التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سورة البقرة، الآية: ٨٤

(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ). سورة البقرة، الآية: ٨٤

التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكم ثُمَّ أقْرَرْتُمْ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ﴾ [البقرة: ٨٥]
تَفَنَّنَ الخِطابُ هُنا فَجاءَ عَلى نَسَقِ ما قَبْلَ الآيَةِ السّابِقَةِ إذْ عَبَّرَ هُنا عَنْ جَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ بِضَمِيرِ الخِطابِ عَلى طَرِيقِ التَّغْلِيبِ لِأنَّ المُخاطَبِينَ حِينَ نُزُولِ القِراءاتِ هُمُ المَقْصُودُونَ مِن هَذِهِ المَوْعِظَةِ أوْ عَلى طَرِيقِ تَنْزِيلِ الخَلَفِ مَنزِلَةَ السَّلَفِ، كَما تَقَدَّمَ لِأنَّ الدّاعِيَ لِلْإظْهارِ عِنْدَ الِانْتِقالِ مِنَ الِاسْتِطْرادِ إلى بَقِيَّةِ المَقْصُودِ في الآيَةِ السّابِقَةِ قَدْ أخَذَ ما يَقْتَضِيهِ فَعادَ أُسْلُوبُ الخِطابِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ.
والقَوْلُ في ﴿لا تَسْفِكُونَ﴾ كالقَوْلِ في ﴿لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣] والسَّفْكُ الصَّبُّ وإضافَةُ الدِّماءِ إلى ضَمِيرِ فاعِلِ ”تَسْفِكُونَ“ اقْتَضَتْ أنَّ مَفْعُولَ ”تَسْفِكُونَ“ هو دِماءُ السّافِكِينَ ولَيْسَ المُرادُ النَّهْيَ عَنْ أنْ يَسْفِكَ الإنْسانُ دَمَ نَفْسِهِ أوْ يُخْرِجَ نَفْسَهُ مِن دارِهِ لِأنَّ مِثْلَ هَذا مِمّا يَزَعُ المَرْءَ عَنْهُ وازِعُهُ الطَّبِيعِيُّ؛ فَلَيْسَ مِن شَأْنِ الشَّرِيعَةِ الِاهْتِمامُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ. وإنَّما المُرادُ أنْ لا يَسْفِكَ أحَدٌ دَمَ غَيْرِهِ ولا يُخْرِجَ غَيْرَهُ مِن دارِهِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] أيْ فَلْيُسَلِّمْ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ. فَوَجْهُ إضافَةِ الدِّماءِ إلى ضَمِيرِ السّافِكِينَ أنَّ هَذِهِ الأحْكامَ المُتَعَلِّقَةَ بِالأُمَّةِ أوِ القَبِيلَةِ يَكُونُ مَدْلُولُ الضَّمائِرِ فِيها مَجْمُوعَ النّاسِ، فَإذا تَعَلَّقَتْ أحْكامٌ بِتِلْكَ الضَّمائِرِ مِن إسْنادٍ أوْ مَفْعُولِيَّةٍ أوْ إضافَةٍ أُرْجِعَ كُلٌّ إلى ما يُناسِبُهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّوْزِيعِ وهَذا كَثِيرٌ في اسْتِعْمالِ القُرْآنِ ونُكْتَتُهُ الإشارَةُ إلى أنَّ المُغايَرَةَ في حُقُوقِ أفْرادِ الأُمَّةِ مُغايَرَةٌ صُورِيَّةٌ وأنَّها راجِعَةٌ إلى شَيْءٍ واحِدٍ وهو المَصْلَحَةُ الجامِعَةُ أوِ المَفْسَدَةُ الجامِعَةُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُ الحَماسِيِّ الحارِثِ بْنِ وعْلَةَ الذُّهْلِيِّ:
قَوْمِي هُمُ قَتَلُوا أُمَيْمَ أخِي فَإذا رَمَيْتُ يُصِيبُنِي سَهْمِي ∗∗∗ فَلَئِنْ عَفَوْتُ لَأعْفُوَنَّ جَلَلاوَلَئِنْ سَطَوْتُ لَأُوهِنَنَّ عَظْمِي يُرِيدُ أنَّ سَهْمَهُ إذا أصابَ قَوْمَهُ فَقَدْ أضَرَّ بِنَفْسِهِ وإلى هَذا الوَجْهِ أشارَ ابْنُ عَطِيَّةَ وسَمّاهُ اللَّفَّ في القَوْلِ. أيِ الإجْمالُ المُرادُ بِهِ التَّوْزِيعُ، وذَهَبَ صاحِبُ الكَشّافِ إلى أنَّهُ مِن تَشْبِيهِ الغَيْرِ بِالنَّفْسِ لِشِدَّةِ اتِّصالِ الغَيْرِ بِالنَّفْسِ في الأصْلِ أوِ الدِّينِ فَإذا قَتَلَ المُتَّصِلَ بِهِ نَسَبًا أوْ دِينًا فَكَأنَّما قَتَلَ نَفْسَهُ وهو قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ ومَبْناهُ عَلى المَجازِ في الضَّمِيرِ المُضافِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ دِماءَكم وأنْفُسَكم وقِيلَ إنَّ المَعْنى لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم بِالتَّسَبُّبِ في قَتْلِ الغَيْرِ فَيُقْتَصُّ مِنكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكم بِالجِنايَةِ عَلى الغَيْرِ فَتُنْفَوْا مِن دِيارِكم، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى المَجازِ التَّبَعِيِّ في تَسْفِكُونَ وتُخْرِجُونَ بِعَلاقَةِ التَّسَبُّبِ.
وأشارَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى وصِيَّتَيْنِ مِنَ الوَصايا الإلَهِيَّةِ الواقِعَةِ في العَهْدِ المَعْرُوفِ بِالكَلِماتِ العَشْرِ المُنَزَّلَةِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِ ”لا تَقْتُلْ، لا تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ“ فَإنَّ النَّهْيَ عَنْ شَهْوَةِ بَيْتِ القَرِيبِ لِقَصْدِ سَدِّ ذَرِيعَةِ السَّعْيِ في اغْتِصابِهِ مِنهُ بِفَحْوى الخِطابِ.
وعَلَيْهِ فَإضافَةُ مِيثاقٍ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ مُراعًى فِيها أنَّهم لَمّا كانُوا مُتَدَيِّنِينَ بِشَرِيعَةِ التَّوْراةِ فَقَدِ التَزَمُوا بِجَمِيعِ ما تَحْتَوِي عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ أقْرَرْتُمْ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ مُرَتَّبٌ تَرْتِيبًا رُتَبِيًّا أيْ أخَذَ عَلَيْكُمُ العَهْدَ وأقْرَرْتُمُوهُ أيْ عَمِلْتُمْ بِهِ وشَهِدْتُمْ عَلَيْهِ فالضَّمِيرانِ في ﴿أقْرَرْتُمْ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ راجِعانِ لِما رَجَعَ لَهُ ضَمِيرُ مِيثاقِكم وما بَعْدَهُ لِتَكُونَ الضَّمائِرُ عَلى سَنَنٍ واحِدٍ في النَّظْمِ وجُمْلَةُ ﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ حالِيَّةٌ أيْ لا تُنْكِرُونَ إقْرارَكم بِذَلِكَ إذْ قَدْ تَقَلَّدْتُمُوهُ والتَزَمْتُمُ التَّدَيُّنَ بِهِ.
والعَطْفُ بِثُمَّ في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] لِلتَّرْتِيبِ الرُّتَبِيِّ؛ أيْ وقَعَ ذَلِكَ كُلُّهُ وأنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ. والخِطابُ لِلْيَهُودِ الحاضِرِينَ في وقْتِ نُزُولِ القُرْآنِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ هَؤُلاءِ لِأنَّ الإشارَةَ لا تَكُونُ إلى غائِبٍ وذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِهِمْ ”ها أنا ذا وها أنْتُمْ أُولاءِ“؛ فَلَيْسَتْ زِيادَةُ اسْمِ الإشارَةِ إلّا لِتَعْيِينِ مَفادِ الضَّمِيرِ وهَذا اسْتِعْمالٌ عَرَبِيٌّ يَخْتَصُّ غالِبًا بِمَقامِ التَّعَجُّبِ مِن حالِ المُخاطَبِ وذَلِكَ لِأنَّ أصْلَ الإخْبارِ أنْ يَكُونَ بَيْنَ المُخْبِرِ والمُخْبَرِ عَنْهُ تَخالُفٌ في المَفْهُومِ واتِّحادٌ في الصِّدْقِ في الخارِجِ وهو المَعْرُوفُ عِنْدَ المَناطِقَةِ بِحِمْلِ الِاشْتِقاقِ نَحْوَ أنْتَ صادِقٌ.
ولِذَلِكَ لَزِمَ اخْتِلافُ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ بِالجُمُودِ والِاشْتِقاقِ غالِبًا أوِ الِاتِّحادِ في الِاشْتِقاقِ ولا تَجِدُهُما جامِدَيْنِ إلّا بِتَأْوِيلٍ.
ثُمَّ إنَّ العَرَبَ قَدْ تَقْصِدُ مِنَ الإخْبارِ مَعْنى مُصادَفَةِ المُتَكَلِّمِ الشَّيْءَ عَيْنَ شَيْءٍ يَبْحَثُ عَنْهُ في نَفْسِهِ نَحْوَ (أنْتَ أبا جَهْلٍ) قالَهُ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ يَوْمَ بَدْرٍ إذْ وجَدَهُ مُثْخَنًا بِالجِراحِ صَرِيعًا. ومُصادَفَةُ المُخاطَبِ ذَلِكَ في اعْتِقادِ المُتَكَلِّمِ نَحْوَ ﴿قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي﴾ [يوسف: ٩٠] . فَإذا أرادُوا ذَلِكَ تَوَسَّعُوا في طَرِيقَةِ الإخْبارِ فَمِن أجْلِ ذَلِكَ صَحَّ أنْ يُقالَ (أنا ذَلِكَ) إذا كانَتِ الإشارَةُ إلى مُتَقَرِّرٍ في ذِهْنِ السّامِعِ وهو لا يَعْلَمُ أنَّهُ عَيْنُ المُسْنَدِ إلَيْهِ كَقَوْلِ خُفافِ بْنِ نُدْبَةَ:
تَأمَّلْ خُفافًا إنَّنِي أنا ذَلِكا

وقَوْلُ طَرِيفٍ العَنْبَرِيِّ
فَتَوَسَّمُونِي إنَّنِي أنا ذالِكُمْ

. وأوْسَعُ مِنهُ عِنْدَهم نَحْوَ قَوْلِ أبِي النَّجْمِ
أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي

ثُمَّ إذا أرادُوا العِنايَةَ بِتَحْقِيقِ هَذا الِاتِّحادِ جاءُوا بِ (ها) التَّنْبِيهِ فَقالُوا ها أنا ذا يَقُولُهُ المُتَكَلِّمُ لِمَن قَدْ يَشُكُّ أنَّهُ هو نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ:
إنَّ الفَتى مَن يَقُولُ ها أنا ذا

. فَإذا كانَ السَّبَبُ الَّذِي صَحَّحَ الأخْبارَ مَعْلُومًا اقْتَصَرَ المُتَكَلِّمُ عَلى ذَلِكَ وإلّا اتَّبَعَ مِثْلَ ذَلِكَ التَّرْكِيبِ بِجُمْلَةٍ تَدُلُّ عَلى الحالِ الَّتِي اقْتَضَتْ ذَلِكَ الإخْبارَ ولَهم في ذَلِكَ مَراتِبُ: الأُولى ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥] الثّانِيَةُ ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩] ومِنهُ ها أنا ذا لَدَيْكُما قالَهُ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ. الثّالِثَةُ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [النساء: ١٠٩] ويُسْتَفادُ مَعْنى التَّعَجُّبِ في أكْثَرِ مَواقِعِهِ مِنَ القَرِينَةِ كَما تَقُولُ لِمَن وجَدْتَهُ حاضِرًا وكُنْتَ لا تَتَرَقَّبُ حُضُورَهُ ”ها أنْتَ ذا“، أوْ مِنَ الجُمْلَةِ المَذْكُورَةِ بَعْدَهُ إذا كانَ مَفادُها عَجِيبًا كَما رَأيْتَ في الأمْثِلَةِ. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأً وخَبَرًا والجُمْلَةُ بَعْدَهُما حالًا، وقِيلَ هي مُسْتَأْنِفَةٌ لِبَيانِ مَنشَأِ التَّعَجُّبِ وقِيلَ الجُمْلَةُ هي الخَبَرُ واسْمُ الإشارَةِ مُنادى مُعْتَرِضٌ ومَنَعَهُ سِيبَوَيْهِ وقِيلَ اسْمُ الإشارَةِ مَنصُوبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ وهَذا ضَعِيفٌ.
وعَلى الخِلافِ في مَوْقِعِ الجُمْلَةِ اخْتُلِفَ فِيما لَوْ أتى بَعْدَها أنْتَ ذا ونَحْوُهُ بِمُفْرَدٍ فَقِيلَ يَكُونُ مَنصُوبًا عَلى الحالِ وقِيلَ مَرْفُوعًا عَلى الخَبَرِ ولَمْ يُسْمَعْ مِنَ العَرَبِ إلّا مِثالٌ أنْشَدَهُ النُّحاةُ وهو قَوْلُهُ
أبا حَكَمٍ ها أنْتَ نَجْمُ مُجالِدٍ

ولِأجْلِ ذَلِكَ جاءَ ابْنُ مالِكٍ في خُطْبَةِ التَّسْهِيلِ بِقَوْلِهِ ”وها أنا ساعٍ فِيما انْتُدِبْتُ إلَيْهِ“ . وجاءَ ابْنُ هِشامٍ في خُطْبَةِ المُغْنِي بِقَوْلِهِ ”وها أنا مُبِيحٌ بِما أسْرَرْتُهُ“ . واخْتَلَفَ النُّحاةُ أيْضًا في أنَّ وُقُوعَ الضَّمِيرِ بَعْدَ (ها) التَّنْبِيهِ هَلْ يَتَعَيَّنُ أنْ يَعْقُبَهُ اسْمُ الإشارَةِ فَقالَ في التَّسْهِيلِ: هو غالِبٌ لا لازِمٌ. وقالَ ابْنُ هِشامٍ: هو لازِمٌ صَرَّحَ بِهِ في حَواشِي التَّسْهِيلِ بِنَقْلِ الدَّمامِينِيِّ في الحَواشِي المِصْرِيَّةِ في الخُطْبَةِ وفي الهاءِ المُفْرَدَةِ. وقالَ الرَّضِيُّ: إنَّ دُخُولَ (ها) التَّنْبِيهِ في الحَقِيقَةِ إنَّما هو عَلى اسْمِ الإشارَةِ عَلى ما هو المَعْرُوفُ في قَوْلِهِمْ هَذا وإنَّما يُفْصَلُ بَيْنَها وبَيْنَ اسْمِ الإشارَةِ بِفاصِلٍ فَمِنهُ الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ المُنْفَصِلُ كَما رَأيْتَ ومِنهُ القَسَمُ نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ مِن شَواهِدِ الرَّضِيِّ:
تَعَلَّمَن ها لَعَمْرُ اللَّهِ ذا قَسَما ∗∗∗ فاقْدِرْ بِذَرْعِكَ فانْظُرْ أيْنَ تَنْسَلِكُ

وشَذَّ بِغَيْرِ ذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِ النّابِغَةِ:
ها إنَّ تا عَذِرَةَ إنْ لا تَكُنْ نَفَعَتْ ∗∗∗ فَإنَّ صاحِبَها قَدْ تاهَ في البَلَدِ

وقَوْلُهُ تَقْتُلُونَ حالٌ أوْ خَبَرٌ، وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ لِقَصْدِ الدِّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ وأنَّ ذَلِكَ مِن شَأْنِكم وكَذَلِكَ قَوْلُهُ﴿تُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] وجَعَلَ في الكَشّافِ المَقْصُودَ بِالخِطاباتِ كُلِّها في هَذِهِ الآيَةِ مُرادًا بِهِ أسْلافُ الحاضِرِينَ وجَعَلَ قَوْلَهُ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥] مَعَ إشْعارِهِ بِمُغايَرَةِ المُشارِ إلَيْهِمْ لِلَّذِينَ وُجِّهَ إلَيْهِمُ الخِطابُ مُرادًا مِنهُ مُغايَرَةٌ تَنْزِيلِيَّةٌ لِتَغَيُّرِ صِفاتِ المُخاطَبِ الواحِدِ وذَلِكَ تَكَلُّفٌ ساقَهُ إلَيْهِ مَحَبَّةُ جَعْلِ الخِطاباتِ في هَذِهِ الآيَةِ مُوافِقَةً لِلْخِطاباتِ الَّتِي في الآيِ قَبْلَها وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ غَيْرُ لازِمٍ وأنَّ المُغايَرَةَ مَقْصُودَةٌ هُنا وقَدِ اسْتَقامَتْ فَلا داعِي إلى التَّكَلُّفِ.
وقَدْ أشارَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى ما حَدَثَ بَيْنَ اليَهُودِ مِنَ التَّخاذُلِ وإهْمالِ ما أمَرَتْهم بِهِ شَرِيعَتُهم. والأظْهَرُ أنَّ المَقْصُودَ يَهُودُ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وقَيْنُقاعَ. وأرادَ مِن ذَلِكَ بِخاصَّةٍ ما حَدَثَ بَيْنَهم في حُرُوبِ بُعاثَ القائِمَةِ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا تَقاتَلَ الأوْسُ والخَزْرَجُ اعْتَزَلَ اليَهُودُ الفَرِيقَيْنِ زَمَنًا طَوِيلًا والأوْسُ مَغْلُوبُونَ في سائِرِ أيّامِ القِتالِ فَدَبَّرَ الأوْسُ أنْ يَخْرُجُوا يَسْعَوْنَ لِمُحالَفَةِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ فَلَمّا عَلِمَ الخَزْرَجُ تَوَعَّدُوا اليَهُودَ إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَقالُوا لَهم إنّا لا نُحالِفُ الأوْسَ ولا نُحالِفُكم فَطَلَبَ الخَزْرَجُ عَلى اليَهُودِ رَهائِنَ أرْبَعِينَ غُلامًا مِن غِلْمانِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ فَسَلَّمُوهم لَهم. ثُمَّ إنَّ عَمْرَو بْنَ النُّعْمانِ البَياضِيَّ الخَزْرَجِيَّ أطْمَعَ قَوْمَهُ أنْ يَتَحَوَّلُوا لِقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ لِحُسْنِ أرْضِهِمْ ونَخْلِهِمْ وأرْسَلَ إلى قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ يَقُولُ لَهم إمّا أنْ تُخَلُّوا لَنا دِيارَكم وإمّا أنْ نَقْتُلَ الرَّهائِنَ فَخَشِيَ القَوْمُ عَلى رَهائِنِهِمْ واسْتَشارُوا كَعْبَ بْنَ أُسَيْدٍ القُرَظِيَّ فَقالَ لَهم يا قَوْمُ امْنَعُوا دِيارَكم وخَلُّوهُ يَقْتُلِ الغِلْمانَ فَما هي إلّا لَيْلَةٌ يُصِيبُ أحَدُكم فِيها امْرَأتَهُ حَتّى يُولَدَ لَهُ مِثْلُ أحَدِكم فَلَمّا أجابَتْ قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ عَمْرًا بِأنَّهم يَمْنَعُونَ دِيارَهم عَدا عَمْرٌو عَلى الغِلْمانِ فَقَتَلَهم فَلِذَلِكَ تَحالَفَتْ قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ مَعَ الأوْسِ فَسَعى الخَزْرَجُ في مُحالَفَةِ بَنِي قَيْنُقاعَ مِنَ اليَهُودِ وبِذَلِكَ نَشَأ قِتالٌ بَيْنَ فِرَقِ اليَهُودِ وكانَ بَيْنَهم يَوْمَ بُعاثٍ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِخَمْسِ سِنِينَ فَكانَتِ اليَهُودُ تَتَقاتَلُ وتُجْلِي المَغْلُوبِينَ مِن دِيارِهِمْ وتَأْسِرُهم، ثُمَّ لَمّا ارْتَفَعَتِ الحَرْبُ جَمَعُوا مالًا وفَدَوْا بِهِ أسْرى اليَهُودِ الواقِعِينَ في أسْرِ أحْلافِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الأوْسِ أوِ الخَزْرَجِ فَعَيَّرَتِ العَرَبُ اليَهُودَ بِذَلِكَ وقالَتْ كَيْفَ تُقاتِلُونَهم ثُمَّ تَفْدُونَهم بِأمْوالِكم فَقالُوا قَدْ حُرِّمَ عَلَيْنا قِتالُهم ولَكِنّا نَسْتَحِي أنْ نَخْذُلَ حُلَفاءَنا وقَدْ أُمِرْنا أنْ نَفْدِيَ الأسْرى فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهم وهو مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]

الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ} : كقوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بني إِسْرَائِيلَ: لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله} [البقرة: 83] .
قوله: {مِّن دِيَارِكُمْ} متعلِّقٌ بتُخْرِجُون ومِنْ لابتداءِ الغايةِ. ودِيار جمع دَار والأصل: دَوَر، لأنها من دَار يدُور دَوَراناً، وأصلُ دِيار: دِوار، وإنما قُلِبت الواوُ ياءً لانكسارِ ما قبلَها، واعتلالِها في الواحدِ. وهذه قاعدةٌ مطَّردة في كلِّ جَمْعٍ على فِعال صحيحِ اللام قد اعتلَّتْ عينُ مفردِه أو سَكَنَتْ حرفَ علةٍ نحوُ: دار ودِيار وثِياب، ولذلك صَحًّ «رِواء» لاعتلال لامه، و «طِوال» لتحرُّكِ عينِ مفردِه وهو طويلٍ، فأمَّا «طِيال» في طِوال فشاذٌّ. وحكمُ المصدرِ حكمُ هذا نحو: قامَ قِياماً وصامَ صِياماً، ولذلك صَحَّ «لِواذ» لِصحَّةِ فِعْلِه في قولِهم: لاوَذ، وأمَّا «دَيَّار» فهو من لفظة الدَّار، وأصلُه دَيْوار، فاجتمع الياءُ والواوُ فأُعِلاَّ على القاعدةِ المعروفةِ فوزنُه: فَيْعال لا فَعَّال، إذ لو كان فَعَّالاً لقيل: دَوَّار كصَوَّام وقَوَّام. والدارُ مجتمعُ القومِ من الأبنية. وقال الخليل: «كلُّ موضعٍ حَلَّه الناس، وإن لم يكن أبنيةً» .
وقرئ: «تَسْفُكُون» بضم الفاء، و «تُسَفِّكون» من سَفَّك مضعفاً، «وتُسْفِكون» من أَسْفك الرباعي.
وقوله: {دِمَآءَكُمْ} يَحْتملُ الحقيقةَ وقد وُجِدَ مَنْ قَتَلَ نَفْسَه، ويَحْتمل المجازَ وذلك من أوجه، أحدها: إقامةُ السببِ مُقامَ المُسَبَّب، أي: إذا سَفَكْتُمْ دمَ غيرِكم فقد سُفِكَ دَمُكم، وهو قريبٌ/ من قولهم: «القتلُ أنفى للقتل» . قال:
583 - سَقَيْناهُمُ كأساً سَقَوْنا بمثلِها ... ولكنهم كانُوا على الموتِ أَصْبَرَا
وقيل: «المعنى: لا يَسْفِك بعضُكم دمَ بعض» واختاره الزمخشري. وقيل: «لا تسفِكوها بارتكابكم ما يُوجِبُ سَفْكَها كالارتداد ونحوه» .
قوله: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ} قال أبو البقاء: «فيه وجهان، أحدُهما أنَّ» ثُمَّ «على بابِها في إفادَةِ العَطْفِ والتراخي. والمعطوفُ عليه محذوفٌ تقديرُه: فَقَبِلْتُم ثم أَقْررتم. والثاني: أن تكونَ» ثُمَّ «جاءَتْ لترتيبِ الخبرِ لا لترتيبِ المُخْبَر عنه، كقوله تعالى: {ثُمَّ الله شَهِيدٌ} [يونس: 46] .
قوله: {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} كقوله: {وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ} [البقرة: 83] .

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
شهد
الشُّهُودُ والشَّهَادَةُ: الحضور مع المشاهدة، إمّا بالبصر، أو بالبصيرة، وقد يقال للحضور مفردا قال الله تعالى: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ [السجدة : 6] ، لكن الشهود بالحضور المجرّد أولى، والشّهادة مع المشاهدة أولى، ويقال للمحضر: مَشْهَدٌ، وللمرأة التي يحضرها زوجها: مُشْهِدٌ، وجمع مَشْهَدٍ: مَشَاهِدُ، ومنه: مَشَاهِدُ الحجّ، وهي مواطنه الشريفة التي يحضرها الملائكة والأبرار من الناس. وقيل: مَشَاهِدُ الحجّ: مواضع المناسك. قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج : 28] ، ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما﴾ [النور : 2] ، ﴿ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ [النمل : 49] ، أي: ما حضرنا، ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان : 72] ، أي: لا يحضرونه بنفوسهم ولا بهمّهم وإرادتهم.
والشَّهَادَةُ: قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصيرة أو بصر. وقوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف : 19] ، يعني مُشَاهَدَةِ البصر ثم قال: ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ﴾ [الزخرف : 19] ، تنبيها أنّ الشّهادة تكون عن شُهُودٍ، وقوله: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [آل عمران : 70] ، أي: تعلمون، وقوله: ﴿ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ﴾ [الكهف : 51] ، أي: ما جعلتهم ممّن اطّلعوا ببصيرتهم على خلقها، وقوله: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ [السجدة : 6] ، أي: ما يغيب عن حواسّ الناس وبصائرهم وما يشهدونه بهما. وشَهِدْتُ يقال على ضربين: أحدهما جار مجرى العلم، وبلفظه تقام الشّهادة، ويقال: أَشْهَدُ بكذا، ولا يرضى من الشّاهد أن يقول: أعلم، بل يحتاج أن يقول: أشهد. والثاني يجري مجرى القسم، فيقول: أشهد بالله أنّ زيدا منطلق، فيكون قسما، ومنهم من يقول: إن قال: أشهد، ولم يقل: بالله يكون قسما، ويجري علمت مجراه في القسم، فيجاب بجواب القسم نحو قول الشاعر:
274- ولقد علمت لتأتينّ منيّتي(١)
ويقال: شَاهِدٌ وشَهِيدٌ وشُهَدَاءُ، قال تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ﴾ [البقرة : 282] ، قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ [البقرة : 282] ، ويقال: شَهِدْتُ كذا، أي: حضرته، وشَهِدْتُ على كذا، قال: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ﴾ [فصلت : 20] ، وقد يعبّر بالشهادة عن الحكم نحو: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها﴾ [يوسف : 26] ، وعن الإقرار نحو: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور : 6] ، أن كان ذلك شَهَادَةٌ لنفسه. وقوله وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا [يوسف : 81] أي: ما أخبرنا، وقال تعالى: ﴿شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة : 17] ، أي: مقرّين. لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا [فصلت : 21] ، وقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ﴾ [آل عمران : 18] ، فشهادة الله تعالى بوحدانيّته هي إيجاد ما يدلّ على وحدانيّته في العالم، وفي نفوسنا كما قال الشاعر:
275- ففي كلّ شيء له آية ... تدلّ على أنه واحد(٢)
قال بعض الحكماء: إنّ الله تعالى لمّا شهد لنفسه كان شهادته أن أنطق كلّ شيء كما نطق بالشّهادة له، وشهادة الملائكة بذلك هو إظهارهم أفعالا يؤمرون بها، وهي المدلول عليها بقوله: ﴿فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً﴾ [النازعات : 5] ، وشهادة أولي العلم: اطّلاعهم على تلك الحكم وإقرارهم بذلك(٣) ، وهذه الشّهادة تختصّ بأهل العلم، فأمّا الجهّال فمبعدون منها، ولذلك قال في الكفّار: ﴿ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف : 51] ، وعلى هذا نبّه بقوله: ﴿إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ [فاطر : 28] ، وهؤلاء هم المعنيّون بقوله: ﴿وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء : 69] ، وأمّا الشَّهِيدُ فقد يقال لِلشَّاهِدِ، والْمُشَاهِدِ للشيء، وقوله: ﴿مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق : 21] ، أي: من شهد له وعليه، وكذا قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء : 41] ، وقوله: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق : 37] ، أي: يشهدون ما يسمعونه بقلوبهم على ضدّ من قيل فيهم: ﴿أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت : 44] ، وقوله: أَقِمِ الصَّلاةَ(٤) ، إلى قوله: مَشْهُوداً(٥) أي: يشهد صاحبه الشّفاء والرّحمة، والتّوفيق والسّكينات والأرواح المذكورة في قوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء : 82] ، وقوله: ﴿وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ﴾ [البقرة : 23] ، فقد فسّر بكلّ ما يقتضيه معنى الشهادة، قال ابن عباس: معناه أعوانكم(٦) ، وقال مجاهد: الذين يشهدون لكم، وقال بعضهم: الذين يعتدّ بحضورهم ولم يكونوا كمن قيل فيهم شعر:
276- مخلّفون ويقضي الله أمرهمو ... وهم بغيب وفي عمياء ما شعروا(٧)
وقد حمل على هذه الوجوه قوله: ﴿وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً﴾ [القصص : 75] ، وقوله: ﴿وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات : 7] ، ﴿أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت : 53] ، ﴿وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾ [النساء : 79] ، فإشارة إلى قوله: ﴿لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ [غافر : 16] ، وقوله: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى﴾ [طه : 7] ، ونحو ذلك ممّا نبّه على هذا النحو، والشَّهِيدُ: هو المحتضر، فتسميته بذلك لحضور الملائكة إيّاه إشارة إلى ما قال: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا ... الآية [فصلت : 30] ، قال: ﴿وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ [الحديد : 19] ، أو لأنهم يَشْهَدُونَ في تلك الحالة ما أعدّ لهم من النّعيم، أو لأنهم تشهد أرواحهم عند الله كما قال: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران : 169-170] ، وعلى هذا دلّ قوله: وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ، وقوله: ﴿وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج : 3] ، قيل: الْمَشْهُودُ يوم الجمعة(٨) ، وقيل: يوم عرفة، ويوم القيامة، وشَاهِدٌ: كلّ من شهده، وقوله: ﴿يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود : 103] ، أي: مشاهد تنبيها أن لا بدّ من وقوعه، والتَّشَهُّدُ هو أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدا رسول الله، وصار في التّعارف اسما للتّحيّات المقروءة في الصّلاة، وللذّكر الذي يقرأ ذلك فيه.

(١) الشطر للبيد، من معلقته، وعجزه: إنّ المنايا لا تطيش سهامها
وهو من شواهد سيبويه 1/ 465، ومغني اللبيب ص 524، ويروى عجزه: لا بعدها خوف عليّ ولا عدم
وهو بهذه الرواية لم ينسب، وانظر: خزانة الأدب 9/ 159.
(٢) البيت لأبي العتاهية، وهو في ديوانه ص 62، والزهرة 2/ 502، وهو في البصائر 3/ 352، ونظم الدرر 4/ 289، دون نسبة.
(٣) قال ابن القيم: وهذا يدل على فضل العلم وأهله من وجوه: أحدها: استشهادهم دون غيرهم من البشر.
الثاني: اقتران شهادتهم بشهادته.
والثالث: اقترانها بشهادة الملائكة.
الرابع: أنّ في ضمن هذا تزكيتهم وتعديلهم، فإنّ الله لا يَسْتَشْهِدُ من خلقه إلا العدول.
راجع: مفتاح دار السعادة 1/ 48.
(٤) الآية: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ، إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً سورة الإسراء: آية 78.
(٥) الآية: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ، إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً سورة الإسراء: آية 78.
(٦) انظر: تفسير الماوردي 1/ 77، والبصائر 3/ 353.
(٧) البيت للأخطل في ديوانه ص 109.
وهو في البصائر 3/ 353 دون نسبة، وعجزه في مقدمة جامع التفاسير للمؤلف ص 155، ولم يعرفه المحقق.
(٨) أخرج الترمذي والبيهقي وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة» . انظر: الدر المنثور 8/ 463، وعارضة الأحوذي 12/ 237.