ الِاحْتِجاجِ عَلى اليَهُودِ بِأُصُولِ دِينِهِمْ لِتَخْلِيدِ مَذَمَّتِهِمْ، وإلّا فَإنَّ قَتْلَ الأنْبِياءِ لا يَكُونُ بِحَقٍّ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، وإنَّما قالَ الأنْبِياءَ لِأنَّ الرُّسُلَ لا تُسَلَّطُ عَلَيْهِمْ أعْداؤُهم لِأنَّهُ مُنافٍ لِحِكْمَةِ الرِّسالَةِ الَّتِي هي التَّبْلِيغُ قالَ تَعالى ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١] وقالَ ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] ومِن ثَمَّ كانَ ادِّعاءُ النَّصارى أنَّ عِيسى قَتَلَهُ اليَهُودُ ادِّعاءً مُنافِيًا لِحِكْمَةِ الإرْسالِ ولَكِنَّ اللَّهَ أنْهى مُدَّةَ رِسالَتِهِ بِحُصُولِ المَقْصِدِ مِمّا أُرْسِلَ إلَيْهِ.
وقَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ فِيهِ إلى نَفْسِ المُشارِ إلَيْهِ بِذَلِكَ الأوْلى فَيَكُونُ تَكْرِيرًا لِلْإشارَةِ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِ المُشارِ إلَيْهِ حِرْصًا عَلى مَعْرِفَتِهِ، ويَكُونُ العِصْيانُ والِاعْتِداءُ سَبَبَيْنِ آخَرَيْنِ لِضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ ولِغَضَبِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، والآيَةُ حِينَئِذٍ مِن قَبِيلِ التَّكْرِيرِ وهو مُغْنٍ عَنِ العَطْفِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُشارُ إلَيْهِ بِذَلِكَ الثّانِي هو الكُفْرَ بِآياتِ اللَّهِ وقَتْلَهُمُ النَّبِيئِينَ فَيَكُونُ ذَلِكَ إشارَةً إلى سَبَبِ ضَرْبِ الذِّلَّةِ إلَخْ فَما بَعْدَ كَلِمَةِ ذَلِكَ هو سَبَبُ السَّبَبِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ إدْمانَ العاصِي يُفْضِي إلى التَّغَلْغُلِ فِيها والتَّنَقُّلِ مِن أصْغَرِها إلى أكْبَرِها.
والباءُ عَلى الوَجْهَيْنِ سَبَبِيَّةٌ عَلى أصْلِ مَعْناها. ولا حاجَةَ إلى جَعْلِ إحْدى الباءَيْنِ بِمَعْنى مَعَ عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِ اسْمِ الإشارَةِ الثّانِي تَكْرِيرًا لِلْأوَّلِ أخْذًا مِن كَلامِ الكَشّافِ الَّذِي احْتَفَلَ بِهِ الطَّيِّبِيُّ فَأطالَ في تَقْرِيرِهِ وتَفْنِينِ تَوْجِيهِهِ فَإنَّ فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ ما يَنْبُو عَنْهُ نَظْمُ القُرْآنِ.
وكانَ الَّذِي دَعا إلى فَرْضِ هَذا الوَجْهِ هو خُلُوَّ الكَلامِ مِن عاطِفٍ يَعْطِفُ بِما عَصَوْا عَلى بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ إذا كانَتِ الإشارَةُ لِمُجَرَّدِ التَّكْرِيرِ. ولَقَدْ نَبَّهْناكَ آنِفًا إلى دَفْعِ هَذا بِأنَّ التَّكْرِيرَ يُغْنِي غَناءَ العَطْفِ.

الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ وَاحِدٍ} : ناصبٌ ومنصوبٌ، والجملةُ في محلَّ نصبٍ بالقولِ، وقد تقدَّم الكلامُ على «لن» ، وقولُه «طعام واحد» وإنما كانا طعامين وهما المَنُّ والسَّلْوى؛ لأنَّ المرادَ بالواحدِ ما لا يَخْتَلِفُ ولا يتبدَّل، فأُريد نفيُ التبدُّلِ والاختلافِ، أو لأنهما ضَرْبٌ واحدُ لأنهما من طعامِ أهلِ التلذُّذِ والترف، ونحن أهلُ زراعاتٍ، لا نريد إلا ما أَلِفْنَاه من الأشياءِ المتفاوتةِ، أو لأنهم كانوا يأكلونَ أحدَهما بالآخرِ أو لأنهما كانا يُؤْكلان في وقتٍ واحدٍ، وقيل: كَنَوْا بذلك عن الغِنَى، فكأنهم قالوا: لن نرضَى أن نكونَ كلُّنا مشتركين في شيءٍ واحدٍ فلا يَخْدُمَ بعضُنا بعضاً وكذلك كانوا، وهم أوّلُ مَنِ اتَّخَذَ الخَدَمَ والعبيدَ.
والطعامُ: اسمٌ لكل ما يُطْعَم من مأكولٍ ومشروبٍ، ومنه {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ} [البقرة: 249] وقد يختصُّ ببعضِ المأكولاتِ كاختصاصه بالبُرِّ والتمر، وفي حديث الصدقة: «أو صاعاً من طعامٍ أو صاعاً من شعير» ، والطَّعْمُ بفتحِ الطاءِ المصدرُ أو ما يُشْتَهى من الطعام أو ما يُؤَدِّيه الذَّوْقُ، تقول: طَعْمُه حُلْوٌ وطَعْمُه مُرٌّ، وبضمِّها الشيءُ المَطْعُوم كالأُكْلِ والأَكْل، قال أبو خراش:
496 - أَرُدُّ شُجاعَ البطنِ لو تَعْلَمِيْنَه ... وأُوْثِرُ غيري من عيالِك بالطَّعْمِ
وأَغْتَبِقُ الماءَ القُراحَ فأنتهي ... إذا الزادُ أمسى للمُزَلَّجِ ذا طَعْمِ
أراد بالأولِ المطعومُ وبالثاني ما يُشْتهى منه، وقد يُعَبَّر به عن الإِعطاءِ، قال عليه السلام: «إذا اسْتَطْعَمَكم الإِمامُ فأطْعِموه» أي: إذا استفتح فافتحُوا عليه، وفلانٌ ما يَطْعَمُ النومَ إلا قائماً، قال:
497 - نَعاماً بوَجْرَةَ صُفْرَ الخُدو ... دِ ما تَطْعَمُ النَّومَ إلا صِياما
قوله: {فادع} اللغةُ الفصيحةُ «ادعُ» بضم العينِ مِنْ دَعَا يدعُو، ولغة بني عامر: فادْعِ بكسر العين، قالَ أبو البقاء: «لالتقاءِ الساكنين، يُجْرُون المعتلَّ مُجْرى الصحيحِ، ولا يُراعونَ المحذوفَ» يعني أنَّ العينَ ساكنةٌ لأجل الأمرِ، والدالُ قبلَها ساكنةٌ، فكُسِرت العينُ، وفيه نظرٌ، لأن القاعدةَ في هذا ونحوه أنْ يُكْسَرَ الأولُ من الساكنين لا الثاني، فيجوزُ أن يكونَ [مِنْ لغتهم] دَعَى يَدْعي مثل رَمى يَرْمي. والدعاءُ هنا السؤالُ، ويكونُ بمعنى التسمية كقوله:
498 - دَعَتْني أخاها أمُّ عمروٍ. . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقد تقدَّم، و «لنا» متعلِّق به، واللام للعلَّة.
قوله «يُخْرِجْ» مجزومٌ في جوابِ الأمر، وقال بعضُهم: «مجزومٌ بلام الأمرِ مقدرةً، أي: لِيُخْرِجْ، وضَعَّفه الزجاج، وسيأتي الكلامُ على حَذْفِ لامِ الأمرِ إن شاء الله تعالى.
قوله: {مِمَّا تُنْبِتُ الأرض} مفعولُ» يُخْرِجْ «محذوفٌ عند سيبويهِ تقديرُه: مأكولاً [مِمَّا] أو شيئاً مِمَّا تُنبت الأرضُ، والجارُّ يجوز أن يتعلَّقَ بالفعلِ قبلَه، وتكونُ» مِنْ «لابتداءِ الغاية، وأنْ يكونَ صفةً لذلك المفعولِ المحذوفِ، فيتعلَّقَ بمضمرٍ أي: مأكولاً كائناً ممَّا تُنْبِتْهُ الأرضُ و» مِنْ «للتبعيضِ، ومذهبُ الأخفش أنَّ» مِنْ «زائدةٌ في المفعول، والتقديرُ: يُخْرِجْ ما تُنْبِتُه الأرضُ، لأنه لا يَشْتَرِط في زيادتِها شيئاً.
و «ما» يجوزُ أن تكونَ موصولةً اسميةً أو نكرةً موصوفةً والعَائدُ محذوفٌ، أي: من الذي تُنْبِتُه أو من شيءٍ تُنبته، ولا يجوزُ جَعْلُها مصدريةً لأن المفعولَ المحذوفَ لا يُوَصَفُ بالإِنباتِ، لأن الإِنباتِ مصدرٌ والمُخْرَجَ جَوْهَرٌ، وكذلك على مذهبِ الأخفش لأنَّ المُخْرَجَ جَوْهَرٌ لا إنبات.
قوله: {مِن بَقْلِهَا} يجوزُ فيه وجهان: أحدُهما: أن يكونَ بَدلاً من «ما» بإعادةِ العامل، و «مِنْ» معناها بيانُ الجنس، والثاني: أن يكونَ في محلِّ نصبٍ على الحال من الضميرِ المحذوفِ العائدِ على «ما» أي: مما تُنْبته الأرضُ في حالِ كَوْنه مِنْ بقلها و «مِنْ» أيضاً للبيان. والبقلُ كلُّ ما تُنْبِتهُ الأرضُ من النَّجْم أي: مِمَّا لا ساقَ له، وجمعُه: بُقول. والقِثَّاء معروف، الواحدُ: قِثَّاءة، فهو من باب قَمْح وقمحة، وفيها لغتان: المشهورةُ كَسْرُ القافِ، وقُرئ بضمِّها، والهمزةُ أصلٌ بنفسِها في قولهم: أَقْثَأَتِ الأرضُ أي: كَثُر قِثَّاؤها ووزنُها فِعَّال، ويُقال في جَمْعها قَثَائي مثل عِلْباء وعَلاَبي. قال بعضُهم: «إلاَّ أنَّ قِثَّاء من ذواتِ الواو، تقول: أَقْثَأْتُ القومَ،: أي أطعمتهُم ذلك، وفَثَأْتُ القِدْر سكَّنْتُ غَلَيَانَها بالماءِ، قال:
499 - تفُورُ علينا قِدْرُهم فَنُديمُها ... ونَفْثَؤُها عَنَّا إذا حَمْيُها غَلا
وهذا من هذا [القائل] وَهْمٌ فاحش، لأنه لمَّا جَعَلَها من ذوات الواو كيفَ يَسْتَدِلُّ عليها بقولهم:» أَقْثَأْتُ القومَ « [بالهمز] ، بل كان ينبغي أن يُقال: أَقْثَيْتُ والأصلُ: أَقْثَوْتُ، لكنْ لمَّا وَقَعَتِ الواوُ في بناتِ الأربعةِ قُلِبَتْ ياءً، كأَغْزَيْتُ من الغَزْوِ، ولكان ينبغي أن يُقالَ:» فَثَوْتُ القِدْر «بالواو، ولقال الشاعر: نَفْثَوُها بالواو، والمَقْثَأَةُ والمَقْثُؤَةُ بفتح التاءِ وضمِّها: مَوْضِعُ القِثَّاء. والفُوم: الثُّوم، والفاءُ تُبْدَلُ من الثاء، قالوا: جَدَفٌ وجَدَثٌ، وعاثُور وعافُور، ومعاثِير ومعافِير، ولكنه [على] غيرِ قياس، وقيل الحِنْطَة، وأنشد ابن عباس:
500 - قد كنتُ أغْنَى الناسِ شخصاً واحداً ... نَزَل المدينةَ عن زِراعة فُوْمِ
وقيل غيرُ ذلك.
قوله:» أَدْنى «فيه ثلاثةُ أقوال، أحدُها وهو الظاهرُ، وهو قول أبي إسحاق الزجاج أنَّ أصلَه: أَدْنَوُ من الدُّنُوِّ وهو القُرْب، فَقُلِبتَ الواوُ ألفاً لتحرُّكِها وانفتاحِ ما قبلها، ومعنى الدنوِّ في ذلك وجهان: أحدُهما: أنه أقربُ لقلةِ قيمته وخَساسته. والثاني: أنه أقربُ لكم لأنه في الدنيا بخلافِ الذي هو خيرٌ، فإنه بالصبرِ عليه يَحْصُلُ نفعُهُ في الآخرةِ، والثاني قولُ علي بن سليمان الخفش: أنَّ أصلَه أَدْنَأُ مهموزاً من دَنَأَ يَدْنَأُ دَناءة، وهو الشيء الخسيس، إلا أنه خُفِّفَ همزهُ كقوله:
501 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... فارْعَيْ فَزارةُ لا هَناكِ المَرْتَعُ
ويَدُلُّ عليه قراءةُ زهير الفرقبي:» أَدْنَأُ «بالهمز.
الثالث: أنَّ أصلَه أَدْوَنُ من الشيء الدُّوْن أي الرديء، فَقُلِب بأَنْ أُخِّرتِ العينُ إلى موضعِ اللامِ فصارِ: أَدْنَوَ فأُعِلَّ كما تقدَّم، ووزنُهُ أَفْلَع، وقد تقدَّم معنى الاستبدالِ وأدْنَى خبرٌ عن «هو» والجملة صلةٌ وعائدٌ، وكذلك «هو خير» أيضاً صلةٌ وعائد.
قوله: «مِصْراً» قرأه الجمهورُ منوناً، وهو خَطُّ المصحف، فقيل: إنهم أُمِروا بهبوطِ مصرٍ من الأمصار فلذلك صُرِف، وقيل: أُمِرُوا بمصرَ بعينه وإنما صُرِف لخفَّته، لسكونِ وسطِه كهنْد ودَعْد، وأنشد:
502 - لم تَتَلَفَّعْ فَضْلِ مِئْزَرِها ... دَعْدٌ ولم تُسْقَ دَعْدُ في العُلَبِ
فَجَمع بين الأمرين، أو صَرَفه ذهاباً به إلى المكان، وقرأ الحسنُ وغيرُه: «مصرَ» وكذلك هي في بعضِ مصاحفِ عثمان ومصحفِ أُبَيّ، كأنهم عَنَوْا مكاناً بعينه. وقال الزمخشري: «إنه مُعَرَّبٌ من لسان العجم، فإن أصله مِصْرائيم، فَعُرِّب» ، وعلى هذا إذا قيل بأنه عَلَمٌ لمكانٍ بعينه فلا ينبغي أن يُصْرف البتةَ لانضمامِ العُجْمِة إليه، فهو نظيرُ «ماه وجَوْر وحِمْص» ولذلك أجمعَ الجمهورُ على منعِه في قولِه {ادخلوا مِصْرَ} [يوسف: 99] . والمِصْرُ في أصل اللغةِ: « الحدُّ الفاصلُ بين الشيئين» وحُكِي عن أهلِ هَجَرَ أنهم إذا كَتَبوا بَيْعَ دارٍ قالوا: اشترى فلانٌ الدارَ بمُصُورِها «أي: حدودِها، وأنشد:
503 - وجاعِلُ الشمسِ مِصْراً لا خَفَاءَ بهِ ... بين النهارِ وبينَ الليلِ قد فَصَلا
قوله {مَّا سَأَلْتُمْ} » ما «في محلِّ نصبٍ اسماً لإِنَّ، والخبرُ في الجارِّ قبله، و» ما «بمعنى الذي والعائدُ محذوفٌ، أي: الذي سألتموه. قال أبو البقاء:» ويَضْعُفُ أن يكونُ نكرةًَ موصوفةً «يعني أنَّ الذي سألوه شيءٌ معينٌ فلا يَحْسُنُ أن يُجابُوا بشيءٍ مُبْهَمٍ. وقُرئ:» سِلْتُم «مثل بِعْتُم، وهي مأخوذةٌ مِنْ سالَ بالألف، قالَ حسان رضي الله عنه:
504 - سَالَتْ هُذَيْلٌ رسولَ الله فاحِشَةً ... ضَلَّتْ هُذَيْلٌ بما سَالَتْ ولم تُصِبِ
وهل هذه الألفُ منقلبةٌ عن ياءٍ أو واوٍ لقولهم: يتساوَلان، أو عن همزةٍ؟ أقوالٌ ثلاثةٌ سيأتي بيانُها إن شاء الله في سورة المعارج.
قولُه: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة} » ضُرِبت «مبنيٌّ للمفعولِ،» الذِّلَّةُ «قائمٌ مَقَامَ الفاعلِ، ومعنى» ضُرِبَتْ «أي: أُلْزِموها وقُضِيَ عليهم بها، من ضَرْب القِباب، قال الفرزدقُ لجرير:
505 - ضَرَبَتْ عليك العنكبوتُ بِنَسْجِها ... وَقَضى عليكَ به الكتابُ المُنَزَّلُ والذِّلَّةُ: الصِّغارُ، والذُّل بالضم ما كان عن قَهْر، وبالكسر ما كانَ بعد شِماس من غير قهر، قاله الرغب. والمَسْكَنَةُ: مَفْعَلةٌ من السكون، لأن المِسْكينَ قليلُ الحركةِ والنهوضِ، لِما به من الفَقْر، والمِسْكينُ مِفْعيل منه إلا أنَّ هذه الميمَ قد ثَبَتَتْ في اشتقاق هذهِ الكلمةِ، قالوا: تَمَسْكَنَ يَتَمَسْكَنُ فهو مُتَمَسْكِنٌ، وذلك كما تَثْبُتُ ميم تَمَنْدَلَ وتَمَدْرَعَ من النَّدْل والدَّرْع، وذلك لا يَدُلُّ على أصالتها، لأن الاشتقاق قَضَى عليها بالزيادَةِ.
وقال الراغب: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة} فالميمُ في ذلك زائدةٌ في أصحِّ القولين «وإيرادُ هذا الخلافِ يُؤْذِنُ بأنَّ النونَ زائدةٌ، وأنه من مَسَك» .
قوله: «وباؤُوا» ألفُ «باءَ بكذا» منقلبةٌ عن واو لقولهم: «باء يَبُوء» مثل: قال يقول:، قال عليه الصلاة والسلام «أبُوْءُ بنعمتِك عليّ» والمصدرُ البَواء، وباءَ معناه رَجَعَ، وأنشد بعضهم:
506 - فآبُوا بالنَّهائِبِ والسَّبايا ... وأُبْنا بالمُلوكِ مُصَفَّدينا
وهذا وَهَمٌ، لأنَّ هذا البيتَ من مادة آب يَؤُوب فمادتُه من همزةٍ وواو وباء، و «باء» مادتُه من باء وواو وهمزة، وادِّعاءُ القلبِ فيه بعيدٌ [أنه لم يُعْهَدْ] تقدُّمُ العينِ واللام معاً على الفاء في مقلوبٍ وهذا من ذاك.
والبَواء: الرجوعُ بالقَوَدِ، وهم في هذا الأمر بَواء أي: سَواء، قال:
507 - ألا تَنْتَهي عنَّا مُلُوكٌ وتَتَّقي ... محارِمَنا لا يَبْوُؤُ الدمُ بالدَّمِ
أي: لا يرْجِعُ الدم بالدم في القَوَد، وباءَ بكذا أَقَرَّ أيضاً، ومنه الحديثُ المتقدم، أي أُقِرُّ بِها [وأُلْزِمُها نفسي] ، وقال:
508 - أَنْكَرْتُ باطِلَها وبُؤْتُ بحقِّها ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال الراغبُ: «أصلُ البَواءِ مساواةُ الأجزاءِ في المكانِ خِلاَفَ النَّبْوَةِ الذي هو منافاةُ الأجْزاء، وقوله» وباؤُوا بغضبٍ «أي حَلُّوا مَبْوَأً ومعه غضبٌ، واستعمال» باء «تنبيهٌ على أنَّ مكانه الموافقَ يَلْزَمُه فيه غضبُ اللهِ فكيف بغيره من الأمكنَةِ، وذلك نحو {فَبَشِّرْهم بعذاب} [آل عمران: 21] . ثم قال:» وقولُ مَنْ قَالَ «بُؤْتُ بحقِّها» أي أَقْرَرْتُ فليس تفسيرُه بحسب مقتضى اللفظ، وقولُهم: حَيّاك الله وبَيَّاك «أصلُه: بَوَّأَك وإنما غُيِّر للمشاكَلَةِ، قاله خلف الأحمر» .
قوله: بغضب «في موضعِ الحالِ من فاعِل» باؤوا «: أي: رَجَعوا مغضوباً عليهم، وليس مفعولاً به كمررتُ بزيدٍ. وقال الزمخشري:» هو من قولك: باء فلانٌ بفلان إذا كانَ حقيقاًَ بأنْ يُقْتَلَ به لمساواتِه له ومكافَأَته، أي: صاروا أحِقَّاءَ بغضبِه «وهذا التفسيرُ ينفي كونَ الباءِ لِلحال/.
قوله» مِن الله «الظاهرُ أنَّه في محلِّ جرٍّ صفةً لغضَب، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ أي: بغضبٍ كائنٍ من اللهِ. و» مِنْ «لابتداءِ الغايةِ مجازاً، وقيل: هو متعلِّقٌ بالفعلِ نفسِه أي: رَجَعوا من الله بغضب، وليس بقويٍّ.
قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ} » ذلك «مبتدأٌ أُشير به إلى ما تَقَدَّم من ضَرْب الذِّلَّة والمَسْكَنة والخلافةِ بالغضب. و» بأنهم «الخبرُ. والباءُ للسببية، أي: ذلك مستحقٌّ بسببِ كفرِهم. وقال المهدوي:» الباءُ بمعنى اللام أي: لأنهم «ولا حاجة إلى هذا، فإنَّ باءَ السببيةِ تفيدُ التعليلَ بنفسِها. و» يكفرون «في محلِّ نصبٍ خبراً لكانَ، وكانَ وما في حَيِّزها في محلِّ رفعٍ خبراً لأنَّ، وأنَّ وما في حَيِّزها في محلِّ جرٍّ بالباء. والباءُ وما في حَيِّزها في محلِّ رفعٍ خبراً للمبتدأِ كما تقدَّم.
قوله «بآيات الله» متعلِّقٌ بيكفرون، والباءُ للتعدية.
قوله «ويقتُلون» في محلِّ نصبٍ عطفاً على خبرِ كان، وقرئ: «تَقْتُلون» بالخطاب التفاتاً إلى الخطاب الأولِ بعد الغَيْبة، و «يُقَتِّلونَ» بالتشديدِ للتكثيرِ.
قوله: «الأنبياءَ» مفعولٌ به جمع نبيّ، والقُرَّاء على تَرْك الهمز في النُّبُوَّة وما تَصَرَّف منها، ونافعٌ المدنيُّ على الهمزِ في الجميع إلا موضعين: في سورةِ الأحزابِ «للنبيِّ إن أراد» « [لا تَدْخُلوا] بيوتَ النبيِّ إلاَّ» فإنَّ قالون حَكَى عنه في الوصلِ كالجماعةِ وسيأتي. فأمّا مَن هَمَز فإنه جَعَله مشتقاً من النبأ وهو الخبر، فالنبيُّ فعيل بمعنى فاعل، أي: مُنَبِّئٌ عن الله برسالته، ويجوزُ أن يكونَ بمعنى مَفْعول أي: إنه مُنَبَّأ مِن الله بأوامِره ونواهِيه، واستدلُّوا على ذلك بجَمْعِهِ على نُبَآء، كظريف وظُرَفاء، قال العباس ابن مرداس:
509 - يا خاتَم النُّبَآء إنَّك مُرْسَلٌ ... بالخيرِ، كلُّ هدى السبيلِ هُداكا
فظهورُ الهمزتين يَدُلُّ على كونِهِ من النبأ، واستضعف بعضُ النحويين هذه القراءةَ، قال أبو علي: «قال سيبويه:» بلغنَا أنّ قوماً من أهل التحقيق يحقِّقون نَبيَّاً وبَريَّة، قال: وهو رديء «، وإنما استردَأَه لأن الغالبَ التخفيفُ» وقال أبو عبيد: «الجمهورُ الأعظمُ من القُرَّاء والعوام على إسقاط الهمز من النبيّ والأنبياء، وكذلك أكثرُ العرب مع حديث رويناه، فذكر أنَّ رجلاً جاء إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال:» يا نبيءَ الله «فهمز، فقال:» لست نبيءَ الله «فهمز،» ولكن نبيُّ اللهِ «ولم يهمز، فأنكر عليه الهمز، قال:» وقال لي أبو عبيدة: العربُ تُبْدِل الهمزَ في ثلاثةِ أحرف: النبي والبريَّة والخابية وأصلهنَّ الهمزُ «، قال أبو عبيدة:» ومنها حرف رابع: الذُّرِّيَّة من ذرأ يذرأ، ويدل على أن الأصلَ الهمزُ قولُ سيبويه: إنهم كلَّهم يقول: تنبَّأ مسيلمة فيهمزون، وبهذا لا ينبغي أن تُرَدَّ به قراءة هذا الإِمامِ الكبير. أمَّا الحديثُ فقد ضَعَّفوه، قال ابنُ عطية: «مِمَّا يُقَوِّيَ ضعفَه أنه لمَّا أَنْشده العباس:» يا خاتم النُّبآء «لم يُنْكِرهْ، ولا فرقَ بين الجمع والواحد» ، ولكنَّ هذا الحديثَ قد ذكره الحاكم في المستدرك، وقال: هو صحيحٌ على شرطِ الشيخين، ولم يُخْرجاه. قلت: فإذا كان ذلك كذلك فَلْيُلْتَمَسْ للحديثِ تخريجٌ يكونُ جواباً عن قراءة نافع، على أن القطعيَّ لا يُعارَضُ بالظني، وإنما نذكرُه زيادةَ فائدةِ والجواب عن الحديث أن أبا زيد حكى: «نَبَأْتُ من أرضِ كذا إلى أَرض كذا» أي: خَرَجْتُ منها إليها، فقوله: «يا نبيءَ الله» بالهمز يُوهم يا طريدَ الله الذي أخرجه من بلدِه إلى غيره، فنهاهُ عن ذلك لإِيهامِهِ ما ذكرنا، لا لسبب يتعلَّق بالقراءةِ.
ونظيرُ ذلك نَهْيُه للمؤمنين عن قولهم: «راعِنا» ، لَمَّا وَجَدَتِ اليهودُ بذلك طريقاً إلى السبِّ به في لغتهم، أو يكونُ حَضَّاً منه عليه السلام على تحرِّي أفصحِ اللغاتِ في القرآنِ وغيرِه.
وأمَّا مَنْ لم يَهْمِزْ فإنَّه يَحْتمل وجهين، أحدُهما: أنَّه من المهموزِ ولكِنْ خُفِّفَ، وهذا أَوْلى ليوافِقَ القراءتين ولظهورِ الهمزِ في قولِهم: تَنَبَّأ مُسَيلَمَةُ، وقولِه: «يا خاتَم النُّبآء» . والثاني: أنه أصلٌ آخرُ بنفسِه مشتقٌ من نَبا ينبو إذا ظَهَرَ وارتفع، ولا شك أن رتبة النبيِّ مرتفعةٌ ومنزلتَه ظاهرةٌ بخلاف غيره من الخَلْق، والأصلُ: نَبِيْوٌ وأَنْبِواء، فاجتمع الياءُ والواوُ وسَبَقَتْ إحداهُما بالسكون، فَقُلبت الواوُ ياءً وأُدْغِم، كميِّت في مَيْوِت، وانكسر ما قبلَ الواوِ في الجمعِ فقُلبت ياءً، فصار أنبِياء. والواوُ في النبوَّة بدلٌ من الهمزِ على الأولِ وأصلٌ بنفسِها على الثاني، فهو فَعِيلٌ بمعنى فاعِل أي: ظاهرٌ مرتفعٌ، أو بمعنى مفعول أي: رَفَعه الله على خَلْقه، أو يكونُ مأخوذاً من النبيّ الذي هو الطريق، وذلك أن النبيَّ طريقُ اللهِ إلى خَلْقِه، به يتوصَّلُون إلى معرفةِ خالِقِهم، وقال الشاعر:
510 - لمَّا وَرَدْنَ نُبَيَّاً واسْتَتَبَّ بِنا ... مُسْحَنْفِرٌ كخُطوطِ النَّسْجِ مُنْسَحِلُ
أي: طريقاً، وقال:
511 - لأَصْبَحَ رَتْماً دُقاقُ الحَصَى ... مكانَ النَّبِيِّ من الكاثِبِ
الرَّتْمُ بالتاء المثنَّاة والمثلثةِ جميعاً: الكَسْر، والكاثبُ بالمثلثة اسمُ جبلٍ، وقالوا في تحقير نُبُوَّة مُسَيْلَمَةَ: نُبَيِّئَة. وقالوا: جمعُه على أَنْبياء قياس مطَّرد في فَعيل المعتلِّ نحو: وَلِيَّ وأَوْلياء وصَفِيّ وأَصْفِياء. وأمَّا قالون فإنما تَرَك الهمزَ في الموضعين المذكورين لَمَدْركٍ آخرَ، وهو أنه مِنْ أصلِه في اجتماعِ الهمزتين من كلمتين إذا كانتا مكسورَتَيْنِ أَنْ تُسَهَّل الأولى، إلا أنْ يَقَعَ قبلَها حَرفُ مدٍّ فتُبْدَلَ وتُدْغَمَ، فَلَزِمَه أن يفعل هنا ما فَعَل في «بالسوء إلاَّ» مِن الإِبدالِ والإِدغامِ، إلاَّ أنه رُوي عنه خلافٌ في «بالسوء إلاَّ» ولم يُرْوَ عنه هنا خلافٌ، كأنه التزم البدل لكثرةِ الاستعمال في هذه اللفظة وبابها، ففي التحقيق لم يَتْرُكْ همزَ «النبيّ» بل هَمزَهْ وَلمَّا هَمَزَه أدَّاه قياسُ تخفيفِه إلى ذلك، وَيدُلَّ على هذا الاعتبارِ أنَّه إنما يَفْعَلُ ذلك حيث يَصِلُ، أمَّا إذا وَقَفَ فإنَّه يَهْمِزُه في الموضعين لزوالِ السببِ المذكورِ/ فهو تارِكٌ للهمزِ لفظاً آتٍ به تقديراً.
قولُه تعالى: {بِغَيْرِ الحق} في محلِّ نَصْبٍ على الحال من فاعلِ «يَقْتُلون» تقديرُه: يقتُلونهم مُبْطِلين، ويجوز أَنْ يكونَ نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ تقديره: قَتْلاً كائناً بغيرِ الحق، فيتعلَّقَ بمحذوفٍ. قال الزمخشري: «قتلُ الأنبياءِ لا يكون إلا بغير الحقِّ، فما فائدةُ ذِكْرِه؟ وأجابَ بأنَّ معناه أنهم قَتَلوهم بغيرِ الحق عندَهم لأنهم لم يَقْتُلُوا ولا أَفْسَدوا في الأرض حتى يُقْتَلوا، فلو سُئِلوا وأَنْصَفُوا مِنْ أنفسِهم لم يَذْكُروا وجهاً يَسْتَحِقُّونَ به القتلَ عندهم» وقيل: إنما خَرَجَ وصفُهم بذلك مَخْرَجَ الصفةِ لقَتْلِهم بأنه ظلمٌ في حقهم لاحقٌ، وهو أبلغُ في الشَّناعة والتعظيم لذنوبهم.
قوله: {ذلك بِمَا عَصَواْ} مثلُ ما تقدَّم. وفي تكريرِ اسم الإِشارة قولان، أحدهما: أنه مُشارٌ به إلى ما أَشِير بالأول إليه على سبيل التأكيد. والثاني ما قالَه الزمخشري: وهو أَنْ يشَار به إلى الكفرِ وقَتْلِ الأنبياء، على معنى أنَّ ذلك بسببِ عِصْيانهم واعتدائِهم لأنَّهم انهمكوا فيهما «. و» ما «مصدريةٌ والباءُ للسببيَّة، أي بسبب عِصْيانهم، فلا محلَّ ل» عَصَوا «لوقوعِه صلةً، وأصلُ عَصَوْا عَصَيُوا، تحرَّكت الياءُ وانفتح ما قبلَها، قُلبت ألفاً، فالتقى ساكنان هي والواوُ، فحُذِفَت لكونها أوَّلَ الساكنين، وبَقيَتِ الفتحةُ تَدُلُّ عليها فوزنه فَعَوْا.» وكانوا يعتدُون «في محلِّ نصبٍ خبراً ل» كان «، وكانَ وما بعدها عطفٌ على صلةِ» ما «المصدرية.
وأصلُ العِصيان: الشِّدَّةُ، اعتصَتِ النَّواةُ، اشتدَّت، والاعتداءُ على المجاوزُ من عدا يعدُو، فهو افتعالٌ منه، ولم يَذْكُرْ متعلَّقَ العِصيان والاعتداءِ لِيَعُمَّ كلَّ ما يُعْصَى ويعتدى فيه.
وأصلُ» يَعْتَدُون «يَعْتَدِيُونَ، ففُعِل به ما فُعِل ب {يتَّقون} [البقرة: 21] من الحَذْفِ والإِعلال وقد تقدَّم، فوزنُه يَفْتَعُون. والواوُ من» عَصَوْا «واجبةُ الإِدغام في الواوِ بعدَها لانفتاحِ ما قبلَها، فليسَ فيها مَدٌّ يمنعُ مِن الإِدغامِ، ومثلُه: {فَقَدِ اهتدوا وَّإِن تَوَلَّوْاْ} [آل عمران: 20] وهذا بخلافِ ما إذا انضمَّ ما قبل الواوِ، فإنَّ المدَّ يقومُ مَقامَ الحاجز بين المِثْلَيْن فيجبُ الإِظهارُ، نحو {آمَنُواْ وَعَمِلُواْ} [البقرة: 25] ومثلُه: {الذى يُوَسْوِسُ} [البقرة: 126] .

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
هبط
الهُبُوط: الانحدار على سبيل القهر كهبوط الحجر، والهَبُوط بالفتح: المنحدر. يقال: هَبَطْتُ أنا، وهَبَطْتُ غيري، يكون اللازم والمتعدّي على لفظ واحد. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة : 74] يقال: هَبَطْتُ وهَبَطْتُهُ هَبْطاً، وإذا استعمل في الإنسان الهُبُوط فعلى سبيل الاستخفاف بخلاف الإنزال، فإنّ الإنزال ذكره تعالى في الأشياء التي نبّه على شرفها، كإنزال الملائكة والقرآن والمطر وغير ذلك. والهَبُوطُ ذكر حيث نبّه على الغضّ نحو: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة : 36] ، ﴿فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ [الأعراف : 13] ، ﴿اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة : 61] وليس في قوله: ﴿فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة : 61] تعظيم وتشريف، ألا ترى أنه تعالى قال: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة : 61] ، وقال جلّ ذكره: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً﴾ [البقرة : 38] ويقال: هَبَطَ المَرَضُ لحم العليل: حطّه عنه، والهَبِيط: الضّامر من النّوق وغيرها إذا كان ضمره من سوء غذاء، وقلّة تفقّد.